النص المفهرس
صفحات 221-240
٢٢١ سنة ١٢٥ لشىء ، ولا صلاح له إلا بالطاعة التى يحفظ الله بها حقه، ويمضى بها أمره، ويُنْكِل(١) بها عن معاصيه، ويوقف عن محارمه ، ويذبّ عن حرُماته ؛ فمن أخذ بحظه منها كان لله وليًّا ولأمره مطيعًا، ولرشده مصيبًا، ولعاجل الخير وآجله مخصوصًا ؛ ومَن تركها ورغب عنها وحادّ (٢) اللّه فيها أضاع نصيبه ، وعصى ربّه، وخسر دنياه وآخرته ؛ وكانَ ممن غلبت عليه الشِّقْوة، واستحوذت عليه الأمور الغاوية ، التى تورد أهلها أفظعَ المشارع (٣) ، وتقودهم إلى شرّ المصارع ، فيما يحلّ اللّه بهم فى الدنيا من الذلة والنقمة ، ويصيرهم فيما عندهم من العذاب والحسْرة . والطاعة رأس هذا الأمر وذِرْوته وسنامه وملاكه وزمامه ، وعصمته وقوامه، بعد كلمة الإخلاص التى ميّز الله بها بين العباد . وبالطاعة نال المفلحون من الله منازلهم، واستوجبوا عليه ثوابهم ، وفى المعصية مما يحلّ بغيرهم من نقماته ، ويُصيبهم عليه، ويحقُ(٤) من سخطه وعذابه، وبترك الطاعة والإضاعة لها والخروج منها والإدبار عنها والتبذّل [ للمعصية] (٥) بها، أهلك الله من ضلّ وَعَتا ، وعمى وغلا ، وفارق مناهج (٦) البرّ والتقوى. ١٧٦٠/٢ فالزموا طاعة الله فيما عَراكم ونالكم ؛ وألتمّ بكم من الأمور، وناصحوها واستوثقوا عليها ، وسارعوا إليها وخالصوها، وابتغوا القُرْبة إلى الله بها؛ فإنكم قد رأيتم مواقع اللّه لأهلها فى إعلائه إياهم، وإفلاجه(٧) حجّتهم ، ودفعه باطل مَنْ حادّ هم وناوأهم وساماهم ، وأراد إطفاء نور الله الذى معهم. وخُبَّرْتُم مع ذلك ما يصير إليه أهل المعصية من التَّوبيخ لهم والتقصير بهم ؛ حتى يؤول أمرُهم إلى تبار وصَغار ، وذلة وبوار ؛ وفى ذلك لمن كان له رأى وموعظة عبرة يُنتفع بواضحها، ويتمسلَّك بحظوتها ؛ ويعرف خيرة قضاء الله لأهلها. ثم إن الله - وله الحمد والمنّ والفضل ــ هدى الأمة لأفضل الأمور عاقبة" لها فى حَقْن دمائها ، والتئام ألفتها، واجتماع كلمتها ، واعتدال عَمُودها ، (١) أنكله عن حاجته : دفعه عنها . (٢) ج، ف: ((أوحاد)). (٣) المشارع : جمع مشرعة ؛ وهو مورد الشاربة . (٤) كذا فى ا، وفى ط: ((وينزل)). (٦) ف: )) منهاج)). (٥) من ا. (٧) أفلج لله حجته: نصرها وأظهرها. ٢٢٢ سنة ١٢٥ ١٧٦١/٢ وإصلاح دهمائها(١)؛ وذخر النعمة عليها فى دنياها، بعد خلافَتِه التى جعلها لهم نظامًا، ولأمرهم قَواماً ؛ وهو العهد الذى ألهم اللّهُ خلفاءه توكيدَه والنظر للمسلمين فى جسيم أمرهم فيه؛ ليكون لهم (٢) عند ما يحدث بخلفائهم ثقةً فى المفزع وملتجأ فى الأمر، ولمّا لشَّعَث، وصلاحًا لذات البَيْن، وتثبيتاً الأرجاء الإسلام ، وقطعًا لنزغات الشيطان؛ فيما يتطلع إليه أولياؤه ، ويُوثبهم عليه من تلَف هذا الدين وانصداع (٣) شَعْب أهله ، واختلافهم فيما جمعهم اللّه عليه منه ؛ فلا يريهم الله فى ذلك إلّ ما ساءهم ، وأكذب أمانيَّهم ، ويجدون اللّه قد أحكم بما قضى لأوليائه من ذلك عنُقَد أمورهم، ونفى عنهم من أراد فيها إدغالاً أو بها إغلالا، أو لما شدّد الله منها توهيناً، أو فيما تولّى الله منها اعتماداً، فأكمل اللّه بها لخلفائه وحِزْبه البَرّ الذين أودعهم طاعته أحسن الذى عوّدَهم، وسبب لهم من إعزازه وإكرامه وإعلائه وتمكينه؛ فأمْرُ هذا العهد من تمام الإسلام ، وكمال ما استوجب اللّه على أهله من المنَن العظام ؛ ومما جعل الله فيه لمن أجراه على يديْه، وقضى به على لسانه، ووفّقه لمن ولاه هذا الأمر عنده أفضلَ الذُّخر؛ وعند المسلمين أحسن الأثر فيما يؤثر بهم من منفعته ، ويتسع لهم من نعمته، ويستندون إلیه من عزّه، ويدخلون فیه من وزره الذى يجعل اللّه لهم به منَعة، ويحرزهم به من كلّ مهلكة، ويجمعهم به من كلّ فُرقة، ويقمع به أهل النّفاق، ويعصِمهم به من كلّ اختلاف وشقاق . فاحمدوا الله ربّكم الرءوف بكم، الصانع لكم فى أموركم على الذى دتكم عليه من هذا العهد ؛ الذى جعله لكم سكناً ومعوّلا تطمئنون إليه ، وتستظلون فى أفنانه ؛ ويستنهج (٤) لكم به مثْنَى أعناقكم، وَسِمات وجوهكم، وملتّفى نواصيكم فى أمر دينكم ودنياكم؛ فإنّ لذلك خطرًاً عظيماً من النعمة؛ وإنّ فيه من اللّه بلاء حسنًا فى سعة العافية ؛ يعرفه ذوو الألباب والنيات المريِّئُون(٥) من أعمالهم فى العواقب ، والعارفون منارَ مناهج الرّشد؛ فأنتم حقيقون بشكر الله فيما حفظ به دينكم وأمر جماعتكم من ذلك ، جديرون بمعرفة كنه واجب حقه فيه ، وحمده ١٧٦٢/٢ (١) الدهماء : جماعة الناس. (٣) ب: ((واتساع)). (٥) رياً فى الأمر ترئية: نظر فيه وتعقبه ولم يعجل بالجواب . (٢) !: ((أمرهم)). (٤) !: ((ويستبهج)). ٢٢٣ سنة ١٢٥ على الذى عزم لكم منه ؛ فلتكن منزلة ذلك منكم ، وفضيلته فى أنفسكم على قَدْر حسن بلاء الله عندكم فيه إن شاء الله، ولا قوّة إلا بالله. ثم إنّ أمير المؤمنين لم يكن منذ استخلفه الله بشىء من الأمور أشدَّ اهتمامً وعنايةً منه بهذا العهد ؛ لعلمه بمنزلته من أمر المسلمين ، وما أراهم اللّه فيه من الأمور التى يغتبطون بها ، ويكرمهم بما يقضى لهم ويختار له ولهم فيه جهده ؛ ويستقضى له ولهم فيه إلهه ووليّه ؛ الذى بيده الحكْم وعند الغيب ، وهو على كل شيء قدير. ويسأله أن يعينه (١) من ذلك على الذى هو أرشد له خاصة وللمسلمين (٢) عامّةً . ١٧٦٣/٢ فرأى أمير المؤمنين أن یعهد لكم عهداً بعد عهد ، تكونون فيه على مثل الذى كان عليه من كان قبلكم، فى مُهْلة من انفساح الأمل وطُمأنينة النفس، وصلاح ذات البين ؛ وعِلْم موضع (٣) الأمر الذى جعله الله لأهله عصمةً ونجاةً وصلاحًا وحياة ، ولكل منافق وفاسق يحبّ تلف هذا الدّين وفساد أهله وقْماً وخسارًا وقَدْعًا (٤). فولَّى أمير المؤمنين ذلك الحكم ابن أمير المؤمنين، وعثمان ابن أمير المؤمنين من بعده، وهما ممّن يرجو أمير المؤمنين أن يكون الله خلقه لذلك وصاغه، وأكمل فيه أحسنَ مناقب من كان يوليه إياه ، فى وفاء الرّأى وصحة الدين ، وجزالة المروءة والمعرفة بصالح الأمور ، ولم يألُكم أمير المؤمنين ولا نفسه فى ذلك اجتهاداً وخيراً . فبايعوا للحكتم ابن أمير المؤمنين باسم الله وبركته ولأخيه من بعده ؛ على السمع والطاعة ، واحتسبوا فى ذلك أحسن ما كان اللّه يُريكم ويبليكم ويعوّدكم ويعرّفكم فى أشباهه فيما مضى ، من اليسر الواسع والخير العام ، والفضل العظيم الذى أصبحتم فى رجائه وخفضه(٥) وأمنه ونعمته، وسلامته وعصمته. فهو الأمر الذى استبطأتموه واستسرعتم إليه ، وحمدتم الله على إمضائه إياه ، وقضائه لكم ، وأحدثتم فيه شكرًا ، ورأيتموه لكم حظًّا ، تستبقونه وتجهدون أنفسكم فى أداء حقّ اللّه عليكم، فإنه قد سبق لكم فى ذلك من نعم الله وكرامته (١) ح، ف: ((يغلب)). (٣) ح: ((مواضع)). (٥) ب،: ((وحفظه)). (٢) ح، ف: ((وعلى المسلمين)). (٤) الوقم: الإذلال، والقدع : الكف . ١٧٦٤/٢ ٢٢٤ سنة ١٢٥ وحسن قسمه ما أنتم حقیقون أن تكون رغبتكم فیه ، وحد بكم عليه، على قَدْر الذى أبلا كم الله ، وصنع لكم منه . وأمير المؤمنين مع ذلك إن حدث بواحد من وليّىْ عهده حَدَثٌ، أَوْلَى بأن يجعل مكانه وبالمنزل الذى كان به من أحبّ أن يجعل من أمته أو ولده ، ويقدّمه بين يدى الباقى منهما إن شاء، أو أن يؤخره بعده . فاعلموا ذلك وافهموه. نسأل الله الذى لا إله إلا هو عالم الغيب والشهادة الرحمن الرحيم أن يبارك لأمير المؤمنين ولَكُم فى الذى قضى به على لسانه من ذلك وقدّر منه ؛ وأن يجعل عاقبته عافيةٌ وسروراً وغبطة ؛ فإن ذلك بيده ولا يملكه إلا هُوَ ، ولا يرغب فيه إلا إليه، والسلام عليكم ورحمة الله. وكتب سَمَال يوم الثلاثاء لثمان بقين من رجب سنة خمس وعشرين ومائة. ١٧٦٥/٢ [ تولية الوليد نصر بن سيار على خراسان وأمره مع يوسف بن عمر ] وفى هذه السنة ولّى الوليدُ نصرَ بن سيَّار خراسان كلها، وأفرده(١) بها. وفيها وفد يوسف بن عمر على الوليد ، فاشترى نصراً وعماله منه ، فردّ إليه الوليد ولاية خراسان . وفى هذه السنة كتب يوسف بن عمر إلى نصر بن سيَّار يأمره بالقدوم عليه ، ويحمل معه ما قدر عليه من الهدايا والأموال . ذكر الخبر عما كان من أمر يوسف ونصر فى ذلك : ذكر علىّ عن شيوخه؛ أن يوسف كتب إلى نَصْر بذلك ، وأمره أن يقدَمَ معه بعياله أجمعين ، فلما أتى نصرًا كتابه ، قسم على أهل خراسان الهدايا وعلى ◌ُمّاله، فلم يدعْ بخُراسان جاريةً ولا عبدءاً ولا بِرذوْنا فارهًا إلا أعدَّه، واشترى ألف مملوك، وأعطاهم السلاح، وحملهم على الخيل . قال : وقال بعضهم : كان قد أعدَّ خمسمائة وَصيفة ، وأمر بصنعة أباريق الذّهب والفضّة وتماثيل الظباء ورءوس السّباع والأيايل وغير ذلك ؛ فلما فرغ من ذلك كله كتب إليه الوليد يستحثّه ، فسرّح الهدايا حتى بلغ (١) ح: ((وأفرد)). ٢٢٥ سنة ١٢٥ أوائلها بَيْهق ؛ فكتب إليه الوليد يأمره أن يبعث إليه ببرابط وطنابير ، فقال بعض شعرائهم : أَبشرْ فَأَبْشِرْ يا أَمِينَ اللهِ بتباشِیرْ كالأَنابیرْ عليها بإِبْل يُحْمَلُ المالُ طَنَابِرْ حَقائِبها بِغالٌ تَحْملُ الخمرَ بِصَوتِ البَمِّ والزيرْ(١) البَرْ بَرِيَّاتِ ودَُّ ٢٫٥) بالمزامير نَفْخٌ الدُّفِّ أَحيانا وقَرْعُ وفى الجَنَّةِ تَحْبِيرْ فهذا لك فى الدنيا ١٧٦٦/٢ قال : وقدم الأزرق بن قرّة المسمعیُّ من التِّرمد أیام هشام على نصر ، فقال لنصر : إنى أريتُ (٣) الوليد بن يزيد فى المنام؛ وهو ولىّ عهد ، شبه الهارب من هشام ، ورأيتُه على سرير ، فشرب عسلا وسقانى بعضَه . فأعطاه نصر أربعة آلاف دينار وكُسوة، وبعثه (٤) إلى الوليد، وكتب إليه نصر. فأتى الأزرقُ الوليد، فدفع إليه المال والكسوة، فسُرّ بذلك الوليد ، وألطف الأزرق، وجزى نصراً خيراً، وانصرف الأزرق، فبلغه قبل أن يصل إلى نَصْر موتُ هشام ، ونصر لا علمَ له بما صنع الأزرق ، ثم قدم عليه فأخبره ؛ فلمّا ولى الوليدُ كتب إلى الأزرق وإلى نصر ، وأمر رسوله أن يبتدئ بالأزرق فيدفع إليه كتابه ، فأتاه ليلا، فدفع إليه كتابه وكتاب نصر، فلم يقرأ الأزرق كتابه ، وأتى نصراً بالكتابين ؛ فكان فى كتاب الوليد إلى نصر يأمره أن يتخذ له برابط وطنابير وأباريق ذهب وفضة، وأن يجمع له كلَّ صَنّاجة بخراسان يقدر عليها ، وكلَّ بازى وبِرْذون فاره ، ثم يسير بذلك كله بنفسه فى وجوه أهل خراسان . فقال رجل من باهلة : كان