النص المفهرس
صفحات 461-480
٤٦١ ثم دخلت سنة أربع وثلاثين ومائة ذكر ما كان فيها من الأحداث [ ذكر خبر خلع بسام بن إبراهيم ] ففيها خالف بسام بن إبراهيم بن بسام ، وخَلَع، وكان من فُرسان أهلِ خراسان . وشخص - فيما ذكر - من عسكر أبى العباس أمير المؤمنين مع جماعة ممّن شايعه على ذلك من رأيه؛ مستسرين (١) بخروجهم، ففحص عن أمرهم وإلى أين صاروا ، حتى وقف على مكانهم بالمدائن، فوجه إليهم أبو العباس خازم بن خزيمة ، فلما لقى بساماً ناجزه القتال ، فانهزم بسام وأصحابُه وقتل أكثرهم ، واستبيح عسكره ، ومضى خازم وأصحابه فى طلبهم (٢)، فى أرض جوخى إلى أن بلغ ماه ، وقتل كلّ مَن لحقه منهزمًا، أو ناصبه القتال؛ ثم انصرف من وجهه ذلك ؛ فمرّ بذات المطامير - أو بقرية شبيهة بها - وبها من بنى الحارث بن كعب من بنى عبد المدان ؛ وهم أخوال أبى العباس ذنبة (٣) فمرّ بهم وهم فى مجلس لهم - وكانوا خمسة وثلاثين رجلا منهم ومن غيرهم ثمانية عشر رجلا ، ومن مواليهم سبعة عشر رجلا - فلم يسلّم عليهم، فلما جاز شتموه؛ وكان فى قلبه عليهم ما كان لما بلغه عنهم من حال المغيرة بن الفزع (٤)، وأنه لجأ إليهم ، وكان من أصحاب بسام بن إبراهيم فكرّ راجعًا ، فسألهم عما بلغه من نزول المغيرة بهم ؛ فقالوا : مرّ بنا رجل مجتاز لا نعرفه ؛ فأقام فى قريتنا ليلة ثم خرج عنها ، فقال لهم : أنتم أخوال أمير المؤمنين ويأتيكم عدوّه ، فيأمن فى قريتكم ! فهلا اجتمعتم فأخذتموه ! فأغلظوا له الجواب ، فأمر بهم فضُرِبت أعناقهم جميعًا ، وهُدمت دورهم ، وانتهبت أموالهم ، ثم انصرف إلى أبى العباس؛ وبلغ ما كان من فعل خازم اليمانية، فأعظموا ذلك؛ واجتمعت كلمتُهم، فدخل زياد بن عبيد الله الحارثىّ على أبى العباس مع عبد الله بن ٧٦/٣ (١) ط: ((مستبشرين)) وما أثبته من ت. (٣) ابن الأثير: ((دنيا)). (٢) ج: ((طلبه)). (٤) ت: ((القرع)). ٤٦٢ ٧٧/٣ سنة ١٣٤ الربيع الحارثى وعثمان بن نهيك ، وعبد الجبار بن عبد الرحمن ؛ وهو يومئذ على شُرْطة أبى العباس ؛ فقالوا : يا أميرَ المؤمنين ؛ إن خادماً اجترأ عليك بأمر لم يكن أحد (١) من أقرب ولد أبيك ليجترئ عليك به ؛ من استخفافه بحقّك؛ وقتل أخوالك الذين قطعوا البلاد ، وأتوك معتزّين بك، طالبين معروفك؛ حتى إذا صاروا إلى دارك وجوارك ، وثب عليهم خازم فضرب أعناقهم ، وهدم دورهم ، وأنهب أموالهم ، وأخرب ضياعهم ؛ بلا حدث أحدثوه . فهمّ بقتل خازم ؛ فبلغ ذلك موسى بن كعب وأبا الجهم بن عطيّة ، فدخلا على أبى العباس، فقالا: بلغنا يا أمير المؤمنين ما كان من تحميل (٢) هؤلاءالقوم إياك على خازم ؛ وإشارتهم عليك بقتله ؛ وما هممتَ به من ذلك ؛ وإنا نعيذك بالله من ذلك؛ فإنّ له طاعةً وسابقة؛ وهو يحتمل له ما صنع ؛ فإنّ شيعتكم من أهل خراسان قد آثروكم على الأقارب من الأولاد والآباء والإخوان ؛ وقتلوا من خالفكم ، وأنت أحقّ من تعمد إساءة مسيئهم ؛ فإن كنتَ لا بد مجمعًا على قتله فلا تتولّ ذلك بنفسك ، وعرّضه من المباعث لما إن قتل فيه كنت قد بلغت الذى أردت (٣)، وإن ظفر كان ظفره لك . وأشاروا عليه بتوجيهه إلى مَن بعُمان من الخوارج إلى الجلندى وأصحابه ، وإلى الخوارج الذين بجزيرة ابن كاوان مع شيبان بن عبد العزيز اليشكرىّ ، فأمر أبو العباس بتوجيهه مع سبعمائة رجل ؛ وكتب إلى سليمان بن علىّ وهو على البصرة بحملهم فى السفن إلى جزيرة ابن كاوان وُعُمَان فشخص . ٧٨/٣ [ أمر الخوارج مع خزيمة بن خازم وقتل شيبان بن عبد العزيز] وفى هذه السنة شخص خازم بن خزيمة إلى ◌ُمان ، فأوقع بمَنْ فيها من الخوارج ، وغلب عليها وعلى ما قُرب منها من البلدان وقتل شيبان الخارجىّ . ذكر الخبر عما كان منه هنالك : ◌ُذكر أن خازم بن خزيمة شخص فى السبعمائة الذين ضمّهم إليه أبو العباس، وانتخب من أهل بيته وبنى عمه ومواليه ورجال من أهل مَرو الرّوذ ، قد عرفهم (٢) ت: ((تحيل)). (١) ت: ((رجل)). (٣) ت: ((قد أردت)). ٤٦٣ سنة ١٣٤ ووثق بهم؛ فسار إلى البَصْرة ، فحملهم سليمان بن علىّ، وانضم إلى خازم بالبصرة عدّة من بني تميم ، فساروا حتى أرسوْا بجزيرة ابن كاوان ، فوجّه خازم نضلة بن نعيم (١) النهشلىّ فى خمسمائة رجل من أصحابه إلى شيبان ، فالتقوا فاقتتلوا قتالا شديداً ، فركب شيبان وأصحابه السفن ، فقطعوا إلى عُمّان - وهم صُفُرّيّة - فلما صاروا إلى ◌ُمان نَصب لهم الجلندى وأصحابه - وهم إباضية - فاقتتلوا قتالا شديداً ، فقُتل شيبان ومن معه، ثم سار خازم فى البحر بمن معه؛ حتى أرسوا إلى ساحل ◌ُمان ، فخرجوا إلى صحراء ، فلقيتهم الجلندى وأصحابه ، فاقتتلوا قتالا شديداً ، وكثر