النص المفهرس
صفحات 401-420
سنة ١٣٠ ٤٠١ ٢٠١٦/٢ قال أبو جعفر: وفى هذه السنة غزا الصَّائفة - فيما ذكر - الوليد بن هشام، فنزل العمق وبنى حصن مَرْعش . وفيها وقع الطاعون بالبصرة . وفى هذه السنة قَتل قتَحْطبة بن شَبيب من أهل جُرجان مَنْ قتل من أهلها ؛ قيل إنه قتل منهم زُهاء ثلاثين ألفًا؛ وذلك أنه بلغه ـ- فيما ذكر - عن أهل جرجان أنه أجمع رأيهم بعد مقتل نباتة بن حنظلة على الخروج على قَحْطبة ، فدخل قحطبة لما بلغه ذلك من أمرهم ؛ واستعرضهم ، فقتل منهم مَنْ ذكرت. ولما بلغ نصرَ بن سيار قتلُ قحطبة نباتةَ ومن قتل من أهل جرجان وهو بقومِس ، ارتحل حتى نزل خُوار الرّىّ . وكان سبب نزول نصر قومس - فيما ذكر علىّ بن محمد - أن أبا الذيَّال حدّثه والحسن بن رشيد وأبا الحسن الجشمىّ ؛ أن أبا مسلم كتب مع المنهال ابن فتّان(١) إلى زياد بن زرارة القشيرىّ بعهده على نيسابور بعدما قتل تميم بن نصر والنابى بن سويد العجلىّ، وكتب إلى قحطبة يأمره أن يتبع نصراً ؛ فوجه قحطبة العكىّ على مقدّمته. وسار قحطبة حتى نزل نيسابور ، فأقام بها شهرين ؛ شهرى رمضان وشوال من سنة ثلاثين ومائة، ونصر نازل فى قرية من قرى قُومِس يقال لها بذش ، ونزل من كان معه من قيس فى قرية يقال لها الممد (٢)؛ وكتب نصر إلى ابن هبيرة يستمدّه وهو بواسط مع ناس من وجوه أهل خراسان ؛ يعظّم الأمر عليه ، فحبس ابن هبيرة رسلَه ، وكتب نَصْر إلى مروان : إنى وجَّهت إلى ابن هبيرة قومًا من وجوه أهل خُراسان ليعلموه أمرَ الناس من قبلنا ، وسألته المدد فاحتبس رسلى ولم يمدّنى بأحد ؛ وإنما أنا بمنزلة من أخرج من بيته إلى حجرته ، ثم أخرج من حجرته إلى داره ، ثم أخرج من داره إلى فناء داره ؛ فإن أدركه مَنْ يعينه فعسى أن يعود إلى داره وتبقى له ؛ وإن أخرج من داره إلى الطريق فلا دار له ولا فناء . فكتب مسَرْوان إلى ابن هبيرة يأمره أن يمدّ نصراً ، وكتب إلى نصر يعلمه (١)]: ((قنان)). (٢) كذا فى ا، وفى ط: ((المدا». ٢٠١٧/٢ 1 أ ٤٠٢ سنة ١٣٠ ذلك ، فكتب نصر إلى ابن هبيرة مع خالد مولى بنى ليث يسأله أن يعجِّل إليه الجند ، فإنّ أهل خُراسان قد كذبتُهم حتى ما رجل منهم يصدّق لى قولا؛ فأمدّنى بعشرة آلاف قبل أن تمدّنى بمائة ألف ، ثم لا تغنى شيئًا . ... وحجّ فى هذه السنة بالناس محمد بن عبد الملك بن مروان ؛ کذلك حدثنی أحمد بن ثابت ، عمّن ذكره ؛ عن إسحاق بن عيسى ، عن أبى معشر . وكانت إليه مكة والمدينة والطائف . وكان فيها العراق إلى يزيد بن عمر بن هبيرة . وكان على قضاء الكوفة الحجّاج بن عاصم المحاربىّ، وكان على قضاء البصرة عبّاد بن منصور ، وعلى خُراسان نصر بن سيار، والأمر بخراسان على ما ذكرتُ . ٤٠٣ ١/٣ ثم دخلت سنة إحدى وثلاثين ومائة ذكر ما كان فيها من الأحداث [ذکر خبر موت نصر بن سيار] فممّا كان فيها من ذلك توجيه قحطبة ابنه الحسن إلى نصر وهو بقومِس. فذكر علىّ بن محمد ؛ أن زهير بن هنيد والحسن بن رشيد وجبلة بن فرّوخ التاجىّ ، قالوا: لما قُتِل نباتة ارتحل نصر بن سيَّار من بَذَش، ودخل خُوار وأميرها أبو بكر العقيلىّ، ووجّه قحطبة ابنه الحسن إلى قُومِس فى المحرّم سنة إحدى وثلاثين ومائة، ثم وجّه قحطبة أبا كامل وأبا القاسم محرز بن إبراهيم وأبا العباس المروزىّ إلى الحسن فى سبعمائة ، فلما كانوا قريبًا منه ، انحاز أبو كامل وترك عسكره ، وأتى نصراً فصار معه، وأعلمه مكان القائد الذى خلّف ، فوجَّه إليهم نصر جنداً فأتوْهم وهم فى حائط فحصروهم ، فنقب جميل بن مهران الحائط ، وهرب هو وأصحابُه ، وخلّفوا شيئًا من متاعهم فأخذه أصحاب نصر ، فبعث به نصر إلى ابن هبيرة ، فعرض له عطيف ٢/٣ بالرىّ ، فأخذ الكتاب من رسول نصر والمتاع ، وبعث به إلى ابن هبيرة ، فغضب (١) نصر، وقال: أبِى يتلعّب (٢) ابن هبيرة! أيَشغَب علىّ بضغابيس قيس (٣)! أما والله لأدعنه فليعرفن" أنه ليس بشىء ولا ابنه الذى تربّص له الأشياء . وسار حتى نزل الرىّ - وعلى الرىّ حبيب بن بُديل النهشلىّ - فخرج عطيف من الرّىّ حين قدمها نصر إلى هَمَذان ، وفيها مالك بن أدهم بن محرز الباهلىّ على الصَّحْصَحيّة، فلما رأى مالكاً فى هَمذان عدل منها إلى أصبتَهان إلى عامر بن ضُبارة - وكان عُطَيف فى ثلاثة آلاف - وجّهه ابن هبيرة إلى نَصْر، فنزل الرىّ، ولم يأت نصراً. وأقام نصر بالرىّ يومين ثم مرض، فكان يُحْمل حَمْلا ؛ حتى إذا كان بساوَة قريبًا من همذان مات بها ؛ فلما مات دخل أصحابه همذان . (١) ط: ((فعتب))، وما أثبته من ا. (٣) الضغبوس : الرجل الضعيف . (٢) كذا فى ا. ٤٠٤ سنة ١٣١ وكانت وفاة نصر - فيما قيل - لمضىّ اثنتى عشرة ليلة من شهر ربيع الأول ، وهو ابن خمس وثمانين