النص المفهرس

صفحات 201-220

٢٠١
سنة ١٢٥
مسترخٍ عليه ثيابه ، وقد أرخى عنان دابّته ، فسار ساعةٌ ثم انتبه، فجمع ثيابه
وأخذ بعنان دابته ، وقال للرّبيع : ادعُ الأبرش ، فدُعِىَ فسار بينى وبين
الأبرش، فقال له الأبرش : يا أميرَ المؤمنين ؛ لقد رأيتُ منك شيئًا غمنى ،
قال: وما (١ هو؟ قال: رأيتك قد خرجت على حال غمتى ١)، قال: ويحث
يا أبرش! وكيف لا أغتمّ وقد زعم أهل العلم أنى ميت إلى ثلاثة وثلاثين يوماً!
قال سالم: فرجعت إلى منزلى، فكتبت فى قرطاس: ((زعم أمير المؤمنين يوم كذا
وكذا أنه يسافر إلى ثلاثة وثلاثين يومًا)). فلمّا كان فى الليلة التى استكمل فيها
ثلاثة وثلاثين يوماً إذا خادم يدق الباب يقول: أجِبْ أميرَ المؤمنين، واحميل
معلك دواء الذُّبَحة - وقد كان أخذه مرّة فتعالج فأفاق- فخرجتُ ومعى الدواء
فتغرغَر به ، فازداد الوجعُ شِدّة ، ثم سكن فقال لى : يا سالم ، قد
سكن بعض ماكنت (٢) أجد؛ فانصرف إلى أهلك ، وخلّف الدواء عندى.
فانصرفت ، فما كان إلا ساعة حتى سمعت الصُّراخ عليه ، فقالوا : مات
أمير المؤمنين! فلما مات أغلق الخزّان الأبواب، فطلبوا قمقمًا يسخّن فيه الماء
لغسله ، فما وجدوه حتى استعاروا قُمقماً من بعض الجيران ، فقال بعض من
حضر ذلك: إن فى هذا لمعتبراً لمن اعتبر. وكانت وفاته بالذُّبَحة، فلما مات
صلى عليه ابنه مَسْلمَة بن هشام .
١٧٣٠/٢
ذكر بعض سير هشام
حدثنى أحمد بن زهير، قال : حدّثنى علىّ بن محمد ، عن وَسْنان
الأعرجىّ، قال: حدّثنى ابن أبى نُحيلة، عن عقَّال بن شَبَّة، قال :
دخلتُ على هشام ، وعليه قباء فنَك(٣) أخضر، فوجهنى إلى خُراسان،
وجعل يوصينى وأنا أنظر إلى القباء ، ففطن ، فقال : ما لك؟ قلت : رأيت
عليك قبل أن تلى الخلافة قباء فذلك أخضر، فجعلت أتأمّل هذا ، أهو
ذاك أم غيره؟ فقال: هو والله الذى لا إله إلا، هو ذاك، ما لى قَبَاء غيره.
وأما ما ترْون من جمعى هذا المال وصونه فإنه لكم . قال : وكان عقَّال مع
(١-١) ساقط من ا، ب.
(٢) ح: ((بعض الذى)).
١٧٣١/٢
(٣) الفنك: دابة فروتها أطيب أنواع الفراء.

٢٠٢
سنة ١٢٥
هشام . فأما شبّة أبو عَقّال؛ فكان مع عبد الملك بن مروان، وكان عقّال
يقول: دخلت على هشام، فدخلت على رجل محشوّ عَقْلاً".
حدّثنى أحمد بن زهير ، قال: حدثنى علىّ، قال : قال مروان بن
شجاع ؛ مولى لمروان بن الحكم : كنت مع محمد بن هشام بن عبد الملك ،
فأرسل إلىّ يومًا، فدخلتُ عليه، وقد غضِب وهو يتلهَّف، فقلتُ : ما لك؟
فقال : رجل نصرانىٌّ شجَّ غلامى - وجعل يشتِمه - فقلت له: على رِسْلك!