القتل يومئذ فى أصحاب خازم؛ وهم يومئذ على ضفة البحر ، وقتِل فيمن قُتِل أخٌ لحازم لأمه يقال له إسماعيل ، فى تسعين رجلاً من أهل مَرْو الروذ، ثم تلاقوا فى اليوم الثانى ؛ فاقتتلوا قتالا شديداً ، وعلى ميمنته رجل من أهل مَرْو الروذ ، يقال له حميد الورتكانىّ، وعلى ميسرته رجل من أهل مَرْوالرّوذ يقال له مسلم الأرغدىّ، وعلى طلائعه نضلة بن نعيم النهشلىّ ، فقتل يومئذ من الخوارج تسعمائة رجل ، وأحرقوا منهم نحواً من تسعين رجلا . ثم التقوا بعد سبعة أيام من مَقْدَم خازم على رأى أشار به عليه رجلٌ من أهل الصُّغْد ، وقع بتلك البلاد ، فأشار عليه أن يأمر أصحابه فيجعلوا على أطراف أسنتهم المُشاقة (٢) ويرووها بالنِّقط، ويُشعِلوا فيها النيران ؛ ثم يمشوا بها حتى يضرموها فى بيوت أصحاب الجلندى . وكانت من خشب وخلاف ؛ فلما فعل ذلك وأضرمت بيوتُهم بالنيران وشغلوا بها وبمن فيها من أولادهم وأهاليهم شدّ عليهم خازم وأصحابه ؛ فوضعوا فيهم السيوف وهم غير ممتنعين منهم ، وقتل الجلندى فيمن قُتِل ، وبلغ عدّة مَنْ قتل عشرة آلاف؛ وبعث خازم برءوسهم إلى البصرة، فمكثتْ(٣) بالبصرة أيامًا، ثم بعث بها إلى أبى العباس، وأقام خازم بعد ذلك أشهراً ؛ حتى أتاه كتاب أبى العباس بإقفاله فقفلوا . ٧٩/٣ ... [ ذكر غزوة كسّ ] وفى هذه السنة غزا أبو داود خالد بن إبراهيم أهل كسّ (٤) فقتل الأخريد (١) ابن الأثير: ((فضلة بن نعيم)). (٢) المشاقة من الكتان والقطن والشعر: ما خلص منه. (٤) ط: ((كش))، وانظر الفهرس. (٣) ط: ((فكث)). ٤٦٤ سنة ١٣٤ ملكها ؛ وهو سامع مطيع قدم عليه قبل ذلك بلْخ ، ثم تلقاه بكندك مما يلى كس"؛ وأخذ أبو داود من الأخريد وأصحابه حين قتلهم من الأوانى الصينية المنقوشة المذهبة التى لم يُرّ مثلها، ومن السروج الصينيّة ومتاع الصين كله من ٨٠/٣ الديباج وغيره، ومن طُرَف الصين شيئًا كثيراً، فحمله أبو داود أجمع إلى أبى مسلم وهو بسَمْرقتَنْد، وقتل أبو داود دهقان كسّ فى عدّة من دهاقينها واستحيا طاران أخا الأخريد وملكه على كسّ، وأخذ ابن النجاح وردّه إلى أرضه، وانصرف أبو مسلم إلى مَرْ وبعد أن قتل فى أهل الصّغْد وأهل بخارى ، وأمر ببناء حائط ◌ٌسَمَرْ قند، واستخلف زياد بن صالح على الصّغْد وأهل بخارى ، ثم رجع أبو داود إلى بلخ . # [ ذكر قتال منصور بن جمهور ] وفى هذه السنة وجه أبو العباس موسى بن كعب إلى الهند(١) لقتال منصور ابن جمهور ، وفرض لثلاثة آلاف رجل من العرب والموالى بالبصرة ولألف من بني تميم خاصّة، فشخص واستخلف مكانه على شُرْطة أبى العباس المسيّب ابن زُهير حتى ورد السُّنْد، ولفى منصور بن جمهور فى اثنى عشر ألفًا ، فهزمه ومَنْ معه ، ومضى فمات عطشًا فى الرمال. وقد قيل : أصابه بطن، وبلغ خليفة منصور وهو بالمنصورة هزيمة منصور، فرحل بعيال منصور وثقله ، وخرج بهم فى عدّة من ثقاته ، فدخل بهم بلاد الخزر . وفيها توفّى محمد بن يزيد بن عبد الله وهو على اليمن ، فكتب أبو العباس إلى علىّ بن الربيع بن عبيد الله الجاربىّ، وهو عامل لزياد بن عبيد اللّه على مكة بولايته على اليمن فسار إليها (٢). وفى هذه السنة تحوّل أبو العباس من الحيرة إلى الأنبار - وذلك فيما قال الواقدىّ وغيره- فى ذى الحجة . (١) ابن الأثير: ((إلى السند)). (٢) ح: ((بأهلها)). سنة ١٣٤ ٤٦٥ ٨١/٣ وفيها عزِل صالح بن صبيحعن أرمينية ، وجعل مكانه یزید بن أسید. وفيها عُزل مجاشع بن يزيد عن أذْرَبيجان ، واستعمل عليها محمد بن صول . وفيها ضرَب المنار من الكوفة إلى مكة والأميال . وحجّ بالناس فى هذه السنة عيسى بن موسى ، وهو على الكوفة وأرضها . وكان على قضاء الكوفة ابن أبى ليلَى، وعلى المدينة ومكة والطائف والمامة زياد بن عبيد الله، وعلى اليمن علىّ بن الربيع الحارثىّ، وعلى البصرة وأعمالها وكُور دجلة والبحرين وُعُمان والعرْض ومهرجانقذق سليمان بن علىّ، وعلى قضائها عباد بن منصور، وعلى السند موسى بن كعب، وعلى خراسان والجبال أبو مسلم ، وعلى فلسطين صالح ابن علىّ، وعلى مصر أبوعوْن ، وعلى موصل إسماعيل بن على ، وعلى أرمينية يزيد بن أسيد، وعلى أذر بيجان محمد بن صول. وعلى ديوان الخراج خالد بن برمك، وعلى الجزيرة عبد الله بن محمد أبو جعفر وعلى قنَّسرين وحِمْص وكور دمشق والأردن" عبد الله بن علىّ" . ٤٦٦ ثم دخلت سنة خمس وثلاثين ومائة ذكر ما كان فيها من الأحداث [ ذكر خبر خروج زياد بن صالح ] فما کان فیھا من ذلك خروجُ زیاد بن صالح وراء نھر بلْخ، فشخص ٨٢/٣ أبو مسلم من مَرْو مستعدًّا للقائِه، وبعث أبو داود خالد بن إبراهيم نصر بن راشد إلى الترْمذ، وأمره