سنة . وقيل إن نصراً لما شخص من خُوار متوجَّهًا نحو الرىّ لم يدخل الرىّ ولكنه أخذ المفازة التى بين الرّىّ وهمذان فمات بها . ٠٠٠ رجع الحدیث إلی حدیث على عن شيوخه . قالوا: ولما مات نصر بن سيّار بعث الحسن خازم بن خزيمة إلى قرية يقال لها سمنان ، وأقبل قتَحْطبة من جُرْجان، وقدم أمامه زياد بن زرارة القشیری ؛ وكان زیاد قد ندمعلى اتباع أبى مسلم ، فانخزل(١) عن قحطبة، وأخذ طريق أصبهان يريد أن يأتى(٢) عامر بن ضُبارة، فوجَّه قحطبة المسيّب بن زهير الضبىّ، فلحقه من غد بعد العصر فقاتله ، فانهزم زياد ، وقتل عامة من معه ، ورجع المسيِّب بن زهير إلى قحطبة ، ثم سار قَحْطبة إلى قومِس وبها ابنه الحسن ، فقدم خازم من الوجه الذى كان وجَّهه فيه الحسن ، فقدّم قحطبة ابنه الحسن إلى الرىّ . وبلغ حبيب ابن بديل النهشلىّ ومَنْ معه من أهل الشأم مسير الحسن ، فخرجوا من الرىّ ودخلها الحسن ، فأقام حتى قدم أبوه . ٢/٣ وكتب قحطبة حين قدم الرىّ إلى أبى مسلم يعلمه بنزوله الرّىّ. ٥ ٠ [أمر أبى مسلم مع قحطبة عند نزوله الرىّ] قال أبو جعفر: وفى هذه السنة تحوّل أبو مسلم من مسَرْو إلى نيسابور فنزلها. ذكر الخبر عما كان من أمر أبى مسلم هنالك ومن قَحْطبة بعد نزوله الرىّ: ولما كتب قحطبة إلى أبى مسلم بنزوله الرّىّ ارتحل أبو مسلم - فيما ذكر - من مَرْو ، فنزل نيسابور وخندق بها، ووجَّه قحطبة ابنه الحسن بعد نزوله الرّىّ بثلاث إلى هَمَذان؛ فذكر علىّ عن شيوخه وغيرهم أنّ الحسن بن قحطبة لما توجه إلى همذان؛ خرج منها مالك بن أدهم ومن كان بها من أهل الشأم وأهل خُراسان إلى نَهاوَنْد ، فدعاهم مالك إلى أرزاقهم ، وقال : من (١) ابن الأثير: ((فانخذل)). (٢) بعدها فى ب: ((على)). ٤٠٥ سنة ١٣١ كان له ديوان فليأخذ رزقه ، فترك قوم كثير دواوينتهم ومضوا ، فأقام مالك ومَن بقى معه من أهل الشأم وأهل خُراسان ممَّن كان مع نصر ، فسار الحسن من همذان إلى نَهاوَنْد ، فنزل على أربعة فراسخ من المدينة ، وأمدّه قحطبة بأبى الجهْم بن عطيّة مولى باهلة فى سبعمائة ، حتى أطاف بالمدينة ٤/٣ وحصرها (١). [ذكر خبر قتل عامر بن ضبارة ودخول قحطبة أصبهان] قال أبو جعفر : وفى هذه السنة قتِل عامر بن ضبارة . * ذكر الخبر عن مقتله وعن سبب ذلك : وكان سبب مقتله أنّ عبد الله بن معاوية بن عبد الله بن جعفر لما هزمه ابن ضُبارة مضى هاربًا نحو خراسان ، وسلك إليها طريق كِرْمان ، ومضى عامر بن ضُبارة فى أثره لطلبه ، وورد على يزيد بن عمر مقتلُ نباتة بن حنظلة يجُرجان ؛ فذكر علىّ بن محمد أن أبا السرىّ وأبا الحسن الجشمىّ والحسن ابن رشيد وجبلة بن فرّوج وحفص بن شبيب أخبروه ، قالوا : لما قُتل نباتة كتب ابنُ هبيرة إلى عامر بن ضُبارة وإلى ابنه داود بن يزيد بن عمر أن يسيرا إلى قَحْطبة - وكانا بكرْمان - فسارا فى خمسين ألفًا حتى نزلوا أصبهان بمدينة جتىّ - وكان يقال لعسكر ابن ضُبارة عسكر العساكر - فبعث قَحْطبة إليهم مقاتلا وأبا حفص المهلبيّ وأبا حمَّاد المروزىّ مولى بنى سُليم وموسى بن عقيل(٢) وأسلم بن حسان وذؤيب بن الأشعث وكُلثوم بن شبيب ومالك بن طريف والمخارق بن غفار والهيثم بن زياد؛ وعليهم جميعًا العتكىّ، فسار حتى نزل قمّ. وبلغ ابنَ ضُبارة نزول الحسن بأهل نتَهاوَنْد ، فأراد أن يأتيهم مُعينًاً لهم ، وبلغ الخبر العكىّ ، فبعث إلى قحطبة يعلمه ، فوجه زهير بن محمد إلى قاشان ، وخرج العكىّ من قمّ وخلف بها طريف بن غَيْلان (٣)، فكتب إليه قحطبة يأمره أن يُقيم حتى يقدم عليه، وأن يرجع إلى قمّ ، وأقبل ٥/٣ قحطبة من الرّىّ، وبلغه طلائع العسكرين؛ فلما لحق قحطبة بمقاتل بن حكيم (١) ب: ((وحصرهم)). (٢) ط: ((عقال))، وانظر الفهرس. (٣) !: ((عجلان)). i ٤٠٦ سنة ١٣١ العکی ضمّ عسکر العکی إلى عسكره ، وسار عامر بن ضبارة إليهم و بينه وبين عسكر قَحْطبة فرسخ ، فأقام أيامًا ، ثم سار قَحْطبة إليهم ، فالتقوا وعلى ميمنة قحطبة العكىّ ومعه خالد بن بَرْمك ، وعلى ميسرته عبد الحميد بن ربعىّ ومعه مالك بن طريف - وقحطبة فى عشرين ألفًا وابن ضبارة فى مائة ألف ، وقيل فى خمسين ومائة ألف - فأمر قحطبة بمصحف فنُصِب على رُمْح ثم نادى : يا أهل الشأم ، إنا ندعوكم إلى ما فى هذا المصحف ، فشتموه وأفحشوا فى القول، فأرسل إليهم قحطبة : احملوا عليهم، فحمل عليهم العكىّ، وتهايج الناس ، فلم يكن بينهم كثير قتال حتى انهزم أهلُ الشأم ، وقُتِلوا قتلا ذريعًا، وحَوَوْا عسكرهم ، فأصابوا شيئًا لا يُدَرَى عدده من السلاح والمتاع والرقيق، وبعث بالفتح إلى ابنه الحسن مع شُريح بن عبد اللّه. قال علىّ: وأخبرنا أبو الذّيّال، قال: لقى قحطبة عامر بن