النص المفهرس
صفحات 301-320
٣٠١ سنة ١٢٧ ووجّه إبراهيم بن الوليد الجنود مع سليمان بن هشام، فسار بهم حتى نزل عين الجَرّ ، وأتاه مروان وسليمان فى عشرين ومائة ألف فارس ومروان فى نحو من ثمانين ألفًا فالتقيا ، فدعاهم مَرْوان إلى الكفّ عن قتاله، والتخلية عن ابنى الوليد: الحكم وعثمان، وهما فى سجن دمشق محبوسان، وضمِن عنهما ألاّ يؤاخذاهم بقتلهم أباهما ، وألّ يطلبا أحداً ممن ولى قتله ؛ فأبوا عليه، وجدُّوا فى قتاله؛ فاقتتلوا ما بين ارتفاع النهار إلى العصر ، واستحرّ القتل بينهم ؛ وكثر فى الفريقين. وكان مَرْوان مجرّباً مكايداً، فدعا ثلاثة نفر من قوّاده - أحدهم أخ لإسحاق بن مسلم يقال له عيسى - فأمرهم بالمسير خلف صَفّه فى خيله وهم ثلاثة آلاف، ووجّه معهم فَعلة بالفؤوس ، وقد ملأ الصّفان من أصحابه وأصحاب سليمان بن هشام ما بين الجبلين المحيطين بالمرْج، وبين العسكرين نهر جرّار، وأمرهم إذا انتهوا إلى الجبل أن يقطعوا الشَّجَر، فيعقدوا جسوراً، ويجوزوا إلى عسكر سليمان ، ويغيروا فيه . قال: فلم تشعر خيول سليمان وهم مشغولون بالقتال إلاّ بالخيل والبارقة (١) والتكبير فى عسكرهم من خلْفهم، فلما رأوا ذلك انكسروا ؛ وكانت هزيمتهم، ووضع أهل حمص السلاح فيهم لحردهم عليهم، فقتلوا منهم نحواً من سبعة عشر ألفًا ، وكفّ أهلُ الجزيرة وأهل قنَّسرين عن قتلهم ، فلم يقتلوا منهم أحداً، وأتوا مروان من أسرائهم بمثل عدّة القتلى وأكثر، واستبيح عسكرهم. فأخذ مَرْوان عليهم البَيْعة للغلامين: الحكم وعثمان، وخلّ عنهم بعد أن قوّاهم. بدينار دينار، وألحقهم بأهاليهم، ولم يقتل منهم إلاّ رجلين يقال لأحدهما يزيد بن العقّار وللآخر الوليد بن مَصاد الكلبيّان؛ وكانا فيمن سار إلى الوليد وولِيَ قتله . وكان يزيد بن خالد بن عبد الله القسرىّ معهم، فسار حتى هرب فيمن هرب مع سليمان بن هشام إلى دمشق ؛ وكان أحدهما - يعنى الكلبيين .- على حرس يزيد والآخر على شُرَطه ؛ فإنه ضربهما فى موقفه ذلك بالسياط ، ثم أمر بهما فحبسا فهلكا فى حبسه . ١٨٧٨/٢ قال : ومضى سليمان ومَن معه من الفلّ حتى صبّحوا دمشق، واجتمع (١) البارقة : السيوف؛ سميت بذلك لبريقها . ٣٠٢ سنة ١٢٧ إليه وإلى إبراهيم وعبد العزيز بن الحجاج رءوس من معهم ، وهم يزيد بن خالد القسرىّ وأبو علاقة السكسكىّ والأصبغ بن ذؤالة الكلبىّ ونظراؤهم ؛ فقال بعضهم لبعض: إن بقى الغلامان ابنا الوليد حتى يقدم مروان ويخرجهما من الحبس ويصير الأمر إليهما لم يستبقيا أحداً من قتلة أبيهما؛ والرأى أن نقتلهما. فولّوا ذلك يزيد بن خالد- ومعهما فى الحبس أبو محمد السفيانيّ ويوسف بن عمر - فأرسل يزيد مولّ لخالد يقال له أبا الأسد، فى عدّة من أصحابه، فدخل السجن ، فشدَخ الغلامين بالعُمد ؛ وأخرج يوسف بن عمر ليقتلوه، وضُربت عنقه . وأرادوا قتل أبى محمد السفيانيّ، فدخل بيتًا من بيوت السجن فأغلقه، وألقى خلفه الفرش والوسائد ، واعتمد على الباب فلم يقدروا على فتحِهِ، فدعوا بنار ليحرقوه فلم يؤتوا بها، حتى قيل : قد دخلت خيل مروان المدينة وهرب إبراهيم بن الوليد، وتغيّب، وأنهب سليمان ما كان فى بيت المال وقسّمه فيمن معه من الجنود وخرج من المدينة . [ ذكر ظهور عبد الله بن معاوية بن عبد الله بن جعفر ] قال أبو جعفر: وفى هذه السنة دعا إلى نفسه عبدالله بن معاوية بن عبدالله بن جعفر بن أبى طالب بالكوفة ، وحارب بها عبد الله بن عمر بن عبد العزيز ابن مَرْوان، فهزمه عبدُ اللّه بن عمر ، فلحق بالجبال فغلب عليها . * ذكر الخبر عن سبب خروج عبد اللّه ودعائه الناس إلى نفسه: وكان إظهار عبد الله بن معاوية الخلاف على عبد الله بن عمر ونصبه الحرب له - فيما ذكر هشام عن أبى مخنف- فى المحرَّم سنة سبع وعشرين ومائة. وكان سبب خروجه عليه - فيما حدثنى أحمد ، عن علىّ بن محمد، عن عاصم ابن حفص التميمىّ وغيره من أهل العلم - أنّ (١) عبد الله بن معاوية بن عبدالله ابن جعفر قدم الكوفة زائراً لعبد الله بن عمر بن عبد العزيز، يلتمس صلته، (٢) لا يريد خروجًا، فتزوَّج ابنة حاتم بن الشرقىّ بن عبد المؤمن بن شَبَث بن ١٨٨٠/٢ (١) الخبر فى الأغانى ١٢: ٢٢٨ وما بعدها. (٢) الأغانى: ((مستميحاً)). ١٨٧٩/٢ ٣٠٣ سنة ١٢٧ رِبْعِىّ ، فلما وقعت العصبيَّة قال له أهل الكوفة: ادعُ إلى نفسِك ، فبنو هاشم أولى بالأمر من بنى مَرْوان ، فدعا سرًّا بالكوفة وابن عمر بالحيرة ، وبايعه ابن ضَمْرة الخُزاعىّ ، فدسّ إليه ابن عمر فأرضاه ، فأرسل إليه : إذا نحن التقيْنا بالناس انهزمتُ بهم . وبلغ ابن معاوية ، فلما التقى الناس قال ابن معاوية: إنّ ابن ضَمْرة قد غَدَر، ووعد ابن عمر أن ينهزم بالناس؛ فلا يزولنّكم انهزامه ، فإنه عن غَدْر يفعل. فلما التقوْا انهزم ابن ضَمْرة ، وانهزم الناس ، فلم يبق معه أحد ، فقال : فما يَدْرِى خداش ما يَصِيدُ تَفَرَّقَتِ الظباءُ على خِداشٍ فرجع ابنُ معاوية إلى الكوفة ؛ وكانوا التقوا ما بين الحيرة والكوفة ، ثم خرج إلى المدائن فبايعوه ، وأتاه قوم من أهل الكوفة ، فخرج فغلب على حلْوان والجبال . قال : ويقال قدم عبد الله بن معاوية الكوفة وجمع جمعًا ، فلم يعلم عبد الله بن عمر حتى خرج فى الجبّانة مجمعًا على الحرب، فالتقوا، وخالد بن قَطَن