أن ينزل مدينتها، مخافة أن يبعث زياد بن صالح إلى الحصن والسفن فيأخذها ؛ ففعل ذلك نصر ، وأقام بها أيامًا ، فخرج عليه ناس من الراونديّة من أهل الطالقان مع رجل يكنى أبا إسحاق ، فقتلوا نصرًا، فلما بلغ ذلك أبا داود بعث عيسى بن ماهان فى تتبّع قتلة نصر ، فتتبعهم فقتلهم ، فمضى أبو مسلم مسرعًا ؛ حتى انتهى إلى آمُل ، ومعه سباع بن أبى النعمان الأزدىّ ، وهو الذى كان قدم بعهد زياد بن صالح من قِبتل أبى العباس، وأمره إن رأى فرصة أن يَشِبَ على أبى مسلم فيقتله. فأخبر أبو مسلم بذلك، فدفع سباع بن النعمان إلى الحسن بن الجُنيد عامله على آمُل ، وأمره بحبسه عنده ، وعبر أبو مسلم إلى بخارى ، فلما نزلها أتاه أبو شاكر وأبو سعد الشروىّ فى قُوّاد قد خلعوا زياداً، فسألهم أبو مسلم عن أمر زياد ومَنْ أفسده ، قالوا : سباع بن النعمان ، فكتب إلى عامله على آمُل أن يضرب سباعًا مائة سوط ، ثم يضرب عنقه ، ففعل . ولما أسلم زياداً قوّادُه ولحقوا بأبى مسلم لجأ إلى دهقان بارْكَث، فوثب عليه الدهقان ، فضرب عنقه، وجاء برأسه إلى أبى مسلم ، فأبطأ أبو داود على أبى مسلم لحال الراونديّة الذين كانوا خرجوا ، فكتب إليه أبو مسلم: أما بعد فليفرِخ (١) رَوْعك، ويأمن سربك، فقد قتل اللّه زياداً، فاقْدَم، فقدم أبو داود، ٨٣/٣ كس٣(٢)، وبعث عيسى بن ماهان إلى بسام، وبعث ابن النجاح إلى الإصبهبذ إلى شاوَغَر ، فحاصر الحصن فأما أهل شاوغر فسألوا الصلح، فأجيبوا إلى ذلك . (١) ط: ((ليفرج)) صوابه من ت. (٢) ط: ((كش)). ٤٦٧ سنة ١٣٥ وأما بسام فلم يصل عيسى بن ماهان إلى شىء منه ؛ حتى ظهر أبو مسلم بستة عشر كتاباً وجدها من عيسى بن ماهان إلى كامل بن مظفّر صاحب أبى مسلم، يعيب فيها أبا داود، وينسبه فيها إلى العصبيّة وإيثاره العرب وقومه على غيرهم من أهل هذه الدعوة ، وأن فى عسكره ستة وثلاثين سُرادقاً للمستأمنة ، فبعث بها أبو مسلم إلى أبى داود ، وكتب إليه : إنّ هذه كتب العِلْج الذى صَيَّرته عِدْل نفسك ، فشأنك به . فكتب أبو داود إلى عيسى ابن ماهان يأمره بالانصراف إليه عن بسّام ، فلما قدم عليه حبسه ودفعه إلى عمر النغم ؛ وكان فى يده محبوسًا، ثم دعا به بعد يومين أو ثلاثة فذكره صنيعته به وإيثاره إياه على ولده، فأقرّ بذلك، فقال أبو داود : فكان جزاء ما صنعتُ بك أن سعيتَ بى وأردتَ قتلى، فأنكر ذلك، فأخرج كتبه فعرفها، فضربه أبو داود يومئذ حدّين : أحدهما للحسن بن حمدان . ثم قال أبو داود : أمّا إنى قد تركت ذنبك لك ؛ ولكن الجند أعلم . فأخرج فى القيود ، فلما أخرج من السرّادق وثب عليه حرب بن زياد وحفص بن دينار مولى يحيى بن حُضين، فضر باه بعمود وطَبَرْزِين، فوقع إلى الأرض، وعدا عليه أهل الطالقان وغيرُ هم، فأدخلوه فى جوالق، وضربوه بالأعمدة ، حتى مات ورجع أبو مسلم إلى مَرْو . ٨٤/٣ وحجّ بالناس فى هذه السنة سليمان بن علىّ ، وهو على البصرة وأعمالها . وعلى فضائها عباد بن منصور . وكان على مكة العباس بن عبد الله بن معبد بن عباس ، وعلى المدينة رياد بن عبيد الله الحارثيّ، وعلى الكوفة وأرضها عيسى بن موسى ، وعلى قضائها ابن أبى ليلى ، وعلى الجزيرة أبو جعفر المنصور، وعلى مصر أبو عون، وعلى حمْص وقتَّسرين وبعلبكّ والغُوطة وحَوْران والجولان والأردن عبد الله ابن علىّ، وعلى البلقاء وفلسطين صالح بن علىّ، وعلى الموصل إسماعيل بن علىّ، وعلى أرمينيَة يزيد بن أسيد، وعلى أذْرَبيجان محمد بن صَوْل، وعلى ديوان الخراج خالد بن برمك . ٤٦٨ ثم دخلت سنة ست وثلاثين ومائة ذكر الخبر عما كان فيها من الأحداث * [ ذکر قدوم أبى مسلم على أبى العباس] ففى هذه السنة قدم أبو مسلم العراق من خُراسان على أبى العباس أمير المؤمنين . * ذكر الخبر عن قدومه عليه وما كان من أمره فى ذلك : ذكر على بن محمد أن الهيثم بن عدى أخبره والوليد بن هشام، عن أبيه ، قالا(١): لم يزلْ أبو مسلم مقيماً بخراسان، حتى كتب إلى أبى العباس يستأذنه فى القُدوم عليه، فأجابه إلى ذلك، فقدم على أبى العباس فى جماعة من أهل خُراسان عظيمة ومَنْ تبعه من غيرهم من الأنبار؛ فأمر أبو العباس النَّاس يتلقونه ، فتلقاه الناسُ ، وأقبل إلى أبى العباس ، فدخل عليه فأعظمه وأكرمه؛ ثم استأذن أبا العباس فى الحجّ فقال: لولا أن أبا جعفر يحجّ لاستعملتُك على الموسم . وأنزله قريبًا منه ، فكان يأتيه فى كلّ يوم يسلم عليه ، وكان ما بين أبى جعفر وأبى مسلم متباعداً؛ لأن أبا العباس كان بعث (٢) أبا جعفر إلى أبى مسلم وهو بنيسابور، بعد ما صفت له الأمور بعهده على خُراسان وبالبيعة لأبى العباس ولأبى جعفر من