النص المفهرس
صفحات 421-440
٤٢١ سنة ١٣٢ خلافة أبى العباس عبد الله بن محمد بن علىّ ابن عبد الله بن عباس ذكر الخبر عن سبب خلافته وكان بدء ذلك - فيما ذكر عن رسول الله صلى الله عليه - أنه أعلم العباس" ابن عبد المطلب أنه تؤول الخلافة إلى ولده، فلم يزل ولدُه يتوقّعون ذلك، ٢٤/٣ ويتحدّثون به بینھم . وذكر علىّ بن محمد أن إسماعيل بن الحسن حدّثه عن رشيدبن كريب، أنّ أبا هاشم خرج إلى الشأم ، فلقى محمد بن علىّ بن عبد الله بن عباس ، فقال: يابن عمّ، إن عندى عِلْمًا أنبذه إليك فلا تطلعنّ عليه أحداً؛ إن هذا الأمر الذى يرتجيه الناس، فيكم. قال : قد علمتُ فلا يسمعنَّه منك أحد . قال علىّ: وأخبرنا سليمان بن داود ، عن خالد بن عجلان ، قال : لما خالف ابن الأشعث، وكتب الحجاج بن يوسف إلى عبد الملك، أرسل عبدالملك إلى خالد بن يزيد فأخبره ، فقال : أما إذا كان الفَتْق من سِجِسْتَان فليس عليك بأس ؛ إنما كنا نتخوّف لو كان من خراسان . وقال علىّ : أخبرنا الحسن بن رُشيد وجبلة بن فرّوخ التاجىّ ويحيى بن طفيل والنعمان بن سرىّ وأبو حفص الأزدى وغيرهم أن الإمام محمد بن علىّ ابن عبد اللّه بن عباس ، قال : لنا ثلاثة أوقات : موت الطاغية يزيد بن معاوية، ورأس المائة، وفتق (١) إفريقيّة، فعند ذلك يدعو لنا دعاة، ثم يُقبل أنصارنا من المشرق حتى تردَ خيولهم المغرب، ويستخرجوا ما كنز الجبّارون فيها . فلمّا قتِل يزيد بن أبى مسلم بإفريقية ، ونقضت البربر ، بعث محمد بن علىّ رجلاً إلى خُراسان ، وأمره أن يدعوَ إلى الرضا ، ولا يسمّى أحداً . وقد ذكرنا قبل خبر محمد بن علىّ ، وخبر الدّعاة الذى وجههم إلى خُراسان . ثم مات محمد بن علىّ وجعل وصيّه من بعده ابنه إبراهيم ؛ فبعث إبراهيم بن محمد إلى خراسان أبا سلمة حفص بن سليمان مولى السَّبيع، وكتب ٢٥/٣ معه إلى النقباء بخراسان ، فقبلوا كتبه وقام فيهم ، ثم رجع إليه فرّده ومعه (١) كذا فى ا، وفى ط: ((وفتح إفريقية)). ٤٢٢ سنة ١٣٢ أبو مسلم . وقد ذكرنا أمر أبى مسلم قبل وخبره . ثم وقع فى يد مروان بن محمد كتاب لإبراهيم بن محمد إلى أبى مسلم ، جواب کتاب لأبى مسلم يأمره بقتل كل من يتكلم بالعربية بخراسان. فكتب مروان إلى عامله بدمشق يأمره بالكتاب إلى صاحبه بالبَلْقاء أن يسيرَ إلى الحميمة ، ويأخذ إبراهيم بن محمد ويوجُّه به إليه. فذكر أبو زيد عمر بن شبّة أن عيسى ابن عبد الله بن محمد بن عمر بن علىّ بن أبى طالب، حدّثه عن عثمان بن عروة ابن محمد بن عمار بن ياسر، قال: إنى مع أبى جعفر بالحميمة ومعه ابناه محمد وجعفر ، وأنا أرقّصهما، إذ قال لى : ماذا تصنع ؟ أما ترى إلى ما نحن فيه ! قال: فنظرت فإذا رسل مروان تطلب إبراهيم بن محمد، قال: فقلت: دعْنِى أخرج إليهم، قال: تخرج من بيتى وأنت ابن عمار بن ياسر ! قال : فأخذوا أبواب المسجد حين صلوا الصبح ، ثم قالوا للشاميّين (١) الذين معهم : أين إبراهيم بن محمد ؟ فقالوا : هو ذا ، فأخذوه؛ وقد كان مروان أمرهم بأخذ إبراهيم ، ووصف لهم صفة أبى العباس التى كان يجدها فى الكتب أنه يقتلهم ؛ فلما أتوه بإبراهيم ، قال : ليس هذه الصّفة التى وصفت لكم ، فقالوا : قد رأينا الصفة التى وصفت ، فردّهم فى طلبه ، ونُذروا، فخرجوا إلى العراق هُرَابًا . قال عمر : وحدثنى عبد الله بن كثير بن الحسن العبدىّ، قال : أخبرنى ٢٦/٣ علىّ بن موسى، عن أبيه، قال: بعث مَرْوان بن محمد رسولاً إلى الحميمة يأتيه بإبراهيم بن محمد، ووصف له صفته(٢)، فقدم الرّسُول فوجد الصفة صفة أبى العباس عبد الله بن محمد، فلما ظهر إبراهيم بن محمد وأمِن قيل للرسول: إنما أمرت بإبراهيم ؛ وهذا عبد اللّه! فلما تظاهر ذلك عنده ترك أبا العباس وأخذ إبراهيم ، وأنطلق به . قال : فشخصت معه أنا وأناس من بنى العباس ومواليهم ، فانطلق بإبراهيم ، ومعه أمّ ولد له كان بها معجبًا ، فقلنا له : إنما أتاك رجل ، فهلمّ فلنقتله ثم ننكفى إلى الكوفة، فهمْ لنا شيعة، فقال : ذلك لكم، قلنا: فأمُهِلْ حتى نصيرَ إلى الطريق التى تُخْرِجُنا إلى العراق. قال : فسرنا حتى صرنا إلى طريق تتشعّب إلى العراق ، وأخرى إلى الجزيرة ، فنزلنا منزلاً؛ وكان إذا أراد التعريس اعتزل لمكان أمّ ولده، فأتينا للأمر الذى (٢) ط: ((ووصفه)). (١) ط: ((ليستأمن))". ٤٢٣ سنة ١٣٢ اجتمعنا عليه ، فصرَخْنا به ، فقام ليخرج فتعلقت به أم ولده ، وقالت : هذا وقت لم تكن تخرج فيه ؛ فما هاجك! فالتوى عليها ، فأبت حتى أخبرها، فقالت : أنشدك الله أن تقتله فتشأم أهلك! والله لئن قتلته لا يُبقي مروانُ من آل العباس أحداً بالحميمة إلّ قتله ؛ ولم تفارقه حتى حلف لها ألا يفعل ، ثم خرج إلينا وأخبرنا ، فقلنا : أنت أعلم . قال عبد الله: فحدّثنى ابن لعبد الحميد بن يحيى كاتب مروان ، عن أبيه ، قال: قلت لمروان بن محمد: أتتّهمنى؟ قال: لا، قلتُ: أفيَحُطُّك صهرُهُ ؟ قال : لا ، قلت : فإنى أرى أمره ينبغ عليك فأنكِجْه وأنكح إليه ، فإن ظهر كنتُ قد أعلقتَ بينك وبينه سبباً لا يريبك معه ، وإن كفيته لم يشنْك صهره . قال : ويحك ! والله لو علمته صاحب ذاك لسبقتُ إليه ؛ ولكن ليس بصاحب ذلك . ٢٧/٣ وذكر أن إبراهيم بن محمد حين أخذ للمضىّ به إلى مَرْوان نعى إلى أهل بيته حين شيّعوه نفسَه، وأمرهم بالمسير إلى الكوفة مع أخيه أبى العباس عبد الله ابن محمد ، وبالسمع له وبالطاعة ، وأوصى إلى أبى العباس ، وجعله الخليفة بعده ؛ فشخص أبو العباس عند ذلك ومَن معه من أهل بيته ؛ منهم عبد الله ابن محمد وداود بن عيسى، وصالح وإسماعيل وعبد الله وعبد الصمد بنوعلى ويحی ابن محمد وعيسى بن موسى بن محمد بن علىّ ، وعبد الوهاب ومحمد ابنا إبراهيم وموسى بن داود ويحيى بن جعفر بن تمام ؛ حتى قدموا الكوفة ، فى صَفَر ، فأنزلهم أبو سلمة دار الوليد بن سَعْد مولى بنى هاشم فى بنى أوْد ، وكتم أمرهم نحوًا من أربعين ليلة من جميع القوّاد والشيعة . وأراد - فيما ذكر - أبو سلمة تحويلَ الأمر إلى آل أبى طالب لما بلغه الخبر عن موت إبراهيم بن محمد ؛ فذكر علىّ بن محمد أنّ جبلة بن فرّوخ وأبا السرىّ وغيرهما قالا : قدم الإمام الكوفة فى ناس من أهل بيته ، فاختفوا ، فقال أبو الجهم لأبى سلمة : ما فعل الإمام ؟ قال : لم يقدم بعد ، فألحّ عليه يسأله، قال: قد أكثرتَ السؤال ، وليس هذا وقت خروجه [ فكانوا بذلك] (١)، حتى لقى أبو حُميد خادمًا (١) من ا. ٤٢٤ سنة ١٣٢ لأبى العباس ، يقال له سابق الخوارزمىّ ، فسأله عن أصحابه ، فأخبره أنهم بالكوفة ، وأنّ أبا سلمة يأمرهم أن يختفوا، فجاء به إلى أبى الجنَهْم ، فأخبره خبرهم ، فسرّح أبو الجهم أبا حُميد مع سابق حتى عرف منزلهم بالكوفة ، ثم رجع وجاء معه إبراهيم بن سلمة ( رجل كان معهم) ، فأخبر أبا الجهم عن منزلهم ونزول الإمام فى بنى أوْد، وأنه أرسل حين قدموا إلى أبى سلمة يسأله مائة ٢٨/٣ دينار، فلم يفعل، فمشى أبو الجهم وأبو حُميد وإبراهيم إلى موسى بن كعْب، وقصُّوا عليه القصّة، وبعثوا إلى الإمام بمائتى دينار ، ومضى أبو الجَهْم إلى أبى سلمة ، فسأله عن الإمام ، فقال : ليس هذا وقت خروجه ؛ لأن واسطاً لم تفتح بعد ، فرجع أبو الجهم إلى موسى بن كعب فأخبره ، فأجمعوا على أن يلقوا الإمام، فمضى موسى بن كعب وأبو الجهم وعبد الحميد بن رِبْعىّ وسلَمة ابن محمد وإبراهيم بن سلمة وعبد الله الطائى وإسحاق بن إبراهيم وشَراحيل وعبد الله بن بسام وأبو حُميد محمد بن إبراهيم وسليمان بن الأسود ومحمد بن الحصين إلى الإمام ، فبلغ أبا سلمة ، فسأل عنهم فقيل : ركبوا إلى الكوفة فى حاجة لهم . وأتى القومُ أبا العباس، فدخلوا عليه فقالوا : أيَّكم عبد الله بن محمد ابن الحارثية ؟ فقالوا : هذا ، فسلموا عليه بالخلافة ؛ فرجع موسى بن كعب وأبو الجَهْم الآخرين؛ فتخلفوا عند الإمام، فأرسل أبو سلمة إلى أبى الجهم: أين كنت؟ قال: ركبتُ إلى إمامى. فركب أبوسلمة إليهم، فأرسل أبو الجهم إلى أبى حميد أنّ أبا سلمة قد أتاكم؛ فلا يدخلنّ على الإمام إلّ وحده ؛ فلما انتهى إليهم أبو سلمة منعوه أن يدخل معه أحدٌ ، فدخل وحده، فسلم بالخلافة على أبى العباس . وخرج أبو العباس على بِرْذَون أبْلَق يوم الجمعة ، فصلّى بالناس ؛ فأخبرنا عَمارة مولى جبرئيل وأبو عبد الله السُّمىّ أن أبا سلمة لما سلَّم على أبى العباس بالخلافة ، قال له أبو حُميد: علَى رَغْم أنفك يا ماص ٢٩/٣ بظر أمّه! فقال له أبو العباس: منه°! ٤٢٥ سنة ١٣٢ وذكر أنّ أبا العباس لما صعد المنبرحين بويع له بالخلافة، قام فى أعلاه، وصعد داود بن علىّ فقام دونه ، فتكلم أبو العباس ، فقال: الحمد لله الذى اصطفَى الإسلام لنفسه تكرِمة ، وشرَّفه وعظَّمه ، واختاره لنا وأيّده بنا، وجعلنا أهله وكهْفَه وحصنه والقوّام به ، والذاّبين عنه والناصرين له ، وألزمتنا كلمه التقوى ، وجعلنا أحقّ بها وأهلها ، وخصّنا برحيم رسول الله صلى الله عليه وسلم وقرابته، وأنشأنا من آبائه، وأنبتنا من شجرته ، واشتقّنا من نَبْعته ؛ جعله من أنفسنا عزيزاً عليه ما عَنِتْنَا، حريصًا علينا بالمؤمنين رءوفًا رحيماً، ووضعنا من الإسلام وأهله بالموضع الرفيع ، وأنزل بذلك على أهل الإسلام كتاباً يُتْلَىَ عليهم ، فقال عزّ من قائل فيما أنزل من محكم القرآن: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ اللهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْت وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا﴾(١)، وقال: ﴿قُلْ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلَّ المَوَدَّة فِى الْقُرْبِى﴾(٢) وقال: ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَفْرَبِينَ﴾(٣)، وقال: ﴿مَا أَفَاءَ اللهُ عَلَى رَسُولِهَ مِنْ أَهْلِ القُرَى فَلِلَّه وَلِلرَّسُولِ وَلِذِى القُرْبِى وَالْيَتَامَى﴾ (٤)، وقال: ﴿ وَاعْلموا أَنمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَىْءٍ فَأَنَّاللَّهِ خُمُسَه وَللَّسُولِ وَلذى القُرْبِىِ واليتامى﴾(٥) فأعلمهم جل ثناؤه فضلنا ، وأوجبَ عليهم حقنا ومودّتنا ، وأجزل من الفىء والغنيمة نصيبنا تكرمةً لنا ، وفضلاً علينا ، والله ذو الفضل العظيم . وزعمت السبيئة (٦) الضُّلاَّل، أن غيرنا أحقّ بالرياسة والسياسة والخلافة منا، فشاهت وجوههم ! بم ولم أيّها الناس؟ وبنا هدى اللّه الناس بعد ضلالتهم، ٣٠/٣ وبصّرِهِم بعد جهالتهم ، وأنقذهم بعد هَلَكتهم، وأظهر بنا الحقّ ، وأدحض بنا الباطل ، وأصلح بنا منهم ما كان فاسداً ، ورفع بنا الخسيسة ، وتمّ بنا النقيصة ، وجمع الفُرقة ، حتى عاد الناس بعد العداوة أهلَ تعاطف وبرّ (١) سورة الأحزاب ٣٣. (٢) سورة الشورى ٢٣. (٣) سورة الشعراء ٢١٤. ( ٤) سورة الحشر ٧ . (٥) سورة الأنفال ٤١. (٦) ب: ((الشامية)). ٤٢٦ سنة ١٣٢ ومواساة فى دينهم ودنياهم، وإخواناً على سرر متقابلين فى آخرتهم؛ فتح اللّه ذلك مِنّةً ومِنحةً لمحمد صلى اللّه عليه وسلم؛ فلما قبضه الله إليه، قام بذلك الأمر من بعده أصحابه ، وأمرهم شورى بينهم ، فحوَوْا مواريث الأمم ، فعدّلوا فيها ووضعوها مواضعها ، وأعطوْها أهلها ، وخرجوا خِمَاصاً منها . ثم وثب بنو حَرْب ومَرْوان، فابتزّوها وتداولوها (١) بينهم ، فجاروا فيها ، واستأثروا بها، وظلموا أهلها، فأملى اللّه لهم حينًا حتى آسفوه ، فلما آسفوه انتقم منهم بأيدينا ، وردّ علينا حقّقًا، وتدارك بنا أمّتنا ، وولى نصرَنا والقيام بأمرنا ، ليمنّ بنا على الذين استضعفوا فى الأرض؛ وختم بنا كما افتتح بنا . وإنى لأرجو ألّ يأتيكم الجوْر من حيث أتاكم الخيرُ، ولا الفسادُ من حيث جاءكم الصلاح؛ وما توفيقنا أهل البيت إلا بالله. يا أهل الكوفة، أنتم محلّ محبّتنا ومنزل مودّتنا . أنتم الذين لم تتغيّروا عن ذلك، ولمَ يُثنِكم عن ذلك تحامل أهل الجوْر عليكم؛ حتى أدركتُ زمانتنا، وأتاكم الله بدَ وْلتِنًا ؛ فأنتم أسعد الناس بنا ، وأكرمهم علينا ؛ وقد زدتُكم فى أعطياتكم مائة درهم، فاستعدُّوا ، فأنا السفاح المبيح ، والثائر المبير . و کان موعو کا فاشتدّ به الوعك، فجلس على المنبر ، وصعد داود بنعلى ٣١/٣ فقام دونه على مراقى المنبر، فقال : الحمد لله شكراً شكراً شكراً ؛ الذى أهلك عدونا ، وأصار إلينا ميراثنا من نبينا محمد صلى الله عليه . أيّها الناس ، الآن أقشعت حنادس الدّنيا ، وانكشف غطاؤها ، وأشرقت أرضها وسماؤها ، وطلعت الشمس من مطلعها ، وبزغ القمر من مبزغه؛ وأخذ القوس باريها ، وعاد السهم إلى منزَعِه، ورجع الحق إلى نصابه ؛ فى أهل بيت نبيكم، أهل الرأفة والرّحمة بكم والعطف عليكم. أيّها الناس، إنا والله ما خرجْنا فى طلب هذا الأمر لنكثير لُجَيْنًا ولا عقيانًا، ولا نحفرَ نَهْرًا، ولا نبنىَ قصراً؛ وإنما أخرَجَنَا الأنفَةُ من ابتزازهم(٢) حقَّنَا، والغَضَبُ لبنى عمنا، وماكرَأََّنًا (٣) من أموركم، وبتهظنًا من شؤونكم ؛ ولقد كانت أموركم تُرُمِضُنا ونحن على فُرشنا ، ويشتدّ علينا سوء (١) ب: ((وتداولوا)). (٣) ابن الأثير: ((ما كرهنا)». (٢) ب: ((انبزازهم)). ٤٢٧ سنة ١٣٢ سيرة بنى أمية فيكم، وحُرْقهم (١) بكم، واستذلالهم لكم؛ واستئثارُهم بفَيْئكم وصدقاتكم ومغانمكم عليكم . لكم ذمة الله تبارك وتعالى، وذمة رسوله صلى الله عليه وآله ، وذمة العبّاس رحمه اللّه؛ أن نحكم فيكم بما أنزل الله، ونعمل فيكم بكتاب الله، ونسير فى العامّة منكم والخاصّة بسيرة رسول الله صلى الله عليه وسلم. تبَّ تبًّا لبنى حَرْب بن أمية وبنى مَرْوان! آثروا فى مُدّتهم وعصرهم العاجلة على الآجلة ، والدارَ الفانية على الدار الباقية ، فركبوا الآثام ، وظلموا الأنام ، وانتهكوا المحارم، وغَشُوا الجرائم ، وجاروا فى سيرتهم فى العباد ؛ وسنّتهم فى البلاد التى بها استلذُوا تسربُل الأوزار، وتجلبب الآصار، ومرحوا فى أعنَّة المعاصى ، وركضوا فى ميادين الغىّ ؛ جهلا باستدراج اللّه، وأمناً لمكر الله؛ فأتاهم بأس الله بياتا وهم نائمون، فأصبحوا أحاديث، ومُزِّقوا كلّ ممزّق، فبعداً للقوم الظالمين! وأدالنا اللّه من مروان، وقد غرّه باللّه الغَرُور، أرسل لعدوِّ اللّه فى عنانه حتى عثر فى فضل خطامه، فظنَّ عدوّ اللّه أن لن نقدر عليه ، فنادى حزبه ، وجمع مكايده ، ورمى بكتائبه ؛ فوجد أمامه ووراءه وعن يمينه وشماله ، من مَكْر اللّه وبأسه ونقمته ما أمات باطله ، ومحق ضلالَه، وجعل دائرة السوء به، وأحيا شرفَنًا وعِزّنا، ورد إلينا حقنا وإرثنا. ٣٢/٣ أيُّها الناس؛ إن أمير المؤمنين نصره الله نصراً عزيزاً، إنما عاد إلى المنبر بعد الصّلاة ؛ أنه كره أن يخلط بكلام الجمعة غيره ، وإنما قطعه عن استتمام الكلام بعد أن اسحنفر فيه شدّة الوَعْك؛ وادْعُوا اللّه لأمير المؤمنين بالعافية ، فقد أبدلكم الله بمروان عدوٌّ الرحمن وخليفة الشيطان المتبع للسفلة الذين أفسدوا فى الأرض بعد صلاحِها بإبدال الدين وانتهاك حريم المسلمين، الشابَّ المتكهّل المتمهل، المقتدى بسلفه الأبرار الأخيار؛ الذين أصلحوا الأرض بعد فسادها، بمعالم الهدى ، ومناهج التقوى . فعجّ الناس له بالدعاء . ثم قال : يا أهل الكوفة؛ إنا والله ما زلنا مظلومين مقهورين على حقِّنا، حتى أتاح الله لنا شيعتنا أهل خراسان، فأحيا بهم حَقَّنًا، وأفلج بهم حجّتنا ، وأظهر بهم (١) ب: ((وحرفهم)). ٤٢٨ سنة ١٣٢ دولتنا ، وأراكم اللّه ما كنتم تنتظرون ، وإليه تتشوّفون ، فأظهر فيكم الخليفة. من هاشم، وبيّض به وجوهكم ، وأدالكم على أهل الشأم ، ونقل إليكم السلطان، ٣٣/٣ وعزّ الإسلام، ومنّ عليكم بإمام منحه (١) العدالة، وأعطاه حسن الإيالة(٢). فخذوا ما آتاكم اللّه بشكر، والزموا طاعتنا، ولا تُخْدَعوا عن أنفسكم فإن الأمر أمركم ، وإنّ لكل أهل بيت مصراً؛ وإنكم مصرُّنا. ألا وإنه ما صعد منبركم هذا خليفة بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا أمير المؤمنين على" ابن أبى طالب وأمير المؤمنين عبد الله بن محمد - وأشار بيده إلى أبى العباس - فاعلموا أنّ هذا الأمر فينا ليس بخارج منّا حتى نسلمه إلى عيسى بن مريم صلى الله عليه ، والحمد لله رب العالمين على ما أبلانا وأولانا. ثم نزل أبو العباس وداود بن علىّ أمامه ؛ حتى دخل القصر، وأجلس أبا جعفر ليأخذ البَيْعة على الناس فى المسجد ، فلم يزل يأخذها عليهم ؛ حتى صلى بهم العصر ، ثم صلى بهم المغرب ، وجنّهم الليل ، فدخل . وذكر أن داود بن علىَ وابنه موسى كانا بالعراق أو بغيرها ، فخرجا يريدان الشُّراة فلقيتهما أبو العباس يريد الكوفة، معه أخوه أبو جعفر عبد الله بن محمد وعبد الله بن علىّ وعيسى بن موسى ويحيى بن جعفر بن تمام بن العباس ، وتفر من مواليهم بد ومة الجندل ، فقال لهم داود : أين تريدون ؟ وما قِصّتكم ؟ فقصّ عليه أبو العباس قِصّتهم، وأنهم يريدون الكوفة ليظهروا بها ، ويظهروا أمرهم، فقال له داود: يا أبا العباس، تأتى الكوفة وشيخ بنى مروان(٣)؛ مَرْوان ابن محمد بحرّان مطلٌ على العراق فى أهل الشأم والجزيرة، وشيخ العرب يزيد بن عمر بن هبيرة بالعراق فى حلْبة العرب! فقال أبو الغنائم: من أحبّ الحياة ذلّ، ثم تمثل بقول الأعشى : فما ميتَةٌ إِن مِتُّها غيرَ عاجز بعارٍ إِذا ما غالتِ النفسَ غُولُها فالتفت داود إلى ابنه موسى فقال : صدق واللّه ابنُ عمك ، فارجع بنا ٣٤/٣ معه نعش أعزّاء أو نمت كرامًا ، فرجعوا جميعًا ، فكان عيسى بن موسى (١) ب: ((منحته). (٣) ابن الأثير: ((أمية)). (٢) ب: ((الإنالة)). ٤٢٩ سنة ١٣٢ يقول إذا ذكر خروجهم من الحميمة يريدون الكوفة: إن نقراً أربعة عشر رجلا خرجوا من دارهم وأهليهم يطلبون مطالبنا، لعظيمٌ همّهم كبيرة أنفسهم ، شديدة قلوبهم . ذكر بقيَّة الخبر عما كان من الأحداث فى سنة اثنتين وثلاثين ومائة تمام الخبر عن سبب البيعة لأبى العباس عبد الله بن محمد بن علىّ وما كان من أمره: قال أبو جعفر : قد ذكرنا من أمر أبى العباس عبد الله بن محمد بن على ما حضرنا ذكره قبلُ ، عمّن ذکرنا ذلك عنه؛ وقد ذكرنا من أمره وأمر أبى سلمة وسبب عقد الخلافة لأبى العباس أيضًا ما أنا ذاكره ؛ وهو أنه لما بلغ أبا سلمة قتلُ مروان بن محمد إبراهيمَ الذى كان يقال له الإمام ، بدا له فى الدعاء إلى ولد العباس وأضمر الدّعاء لغيرهم ؛ وكان أبو سلمة قد أنزل أبا العباس حين قدم الكوفة مع من قدم معه من أهل بيته فى دار الوليد بن سعد فى بنى أوْد ، فكان أبو سلمة إذا سئل عن الإمام يقول : لا تعجلوا ، فلم يزل ذلك من أمره وهو فى معسكره بحمّام أعين حتى خرج أبو حُميد ، وهو يريد الكُناسة ، فلقى خادمًا لإبراهيم يقال له سابق الخوارزمىّ، فعرفه ، وكان يأتيهم بالشأم ٣٥/٣ فقال له : ما فعل الإمام إبراهيم ؟ فأخبره أنّ مَرْوان قتله غيلة ، وأن إبراهيم أوصى إلى أخيه أبى العباس ، واستخلفه من بعده ، وأنه قدم الكوفة ومعه عامّة أهل بيته ، فسأله أبو حميد أن ينطلق به إليهم ، فقال له سابق : الموعدُ بينى وبينك غدًا فى هذا الموضع، وكره سابق أن يدلّه عليهم إلا بإذنهم ، فرجع أبو حميد من الغد إلى الموضع الذى وعد فيه سابقًا، فلقيه، فانطلق به إلى أبى العباس وأهل بيته ، فلما دخل عليهم سأل أبو حُميد: مَن الخليفة منهم ؟ فقال داود بن علىّ: هذا إمامكم وخليفتكم - وأشار إلى أبى العباس - فسلم عليه بالخلافة، وقبّل يديه ورجليه، وقال: مُرنا بأمرك، وعزّاه بالإمام إبراهيم. وقد كان إبراهيم بن سلمة دخل عسكر أبى سلمة متنكِّراً، فأتى أبا الجهم فاستأمنه ، فأخبره أنه رسول أبى العباس وأهل بيته، وأخبره بمن معه وبموضعهم، : ٤٣٠ سنة ١٣٢ وأنّ أبا العباس كان سرّحه إلى أبى سلمة يسأله مائة دينار، يعطيها للجمّال كراءَ الجمال التى قديم بهم عليها ، فلم يبعث بها إليه ، ورجع أبو حميد إلى أبى الجَهْم ، فأخبره بحالهم ، فمشى أبو الجتَهْم وأبو حُميد ومعهما إبراهيم بن سلمة ، حتى دخلوا على موسى بن كعب، فقصّ عليه أبو الجهم الخبرَ ، وما أخبره إبراهيم بن سلمة ، فقال موسى بن كعب : عجِّل البعثة إليه بالدّنانير وسرّحه . فانصرف أبو الجتَهْم ودفع الدنانير إلى إبراهيم بن سلمة، وحمله على بَغْل وسرّح معه رجلين ، حتى أدخلاه(١) الكوفة ، ثم قال أبوالجهم لأبى سلمة ، وقد شاع فى العسكر أن مروان بن محمد قد قتل الإمام : فإن ٣٦/٣ كان قد قُتل كان أخوه (٢) أبو العباس الخليفة والإمام من بعده؛ فرد" عليه أبو سلمة: يا أبا الجهم، اكفف أبا حميد عن دخول الكوفة ، فإنهم أصحاب إرجاف وفساد . فلما كانت الليلة الثانية أتى إبراهيم بن سلمة أبا الجهم وموسى بن كعب ، فبلّغهما رسالة من أبى العباس وأهل بيته ، ومشى فى القوّاد والشيعة تلك الليلة، فاجتمعوا فى منزل موسى بن كعب ؛ منهم عبد الحميد بن ربعىّ وسلمة بن محمد وعبد اللّه الطائىّ وإسحق بن إبراهيم وشراحيل(٣) وعبد الله بن بسام وغيرهم من القوّاد. فأتمروا فى الدخول إلى أبى العباس وأهل بيته، ثم تسللوا من الغدحتى دخلوا الكوفة وزعيمهم موسى بن كعب وأبو الجهم وأبو حميد الحميرىّ - وهو محمد بن إبراهيم - فانتهوا إلى دار الوليد بن سعد ، فدخلوا عليهم، فقال موسى ابن كعب وأبو الجهم : أيّكم أبو العباس ؟ فأشاروا إليه، فسلموا عليه وعزّوه بالإمام إبراهيم ، وانصرفوا إلى العسكر ، وخلّفوا عنده أبا حميد وأبا مقاتل وسليمان بن الأسود ومحمد بن الحصين (٤) ومحمد بن الحارث ونهار بن حصين ويوسف بن محمد وأبا هريرة محمد بن فروخ . فبعث أبو سلمة إلى أبى الجنَهْم فدعاه، وكان أخبره بدخوله الكوفة، فقال : أين كنت يا أبا الجهم ؟ قال : كنت عند إمامى ، وخرج أبو الجهم فدعا حاجب بن صدّان ، فبعثه إلى الكوفة، وقال له: ادخل ، فسلّم على أبى العباس (٢) !: ((فإن أخاه العباس)) .. (١) ط: ((دخلا))، !: ((أدخلوه)). (٣) !، ب: ((أبو شراحيل)). (٤) ا، ط: ((الحسين)». ٢ ٤٣١ سنة ١٣٢ بالخلافة ، وبعث إلى أبى حميد وأصحابه : إن أتاكم أبو سلمة فلا يدخل إلا وحدَه ؛ فإن دخل وبايع فسبيله ذلك؛ وإلا فاضربوا عنقه؛ فلم يلبثوا أن أتاهم أبو سلمة فدخل وحده ، فسلم على أبى العباس بالخلافة ، فأمره أبو العباس بالانصراف إلى عسكره، فانصرف من ليلته، فأصبح الناس قد لبسوا سلاحتهم، ٢٧/٣ واصطفّوا لخروج أبى العباس ، وأتوْه بالدواب ، فركب ومَن معه من أهل بيته حتى دخلوا قصر الإمارة بالكوفة يوم الجمعة لاثنتى عشرة ليلة خلَتْ من شهر ربيع الآخر . ثم دخل المسجد من دار الإمارة ، فصعد المنبر ، فحميد الله وأثنى عليه ، وذكر عظمة الربّ تبارك وتعالى وفضل النبى صلى الله عليه ، وقاد الولاية والوراثة حتى انتهيا إليه ، ووعد الناس خيراً ثم سكت . وتكلّم داود بن علىّ وهو على المنبر أسفل من أبى العباس بثلاث درجات ، فحمد الله وأثنى عليه وصلى على النبى صلى الله عليه وسلم، وقال: أيّها الناس، إنه والله ما كان بينكم وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم خليفة إلا علىّ بن أبى طالب وأمير المؤمنين هذا الذى خلفى . ثم نزلا وخرج أبو العباس، فعسكر بحمام أعين فى عسكر أبى سلمة ، ونزل معه فى حجرته ، بينهما ستر ، وحاجب أبى العباس يومئذ عبد الله بن بسام . واستخلف على الكوفة وأرضها عمّه داود بن علىّ، وبعث عمه عبد اللّه بن علىّ إلى أبى عَوْن ابن يزيد ، وبعث ابن أخيه عيسى بن موسى إلى الحسن بن قَحْطبة ، وهو يومئذ بواسط محاصر ابنَ هبيرة ، وبعث يحيى بن جعفر بن تمام ابن عباس إلى حُميد بن قحطبة بالمدائن، وبعث أبا اليقظان عثمان بن عروة ابن محمد بن عمار بن ياسر إلى بسام بن إبراهيم بن بسام بالأهواز ، وبعث سلمة بن عمرو بن عثمان إلى مالك بن طريف (١)، وأقام أبو العباس فى العسكر أشهراً ثم ارتحل ، فنزل المدينة الهاشميّة فى قصر الكوفة ، وقد كان تنكر لأبى سلمة قبل تحوّله حتى عرف ذلك . (١) ب وابن الأثير: ((الطواف)). ٤٣٢ سنة ١٣٢ [ ذكر هزيمة مروان بن محمد بموقعة الزّاب ] وفى هذه السنة هُزم مروان بن محمد بالزّاب . ٢٨/٣ • ذكر الخبر عن هذه الوقعة وما كان سببها وكيف كان ذلك : ذكر علىّ بن محمد أن أبا السرىّ وجَبلة بن فرّوخ والحسن بن رشيد وأبا صالح المروزىّ وغيرهم أخبروه أن أبا عون عبد الملك (١) بن يزيد الأزدىّ وجّهه قحطبة إلى شهرزُور من نهاوند ، فقتل عثمان بن سفيان ، وأقام بناحية الموْصِلِ ، وبلغ مَرْوان أن عثمان قد قُتِل ، فأقبل من حرّان ، فنزل منزلاً فى طريقه، فقال: ما اسم هذا المنزل ؟ قالوا : بَلْوى ، قال : بل عَلْوى وبُشرى . ثم أتى رأس العين ، ثم أتى الموصل، فنزل على دجلة(٢)، وحفر خندقاً فسار إليه أبو عَوْن ، فنزل الزّاب ، فوجّه أبو سلمة إلى أبى عون عيينة بن موسى والمنهال بن فتّان وإسحاق بن طلحة ؛ كلّ واحد فى ثلاثة آلاف؛ فلما ظهر أبو العباس بعثَ سلمة بن محمد فى ألفيْن وعبد الله الطائىّ فى ألف وخمسمائة وعبد الحميد بن رِبعىّ الطائىّ فى ألفيْن، ووداس بن نَضْلة فى خمسمائة إلى أبى عون. ثم قال: مَنْ يسير إلى مروان من أهل بيتى؟ فقال عبد الله بن علىّ: أنا ، فقال: سِرْ على بركة الله، فسار عبد الله بن علىّ، فقدم على أبى عون، فتحوّل له أبو عون عن سُرادقه وخلّه وما فيه، وصيّر عبد الله بن علىّ على شُرْطته حيّاش بن حبيب الطائىّ، وعلى حَرسه نصير بن المحتفز (٣)، ووجّه أبو العباس موسى بن كعب فى ثلاثين رجلاً على البريد إلى عبد الله بن علىّ ، فلما كان لليلتين خلتا من جمادى الآخرة سنة ثنتين وثلاثين ومائة ، سأل ٣٩/٣ عبد الله بن علىّ عن مخاضة، فدُلّ عليها بالزّاب، فأمر عيينة بن موسى فعبر فى خمسة آلاف، فانتهى إلى عسكر مَرْوان ، فقاتلهم حتى أمسوْا ، ورُفعت لهم النيران فتحاجزوا، ورجع عيينة فعبر المخاضة إلى عسكر عبد الله ابن علىّ ؛ فأصبح مَرْوان فعقد الجسر ، وسرّح ابنه عبد الله يحفر خندقًا أسفلَ من عسكر عبد الله بن علىّ، فبعث عبد الله بن على المخارق (٤) بن غفار فى أربعة آلاف ، فأقبل حتى نزل على خمسة أميال من عسكر عبد الله بن (١) ب: ((عبد الله)). (٢) ا: ((الفرات)). (٤) ب: ((المحارق بن عفار)). (٣) ط: ((المحتفر))، وانظر الفهرس. ٤٣٣ سنة ١٣٢ علىّ، فسرّح عبد الله بن مَرْوان إليه الوليد بن معاوية، فلقى المخارق، فانهزم أصحابُه، وأسروا، وقتل منهم يومئذ عدّة، فبعث بهم إلى عبد اللّه، وبعث بهم عبد اللّه إلى مَرْوان مع الرءوس ، فقال مروان: أدخلوا علىّ رجلا من الأسارَى، فأتوْه بالمخارق - وكان نحيفاً - فقال: أنت المخارق؟ فقال: لا ، أنا عبد من عبيد أهل العسكر، قال : فتعرف المخارق ؟ قال : نعم ، قال : فانظر فى هذه الرءوس هل تراه ؟ فنظر إلى رأس منها ، فقال: هو هذا، فخلى سبيله، فقال رجل مع مروان حين نظر إلى المخارق وهو لا يعرفه : لعن الله أبا مسلم حين جاءنا بهؤلاء يقاتلنا بهم ! قال على": حدثناشيخ من أهل خراسان قال: قال مرْوان [للمخارق] (١): تعرف المخارق إن رأيته؟ فإنهم زعموا أنه فى هذه الرءوس التى أتينا بها ، قال : نعم ، قال: اعرضوا عليه تلك الرءوس، فنظر فقال : ما أرى رأسه فى هذه الرءوس ، ولا أراه إلّ وقد ذهب، فخلى سبيله. وبلغ عبد الله بن علىّ انهزام المخارق، فقال له موسى بن كعب : اخرج إلى مَرْوان قبل أن يصل الفَلّ إلى العسكر ، فيظهر ما لقى المخارق . فدعا عبد اللّه بن علىّ محمد بن صوْل ، فاستخلفه على العسكر ، وسار على ميمنته أبو عون ، وعلى ميسرة مَرْوان الوليد بن معاوية، ومع مروان ثلاثة آلاف من المحمرة ومعه الذ كوانية (٢) والصَّحصحية والرّاشدية، فقال مروان لما التقى العسكران لعبدالعزيز بن عمر بن عبدالعزيز: إن زالت الشمس اليوم ولم يقاتلونا كنا الذين ندفعها إلى عيسى بن مريم؛ وإنقاتلوناقبل الزوال؛ فإنالله وإنا إليه راجعون. وأرسل مسرّوان إلى عبد الله بن على يسأله الموادعة، فقال عبدالله: كذب ابن زريق، ولا تزول الشمس حتى أوطئه الخيل إن شاء الله. فقال مروان لأهل الشأم: قفوا لا تبدءوهم بقتال؛ فجعل ينظر إلى الشمس، فحمل الوليد بن معاوية بن مروان وهو ختن مروان على ابنته ، فغضب وشتمه . وقاتل ابنُ معاوية أهلَ الميمنة ، فانحاز أبو عون إلى عبد الله بن علىّ ، فقال موسى ابن كعب لعبد اللّه : مر الناس فلينزلوا ، فنودى : الأرض ، فنزل الناس ، ٤٠/٣ (٢) ط: ((الدوكانية)). (١) من ا. ٤٣٤ سنة ١٣٢ ٤١/٣ وأشرعوا الرماح، وجَشَوْا على الرّكَب، فقاتلوهم، فجعل أهل الشأم يتأخّرُون كأنهم يدفعون ؛ ومشى عبد اللّه قُدماً وهو يقول: يا ربّ، حتى متى نُقْتَل فيك ! ونادى: يا أهل خُراسان ، يا لثارات إبراهيم ! يا محمد، يا منصور ! واشتدّ بينهم القتال . وقال مروان لقضاعة : انزلوا ، فقالوا : قل لبنى سليم فلينزلوا ، فأرسل إلى السكاسك أن احملوا ، فقالوا : قل لبنى عامر فليحملوا ، فأرسل إلى السَّكون أن احملوا، فقالوا : قل لغطفان فليحملوا ، فقال لصاحب شُرَطه: انزل، فقال: لا والله ما كنتُ لأجعَل نفسى غرضاً. قال: أما والله لأسوءنّك ، قال : وددت واللّه أنك قدرت على ذلك. ثم انهزم أهلُ الشأم، وانهزم "مَرْوان، وقطع الجسر؛ فكان مَنْ غرق يومئذ أكثر ممن قُتِل؛ فكان فيمن غرق يومئذ إبراهيم بن الوليد بن عبدالملك [المخلوع] (١)، وأمرعبد الله بن علىّ فعقد الجِسْر على الزّاب، واستخرجوا الغرقی [ فأخرجوا ثلثمائة] (١) ،فكانفیمن أخرِجوا إبراهيم بن الوليد بن عبد الملك، فقال عبد الله بن على": ﴿وإِذْ فَرَقْنَا بِكُمُ الْبَحْرِ فَأَنْجَيْنَاكُمْ وَأَغْرَفْنا آلَ فِرْعَوْنَ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُون﴾ (٢). وأقام عبد اللّه بن علىّ فى عسكره سبعة أيام ، فقال رجل من ولد سعيد ابن العاص يعيّر مروان : عَادَ الظلومُ ظَلِيماً هَمَّه الهَرَبُ لَجَّ الفِرارُ بمروانٍ فقلتُ لَهُ عنك الهُوَینَی فلا دین ولا حَسبُ أين الفرارُ وتركُ المُلْكِ إِذ ذهبت تَطْلُبْ نَدَاهُ فكلبٌ دونه كَلِبُ فراشَةُ الحِلمِ فِرْعَوْنُ العِقابِ وإِنْ وكتب عبد الله بن علىّ إلى أمير المؤمنين أبى العباس بالفتح، وهرب مروان وحوى عسكر مروان بما فيه ، فوجد فيه سلاحًا كثيراً وأموالاً ؛ ولم يجدوا فيه امرأةٌ إلا جارية كانت لعبد الله بن مروان؛ فلما أتى العباس كتابُ عبد الله ابن علىّ صلى ركعتين، ثم قال: ﴿فلمَّا فَصَلَ طَالُوتُ بِالْجُنُودٍ قَالَ إِنَّ الله مُبْتَلِيكُمْ بِنَهَر ) إلى قوله: ﴿وَعلّمه مِمَّا يَشَاءِ﴾(٣). وأمر لمن شهد الوقعة (١) من ا. (٣) سورة البقرة ٢٤٩. (٢) سورة البقرة ٥٠. ٤٣٥ سنة ١٣٢ بخمسمائة خمسمائة ، ورفع أرزاقهم إلى ثمانين . ٤٢/٣ حدثنا أحمد بن زهير ، عن علىّ بن محمد ، قال : قال عبد الرحمن بن أميّة : كان مَرْوان لما لقيه أهلُ خُراسان لا يدبّر شيئًا إلا كان فيه الخلل والفساد. قال : بلغنى أنَّه كان يوم انهزم واقفًا، والناس يقتتلون؛ إذ أمر بأموال فأخرجت ، وقال للناس: اصبروا وقاتلوا، فهذه الأموال لكم ، فجعل ناسٌ من الناس يصيبون من ذلك المال، فأرسلوا إليه: إنّ الناس قد مالوا على هذا المال ، ولا نأمنهم أن يذهبوا به . فأرسل إلى ابنه عبد الله أن سِرْ فى أصحابك إلى مؤخر عسكرك، فاقتل مَنْ أخذ من ذلك المال وامنعْهم ؛ فمال عبد الله برايته وأصحابه ، فقال الناس : الهزيمة ؛ فانهزموا. حدّثنا أحمد بن علىّ ، عن أبى الجارود السُّلمىّ، قال : حدثنى رجل من أهل خُراسان ، قال : لقينا مروان على الزّاب، فحمل علينا أهل الشأم كأنهم جبال حديد، فجثوْنا وأشرعنا الرماح، فمالوا عنا (١) كأنهم سحابة ، ومسنحنا الله أكتافهم، وانقطع الجِسْر ممّا يليهم حين عبروا، فبقىَ عليه رجلٌ من أهل الشأم ، فخرج عليه رجل منا ، فقتله الشأمىّ، ثم خرج آخر فقتله ؛ حتى والى بين ثلاثة؛ فقال رجل منا : اطلبوا لى سيفًا قاطعًا، وتُرْسًا صلبًا، فأعطيناه ، فمشى إليه فضربه الشأمىّ فاتَّقاه بالترس، وضرب رِجْله فقطعها ، وقتله ورجع ؛ وحملناه وكبَّرنا فإذا هو عبيد الله الكابلىّ. وكانت هزيمة مَرْوان بالزّاب - فيما ذكر - صبيحة يوم السبت لإحدى عشرة ليلة خلتْ من جمادى الآخرة . [ ذكر خبر قتل إبراهيم بن محمد بن علىّ الإمام ] وفى هذه السنة قتل إبراهيم بن محمد بن على بن عبد الله بن عباس . ذكر الخبر