الحارثىّ على أهل اليمن ، فشدّ عليه الأصبغ بن ذؤالة الكلبىّ فى أهل الشأم ، فانهزم خالد وأهل الكوفة وأمسكت نزار عن نزار ورجعوا ، وأقبل خمسون رجلا من الزّيدّية إلى دار ابن محرز القرشىّ يريدون القتال ، فقتلوا ، ولم يقتل من أهل الكوفة غيرهم . قال : وخرج ابن معاوية من الكوفة مع عبد الله بن عباس التميمىّ إلى المدائن، ثم خرج منها فغلب على الماهين وهَمَذان وقومِس وأصبهان والرْىّ، وخرج إليه عبيد أهل الكوفة ، وقال : فلا تَرْكَبَنَّ الصنيعَ الذى ١٨٨١/٢ تَلُومُ أَخَاكَ على مثلهِ (١) (١) قبلهما فى الأغانى: وعمّا تُؤَنّب من أَجْلِهِ ! أَلا تزعُ القلْبَ عن جهله وأَقصر ذو العذلِ عن عذِلِه فأُبدِل بعد الصبا حلمهُ ٣٠٤ سنة ١٢٧ وَلا يُعْجِبَنِّكَ قَول امْرِئٍ يخالف ما قال فى فعله (١) وأما أبو عبيدة معمر بن المثنَّى ؛ فإنه زعم أن سبب ذلك أن عبد الله والحسن ويزيد بن معاوية بن عبد الله بن جعفر قدموا على عبد الله بن عمر ؛ فنزلوا فى النَّخَعَ ، فى دار مولى لهم ، يقال له الوليد بن سعيد، فأكرمهم ابن عمر وأجازهم ، وأجرى عليهم كلّ يوم ثلثمائة درهم ، فكانوا كذلك حتى هلَك يزيد بن الوليد، وبايع الناس أخاه إبراهيم بن الوليد ومن بعده عبد العزيز ابن الحجاج بن عبد الملك، فقد مت بيعتهما على عبد الله بن عمر بالكوفة، فبايع الناس لهما ، وزادهم فى العطاء مائة مائة ؛ وكتب بيعتهما إلى الآفاق، فجاءته البيعة ، فبينا هو كذلك؛ إذ أتاه الخبر بأنّ مروان بن محمد قد سار فى أهل الجزيرة إلى إبراهيم بن الوليد ، وأنه امتنع من البيعة له ، فاحتبس عبد الله بن عمر عبد الله بن معاوية عنده، وزاده فيما كان يجرى عليه، وأعدّملمروان ابن محمد إن هو ظفر بإبراهيم بن الوليد ليبايع له ؛ ويقاتل به مَرْوان ؛ فماج الناس فى أمرهم ، وقرب مسَرْوان من الشأم ، وخرج إليه إبراهيم فقاتله مروان ، فهزمه وظفر بعسكره وخرج هاربًا، وثبت عبد العزيز بن الحجاج يقاتل حتى قتل. وأقبل إسماعيل بن عبد الله أخو خالد بن عبد الله القسرىّ هاربًا حتى أتى الكوفة ؛ وكان فى عسكر إبراهيم، فافتعل كتاباً على لسان إبراهيم بولاية الكوفة ، فأرسل إلى اليمانية، فأخبرهم سرًّا أنّ إبراهيم بن الوليد ولآ ه العراق، فقبلوا ذلك منه، وبلغ الخبرُ عبد الله بن عمر فباكره صلاة الغداة، فقاتله مِن ساعته ، ومعه عمر بن الغَضْبان ؛ فلما رأى إسماعيل ذلك - ولا عهد معه وصاحبه الذى افتعل العهد على لسانه هارب منهزم - خاف أن يظهر أمره فيفتضح ويقتل ، فقال لأصحابه : إنى كارهٌ لسفك الدماء ؛ ولم أحس أن يبلغ الأمر ما بلغ ، فكفُّوا أيديكم . فتفرَّق القوم عنه ، فقال لأهل بيته: إنّ إبراهيم قد هرب، ودخل مروان دمشق، فحُكى ذلك عن ١٨٨٢/٢ (١) بعدهما فى الأغاني: ولا تُتبع الطّرِفَ ما لا تنالُ ولكن سلِ الله من فضلِه ويحمد فى رزقِهِ كُلِّهِ فكمْ من مقلٌّ ينال الغَنَى ٣٠٥ سنة ١٢٧ أهل بيته ، فانتشر الخبر، واشرأبَّت الفتنة ، ووقعت العصبيَّة بين الناس . وكان سبب ذلك أن عبد الله بن عمر كان أعطى مضر وربيعة عطايا عظاماً ، ولم يعطِ جعفر بن نافع بن القعقاع بن شَوْر الذهلىَّ وعمان بن الخَبرِىّ أخا بنى تيم اللات بن ثعلبة شيئًا ، ولم يسوّهما بنظرائهما ؛ فدخلا عليه ؛ فكلّماه كلامًاً غليظًا، فغضب ابنُ عمر ، وأمر بزما ، فقام إليهما عبدالملك الطائىّ - وكان على شُرَطه يقوم على رأسه - فدفعهما، فدفعاه وخرجا مغضَبَيْن. وكان ثمامة بن حَوْشب بن رُويم الشيبانىّ حاضرًا ، فخرج مغاضبًا لصاحبيه ، فخرجوا جميعًا إلى الكوفة ، وكان هذا وابن عمر بالحيرة ، فلما دخلوا الكوفة نادوا : يا آل ربيعة، فثارت إليهم ربيعة، فاجتمعوا وتنمّرُوا، وبلغ الخبرُ ابنَ عمر ، فأرسل إليهم أخاه عاصاً، فأتاهم وهم بدير هند قد اجتمعوا وحشدوا، فألقى نفسه بينهم، وقال : هذه يدى لكم فاحكموا؛ فاستحَيَوْا وعظَّموا عاصًاً، وتشكَّروا له ، وأقبل على صاحبيْهم فسكتا وكفّاً ، فلما أمسى ابن عمر ١٨٨٣/٢ أرسل من تحت ليلته إلى عمر بن الغَضْبان بمائة ألف ، فقسمها فى قومه بنى همام بن مرة بن ذُهْل بن شيبان ، وأرسل إلى ◌ُثْمامة بن حَوْشب بن رُوَيم بمائة ألف ، فقسَّمها فى قومه ، وأرسل إلى جعفر بن نافع بن القعقاع بعشرة آلاف، وإلى عثمان بن الخيبرىّ بعشرة آلاف. قال أبو جعفر: فلما رأت الشيعة ضَعْفَه اغتمزوا فيه، واجترءوا عليه وطمعوا فیه ودعوا إلى عبد الله بن معاوية بن عبد الله بنجعفر. وکانالذیولیذلك هلال ابن أبى الورد مولى بنى عجل ، فثاروا فى غوغاء الناس حتى أتوا المسجد ، فاجتمعوا فيه وهلال القائم بالأمر ، فبايعه ناس من الشيعة لعبد الله بن معاوية ، ثم مضوا من فَوْرهم إلى عبد الله ، فأخرجوه من دار الوليد بن سعيد ؛ حتى أدخلوه القصر، وحالوا بين عاصم بن عمر وبين القصر ، فلحق بأخيه عبد الله بالحيرة ، وجاء ابن معاوية الكوفيون فبايعوه، فيهم عمربن الغضبان بن القبعثرىّ ومنصور بن جمهور وإسماعيل بن عبد الله القسرىّ ومن كان من أهل الشأم بالكوفة له أهل وأصل ، فأقام بالكوفة أيامًا يبايعه الناس ، وأتتْه البَيْعة من المدائن وفَمِ النيل ، واجتمع إليه الناس ، فخرج يريد عبد الله بن عمر بالحيرة، ٣٠٦ سنة ١٢٧ وبرز له عبد الله بن عمر فيمن كان معه من