بعده ؛ فبايع له أبو مسلم وأهل خراسان . وأقام أبو جعفر أيامًا حتى فرغ من البيعة ، ثم انصرف. وكان أبو مسلم قد استخفّ بأبى جعفر فى مقدمه ذلك ، فلما قدم على أبى العباس أخبره بما كان من استخفافه به . قال علىّ : قال الوليد عن أبيه : لما قدم أبو مسلم على أبى العباس ، قال أبو جعفر لأبى العباس: يا أميرَ المؤمنين، أطعْنى واقتل أبا مسلم؛ فوالله إنّ فى رأسه لغَدْرة، فقال: يا أخى، قد عرفتَ بَلاءَه وما كان منه، فقال (٢) ت: ((وجه )). (١) ط: ((قال))، وما أثبته من ت. ٨٥/٣ ٦٩ ٤ سنة ١٣٦ أبو جعفر: يا أمير المؤمنين، إنما كان بدولتنا ؛ والله لو بعثتَ سنَّورًا لقام مقامه . وبلغ ما بلغ فى هذه الدولة . فقال له أبو العباس : فكيف نقتله ؟ قال : إذا دخل عليك وحادثته وأقبل عليك دخلتُ فتغفلتُهُ فضربتُه من خلْفه ضربة أتيت بها على نفسه ، فقال أبو العباس : فكيف بأصحابه الذين يؤثرونه على دينهم ودنياهم ؟ قال: يئول ذلك كله إلى ما تريد ، ولو علموا أنه قد ٨٦/٣ قُتل تفرّقوا وذلوّاً ، قال: عزمتُ عليك إلاّ كففتَ عن هذا، قال: أخاف واللّه إن لم تتغدّه اليوم أن يتعشاك غداً، قال : فدونكه ، أنت أعلم . قال : فخرج أبو جعفر من عنده عازمًا على ذلك ، فندم أبو العباس وأرسل إلى أبى جعفر : لا تفعل ذلك الأمر . وقيل : إن أبا العباس لما أذن لأبى جعفر فى قتل أبى مسلم ، دخل أبو مسلم على أبى العباس ، فبعث أبو العباس خصيًّا له ، فقال : اذهب فانظر ما يصنع أبو جعفر ؛ فأتاه فوجده محتبياً بسيفه، فقال للخَصىّ: أجالسٌ أمير المؤمنين؟ فقال له : قد تهيّأ للجلوس ، ثم رجع الخصىّ إلى أبى العباس فأخبره بما رأى منه ، فردَّه إلى أبى جعفر وقال له: قل له الأمر الذى عزمتَ عليه لا تُنفِذْهُ فكفّ أبو جعفر . [ حج أبى جعفر المنصور وأبى مسلم ] وفى هذه السنة حجّ أبو جعفر المنصور وحجّ معه أبو مسلم . ذكر الخبر عن مسيرهما وعن وصفة مقدمهما على أبى العباس : # أما أبو مسلم فإنه - فيما ذكر عنه - لما أراد القدوم على أبى العباس، كتب يستأذنه فى القدوم للحجّ، فأذن له، وكتب إليه أن اقدم فى خمسمائة من الجُنْد، فكتب إليه أبو مسلم : إنّى قد وترتُ الناس ولستُ آمن على نفسى . فكتب إليه أن أقبِلْ فى ألف ؛ فإنما أنت فى سلطان أهلك ودولتك ، وطريق مكة لا تحتمل العسكر؛ فشخص فى ثمانية آلاف فرقهم فيما بين نيسابور والرى ، ٨٧/٣ وقدِمٍ بالأموال والخزائن فخلفها بالرىّ ، وجمع أيضًا أموال الجبل، وشخص منها فى ألف وأقبل ؛ فلما أراد الدّخُول تلقاه القوّاد وسائر الناس، ثم استأذن ٤٧٠ سنة ١٣٦ أبا العباس فى الحجّ ، فأذن له ، وقال: لولا أنّ أبا جعفر حاجّ لوليتك الموسم. وأما أبو جعفر فإنه كان أميرًا على الجزيرة ، وكان الواقدىّ يقول : كان إليه مع الجزيرة أرمينية وأذربيجان ، فاستخلف على عمله مقاتل بن حكيم العكىّ ، وقدم على أبى العباس فاستأذنه فى الحج ؛ فذكر على بن محمد عن الوليد بن هشام عن أبيه أن أبا جعفر سار إلى مكة حاجًا ، وحجّ معه أبو مسلم سنة ست وثلاثين ومائة ، فلما انقضى (١) الموسم أقبل أبو جعفر وأبو مسلم ، فلما كان بين البستان وذات عِرْق أتى أبا جعفر كتابٌ بموت أبى العباس؛ وكان أبو جعفر قد تقدّم أبا مسلم بمرحلة ، فكتب إلى أبى مسلم : إنه قد حدث أمرٌ فالعجل العجل، فأتاه الرسول فأخبره، فأقبل حتى لحق أبا جعفر، وأقبلا إلى الكوفة . وفى هذه السنة عقد أبو العباس عبد الله بن محمد بن على لأخيه أبى جعفر الخلافة مِنْ بعده، وجعله ولىّ عهد المسلمين ، ومن بعد أبى جعفر عيسى ابن موسى بن محمد بن علىّ، وكتب العهد بذلك ، وصيّره فى ثوب، وختم عليه بخاتمه وخواتيم أهل بيته ، ودفعه إلى عيسى بن موسى . [ ذكر الخبر عن موت أبى العباس السفاح] وفيها توفّىَ أبو العباس أمير المؤمنين بالأنبار يوم الأحد، لثلاث عشرة خلَتْ من ذى الحجة . وكانت وفاته فيما قيل بالجدّرىّ . ٨٨/٣ وقال هشام بن محمد : توفى لاثنتى عشرة ليلة مضت من ذى الحجة . واختلف فى مبلغ سنه يوم وفاته، فقال بعضهم : كان له يوم توفِّىَ ثلاث وثلاثون سنة . وقال هشام بن محمد : كان يوم توفى ابن ست وثلاثين سنة ، وقال بعضهم : كان له ثمان وعشرون سنة . وكانت ولايته من لتَدُن قُتل مَرْوان بن محمد إلى أن تُوفىَ أربع سنين ، ومن لدن بويع له بالخلافة إلى أن مات أربع سنين وثمانية أشهر . وقال بعضهم : وتسعة أشهر . وقال الواقدّى: أربع سنين وثمانية أشهر منها ثمانية أشهر وأربعة (١) ج: ((فلما كان انقضاء)». ٤٧١ سنة ١٣٦ أيام يقاتل مروان . وملك بعد مروان أربع سنين. وكان - فيما ذُكِرٍ - ذاشعرة جَعْدة، وكان