عن سبب مقتله : اختلف أهلُ السَّيْر فى أمر إبراهيم بن محمد ، فقال بعضهم : لم يُقتل ولكنه مات فى سجن مروان بن محمد بالطاعون . (١): ((عليناه)) ٤٣٦ سنة ١٣٢ ذكر من قال ذلك : # ٤٣/٣ حدّثنى أحمد بن زهير ، قال : حدثنا عبد الوهاب بن إبراهيم بن خالد ابن يزيد بن هريم. قال : حدثنا أبو هاشم مخلَّد بن محمد بن صالح ، قال : قدم مروان بن محمد الرَّقة حين قدمها متوجهًا إلى الضّحاك بسعيد بن هشام ابن عبد الملك وابنيْه عثمان ومروان؛ وهم فى وثاقهم معه ؛ فسرّح بهم إلى خليفته بحرَّان ، فحبسهم فى حَبْسها ، ومعهم إبراهيم بن علىّ بن عبد الله بن عباس وعبد الله بن عمر بن عبد العزيز والعباس بن الوليد وأبو محمد السفيانيّ - وكان يقال له البَيْطار - ، فهلك فى سجن حَرّان منهم فى وباء وقع بحرّان العباس ابن الوليد وإبراهيم بن محمد وعبد الله بن عمر. قال: فلمَّا كان قبل هزيمة مروان من الزَّاب يوم هزمه عبد الله بن علىّ بجمعة ، خرج سعيد بن هشام ومَن معه من المحبّين (١) ، فقتلوا صاحب السجن ، وخرج فيمن معه ، وتخلف أبو محمد السفيانيّ فى الحبس ، فلم يخرج فيمن خرج ، ومعه غيره لم يستحلّوا الخروج من الحبْس، فقتل أهل حَرّان ومَن كان فيها من الغوغاء سعيد ابن هشام وشَراحيل بن مسلمة بن عبد الملك وعبد الملك بن بشر (٢) التغلىّ، وبطريق أرمينية الرابعة - وكان اسمه كوشان - بالحجارة ، ولم يلبث مَرْوان بعد قتلهم إلا نحواً من خمس عشرة ليلة ؛ حتى قدم حرّان منهزمًا من الزّاب ، فخلّى عن أبى محمد ومَن كان فى حبسه من المحبّسين . وذكر عمر أن عبد الله بن كثير العبدىّ حدّثه عن علىّ بن موسى ، عن أبيه ، قال : هدم مروان على إبراهيم بن محمد بيتًا فقتله . ٤٤/٣ قال عمرو : وحدثنى محمد بن معروف بن سويد ، قال : حدثنى أبى عن المهلهل بن صفوان - قال عمر: ثم حدّثنى المفضّل بن جعفر بن سليمان بعده؛ قال: حدثنى المهلهل بن صفوان قال: كنتُ أخدم(٣) إبراهيم بن محمد فى الحبس؛ وكان معه فى الحبس عبد الله بن عمر بن عبدالعزيز وشراحيل بن مسلمة بن عبدالملك فكانوا يتزاورون ، وخصّ الذى بين إبراهيم وشَراحيل فأتاه رسوله يومًا بلبن، (١) ط: ((المحبس)) (٣) ط: ((مع)". (٢) أ: (بشير)). ٤٣٧ سنة ١٣٢ فقال: يقول لك أخوك: إنّى شربتُ من هذا اللبن فاستطبتُه فأحببتُ أن تشربَ منه ، فتناوله فشرب فتوصّب من ساعته وتکسر جسده(١) ، وكان يومًا يأتى فيه شراحيل ، فأبطأ عليه ، فأرسل إليه : جُعِلت فداك ! قد أبطأت فما حبسك ؟ فأرسل إليه : إنى لما شربت اللبن الذى أرسلته إلىّ أخلفنى، فأتاه شراحيل مذعوراً وقال: لا والله الذى لا إله إلا هو ؛ ما شرِبْتُ اليوم لبنًا ، ولا أرسلت به إليك، فإنا لله وإنا إليه راجعون! احتيل لك واللّه. قال: فوالله ما بات إلّ ليلته وأصبح من غد ميتًا؛ فقال إبراهيم بن علىّ بن سلمة بن عامر ابن هرمة بن هذیل بن الربيع بن عامر بن صبيح بن عدیّ بن قیس۔۔ وقیس هو ابن الحارث بن فهر - يرثيه : قبرٌ بِحَرَّانَ فِيه ◌ِصْمَةُ الدينِ قد كنتُ أَحْسِبُنِى جَلِدًا فَضَعْضَعَنِى بين الصفائح والأحجار والطين فيه الإِمامُ وخيرُ الناسِ كلِّهِمُ وعَيَّلَتْ كلَّ ذى مال ومِسكينٍ فيه الإِمامُ الذى عَمَّتْ مُصيبتُه لكنْ عفا اللهُ عمَّن قال آمين فلا عفا اللهُ عن مروانَ مظلمةً ٠ ( ذكر الخبر عن قتل مروان بن محمد] وفى هذه السنة قتِل مروان بن محمد بن مروان بن الحكم . * ذكر الخبر عن مقتله وقتاله من قاتله من أهل الشأم فى طريقه وهو هارب من الطلب : حدّثنى أحمد بن زهير ، قال : حدّثنا عبد الوهاب بن إبراهيم ، قال : حدّثنى أبو هاشم مخلد بن محمد ، قال : لما انهزم مَرْوان من الزّاب كنتُ ٤٥/٣ فى عسكره . قال: كان لمروان فى عسكره بالزّاب عشرون ومائة ألف ؛ كان فى عسكره ستون ألفًا، وكان فى عسكر ابنه عبد اللّه مثل ذلك، والزّاب بینهم ، فلقيه عبد الله بن علىّ فیمنمعه وأبى عون وجماعةقوّاد، منهمحُمید بن قحطبة ؛ فلما هُزموا سار إلى حَرّان وبها أبان بن يزيد بن محمد بن مَرْوان، (١) ب : نكس جسده . ٤٣٨ سنة ١٣٢ ابن أخيه عامله عليها، فأقام بها نيفاً وعشرين يومًا . فلما دنا منه عبد الله بن علىّ حمل أهله وولده وعياله، ومضى منهزمًا، وخلّف بمدينة حرّان أبان ابن يزيد ؛ وتحته ابنة لمروان يقال لها أمّ عثمان، وقدم عبد اللّه بن علىّ، فتلقاه أبان مسوّداً مبايعًا له ، فبايعه ودخل فى طاعته ، فآمنه ومن كان بحرّان والجزيرة. ومضى مَرْوان حتى مرّ بِقِنَّسرين وعبد الله بن على متبع له. ثم مضى من قنّسرين إلى حِمْص، فتلقاه أهلها بالأسواق وبالسمع والطاعة فأقام بها يومين أو ثلاثة ، ثم شخص منها ؛ فلما رأوا قلة من معه طمعوا فيه ، وقالوا : مرعوب منهزم ، فاتبعوه بعد ما رحل عنهم ؛ فلحقوه على أميال ، فلما رأى غَبرة خيلهم أكمن لهم فى واديين قائدين من مواليه ، يقال لأحدهما يزيد والآخر مخلّد ؛ فلما دنوا منه وجازوا الكمينين ومضى الذرارىّ صافّهم فيمن معه وناشدهم، فأبوا إلا مكاثرته وقتاله، فنشب القتال بينهم ؛ وثار الكمينان (١) من خلفهم؛ فهزمهم وقتلتْهم خيلُه حتى انتهوا إلى قريب من المدينة. قال : ومضى مَرْوان حتى مرّ بدمشق، وعليها الوليد بن معاوية بن مروان ؛ وهو ختّن لمروان، متزوج بابنة له يقال لها أمّ الوليد ، فمضى وخلفه ٤٦/٣ بها حتى