أهل الشام ، فخرج رجل من أهل الشأم يسأله البيراز ، فبرز له القاسم بن عبد الغفار ، فقال له الشامىّ(١): لقد دعوتُ حين دعوت ، وما أظنّ أن يخرج إلىّ رجل من بكر بن وائل ، واللّه ما أريد قتالَك، ولكن أحببتُ أن ألقى إليك ما انتهى إلينا؛ أخبرك أنه ليس معكم رجل من أهل اليمن ؛ لا منصور ولا إسماعيل ولا غيرهما إلا وقد كاتب عبد الله بن عمر ، وجاءته كتب مضَر ، وما أرى لكم أيها الحىّ من ربيعة كتابًا ولا رسولاً ، وليسوا مواقعيكم يومكم حتى تُصْبِحوا فيواقعوكم ، فإن استطعتم ألّ تكون بكم الحزّة فافعلوا ، فإنى رجل من قَيْس ، وسنكون غداً بإزائكم ؛ فإن أردتثم الكتاب إلى صاحبنا أبلغتُه، وإن أردتم الوفاء لمن خرجتم معه فقد أبلغتكم حال الناس . فدعا القاسم رجالاً من قومه، فأعلمهم ما قال له الرجل ؛ وأنّ ميمنة ابن عمر من ربيعة ، ومضر ستقف بإزاء ميسرته وفيها ربيعة ، فقال عبد الله بن معاوية: إنّ هذه علامة ستظهر لنا إن أصبحنا؛ فإن أحبّ عمر بن الغضبان فليلقَى الليلة؛ وإن منعه شغل ماهو فيه فهوعذْر (٢)؛ وقلْ له : إنى لأظن القيسىّ قد كذب ، فأتى الرّسول عمرَ بذلك ، فردّه إليه بكتاب يُعلمه أن رسولى هذا بمنزلى عندى ، ويأمره أن يتوثّق من منصور وإسماعيل ، وإنما أراد أن يعلمهما بذلك. قال: فأبى ابنُ معاوية أن يفعل ، فأصبح الناس غادين على القتال ، وقد جعل اليمن فى الميمنة ومضر وربيعة فى الميسرة ، ونادى مناد: من أتى برأس فله كذا وكذا، أو بأسير فله كذا وكذا ، والمال عند عمر بن الغضبان . والتقفى الناسُ واقتتلوا، وحمل عمر بن الغضبان على ميمنة ابن عمر فانكشفوا، ومضى إسماعيل ومنصور من فَوْرهما إلى الحيرة، ورجمتْ(٣) غوغاء الناس أهلَ" اليمن من أهل الكوفة ، فقتلوا فيهم أكثر من ثلاثين رجلاً ، وقُتل الهاشمىّ العباس بن عبد الله زوج ابنة الملاة . ذكر عمر أن محمد بن يحيى حدَّثه عن أبيه ، عن عاتكة بنت الملاة ، ١٨٨٤/٢ ١٨٨٥/٢ (١) ابن الأثير: ((فسأله الشامى فعرفه فقال)). (٢) ط: ((فهو غدر))، وما أثبته من ا. (٣) كذا فى ا، وفى ط: ((وزهمت)). ٣٠٧ سنة ١٢٧ تزوّجت أزواجًا، منهم العباس بن عبد الله بن عبد الله بن الحارث بن نوفل، قُتل مع عبد الله بن عمر بن عبد العزيز فى العصبيّة بالعراق . وقتل مبكر ابن الحوارىّ بن زياد فى غيرهم ؛ ثم انكشفوا وفيهم عبد الله بن معاوية حتى دخل نصر الكوفة، وبقيت الميسرة من مُضَروربيعة ومَنْ بإزائهم من أهل الشأم ، وحمل أهلُ القلب من أهل الشأم على الزيديّة فانكشفوا، حتى دخلوا الكوفة ، وبقيَت الميسرة وهم نحو خمسمائة رجل ، وأقبل عامر بن ضُبارة ونُبَاتة ابن حنظلة بن قبيصة وعتبة بن عبد الرحمن الثعلبىّ والنضر بن سعيد بن عمرو الحرَشِىّ، حتى وقفوا على ربيعة، فقالوا لعمر بن الغضبان : أمّا نحن يا معشر ربيعة ، فما كنا نأمنُ عليكم ما صنع الناس بأهل اليمن ، ونتخوّف عليكم مثلها؛ فانصرفوا . فقال عمر : ما كنت ببارح أبداً حتى أموت ؛ فقالوا : إن هذا ليس بمغن عنك ولا عن أصحابك شيئًا ، فأخذوا بعنان دابته فأدخلوه الكوفة . قال عمر: حدثنى علىّ بن محمد، عن سليمان بن عبد الله النوفلىّ، قال: حدّثنى أبى ، قال : حدّثنا خِرَاش بن المغيرة بن عطية مولى لبنی لیث ، عن أبيه ، قال : كنت كاتب عبد الله بن عمر؛ فوالله إنى لعنده يومًا وهو بالحيرة إذ أتاه آت فقال : هذا عبد الله بن معاوية قد أقبل فى الخَلْق، فأطرق مليًّا وجاءه رئيس خّبّازِيه ، فقام بين يديه كأنه يُؤذنه بإدراك طعامه ، فأومأ إليه عبدُ اللّه: أن هاته . فجاء بالطعام ، وقد شخصت قلوبُنا ، ونحن نتوقع أن يهجُم علينا ابن معاوية ونحن معه ، قال : فجعلت أتفقّده : هل أراه تغيَّر فى شىء من أمره من مطعم أو مشرب أو منظر أو أمر أو نهى ؟ فلا واللّه ، ما أنكرت من هيئته قليلاً ولا كثيراً؛ وكان طعامه إذا أتِىَ به وُضع بين کلّ اثنين منا صحفة . قال : فوضعت بینی وبین فلان صحفة ، وبين فلان وفلان صحفة أخرى ؛ حتى عدّ مَن كان على خوانه ، فلما فرغ من غدائه ووضوئه ، أمر بالمال فأخرج ؛ حتى أخرجت آنية من ذهب وفضة وكُسًا ، ففرّق أكثر ذلك فى قوّاده، ثم دعا مولى له أو مملوكاً كان يتبرّك به ويتفاءل باسمه - إمّا يدعى ميموناً أو فتحًا أو اسماً من الأسماء المتبرَّك بها - فقال له : ١٨٨٦/٢ ٣٠٨ ١٨٨٧/٢ سنة ١٢٧ خذلواءك، وامض إلى تلّ كذا وكذا فاركزه [عليه] (١)؛ وادع أصحابتك، وأقمْ حتى آتيَك . ففعل وخرج عبدُ اللّه وخرجنا معه؛ حتى صار إلى التلّ فإذا الأرض بيضاء من أصحاب ابنِ معاوية ، فأمر عبد الله مناديًا ، فنادى : من جاء برأس فله خمسمائة ؛ فوالله ما كان بأسرع من أن أتِىَ برأس، فوُضِيع بين يديه ؛ فأمر له بخمسمائة ، فدفعت إلى الذى جاء به، فلما رأى أصحابه وفاءه لصاحب الرأس ، ثاروا(٢) بالقوم؛ فواللهما كان إلا هُنّيهة حتى نظرت إلى نحو من خمسمائة رأس قد ألقيت بين يديه؛ وانكشف ابنُ معاوية ومَن معه منهزمين ، فكان أوّل من دخل الكوفة من أصحابه منهزمًا أبو البلاد مولى بني عبس وابنه سليمان بين يديه .. وكان أبو البلاد متشيعًاً-فجعل أهلُ الكوفة ينادونهم كلَّ يوم ؛ وكأنهم يعيرونهم بانهزامه؛ فجعل يصيح بابنه سليمان: امضِ ودع النّواضح(٣) ينفقن. قال: ومرّ عبد الله بن معاوية