طويلا أبيض أقنَى الأنف ، حسنَ الوجه واللحية . وأمه رَيْطة بنت عبيد اللّه بن عبد الله بن عبد المدان بن الديان الحارثيّ وكان وزيره أبو الجهم بن عطيّة . وصلى عليه عمه عيسى بن علىّ ، ودفنه بالأنبار العتيقة فى قصره . وكان - فيما ذكر - خلَّف تسع جباب ، وأربعة أقمصة ، وخمسة سراويلات ، وأربعة طيالسة ، وثلاثة مطارف خَزّ . خلافة أبى جعفر المنصور وهو عبد الله بن محمد وفى هذه السنة بويع لأبي جعفر المنصور بالخلافة ؛ وذلك فى اليوم الذى توفىَ فيه أخوه أبو العباس ، وأبو جعفر يومئذ بمكة ؛ وكان الذى أخذ البيعة بالعراق لأبى جعفر بعد موت أبى العباس عيسى بن موسى ، وكتب إليه عيسى يُعلمه بموت أخيه أبى العباس وبالبيعة له . وذكر على بن محمد، عن الهيثم، عن عبد الله بن عيّاش، قال: لما ٨٩/٣ حضرتْ أبا العباس الوفاة ، أمر الناس بالبيعة لعبد الله بن محمد أبى جعفر ، فبايع الناس له بالأنبار فى اليوم الذى مات فيه أبو العباس . وقام بأمر الناس عيسى بن موسى ، وأرسل عيسى بن موسى إلى أبى جعفر وهو بمكة محمد بن الحصين العبدىّ بموت أبى العباس ، وبالبَيْعة له ، فلقيه بمكان من الطريق يقال له زكيَّة ، فلما جاءه الكتاب دعا الناس فبايعوه ، وبايعه أبو مسلم ، فقال أبو جعفر: أين موضعنا هذا؟ قالوا : زكيَّة، فقال: أمر يَزْكَى لنا إن شاء الله تعالى . وقال بعضهم : ورد على أبى جعفر البيعة له بعد ما صدر من الحجّ ، فى منزل من منازل طريق مكة ؛ يقال له صُفَيَّة ، فتفاءل باسمه ، وقال: صَفَتْ لنا إن شاء الله تعالى . ٤٧٢ سنة ١٣٦ رجع الحديث إلى حديث علىّ بن محمد: فقال علىّ: حد ثنى الوليد ، ٩٠/٣ عن أبيه ، قال : لما أتى الخبرُ أبا جعفر كتب إلى أبى مسلم وهو نازل بالماء ، قد تقدّمه أبو جعفر ، فأقبل أبو مسلم حتى قدم عليه . ٥ وقيل إن أبا مسلم كان هو الذى تقدّم أبا جعفر ، فعرف الخبر قبله ، فکتب إلى أبى جعفر : بسم الله الرحمن الرحيم . عافاك الله وأمتع بك؛ إنه أتانى أمر أفظعنى وبلغ منى مبلغًا لم يبلغه شىء قطّ، لقيتنى محمد بن الحصين بكتاب من عيسى بن موسى إليك بوفاة أبى العباس أمير المؤمنين رحمه اللّه ، فنسأل الله أن يعظم أجرَك ، وُيحسن الخلافة عليك؛ ويبارك لك فيما أنت فيه؛ إنه ليس من أهلك أحدٌ أشدّ تعظيماً لحقك وأصفى نصيحةً لك ، وحرصًا على ما يسرّك منى. وأنفذ الكتاب إليه ، ثم مكث أبو مسلم يومه ومن الغد ، ثم بعث إلى أبى جعفر بالبَيْعة؛ وإنما أراد ترهيب أبى جعفر بتأخيرها . ٠٠٠ رجع الحديث إلى حديث علىّ بن محمد: فلما جلس أبو مسلم ، ألقى إليه الكتاب ، فقرأه وبكى واسترجع . قال : ونظر أبو مسلم إلى أبى جعفر ، وقد جزع جزعاً شديداً فقال : ما هذا الجزع وقد أتتك الخلافة ؟ فقال : أتخوّف شرّ عبد الله بن علىّ وشيعة علىّ، فقال: لا تخفه؛ فأنا أكفيك أمره إن شاء الله؛ إنما عامة جُندِه ومَن معه أهل خُراسان؛ وهم لا يعصوننى. فسُرّىَ عن أبى جعفرما كان فيه . وبايع له أبو مسلم وبايع الناسُ، وأقبلا حتى ٩١/٣ قدما الكوفة، وردّ أبو جعفر زياد بن عبيد اللّه إلى مكة، وكان قبل ذلك واليًا عليها وعلى المدينة لأبى العباس . وقيل : إن أبا العباس كان قد عزل قبل موته زياد بن عبيد الله الحارثىّ عن مكة، وولاها العباس بن عبد الله بن معبد بن العباس . ٠٠٠ وفى هذه السنة قدم عبد الله بن علىّ على أبى العباس الأنبار ، فعقد له ٤٧٣ سنة ١٣٦ أبو العباس على الصّائفة فى أهل خراسان وأهل الشأم والجزيرة والموصل ، فسار فبلغ دلوك، ولم يُدْرِبْ حتى أتته وفاة أبى العباس . وفى هذه السنة بعث عيسى بن موسى وأبو الجهم يزيدَ بن زياد أبا غسان إلى عبد الله بن علىّ ببيعة المنصور، فانصرف عبدُ الله بن علىّ بمن معه من الجيوش ، قد بايع لنفسه حتى قدم حَرّان . وأقام الحجّ للناس فى هذه السنة أبو جعفر المنصور ؛ وقد ذكرنا ما كان إليه من العمل فى هذه السنة ؛ ومن استخلف عليه حين شخص حاجًا . وكان على الكوفة عيسى بن موسى ، وعلى قضائها ابن أبى ليلى، وعلى البصرة وعملها سليمان بن علىّ، وعلى قضائها عبّاد بن المنصور، وعلى المدينة زياد بن عبيد الله الحارثى، وعلى مكة العباس بن عبد الله بن معبد، وعلى مصر صالح ابن علىّ . ٤٧٤ ٩٢/٣ ثم دخلت سنة سبع وثلاثين ومائة ذكر الخبر عما كان فى هذه السنة من الأحداث [ذكر خبر خروج عبد الله بن علىّ وهزيمته] فمما كان فيها من ذلك قدُوم المنصور أبى جعفر من مكة ونزولُه الحيرة ، فوجد عيسى بن موسى قد شخص إلى الأنبار ، واستخلف على الكوفة طَلْحه ابن إسحاق بن محمد بن الأشعث ، فدخل أبو جعفر الكُوفة فصلّى بأهلها الجمعة يوم