قال : فما أصنع ؟ قلت : ترفعه إلى القاضى ، قال: وما غير هذا! قلت :
لا ، قال خصىّ له : أنا أكفيك، فذهب فضربه. وبلغ هشاماً فطلب
الخصىّ، فعاذ بمحمد، فقال محمد بن هشام: لم آمرك ، وقال الخصىّ:
بلى والله لقد أمرتَّى، فضرب هشام الخصىّ وشتم ابنَه.
وحدثنى أحمد ، قال علىّ: لم يكن أحدٌ يسير فى أيام هشام فى موكب
إلّا مسلمة بن عبد الملك. قال : ورأى هشام يومًا سالمًا فى موكب ، فزجره
وقال: لأعلمنّ متى سرتَ فى موكب . وكان يقدم الرجل الغريب فيسير
معه ، فيقف سالم ، ويقول : حاجتك، ويمنعه أن يسير معه ، وكان سالم
كأنه هو أمر هشامًا .
قال : ولم يكن أحدٌ من بنى مَرْوان يأخذ العطاء إلا عليه الغزو؛
فمنهم مَنْ يغزو ، ومنهم من يُخرج بدلا .
١٧٣٢/٢
قال: وكان لهشام بن عبد الملك مولى يقال له يعقوب، فكان يأخذ عطاء
هشام مائتى دينار وديناراً، يفضّل بدينار ، فيأخذها يعقوب ويغزو. وكانوا
يصيّرون أنفسَهم فى أعوان الديوان، وفى بعض ما يجوّز لهم المقام (١) به ،
ويوضع به الغَزْو عنهم . وكان داود وعيسى ابنا علىّ بن عبد الله بن عباس
- وهما لأمّ- فى أعوان السّوق(٢) بالعراق لخالد بن عبد اللّه، فأقاما عنده،
فوصلهما، ولولا ذلك لم يستطع أن يحبسهما، فصيّرهما(٣) فى الأعوان، فسمرا،
و كانا يسامرانه ويحدّثانه .
(١) ف: ((القيام)).
(٣) ب: ((فيصيرهما)).
(٢) كذا فى أ، ب، وفى ط: ((الشرق)).

سنة ١٢٥
٢٠٣
قال: فولَى (١) هشام بعض مواليه ضيعةً له، فعمَّرها فجاءت بغلة
عظيمة كبيرة(٢) ثم عمَّرها أيضًا ، فأضعفت الغلّة ، وبعث بها مع ابنه ،
فقدم بها على هشام ، فأخبره خبر (٣) الضَّيْعة فجزاه خيراً، فرأى منه انبساطًا،
فقال: يا أميرَ المؤمنين، إن لى حاجة، قال: وما هى (٤)؟ قال: زيادة عشرة
دنانير فى العطاء ، فقال : ما يخيّل إلى أحدكم أن عشرة دنانير فى العطاء إلا
بقدر الجوْز! لا لعمرى لا أفعل .
حدّثنى أحمد ، قال : حدّثنا علىّ، قال : قال جعفر بن سليمان :
قال لى عبد الله بن علىّ: جمعتُ دواوين بنى مروان، فلم أرَ ديوانًا أصحٌ
ولا أصلح للعامة والسلطان من ديوان(٥) هشام .
حدثنا أحمد ، قال : قال علىّ: قال غسان بن عبد الحميد: لم يكن
أحدٌ من بنى مَرْوان أشدّ نظراً (٦) فى أمر أصحابى ودواوينه، ولا أشدّ
مبالغة فى الفَحْص عنهم من هشام .
١٧٣٣/٢
حدّثنى أحمد، قال : حدثنا علىّ، قال: قال حماد الأبحّ : قال هشام
الغيْلان: ويحك ياغيلان! قد أكثر الناس فيك، فنازعْنا بأمرك، فإن كان حقًّا
اتّبعناك ، وإن كان باطلانزعتَ عنه ، قال : نعم ، فدعا هشام ميمون بن
مهران ليكلِّمه، فقال له ميمون : سلْ؛ فإنّ أقوى ما تكونون إذا سألتم ،
قال له : أشاء الله أن يُعْصَى؟ فقال له ميمون: أفعُصى كارهًا! فسكت ،
فقال هشام: أجبه فلم يجبه، فقال له هشام : لا أقالنى الله إن أقلتُه؛ وأمر
بقطع يديه ورجليه .