ضُبارة؛ ومع ابن ضُبارة ناس من أهل خُراسان ؛ منهم صالح بن الحجاج النميرىّ وبشر ابن بسطام بن عمران بن الفضل البرجمىّ وعبد العزيز بن شماس المازنىّ وابن ضُبارة فى خيل ليست معه رَجْالة، وقحطبة معه خيل ورجَّالة . فرموا الخيل بالنُّشاب، فانهزم ابن ضُبارة حتى دخل عسكره ، واتّبعه قحطبة ، فترك ابن ضُبارة العسكر ، ونادى: إلىّ، فانهرم الناس وقتيل . قال علىّ: وأخبرنا المفضّل بن محمد الضبىّ، قال: لما لقى قحطبة ابنَ ضُبارة انهزم داود بن يزيد بن عمر ، فسأل عنه عامر ، فقيل : انهزم ، فقال : لعن الله شرَّنًا منقلباً! وقاتل حتى قتل . ٦/٣ قال على": وأخبرنا حفص بن شبيب، قال: حدثنى مَنْ شهد قَحْطبة وكان معه ، قال : ما رأيتُ عسكراً قطّ جَمَحَ ما جمع أهلُ الشأم بإصبهان من الخيل والسلاح والرقيق ، كأنا افتتحنا مدينة ؛ وأصبنا معهم ما لا يحصى من البرابط والطنابير والمزامير؛ ولَقلّ بيت أو خِباء ندخله إلا أصبنا فيه زُكْرة أو زِقًّا من الخمر ، فقال بعض الشعراء : لما رَمَيْنَا مُضرًا بالقبّ قَرْضَبَهُمْ قَحْطَبَةُ القِرْضَبِّ • يَدْعُونَ مَرْوانَ كَدَعْوَى الرَّبُ. ٤٠٧ سنة ١٣١ [ذكر خبر محاربة قحطبة أهل نهاوند ودخولها] وفى هذه السنة كانت وقعة قحطبة بنهاوند بمنْ كان لجأ إليها من جنود مروان بن محمد . وقيل : كانت الوقعة بجابتكْق من أرض أصبتهان يوم السبت لسبع بقين من رجب . * ذكر الخبر عن هذه الوقعة : ذكر علىّ بن محمد أن الحسن بن رشيد وزهير بن الهنيد أخبراه أن ابن ضُبارة لما قتل كتب بذلك قحطبة إلى ابنه الحسن ، فلما أتاه الكتاب كبّر وكبّر جنده، ونادوا بقتله، فقال عاصم بن عمير (١) السُّغدىّ: ما صاح هؤلاء بقتل ابن ضُبارة إلا وهو حقّ، فاخرجوا إلى الحسن بن قحطبة وأصحابه؛ فإنكم لا تقومون لهم، فتذهبون حيث شئتم قبل أن يأتيه أبوه أو مدده (٢). فقالت الرّجالة: تخرجون وأنتم فرسان على خيول فتذهبون وتتركوننا ! فقال لهم مالك ابن أدهم الباهلىّ: كتب إلىّ ابن هبيرة ولا أبرح حتى يقدم علىّ. فأقاموا وأقام ٧/٣ قحطبة بأصبهان عشرين يوماً ، ثم سار حتى قدم على الحسن نها وَنْد فحصرهم أشهراً، ثم دعاهم إلى الأمان فأبوا، فوضع عليهم المجانيق، فلما رأى ذلك مالك طلب الأمان لنفسه ولأهل الشأم - وأهلُ خراسان لا يعلمون - فأعطاه الأمان فوقَى له قَحْطبة ، ولم يقتل منهم أحداً ، وقتل من كان بنتهاوند من أهل خراسان ، إلا الحكم بن ثابت بن أبى مسعر الحنفىّ ، وقتل من أهل خراسان أبا كامل وحاتم بن الحارث بن شُريح وابن نصر بن سيّار وعاصم بن عمير وعلىّ بن عقيل وبَيْهس بن بديل من بنى سليم؛ من أهل الجزيرة، ورجلا من قريش يقال له البخترىّ، من أولاد عمر بن الخطاب - وزعموا أن آل الخطاب لا يعرفونه - وقَطَن بن حرب الهلالى". قال علىّ: وحدّثنا يحيى بن الحكم الهمْدانىّ، قال: حدّثنى مولى لنا قال : لمّا صالح مالك بن أدهم قَحْطبة قال بيهس بن بديل: إنّ ابنَ أدهم لمصالح (٣) علينا؛ والله لأفتكن" به؛ فوجد أهل خُراسان أن قد فتح لهم الأبواب ، ودخلوا وأدخل قَحْطبة من كان معه من أهل خراسان حائطًا . (١) ب: ((عمر)). (٣) ط: ((ليصالح)). (٢) أ: ((مدد من قبله)). ٤٠٨ سنة ١٣١ وقال غير علىّ : أرسل قتَحْطبة إلى أهل خُراسان الذين فى مدينة نهاوند يَدْعوهم إلى الخروج إليه، وأعطاهم الأمان، فأبوا ذلك. ثم أرسل إلى أهل الشأم بمثل ذلك فقبلوا، ودخلوا فى الأمان بعد أن حوصروا ثلاثة أشهر : شعبان ورمضان وشوّال ، وبعث أهل الشأم إلى قَحْطبة يسألونه أن يشغل أهل المدينة حتى يفتحوا الباب وهم لا يشعرون ، ففعل ذلك قَحْطبة ، وشغل أهل المدينة ٨/٣ بالقتال، ففتح أهل الشأم البابَ الذى كانوا عليه ؛ فلما رأى أهلُ خراسان الذين فى المدينة خروجَ أهل الشأم ، سألوهم عن خروجهم ، فقالوا : أخذنا الأمان لنا ولكم ، فخرج رؤساء أهلِ خراسان ، فدفع قحطبة كلَّ رجل منهم إلى رجُل من قوّاد أهل خراسان ، ثم أمر مناديه فنادى : من كان فى يده أسير ممّن خرج إلينا من أهل المدينة فليضرب عنقه ، وليأتنا برأسه . ففعلوا ذلك، فلم يبق أحدٌ ممن كان قد هرب من أبى مسلم وصاروا إلى الحصن إلّ قتل، ما خلا أهل الشأم فإنه خلَّى سبيلَهم ، وأخذ عليهم ألا يمالئوا عليه عدوًّا. رجع الحديث إلى حديث علىّ عن شيوخه الذين ذكرت : ولما أدخل قحطبة الذين كانوا بنتهاوند من أهل خُراسان ومن أهل الشأم الحائط ، قال لهم عاصم بن عمیر : ویلکم! ألا تدخلون الحائط! وخرج عاصم فلبس درعه، ولبس سواداً كان معه ، فلقيه شاكرىّ كان له بخراسان فعرفه ، فقال : أبو الأسود ؟ قال : نعم، فأدخله فى سَرَّب ، وقال لغلام له : احتفظ به ولا تطلعنّ على مكانه أحداً، وأمَر قحطبة: من كان عنده أسيراً فليأتنا به . فقال الغلام الذى كان وُكَلَ بعاصم : إن عندى أسيراً أخاف أن أغلب عليه، فسمعه رجلٌ من أهل اليمن ، فقال : أرنيه ، فأراه إياه فعرفه ، فأتى قحطبة فأخبره ، وقال : رأس من رءوس الجبابرة، فأرسل إليه فقتله ، ووفَّى لأهل الشام فلم يقتل منهم أحداً . قال على: وأخبرنا أبو الحسن الخُراسانىّ وجبلة بن فرّوخ؛ قالا: لما قدم قحطبة نهاوند والحسن محاصرهم ، أقام قَحْطبة عليهم ، ووجّه الحسن ٩/٣ إلى مَرْج القلعة، فقدّم الحسن خازم بن خُزيمة إلى حُلوان، وعليها عبد الله ٤٠٩ سنة ١٣١ ابن العلاء الكندىّ ، فهرب من حُلوان وخلاًّ ها . قال علىّ: وأخبرنا محرز بن إبراهيم ، قال : لما فتح قحطبة نهاوند ، أرادوا أن يكتبوا إلى مَرْوان باسم قَحْطبة ، فقالوا : هذا اسم شنيع ، اقلبوه فجاء ((هبط حق))، فقالوا: الأول مع شنعته أيسر من هذا. فردّوه (١). [ ذكر وقعة شهرزور وفتحها ] وفى هذه السنة كانت وقعة أبى عون بشهرزور . • ذكر الخبر عنها وعمّا كان فيها : ذكر علىّ أن أبا الحسن وجبلة بن فروخ ، حدّثاه قالا : وجّه قحطبة أبا عون عبد الملك بن يزيد الخراسانىّ ومالك بن طريف (٢) الخُراسانى فى أربعة آلاف إلى شهرزور، وبها عثمان بن سفيان على مقدّمة عبد الله بن مروان، فقدم أبو عون ومالك ، فنزلا على فرسخيْن من شهرزور ، فأقاما به يوماً وليلة، ثم ناهضا عثمان بن سفيان فى العشرين من ذى الحجة سنة إحدى وثلاثين ومائة فقتل عثمان بن سفيان ، وبعث أبو عون بالبشارة مع إسماعيل بن المتوكّل ، وأقام أبو عون فى بلاد الموصل . وقال بعضهم : لم يُقتل عثمان بن سفيان، ولكنه هرب إلى عبد الله بن مَرْوان ، واستباح أبو عون عسكره ، وقتل من أصحابه مقتلة عظيمة بعد قتال شديد . وقال : كان قحطبة وجه أبا عون إلى شهرزور فى ثلاثين ألفًا بأمر أبى مسلم إياه بذلك. قال: ولما بلغ خبرُ أبى عون مروانَ وهو بحرَّان، ارتحل ١٠/٣ منها ومعه جنود الشأم والجزيرة والموصل ، وحشرت بنو أمية معه أبناءهم مقبلا إلى أبى عون ؛ حتى انتهى إلى الموصل ، ثم أخذ فى حفر الخنادق من خندق إلى خندق؛ حتى نزل الزّاب الأكبر، وأقام أبو عون بشهر زور بقية ذى الحجة والمحرّم من سنة اثنتين وثلاثين ومائة ، وفرض فيها لخمسة آلاف رجل . (١) ١: ((فتركوه)). (٢) ا وب: ((طراف))، ابن الأثير: ((طرافة)). ٤١٠ سنة ١٣١ [ ذكر خبر مسير قحطبة إلى ابن هبيرة بالعراق ] وفى هذه السنة سار قَحْطبة نحو ابن هبيرة ؛ ذكر علىّ بن محمد أن أبا الحسن أخبره وزهير بن هُنيد وإسماعيل بن أبى إسماعيل وجبلة بن فرّوخ، قالوا : لما قدم على ابن هبيرة ابنه منهزمًا من حُلوان، خرج يزيد بن عمر بن هبيرة ، فقاتل قحطبة فى عدد كثير لا يُحصى مع حوثرة بن سهيل الباهلىّ ، وكان مروان أمدّ ابنَ هبيرة به، وجعل على الساقة زياد بن سهل الغطفانىّ، فسار يزيد بن عمر بن هُبيرة ، حتى نزل جَكُولاء الوقيعة وخندق ، فاحتفر الخندق الذى كانت العجم احتفرته أيام وَقْعة جلولاء ؛ وأقيل قحطبة حتى نزل قرماسين ، ثم سار إلى حُلوان ، ثم تقدّم من حُلوان ، فنزل خانقين ، فارتحل قحطبة من خانقين ، وارتحل ابن هبيرة راجعًا إلى الدّسْكرة . وقال هشام عن أبى مخنف ، قال : أقبل قحطبة، وابنُ هبيرة مخندق يجلولاء، فارتفع إلى عُكْراء، وجاز قحطبة د جلة، ومضى حتى نزل دمًا دون الأنبار (١)، وارتحل ابنُ هبيرة بمَن معه منصرفًا مبادراً إلى الكوفة لقحطبة ، حتى نزل فى الفرات فى شرقيّه، وقدم حوثرة فى خمسة عشر ألفًا إلى الكوفة ، وقطع قحطبة الفرات من دعمًا ، حتى صار من غربيّه ، ثم سار يريد الكوفة حتى انتهى إلى الموضع الذى فيه ابن هبيرة . ٠ ٠ ٠ ١١/٣ وفى هذه السنة حجّ بالناس الوليد بن عروة بن محمد بن عطية السعدىّ ؛ سعد هوازن ، وهو ابن أخى عبد الملك بن محمد بن عطية الذى قتل أبا حمزة الخارجىّ. وكان وإلى المدينة من قبل عمه، حدثنى بذلك أحمد بن ثابت ، عمن ذكره ، عن إسحاق بن عيسى، عن أبى معشر. وكذلك قال الواقدىّ وغيره . وقد ذكر أن الوليد بن عروة إنما كان خرج خارجًا من المدينة ، وكان مرْوان قد كتب إلى عمه عبد الملك بن محمد بن عطية يأمره أن يحجّ بالناس وهو باليمن؛ فكان من أمره ما قد ذكرت قبلُ ، فلمّا أبطأ عليه عمه عبد الملك (١) ب: ((مما دون الأنبار)). ٤١١ سنة ١٣١ افتعل كتاباً من عمّه يأمره بالحجّ بالناس ، فحجّ بهم . وذكر أن الوليد بن عروة بلغه قتلُ عمه عبد الملك فمضى [ إلى] الذين قتلوه، فقتل منهم مقتلة عظيمة ، وبقَرَ بطون نسائهم ، وقتل الصبيان ، وحرّق بالنيران مَنْ قدر عليه منهم . وكان عامل مكة والمدينة والطائف فى هذه السنة الوليد بن عروة السعدى من قبَل عمه عبد