الجمعة ، وخطبهم وأعلمهم أنه راحل عنهم ؛ ووافاه أبو مسلم بالحيرة ، ثم شخص أبو جعفر إلى الأنبار وأقام بها ، وجمع إليه أطرافه . وذكر علىّ بن محمد عن الوليد ، عن أبيه ، أنّ عيسى بن موسى كان قد أحرز بيوت الأموال والخزائن والدّواوين ؛ حتى قدم عليه أبو جعفر الأنبار، فبايع الناس له بالخلافة ، ثم لعيسى بن موسى من بعده ؛ فسلم عيسى بن موسى إلى أبى جعفر الأمْر؛ وقد كان عيسى بن موسى بعث أبا غَسّان - واسمه يزيد بن زياد، وهو حاجب أبى العباس- إلى عبد اللّه بن علىّ ببيعة أبى جعفر؛ وذلك بأمرٍ أبى العباس قبل أن يموت حين أمر الناس بالبيعة لأبى جعفر من بعده، فقدم أبو غسان على عبد الله بن علىّ بأفواه الدروب، متوجّهاً يريد الروم ؛ فلما قدم عليه أبو غسان بوفاة أبى العباس وهو نازل بموضع يقال له دُلُوك ، أمر مناديًا فنادى : الصلاة جامعة فاجتمع إليه القوّاد والجند ، فقرأ عليهم الكتاب بوفاة أبى العباس ، ودعا الناس إلى نفسه ؛ وأخبرهم أن ٩٣/٣ أبا العباس حين أراد أن يُوجّه الجنود إلى مروان بن محمد دعا بنى أبيه؛ فأرادهم على المسير إلى مروان بن محمد ، وقال : من انتدب منكم فسار إليه فهو ولى عهدى، فلم ينتدب له غيرى؛ فعلى هذا خرجتُ من عنده، وقتلتُ من قتلت . فقام أبو غانم الطائىّ وخُفاف المروروذىّ فى عدّة من قوّاد أهل خُراسان ، فشهدوا له بذلك؛ فبايعه أبو غانم وخُفاف وأبو الأصبغَ وجميعُ مَن كان معه ٤٧٥ سنة ١٣٧ من أولئك القوّاد، فيهم حُميد بن قَحْطبة وخُفاف الجرجانىّ وحيّاش بن حبيب ومخارق بن غِفار وتُرَارخُدا وغيرهم من أهل خُراسان والشام والجزيرة ، وقد نزل تلّ محمد ، فلما فرغ من البَيْعة ارتحل فنزل حَرّان ، وبها مُقاتل العكىّ - وكان أبو جعفر استخلفه لما قدم على أبى العباس - فأراد مقاتلا على البيعة فلم يجبْه ، وتحصّن منه ، فأقام عليه وحصره حتى استنزله من حصنه فقتله . وسرّح أبو جعفر لقتال عبد الله بن علىّ أبا مسلم ؛ فلما بلغ عبد اللّه إقبالُ أبى مسلم أقام بحرّان ، وقال أبو جعفر لأبى مسلم : إنما هو أنا أو أنت ؛ فسار أبو مسلم نحو عبد اللّه بحَرّان، وقد جمع إليه الجنود والسلاح ، وخندق وجمع إليه الطعام والعلوفة وما يصلحه ، ومضى أبو مسلم سائراً من الأنبار ؛ ولم يتخلَّف عنه من القوّاد أحدٌ، وبعث على مقدمته مالك بن الهيثم الخزاعىّ؛ وكان معه الحسن وحميد ابنا قحطبة ، وكان حميد قد فارق عبد الله بن علىّ، وكان عبد الله أراد قتله، وخرج معه أبو إسحاق وأخوه وأبو حُميد وأخوه ٩٤/٣ وجماعة من أهل خراسان ؛ وكان أبو مسلم استخلف على خراسان حيث شخص خالد بن إبراهيم أبا داود. قال الهيثم : كان حصار عبد اللّه بن علىّ مقاتلا العكىّ أربعين ليلة ، فلما بلغه مسيرُ أبى مسلم إليه، وأنه لم يظفر بمقاتل، وخشى أن يهجم عليه أبو مسلم أعطى العكىّ أمانًا، فخرج إليه فيمن كان معه، وأقام معه أيامًا يسيرة ، ثم وجّهه إلى عثمان بن عبد الأعلى بن سراقة الأزدىّ إلى الرّقة ومعه ابناه، وكتب إليه كتاباً دفعه إلى العكىّ ، فلما قدموا على عثمان قتَل العكىّ وحبس ابنيه ، فلما بلغه هزيمة عبد الله بن علىّ وأهل الشأم بنصيبين أخرجهما فضرب أعناقهما. وكان عبد الله بن علىّ خشى ألا يناصحه أهل خراسان، فقتل منهم نحواً من سبعة عشر ألفًا ؛ أمر صاحب شُرَطه فقتلهم ؛ وكتب حميد بن قحطبة كتابًا ووجّهه إلى حلب، وعليها زُفَر بن عاصم وفى الكتاب: إذا قدم عليك حُميد بن قحطبة فاضرب عنقه ، فسار حميد حتى إذا كان ببعض الطريق فكّر فى كتابه ، وقال: إنّ ذهابى بكتاب ولا أعلم ما فيه لغَرَر، ففك" 1 ا ٤٧٦ سنة ١٣٧ الطومار فقرأه ، فلما رأى ما فيه دعا أناسًا من خاصته فأخبرهم الخبر ، وأفشى إليهم أمره، وشاورهم، وقال: مَن أراد منكم أن ينجوّ ويهرب فليَسِرْ معى؛ فإنى أريد أن آخذ طريق العراق ، وأخبرهم ما كتب به عبد الله بن علىّ فى أمره ، وقال لهم: مَنْ لم يرد منكم أن يحمل نفسه على السير فلا يفشينّ سرّى، ٩٥/٣ وليذهب حيث أحبّ . قال : فاتبعه على ذلك ناس من أصحابه، فأمر حميد بدوابه فأنعلت (١)، وأنعل أصحابه دوابهم، وتأهبوا للمسير معه، ثم فوّز (٢) بهم وبهرَجَ الطريق(٣) فأخذ على ناحية من الرّصافة ؛ رصافة هشام بالشأم ، وبالرّصافة يومئذ مولى لعبد الله بن علىّ يقال له سعيد البربرىّ، فبلغه أنّ حُميد بن قحطبة قد خالف عبد اللّه بن علىّ ، وأخذ فى المفازة، فسار فى طلبه فيمن معه من فُرسانه؛ فلحقه ببعض الطريق ، فلما بصر به حُميد ثى فرَسه نحوه حتى لقيه ، فقال له : ويحك! أما تعرفنى! والله ما لك فى قتالى من خَيْر فارجع ؛ فلا تقتل أصحابى