قوم من المنجّمين يُخبرون نصرًا بفتنة تكون؛ فبعث نصر إلى صدقة بن وَأَّب وهو ببلْخ - وكان منجماً - وكان عنده . وألحَّ عليه يوسف بالقدوم؛ فلم يزل يتباطأ ، فوجه يوسف (١) ح: ((عليها ألبم)). (٣) ح: ((رأيت)). (٢) ح، ف: ((فى المزامير)). (٤) ح، ف: ((وبعث به)). ١٧٦٧/٢ ٢٢٦ سنة ١٢٥ رسولاً وأمره بلزومه يستحثه بالقدوم، أو ينادى(١) فى الناس أنه قد خَلّع ؛ فلما جاءه الرسول أجازه وأرضاه ، وتحوّل إلى قصره الذى هو دار الإمارة اليوم ؛ فلم يأت لذلك إلا يسير حتى وقعت الفتنة ، فتحوّل نصر إلى قصره بماجان ، واستخلف عصمة بن عبد الله الأسدىّ على خراسان، وولى المهلب بن إياس العدوىّ الخراج، وولى موسى بن ورقاء الناجىّ الشاش، وحسان من أهل صَغَانِيَان الأسدىَّ سَمَرْ قند، ومُقاتل بن علىّ السُّغدىَّ آمُل، وأمرهم إذا بلغهم خروجُه من مَرْو أن يستحلبوا(٢) الترك، وأن يغيروا(٣) على ما وراء النهر؛ لينصرف إليهم بعد خروجه ، يعتلُ بذلك ، فبينا هو يسير يومً إلى العراق طَرَقته ليلاً مولّ لبنى لَيْث ؛ فلمَّا أصبح أذن للناس، وبعث إلى رسل الوليد؛ فحمد الله وأثنى عليه ، ثم قال : قد كان فى مسیری (٤) ما قد علمتُ ، وبعثى بالهدايا ما رأيتم ؛ فطرقنى (٥) فلان ليلاً، فأخبرنى أنّ الوليد قد قُتل، وأن الفتنة قد وقعت (٦) بالشأم ؛ وقدم منصور بن جمهور العراق ، وقد هرب يوسف ابن عمر ، ونحن فى بلاد قد علمتم حالتها وكثرة عدوّنا . ثم دعا بالقادم فأحلفه إنّ ماجاء به لحقّ!فحلف؛ فقال سلْم بن أحوز: أصلح الله الأمير، لو حَلّفتُ لكنت صادقًا؛ إنه بعض مكايد قريش، أرادوا تهجين طاعتك، فسِرْ ولا تهجِّنَا (٧). قال: يا سلم أنتَ رجل لك علم بالحروب (٨)، ولك مع ذلك(٩) حسن طاعة لبنى أمية؛ فأمّا مثل هذا من الأمور فرأيك فيه رأى أمة هماء(١٠). ثم قال نصر: لم أشهد بعد ابن خازم أمراً مفظعًا إلّ كنتُ المفزِعَ فى الرأى ؛ فقال الناس : قد علمنا ذلك ، فالرأى رأيك . ١٧٦٨/٢ [ تولية الوليد بن يزيد خاله يوسف الثقفى على المدينة ومكة ] وفى هذه السنة وجّه الوليد بن يزيد خاله يوسف بن محمد بن يوسف الثقفى (٢) ابن الأثير: ((أن يستجلبوا)). (١) ب: ((وينادى)). (٣) ابن الأثير: ((ليعبروا على ما وراء النهر)). (٤) ابن الأثير: ((من مسيرى)). (٦) ابن الأثير: ((ووقعت الفتنة)). (٨) ح وابن الأثير: ((بالحرب)). (١٠) الهتماء : التى انكسرت ثنيتها . (٥) ح: ((وقد طرقنى)). (٧) ابن الأثير: ((ولا تمتحنا)). (٩) ح، ف: ((هذا). ٢٢٧ سنة ١٢٥ واليًا على المدينة ومكة والطائف، ودفع إليه إبراهيم ومحمد ابنى هشام بن إسماعيل المخزومى موثّقَيْن فى عباءتين ، فقدم بهما المدينة يوم السبت لاثنتى عشرة بقيت من شعبان سنة خمس وعشرين ومائة ، فأقامهما للناس بالمدينة . ثم كتب الوليد إليه يأمره أن يبعث بهما إلى يوسف بن عمر ، وهو يومئذ عامله على العراق ؛ فلما قدما عليه عذّبهما حتى قتَلهما ؛ وقد كان رُفع عليهما عند الوليد أنهما أخذا مالا كثيراً . # # وفى هذه السنة عزل يوسف بن محمد سعد بن إبراهيم عن قضاء المدينة ، وولاهما يحيى بن سعيد الأنصارىّ . [ غزو قبرس ] # ١٧٦٩/٢ وفيها غزّى(١) الوليد بن يزيد أخاه الغَمْر بن يزيد بن عبد الملك، وأمَّر على على جيش البحر الأسودَ بن بلال المحاربيّ، وأمره أن يسير (٢) إلى قبرس فيخيّرهم بين المسير إلى الشأم إن شاءوا، وإن شاءوا إلى الروم، فاختارت طائفة منهم جوار المسلمين ، فنقلهم الأسود إلى الشأم ؛ واختار آخرون أرض الروم فانتقلوا إليها . # وفيها قدم سليمان بن كثير ومالك بن الهيثم ولاهز بن قُريظ وقحطبة بن شبيب مكة، فلقوا - فى قول بعض أهل السيسر - محمد بن علىّ فأخبروه بقصّة أبى مسلم وما رأوا منه ؛ فقال لهم : أحرٌّ هو أم عبد ؟ قالوا : أما عيسى فيزعم أنّه عبد، وأما هو فيزعم أنه حرٌّ، قال: فاشتروْه وأعتقوه؛ وأعطوا محمد بن علىّ مائتى ألف درهم وكسوة بثلاثين ألف درهم ، فقال لهم : ما أظنّكم تلقونى بعد عامى هذا، فإن حَدَث بى حدث فصاحبكم إبراهيم بن محمد ، فإنى أثق به وأوصيكم به خيراً ، فقد أوصيته بكم . فصدروا من عنده . وتوفّى محمد بن علىّ فى مستهلّ ذى القعدة وهو ابن ثلاث وستين سنة ؛ و کان بین وفاته وبین وفاة أبيه علىّ سبع سنين . (١) ابن الأثير: ((أغزى)). (٢) ب، ح: ((أن يصير)). ٢٢٨ سنة ١٢٥ وحجّ بالناس فى هذه السنة يوسف بن محمد بن يوسف الثقفىّ ، حدثنی ١٧٧٠/٢ بذلك أحمد بن ثابت ، عمَّن ذكره ، عن إسحاق بن عيسى ، عن أبى معشر. # [ ذكر الخبر عن مقتل يحى بن زيد بن علىّ ] وفى هذه السنة قتل يحيى بن زيد بن علىّ بخُراسان. * ذكر الخبر عن مقتله: قد مضى ذكرُنا قبلُ أمرّ مصير يحيى بن زيد بن علىّ إلى خراسان . وسبب ذلك ؛ ونذكر الآن سبّب مقتله ؛ إذ كان ذلك فى هذه السنة . ذكر هشام بن محمد الكلبىّ عن أبى مخنف، قال : أقام يحيى بن زيد بن علىّ عند الخرِيش بن عمرو بن داود ببَلْخ حتى هلك هشام بن عبد الملك ، وولى الوليد بن يزيد بن عبد الملك. فكتب يوسف بن عمر إلى نَصْر بن سيّار بمسير يحيى بن زيد وبمنزله الذى كان ينزل(١)؛ حتى أخبره أنه عند