حدثنى أحمد ، قال : حدّثنا علىّ عن رجل من غسّىّ ، عن بِشْر
مولى هشام ، قال : أتِىَ هشامٌ برجل عنده قِيان وخَمْر وبَرْبَط، فقال:
اكسروا الطنبور (٧) على رأسه وضربه، فبكى الشيخ . قال بِشر : فقلت له
(١) ح: ((وولى)).
(٢) ح، ف: ((كثيرة)).
(٣) ح، ف: ((وأخبره عن الضيعة)). (٤) ا، ح، ف: ((ما هى))، بدون وأو.
(٥) ح: ((دواوين)).
(٦) ط: ((حصراً))، وما أثبته من أ، ح.
(٧) الطنبور : من آلات الطرب؛ ذو عنق طويل وستة أوتار، والبربط : العود.

٢٠٤
١٧٣٤/٢
٠
سنة ١٢٥
- وأنا أعزّيه : عليك بالصبر ، فقال: أترانى أبكى للضّرب! إنما أبكى
لاحتقاره للبَرْبَط إذ سماه طنبوراً !
قال : وأغلظ رجل لهشام ، فقال له هشام : ليس لك أن تُغلظ لإمامك!
قال : وتفقّد هشام بعض ولده - ولم يحضر الجمعة - فقال له: ما منعك
من الصلاة؟ قال: نفَقَتْ دابتى ، قال : أفعجزتَ عن المشى فتركت
الجمعة ! فمنعه الدّابّة سنة .
قال : وكتب سليمان بن هشام إلى أبيه : إنّ بغلى قد عجزت عنى ؛
فإن رأى أمير المؤمنين أن يأمُر لى بدابّة فعل . فكتب إليه : قد فهم أميرُ المؤمنين
كتابك، وما ذكرتَ من ضَعْف دابّتك، وقد ظنّ أمير المؤمنين أن ذلك من
قلة تعهّدك لعلقها، وأنّ علفها يضيع، فتعهّد دابّتَك فى القيام عليها بنفسك،
ويرى أمير المؤمنين رأيه فى حُملانك(١).
قال : وكتب إليه بعضُ عمّاله: إنى قد بعثت إلى أمير المؤمنين بسلّة
دُراقن (٢)؛ فليكتب إلىّ أميرُ المؤمنين بوصولها. فكتب إليه: قد وصل إلى
أمير المؤمنين الدّراقن الذى بعثتَ به فأعجبه ، فزدْ أمير المؤمنين منه، واستوثق
من الوعاء .
قال: وكتب إلى بعض مُمّاله: قد وصلتِ الكمأة التى بعثت بها إلى
أمير المؤمنين ؛ وهى أربعون، وقد تغيّر بعضُها، ولم تُؤتَ فى ذلك إلا من
حَشْوها ، فإذا بعثتَ إلى أمير المؤمنين منها شيئًا فأجد حَشْوَها فى الظَّرْف
الذى تجعلها فيه بالرّمل ؛ حتى لا تضطرب ولا يصيب بعضها بعضًا .
حدثنى أحمد ، قال : حدثنى علىّ ، قال : حدّثنا الحارث بن يزيد ،
قال : حدثنى مولى لهشام ، قال : بعث معى مولى لهشام كان على بعض
ضياعه بطيْرين ظريفين ، فدخلت إليه وهو جالس على سرير فى عَرْصة
الدار ، فقال : أرسلهما فى الدار ، قال: فأرسلتهُما فنظر إليهما ، فقلتُ :
يا أميرَ المؤمنين ، جائزتى ، قال: ويلك! وما جائزة طيرين ؟ قلتُ : ما كان،
قال : خذ أحدهما، فعدوْتُ فى الدار عليهما، فقال: ما لك ؟ قلت :
(٢) الدراقن: المشمش أو الخوخ ؛ شامية .
(١) حملانك ؛ أى حملك .
١٧٣٥/٢

٢٠٥
سنة ١٢٥
أختار خيرَهما ، قال : أتختار أيضًا خيرهما وتدع شرّهما لى ! دعهما ونحن
نعطيك أربعين درهمًا أو خمسين درهماً .
