النص المفهرس
صفحات 361-380
٣٦١ سنة ١٢٩ ١٩٦١/٢ مَرْو أقرأه كتاب الإمام إبراهيم، فسأل عن الرجل الذى وجَّهه، فأخبر وه أنّ سليمان بن كثير ردّه ، فأرسل إلى جميع النقباء ، فاجتمعوا فى منزل عمران بن إسماعيل ، فقال لهم أبو داود: أتا كم كتاب الإمام فيمن وجَّهه إليكم وأنا غائب فرددتموه، فما حجّتكم فى ردّه ؟ فقال سليمان بن كثير: لحداثة سنه، وتخوّفاً ألا يقدر على القيام بهذا الأمر؛ فأشفقنا على مَنْ دعونا إليه وعلى أنفسنا وعلى المجيبين لنا ، فقال : هل فيكم أحد بنكر أن الله تبارك وتعالى اختار محمداً صلى الله عليه وآله وسلم وانتخبه واصطفاه، وبعثه برسالته إلى جميع خلقه؟ فهل فيكم أحدٌ ينكر ذلك؟ قالوا: لا؛ قال: أفتشكون أنّ اللّه تعالى نزّل عليه كتابه فأتاه به جبريل الرّوح الأمين ، أحلّ فيه حلاله ، وحرّم فيه حرامه ، وشرّع فيه شرائعه ، وسنّ فيه سنه ، وأنبأه فيه بما كان قبله ، وما هو كائن بعده إلى يوم القيامة؟ قالوا : لا ، قال: أفتشكون أن الله عزّ وجلّ قبضه إليه بعد ما أدّى ما عليه من رسالة ربه ؟ قالوا : لا ، قال : أفتظّون أن ذلك العلم الذى أنزل عليه رُفع معه أو خلّفه؟ قالوا : بل خلّفه، قال : أفتظنونه خلّفه عندغير عِشْرته وأهل بيته، الأقرب فالأقرب ؟ قالوا: لا، قال : فهل أحدٌّ منكم إذا رأى من هذا الأمر إقبالاً ، ورأى الناس له مجيبينَ بدا له أن يصرف ذلك إلى نفسه؟ قالوا: اللهم لا، وكيف يكون ذلك! قال: لستُ أقول لكم فعلتم؛ ولكن الشيطان ربما نَزَع النزعة فيما يكون وفيما لا يكون. قال: فهل فيكم أحدٌ بدا له أن يصرف هذا الأمر عن أهل البيت إلى غيرهم من عِشْرة النبى صلى الله عليه وسلم ؟ قالوا: لا ، قال: أفتشكُّون أنهم معدن العلم وأصحاب ميراث رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟ قالوا: لا ، قال: فأراكم (١) شككتم فى أمرهم(٢) وردد تم عليهم علمهم؛ ولو لم يعلموا أن هذا الرجل هو الذى ينبغى له أن يقوم بأمرهم ، لما بعثوه إليكم ، وهو لايتهم فى موالاتهم ونصرتهم والقيام بحقهم . ١٩٦٢/٢ فبعثوا إلى أبى مسلم فردوه من قومس بقول أبى داود ؛ وولَّوْه أمرهم وسمعوا له وأطاعوا. ولم (٣) تزل فى نفس أبى مسلم على سليمان بن كثير ، ولم يزل (١) ابن الأثير: ((أراكم)). (٢) !: ((أمركم)). (٣) ا، ابن الأثير: ((فلم)). ٣٦٢ سنة ١٢٩ يعرفها لأبى داود . وسمعت الشيعة من النقباء وغيرهم لأبى مسلم ، وأطاعوه وتنازعوا، وقبلوا ما جاء به ، وبثّ الدعاة فى أقطار خُراسان ؛ فدخل الناس أفواجاً ، وكثروا، وفشت الدّعاة بخراسان كلها . وكتب إليه إبراهيم الإمام يأمره أن يوافيّة بالموسم فى هذه السنة - وهى سنة تسع وعشرين ومائة -، ليأمره بأمره فى إظهار دعوته ، وأن يقدم معه بقَحْطبة بن شبيب ، ويحمل إليه ما اجتمع عنده من الأموال ؛ وقد كان اجتمع عنده ثلثمائة ألف وستون ألف درهم ، فاشترى بعامَّتها عروضاً من متاع التجار؛ من القوهىّ والمرْوىّ والحرير والفِرْند، وصيّر بقيته سبائك ذهب وفضة وصيّرها فى الأقبية المحشوّة ، واشترى البغال وخرج فى النصف من جمادى الآخرة ، ومعه من النقباء قحطبة بن شبيب والقاسم بن مجاشع وطلحة بن رزيق؛ ومن الشيعة واحد وأربعون رجلا ، وتحمّل من قُرى خزاعة ، وحمل أثقاله على واحد وعشرين بتَغْلاً ، وحمل على كلّ بغل رجلا من الشيعة بسلاحه ، وأخذ المفازة وعدا عن مسلحة نصر بن سيار حتى انتهوا إلى أبِيوَرْد . فكتب أبو مسلم إلى عثمان بن نتهيك وأصحابه يأمرهم بالقدوم عليه ، وبينه وبينهم خمسة فراسخ ، فقدم عليه منهم خمسون رجلاً ، ثم ارتحلوا من أبِيوَرْد ؛ حتى انتهوا إلى قرية يقال لها قافس ؛ من قرى نَسا ، فبعث الفضل ابن سليمان إلى أندومان - قرية أسيد - فلقى بها رجلا من الشيعة ، فسأله عن أسيد ، فقال له الرّجل: وما سؤالك عنه! فقد كان اليوم شرّ طويل من العامل أخِذ، فأخِذَ معه الأحجم بن عبد اللّه وغَيْلان بن فضالة وغالب ابن سعيد والمهاجر بن عثمان، فحصلوا إلى العامل عاصم بن قيس بن الحرورىّ، فحبسهم. وارتحل أبو مسلم وأصحابه حتى انتهوا إلى أندومان، فأتاه أبو مالك والشيعة من أهل نَسا ؛ فأخبره أبو مالك أنّ الكتاب الذى كان مع رسول الإمام عنده ، فأمره أن يأتيَه به ، فأتاه بالكتاب وبلواء وراية ؛ فإذا فى الكتاب إليه يأمره بالانصراف حيثما يلقاه كتابه ؛ وأن يظهر الدعوة . فعقد اللواء الذى أتاه من الإمام على رمح ، وعقد الراية ، واجتمع إليه شيعة أهل نسا والدعاة والرءوس ، ومعه أهل أبِيوَرْد الذين قدموا معه . وبلغ ذلك عاصم بن قيس الحرورىّ ، فبعث إلى أبى مسلم يسأله عن حاله ، فأخبره أنه من الحاجّ الذين يريدون بيت الله، ومعه عدّة من ١٩٦٣/٢ سنة ١٢٩ ٣٦٣ أصحابه من التجار ، وسأله أن يخلّىَ سبيل من احتبس من أصحابه حتى يخرج من بلاده، فسألوا أبا مسلم أن يكتب لهم شرْطًا على نفسه؛ أن يصرف من معه من العبيد وما معه من الدوابّ والسلاح، على أن يخلّوا سبيل أصحابه الذين قدموا من بلاد الإمام وغيرهم. فأجابهم أبو مسلم إلى ذلك ، وخلى سبيل أصحابه ؛ فأمر أبو مسلم الشيعة من أصحابه أن ينصرفوا ، وقرأ عليهم كتاب الإمام ؛ وأمرهم بإظهار الدعوة ؛ فانصرف منهم طائفة وسار معه أبو مالك أسيد بن عبد الله الخُزَاعِىّ وزُرَيَق بن شَوْذب ومَنْ قدم عليه من أبيَورد ، وأمر مَن انصرف بالاستعداد. ثم سارفيمن بقى من أصحابه ومعه (١) قَحْطَة ابن شبيب ؛ حتى نزلوا تُخوَم جُرجان؛ وبعث إلى خالد بن بَرْمك وأبى عون يأمرهما بالقدوم عليه بما قبلهما من مال الشّيعة ، فقدما عليه ؛ فأقام أيامًا حتى اجتمعت القوافل . وجَهْز قحطبة بن شبيب ، ودفع إليه المال الذى كان معه ، والأحمال بما فيها ؛ ثم وجّهه إلى إبراهيم بن محمد، وسار أبو مسلم بمتن معه حتى انتهى إلى نَسَا ، ثم ارتحل منها إلى أبيوَرْد حتى قدِمتَها ؛ ثم سار حتى أتى مَرْو متنكرًا ، فنزل قرية تدعى فتنين من قرى خُزاعة لسبع ليال بقين من شهر رمضان ؛ وقد كان واعد أصحابه أن يوافُوه بمَرْو يوم الفِطْر . ووجّه أبا داود وعمرو بن أعين إلى طَخَارستان، والنضر بن صبيح إلى آمُل وبخارى ومعه شريك بن عيسى ، وموسى بن كعب إلى أبِيوَرْد ونَسا ، وخازم بن خزيمة إلى مَرْورُوذ ، وقدموا عليه، فصلّى بهم القاسم بن مجاشع التميمىّ يوم العيد؛ فى مصلّى آل قَنْبر؛ فى قرية أبى داود خالد بن إبراهيم. ٠ * * [ ذكر تعاقد أهل خراسان على قتال أبى مسلم ] وفى هذه السنة تحالفت وتعاقدت عامة مَنْ كان بخراسان من قبائل العرب على قتال أبى مسلم ؛ وذلك حين كثر تُبّاع أبى مسلم وقوىَ أمره . ١٩٦٥/٢ وفيها تحوّل أبو مسلم من معسكره بإسفيذ ◌َنْج إلى الماخُوان . • ذكر الخبر عن ذلك والسبب فيه : قال علىّ: أخبرنا الصبَّاح مولى جبريل ، عن مسلمة بن يحيى ، قال : (١) ط: ((صحبة)). ١٩٦٤/٢ ٣٦٤ سنة ١٢٩ لما ظهر أبو مسلم ، تسارع إليه الناس ، وجعل أهل مَرْو يأتونه ؛ لا يعرض لهم نصر ولا يمنعهم ؛ وكان الكرمانيّ وشَيْبان لا يكرهان أمر أبى مسلم ؛ لأنه دعا إلى خلع مَرْوان بن محمد ، وأبو مسلم فى قرية يقال لها بالين فى خباء ليس له حرس ولا حجاب ، وعظم أمره عند الناس ، وقالوا : ظهر رجل من بنى هاشم ، له حلْم ووقار وسكينة ؛ فانطلق فتية من أهل مَرْو ، نساك كانوا يطلبون الفقه، فأتوا أبا مسلم فى معسكره، فسألوه عن نسبه، فقال: خَبَرِى(١) خير لكم من نسبى ، وسألوه عن أشياء من الفقه ، فقال : أمرُكُم بالمعروف ونهيُكم عن المنكر خير لكم من هذا؛ ونحن فى شغل، ونحن إلى عونِكم أحوجُ منا إلى مسألتكم ، فأعفونا . قالوا : والله ما نعرف لك نسباً ، ولا نظنك تبقى إلا قليلا حتى تقتل ؛ وما بينك وبين ذلك إلا أن يتفرّغ أحد هذين ؛ قال أبو مسلم : بل أنا أقتلهما إن شاء الله . فرجع الفتية فأتوا نصر بن سيار فحدّثوه ، فقال: جزاكم الله خيراً ، مثلكم تفقّد هذا وعرفه . وأتوا شيبان فأعلموه ، فأرسل : إنا قد أُشجی بعضنا بعضاً؛ فأرسل إليه نصر : إن شئت فکف عنى حتى أقاتله، وإن شئت فجامعتى على حربه حتى أقتله أو أنفيه ؛ ثم نعود إلى أمرنا الذى نحن عليه . فهمَّ شيبانُ أن يفعل ، فظهر ذلك فى العسكر ، فأتت عيون أبى مسلم فأخبروه ، فقال. سليمان : ما هذا الأمر الذى بلغهم ! تكلّمت عند أحد بشىء؟ فأخبره خبر الفتية الذين أتوْه ؛ فقال: هذا لذاك إذاً. فكتبوا إلى علىّ بن الكرمانيّ: إنك موتور ؛ قتل أبوك ونحن نعلم أنك لست على رأى شيبان ؛ وإنما تقاتل الثأرك؛ فامنع شيبان من صلح نصر ؛ فدخل على شيبان ، فكلمه فثناه عن رأيه ، فأرسل نصر إلى شيبان : إنك لمغرور ؛ وايم الله ليتفاقمن هذا الأمر حتى تستصغرَنى فى جنبه(٢). (١) ابن الأثير: ((خيرى)). (٢) ابن الأثير: ((حتى يستصغر فى جنبه كل كبير))، وزاد بعدها: ((وقال شعراً يخاطب به ربيعة واليمن ، ويحثهم على الاتفاق معه على حرب أبى مسلم: أَن اغضبواقبل أَلا ينفع الغضبُ أَبْلِغْ ربيعةً فى مَرْوٍ وفى يمنٍ. كأَنّ أَهل الحِجَى عن رأيكُمْ غيُبُ ما بَالْكُمْ تَنْشِبُون الحرْبَ بِينِكُمْ ١٩٦٦/٢ سنة ١٢٩ ٣٦٥ فبينا هم فى أمرهم إذ بعث أبو مسلم النَّضر بن نُعَمِ الضّى إلى هَراة وعليها عيسى بن عقيل الليْىّ، فطرده عن هَرَاة ، فقدم عيسى على نَصرٍ منهزمًا، وغلب النَّضْر على هراة. قال: فقال يحيى بن نُعَم بن هبيرة: اختاروا إما أن تهلكوا أنتم قبل مُضَر أو مضر قبلكم ، قالوا : وكيف ذلك ؟ قال : إنّ هذا الرجل إنما ظهر أمرُه منذ شهر ، وقد صار فى عسكره مثل عسكركم ؛ قالوا : فما الرأى ؟ قال: صالحوا نَصْرًا، فإنكم إن صالحتموه قاتلوا نصْرًا وتركوكم ؛ لأنّ الأمرفى مُضر، وإن لم تصالحوا نصرًاً صالحوه وقاتلوكم، ثم عادوا عليكم . قالوا : فما الرأى ؟ قال : قدّموهم قبلكم ولو ساعة ؛ فتقرّ أعينكم بقتلهم . فأرسل شيبان إلى نصريدعوه إلى الموادعة فأجابه ، فأرسل إلى ستَلْم بن أحوز ، فكتب بينهم كتابًا ، فأتى شيبان وعن يمينه ابن الكِرِمانىّ ، وعن يساره يحيى ابن نُعيم، فقال سَلْ لابن الكِرِمانىّ: يا أعْوَر، ما أخلقك أن تكون الأعور الذى بلغنا أن يكون هلاك مضر على يديه ! ثم توادعوا سنة ؛ وكتبوا بينهم كتابًا ؛ فبلغ أبا مسلم ، فأرسل إلى شيبان : إنا نُوادعك أشهراً ، فتوادعنا ثلاثة أشهر؛ فقال ابنُ الکرمانىّ: فإنیما صاحت نصرًا؛ وإنما صالحه شيبان؛ وأنا لذلك كاره ، وأنا موتور، ولا أدَع قتاله . فعاوده القتال ؛ وأبى شيبان أن يعينَه ، وقال : لا يحلّ الغدر. فأرسل ابنُ الكرمانيّ إلى أبى مسلم يستنصرُه على نَصْر بن سيار ، فأقبل أبو مسلم حتى أتى الماخُوان ، وأرسل إلى ابنِ الكرمانيّ شبلَ بن طهمان: إنى معك على نصر، فقال ابنُ الكِرِمانىّ: إنى أحبّ أن يلقانى أبو مسلم ، فأبلغه ذلك شبل ، فأقام أبو مسلم أربعة عشر يوماً، ثم سار إلى ابن الكرمانيّ، وخلف عسكره بالماخُوان ، فتلقاه عثمان بن الكرمانيّ فى خيل ، وسار معه حتى دخل العسكر ؛ وأتى لحجرة علىّ فوقف ، فأذن له ١٩٦٧/٢ مِمَّنْ تأَشبَ لا دينٌ ولا حَسَبُ = وتتركونَ عَدُوًّا قدْ أَحاط بكُمْ ولا صريحٌ موالٍ إِن هُمُ نُسِبوا لاعرْب مثلكم فى النَّاسِ تَعْرِفُهُمْ فإنّ دينهُمْ أَنْ تَهْلِكَ العربُ مَنْ كان يَسْأَلُنِى عن أهل دينهم. عن النّبِىِّ ولا جاءَت به الكُتُب قَوْمٌ يقولون قولاً ما سمعتُ بِهِ ٣٦٦ سنة ١٢٩ فدخل، فسلّم على علىّ بالإمرة، وقد اتخذ له على' منزلاً (١) فى قصر مخلد بن الحسن الأزدىّ ، فأقام يومين ، ثم انصرف إلى عسكره بالماخُوان ؛ وذلك لخمس خلوْن من المحرّم من سنة ثلاثين ومائة . وأما أبو الخطاب ، فإنه قال : لما كثرت الشيعة فى عسكر أبى مسلم ، ضاقت به سفيذج، فارتاد معسكراً فسيحاً ، فأصاب حاجته بالماخُوان؛ ١٩٦٨/٢ - وهى قرية العلاء بن حُريث وأبى إسحاق خالد بن عثمان، وفيها أبو الجهم ابن عطية وإخوته - وكان مقامه بسفيذنج اثنين وأربعين يوماً ، وارتحل من سفيذنج إلى الماخُوان ، فنزل منزل أبى إسحاق خالد بن عثمان يوم الأربعاء ، لتسع ليال خلون من ذى القعدة من سنة تسع وعشرين ومائة ، فاحتفر بها خندقاً ، وجعل للخندق بابين ، فعسكر فيه والشيعة ، ووکل بأحد با بی الخندقمُصعب بن قيس الحنفىّ وبهدل بن إياس الضبِىّ، ووكل بالباب الآخر أبا شراحيل وأبا عمرو الأعجمىّ، واستعمل على الشُّرَط أبا نصر مالك ابن الهيثم ، وعلى الحرس أبا إسحاق خالد بن عثمان ، وعلى ديوان الجند كامل ابن مظفر أبا صالح ، وعلى الرسائل أسلم بن صُبيح ؛ والقاسم بن مجاشع النقيب التميمىّ على القضاء، وضمّ أبا الوضاح وعدّة من أهل السقادم إلى مالك بن الهيثم ، وجعل أهل نَوْشان - وهم ثلاثة وثمانون رجلا - إلى أبى إسحاق فى الحرس . وكان القاسم بن مجاشع يصلى بأبى مسلم الصَّوات فى الخندق ، ويقصّ القصص بعد العصر ، فيذكر فتَضْل بنى هاشم ومعايب بنى أميّة ، فنزل أبو مسلم خندق الماخُوان ، وهو كرجل من الشيعة فى هيئته ؛ حتى أتاه عبد الله بن بِسْطام ؛ فأتاه بالأرْوقة والفَساطيط والمطابخ والمعالف للدواب وحياض الأدم للماء ؛ فأوّل عامل استعمله أبو مسلم على شىء من العمل داود بن كرّاز ؛ فردّ أبو مسلم العبيد عن أن يضاموا فى خندقه ، واحتفر لهم خندقًا فى قرية شوّال ، وولى الخندق داود بن كرّاز. فلما اجتمعت للعبيد جماعة ، وجههم إلى موسى بن كعب بأبِيوَرْد، وأمر أبو مسلم كامل بن مظفر أن يعرض أهل الخندق بأسمائهم وأسماء آبائهم فينسبهم إلى القوى ، ويجعل ذلك فى دفتر ، ١٩٦٩/٢ (١) كذا فى ا، وفى ط: ((قصراً)). ٣٦٧ سنة ١٢٩ ففعل ذلك كامل أبو صالح ، فبلغت عدّتهم سبعة آلاف رجل ، فأعطاهم ثلاثة دراهم لكلّ رجل ، ثم أعطاهم أربعة أربعة على يدى أبى صالح كامل . ثم إنّ أهل القبائل من مُضر وربيعة وقحطان توادعوا على وضع الحرب، وعلى أن تجتمع كلمتهم على محاربة أبى مسلم ، فإذا نفوه عن مَرْو نظروا فى أمر أنفسهم وعلى ما يجتمعون عليه . فكتبوا على أنفسهم بذلك كتابًا وثيقًا . وبلغ أبا مسلم الخبر، فأفظعه ذلك وأعظمه، فنظر أبو مسلم فى أمره، فإذا ماخوان سافلة الماء؛ فتخوّف أن يقطع عنه نصر بن سيار الماء، فتحوّل إلى آلين - قرية أبى منصور طلحة بن رزيق النقيب - وذلك بعد مقامه أربعة أشهر بخندق الماخُوان ، فنزل آ لين فى ذى الحجة من سنة تسع وعشرين ومائة، يوم الخميس لستّ خلون من ذى الحجة . فخندق بآلين خندقاً أمام القرية ؛ فيما بينها وبين بلاشَ جِرْد، فصارت القرية من خلف الخندق، وجعل وجه دار المحتفز بن عثمان ابن بشر المزنىّ فى الخندق، وشرب أهل آ لين من نهر يدعى الخرقان، لا يمكّن نصر أبن سيار قطع الشرب عن آلين . وحضر العيدُ يوم النحر ، وأمر القاسم بن مجاشع التميمىّ فصلى بأبى مسلم والشيعة فى مصلى آلين ، وعسكر نصر بن سيّار على نهر عياض، ووضع عاصم بن عمرو ببلاش جَرْد، ووضع أبا الذّيال بطوسان ، ووضع بشر بن أنيف اليربوعىّ بجلفر ، ووضع حاتم بن الحارث ابن سريج بخرق ؛ وهو يلتمس مواقعة أبى مسلم . فأمَّا أبو الذيال فأنزل جنده على أهلها مع أبى مسلم فى الخندق ، فآذوا أهل طوسان وعسفوهُ وذبحوا الدجاج والبقر والحمام ، وكلفوهم الطعام والعلّف، فشكت الشيعة ذلك إلى أبى مسلم ، فوجته معهم خيلا، فلقوا أبا الذّيال فهزموه، وأسروا من أصحابه ميمونً الأعسر الحوارزيَّ فى نحو من ثلاثين رجلا، فكساهم أبو مسلم ، وداوى جراحاتهم وخلَّى لهم الطريق . ١٩٧٠/٢ ٠ ٠ [ ذكر خبر مقتل الكرمانىّ ] قال أبو جعفر: وفى هذه السنة قُتِل جُديع بن علىّ الكِرِمانىّ وصُلب. . ٣٦٨ سنة ١٢٩ . ذكر الخبر عن مقتله : قد مضى قبلُ ذكرُنا مقتلَ الحارث بن سُريج، وأنّ الكرمانيّ هو الذى ! قتله . ولما قتل الكرمانيّ الحارث، خلَصت له مَرْو بقتله إياه، وتنحتَّى نصر ابن سيّارعنها إلى أبرشهر، وقوى أمرُ الکرمانىّ، فوجَّه نصر إليهفيما قيل- ستلْم بن أحوز ، فسار فى رابطة نصر وفرسانه ؛ حتى لقى أصحاب الكرِمانىّ ، ١٩٢١/٢ فوجد يحيى بن نُعَم أبا الميلاء واقفً فى ألف رجل من ربيعة، ومحمد بن المثنى فى سبعمائة من فرسان الأزْد ، وابن الحسن بن الشيخ الأزديّ فى ألف من فتيانهم، والحزمىّ السغْدىّ(١) فى ألف رجل من أبناء اليمن ، فلما تواقفوا قال سلم بن أحوز لمحمد بن المثنَّى : يا محمّد بن المثنى، مُرْ هذا الملاّح بالخروج إلينا ، فقال محمد لسلم : يابن الفاعلة ؛ لأبى علىّ تقول هذا! ودلف القوم بعضهم إلى بعض، فاجتلدوا بالسيوف، فانهزم سلم بن أحوز، وقتل من أصحابه زيادة على مائة ، وقتل من أصحاب محمد زيادة على عشرين، وقدم أصحاب نصر عليه فلولا ، فقال له عقيل بن معقل : يا نصر شأمْتَ العرب ؛ فأما إذ صنعت ما صنعتَ فجُدّ وشمر عن ساق، فوجدَّه عصمة بن عبد الله الأسدىّ فوقف موقف سَلْ بن أحوز ، فنادى: يا محمد ، لتعلمنّ أن السمك لا يغلب اللُّخْم(٢)؛ فقال له محمد: يابن الفاعلة، قف لنا إذاً. وأمر محمد السغدىَّ(٣) فخرج إليه فى أهل اليمن ، فاقتتلوا قتالا شديداً ، فانهزم عِصْمة حتى أتى نصر بن سيار ، وقد قتل من أصحابه أربعمائة . ثم أرسل نصر بن سيَّار مالك بن عمرو التميمىّ فأقبل فى أصحابه ، ثم ١٩٧٢/٢ نادى: يابن المثنى، ابرزلى إن كنت رجلا! فبرز له، فضربه التميمىّ على حبل العاتِقِ فلم يصنع شيئًا ؛ وضربه محمد بن المثنّ بعمود فشدخَ رأسه ؛ فالتحم القتال؛ فاقتتلوا قتالاً شديداً كأعظم مايكون من القتال، فانهزم أصحاب نصر، وقد قتل منهم سبعمائة رجل ، وقتل من أصحاب الكرمانيّ ثلثمائة رجل؛ ولم يزل الشرّ بينهم حتى خرجوا جميعاً إلى الخندقين ، فاقتتلوا قتالا شديداً، (١) ابن الأثير: ((والجرمى السعدى)). (٢) فى ابن الأثير: ((اللخر: دابة من دواب الماء، تشبه السبع، تأكل السمك)). (٣) ابن الأثير: ((السعدى)). ٣٦٩ سنة ١٢٩ فلما استيقن أبو مسلم أنّ كلا الفريقين قد أثخن صاحبه؛ وأنه لا مدد لهم، جعل يكتب الكتب إلى شَيْبان، ثم يقول للرسول: اجعل طريقك على المضريّة، فإنهم سيعرضون لك ، ويأخذون كتبك ، فكانوا يأخذونها فيقرءون فيها : إنى رأيت أهل اليمن لا وفاء لهم ولا خير فيهم ، فلا تثقنّ بهم ولا تطمئنّ إليهم ؛ فإنى أرجو أن يريتك اللّه ما تحبّ، ولئن بقيت لا أدَع لهم شعرا ولا ظفُراً. ويرسل رسولا آخر فى طريق آخر بكتاب فيه ذكر المضرّية وإطراء اليمن بمثل ذلك ؛ حتى صار هوى الفريقين جميعًا معه ؛ وجعل يكتب إلى نصر بن سيّار وإلى الكرمانيّ: إنّ الإمام قد أوصانى بكم، ولستُ أعدو رأيه فيكم. وكتب إلى الكُور بإظهار الأمر ؛ فكان أول مَن سَوّد - فيما ذكر - أسيد(١) ابن عبد الله بنسا، ونادى : يا محمد، يا منصور. وسوّد معه مقاتل بن حكيم وابن غزوان ، وسوّد أهل أبِيَورد وأهل مَرْو الرّوذ، وقرى مَرْو. ١٩٧٣/٢ وأقبل أبو مسلم حتى نزل بین خندق نصر بن سيار وخندق جُديع الكرمانيّ ، وهابه الفريقان، وكثر أصحابه ، فكتب نصر بن سيار إلى مَرْوان ابن محمد يعلمه حال أبى مسلم وخروجه وكثرة من معه ومن تبعه ، وأنه يدعو إلى إبراهيم بن محمد ، وكتب بأبيات شعر : أَرَى بَيْنَ الرَّماد وَمِيضَ جَمْرٍ فأَحْجِ بأَنْ يَكُونَ لَهُ ضِرامُ (٢) وإِنَّ الحَرْبَ مَبْدؤها الكلامُ (٣) فإِنَّ النارَ بالعودَيْنِ تُذْكَى أَأَيقاظٌ. أمَيَّةُ أَمْ نِيامُ ! فقُلتُ من التَّعَجُّبِ: لَيْتَ شِعْرى فكتب إليه : الشاهد(٤) يرى ما لا يرى الغائب، فاحسم التؤلول قِبتلك، فقال نصر : أما صاحبكم فقد أعلمكم ألا نصر عنده. فکتب إلی یزید بن عمر بن هبيرة يستمده ، وكتب إليه بأبيات شعر : وقد تبَيَّنْتُ أَلَّا خَيْرَ فى الكذب(٥) أبلغْ يَزِيدَ وخَيْرُ القَوْلِ أَصدَقُهُ (١) ابن الأثير: ((أسد بن عبد الله الخزاعى)). (٢) ابن الأثير: ((وأخشى أن يكون لها ضرام)). (٣) ابن الأثير: ((مبدؤها كلام)). (٤) ١: ((إن الشاهد)». (٥) ابن الأثير: ((تيقنت)). ٣٧٠ سنة ١٢٩ بَيْضاً لوَافْرَخَ قد حُدُّنْتَ بالعَجَب أَنَّ خُراسانَ أَرْضُ قد رأَیْتُ بها لمّا يَطِرْنَ وقد سُرْبِلْنَ بالزَّغَبِ فِراخُ عامَيْنِ إِلا أَنَّها كبِرَتْ ١٩٧٤/٢ يُلْهِبْنَ نيرانَ حِرْبٍ أَيَّمَا لَهَب(١) فإِنْ يَطِنَ ولَمْ يُحْتِلْ لَهُنَّ بِها فقال يزيد : لا غلبة إلا بكثرة ؛ وليس عندى رجل . وكتب نصر إلى مَرْوان يخبره خبر أبى مسلم وظهوره وقوّته ؛ وأنه يدعو إلى إبراهيم بن محمد ، فألفى الكتاب مروان وقد أتاه رسول لأبى مسلم إلى إبراهيم ؛ كان قد عاد من عند إبراهيم، ومعه كتاب إبراهيم إلى أبى مسلم جواب كتابه، يلعن فيه أبا مسلم ويسبّه؛ حيث لم ينتهز الفرصة من نصر والكرمانىّ إذ أمكناه ، ويأمره ألّ يدع بخُراسان عربيًا إلا قتله. فدفع الرسول الكتاب إلى مَرْوان، فكتب مروان إلى الوليدبن معاوية بن عبد الملك وهو على دمشق، يأمره أن يكتب إلى عامل البَلْقاء ، فيسير إلى كرار الحميمة ، فليأخذ إبراهيم بن محمد ويشدّه وَثاقا ، وليبعث