الخريش، وقال له : ابعث إليه وخُذْه أشدّ الأخذ. فبعث نصر بن سيَّار إلى عقيل بن معقيل العجلىّ ، يأمره أن يأخذ الحريش ولا يفارقه حتى تزهق نفسه أو يأتيه بيحي بن زيد بن علىّ. فبعث إليه عقيل، فسأله عنه، فقال: لا عِلْمَ" (٢) لى به ، فجلده ستمائة سَوْط، فقال له الحَريش: واللّه لو أنه كان تحت قدمىّ ما رفعتُهما لك عنه ؛ فلما رأى ذلك قُرَيش بن الخريش أتى عقِيلا ، فقال : لا تقتل أبى وأنا أدلك عليه ، فأرسل معه فدلّه عليه ، وهو فى بيت فى جوف بيت ، فأخذه ومعه يزيد بن عمر والفضل مولى عبد القيس - كان أقبل معه من الكوفة - فأتى به نصر بن سيَّرفحبسه ، وكتب إلى يوسف بن عمر يخبره بذلك ؛ فكتب بذلك يوسف إلى الوليد بن يزيد ، فكتب الوليد إلى نصر بن سيَّار، يأمره أن يؤمِنَّه ويخلّى سبيله وسبيل أصحابه ، فدعاه نصر ابن سيَّر، فأمره بتقوى الله وحذَّرَه الفتنة، وأمره أن يلحق بالوليد بن يزيد ، وأمر له بألفى درهم وبغلين ، فخرج هو وأصحابه حتى انتهى إلى سَرَخْس ، فأقام بها وعليها عبد اللّه بن قيس بن عُبَاد، فكتب إليه نصر بن سيّار أن ١٧٧١/٢ (١) ب: ((نزل)). (٢) ب: ((ما لى علم)). ٢٢٩ سنة ١٢٥ يشخصه عنها، وكتب إلى الحسن بن زيد التميمىّ(١) - وكان رأس بنى تميم، وكان على طُوس - أن انظر يحيى بن زيد، فإذا مرّ بكم فلا تَدَعه يقيم بطوس حتى يخرج منها ، وأمرهما إذا هو مرّ بهما ألّ يُفارقاه حتى يدفعاه إلى عمرو بن زرارة بأبْرَ شهر. فأشخصه عبد اللّه بن قيس من سسَرَخْس، ومرّ بالحسن بن زيد فأمره أن يمضى، ووكّل به سرحان بن فرُّوخ بن مجاهد بن بلعاء العنبرىّ أبا الفضل، وكان على مسلحة . ١٧٧٢/٢ قال : فدخلتُ عليه، فذكر نصر بن سيّار وما أعطاه؛ فإذا هو كالمستقلّ له ؛ فذكر أمير المؤمنين الوليد بن يزيد ، فأثنى عليه ، وذكر مجيئه بأصحابه معه، وأنه لم يأت بهم إلا مخافة أن يُسَمَّ أو يُغََّّ، وعرَّض بيوسف؛ وذكر أنه إياه يتخوَّف (٢)، وقد كان أراد أن يقع فيه ثم كفّ، فقلت له: قُل ما أحببت رحمك الله؛ فليس عليك منى عين؛ فقد أتى إليك ما يستحقّ أن تقول فيه. ثم قال: العجمَب من هذا الذى يقيم الأحراس أو أمر الأحراس، قال - وهو حينئذ يتفصّح: والله لو شئتُ أن أبعث إليه؛ فأوتَى به مربوطًا. قال : فقلتُ له : لا والله ما بك صنع هذا؛ ولكن هذا شيء يصنع فى هذا المكان أبداً ، لمكان بيت المال . قال : واعتذرتُ إليه من مسيرى معه ، وكنت أسير معه على رأس فرسخ ، فأقبلنا معه حتى وقعنا إلى عمرو بن زرارة، فأمر له بألف درِهِم ، ثم أشخصه حتى انتهى إلى بَيْهق ، وخاف اغتيال يوسف إياه ، فأقبل من بَيْهق - وهى أقصى أرض خراسان ، وأدناه من قُومِس - فأقبل فى سبعين رجلا إلى عمرو بن زرارة ، ومرّ به تجار ، فأخذ دوابتهم ، وقال : علينا أثمانها . فكتب عمرو بن زرارة إلى نصر بن سيار ، فكتب نصر إلى عبد الله بن قيس وإلى الحسن بن زيد أن يمضيا إلى عمرو بن زرارة ، فهو عليهم ، ثم ينصبوا ليحيى بن زيد فيقاتلوه . فجاءوا حتى انتهوا إلى عمرو بن زرارة ، واجتمعوا فكانوا عشرة آلاف ، وأتاهم يحيى بن زيد؛ وليس هو إلّ فى سبعين رجلاً ، فهزمهم وقتل عمرو بن زرارة ، وأصاب دوابّ كثيرة. وجاء يحيى بن زيد حتى مرّ بهَرَاة ، وعليها مغلّس بن زياد العامرىّ ، فلم ١٧٧٣/٢ (١) ا: ((الحريش بن يزيد التميمى)). (٢) أ: ((متخوف)). ٢٣٠ سنة ١٢٥ يعرض واحد منهما لصاحبه، فقطعها يحي بن زيد ، وسرّح نصر بن سيَّار سلم بن أحوز فى طلب يحيى بن زيد ، فأتى هَرّاة حين خرج منها يحيى بن زيد فأتبعه فلحقه بالجوزجان بقرية منها ، وعليها حماد بن عمرو السُّغدىّ . قال: ولحق بيحيى بن زيد رجل من بنى حنيفة يقال له أبو العجلان (١)، فقتل يومئذ معه، ولحق به الخسْحاس الأزدىّ فقطع نصر بعد ذلك يدَه ورجله . قال : فبعث سلم بن أحوز (٢) سورة بن محمد بن عزيز الكندىّ على ميمنته ، وحمّاد بن عمرو السغدىّ على ميسرته، فقاتله(٣) قتالاً شديداً، فذكروا أن رجلاً من عّنّزة يقال له عيسى ، مولى عيسى بن سليمان العَنَزَىّ رماه بُنشَّابة، فأصاب جبهته . ١٧٧٤/٢ قال : وقد كان محمد شهد ذلك اليوم ، فأمره سلم بتعبئة الناس، فتمارض عليه ، فعبّى الناس سوْرة بن محمد بن عزيز الكندىّ ، فاقتتلوا فقُتلوا من عند آخرهم . ومرّ سورة بيحبى بن زيد فأخذ رأسه، وأخذ العنزىّ سلّبه وقميصه، وغلبه سورة على رأسه . فلما قتل یحیی بن زيد وبلغ خبرُه الوليد بن يزيد ، كتب - فيما ذكر هشام عن موسى بن حبيب ؛ أنه حدثه ـ إلى يوسف بن عمر: إذا أتاك كتابى هذا ، فانظر عجل العراق فأحرقه ثم انسفه فى البمّ نسفاً . قال : فأمر يوسف خراش بن حوشب، فأنزله من جِذْعه وأحرقه بالنار ، ثم رضّه فجعله فى قَوْصرة، ثم جعله فى سفينة ، ثم ذرّاه فى الفرات . وكانت عمَّل الأمصار فى هذه السنة عمالها فى السنة التى قبلها ، وقد ذكرناهم قبل . (١) ا: ((ابن المجال)). (٣) ب: ((فقاتلا)). (٢) ابن الأثير: ((سالم بن أحوز)). ٢٣١ ثم دخلت سنة ست وعشرين ومائة ١٧٧٥/٢ ذكر الخبر عما كان فيها من الأحداث الجليلة # [ ذكر بقية أخبار يزيد بن الوليد بن عبد الملك ] فمن ذلك ما كان من قتل يزيد بن الوليد الذى يقال له الناقص الوليد ابن يزيد . * ذكر الخبر عن سبب قتله إياه وكيف قُتِل : قد ذكرنا بعض أمر الوليد بن يزيد وخلاعته ومجانته ، وما ذكر عنه من تهاونه واستخفافه بأمر دينه قبل خلافته ولما ولى الخلافة وأفضت إليه، لم يزدد فى(١) الذى كان فيه من اللهو واللذة والركوب للصيد(٢) وشرب النبيذ ومنادمة الفُسَّاقِ إلا تماديًا وحدًّا(٣) - تركت الأخبار الواردة عنه بذلك كراهة إطالة الكتاب بذكرها - فثقل ذلكَ من أمره على رعيته وجنده ، فكرهوا أمره . وكان من أعظم ما جنى على نفسه حتى أورثه ذلك هلاكه إفساده (٤) على نفسه بنى عمّه بنى هشام وولد الوليد ، ابنى عبد الملك بن مروان ، مع إفساده على نفسه اليمانية ، وهم عُظْم جند أهل الشأم . * ذكر بعض الخبر عن إفساده بنى عمّيه هشام والوليد: ١٧٧٦/٢ حدثنى أحمد بن زهير ، قال : حدثنا علىّ ، عن المنهال بن عبد الملك ، قال : كان الوليد صاحبَ لهو وصيد ولذَّات ؛ فلما ولى الأمر جعل يكره المواضع التى فيها الناس حتى قُتل ؛ ولم يزل ينتقل ويتصيد ، حتى ثقل على الناس وعلى جنده ، واشتدّ على بنى هشام ؛ فضرَب سليمان بن هشام مائة سوط وحلق رأسه ولحيته ، وغَرّبه إلى عَمّان فحبسه بها ؛ فلم يزل بها محبوسًا حتى (١) كدا فى اب، ف وفى ط: ((من)) . (٢) !: ((إلى الصيد)). (٣) كذا فى ا، ب، ف. والحد: منتهى الشىء، وفى ط: ((وجدّاً)). (٤) ح: ((فساده)). ٢٣٢ سنة ١٢٦ قتل الوليد . قال : وأخذ جارية كانت لآل الوليد ، فكلّمه عمر بن الوليد ، فيها فقال : لا أردّها ، فقال : إذن تكثر الصّواهل حول عسكرك . قال : وحبس الأفقم يزيدَ بن هشام ، وأراد البيعة لابنيْه الحكتم وعثمان فشاور سعيد بن بَيْهس بن صُهيب ، فقال : لا تفعل ؛ فإنهما غلامان لم يحتلما ؛ ولكن بايع لعتيق بن عبد العزيز بن الوليد بن عبد الملك ، فغضب وحبسه حتى مات فى الحبس . وأراد خالد بن عبد الله على البَيْعة لابنيه فأبى، فقال له قوم من أنله : أرادك أمير المؤمنين على البَيْعة لابنيه فأبيتَ ، فقال : ويحكم! كيف أبايع مَنْ لا أصلّى خلفه ، ولا أقبل شهادته! قالوا: فالوليد ١٧٧٧/٢ تقبل شهادته مع مجونه وفسقه! قال: أمْر الوليد أمر غائب عنى ولا أعلمه(١) يقيناً؛ إنما هى أخبار الناس ؛ فغضب الوليد على خالد . ١ قال : وقال عمرو بن سعيد الثقفىّ: أوفدنى يوسف بن عمر إلى الوليد فاما قدمتُ قال لى : كيف رأيتَ الفاسقَ؟ يعنى بالفاسق الوليد - ثم قال : إياك أن يسمع هذا منك أحدٌ ، فقلت : حبيبة بنت عبد الرحمن بن جُبير طلق إن سمعتْه أذنى ما دمتَ حيًّاً ؛ فضحك . قال : فثقل الوليدُ على الناس ، ورماه بنو هشام وبنو الوليد بالكُفْر وغشيان أمّهات أولاد أبيه ، وقالوا : قد اتخذ مائة جامعة ؛ وكتب على كلّ جامعة اسمَ رجل من بنى أمية ليقتلَه بها . ورموْه بالزّندقة ؛ وكان أشدّهم فيه قولاً یزید بن الوليد بن عبد الملك ، وكان الناسُ إلى قوله أميل؛ لأنه كان يُظهر النسك ويتواضع ، ويقول: ما يسعنا الرضا بالوليد ؛ حتى حمل الناس على الفَتْك به. # حدثنى أحمد بن زهير، قال : حدّثنا علىّ ، عن يزيد بن مصَاد الكلبىّ، عن عمرو بن شراحيل، قال: سيّرنا هشام بن عبد الملك إلى دَهْلك؛ فلم نزل بها حتى مات هشام ، واستُخلف الوليد ، فكُلِّم فينا فأبى، وقال : والله ما عمل هشام عملا أرْجَى له عندى أن تناله المغفرة به من قَتْله القدَريّة (٢) وتسييره إياهم . وكان الوالى علينا الحجاج بن بشر بن فيروز الديلمىّ، وكان (٢) ب: ((الغدرة)). (١) ح: (( لا أعلمه )) ، بدون واو. سنة ١٢٦ ٢٣٣ ١٧٧٨/٢ يقول : لا يعيش الوليد إلا ثمانية عشر شهراً حتى يقتل ؛ ویکون قتلُه سبب هلاك أهل بيته . قال: فأجمع على قتل(١) الوليد جماعة من قُضاعة واليمانية من أهل دمشق خاصّة ، فأتى حُرَيث وشبيب بن أبى مالك الغسانىّ ومنصور بن جُمْهُور و يعقوب بن عبد الرحمن وحِبال بن عمرو؛ ابن عم منصور، وحميد بن نصر اللخمىّ والأصبغ بن ذؤالة وطُفيل بن حارثة والسَّرىّ بن زياد بن عِلاقَة، خالد بن عبد الله، فدعوه إلى أمرهم فلم يجبهم ، فسألوه أن يكتم عليهم، فقال : لا أُسمّى أحداً منكم . وأراد الوليد الحجّ، فخاف خالد أن يفتِكُوا به فى الطريق ، فأتاه فقال: يا أميرَ المؤمنين، أخّرِ الحجّ العام، فقال : ولم ؟ فلم يخبره ، فأمر بحبسه وأن يُستأدى ما عليه من أموال العراق. وقال علىّ عن الحكم بن النعمان ، قال : أجمع الوليد على عزل يُوسف واستعمال عبد الملك بن محمد بن الحجّاج، فكتب إلى يوسف : إنك كتبت إلى أمير المؤمنين تذكر تخريبَ ابن النصرانيَّة البلاد ، وقد كنتَ على ما ذكرت من ذلك تحمل إلى هشام ما تحمل ، وقد ينبغى أن تكون قد عَمَرت (٢) البلاد حتى رددتَها إلى ما كانت عليه ؛ فاشخص إلى أمير المؤمنين ، فصدّق ظنَّه بك فيما تحمل إليه لعمارتك البلاد ، وليعرف أمير المؤمنين فضلتك على غيرك؛ لما جعل الله بينك وبين أمير المؤمنين من القرابة؛ فإنك خالُه، وأحقّ الناس بالتوفير عليه ، ولما قد علمتَ ممّا أمر به أمير المؤمنين لأهل الشأم وغيرهم من الزّيادة فى أعطياتهم ، وما وصل به أهلَ بيته