قال : وأقطِع هشام أرضًا يقال لها دورين، فأرسل فى قَبْضها؛ فإذا هى
خراب، فقال لذُوَيْد ( كاتب كان بالشأم): ويحك! كيف الحيلة ؟ قال:
ما تجعل لى؟ قال: أربعمائة دينار، فكتب ((دورين وقراها))، ثم أمضاها فى
الدواوين، فأخذ شيئًا كثيراً، فلما ولى هشام دخل عليه ذويد، فقال له
هشام : دورين وقراها! لا والله لا تلى لى ولاية أبداً، وأخرجه من الشأم.
حدثنى أحمد ، قال : حدّثنا علىّ، عن عمير بن يزيد، عن أبى خالد،
قال : حدثنى الوليد بن خليد ، قال : رآنى هشام بن عبد الملك ، وأنا على
بِرْذون طُخَارىّ(١)، فقال: يا وليد بن خليد، ما هذا البرذون ؟ قلت :
حملنى عليه الجُنيد ، فحسدنى وقال: والله لقد كثرت الطُّخَاريّة، لقدمات
عبد الملك فما وجدنا فى دوابه برذونا طُخاريًّا غير واحد، فتنافسه بنو عبدالملك
أيهم يأخذه؛ وما منهم أحدٌ إلاّ يرى أنه إن لم يأخذه لم يرث من عبد الملك
شيئًاً .
قال : وقال بعض آل مروان لهشام : أتطمع فى الخلافة وأنت بخيل
جبَّان(٢) ؟ قال: ولم لا أطمع فيها وأنا حليم عفيف!
١٧٣٦/٢
قال : وقال هشام يومًا للأبرش: أوَضَعَتْ أعنزك؟ قال: إِى واللّه،
قال : لكن أعنزى تأخّر ولادها ، فاخرج بنا إلى أعنزك نُصِبْ من ألبانها ،
قال: نعم، أفأقدم قومًا؟ قال: لا ، قال: أفأقدّم خباءً حتى يضرب لنا ؟ قال:
نعم ، فبعث برجلين بخباء فضُرب ، وغدا هشام والأبرش وغدا الناس ، فقعد
هشام والأبرش؛ كلّ واحد منهما على كرسىّ ، وقدّم إلى كلّ واحدٍ منهما
شاة ، فحلب هشام الشاة بيده ، وقال: تَعلّم يا أبرش أنى لم أبسّ (٣) الحلب!
ثم أمر بمَلّة فعُجنت وأوقد النّار بيده، ثم فحصها وألقى الملَّة، وجعل يقلِّبها
بالمحراث، ويقول : يا أبرش ، كيف ترى رفقى ! حتى نضجت ثم أخرجها ،
(٢) ح: ((جبار)» وجبان كشداد : حيوب
(١) برذون طخارى، أى عتيق فاره.
(٣) الإبساس: التلطف فى حلب الشاة بأن يقال لها: بس بس.
للأشياء لا يقدم عليها .

٢٠٦
سنة ١٢٥
وجعل يقلّبها(١) بالمحراث، ويقول: جبينك جبينك. والأبرش يقول: لبّيك لبيك.
وهذا شىء تقوله الصبيان إذا خُبزت لهم المَكَّة - ثم تغدّى وتغدّى الناس
ورجع .
قال : وقدم علباء بن منظور الليْىّ على هشام ، فأنشده :
قالت عُليَّةُ وَاعْتَزَمْتُ لِرَحْلةِ زَوْرَاءَ بالأُذْنَيْنِ ذاتِ تسَدُّرٍ (٢)
كَلٌّ عليك كبيرُهُمْ كالأَصْغرِ !