الملك بن محمد ، وعامل العراق يزيد بن عمر بن هبيرة . وعلى قضاء الكوفة الحجاج بن عاصم المحاربىّ، وعلى قضاء البصرة عبّاد ابن منصور الناجىّ . ٤١٢ ١٢/٣ ثم دخلت سنة اثنتين وثلاثين ومائة ذكر الخبر عما كان فيها من الأحداث ٠ ٠٠ [ذكر الخبر عن هلاك قحطبة بن شبيب] فمّا كان فيها هلاك قحطبة بن شبيب . ذكر الخبر عن مهلكه وسبب ذلك : فكان السبب فى ذلك أنّ قحطبة لما نزل خانقين مقبلاً إلى ابن هبيرة ، وابن هُبيرة بحلولاء ، ارتحل ابن هُبيرة من جلولاء إلى الدّسْكرة ، فبعث - فيما ذكر - قحطبة ابنه الحسن طليعةً ليعلم له خبر ابن هبيرة ، وكان ابن هبيرة راجعًا إلى خندقه بجلولاء ، فوجد الحسن بنَ هبيرة فى خندقه ، فرجع إلى أبيه فأخبره بمكان ابن هُبيرة؛ فذكر علىّ بن محمد، عن زهير بن هنيد وجبلة ابن فرُّوخ وإسماعيل بن أبى إسماعيل والحسن بن رشيد، أنّ قحطبة، قال لأصحابه لما رجع ابنه الحسن إليه وأخبره بما أخبره به من أمرابن هبيرة : هل تعلمون طريقًا يخرجنا إلى الكوفة ، لانمرّ بابنِ هُبيرة ؟ فقال خلف بن المورّع الهمذانىّ، أحد بنى تميم : نعم، أنا أدلّك، فعبر به تامرًا من رُوستُقْباذ، ولزم الجادّة حتى نزل بُزُرْج سابور، وأتى عتَكْبراء ، فعبر دجْلة إلى أوانا . قال علىّ : وحدّثنا إبراهيم بن يزيد الخراسانىّ، قال : نزل قحطبة بخانقين وابن هبيرة بحلُولاء ؛ بينهما خمسة فراسخ ، وأرسل طلائعه إلى ابنِ هبيرة ليعلم علمه ، فرجعوا إليه ، فأعلموه أنه مقيم ، فبعث قتَحْطبة خازمَ بن ١٣/٣ خزيمة، وأمره أن يعبر دجلة، فعبر وسار بين دجلة وُدجَيْل؛ حتى نزل كوثبا(١)؛ ثم كتب إليه قحطبة يأمره بالمسير إلى الأنبار، وأن يُحْدر إليه ما فيها منالسفن وما قدر علیه یعبرها، ویوافيه بها بد مِمّا، ففعل ذلكخازم، ووافاه قحطبة بد ممّا، ثم عبر قحطبة الفُرات فى المحرّم من سنة اثنتين وثلاثين (١) أ: ((كوثا)). ٤١٣ سنة ١٣٢ ومائة، ووجّه الأثقال فى البرّيَّة، وصارت الفرسان معه على شاطئ الفرات، وابن هبيرة معسكر على فم الفرات من أرض الفدُّوجَة العليا ، على رأس ثلاثة وعشرين فرسخًا من الكوفة، وقد اجتمع إليه فَلُ ابن ضبارة، وأمدّه مَرْوانِ. بحوثرة بن سهيل الباهلىّ فى عشرين ألفًا من أهل الشأم. وذكر علىّ أن الحسن بن رشيد وجبلة بن فرّوخ أخبراه أنّ قحطبة لما ترك ابنَ هبيرة ومضى يريد الكوفة ، قال حوثرة بن سهيل الباهلىّ وناس من وجوه أهل الشأم لابن هبيرة : قد مضى قحطبة إلى الكوفة ، فاقصد أنت خراسان ، ودعْه ومروان فإنك تكسره ، فبالخرَى أن يتبعك ، فقال : ما هذا برأى ، ما كان ليتبعنى ويدع الكوفة ؛ ولكنّ الرأى أن أبادره إلى الكوفة . ولما عبر قحطبة الفراتَ ، وسار على شاطئ الفرات ارتحل ابن هُبيرة من معسكره بأرض الفلُّوجة ، فاستعمل على مقدّمته حوثرة بن سهيل ، وأمره بالمسير إلى الكوفة ، والفريقان يسيران على شاطئ الفرات ؛ ابن هُبيرة بين الفرات وسورا، وقحطبة فى غربيه مما يلى البرّ . ووقف قحطبة فعبر إليه رجل أعرابىّ فى زورق ، فسلّم على قحطبة ، فقال : ممن أنت ؟ قال : من طيّئ ، فقال الأعرابىّ لقحطبة: اشرب من هذا واسقنى سؤرك، فغرف قتَحْطبة فى قصعة فشرب وسقاه ، فقال : الحمد لله الذى نسأ أجِلى حتى رأيتُ هذا الجيش ١٤/٣ يشرب من هذا الماء . قال قحطبة : أتتك الرواية ؟ قال : نعم ؛ قال : ممن أنت ؟ قال : من طيِّئ، ثم أحد بنى نَبْهان ، فقال قحطبة : صدقنى إمامى، أخبرنى أن لى وقعة على هذا النهر لى فيها النصر ، يا أخا بنی نبهان، هل ها هنا مخاضة؟ قال : نعم ولا أعرفها ، وأدلك على مَنْ يعرفها؛ السندىّ بن عصم. فأرسل إليه قحطبة ، فجاء وأبو السندىّ وعون ، فدلُّوه على المخاضة وأمسى ووافتْه مقدّمة ابن هبيرة فى عشرين ألفًا ، عليهم حَوْثرة . فذكر علىّ، عن ابن شهاب العبدّى، قال: نزل قحطبة الجبارية (١) فقال: صدقنى الأمام أخبرنى أن النصر بهذا المكان ، وأعطى الجند أرزاقهم ، فرد عليه كاتبه ستة عشر ألف درهم ، فضل الدرهم والدرهمين وأكثر وأقل ، فقال : لا تزالون بخير ما كنتم على هذا . ووافته خيول الشأم ، وقد دلُّه على (١) كذا فى ب وابن الأثير، وفى ا، ط ((الحادرة)) بدون نقط. ٤١٤ سنة ١٣٢ مخاضة فقال: إنما أنتظر شهر حرام وليلة عاشوراء، وذلك سنة اثنتين وثلاثين ومائة. ٠٠٠ وأما هشام بن محمد، فإنه ذكر عن أبى مخنف أنّ قحطبة انتهى إلى موضع مخاضة ذكرت له، وذلك عند غروب الشمس ليلة (١) الأربعاء؛ لثمان خلون من المحرّم سنة اثنتين وثلاثين ومائة، فلما انتهى قحطبة إلى المخاضة اقتحتم فى عدة من أصحابه ، حتى حمل على ابن هبيرة ، وولى أصحابُه منهزمین ؛ ثم نزلوا فم النيل ، ومضى حوثرة حتى نزل قصْرَ ابن هبيرة ، وأصبح أهل خراسان وقد فقدوا أميرهم ، فألقوا بأيدهم ، وعلى الناس الحسن بن قحطبة . ١٥/٣ رجع الحديث إلى حديث علىّ عن ابن شهاب العبدىّ : فأما صاحب علَ قحطبة خيران أو يسار مولاه ، فقال (٢) له : اعبر ، وقال لصاحب رايته مسعود بن علاج ( رجل من بكر بن وائل) : اعبر ، وقال لصاحب شرطته عبد الحميد بن ربعىّ أبى غانم أحد بنى نبهان من طئ : اعبر يا أبا غانم ، وأبشر بالغنيمة . وعبر جماعة حتى عبر أربعمائة، فقاتلوا أصحاب حوثرة حتى نحَّوْهم عن الشريعة ، ولقوا محمد بن نباتة فقاتلوه، ورفعوا النيران، وانهزم أهل الشأم ، وفقدوا قحطبة فبايعوا حُميد بن قحطبة على كُرُه منه ، وجعلوا على الأثقال رجلاً يقال له أبو نصر فى مائتين ، وسار حُميد حتى نزل كربلاء، ثم دير الأعور ثم العباسيّة . قال علىّ: أخبرنا خالد بن الأصفح وأبو الذيّال، قالوا: وُجِد قحطبة فدفنه أبو الجهم ، فقال رجل من عرض الناس : من كان عنده عَّهْد من قحطبة فليخبرنا به ، فقال مقاتل بن مالك العكىّ : سمعت قحطبة يقول : إن حدّث بى حدث فالحسن أمير الناس ، فبايع الناس حميداً للحسن ، وأرسلوا إلى الحسن ، فلحقه الرسول دون قرية شاهى ، فرجع الحسن فأعطاه أبو الجهم خاتم قحطبة ، وبايعوه، فقال الحسن : إن كان قحطبة مات فأنا ابن قحطبة . وقتل فى هذه الليلة ابن نَبْهان السدوسىّ وحرب بن سلم بن (٢) ط: ((قال)). (١) ط: ((عشية)). ٤١٥ سنة ١٣٢ أحوز وعيسى بن إياس العدوىّ ورجل من الأساورة، يقال له مصعب، وادّعى قتل قحطبة معن بن زائدة ويحيى بن حُضين . ١٦/٣ قال على : قال أبو الذيال : وجدوا قحطبة قتيلا فى جدول وحرب بن سلم بن أحوز قتيل إلى جَنْبه ، فظنوا أن كلّ واحد منهما قتل صاحبه . قال علىّ: وذكر عبد الله بن بدر قال: كنتُ مع ابن هبيرة ليلة قحطبة فعبروا إلينا ، فقاتلونا على مسنَّة عليها خمسة فوارس ؛ فبعث ابنُ هبيرة محمد بن نباتة، فتلقاهم فدفعناهم دفعاً، وضرب معن بنزائدة قحطبة علىحبل عاتقه ، فأسرع فيه السيف، فسقط قحطبة فى الماء فأخرجوه ، فقال: شدّوا يدىّ، فشدّوها بعمامة، فقال : إن متّ فألقونى فى الماء لا يعلم أحد بقتلى. وكرّ عليهم أهل خراسان ، فانكشف ابن نباتة وأهل الشام ، فاتبعونا وقد أخذ طائفة فى وجه ، ولحقنا قوم من أهل خراسان ، فقاتلناهم طويلا ، فما نجوْنا إلّ برجلين من أهل الشأم قاتلوا عنا قتالا شديداً، فقال بعض الخراسانية: دعُوا هؤلاء الكلاب (بالفارسية) فانصرفوا عنا. ومات قحطبة وقال قبل موته: إذا قدمتم الكوفة فوزير الإمام أبو سلمة ؛ فسلموا هذا الأمرَ إليه . ورجع ابن هبيرة إلى واسط . وقد قيل فى هلاك قحطبة قول غير الذى قاله من ذكرنا قوله من شيوخ علىّ بن محمد ؛ والذى قيل من ذلك أنّ قحطبة لما صار بحذاء ابن هُبيرة من الجانب الغربىّ من الفرات، وبينهما الفرات ، قدّم الحسَن ابنه على مقدّمته ، ثم أمر عبد الله الطائىّ ومسعود بن علاج وأسد بن المرزبان وأصحابهم بالعبور على خيولهم فى الفرات ، فعبَروا بعد العصر ، فطُعِنِ أوّل فارس لقيهم من أصحاب ابن هبيرة ، فولّوا منهزمین حتى بلغت هزيمتهم جسر سورا حتى اعترضهم سويد صاحب شُرطة ابن هبيرة، فضرب وجوههم ووجوه دوابهم ١٧/٣ حتى ردّهم إلى موضعهم ؛ وذلك عند المغرب ؛ حتى انتهوا إلى مسعود بن علاج ومن معه ؛ فكثروهم، فأمر قحطبة المخارق بن غفار وعبد اللّه بسَّام وسلمة ابن محمد - وهم فى جريدة خيل- أن يعبروا، فيكونوا ردْءاً لمسعود بن علاج، ٤١٦ سنة ١٣٢ فعبروا ولقيهم محمد بن نباتة ، فحصر سلمة ومَن معه بقرية على شاطئ الفرات ، وترجّل سلمة ومَن معه ، وحمِىَ القتال ، فجعل محمد بن نُباتة يحمل على سلمة وأصحابه ، فيقتل العشرة والعشرين ، ويحمل سلمة وأصحابه على محمد بن نباتة وأصحابه ، فيقتل منهم المائة والمائتين ، وبعث سلمة إلى قحطبة يستمدّه ، فأمدّه بقواده جميعاً ، ثم عبر قحطبة بفُرسانه ، وأمر كل فارس أن يردف رجلاً؛ وذلك ليلة الخميس لليال خلون من المحرّم، ثم واقع قحطبة محمدَ بن نباتة ومَن معه ، فاقتتلوا قتالا شديداً ، فهزمهم قَحْطبة حتى ألحقهم بابن هُبيرة، وانهزم ابن هبيرة بهزيمة ابن نباتة، وخلّوْا عسكرهم وما فيه من الأموال والسلاح والرّثّة(١) والآنية وغير ذلك؛ ومضت بهم الهزيمة حتى قطعوا جسر الصَّراة ، وساروا ليلتهم حتى أصبحوا بفم النيل ، وأصبح أصحاب قحطبة وقد فقدوه ؛ فلم يزالوا فى رجاء منه إلى نصف النهار ، ثم يئسوا منه وعلموا بغرَقه ، فأجمع القوّاد على الحسن بن قحطبة فولَّوْه الأمر وبايعوه، فقام بالأمر وتولاه، وأمر بإحصاء ما فى عسكر ابن هُبيرة، ووكّل بذلك رجلا من أهل خراسان يكنى أبا النضر (٢) فى مائتى فارس، وأمر بحمل الغنائم فى