فطوى الكوفة ، ولم يعرّج بها حتى أتى الجبل . وأما أبو عبيدة : فإنه ذكر أن عبد الله بن معاوية وإخوته دخلوا القصر فلما أمسَوْا قالوا لعمر بن الغضبان وأصحابه : يا معشرّ ربيعة، قد رأيتم ما صنع الناس بنا ؛ وقد أعلَقْنا دماءَنا فى أعناقكم؛ فإن كنتم مقاتلين معنا قاتلنا معكم؛ وإن كنتم تَرَوْن الناس خاذلينا وإيّاكم؛ فخذوا لنا ولكم أمانًا؛ فما أخذتم لأنفسكم فقد رضينا لأنفسنا ، فقال لهم عمر بن الغضبان: ما نحن بتاركيكم من إحدى خَلَّتين: إما أن نقاتل معكم، وإما أن نأخذ لكم أماناً كما نأخذ لأنفسنا ، فطيبوا نفساً ، فأقاموا فى القصر، والزيدّية على أفواه السكك يَتَغْدُو عليهم أهل الشأم ويروحون ، يقاتلونهم أياماً . ثم إن ربيعة أخذت لأنفسها وللزيدّية ولعبد الله بن معاوية أماناً؛ ألاّ يتبعوهم ويذهبوا حيث شاءوا . وأرسل عبد اللّه بن عمر إلى عمر بن الغضبان بأمره بنزول القصر وإخراج عبد الله بن معاوية، فأرسل إليه ابنُ الغضبان فرحّله ومَن معه من شيعته ومن تبعه من أهل المدائن وأهل السواد وأهل (٢) ط: (نادوا )) ، وأثبت ما فى ا. (١) من ا. (٣) النواضح: جمع ناضح؛ وهو البعير أو الثور أو الحمار يستقى عليه. ٣٠٩ سنة ١٢٧ الكوفة ، فسار بهم رسلُ عمر حتى أخرجوهم من الجَسْر فنزل عمر من القصر. ٠ ٠ [ ذكر خبر رجوع الحارث بن سريج إلى مَرْو] ١٨٨٨/٢ وفى هذه السنة وافى الحارث بن سريج مسَرْو، خارجًا إليها من بلاد الترك بالأمان الذى كتب له يزيد بن الوليد ، فصار إلى نصر بن سيار ، ثم خالفه وأظهر الخلاف له ، وبايعه على ذلك جمع كبير . * ذكر الخبر عن أمره وأمر نصر بعد قدومه عليه : ذكر علىّ بن محمد عن شيوخه؛ أنّ الحارث سار إلى مَرْو، مخرجه(١) من بلاد الترك، فقدمها يوم الأحد لثلاث بقين من جمادى الآخرة سنة سبع وعشرين ومائة، فتلقاه سلم بن أحوز، والناس بكشاهِن، فقال محمد بن الفضل (٢) ابن عطية العبسىّ: الحمد لله الذى أقرَّ أعينَنا بقدومك، وردّك إلى فئة الإسلام وإلى الجماعة . قال: يابنىّ؛ أما علمت أن الكثير إذا كانوا على معصية الله كانوا قليلاً ، وأنّ القليل إذا كانوا على طاعة الله كانوا كثيراً! وما قرّت عينى منذ خرجت إلى يومى هذا، وما قرة عينى إلا أن يطاع الله. فلما دخل مَرْو قال : اللهم إنى لم أنوِ قطّ فى شىء مما بينى وبينهم إلّ الوفاء، فإن أرادوا الغدر فانصرْنى عليهم . ولقاه نصر فأنزله قَصْر بُخاراخُذاه، وأجرى عليه نزُلاً خمسين درهمًا فى كلّ يوم ، وكان يقتصر على لون واحد ، وأطلق نصر مَن كان عنده من أهله ؛ أطلق محمد بن الحارث والألوف بنت الحارث وأمّ بكر ؛ فلما أتاه ابنه محمد، قال : اللهمّ اجعله بارًا تقيًّا. قال : وقدم الوضاح بن حبيب بن بُديل على نَصْر بن سيّار من عند عبد الله بن عمر ، وقد أصابه برد شديد، فكساه أثوابًا، وأمر له بقرّى وجاريتين ؛ ثم أتى الحارث بن سريج ، وعنده جماعة من أصحابه قيام على رأسه، فقال له: إذَّا بالعراق، نشهر عظيم عمودك وثقله ؛ وإنى أحبّ أن أراه ، فقال: ماهو إلا كبعض ما ترى مع هؤلاء - وأشار إلى أصحابه ــ ولكنى إذا ضربت به [شهرت (٣) ] ضربتنى، قال: وكان فى عموده بالشأمى ثمانية عشر رطلاً" . (٣) من ا. (١) ا: ((مقدمه)). (٢) ط: ((الفضيل))، وصوابه من ا. ١٨٨٩/٢ ٣١٠ سنة ١٢٧ قال : ودخل الحارث بن سريج على نَصْر ، وعليه الجوشن (١) الذى أصابه من خاقان، وكان خيّره بين مائة ألف دينار دنبكانيَّة وبين الجوشن؛ فاختار الجوشن . فنظرت إليه المرزُبانة بنت قديد ؛ امرأة نصر بن سيار ، فأرسلت إليه بجرْز لها سمُّور (٢)، مع جارية لها فقالت ، أقرئى ابنّ عمى السَّلام، وقولى له: اليوم بارد فاستدفئ بهذا الجِرْز السَّمُّور، فالحمد لله الذى أقدمك صالحًا . فقال للجارية: أقرئى بنت عمّ السلام ، وقولى لها : أعارَّية أم هدية ؟ فقالت : بل هدّية؛ فباعه بأربعة آلاف دينار وقسمها فى أصحابه . وبعث إليه نصر بفرُش كثيرة وفرس، فباع ذلك كلّه، وقسّمه فى أصحابه بالسّويّة . وكان يجلس على برذعة، وتُشْنى له وسادة غليظة . وعرض نصر على الحارث أن يوليه ويعطيه مائة ألف دينار، فلم يقبل، وأرسل إلى نصر : إنى لستُ من هذه الدنيا ولا من هذه اللذات، ولا من تزويج عقائل العرب فى شىء ؛ وإنما أسأل كتاب الله عزّ وجلّ والعمل بالسنّة واستعمال أهل الخير والفَضْل ، فإن فعلت ساعدتك على عدّوك . وأرسل الحارث إلى الكرمانيّ : إن أعطانى نصر العمل بكتاب الله وما سألته من استعمال أهل الخير والفضل عضَدتُهُ وقمتُ بأمر الله، وإن لم يفعل استعنتُ باللّه عليه، وأعنتك إن ضمنت لى ما أريد من القيام بالعدل والسنة . ١٨٩٠/٢ و کان کلما دخل علیه بنو تميمدعاهمإلى نفسه، فبايعهمحمد بن حمران ومحمد ابن حرب بن جِرْفاس المنقريّان والخليل بن غَزْوان العدوىّ، وعبد الله ابن مُجّاعة وهبيرة بن شراحيل السعدّيان، وعبد العزيز بن عبد ربه الليثىّ، وبشر ابن جرموز الضبىّ، ونهار بن عبد الله بن الحتات المجاشعيّ، وعبد الله النباتى(٣). وقال الحارث لنصر : خرجت من هذه المدينة منذ ثلاث عشرة سنة إنكارًا للجوْر ، وأنت تريدنى عليه ! فانضم إلى الحارث ثلاثة آلاف . # (١) فى اللسان: ((الجوشن من السلاح: زرد يلبس على الصدر)). (٢) الجرز، بالكسر: لباس النساء من الوبر والجلد. وفى اللسان: ((السمور: دابة (٣) !: ((البنانى)). معروفة تسوى من جلودها فراء غالية الأثمان)) . سنة ١٢٧ ٣١١ خلافة مروان بن محمد وفى هذه السنة بويع بدمشق لمروان بن محمد بالخلافة : * ذكر الخبر عن سبب البيعة له : حدّثنى أحمد ، قال : حدثنا عبد الوهاب بن إبراهيم ، قال : حدّثنا أبو هاشم مخلّد بن محمد مولى عثمان بن عفان ، قال : لما قيل : قد دخلت خيلُ مروان دمشق هرب إبراهيم بن الوليد وتغيّب ، فانتهب (١) سليمان ما كان فى بيت المال وقسّمه فيمن معه من الجند، وخرج من المدينة ، وثار مَنْ فيها من موالى الوليد بن يزيد إلى دار عبد العزيز بن الحجاج فقتلوه ، ونبشوا قبر يزيد بن الوليد وصلبوه على باب الجابية ، ودخل مَرْوان دمشق فنزل عالية ، وأتِىَ بالغلامين مقتوليْن وبيوسف بن عمر فأمربهم فدفِنوا، وأُتِى بأبى محمد السفيانيّ محمولاً فى كُبُوله، فسلم عليه بالخلافة، ومروان يومئذ يسلّم عليه بالإمرة ، فقال له : مه ، فقال : إنهما جعلاها لك بعدهما ، وأنشده شعراً قاله الحكم فى السجن . ١٨٩١/٢ قال: وكانا قد بلغا، ووُلد لأحدهما وهو الحكم والآخر قد احتلم قبل ذلك بسنتين ، قال : فقال الحكم: وعَمى الغَمْرَ طالَ بذا حَنِينا (٢) أَلَا مَنْ مِبْلِغُ مَرْوانَ عنِّى على قَتْلِ الوَليدِ متابِعِينا(٣) بأَنِّى قد ظُلمتُ وَصارَ قَوْمِى فلا غَثَّا أَصَبْتُ وَلا سمينا أَيَذْهَب كلبهم بِدَمِ ومالِ (٤) كَلِيثِ الغابِ مِفْتَرِسُ عَرِينا ومَرْوانٌ بِأَرْضِ بَنِى نِزَارٍ وشَقَّهُمُ عِصِىَّ المَسْلِمِينا أَلَمْ يَحْزُنكَ قَتْل فَتَى قَرَيْشٍ وقيْسِ بالجَزِيرَةِ أَجْمَعينا أَلَا فاقْرَ السَّلاَمَ على قُرَيْشٍ وأَلقَى الحَرْبَ بَيْنَ بَنِى أَبينا وسادَ الناقِصُ القَدَرِىّ فينا (٥) (٢) ابن الأثير: ((طال به)). (٤) ابن الأثير: ((أيذهب كلهم)). (١) كذا فى ا، وفى ط: ((فأنهب)). (٣) ١: ((مشايعينا)) (٥) !: ((وسار)). ٣١٢ سنة ١٢٧ وكعْب لَمْ أَكنْ لهِمُ رَهينا فلوْ شَهدَ الفَوَارس من سلَيمِ لما بِعْنا تُرَاثَ بَنِى أَبِينا وَلو شَهدَتْ لُيُوتُ بَنِى تَمِيمٍ فقد بايعتُمُ قَبْلِ هَجينا أَتُنْكَثُ بَيْعَتِى مِنْ أَجْلِ أَفِّى وكانت فى ولادَة آخَرینا فِلَيْتَ خُثولِتِ من غير كَلْبٍ فمرْوانٌ أَمِير المؤمِنِينا فإِنْ أَهلِك أَنَا وَوَلِى عَهْدِى ١٨٩٢/٢ ثم قال : ابسط يدك أبايعك ، وسمعه مَن مع مروان من أهل الشأم ؛ فكان أوّل من نهض معاوية بن يزيد بن الحصين بن نمير ورءوس أهل حمص، فبايعوه، فأمرهم أن يختاروا لولاية أجنادهم، فاختار أهلُ دمشق زامل بن عمرو الجبرانى، وأهل حمْص عبد الله بن شجرة الكندىّ، وأهل الأردن" الوليد بن معاوية بن مروان، وأهل فلسطين ثابت بن نعيم الجذامی الذی کان استخرجه من سجن هشام وغدر به بأرمينية ، فأخذ عليهم العهود المؤكّدة والأيمان المغلظة على بيعته ، وانصرف إلى منزله من حَرّان . قال أبو جعفر : فلما استوتْ لمروان بن محمد الشأم وانصرف إلى منزله بحرّان طلب الأمان منه إبراهيم بن الوليد وسليمان بن هشام فآمنهم ، فقدم عليه سليمان - وكان سليمان بن هشام يومئذ بتدمر بمن معه من إخوته وأهل بيته وهواليه الذكْوانيّة - فبايعوا مروان بن محمد . [ ذكر الخبر عن انتقاض أهل حمص على مروان ] وفى هذه السنة انتقض على مروان أهل حمص وسائر أهل الشأم فحاربهم. ● ذكر الخبر عن أمرهم وأمره وعن سبب ذلك : حدّثنى أحمد١، قال حدثنى عبد الوهاب بن إبراهيم ، قال : حدثنا أبو هاشم مخلّد بن محمد بن صالح ، قال: لما انصرف مَرْوان إلى منزله من حَرّان بعد فراغه من أهل الشأم لم يلبث إلا ثلاثة أشهر ؛ حتى خالفه أهل الشأم وانتقضوا عليه؛ وكان الذى دعاهم إلى ذلك ثابت بن نعيم ، وراسلتهم (١) هو أحمد بن زهير (الراوى). ٣١٣ سنة ١٢٧ وكاتبهم ، وبلغ مَرْوان خبرهم، فسار إليهم بنفسه ، وأرسل أهل حمص إلى مَنْ بتدمر من كلْب؛ فشخص إليهم الأصبغ بن ذزالة الكلبىّ ومعه بنون ١٨٩٣/٢ له ثلاثة رجال : حمزة وذؤالة وفُرافصة ومعاوية السكسكىّ - وكان فارس أهل الشأم - وعصمة بن المقشعِرّ وهشام بن مَصاد وطفيل بن حارثة ونحو ألف من فرسانهم ، فدخلوا مدينة حِمْص ليلة الفطر من سنة سبع وعشرين ومائة. قال : ومروان بحماة ليس بينه وبين مدينة حِمْص إلا ثلاثون ميلاً، فأتاه خبرهم صبيحة الفِطْر ، فجدّ فى السير، ومعه يومئذ إبراهيم بن الوليد المخاوع وسليمان بن هشام ؛ وقد كانا راسلاه وطلبا إليه الأمان ، فصارا معه فى عسكره يكرمهما ويُدنيهما ويجلسان معه على غدائه وعشائه، ويسيران معه فى مَوْكبه. فانتهى إلى مدينة حِمْص بعد الفِطْر بيومين ، والكلبيّة فيها قد ردموا أبوابها مِن داخل ، وهو على عُدَّة معه روابطه ، فأحدقت خيله بالمدينة ، ووقف حذاء باب من أبوابها ، وأشرف على جماعة من الحائط ، فناداهم مناديه : ما دعاكم إلى النّكث ؟ قالوا : فإنا على طاعتك لم ننكث ، فقال لهم : فإن كنتم على ما تذكرون فافتحوا، ففتحوا الباب، فاقتحم منه عمرو بن الوضاح فى الوضّاحية [وهم] نحو من ثلاثة آلاف فقاتلوهم فى داخل المدينة؛ فلما كثرتهم خيلُ مروان، انتهوا إلى باب من أبواب المدينة يقال له باب تَدْمُر ، فخرجوا منه والروابط عليه فقاتاوهم ، فقتل عامتهم، وأفلت الأصبغ بن ذؤالة والسكسكىّ وأسر ابنا الأصبغ: ذؤالة وفُرَافصة فى نيّف وثلاثين رجلا منهم ، فأَتِىَ بهم مروان فقتلهم وهو واقف، وأمر بجمع قتلاهم وهم خمسمائة أو ستمائة، فصلبوا حول المدينة، وهدم مِنْ حائط مدينتها نحواً من غَدْوة. وثار أهل الغوطة إلى ١٨٩٤/٢ مدينة دمشق، فحاصروا أميرهم زامل بن عمرو، وولّوْا عليهم يزيد بن خالد القسريّ ، وثبت مع زامل المدينة وأهلها وقائد فى نحو أربعمائة ، يقال له أبو هبَّار القرشى فوجه إليهم مَرْوان من حِمْص أبا الورد بن الكوثر بن زُفَر بن الحارث - واسمه مجزأة - وعمرو بن الوضّاح فى عشرة آلاف، فلما دنَوْا من المدينة حملوا عليهم ، وخرج أبو حَبّار وخيله من المدينة، فهزموهم واستباحوا عسكرِ هِم وحرقوا المِزّة من قرى اليمانية، ولجأ يزيد بن خالد وأبو علاقة إلى رجُلٍ من لحم من أهل المِزّة، فدُلّ عليهما زامل، فأرسل إليهما، فقتلا ٣١٤ سنة ١٢٧ قبل أن يوصل بهما إليه، فبعث برأسيْهما إلى مَرْوان بحِمْص، وخرج ثابت ابن نُعيم من أهل فلسطين ؛ حتى أتى مدينة طَبَرِيّة ، فحاصر أهلها، وعليها الوليد بن معاوية بن مَرْوان ؛ ابن أخى عبد الملك بن مروان ، فقاتلوه أيامًا ، فكتب مَرْوان إلى أبى الورد أن يشخص إليهم فيمدّهم. قال: فرحل من دمشق بعد أيام، فلما بلغهم دنوّه خرجوا من المدينة على ثابت ومَن معه ، فاستباحوا عسكرهم ، فانصرف إلى فلسطين منهزمًا، فجمع قومه وجُنده؛ ومضى إليه أبو الورد فهزمه ثانية، وتفرّق مَن معه، وأسر ثلاثة رجال من ولده ؛ وهم نُعيم وبكْر وعمران، فبعث بهم إلى مَرْوان فقُدم بهم عليه ؛ - وهو بدير أيوب - جرحى، فأمر بمداواة جراحاتهم، وتغيّب ثابت بن نعيم، فوُلِّى الرُّماحس بن عبدالعزيز الكنانىّ فلسطين، وأفلت مع ثابت من ولده رفاعة ابن ثابت- وكان أخبثهم-فلحق بمنصور بن جمهور، فأكرمه وولاً، وخلفه مع أخ له يقال له منظور بن جمهور؛ فوثب عليه فقتله ، فبلغ منصوراً وهو متوجِّه إلى المُلْتان(١)، وكان أخوه بالمنصورة، فرجع إليه فأخذه، فبنى له أسطوانة من آجرّ مجوّفة ، وأدخله فيها، ثم سّه إليها ، وبنى عليه . قال : وكتب مسرْوان إلى الرُّماحس فى طلب ثابت والتلطف له، فدلّ عليه رجل من قومه فأخذ ومعه نفر ، فأتى به مَرْوان موثَقًا بعد شهرين، فأمر به وببنيه الذين كانوا فى يديه ، فقطعت أيديهم وأرجلهم ؛ ثم حملوا إلى دمشق ، فرأيتهم مقطَّعين ، فأقيموا على باب مسجدها ؛ لأنه كان يبلغه أنهم يرجفون بثابت ، ويقولون : إنه أتى مصر ؛ فغلب عليها ، وقتل عامل مسَرْوان بها . وأقبل مَرْوان من دير أيوب حتى بايع لابنيه عبيد الله وعبدالله، وزوّجهما ابنتى هشام بن عبد الملك؛ أمّ هشام وعائشة، وجمع لذلك أهل بيته جميعًا ؛ من ولد عبد الملك محمد وسعيد وبکار وولد الوليد وسليمان ويزيد وهشام وغيرهم من قريش ورءوس العرب ، وقطع على أهل الشأم بعثًا وقوّاهم ، وولى على كل جند منهم قائداً منهم ، وأمرهم بالدّحاق بيزيد بن عمر بن هُبيرة . وكان قبل مسيره إلى الشأم وجهه فى عشرين ألفاً من أهل قِنّسرين والجزيرة، وأمره أن ينزل دورين إلى أن يقدم ، وصيّره (١) ا: ((المليان))، ومن نسخة بحاشيتها: ((المظان)). ١٨٩٥/٢ ١٨٩٦/٢ ٣١٥ سنة ١٢٧ مقدّمة له ، وانصرف من دير أيوب إلى دمشق ؛ وقد استقامت له الشأم كلها ما خلا تدمر ، وأمر بثابت بن نعيم وبنيه والنّفر الذين قطعهم فقتلوا وصلبوا على أبواب دمشق ، قال : فرأيتُهم حين قتِلوا وصُلِبوا . قال : واستبقى رجلاً منهم يقال له عمرو بن الحارث الكلبىّ ، وكان - فيما زعموا - عنده علم من أموال كان ثابت وضعها عند قوم ، ومضى بمن معه ، فنزل القسطل من أرض حِمْص مما يلى تدمُر ؛ بينهما مسيرة ثلاثة أيام ؛ وبلغه أنهم قد عَوَّروا(١) ما بينه وبينها من الآبار، وطمُّوها بالصخر؛ فهيّأ المزاد والقرب والأعلاف والإبل ، فحمل ذلك له ولمن معه ، فكلمه الأبرش بن الوليد وسليمان ابن هشام وغيرهما ، وسألوه أن يُعذِرِ إليهم ، ويحتجّ عليهم. فأجابهم إلى ذلك ، فوجّه الأبرش إليهم أخاه عمرو بن الوليد ، وكتب إليهم يحذّرهم ويعلمهم أنه يتخوّف أن يكون هلاكه وهلاك قومه ، فطردوه ولم يجيبوه ، فسأله الأبرش أن يأذن له فى التوجه(٢) إليهم، ويؤجله أيامًا، ففعل ، فأتاهم فكلمهم وخوفهم وأعلمهم أنهم حمقى ، وأنه لا طاقة لهم به وبمَن معه ، فأجابه عامّتهم ، وهرب مَن لم يثق به منهم إلى برّيّة كلب وباديتهم ، وهم السكسكىّ وعصمة بن المقشعرّ وطفيل بن حارثة ومعاوية بن أبى سفيان بن يزيد بن معاوية ، وكان صهر الأبرش على ابنته . وكتب الأبرش إلى مروان يعلمه ذلك، فكتب إليه مرْوان: أن اهدم حائط مدينتهم ، وانصرف إلىّ بمن بايعك منهم . فانصرف إليه ومعه [من] (٣) رءوسهم الأصبغ بن ذؤالة وابنه حمزة وجماعة من رءوسهم ، وانصرف مَرْوان بهم على طريق البريّة على سورية ودير اللثق ، حتى قدم الرُّصافة ومعه سليمان بن هشام وعمه سعيد بن عبد الملك وإخوته جميعًاً وإبراهيم المخلوع وجماعة من ولد الوليد وسليمان ويزيد، فأقاموا بها يومًاً، ثم شخص إلى الرَّقة فاستأذنه سليمان، وسأله أن يأذن له أن يقيم أيامًا ليقوى من معه من مواليه ، ويجمّ ظهره ثم يتبعه ، فأذن له ومضى مسَرْوان ، فنزل ١٨٩٧/٢ (١) عور البئر: أفسدها؛ رفى اللسان: ((وفى حديث على: ((أمره أن يعور آبار بدر))، (٢) كذا ما فى ا وهو الصواب، وفى ط: ((التوجيه)). أى يدفنها ويطمها)». (٣) من ! . ٣١٦ سنة ١٢٧ عند واسط على شاطئ الفرات فى عسكر كان ينزله ، فأقام به ثلاثة أيام ، ثم مضى إلى قَرْقِيسيا وابنُ هبيرة بها ، ليقدمه إلى العراق لمحاربة الضحاك ابن قيس الشيبانىّ الحُرُورىّ، فأقبل فى نحو عشرة آلاف ممن كان مَرْوان قطع عليهم البَعْث بدير أيّوب لغزو العراق مع قوّادهم حتى حلُّوا بالرُّصافة، فدعوا سليمان إلى خلع مروان ومحاربته . وفى هذه السنة دخل الضّحاك بن قيس الشيبانىّ الكوفة . ذكر الأخبار عن خروج الضحاك محكّماً ودخوله الكوفة ، ومن أين كان إقباله إليها اختلف فى ذلك من أمره ، فأما أحمد١، فإنه حدّثنى عن عبد الوهاب ابن إبراهيم ، قال : حدّثنى أبو هاشم مخلّد بن محمد ، قال : كان سبب خروج الضحاك أنّ الوليد حين قتل خرج بالجزيرة حرورىّ يقال له سعيد ابن بهدل الشيبانىّ فى مائتين من أهل الجزيرة؛ فيهم الضحّاك، فاغتم قتل الوليد واشتغال مروان بالشأم ، فخرج بأرض كَفَرْتُونا ، وخرج بسطام البيهسىّ وهو مفارق لرأيه فى مثل عدّتهم من ربيعة ، فسار كلّ واحد منهما إلى صاحبه؛ فلما تقارب العسكران وَجْه سعيد بن بهدل الخَيْبرىّ - وهو أحد قواده ، وهو الذى هزم مَرْوان - فى نحو من مائة وخمسين فارسًا ليبيّته ، فانتھمی إلى عسکره وهم غارُون ، وقد أمر كل واحد منهم أن یکون معه ثوب أبيض يحلّل به رأسَه، ليعرف بعضهم بعضًا، فبكروا فى عسكرهم فأصابوهم فى غرّة ، فقال الخيبرىّ : ١٨٩٨/٢ أَضْرِبُ بالسّیفوأخْمِی عَسْگری إِن يك بسْطامُ فإِنِى الخَيْبَرِى فقتلوا بسطاماً وجميعَ من معه إلاّ أربعة عشر، فلحقوا بمروان ، فكانوا معه فأثبتهم فى روابطه، وولى عليهم رجلاً منهم يقال له مقاتل ، ويكنى أبا التعثل. ثمّ مضى سعيد بن بهدل نحو العراق لما بلغه من تَشْتيت الأمر بها واختلاف أهل الشام ، وقتال بعضهم بعضاً مع عبد الله بن عمر ، (١) هو أحمد بن زهير (الراوى). ٣١٧ سنة ١٢٧ والنّضْر بن سعيد الحرَشىّ- وكانت اليمانية من أهل الشأم مع عبد الله بن عمر بالحيرة، والمضرّية، مع ابن الحرشىّ بالكوفة؛ فهم يقتتلون فيما بينهم غدوة وعشيّة. قال : فمات سعید بن بهدل فى وجهه ذلك من طاعون أصابه ؛ واستخلف الضحاك بن قيس من بعده ؛ وكانت له امرأة تسمى حوْماء ، فقال الخيبرىّ فى ذلك : سَتِى الله يا حَوْماءُ قَبْرَ ابْنِ بَهْدَلِ إِذا رَحَل السارونَ لَمْ يَتَرَخَّل قال : واجتمع مع الضّحاك نحوٌ من ألف ثمّ توّجه إلى الكوفة، ومرّ بأرض الموصل، فاتّبعه منهاومن أهل الجزيرة (١) نحوٌّمن ثلاثة آلاف، وبالكوفة يومئذ النَّضْر بن سعيد الخرشىّ ومعه المضرّية، وبالحيرة عبد الله بن عمر فى اليمانية ، فهم متعصبون يقتتلون فيما بين الكوفة والحيرة ، فلما دنا إليه الضحاك فيمن معه من الكوفة اصطلح ابن عمر والخرشىّ ، فصار أمرهم واحداً ، ويداً على قتال الضحاك ، وخندقا على الكوفة ، ومعهما يومئذ من أهل الشأم نحوٌ من ثلاثين ألفًا، لهم قوّة وعدّة، ومعهم قائد من أهل قِنَّسْرين، يقال له عبّاد بن الغُزَيِّل فى ألف فارس، قد كان مروان أمدّ به ابن الخرَشىّ، فبرزوا لهم ، فقاتلوهم، فقتِل يومئذ عاصم بن عمر بن عبد العزيز وجعفر بن عباس الكندىّ ، وهزموهم أقبح هزيمة ، ولحق عبد الله بن عمر فى جماعتهم بواسط ، وتوجّه ابنُ الخرشىّ - وهو النّضر - وجماعة المضرّية وإسماعيل ابن عبد الله القْرىّ إلى مَرْوان، فاستولى الضحاك والجزرّية على الكوفة وأرضها، وجَبَوُا السواد . ثم استخلف الضّحاك رجلا من أصحابه ــ يقال له مِلْحان - على الكوفة فى مائتى فارس ، ومضى فى عظْ أصحابه إلى عبد اللّه ابن عمر بواسط ، فحاصره بها ؛ وكان معه قائد من قوّاد أهل قِنَّرين يقال له عطية الثعلبىّ(٢) - وكان من الأشدّاء - فلما تخوّف محاصرة الضّحاك خرج فى سبعين أو ثمانين من قومه متوجهاً إلى مَرْوان ، فخرج على القادسيّة ، فبلغ مِلْحان ممرُّه ، فخرج فى أصحابه مبادراً يريده ، فلقيه على قنطرة السَّيْلَحِين - ومِلْحان قد تسرع فى نحو من ثلاثين فارسًا - فقاتله ١٨٩٩/٢ (١) !: ((السواد)). (٢) ط: ((التغلبى))، تحريف. ٣١٨ سنة ١٢٧ ١٩٠٠/٢ فقتله عطية وناسًا من أصحابه، وانهزم بقيتهم حتى دخلوا الكوفة ، ومضى عطية حتى لحق فيمن معه مروان . وأما أبو عبيدة معمر بن المثنّى، فإنه قال : حدثنى أبو سعيد ، قال : لما مات سعيد بن بهدل المرّىّ، وبايعت الشراة للضّحاك ، أقام بشهر زُور وثابت إليه الصُّفْرية من كل وجه حتى صار فى أربعة آلاف، فلم يجتمع مثلهم الخارجىّ قطّ قبله . قال : وهلك يزيد بن الوليد وعامله على العراق عبد الله بن عمر، فانحط مروان من أرمينية حتى نزل الجزيرة ، وولِّى العراق النَّضْر بن سعيد -وكان من قوّاد ابن عمر - فشخص إلى الكوفة، ونزل ابن عمر الحيرة، فاجتمعت المضرّية إلى النّضر واليمانية إلى ابن عمر، فحاربه أربعة أشهر، ثم أمدّ مروان النَّضْر بابن الغزيِّل، فأقبل الضحاك نحو الكوفة وذلك فى سنة سبع وعشرين ومائة، فأرسل ابن عمر إلى النّضْر: هذا لا يريد غيرى وغيرك، فهلمّ نجتمع عليه [فتعاقدا عليه] (١)، وأقبل ابن عمر، فنزل تلّ الفتح وأقبل الضّحاك ليعبر الفرات، فأرسل إليه ابن عمر حمزة