أينَ الرحيلُ وأَهلُ بيتكَ كلّهُمْ
لا فى ثرَى مالٍ ولا فِى مَعْشر
فَأَصاغِرٌ أَمثالُ سِلكانِ القطَا
وإليه يَرْحَلُ كُلّ عبد مُوقَر
إنى إِلى ملكِ الشَّآمَ لَراحِلٌ
بِنَدَى الخليفةِ ذى الفَعَالِ الأَزْهِ
١/ ١٧٣٧ فلأُتْرُ كَنَّكِ إِن حِيتُ غَنِيَةٌ
إِنّ أُناسٌ مَيْتُ دِيوَانُنا ومتى يُصِبْهُ ندَى الخليفة ينشرٍ
فقال له هشام : هذا الذى كنت تحاول ، وقد أحسنتَ المسألة . فأمر
له بخمسمائة درهم، وألحق له عَيْلاً (٣) فى العطاء.
قال : وأتى هشامًا محمد بن زيد بن عبد الله بن عمر بن الخطاب ، فقال :
ما لك عندى شىء ، ثم قال : إيّاك أن يغرّك أحد فيقول : لم يعرفك
أمير المؤمنين ؛ إنى قد عرفتُك ؛ أنت محمد بن زيد بن عبد الله بن عمر بن الخطاب،
فلا تقيمنّ وتُنفق ما معك ، فليس لك عندى صلة، فالحق بأهلك .
قال: ووقف هشام يومًا قريباً من حائط فيه زَيْتون، ومعه عثمان بن حسيّان
المرّىّ ، وعثمان قائم يكاد رأسه يوازى رأسّ أمير المؤمنين وهو يكلمه إذ
سمع نفض الزيتون ، فقال الرجل : انطلق إليهم فقل لهم : القطوه لقطًا ،
ولا تنفضوه نفضًا، فتتفقّأ عيونُه، وتتكسّر غصونه .
قال : وحجّ هشام ، فأخذ الأبرش مخنّثين ومعهم البرابط ، فقال
هشام : احبسوهم وبيعوا متاعهم - وما درى ما هو - وصيِّروا ثمنه فى بيت
المال ، فإذا صلحوا فردّوا عليهم الثمن (٤).
وكان هشام بن عبد الملك ينزل الرَّصافة - وهى فيما ذكر -من أرض قنَّسرين.
(١) كذا فى ا، وفى ط: ((يضربها)).
(٣) العميل : الزيادة .
(٢) !: ((ذات تشدر)) .
(٤) ح ، ف: ((الثمن عليهم)).

٢٠٧
سنة ١٢٥
وكان سبب نزوله إياها - فيما حدثنى أحمد بن زهير بن حرب ، عن
علىّ بن محمد - قال: كان الخلفاء وأبناء الخلفاء يتبدّوْن (١) ويهربون ١٧٣٨/٢
من الطاعون، فينزلون البرّيّة خارجًا عن الناس، فلما أراد هشام أن ينزل الرُّصافة
قيل له: لا تخرج؛ فإنّ الخلفاء لا يُطعَنون (٢)؛ ولم ذرَ خليفة طُعِن، قال:
أتريدون أن تجرّبوا بى! فنزل الرُّصافة وهى برّية ، ابتنى بها قصرين.
والرّصافة مدينة رُوميّة بنتْها الروم .
وكان هشام أحول، فحدثنى أحمد، عن علىّ، قال: بعث خالدبن عبد الله
إلى هشام بن عبد الملك بحادٍ فحدا بين يديه بأرجوزة أبى النجم :
والشمسُ فى الأَفْقِ كعَينِ الأَحولِ صَغْواءُ قد هَمَّتْ وَلَمَّا تَفْعَلِ
فغضب هشام وطرده .
وحدثنى أحمد بن زهير ، قال : حدثنى على بن محمد ، قال : حدثنا
أبو عاصم الضبيّ، قال: مرّبى معاوية بن هشام، وأنا أنظر إليه فى رَحْبة
أبى شَرِيك - وأبو شَريك رجل من العجم كانت تنسب إليه وهى مزرعة - وقد
أختبز خبزة ، فوقف علىّ، فقلتُ: الغداء ! فنزل وأخرجتها ، فوضعتها فى
لَبن ، فأكل ثم جاء الناس، فقلت: مَنْ هذا ؟ قالوا: معاوية بن هشام،
فأمر لى بصلة . وركب وثار بين يديه ثعلب ، فركض خلفه ، فما تبعه غَدْوة ؛
حتى عثر به فرسه فسقَط فاحتماوه ميًّا ، فقال هشام : تالله لقد أجمعتُ
أن أرشّحه للخلافة ، ويتبع ثعلبًا !