السفن إلى الكوفة ، ثم ارتحل الحسن بالجنود حتى نزل كربلاء ، ١٨/٣ ثم ارتحل فنزل سورا ، ثم نزل بعدها دير الأعور، ثم سار منه فنزل العباسية. وبلغ حوثرة هزيمة ابن هبيرة، فخرج بمن معه حتى لحق بابن هُبيرة بواسط . وكان سبب قتل قحطبة- فيما قال هؤلاء-أنّ أحلم بن إبراهيم بن بسام مولتى بى ليث قال: لما رأيتُ قحطبة فى الفرات ، وقد سبسَحتْ به دابته حتى كادت تعبر به من الجانب الذى كنت فيه أنا وبسام بن إبراهيم أخى - وكان بسام على مقدّمة قحطبة - فذكرت مَنْ قُتِل من ولد نصر بن سيار وأشياء ذكرتها منه ؛ وقد أشفقت على أخى بسام بن إبراهيم لشىء بلغه عنه ، فقلت : لا طلبتُ بثأر أبداً إن نجوتَ الليلة . قال: فأتلقاه وقد صعدت به دابته لتخرج من الفرات وأنا على الشطّ ، فضربته بالسيف على جبينه ، فوثب فرسه ، وأعجله الموت ؛ فذهب فى الفرات بسلاحه. ثم أخبر ابن حصين السعدىّ بعد موت (١) الرثة: المتاع، وفى ط: ((الزينة)). (٢) ط: ((النصر)). ٤١٧ سنة ١٣٢ أحلم بن إبراهيم بمثل ذلك ، وقال : لولا أنه أقرّ بذلك عند موته ما أخبرتُ عنه بشىء . ... [ذكر خبر خروج محمد بن خالد بالكوفةمسوّداً] قال أبو جعفر: وفى هذه السنة خرج محمد بن خالد بالكوفة، وسوّد قبل أن يدخلها الحسن بن قحطبة ، وخرج عنها عامل ابن هبيرة، ثم دخلها الحسن . • ذكر الخبر عمّا كان من أمر من ذكرت : ذكر هشام ، عن أبى مخفف ، قال : خرج محمّد بن خالد بالكوفة فى ليلة عاشوراء ، وعلى الكوفة زياد بن صالح الحارثىّ، وعلى شُرَطه عبد الرحمن ابن بشير العجلىّ؛ وسوّد محمد وسار إلى القَصْر ، فارتحل زياد بن صالح وعبد الرحمن بن بشير العِجْلىّ ومَنْ معهم من أهل الشام، وخلّوا (١) القصر، ١٩/٣ فدخله محمد بن خالد ، فلما أصبح يوم الجمعة - وذلك صبيحة اليوم الثانى من مهلك قحطبة - بلغه نزولُ حوثرة(٢) ومَنْ معه مدينة ابن هبيرة ، وأنه تهيّأ للمسير إلى محمد ، فتفرّق عن محمد عامة مَن معه حيث بلغهم نزول حَوْثرة مدينة ابن هبيرة ، ومسيره إلى محمد لقتاله؛ إلّ فرساناً من فرسان أهل اليمن ، ممن كان هرب من مسَرْوان ومواليه . وأرسل إليه أبو سلمة الخلال - ولم يظهر بعد - يأمره بالخروج من القصر واللحاق بأسفل الفرات؛ فإنه يخاف عليه لقلة مَن معه وكثرة مَن مع حوثرة - ولم يبلغ أحداً من الفريقين هلاكٌ قحطبة - فأبى محمد بن خالد أن يفعلَ حتى تعالى النهار، فتهيأ حوثرة للمسير إلى محمد بن خالد ؛ حيث بلغه قلّة مَن معه وخذلان العامة له ، فبينا محمد فى القصر إذْ أتاه بعض طلائعه ، فقال له: خيلٌ قد جاءت من أهل الشأم، فوجّه إليهم عدّة من مواليه ، فأقاموا بباب دار عمر بن سعد ؛ إذ طلعت الرّايات لأهل الشام ، فتهيْئُوا لقتالهم ، فنادى الشأميون : نحن بجيلة، وفينا مليح بن خالد البَجلىّ ، جئنا لندخل فى طاعة الأمير . فدخلوا، ثم جاءت خيل أعظم منها مع رجل من آل بَحْدل ، فلما رأى ذلك حوثرة من صنيع (١) ب: ((ودخلوا)). (٢) ب: ((الحوثرة)). ٤١٨ سنة ١٣٢ أصحابه ، ارتحل نحو واسط بمن معه ، وكتب محمد بن خالد من ليلته إلى قَحْطبة؛ وهو لا يعلم بهُلْكه ؛ يعلمه أنه قد ظفر بالكوفة ، وعجل به مع فارس ؛ فقدم على الحسن بن قحطبة ، فلما دفع إليه كتاب محمد بن خالد قرأه على الناس ، ثم ارتحل نحو الكوفة ، فأقام محمد بالكوفة يوم الجمعة ٢٠/٣ والسبت والأحد وصبّحه الحسن يوم الاثنين، فأتوا أبا سلمة وهو فى بنى سلمة (١) فاستخرجوه، فعسكر بالُّخيلة يومين ، ثم ارتحل إلى حمّام أعين، ووجه الحسن ابن قحطبة إلى واسط لقتال ابن هبيرة . وأما علىّ بن محمد ، فإنه ذكر أن عمارة مولى جبرائيل بن يحيى أخبره ، قال : بايع أهلُ خراسان الحسن بعد قحطبة ، فأقبل إلى الكوفة ، وعليها يومئذ عبد الرحمن بن بشير العجلىّ، فأتاه رجل من بنى ضَبّة ، فقال : إن الحسن داخل اليوم أو غداً ؛ قال : كأنك جئتَ تُرهبنى! وضربه ثلثمائة سوط . ثم هرب فسوّد محمد بن خالد بن عبد الله القسرىّ، فخرج فى أحد عشر رجلاً ، ودعا الناس إلى البيعة ، وضبط الكوفة ، فدخل الحسن من الغد ، فكانوا يسألون فى الطريق : أين منزل أبى سلمة ، وزير آل محمد ؟ فدلُّوهم عليه، فجاءوا حتى وقفوا على بابِهِ، فخرج إليهم، فقدّ موا له دابة من دواب قحطبة فركبها ، وجاء حتى وقف فى جبَّانة السَّبيع ، وبايع أهل خراسان ، فمكث أبو سلمة حفص بن سليمان مولى السَّبيع - يقال له وزير آل محمد - واستعمل محمد بن خالد بن عبد الله القسرىّ على الكوفة - وكان يقال له الأمير- حتى ظهر أبو العباس . وقال على": أخبرنا جبلة بن فرّوخ وأبو صالح المروزىّ وُمارة مولى جبرائيل وأبو السرىّ وغيرهم ممن قد أدرك أوّلَ دعوة بنى العباس، قالوا: ثم وجّه الحسنَ ابن قحطبة إلى ابن هبيرة بواسط ، وضمّ إليه قُوّاداً، منهم خازم بن خزيمة ومقاتل بن حكيم العكىّ وخفّاف بن منصور وسعيد بن عمرو وزياد بن مشكان ٢١/٣ والفَضْل بن سليمان وعبد الكريم بن مسلم وعثمان بن نتَهِيك وزهير بن محمد والهيثم بن زياد وأبو خالد المروزىّ وغيرهم ، ستة عشر قائداً وعلى جميعهم (١) ا، ب: ((فى بنى مسلمة)). ٤١٩ سنة ١٣٢ الحسن بن قحطبة . ووجّه حُميد بن قحطبة إلى المدائن فى قوّاد ؛ منهم عبد الرحمن بن نعيم ومسعود بن علاج؛ كلّ قائد فى أصحابه. وبعث المسيب بن زُهير وخالد بن بَرْمك إلى دَيْرِقُنَّى، وبعث المهلبيّ وشَراحيل فى أربعمائة إلى عَيْن التمر، وبسَّام بن إبراهيم بن بسام إلى الأهواز، وبها عبد الواحد ابن عمر بن هبيرة . فلما أتى بسام الأهواز خرج عبد الواحد إلى البَصْرة ، وكتب مع حفص بن السَّبِيع إلى سفيان بن معاوية بعهده على البصرة، فقال له الحارث أبو غسان الحارثىّ - وكان يتكهن وهو أحد بنى الدّيان: لا ينفذُ هذا العهد. فقدم الكتاب على سفيان ، فقاتله سَلْم بن قتيبة ، وبطل عهد سفيان . وخرج أبو سلمة فعسكر عند حمّام أعيَّن ، على نحو من ثلاثة فراسخ من الكوفة ، فأقام محمد بن خالد بن عبد اللّه بالكوفة. وكان سبب قتال سلم بن قتيبة سفيان بن معاوية بن يزيد بن المهلب - فيما ذكر - أن أبا سلمة الخلال وجّه إذ فرّق العمال فى البلدان بسام بن إبراهيم مولى بنى ليث إلى عبد الواحد بن عمر بن هبيرة وهو بالأهواز ، فقاتله بسام حتى فضّه ، فلحق سلْم بن قتيبة الباهلىّ بالبَصْرة ؛ وهو يومئذ عامل ليزيد بن عمر بن هبيرة . وكتب أبو سلمة إلى الحسن بن قحطية أن يوجّه إلى سَكْ مَن أحبّ من قُوّاده، وكتب إلى سُفيان بن معاوية بعهده على البحَصْرة، وأمره أن يظهر بها دَعْوة بنى العباس، ويدعو إلى القائم منهم؛ وينفى (١) سلْم ابن قتيبة . فكتب سفيان إلى سلم يأمره بالتحوّل عن دار الإمارة ، ويخبره بما أتاه من رأى أبى سلمة؛ فأبى سلم ذلك، وامتنع منه، وحشد مع سفيان جميع المانية وحلفاءهم من ربيعة وغيرهم ، وجنح إليه قائد من قوّاد ابن هبيرة ؛ وكان بعثه مدداً لسلم فى ألفى رجل من كلْب ، فأجمع السير إلى سلْ بن قتيبة ، فاستعدّ له سلْم ، وحشد معه مَن قدر عليه من قيس وأحياء مضر ومن كان بالبَصْرة من بنى أمية ومواليهم ، وسارعت بنو أمية إلى نَصْره . ٢٢/٣ فقدم سفيان يوم الخميس وذلك فى صفر ؛ فأتى المربد سَلْم ، فوقف منه عند سوق الإبل ، ووجّه الخيول فى سكة المرْبِد وسائر سِكَك البصرة للقاء مَنْ وَجه إليه سفيان، ونادى: مَنْ جاء برأس فله خمسمائة درهم، ومن (١) كذا فى ا، وفى ط: ((يبقى)). ٤٢٠ سنة ١٣٢ جاء بأسير فله ألف درهم . ومضى معاوية بن سفيان بن معاوية فى ربيعة خاصةً، فلقيه خيلٌ" (١) من تميم فى السكة التى تأخذ إلى بنى عامر فى سكّة المربد عند الدار التى صارت لعمر بن حبيب، فطعن رجلٌ منهم فرس معاوية، فشبّ به فصرعه؛ فنزل إليه رجل من بنى ضَبّة يقال له عياض ، فقتله ، وحمل رأسه إلى سَلْم بن قتيبة ، فأعطاه ألف درهم ، فانكسر سفيان لقتل ابنه ، فانهزم ومَن معه ، وخرج من فَوْره هو وأهل بيته حتى أتى القصر الأبيض فنزلوه ، ثم ارتحلوا منه إلى كسكر . وقدم على سلم بعد غلبته على البَصْرة جابر بن توبة الكلابىّ والوليد بن عتبة الفراسىّ، من ولد عبد الرحمن بن سُرة فى أربعة آلاف رجل ، كتب ٢٣/٣ إليهم ابن هبيرة أن يصيروا مدداً لسَلْم وهو بالأهواز، فغدا جابر بمن معه على دور المهلب وسائر الأزْد، فأغاروا عليهم، فقاتلهم من بقى من رجال الأزْد قتالاً شديداً حتى كثرت القتلى فيهم ؛ فانهزموا ، فسبتى جابر ومَن معه من أصحابه النساءَ، وهدموا الدور وانتهبوا ؛ فكان ذلك من فعلهم ثلاثة أيام؛ فلم يزل سَلْم مقيماً بالبصرة حتى بلغه قتلُ ابن هبيرة، فشخص عنها فاجتمع من البصرة من ولد الحارث بن عبد المطلب إلى محمد بن جعفر فولوه أمرهم فوليهم أيامًا يسيرة، حتى قدم البصرة أبو مالك عبد الله بن أسيد الخُزاعىّ من قِبَل أبى مسلم، فوليتها خمسة أيام، فلما قام أبو عباس ولآ ها سفيان بن معاوية. ... قال أبو جعفر: وفى هذه السنة بویع لأبى العباس عبد الله بن محمد بن على ابن عبد الله بن العباس بن عبد المطلب بن هاشم، ليلة الجمعة لثلاث عشرة مضت من شهر ربيع الآخر؛ کذلكحد ◌ّثنی أحمد بنثابت، عمنذكره، عنإسحاق ابن عيسى ، عن أبى معشر. وكذلك قال هشام بن محمدا. وأما الواقدىّ فإنه قال: بويع لأبي العباس بالمدينة بالخلافة فى جمادى الأولى فى سنة ثنتين وثلاثين ومائة. قال الواقدىّ: وقال لى أبو معشر: فى شهر ربيع الأول سنة ثنتين وثلاثين ومائة ؛ وهو الشَّبت . (١) ط: ((رجل))، وما أثبته من !.