قدم عبدُ الله بن علىّ عليه ، فحاصره أيامًا، ثم فتحت المدينة ، ودخلها عَنْوة معترضًا أهلها . وقتل الوليد بن معاوية فيمن قُتِل ، وهدَمَ عبد الله بن علىّ حائط مدينتها. ومرّ مروان بالأرْدن"، فشخص معه ثعلبة ابن سلامة العاملىّ ، وكان عامله عليها ، وتركها ليس عليها والٍ ، حتى قدم عبد الله بن علىّ فولى عليها، ثم قدم فلسطين وعليها من قبله الرّماحس بن عبد العزيز. فشخص به معه ؛ ومضى حتى قدم مصر ، ثم خرج منها حتى نزل منزلا منها يقال له بوصير؛ فبيّته عامر بن إسماعيل وشعبة ومعهما خيل أهل الموصل فقتلوه بها، وهرب عبدالله وعبيد اللّه ابنا مروان ليلة بُيِّت مروان إلى أرض الحبشة ، فلقوا من الحبشة بلاءً وقاتلتهم الحبشة، فقتلوا عبيد الله، وأفلت عبد اللّه فى عدّة ممن معه؛ وكان فيهم بكر بن معاوية الباهلىّ ، فسلم حتى كان فى خلافة المهدىّ، فأخذه نصر بن محمد بن الأشعث عامل فلسطين، فبعث به إلى المهدىّ . (١) ط: ((وأثار الكمينين». ٤٣٩ سنة ١٣٢ وأما علىّ بن محمد ؛ فإنه ذكر أن بشر بن عيسى والنعمان أبا السرىّ ومحرز بن إبراهيم وأبا صالح المروزىّ وعمارة مولى جبريل (١) أخبروه أنّ مروان لقى عبد الله بن علىّ فى عشرين ومائة ألف وعبد الله فى عشرين ألفاً. وقد خولف هؤلاء فى عدد من كان مع عبد الله بن علىّ يومئذ . فذكر مسلم بن المغيرة(٢)، عن مصعب بن الربيع الخثعمىّ وهو أبو موسى ابن مصعب- وكان كاتبًا لمروان - قال: لما انهزم مروان، وظهر عبد الله بن على" على الشأم ، طلبت الأمانَ فآمنى ، فإنى يوماً جالس عنده ؛ وهو متكئ إذ ذكر مروان وانهزامه ، قال : أشهدتَ القتال ؟ قلتُ : نعم أصلح اللّه الأمير! فقال: حدَّثنى عنه؛ قال: قلت: لما كان ذلك اليوم قال لى: ٤٧/٣ احزر القوم ، فقلت : إنما أنا صاحب قلم ؛ ولستُ صاحب حرب ؛ فأخذ يمنة ويسرة ونظر فقال: هم اثنا عشر ألفًا، فجلس عبد اللّه، ثم قال : ما له قاتله الله ! ما أحصى الديوان يومئذ فضلا على اثنى عشر ألف رجل ! رجع الحديث إلى حديث على بن محمد عن أشياخه: فانهزم مروان حتى أتى مدينة الموصل ؛ وعليها هشام بن عمرو التغلبيّ وبشر بن خزيمة الأسدىّ، وقطعوا الجسر ، فناداهم أهل الشأم : هذا مروان ، قالوا : كذبتم ، أمير المؤمنين لا يفرّ، فسار إلى بلد ، فعبر دجْلة ، فأتى حرّان ثم أتى دمشق ، وخلّف بها الوليد بن معاوية ، وقال: قاتلهم حتى يجتمع أهل الشأم. ومضى مَرْوان حتى أتى فلسطين ، فنزل نهر أبى فُطْرُس ، وقد غلب على فلسطين الحكم بن ضَبْعان الجُدامىّ، فأرسل مَرْوان إلى عبد الله بن يزيد بن روح بن زنباع، فأجازه ، وكان بيت المال فى يد الحكم . وكتب أبو العباس إلى عبد الله بن علىّ يأمره باتباع مروان ، فسار عبد اللّه إلى الموصل ، فتلقاه هشام بن عمرو التغلبيّ وبشربن خزيمة. وقد سوّدا فى أهل الموصل، ففتحوا له المدينة، ثم سار إلى حَرّان، وولّى الموصل محمد بن صول؛ فهدم الدّار التى حبس فيها إبراهيم (١) كذا فى ب، وفى ط: ((جبرئيل)). (٢) ط: ((المعرة))، وما أثبته من ا. ٤٤٠ منة ١٣٢ ابن محمد، ثم سار من حَرّان إلى منبج وقد سوّدوا، فنزل مَنْبج وولا ها أبا حميد المروروذىّ، وبعث إليه أهل قنّسرين ببيعتهم إياه بما أتاه به عنهم ٤٨/٣ أبو أمية التغلَّىّ. وقدم عليه عبد الصمد بن علىّ، أمده به أبو العباس فى أربعة آلاف ، فأقام يومين بعد قدوم عبد الصّمد، ثم سار إلى قنَّسرين ، فأتاها وقد سوّد أهلها ، فأقام يومين ، ثم سار حتى نزل حِمْص ، فأقام بها أيّامًا وبايع أهلها ، ثم سار إلى بعلبك" ، فأقام يومين ثم ارتحل؛ فنزل بعين الحرّ ، فأقام يومين ثم ارتحل ، فنزل مِزّة ( قرية من قرى دمشق ) فأقام . وقدم عليه صالح بن علىّ مَدَدًا، فنزل مَرْج عذراء فى ثمانية آلاف ، معه بسام بن إبراهيم وخفّاف وشعبة والهيثم بن بسام. ثم سار عبد الله بن علىّ ، فنزل على الباب الشرقى ، ونزل صالح بن علىّ على باب الجابية ، وأبو عون على باب كيسان ، وبسام على باب الصغير ، وحُميد بن قحطبة على باب توما ، وعبد الصمد ويحيى بن صفوان والعباس بن يزيد على باب الفراديس - وفى دمشق الوليد بن معاوية - فحصروا أهل دمشق والبلْقاء ، وتعصّب الناس بالمدينة ، فقتل بعضهم بعضًا ، وقتلوا الوليد ، ففتحوا الأبواب يوم الأربعاء لعشر مضين من رمضان سنة ثنتين وثلاثين ومائة، فكان أوّل مَنْ صعد سور المدينة من الباب الشرقىّ عبد اللّه الطائىّ، ومن قبَل باب الصغير بسّام بن إبراهيم ، فقاتلوا بها ثلاث ساعات ، وأقام عبد الله بن علىّ بدمشق خمسة عشريومًا ، ثم سار يريد فلسطين ، فنزل نهر الكُسوة، فوجّه منها يحيى بن جعفر الهاشمىّ إلى المدينة، ثم ارتحل إلى الأردن"، فأتوْه وقد سوّدوا ، ثم نزل بَيْسان، ثم سار إلى مَرْج الرّوم، ثم أتى نهر أبى فُطْرُس، وقد هرب مَرْوان، فأقام بفلسطين ، وجاءه كتاب أبى العباس؛ أنْ وجته صالح بن علىّ فى طلب مروان ، فسار صالح بن علىّ من نهر أبى فطرس فى ذى القعدة سنة ٤٩/٣ اثنتين وثلاثين ومائة؛ ومعه ابن فتان وعامر بن إسماعيل وأبو عون، فقدّم صالح ابن علىّ أبا عون على مقدّمته وعامر بن إسماعيل الحارثيّ، وسار فنزل الرّمْلة، ثم سار فنزلوا ساحل البحر، وجمع صالح بن علىّ السفن وتجهز يريد مَرْوان، وهو بالفرَماء ، فسار على الساحل والسفن حذاءه فى البحر ؛ حتى نزل العريش .