وأصحابك ، فهو خير لك . فلما سمع كلامه عرف ما قال له ، فرجع إلى موضعه بالرُّصافة ، ومضى حُميد ومن كان معه ، فقال له صاحب حرسه موسى بن ميمون : إن لى بالرُّصافة جاريةً ، فإن رأيتَ أن تأذن لى فآتيها فأوصيها ببعض ما أريد، ثم ألحقك ! فأذن له فأتاها ، فأقام عندها، ثم خرج من الرُّصافه يريد حميداً، فلقيه سعيد البربرىّ مولى عبد الله بن علىّ ، فأخذه فقتله ؛ وأقبل عبد الله بن علىّ حتى نزل نَصِيبين، وخندق عليه . وأقبل أبو مسلم . وكتب أبو جعفر إلى الحسن بن قحطبة - وكانخليفته بأرمينية -أن يوافى أبا مسلم، فقدم الحسن بن قحطبة على أبى مسلم وهو بالموصيل، وأقبل أبو مسلم، فنزل ناحية لم يعرِض له، وأخذ طريق الشأم، وكتب إلى عبد الله: إنى لم أومَر بقتالك، ولم أوجَّه له، ولكن أمير المؤمنين ولّ نى الشأم؛ وإنما أريدها؛ فقال مَنْ كان مع عبد الله من أهل الشأم لعبد الله: كيف نقيم معك وهذا ٩٦/٣ يأتى بلادنا، وفيها حرمُنا فيقتل من قدر عليه من رجالنا ، ويسبِى ذراريّنا! (١) فعل الدابة: ما ولى به حافرها وخفها؛ وأنعل الدابة: وضع لها ذلك النعل. (٢) فوز : سلك المفازة. (٣) بهرح الطريق: أى سلك بهم غير المحجة . ٤٧٧ سنة ١٣٧ ولكنا نخرج إلى بلادنا فنمنعه حَرَمنا وذراريّنا ونقاتله إن قاتلنا ، فقال لهم عبد الله بن علىّ: إنه والله ما يريد الشأم، وما وُجُّه إلا لقتالكم، ولئن أقمتم ليأتينّكم . قال : فلم تطب أنفسهُم ، وأبوا إلا المسير إلى الشأم. قال : وأقبل أبو مسلم فعسكر قريبًا منهم ، وارتحل عبد الله بن علىّ من عسكره متوجّهًا نحو الشام ، وتحوّل أبو مسلم حتى نزل فى معسكر عبد الله ابن علىّ فى موضعه، وعوّر (١) ما كان حوله من المياه ، وألقى فيها الجيف. وبلغ عبد الله بن علىّ نزول أبى مسلم معسكره ، فقال لأصحابه من أهل الشأم : ألم أقل لكم! وأقبل فوجد أبا مسلم قد سبقه إلى معسكره ، فنزل فى موضع عسكر أبى مسلم الذى كان فيه ، فاقتتلوا أشهراً خمسة أو ستة، وأهل الشأم أكثر فرسانًا وأكمل عُدّة، وعلى ميمنة عبد الله بكار بن مسلم العقيلىّ، وعلى ميسرته حبيب بن سويد الأسدىّ، وعلى الخيل عبد الصمد بن علىّ ، وعلى ميمنة أبى مسلم الحسن بن قحطبة ، وعلى الميسرة أبو نصر خازم بن خزيمة، فقاتلوه أشهراً . قال علىّ: قال هشام بن عمرو التّغلَبىّ : كنت فى عسكر أبى مسلم، فتحدّث الناس يومًا ، فقيل : أىُّ الناس أشدّ ؟ فقال: قولوا حتى أسمع ، فقال رجل: أهل خراسان . وقال آخر : أهل الشأم ، فقال أبو مسلم : كلّ قوم فى دولتهم أشدّ الناس. قال: ثم التقينا، فحمل علينا أصحاب عبد الله بن علىّ فصدمونا صدمةً أزالونا بها عن مواضعنا، ثم انصرفوا . وشدّ علينا ٩٧/٣ عبد الصمد فى خيل مجرّدة ، فقتل منا ثمانية عشر رجلا، ثم رجع فى أصحابه ، ثم تجمعوا (٢) فرموا بأنفسهم: فأزالوا صفّنا وجُلْنَا جَوْلة، فقلت لأبى مسلم: لو حرّكتُ دابتى حتى أشرف [على] (٣) هذا التلّ فأصبح بالناس، فقد انهزموا ! فقال : افعل ، قال : قلت : وأنت أيضًا فتحرّك دابتك ، فقال: إن أهل الحجَى لا يعطفون دوابهم على هذه الحال ، نادٍ : يا أهل خُراسان ارجعوا؛ فإن العاقبة (٤) لمن اتقى . (١) عور المياه : أى ردم العيون . (٣) من ت . (٢) ابن الأثير: ((ورجعوا)). (٤) ابن الأثير: ((العافية)). ٤٧٨ سنة ١٣٧ قال : ففعلت ، فتراجع الناس ، وارتجز أبو مسلم يومئذ فقال : مَنْ كان ينوى أُهله فلا رجَعْ فَرَّ مِنَ الموت وفى الموت وَقَعْ قال: وكان قد مُميل لأبى مسلم عريش، فكان يجلس عليه إذا التقى الناس فينظر إلى القتال ، فإن رأى خللا فى الميمنة أو فى الميسرة أرسل إلى صاحبها : إنّ فى ناحيتك(١) انتشاراً، فاتّق ألّ نؤتى من قِبلك ؛ فافعل كذا ، قدّم خيلك كذا ، أو تأخّر (٢) كذا إلى موضع كذا ، فإنما رسله تختلف إليهم برأيه حتى ينصرف بعضهم عن بعض . قال: فلما كان يوم الثلاثاء - أو الأربعاء- لسبع خلون من جمادى الآخرة سنة ست وثلاثين ومائة - أو سبع وثلاثين ومائة - التقوْا فاقتتلوا قتالاً شديداً. فلما رأى ذلك أبو مسلم مكر بهم ، فأرسل إلى الحسن بن قحطبة - وكان على ميمنته - أن أعْرِ الميمنة، وضُمَّ أكثرها إلى الميسرة، وليكنْ فى الميمنة حماة أصحابك وأشدّاؤهم . فلما رأى ذلك أهلُ الشأم أعرَوْا ميسرتهَم ، ٩٨/٣ وانضموا إلى ميمنتهم بإزاء ميسرة أبى مسلم . ثم أرسل أبو مسلم إلى الحسن أن مُرْ أهل القلب فليحملوا مع مَنْ بقى فى الميمنة على ميسرة أهل الشأم، فحملوا عليهم فحطموهم ، وجال (٣) أهل القلب والميمنة . قال: وركبهم أهلُ خراسان، فكانت الهزيمة، فقال عبد الله بن علىّ لابن سراقة الأزدىّ - وكان معه: يابن سراقة، ما ترى ؟ قال : أرى واللّه أن تصبر وتقاتل حتى تموت؛ فإنّ الفرار قبيح بمثلك، وقبلُ عبته على مَرْوان، فقلتَ : قبح اللّه مَرْوان! جزع من الموت ففرّ! قال : فإنى آتى العراق، قال: فأنا معك، فانهزموا وتركوا عسكرهم ، فاحتواه أبو مسلم ، وكتب بذلك إلى أبى جعفر . فأرسل أبو جعفر أبا الخصيب مولاه يُحصِى ما أصابوا فى عسكر عبد الله بن علىّ، فغضب من ذلك أبو مسلم. ومضى عبد الله بن على" وعبد الصمد بن على ؛ فأما عبد الصمد فقدم الكوفة فاستأمن له عيسى بن موسى فَآمنه أبو جعفر ، وأما عبد الله بن علىّ فأتى سليمانَ بن علىّ بالبصرة ، فأقام عنده . وآمن أبو مسلم الناسَ فلم يقتل أحداً ، وأمر بالكفّ عنهم . (١) ب: ((إن ناحيتك فيها)). (٢) ج: ((وتأخر)). (٣) ج: ((وحال)). ٤٧٩ سنة ١٣٧ ويقال : بل استأمن لعبد الصمد بن علىّ إسماعيل بن على". وقد قيل : إن عبد الله بن علىّ لما انهزم مضى هو وعبد الصمد أخوه إلى رُصافة هشام ، فأقام عبد الصمد بها حتى قدِ مت عليه خيول المنصور ، وعليها جهور (١) بن مرّار العجلىّ ، فأخذه فبعث به إلى المنصور مع أبى الخصيب مولاه موثَّقًا ، فلما قدم عليه أمر بصْرفه إلى عيسى بن موسى ، فآمنه عيسى وأطلقه وأكرمه ، وحباه وكساه . وأما عبد الله بن علىّ فلم يلبث بالرّصافة إلا ليلة، ثم أدلج فى قواده ومواليه حتى قدم البصرة على سليمان بن علىّ وهو عاملها يومئذ، فآواهم سليمان وأكرمهم ٩٩/٣ وأقاموا عنده زمانًا متوارين . # # [ ذكر خبر قتل أبى مسلم الخراسانىّ ] وفى هذه السنة قُتل أبو مسلم . ذكر الخبر عن مقتله وعن سبب ذلك : # حدّثنى أحمد بن زهير ، قال: حدّثنا علىّ بن محمد ، قال: حدّثنا سلمة بن محارب ومسلم بن المغيرة وسعيد بن أوس وأبو حفص الأزدىّ والنعمان أبو السرىّ ومحرز بن إبراهيم وغيرهم ، أن أبا مسلم كتب إلى أبى العباس يستأذنه فى الحجّ - وذلك فى سنة ست وثلاثين ومائة - وإنما أراد أن يصلى بالناس. فأذن له، وكتب أبو العباس إلى أبى جعفر وهو على الجزيرة وأرمينية وأذْرَبيجان: إن أبا مسلم كتب إلىّ يستأذن فى الحجّ وقد أذنتُ له ؛ وقد ظننتُ أنه إذا قدم يريد أن يسألنى أن أولِّيَّه إقامة الحجّ للناس، فاكتب إلىّ تستأذنى فى الحج؛ فإنك إذا كنتَ بمكة لم يطمع أن يتقدّمك . فكتب أبو جعفر إلى أبى العباس يستأذنه فى الحجّ فأذن له ، فوافى الأنبار ، فقال أبو مُسلم : أما وجد أبو جعفر عامًا يحجّ فيه غيرَ هذا! واضطغنها عليه . # * قال علىّ : قال مسلم بن المغيرة: استخلف أبو جعفر على أرمينية فى تلك (١) ج: ((جمهور)). ٤٨٠ سنة ١٣٧ السنة الحسن بن قحطبة . وقال غيره : استعمل رضيعه يحيى بن مسلم بن عُروة - وكان أسود مولّى لهم - فخرجا إلى مكة فكان أبو مسلم يصلح العقاب(١) ويكسو الأعراب فى كلّ منزل ، ويصلُ من سأله ، وكسا الأعراب البُتوت ١٠٠/٣ والملاحف، وحفر الآبار، وسهل الطرق ؛ فكان الصوت له ؛ وكان الأعراب يقولون: هذا المكذوب عليه؛ حتى قدم مكة فنظر إلى المانية(٢) فقال النيزك - وضرب جنبه - : يا نيزكُ، أىّ جند هؤلاء لو لقيهم رجل ظريف اللسان سريع الدمعة ! ثم رجع الحديث إلى حديث الأولين . قالوا : لما صدر الناس عن الموسم ، تفر أبو مسلم قبل أبى جعفر، فتقد مه ، فأتاه كتابٌ بموت أبى العباس واستخلاف أبى جعفر ، فكتب أبو مسلم إلى أبى جعفر يعزّيه بأمير المؤمنين ؛ ولم يهنّئه بالخلافة ، ولم يقم حتى يلحقه ولم يرجع ؛ فغضب أبو جعفر فقال لأبی أیوب : ا کتب إلیہ کتاباً غليظًا ؛ فلما أتاه کتاب أبى جعفر کتب إليه يهنئه بالخلافة، فقال يزيد بن أسيد السُّلمىّ لأبى جعفر : إنى أكره أن تجامعه فى الطريق والناس جنده ؛ وهم له أطوعُ، وله أهيب ، وليس معك أحدٌ . فأخذ برأيه، فكان يتأخّر ويتقدَّم أبو مسلم ، وأمر أبو جعفر أصحابته فقدموا ، فاجتمعوا جميعًا وجمع سلاحهم ؛ فما كان فى عسكره إلّ ستة أذرع ، فمضى أبو مسلم إلى الأنبار ، ودعا عيسى بن موسى إلى أن يبايع له ؛ فأتى عيسى، فقدم أبو جعفر فنزل الكوفة ؛ وأتاه أن عبد الله بن علىّ قد خلع، فرجع إلى الأنبار، فدعا أبا مسلم، فعقد له، وقال له: سِرْ إلى ابن علىّ، فقال له أبو مسلم: إن عبد الجبار بن عبد الرحمن وصالح بن الهيثم يعيباننى فاحبسهما ، فقال ١٠١/٣ أبو جعفر: عبد الجبار على شُرَطِى - وكان قبل على شُرط أبى العباس - وصالح بن الهيثم أخو أمير المؤمنين من الرّضاعة، فلم أكن لأحبسهما (٣) لظنك بهما ؛ قال : أراهما آثرَ عندك منى! فغضب أبو جعفر ، فقال أبو مسلم : لم أرد كلّ هذا . (١) ب: ((العفاة)). (٣) ج: ((أحبسهما)). (٢) ج: ((أهل اليمامة)).