لطول جَمْوة هشام إياهم ، حتى أضرّ ذلك ببيوت الأموال . قال : فخرج يوسف واستخلف ابنَ عمّ يوسف بن محمد ، وحمل من الأموال والأمتعة والآنية ما لم يحملْ من العراق مثله . فقدم - وخالد بن عبد الله محبوس - فلقيه حَسَان النَّبَطىّ ليلاً ، فأخبره أنّ الوليد عازم على تولية عبد الملك بن محمد ابن الحجاج ، وأنه لا بدّ ليوسف فيها من إصلاح أمر وزرائه ، فقال : ليس عندى فضل درهم ، قال : فعندى خمسائة ألف درهم ، فإن شئتَ فهى ١٧٧٩/٢ (١) ح، ف: ((قتال)). (٢) فى: ((غمرت)). ٢٣٤ سنة ١٢٦ لك ، وإن شئت فارددْها إذا تيسرت . قال : فأنت أعرفُ بالقوم ومنازلهم من الخليفة منى، ففرّقْها على قدر عِلْمِك فيهم؛ ففعل . وقدم يوسف والقوم يعظّمونه، فقال له حسان : لا تتَغْدُ على الوليد؛ ولكن رُحْ إليه رواحاً ؛ واكتب على لسان خليفتك كتابًا إليك: إنّى كتبت إليك ولا أملك إلا القَصْر. وادخل على الوليد والكتابُ معك متحازِناً (١)، فأقْرئه الكتاب، ومُرْ أبان ١٧٨٠/٢ ابن عبد الرحمن النميرىّ يشترى خالداً منه بأربعين ألف ألف. ففعل يوسف، فقال له الوليد : ارجع إلى عملك ، فقال له أبان : ادفع إلىّ خالداً وأدفع إليك أربعين ألف ألف درهم ، قال : ومن يضمن عنك ؟ قال : يوسف ، قال : أتضمن عنه؟ قال: بل ادفعه إلىّ، فأنا أستأديه خمسين ألف ألف ، فدفعه إليه ، فحمله فى محمل بغير وطاء . قال محمد بن محمد بن القاسم : فرحمتُه ، فجمعت ألطافًا كانت معناً من أخبصة يابسة وغيرها فى منديل ، وأنا على ناقة فارهة ، فتغَفّلتُ يوسفَ ، فأسرعتُ ودنوتُ من خالد ، ورميتُ بالمنديل فى محمله ، فقال لى : هذا من متاع عُمان - يعنى أن أخى الفَيْض كان على مُمَّان ، فبعث إلىّ بمال جسيم .- فقلت فى نفسى : هذا على هذه الحالة وهو لا يدع هذا ! فقطن يوسف بى فقال لى : ما قلتَ لابن النصرانيَّة ؟ فقلت: عرضتُ عليه الحاجة ، قال : أحسنتَ ، هو أسير ؛ ولو فطن بما ألقيتُ إليه للقينى منه أذَّى . وقدم الكوفة فقتله فى العذاب ؛ فقال الوليد بن يزيد - فيما زعم الهيثم بن عدىّ - شعراً يُوبّخ به أهل اليمن فى تركهم نُصرة خالد بن عبد الله. وأما أحمد بن زهير ، فإنه حدّثه عن علىّ بن محمد؛ عن محمد بن سعيد ١٧٨١/٢ العامرىّ، عامر كلب، أنّ هذا الشعر قاله بعض شعراء اليمن على لسان الوليد يحرّض عليه اليمانية : وحَبْلاً كان مُتَّصِلاً فزالا أَلمْ تهتجْ فتَذّكرَ الوصالِآَ(٢) كماءِ المُزْن يَنْسَجِلُ انسجالا بَلَى فالدَّمْعُ منك له سِجَامٌ (٢) ط: ((فتذكر)). (٣) (١) كذا فى ا، وفى ط: (مختوماً متحازناً)) . سنة ١٢٦ ٢٣٥ فنحن الأَكْثُرونَ حصّى ومالا فَدَعْ عنكَ ادِّكَارَك آلَ سُعْدَى نَسُومُهُمُ المَذَلّةَ والنكالا ونحن المالكون الناس قسْرًا وَطِئْنا الأَشعرينَ بِعِزّ قِيسٍ وهذا خالِدٌ فينا أَسِيرًا(١) عَظِيمُهُمُ وسيَدُهُمْ قَدِيماً فلو كانت قبائلَ ذاتَ عزِّ ولا ترَكوهُ مسلوباً أَسيرًا ولا برحَتْ خُيولهمُ الرّحَالا وكِنْدَةُ والسّكون فما استقالوا(٣) وهَدَّمنا السُّهُولةَ والجبالا بِها سُمْنَا البَريَّةِ كُلَّ خَسْفٍ ١٧٨٢/٢ وَرَدَّتْهُمْ شِلالا وجَذَّتُهُمْ ولكنّ الوقائع ضَعْضَعَتِهِمْ نُسُومُهُمُ المذلَّةَ والسِّفالا لمُلكِ الناس ما يَبغى انتِقالا فما زالوا لنا أَبَدًا عَبيدًا (٤) فَأَصبحتُ الغداة علىَّ تاجٌ فقال عمران بن هلباء الكلبيّ يجيبه : قِفِى صِدْرَ المَطِيَّةِ يا حلالا أَلمْ يخْزُنْكِ أَنَّ ذوِى يَمانٍ جَعلنا للقبائِلِ مِنْ نزارٍ بنا مَلِكَ المُملّكُ من قريش متى تلقَ السَّكُون وتلق كلبًا كذاكَ المرءُ ما لم يُلفَ عَدْلاً وجذَى حَبْلَ مَنْ قطعَ الوصالا يُرَى مَنْ حاذَ قَيْلهم جُلالا غَدَاة المَرْجِ أَياماً طِوالا وَأَوْدَى جَدّ مَنْ أَرَدَى فَزالا بِعَبْسٍ تَخْشَ مِنْ ملكِ زوالا يكونُ عليه منطِقُهُ وَبَالا (١) ابن الأثير: ((أسير)). (٣) !: ((فما استفاقوا))، وابن الأثير: ((فما استقاموا)). (٤) ابن الأثير: ((بلداً عبيداً)). (٢) وكذلك فى ابن الأثير . فيالك وطأةٌ لن تُستَقالا! أَلَا منعوه إِنْ كانوا رجالا ! جعلنا المُخْزِياتِ له ظلالا لَمَا ذهَبَتْ صَنائِعُهُ ضَلالا يُسامِرُ من سَلاسِلِنا الثقالا - ورواه المدائنىّ: ((يعالج من سلاسلنا (٢))) - ٢٣٦ ١٧٨٣/٢ سنة ١٢٦ سُيُوفَ الهندِ والأَسَلَ النهالا(١) أَعِدُّوا آلَ حِمْرَ إِذْ دُعِيْتُمْ وذا فَوْدَينِ والقُبَّ الجبالا (٢) وكلَّ مُقَلَّصٍ نَهدِ القُصَيْرَى عليه الطيرُ قد مَذِلَ السؤالا يَذَرْنَ بكلِّ مُعْتَرَكِ قتيلا لقد قلتمْ وجَدِّكُمُ مَقالا لِئْن عَيَرْ تمونا ما فعلنا فما وُطِئُوا ولا لاقَوْا نكالا وقائِعَهُمْ وما صُلْتُمْ مَصالا ولخمٌ یقتُلونهُمُ شلالا وقد أَخطا مُسَاعِدُكُمْ وفالا صَوارِمَ نَسْتَجِدُّ لها الصقالا ولا تَذْهَبْ صَنائِعُهُ ضَلالا إِذا حَضَرُوا وكنتَ لهم هُزالا ! ويُثِرِى حَيّهِمْ نَشَباً ومالا بساحةِ قومِهِ كانوا نَكالا عوابسَ لا يُزايِلنَ الحِلالا الإخوانُ الأَشْاعِثِ قَتَّلُوهُمْ وأَبناءُ المهَلَبِ نحنُ صُلنا وقد كانَتْ جُدَامُ على أَخیھمْ هربنا أَن نُساعِدَكُمْ عليهِمْ فإِن عُدْتُمْ فإِنَّ لنا سُيوفاً سَنَبَكِى خَالِدًا بِمُهِنَّدَاتٍ أَلمْ يَكُ خالِدٌ غَيْثَ اليتامى يُكفِّنُ خالدٌ مَوْتِى نِزار لو أنَّ الجائِرِينَ عليه كانوا ستَلقَى إِن بَقِيتَ مُسَوّماتٍ فحدّثنى أحمد بن زهير، عن علىّ بن محمد ، قال : فازداد الناس على الوليد حَّقًا لمّا روى هذا الشعر، فقال ابن بيض: زعمْتَ سَاءُ الضرِّ عنا سَتُقِلَعُ وَصَلِتَ سَمَاءَ الضُّرِّ بالضّرِّ بعد ما وكنّا كما كنَّا نُرَجِّى ونَطمَعُ (٣) فليت هشاماً كان حيًّا يَسُوسُنا (٢) كذا فى ا، وفى ط: ((الحبالا)). (١) ا: ((الطوالا)). (٣) ابن الأثير: ((وقال أيضاً : يا وَلِيدَ الخَنَى تَرَكتَ الطَّريقًا وتماديْت واعتديتَ وأَسرف أبدًا هاتِ ثمّ هاتٍ وهاتى أَنتَ سَكرَانُ ما تفيقُ فما تَرْ واضحاً وارتكبتَ فجًّا عميقاً ـتَ وَأَغويْتَ وانبعثْتَ فسوقَا ثمّ هاتِى حَتَّى تَخرّ صَعِيفًا تق فتقاً وقَدْ فتقْتَ فِتُوقَا ٢٣٧ سنة ١٢٦ وكان هشام استعمل الوليد بن القعقاع على قِنَّسرين وعبد الملك بن القعقاع على حِمْص ، فضرب الوليد بن القعقاع ابنَ هبيرة مائة سوط ؛ فلما قام الوليد هرب بنو القعقاع منه ، فعادوا بقبْر يزيد بن عبد الملك ؛ فبعث إليهم ، فدفعهم إلى يزيد بن عمر بن هبيرة - وكان على قنَّسرين - فعذّبهم ، فمات فى العذاب الوليد بن القعقاع وعبد الملك بن القعقاع ورجلان معهما من آل القعقاع، واضطغن على الوليد آل الوليد وآل هشام وآل القعقاع واليمانية بما صنع بخالد بن عبد الله. فأتت اليمانية يزيدَ بن الوليد، فأرادوه على البَيْعة، فشاور عمرو بن يزيد الحكمىّ، فقال : لا يبايعك الناس على هذا ، وشاور أخاك العباس بن الوليد ؛ فإنه سيّد بنى مروان؛ فإنْ بايعك لم يخالفْك أحد ، وإن أبى كان الناسُ له أطَوَع، فإن أبيتَ إلّ المضىّ على رأيك فأظهرْ أنّ العباس قد بايعك . وكانت الشأم تلك الأيام وبيّة ، فخرجوا إلى البوادى ؛ وكان يزيد بن الوليد متبدّيًا ، وكان العباس بالقَسْطل بينهما أميال يسيرة . ١٧٨٤/٢ فحدّثنى أحمد بن زهير، قال: حدّثْنى علىّ ، قال : أنى يزيد أخاه العباس ، فأخبره وشاوره ، وعاب الوليد ، فقال له العبّاس: مهلاً يا يزيد ؛ فإنّ فى نقض عهد الله فساد الدين والدنيا. فرجع يزيد إلى منزله، ودبّ فى الناس فبايعوه سرًّاً، ودسّ الأحنفَ الكلبىّ ويزيدَ بن عنبسة السكسكىَّ وقومًا من ثِقاته من وجوه الناس وأشرافهم ؛ فدعوا الناس سرًّا ، ثم عاود أخاه العباس ومعه قطن مولاهم، فشاوره فى ذلك ، وأخبره أنّ قومًا يأتونه يريدونه على البَيْعة، فزَبَرَه العباس ، وقال : إن عدّت لمثل هذا لأشدَّنَّكَ وثاقاً ، ولأحملنّك إلى أمير المؤمنين ! فخرج يزيد وقَطَن ، فأرسل العباس إلى قَطَن، فقال: ويحك يا قطن! أترى يزيد جادًّا! قال : جُعلتُ فداك! ما أظنّ ذاك؛ ولكنه قد دخله مما صنع الوليد بنى هشام وبنى الوليد وما يسمع مع الناس من الاستخفاف بالدين وتهاونه ما قد ضاق به ذرعًا. قال : أما والله إنى لأظنّه أشأم سَخْلة فى بنى مروان ؛ ولولا ما أخاف من عَجَلة الوليد مع تحامُله علينا لشددتُ يزيد وثاقًا ، وحملته إليه ؛ فازجُرْه عن أمره ؛ فإنه يسمع إليك . فقال يزيد لقَطَن: ما قال لك العباس حين رآك؟ فأخبره ، فقال له : والله لا أكفّ . ١٧٨٥/٢ ٢٣٨ سنة ١٢٦ وبلغ معاوية بن عمرو بن عتبة خوضُ الناس؛ فأتى الوليد" فقال : يا أمير المؤمنين، إنك تبسط لسانى بالأنس بك، وأكفُّه بالهيبة لك، وأنا أسمع ما لا تسمع وأخاف عليك ما أراك تأمن ، أفأتكلم ناصحًا ، أو أسكت مطيعًا ؟ قال : كلّ مقبول منك؛ ولله فينا علم غَيْب نحن صائرون إليه ؛ ولو علم بنو مرْوان أنهم إنما يوقدون على رَضْف (١) يلقونه فى أجوافهم مافعلوا، ونتَعود ونسمع منك. وبلغ مَرْوانَ بن محمد بأرمينيّة أنّ يزيد يؤلّب الناس، ويدعو إلى خَلْج الوليد ؛ فكتب إلى سعيد بن عبد الملك بن مروان يأمره أن ينهى الناس ويكفّهم ١٧٨٦/٢ - وكان سعيد يتألَّه: إنّ اللّه جعل لكل أهل بيت أركانًا يعتمدون عليها، ويتّقُوُن بها المخاوف ، وأنت بحمد ربّك ركْنٌّ من أركان أهل بيتك ؛ وقد بلغنى أنّ قومًا من سفهاء أهل بيتك قد استنوا أمراً-إن تمَّت لهم رَوِيّتُهم فيه على ما أجمعوا عليه من نقضٍ بيعتهم - استفتحوا بابًا لن يغلَِقه الله عنهم حتى تُسفك دماء كثيرة منهم ؛ وأنا مشتغل بأعظم ثغور المسلمين فُرَجًا ، ولو جَمَعَتَشِى وإياهم لرممْتُ فسادَ أمرهم بيدى ولسانى، ولخفت اللّه فى ترك ذلك ؛ لعلمى ما فى عواقب الفُرْقة من فساد الدين والدنيا ؛ وأنه لن ينتقل سلطان قوم قطُّ إلا بتشتيت كلمتهم ؛ وإنّ كلمتهم إذا تشبّتت طمع فيهم عدُّوهم . وأنت أقربُ إليهم منّى، فاحتل لعلم ذلك وإظهار المتابعة لهم ؛ فإذا صرت إنى علم ذلك فتهدَّدْهم بإظهار أسرارهم، وخُذْهم بلسانك ، وخوفهم العواقب ؛ لعلّ اللّه أن يردَّ إليهم ما قد عزب عنهم من دينهم وعقولهم ؛ فإنّ فيما سعَوْا فيه تغيّر النّعم وذهاب الدّولة، فعاجل الأمر وحَبْل الألفة مشدودٌ ، والناس سكون، والثّغور محفوظة؛ فإنّ للجماعة دَوْلة من الفُرْقة وللسَّعة دافعًا من الفقر، وللعدد