١٧٣٩/٢
قال : وكانت عند معاوية بن هشام ابنة إسماعيل بن جرير وامرأة أخرى ،
فأخرج هشام كلّ واحدة منهما من نصف الثمْن بأربعين ألفًا .
حدثنى أحمد بن زهير، قال : حدّثنا ، علىّ، قال : قال قحذم كاتب
يوسف : بعثنى يوسف بن عمر إلى هشام بياقوتة حمراء يخرج طرفاها من
كفِّى، وحبّة لؤلؤ أعظم ما يكون من الحبّ ، فدخلت عليه فدنوت منه ، فلم
أر وجْهه من طول السرير وكثرة الفرُش، فتناول الحجَر والحبّة، فقال :
(١) كذا فى ا، وفى ط: ((يتبذون)).
(٢) لا يطعنون؛ أى لا يصابون بالطاعون.

٢٠٨
سنة ١٢٥
أكتب معك بوزنهما ؟ قلت : يا أمير المؤمنين ؛ هما أجلّ عن أن يُكتب
بوزنهما ، ومن أين يوجد مثلهما ! قال : صدقت ، وكانت الياقوتة للرائقة
جارية خالد بن عبد الله ، اشترتها بثلاثة وسبعين ألف دينار .
حدثنى أحمد بن زهير ، قال : حدثنا إبراهيم بن المنذر الحزامىّ ، قال :
حدّثنا حسين بن يزيد ، عن شهاب بن عبد ربه ، عن عمرو(١) بن على" ،
قال : مشيتُ مع محمد بن على إلى داره عند الحمّام ، فقلت له : إنه قد
١٧٤٠/٢ طال مُلك هشام وسلطانه ، وقد قرب من العشرين . وقد زعم الناس أن سلمان
سأل ربّهُ مُلكًا لا ينبغى لأحد من بعده ، فزعم الناس أنها العشرون ، فقال :
ما أدرى ما أحاديث الناس ! ولكن أبى حدّثنى عن أبيه ، عن علىّ ، عن
النبيّ صلى الله عليه وسلم أنه قال: ((لن يعمّر اللّه مَلِكًا فى أمَّة نبيّ مضى قبله
ما بلغ بذلك النبىّ من العمر)).
وفى هذه السنة ولى الخلافة بعد موت هشام بن عبد الملك الوليدُ بن يزيد
ابن عبد الملك بن مروان ، وليتها يوم السبت فى شهر ربيع الآخر سنة خمس
وعشرين ومائة فى قول هشام بن محمد الكلبىّ .
وأما محمد بن عمر فإنه قال : استُخلف الوليد بن يزيد بن عبد الملك
يوم الأربعاء لست خلْون من شهر ربيع الآخر من سنة خمس وعشرين ومائة.
وقال فى ذلك على بن محمد مثل قول محمد بن عمر .
(١) !: ((عمر بن على)).