به إليه فى خيل؛ فوجه الوليد إلى عامل البَدْقاء فأتى إبراهيم وهو فى مسجد القرية، فأخذه وكتفه وحمله إلى الوليد، فحمله إلى مَرْوان فحبسه مروان فى السجن. ١٩٧٥/٢ ٠٠ ٠ رجع الحديث إلى حديث نصر والكرمانىّ . وبعث أبو مسلم حين عظم الأمر بين الكرمانيّ ونصر إلى الكرمانىّ: إنى معك، فقبل ذلك الكرمانىّ وانضم إليه أبو مسلم ، فاشتدّ ذلك على نتَصْر، فأرسل إلى الكرمانيّ: ويلك لا تغترر! فوالله إنى الخائف عليك وعلى أصحابك منه؛ ولكن هلمّ إلى الموادعة ، فتدخل مَرْو، فتكتب بيننا كتابًا بصلح - وهو يريد أن يفرّق بينه وبين أبى مسلم - فدخل الكرمانيّ منزله ، وأقام أبو مسلم فى المعسكر ، وخرج الكرمانيّ حتى وقف فى الرَّحَبة فى مائة فارس، وعليه قرطق خشكشونة . ثم أرسل إلى نصر : اخرج لنكتب بيننا ذلك الكتاب ، فأبصر نصر منه غِرّة ، فوجه إليه (١) ابن الأثير : إِلَّ تدارَكْ بخيل اللهِ مُعْلِمَةً أَلَهَبْن نيرانَ حَرْبٍ أَيَّمَا لهبٍ ٣٧١ سنة ١٢٩ ابن الحارث بن سريج فى نحو من ثلثمائة فارس ، فالتقوا فى الرَّحَبَة ، فاقتتلوا بها طويلاً . ثم إنّ الكرمانىّ طُعِن فى خاصرته فخرّ عن دابته، وحماه أصحابُه حتى جاءهم ما لا قبل لهم به ، فقتل نصر الكِرمانىَّ وصلبه ، ومعه سمكة ، فأقبل ابنه علىّ- وقد كان صار إلى أبى مسلم، وقد جمع جمعًاً كثيراً .ــ فسار بهم إلى نصر بن سيار فقاتله حتى أخرجه من دار الإمارة ، فمال إلى بعض دور مَرْو، وأقبل أبو مسلم حتى دخل مَرْو، فأتاه علىّ بن جُديع الكرمانىّ فسلّم عليه بالإمْرة، وأعلمه أنه معه على مساعدته، وقال: مُرْنى بأمرك، فقال: أهم على ما أنت عليه حتى آمرك بأمرى . ٠ ٠ ١٩٧٦/٢ [ غلبة عبد الله بن معاوية على فارس] وفى هذه السنة غلب عبد الله بن معاوية بن عبد الله بن جعفر بن أبى طالب على فارس . · ذكر الخبر عن ذلك وعن السبب الذى وصل به إلى الغلبة عليها: ذكر علىّ بن محمد أنّ عاصم بن حفص التميمىّ وغيره حدّ ثوه أنّ عبد اللّه ابن معاوية لما هُزم بالكوفة ، شخص إلى المدائن ، فبايعه أهلُ المدائن ، فأتاه قومٌ من أهل الكُوفة، فخرج إلى الجبال فغلب عليها، وعلى حُلْوان وقُومِس وأصبهان والرىّ، وخرج إليه عبيد أهل الكوفة، فلمّا غلب على ذلك أقام بأصبهان؛ وقد كان محارب بن موسى مولى بنى يشكر عظيم القدر بفارس ، فجاء يمشى فى نعلين إلى دار الإمارة بإصطخر، فطرد العامل؛ عامل ابن عمر عنها ، وقال لرجل يقال له عمارة: بايع الناس، فقال له أهل إصطخر: علامَ نبايع (١)؟ قال : على ما أحببتم وكرهتم . فبايعوه لابن معاوية ، وخرج محارب إلى كرمان فأغار عليهم ، وأصاب فى غارته إبلا لثعلبة بن حسان المازنىّ فاستاقها ورجع . فخرج ثعلبة يطلب إبله فى قرية له تدعى أشهر - قال : ومع ثعلبة مولى له - فقال له مولاه : هل لك أن نفتك بمحارب ؛ فإن شئت ضربته و کفیتی الناس ؛ وإن شئت ضربتُه وكفيتُك الناس؟ قال: ويحك! أردتَ أن تفتك (٢) ١٩٧٧/٢ (١) كذا فى ا، وفى ط: ((تبايع)). (٢) ا: ((تقتل)). ٣٧٢ سنة ١٢٩ [ وتذهب الإبل ولم نلق] (١) الرجل! ثم دخل على محارب فرحب به، ثم قال: حاجتك! قال: إبلى ، [ قال: نعم، لقد أخذت ](١) ، وما أعرفها، وقد عرفتها، فدونك إبلك فأخذها، وقال لمولاه(٢): [هذا خير، وما أردت؟] (١) قال: ذلك لو أخذناها كان أشفى. وانضم إلى محارب القواد والأمراء من أهل الشأم: فسار إلى مسلم بن المسيّب وهو بشيراز ، عامل لابن عمر ؛ فقتله فى سنة ثمان وعشرين ومائة ، ثم خرج محارب إلى أصبهان ، فحوّل عبد الله بن معاوية إلى إصطخر ؛ واستعمل أخاه عبد اللّه أخاه الحسن على الجبال، فأقبل فنزل فى دير على ميل من إصطخر ، واستعمل أخاه يزيد على فارس فأقام ، فأتاه الناس ؛ بنوهاشم وغيرهم ؛ وجبَى المال ، وبعث العمال ؛ وكان معه منصور بن جُمهور وسليمان بن هشام بن عبد الملك وشيبان بن الحلْس بن عبد العزيز الشيبانىّ الخارجىّ، وأتاه أبو جعفر عبد الله، وعبد الله وعيسى ابنا علىّ . وقدم يزيد بن عمر بن هبيرة على العراق ، فأرسل نباتة بن حنظلة الكلابىّ إلى عبد الله بن معاوية؛ وبلغ سليمان بن حبيب أنّ ابن هُبيرة ولى نباتة الأهواز ، فسرّح داود بن حاتم ، فأقام بكربج دينار لمنع نباتة من الأهواز، فقدم نُباتة ، فقاتله، فقتل داود ، وهرب سليمان إلى سابور ؛ وفيها الأكراد قد غلبوا عليها، وأخرجوا المسيح بن الحمارىّ ، فقاتلهم سليمان ، فطرد الأكراد عن سابور، وكتب إلى عبد الله بن معاوية بالبيعة، فقال: عبدالرحمن ابن يزيد بن المهلب: لا يفى لك، وإنما أراد أن يدفعك عنه؛ ویأ کل سابور؛ فاكتب إليه فليقدم عليك إن كان صادقًا . فكتب إليه فقدم ، وقال لأصحابه : ادخلوا معى ؛ فإن منعكم أحد فقاتلوه، فدخلوا فقال لابن معاوية : أنا أطوع الناس لك ، قال : ارجع إلى عملك ، فرجع . ١٩٧٨/٢ (١) من ا. ثم إن محارب بن موسى نافر ابنَ معاوية ، وجمع جمعًا ، فأتى سابور - وكان ابنه مخلد بن محارب محبوساً بسابور ، أخذه يزيد بن معاوية فحبسه - فقال لمحارب : ابنك فى يديه وتحاربه ! أما تخاف أن يقتل ابنك ! قال : أبعده الله! فقاتله يزيد، فانهزم محارب، فأتى كِرمان ، فأقام بها حتى قدم محمد بن الأشعث ، فصار معه، ثم نافر ابن الأشعث فقتله وأربعة وعشرين (٢) كذا فى ا، وفى ط: ((لولا)). سنة ١٢٩ ٣٧٣ ابنًا له . ولم يزل عبد الله بن معاوية بإصطخر حتى أتاه ابن ضُبارة مع داود ابن يزيد بن عمر بن هبيرة ، فأمر ابن معاوية فكسروا قنطرة الكوفة ، فوجَّه ابن هبيرة معنَ بن زائدة من وَجْه آخر ، فقال سليمان لأبان بن معاوية بن هشام : قد أتاك القوم ، قال: لم أومَرْ بقتالهم؛ قال : ولا تؤمر واللّه بهم أبداً ، وأتاهم فقاتلهم عند مَرْو الشاذان ، ومعن يرتجز : ١٩٧٩/٢ فَرَّ من الموْتِ وفى الموْتِ وَقَعْ لَيْسَ أَميرُ القَوْمِ بِالْخَبِّ الخدَعْ قال ابن المقفع أو غيره : فرّ من الموت وفيه قد وقع . قال : عمداً، قلت: قد عملت ، فانهزم ابن معاوية ، وكفّ معن عنهم ، فقتل فى المعركة رجل من آل أبى لهب، وكان يقال : يقتل رجل من بنى هاشم بِمَرْو الشاذان . وأسروا أسَراء كثيرة ، فقتل ابن ضبارة عدّة كثيرة؛ فيقال: كان فيمن قُتل يومئذ حكيم الفرد أبو المجد، ويقال: قتل بالأهواز ، قتله نباتة . ولما انهزم ابنُ معاوية هرب شيبان إلى جزيرة ابن كاوان ومنصور بن جمهور إلى السند، وعبد الرحمن بن يزيد إلى عمان، وعمرو بن سهل بن عبدالعزيز إلى مصر ؛ وبعث ببقيّة الأسراء إلى ابن هبيرة . قال حميد الطويل : أطلق أولئك الأسراء فلم يقتل منهم غير حصين بن وعلة السدُوسىّ، ولما أمر بقتله قال: أَقْتَلُ من بين الأسراء! قال : نعم ، أنت مشرك ، أنت الذى تقول : * وَلَوْ آمُرُ الشّمْسَ لَمْ تُشْرِقِ. ومضى ابنُ معاوية من وجهه إلى سجستان . ثم أتى خراسان ومنصور بن جمهور إلى السند ، فسار فى طلبه معن بن زائدة وعطيَّة الثعلبىّ وغيره من بنى ثعلبة، فلم يدركوه ، فرجعوا . وكان حصين بن وَعْلة السدوسى مع يزيد بن معاوية، فتركه [ ولحق بعبد الله بن معاوية ] فأسره مورع السلمىّ، رآه دخل غيضة فأخذه فأتى به [ معن بن زائدة ] فبعث به معن إلى ابن ضُبارة، فبعث به ابن ضبارة إلى واسط ؛ وسار ابن ضبارة إلى عبد اللّه بن معاوية بإصطخر ، فنزل بإزائه على نهر إصطخر، فعبر ابن الصَّحْصَح فى ألف، فلقيه من أصحاب ١٩٨٠/٢ ٣٧٤ سنة ١٢٩ عبدالله بن معاوية أبان بن معاوية بن هشام فيمن كان معه من أهل الشام، ممن كان مع سليمان بن هشام فاقتتلوا، فمال ابنُ نباتة إلى القنطرة، فلقيهم من كان مع ابن معاوية من الخوارج ، فانهزم أبان والخوارج ، فأسر منهم ألفًا ، فأتوا بهم ابن ضُبارة ، فخلى عنهم ، وأخذ يومئذ عبد الله بن علىّ بن عبد الله بن عباس فى الأسراء ، فنسبه ابن ضبارة ، فقال : ما جاء بك إلى ابن معاوية ، وقد عرفت خلافه أمير المؤمنين! قال : كان علىّ دين فأدّيته . فقام إليه حرب بن قطن الكنانىّ(١)، فقال: ابن اختنا ، فوهبه له ، وقال: ما كنت لأقدم على رجل من قريش . وقال له ابن ضبارة : إن الذى قد كنت معه قد عِيبَ بأشياء ، فعندك منها علم ؟ قال : نعم ، وعابه ورمى أصحابه باللُّواط ، فأتوا ابن ضبارة بغلمان عليهم أقبية قُوهيَّة مصبَّغة ألوانًا، فأقامهم للناس وهم أكثر من مائة غلام، لينظروا إليهم . وحمل ابن ضبارة عبد الله بن على على البريد إلى ابن هبيرة ليخبره أخباره ، فحمله ابن هبيرة إلى مَرْوان فى أجناد أهل الشأم ، وكان يعيبه، وابن ضُبارة يومئذ فى مفازة كرمان فى طلب عبد الله ابن معاوية، وقد أتى ابن هبيرة مقتل نباتة، فرجه ابن هبيرة كرَب بن مصقلة والحكم بن أبى الأبيض العبسىّ وابن محمد السكونىّ ؛ كلهم خطيب ، فتكلموا فی تقریظ ابن ضبارة ، فكتب إليه أن سِرْ بالناس إلى فارس ، ثم جاءه کتاب ابن هبيرة: سر إلى أصبهان . ١٩٨١/٢ [ مجىء أبى حمزة الخارجىّ الموسم ] وفى هذه السنة وافى الموسمَ أبو حمزة الخارجىّ، من قِبَل عبد الله ابن يحيى طالب الحق، محكّمًا (٢) مظهراً للخلاف على مَرْوان بن محمد. * ذكر الخبر عن ذلك من أمره : حدّثنی العباس بن عیسی العقيلىّ ، قال : حدثنا هارون بن موسى الفروىّ قال: حدّثنا موسى بن كثير مولى الساعديّين، قال : لما كان تمام سنة تسع وعشرين ومائة ، لم يدر الناس بعرفة إلّ وقد طلعت أعلام عمائم سود (١) !، وابن الأثير: ((الهلالى)). (٢) !: ((فحكم)). ٣٧٥ سنة ١٢٩ حرقانيّة فى رءوس الرماح وهم فى سبعمائة ، ففزع الناس حين رأوْهم ، وقالوا : ما لكم! وما حالكم ؟ فأخبر وهم بخلافهم مَرْوان وآل مَرْوان والتبرُّؤِ منه . فراسلهم عبد الواحد بن سليمان - وهو يومئذ على المدينة ومكة - فراسلهم فى الهُدنة ، فقالوا: نحن بحجّنا أضنّ ، ونحن عليه أشحّ . وصالحهم على أنهم جميعًا آمنون؛ بعضهم من بعض، حتى ينفر الناس النّفْر الأخير، وأصبحوا (١) من الغد . فوقفوا على حدة بعرفة ، ودفع بالناس عبد الواحد بن سليمان بن عبد الملك بن مروان ، فلما كانوا بمنى ندَّموا عبد الواحد ، وقالوا: قد أخطأتَ فيهم ، ولو حملت الحاجّ عليهم ما كانوا إلاّ أكلة رأس. فنزل أبو حمزة بقُرين الثعالب، ونزل عبد الواحد منزل السلطان ، فبعث عبد الواحد إلى أبى حمزة عبد الله بن الحسن بن الحسن بنعلى ، ومحمد بن عبدالله بنعمرو بن عثمان ، وعبد الرحمن بن القاسم بن محمد بن أبى بكر ، وعبيد الله بن عمر بن حفص بن عاصم بن عمر بن