منتقصًا، ودُوَل الليالى مختلفة على أهل الدنيا، والتقلّب مع الزيادة والنقصان ؛ وقد امتدّت بنا - أهل البيت - متابعات من النعم ، قد يعيبها (٢) جميع الأمم وأعداء النعم وأهل الحسد لأهلها ؛ وبحسد إبليس خرج آدم من الجنة . وقد أمّل القومُ فى الفتنة أملا؛ لعلَّ أنفسهم تهلك دون ما أمّلوا ، ولكلّ أهل بيت مشائيم يُغيّر الله النعمة بهم- ١٧٨٧/٢ (١) الرضف : الحجارة المحماة . (٢) كذا فى ا، وفى ط: ((يعنى بها)). ٢٣٩ سبنة ١٢٦ فأعاذك الله من ذلك - فاجعلنى من أمرهم على علم. حفظَ اللّه لك دينك، وأخرجَك مما أدخلك فيه ، وغلب لك نفسك على رشدك . فأعظم سعيد ذلك ، وبعث بكتابه إلى العباس ، فدعا العباس يزيدَ فعذّله وتهدَّده ، فحذّره يزيد، وقال: يا أخى، أخاف أن يكون بعض مَنْ حسدنا هذه النعمة من عَدُوّنا أراد أن يُغْرِىَبيننا؛ وحَلَفَ له أنه لم يفعل. فصدقه. حدّثنى أحمد ، قال: حدثنا علىّ ، قال : قال ابن بشر بن الوليد بن عبد الملك : دخل (١) أبى بشرُ بن الوليد على عَمّى العباس، فكلّمه فى خلع الوليد وبيعة يزيد ، فكان العباس ينهاه ، وأبى يرادّه ، فكنت أفرح وأقول فى نفسى: أرى أبى يجترئ أن يكلم عمى ويردّ عليه قوله! وكنت أرى أنّ الصواب فيما يقول أبى، وكان الصّواب فيما يقول عمّى ، فقال العباس: يا بنى مروان ؛ إنى أظنّ اللّه قد أذن فى هلاككم (٢)؛ وتمثّل قائلا(٣): مثلِ الجبالِ تَسامى ثم تندَفعُ إِنِى أَعِيذُكُمُ بِاللهِ مِنْ فِتْنٍ فاسْتَمْسِكُوا بِعَمُودِ الدينِ وارتَدعُوا إِنَّ البرِيَّةَ قد مَلَّتْ سِیاسَتَكُمْ إِنَّ الذئابَ إِذا ما أُلحِمتْ رَتَعُوا لا تلحِمُنَّ ذِئابَ الناسِ أَنفُسَكُم(٤) ١٧٨٨/٢ فَثَمّ لا حَسَرَةٌ تَغْنى ولا جَزَعُ لا تَبْقَرُنَّ بأَيديكم بُطونَكمُ قال : فلما اجتمع ليزيد أمره وهو متبدّ ، أقبل إلى دمشق وبينه وبين دمشق أربع ليال ، متنكراً فى سبعة نفر على حمير (٥)، فنزلوا بجَرود على مرحلة من دمشق، فرمى يزيد بنفسه فنام. وقال القوم لمولًى لعباد بن زياد: أما عندك طعام فنشتريه؟ قال : أما لبيعٍ فلا، ولكن عندى قراكم وما يسعكم (٦). فأتاهم بدَجاج وفراخ وعسل وسمن وشوانيز (٧) ، فطعِموا . ثم سار فدخل (١) الخبر فى الأغانى ٧ : ٧٥ - ٧٧؛ بروايته عن أحمد بن الحارث عن المدائنى، عن جويرية بن أسماء . وبروايته أيضاً عن ابن أبى الأزهر عن حماد عن أبيه عن جويرية بن أسماء ؛ عن ابن (٢) ب: ((إهلاككم)). بشر بن الوليد بن عبد الملك . (٣) ب: ((وقال هذا الشعر))، ف: ((وقال))، ابن الأثير، ((ثم تمثل))؛ الأغانى: (٤) ألحمت القوم : أطعمهم اللحم . (( ثم قال العباس)). (٥) ا: ((على جمال))، وفى الأغانى: ((على حمر)). (٦) الأغانى: ((من قراكم ما يشبعكم)). (٧) الشوافيز: التوابل، وفى ط: ((شوازير)) وأثبت ما فى الأغانى. ٢٤٠ سنة ١٢٦ دمشق ليلا ، وقد بايع ليزيد أكثرُ أهل دمشق سرًّا، وبايع أهل المِزّة غير ١٧٨٩/٢ معاوية بن مصاد الكلىّ - وهو سيد أهل المِزّة - فمضى يزيد من ليلته إلى منزل معاوية بن مَصاد ماشيًا فى نُفير من أصحابه - وبين دمشق وبين المِزّة ميل أو أكثر - فأصابهم مطر شديد ، فأتوا منزل معاوية بن مصاد ، فضربوا بابه، ففتح لهم، فدخلوا (١)، فقال ليزيد: الفراش أصلحك الله! قال: إن فى رجلى طينًا ، وأكره أن أفسد بساطك، فقال : الذى تريدنا عليه أفسدُ . فكلّمه يزيد فبايعه معاوية - ويقال هشام بن مصاد - ورجع يزيد إلى دمشق ؛ فأخذ طريق القناة ، وهو على حمار أسود ؛ فنزل دار ثابت بن سليمان (٢) بن سعد الحُشِىّ، وخرج الوليد بن رَوْح ، وحلف لا يدخل دمشق إلاّ فى السلاح ، فلبس سلاحه ، وَكَفَّر عليه الثياب، وأخذ طريق النّيْرَب ـ- وهو على فرس أبلق - حتى وافى يزيد ، وعلى دمشق عبد الملك بن محمد بن الحجاج بن يوسف فخاف الوباء ، فخرج فنزل قَطَنًا ، واستخلف ابنه على دمشق، وعلى شُرْطته أبو العاج كثير بن عبد الله السُّلَمىّ، فأجمع يزيد على الظهور، فقيل للعامل (٣): إنّ يزيد خارج، فلم يصدّق . وأرسل يزيد إلى أصحابه بين المغرب والعشاء ١٧٩٠/٢ ليلة الجمعة سنة ست (٤) وعشرين ومائة، فكمنوا عند باب الفراديس حتى أذّنوا العتّمة (٥)، فدخلوا المسجد، فصَلَّوْا - وللمسجد حَرَسٌ قد وُكَلُوا بإخراج الناس من المسجد بالليل- فلما صلّ الناس صاح بهم الخرس ، وتباطأ أصحاب يزيد ، فجعلوا يخرجون من باب المقصورة ويدخلون من باب آخر حتى لم يبق فى المسجد غيرُ الحرس وأصحاب یزید ، فأخذوا الخرس، ومضى يزيد بن عَنْبَسَة إلى يزيد بن الوليد، فأعلمه وأخذ بيده ، وقال : قم يا أمير المؤمنين وأبشر بنصر الله وعَوْنه، فقام وقال: اللهمّ إن كان هذا لك رضًا فأعنِّى عليه وسدّدْنى له ؛ وإن كان غير ذلك فاصرفه عنّى بموتٍ . وأقبل فى اثنى عشر رجلاً، فلمّا كان عند سوق الحُمُر لقوا أربعين رجلا من أصحابهم ، فلمّا كانوا عند سوق القمح لقيهم زُهاء مائتى رجل من (١) كذا فى اوهو الصواب، وفى ط: ((فدخل)). (٢) الأغانى: ((ثابت بن سليمان الحسنى)). (٣) الأغانى: ((لعامل دمشق)). (٥) ابن الأثير: ((أذن العشاء)). (٤) الأغانى: ((سنة سبع وعشرين ومائة)).