بن الأصبغ بن ذؤالة الكلبىّ ليمنعه من العبور ، فقال عبيد الله بن العباس الكندىّ : دعه يعبر إلينا ، فهو أهون علينا من طلبه . فأرسل ابن عمر إلى حمزة يكفُّه عن ذلك ، فنزل ابنُ عمر الكوفة ، وكان يصلى فى مسجد الأمير بأصحابه ، والنضر بن سعيد فى ناحية الكوفة يصلّى بأصحابه ، لا يجامع ابنّ عمر ولا يصلى معه ؛ غير أنهما قد تكافآً واجتمعا على قتال الضّحاك ، وأقبل الضّحاك حين رجع حمزة حتى عَبَر الفرات، ونزل النُّخَيلة يوم الأربعاء فى رجب سنة سبع وعشرين ومائة، فخفّ إليهم أهلُ الشأم من أصحاب ابن عمر والنضر ، قبل أن ينزلوا ، فأصابوا منهم أربعة عشر فارسًا وثلاث عشرة امرأة . ثم نزل الضّحاك وضرب عسكره ، وعبّى أصحابه ، وأراح، ثم تغادوا يوم الخميس ، فاقتتلوا قتالا شديداً ، فكشفوا ابنَ عمر وأصحابه، وقتلوا أخاه عاصًا؛ قتله البِرْذَون بن مرزوق(٢) الشيبانىّ ، فدفنه بنو الأشعث بن قيس فى دارِهم ، وقتلوا جعفر بن العباس الكندىّ أخا عبيد الله، وكان جعفر على شرْطة عبد اللّه بن عمر ، وكان ١٩٠١/٢ (٢) !: ((مروق)). (١) من ا. ٣١٩ سنة ١٢٧ الذى قتل جعفرا عبد الملك بن علقمة بن عبد القيس ، وكان جعفر حين رهقه عبد الملك نادى ابن عمّ له يقال له شاشلة ، فكرّ عليه شاشلة ، وضربه رجل من الصُّفْرّيّة ، ففلق وجهه . قال أبو سعيد : فرأيته بعد ذلك كأنّ له وجهين، وأكبّ عبد الملك على جعفر فذبحه ذبحاً ، فقالت أم البرذون الصُّفْرِّيّة: والفارِسَ الضَّبِىَّ حِينَ أَصْحَرا نَحْنُ قَتَلْنَا عاصماً وجَعْفَرا * ونَحْن جئنا الخَنْدق المقَعَّرا » فانهزم أصحاب ابن عمر ، وأقبل الخوارج ، فوقفوا على خندقنا إلى الليل ثم انصرفوا، ثم تغادينا يوم الجمعة؛ فوالله ماتتاممنا حتى هَزُمونا ، فدخلنا خنادقنا ، وأصبحنا يوم السبت ؛ فإذا الناس يتسللون ويهربون إلى واسط ، ورأوا قومًا لم يروْا مثلهم قطّ أشدّ بأسًا؛ كأنهم الأسْد عند أشبالها ، فذهب ابن عمر ينظر أصحابه، فإذا عامّتهم قد هربوا تحت الليل ، ولحق عظْمهم بواسط ؛ فكان ممّن لحق بواسط النّضْر بن سعيد وإسماعيل بن عبد الله ومنصور ابن جمهور والأصبغ بن ذؤالة وابناه: حمزة وذؤالة ، والوليد بن حسان الغسانىّ وجميع الوجوه ، وبقى ابن عمر فيمن بقى من أصحابه مقيماً لم يبرح . ويقال: إنّ عبد الله بن عمرلمّا ولىَ العراق ولَى الكوفة عبيد الله بن العباس الكندىّ وعلى شرطه عمر بن الغضبان بن القَعثرى، فلميزالا على ذلك حتى مات يزيد بن الوليد، وقام إبراهيم بن الوليد، فأقرّ ابنَ عمر على العراق، فولَى ابنُ عمر أخاه عاصمً على الكوفة، وأقرّ ابن الغضبان على شُرَطه ، فلم يزالوا على ذلك حتى خرج عبد الله بن معاوية فاتّهم عمر بن الغضبان ، فلما انقضى أمرُ عبد الله بن معاوية ولَّى عبدُ اللّه بن عمر عمرَ بن عبد الحميد بن عبد الرحمن بن زيد بن الخطاب الكوفةَ ، وعلى شُرَطه الحكم بن عتيبة الأسدىّ من أهل الشام ، ثم عزل عمر بن عبد الحميد عن الكوفة ، ثم عزل عمر بن الغضبان عن شُرَّطه وولى الوليد بن حسان الغسانىّ، ثم ولّى إسماعيل بن عبد الله القسرىّ وعلى شرطه أبان بن الوليد ، ثم عزل إسماعيل ١٩٠٢/٢ ٣٢٠ سنة ١٢٧ وولّى عبد الصمد بن أبان بن النعمان بن بشير الأنصارىّ، ثم عزل فولَّى عاصم بن عمر ، فقدم عليه الضّحاك بن قيس الشيبانىّ . ١٩٠٣/٢ ويقال : إنما قدم الضحاك وإسماعيل بن عبد الله القسرىّ فى القصر وعبد الله بن عمر بالحيرة وابن الخرشىّ بدير هند، فغلب الضحاك على الكوفة ، وولّى مِلْحان بن معروف الشيبانىّ عليها ، وعلى شرطه الصُّفْر من بنى حنظلة - حَرورىّ فخرج ابن الخرشىّ يريد الشأم، فعارضه مِلْحان، فقتله ابنُ الحَرَشىّ فوى الضّحاك على الكوفة حسان فولَّى حسان ابنه الحارث على شرطه . وقال عبد الله بن عمر يرثى أخاه عاصً لما قتله الخوارج: غداةَ رَبَى للقَوْسِ فى الكَفِّ مِنْزَء! رَفَ غَرَضی رَيْبُ الزَّمانِ فَلَمْ يَدَعْ أَخاً كانَ لى حِرْزًا ومَأْوَّى وَمَفْزَعَا رَمِى غَرَضى الأَّقصى فأَقْصَدَ عاصِماً أَذابَتْ عبيطاً من دَمِ الجَوْفِ منقعًا فإِنْ تكُ أَحزانٌ وفائضُ عَبْرَةٍ فَأَعظَمُ منْها ما احْتْسَى وَتَجَرَّعا تَجرَّعْتُها فى عاصِمٍ واحْتَسَيْتُها فِعِشْنا جَمِيعاً أَو ذَهَبْنَ بِنَا معا فِلَيْتَ المنايا كُنَّ خلَّفْنَ عاصِماً وذكر أن عبد الله بن عمر يقول: بلغنى أنّ عين بن عين بن عين بن عين يقتل ميم بن ميم بن ميم بن ميم ، وكان يأمل أن يقتله ؛ فقتله عبد الله بن علىّ ١٩٠٤/٢ ابن عبد الله بن عباس بن عبد المطلب، فذكر أن أصحاب ابن عمر لما انهزموا فلحقوا بواسط ، قال لابن عمر أصحابُه : علام تقيم وقد هرب الناس ! قال : أتلوّم وأنظر ، فأقام يومًاً أو يومين لا يرى إلا هاربًا، وقد امتلأت قلوبهم رُعبًا من الخوارج، فأمر عند ذلك بالرَّحيل إلى واسط ، وجمع خالد بن الغُزيّل أصحابَه، فلحق بمرْوان وهو مقيم بالجزيرة ، ونظر عبيد الله بن العباس الكندىّ إلى ما لقىَ الناس، فلم يأمن على نفسه، فجنح إلى الضّحاك فبايعه ؛ وكان معه فى عسكره ، فقال أبو عطاء السندىّ يعيّره باتباعه الضحاك ، وقد قتل أخاه : هَوَ الْحَىّ لم يجنحْ وأَنْتَ قَتِيلُ قُلْ لُعُبَيد اللهِ لَوْ كان جَعْفَرٌ (١) (١) ابن الأثير: ((فقل)).