الخطاب، وربيعة بن أبى عبد الرحمن، فى رجال أمثالهم ، فدخلوا على أبى حمزة وعليه إزار قُطْن غليظ ، فتقدّمهم إليه عبد الله بن الحسن ومحمد بن عبدالله فنسبهما فانتسبا له، فعبَس فى وجوههما، وأظهر الكراهة لهما ، ثم سأل عبد الرحمن بن القاسم وعبيد الله بن عمر فانتسبا له ، فهشّ إليهما، وتبسَّم فى وجوههما ، وقال : والله ما خرجنا إلا لنسير بسيرة أبويْكما ، فقال له عبد الله بن حسن: والله ما جئنا لتفضّل بين آبائنا، ولكنا بعثَنا إليك الأمير برسالة - وهذا ربيعة يخبرُكّها - فلما ذكر ربيعةُ نقْضَ العهد؛ قال بلج وأبرهة - وكانا قائدين له : الساعة الساعة ! فأقبل عليهم أبو حمزة ، فقال : معاذ الله أن ننقض العهد أو نحبَس، والله لا أفعل ولو قطعت رقبتى هذه؛ ولكن تنقضى الهدنة بيننا وبينكم . فلما أبى عليهم خرجوا ، فأبلغوا عبد الواحد، فلما كان النَّفْر نفر عبد الواحد فى النَّفْر الأول ، وخلى مكة لأبى حمزة ، فدخلها بغير قتال . قال العباس : قال هارون : فأنشدنى يعقوب بن طلحة الليثى أبياتًا هُجِىَ بها عبد الواحد - قال : وهى لبعض الشعراء لم أحفظ اسمه : ١٩٨٢/٢ ١٩٨٣/٢ (١) ط: ((ويصبحوا)). ٣٧٦ سنة ١٢٩ دِينَ الإِلهِ فَفَرَّ عبدُ الواحِدِ زارَ الحَجيجَ عصابَةٌ قَدْ خالفوا ومضى يُخَبَّطِ كالْبَعِيرِ الشَّارِهِ تَرَكَ الحَلائلَ والإِمارَةَ هارِباً لَصَفَتْ مَضَارِبُهُ بعرْقِ الوالد لو كان والِدُهُ تَنَصِّلَ عِرْقُه ثم مضى عبد الواحد حتى دخل المدينة ، فدعا بالدّيوان ، فضرب على الناس البَعْث ، وزادهم فى العطاء عشرة عشرة . قال العباس : قال هارون : أخبرنى بذلك أبو ضمرة أنس بن عياض ، قال : كنت فيمن اكتتب ، ثم محوْت اسمى. قال العباس : قال هارون : وحدّثنى غير واحد من أصحابنا أنّ عبد الواحد استعمل عبد العزيز بن عبد الله بن عمرو بن عثمان على الناس فخرجوا ؛ فلما كانوا بالحرّة لقيتهم جُزُر منحورة فمضوا. ... وحجّ بالناس فى هذه السنة عبد الواحد بن سليمان بن عبد الملك بن مروان حدثنى بذلك أحمد بن ثابت عمن ذكره ، عن إسحاق بن عيسى ، عن أبی معشر . و کذلك قال محمد بن عمر وغيره . وكان العامل على مكة والمدينة عبد الواحد بن سليمان ، وعلى العراق يزيد ابن عمر بن هبيرة ، وعلى قضاء الكوفة الحجاج بن عاصم المحاربىّ - فيما ذكر- وعلى قضاء البصرة عباد بن منصور ، وعلى خراسان نصر بن سيار ، والفتنة بها . ١٩٨٤/٢ ! ٣٧٧ ثم دخلت سنة ثلاثين ومائة ذكر خبر الأحداث التى كانت فيها ٠ ٠ [ ذكر دخول أبى مسلم مَرْو والبيعة بها ] فممّا كان فيها من ذلك دخول أبى مسلم حائط مَرْو ونزوله دار الإمارة بها ، ومطابقة علىّ بن جُديع الكرمانيّ إِيَّه على حرب نصر بن سيَّار . * ذكر الخبر عن ذلك وسببه : ذكر أبو الخطاب أن دخولَ أبى مسلم حائط مَرْو ونزوله دار الإمارة التى ينزلها عمَّال خراسان كان فى سنة ثلاثين ومائة لتسع خلوْن من جمادى الآخرة يوم الخميس ، وأن السبب فى مسير علىّ بن جُديع مع أبى مسلم كان أن سليمان ابن كثير كان بإزاء علىّ بن الكرمانيّ حين تعاقد هو ونصر على حَرْب أبى مسلم؛ فقال سليمان بن كثير لعلىّ بن الكرمانىّ: يقول لك أبومسلم: أما تأنف من مصالحة نصر بن سيار، وقد قتل بالأمس أباك وصلبه! ما كنتُ أحسبك تجامع نصر بن سيار فى مسجد تصليان فيه! فأدرك علىّ بن الكرمانيّ الحفيظة ، فرجع عن رأيه وانتقض صلح العرب . قال : ولما انتقض صلحُهم بعث نصر ابن سيار إلى أبى مسلم يلتمس منه أن يدخل مع مُضر ، وبعثت ربيعة وقحطان إلى أبى مسلم بمثل ذلك ، فتراسلوا بذلك أيامًا ، فأمرهم أبو مسلم أن يقدم عليه وفد الفريقين حتى يختار أحدهما ، ففعلوا . وأمر أبو مسلم الشيعة أن يختاروا ربيعة وقحطان ؛ فإنّ السلطان فى مُضَر، وهم عمال مروان الجعدىّ، وهم قتلة يحيى بن زيد. فقدم الوفدان ؛ فكان فى وفد مُضر عقيل بن معقل بن حسان الليثىّ وعبيد الله بن عبدربه الليثىّ والخطاب بن محرز (١) السُّلَمىّ، فى رجال منهم . وكان فى وفد قحطان عثمان بن الكرمانيّ ومحمد بن المثنى وسورة بن محمد ابن عزيز الكندىّ ، فى رجال منهم؛ فأمر أبو مسلم عثمان بن الكِرْ مانىّ وأصحابه ١٩٨٥/٢ (١) ط: ((محمد))، وانظر الفهرس. ٣٧٨ سنة ١٣٠ ١٩٨٦/٢ فدخلوا بستان المحتفز ، وقد بسط لهم فيه ؛ فقعدوا وجلس أبو مسلم فى بيت فىدار المحتفز، وأذن لتعقیل بن معقل وأصحابه من وفد مضر، فدخلوا إليه، ومع أبى مسلم فى البيت سبعون رجلاً من الشيعة ، قرأ على الشيعة كتابًا كتبه أبو مسلم ليختاروا أحد الفريقين ؛ فلما فرغ من قراءة الكتاب ، قام سليمان ابن كثير ، فتكلم - وكان خطيبًا مفوّها - فاختار علىَّ بن الكرمانى وأصحابه، وقام أبو منصور طلحة بن رزيق النقيب فيهم - وكان فصيحًا متكلِّمًا - فقال كمقالة سليمان بن كثير ، ثم قام مزيد بن شقيق السلمىّ ، فقال : مضر قتلة آل النبي صلى الله عليه وسلم وأعوان بنى أمية وشيعة مروان الجعدىّ، ودماؤنا فى أعناقهم ، وأموالنا فى أيديهم، والتباعات قبلهم ، ونصر بن سيار عامل مروان على خراسان يُنفذ أمورَه ، ويدعو له على منبره ، ويسميُّه أمير المؤمنين؛ ونحن من ذلك إلى الله بُرآء وأن يكون مَرْوان أمير المؤمنين، وأن يكون نصرٌ على هدّى وصواب، وقد اخترنا علىّ بن الكرمانىّ وأصحابه من قحطان وربيعة . فقال السبعون الذين جمعوا فى البيت بقول مزيد بن شقيق . فنهض وفْد مضر عليهم الذّلة والكآبة؛ ووجَّه معهم أبو مسلم القاسم بن مجاشع فى خيل حتى بلغوا مأمنهم ، ورجع وفد علىّ بن الكيرمانىّ مسرورين منصورين . وكان مقام أبى مسلم بآ لين تسعة وعشرين يومًا، فرحل عن آلين راجعًا إلى خندقه بالماخُوان، وأمر أبو مسلم الشيعة أن يبتنوا(١) المساكن ، ويستعدّوا للشتاء فقد أعفاهم(٢) الله من اجتماع كلمة العرب، وصيرهم بنا إلى افتراق الكلمة؛ وكان ذلك قَدَراً من اللّه مقدوراً . وكان دخول أبى مسلم الماخُوان منصرفًا عن آلين سنة ثلاثين ومائة ، للنصْف من صفر يوم الخميس، فأقام أبو مسلم فى خَتْدقه بالماخُوان ثلاثة أشهر ؛ تسعين يوماً، ثم دخل حائط مَرْو يوم الخميس لتسع خلَّوْن من جمادى الأولى سنة ثلاثين ومائة. قال: و کان حائط مرْو إذ ذاك فی ید نصر بن سیّار لأنه عامل خراسان، (١) ابن الأثير: ((أن يبنوا)). (٢) ابن الأثير: ((أغناهم الله)). سنة ١٣٠ ٣٧٩ ١٩٨٧/٢ فأرسل علىّ بن الكرمانيّ إلى أبى مسلم أن أدخل الحائط من قِبتلك ، وأدخل أنا وعشيرتى من قبلى ، فنغلب على الحائط . فأرسل إليه أبو مسلم أن لست آمَن أن يجتمع يدك ويد نصر على محاربتى؛ ولكن ادخل أنت فانشب الحرب بينك وبينه وبين أصحابه؛ فدخل علىّ بن الكرمانىّ فأنشب الحرب ، وبعث أبو مسلم أبا علىّ شبل بن طهمان النقيب فى جُند ، فدخلوا الحائط ، فنزل فى قصر بخاراخذاه؛ فبعثوا إلى أبى مسلم أن ادخل، فدخل أبو مسلم من خندق الماخُوان، وعلى مقدّمته أسيد بن عبد الله الخزاعىّ، وعلى ميمنته مالك بن الهيثم الخزاعىّ ، وعلى ميسرته القاسم بن مجاشع التميمىّ ؛ حتى دخل الحائط ؛ والفريقان يقتتلان . فأمرهما بالكفّ وهو يتلو من كتاب الله : ﴿وَدَخَلَ الْمَدِينَةِ عَلَى حِينٍ غَفْلَةٍ مِنْ أَهْلِهَا فوَجد فيها رَجُلَيْنِ يَقْتَتِلاَنِ هَذا مِنْ شِيعَتِه وَهَذا مِنْ عَدُوَّهِ﴾(١). ومضى أبو مسلم حتى نزل قصر الإمارة بمرْو الذى كان ينزله عمال خُراسان؛ وكان ذلك لتسع خلوْن من جمادى الأولى سنة ثلاثين ومائة ، يوم الخميس . وهرب نصر بن سيّارعن مَرْو الغد من يوم الجمعة لعشرٍ خلوْن من جُمادى الأولى من سنة ثلاثين ومائة، وصفت مسَرْولأبى مسلم . فلما دخل أبو مسلم حائط مَرْو أمرأبا منصور طلحة بن رُزيق بأخذ البيعة على الجند من الهاشمية خاصّة - وكان أبو منصور رجلاً فصيحًا نبيلاً مفوّهًا عالمًا بحجج الهاشمية وغوامض أمورهم ؛ وهو أحد النقباء الاثنى عشر؛ والنقباء الاثنا عشرهم الذين اختارهم محمد بن علىّ من السبعين الذين كانوا استجابوا له حين بعث رسوله إلى خراسان سنة ثلاث ومائة أو أربع ومائة - وأمره أن يدعو إلى الرّضا ، ولا يسمى أحداً ، ومثّل له مثالا ووصف من العدل صفة ، فقدمها فدعا سرّاً ، فأجابه ناس ، فلما صاروا سبعين أخذ منهم اثنى عشر نقيباً . منهم من خزاعة سليمان بن كثير ومالك بن الهيثم وزياد بن صالح وطلحة ابن رُزيق وعمرو بن أعين ، ومن طيّئ قحطبة - واسمه زياد بن ١٩٨٨/٢ (١) سورة القصص ١٥. 1 1:41 ٣٨٠ سنة ١٣٠ شبيب بن خالد بن مَعْدان - ومن تميم موسى بن كعب أبو عيينة ولاهزبن قريظ والقاسم بن مجاشع، كلُّهم من بنى امرئ القيس ، وأسلم بن سلام أبو سلام ؛ ومن بكر بن وائل أبو داود خالد بن إبراهيم من بنى عمرو بن شيبان أخى سدُوس وأبو علىّ الهروىّ. ويقال: شبل بن طهمان مكان عمرو بن أعين. وعيسى بن كعب وأبو النجم عمران بن إسماعيل(١) مكان أبى علىّ الهرَوىّ، وهو ختّن أبى مسلم. ولم يكن فى النقباء أحد والده حىّ غير أبى منصور طلحة بن رزيق بن أسعد (٢)؛ وهو أبو زينب الخزاعىّ، وقد كان شهد حرب عبد الرحمن بن محمد بن الأشعث ، وصحب المهلب بن أبى صفرة وغزا معه ؛ فكان أبو مسلم يشاوره فى الأمور ، ويسأله عمًا شهد من الحروب والمغازى ، ويسأله عن الكنية بأبى منصور : يا أبا منصور ، ما تقول ؟ وما رأيك ؟ ١٩٨٩/٢ قال أبو الخطاب: فأخبرنا من شهد أبا منصور يأخذ البيعة على الهاشميَّة: أبايعكم على كتاب الله عزّ وجلّ وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم والطاعة للرضا من أهل بيت رسول الله صلى الله عليه وسلم ؛ عليكم بذلك عهد الله وميثاقه، والطلاق والعتاق، والمشى إلى بيت الله، وعلى ألا تسألوا رزقًا ولا طمعًا (٣) حتى يبدأكم به ولاتكم ؛ وإن كان عدوّ أحدكم تحت قدمه فلا تهيجوه إلا بأمر ولاتكم . فلما حبس أبو مسلم سَلْم بن أحْوز ويونس بن عبدربه (٤)، وعقيل ابن معقل ومنصوربن أبى الخرقاء وأصحابه ، شاورأبا منصور، فقال: اجعل سوطك السيف، وسجنك القبر ؛ فأقدمهم أبو مسلم فقتلهم ، وكانت عدّتهم أربعة وعشرين رجلا . وأما علىّ بن محمد ، فإنه ذكر أن الصباح مولى جبريل ، أخبره عن مسلمة ابن يحيى ، أن أبا مسلم جعل على حَرسه خالد بن عثمان، وعلى شُرَطه مالك (١) ابن الأثير: ((أبو النجم إسماعيل بن عمران)). (٢) ابن الأثير: ((سعد)). قال: ((ورزيق، بتقديم الراء على الزاى)). (٣) ابن الأثير: ((ولاطعما)). (٤) ابن الأثير: ((عبدويه )).