سنة ١٢٥
٢٠٩
خلافة الوليد بن يزيد بن عبد الملك بن مروان
ذكر الخبر عن بعض أسباب ولايته الخلافة
١٧٤١/٢
قد مضى ذكرى سبب عقد أبيه يزيد بن عبد الملك بن مروان له الخلافة
بعد أخيه هشام بن عبد الملك ؛ وكان الوليدُ بن يزيد يومَ عَقد له أبوه يزيد
ذلك ابنَ إحدى عشرة سنة، فلم يمُتْ يزيد حتى بلغ ابنُه الوليد خمس عشرة
سنة ، فندم يزيد على استخلافه هشامًا أخاه بعده؛ وكان(١) إذا نظر إلى ابنه
الوليد، قال: الله بينى وبين مَنْ جعل هشامًا بينى وبينك! فتوفِّىَ يزيد بن
عبد الملك وابنه الوليد ابن خمس عشرة سنة . وولى هشام وهو للوليد مكرّم
معظم مقرّب ؛ فلم يزل ذلك من أمرهما حتى ظهر من الوليد بن يزيد مجون
وشرب الشراب ؛ حمله على ذلك - فيما حدّثنى أحمد بن زهير ، عن على"
ابن محمد ، عن جُويرية بن أسماء وإسحاق بن أيوب وعامر بن الأسود
وغيرهم - عبدُ الصمد بن عبدالأعلى الشبّانيّ(٢) أخو عبد الله بن عبد الأعلى -
وكان مؤدّب الوليد - واتَّخذ الوليد ندماء ، فأراد هشام أن يقطعهم عنه
فولاه الحجّ سنة تسع عشرة ومائة(٣)، فحمل معه كلابًا فى صناديق، فسقط
منها صندوق - فيما ذكر علىّ بن محمد عمّن سميتُ من شيوخه - عن البعير
وفيه كلب، فأجالوا على الكرىّ(٤) السِّاط، فأوجعوه ضربًا. وحمل معه
قبّة عملها على قدر الكعبة ليضعها على الكعبة ، وحمل معه خمراً ، وأراد أن
ينصب القبَّة على الكعبة ؛ ويجلس فيها ؛ فخوّفه أصحابه وقالوا : لا نأمن
الناس عليك وعلينا معك ؛ فلم يحرّكها . وظهر للناس منه تهاون بالدين
واستخفاف به ، وبلغ ذلك هشامًا فطمع فى خلعه والبيعة لابنه مسلمة بن هشام،
فأراده على أن يخلعها ويبايع لمسلمة؛ فأبى، فقال له: اجعلها له مِنْ بعدك ؛
فأبى ، فتنكَّر له هشام وأضرّ به ، وعمل سرًّا فى البيعة لابنه ؛ فأجابه قوم .
(٢) ط: ((الشيبانى))، تحريف.
١٧٤٢/٢
(١) ا، ح، ف: ((فكان)).
(٣) ابن الأثير: ((سنة ست عشرة ومائة)). (٤) الكرى والمكارى، هو الذى يكرى دابته.

٢١٠
سنة ١٢٥
قال : فكان ممَن أجابه خالاه : محمد وإبراهيم ابنا هشام بن إسماعيل المخزومىّ ،
وبنو القعقاع بن خليد العبسىّ وغيرهم من خاصّته .
قال : وتمادى الوليدُ فى الشراب وطلب اللذات فأفرط ، فقال له هشام :
ويحك ياوليد! والله ما أدرى أعلى الإسلام أنت أم لا ! ما تتدع شيئًا من
المنكر إلا أتيْتّه غير متحاشٍ ولا مستتر به ! فكتب إليه الوليد :
يُأَيُّها السائل عن دينِنا نحن على دين أَبى شاكِر(١)
بالسُّخْنِ أَحياناً وبالفاتِر
نشْربُها صِرْفاً وممزوجةً
فغضب هشام على ابنه مسلمة - وكان يكنى أبا شاكر - وقال له :
يعيرنى بك الوليد وأنا أرشّحك للخلافة ! فالزم الأدب واحضر الجماعة.
وولاه الموسم سنة تسع عشرة ومائة، فأظهر النسك والوقار واللين، وقسم بمكة
والمدينة أموالاً ، فقال مولى لأهل المدينة :
نحنُ على دين أَبى شاكِر
السائل عن ديننا
یأیّها
لیس بزِندِیق ولا کافِر
الواهبِ الجُرْدَ بأرسانها (٢)
يعرّض بالوليد .
وأمّ مسلمة بن هشام أمّ حكيم بنت يحيى بن الحكم بن أبى العاص. فقال الكميت:
إِنّ الخلافة كائنٌ أَوتَادُها بعدَ الوليد إلى ابن أُمّ حكيم
فقال خالد بن عبد الله القسرىّ : أنا برىء من خليفة يكنى أبا شاكر ؛
فغضب مسلمة بن هشام على خالد ، فلما مات أسد بن عبد الله أخو خالد
ابن عبدالله، كتب أبو شاكر إلى خالدبن عبدالله بشعر هجا به [يحيى](٣) بن نوفل
خالداً وأخاه أسداً حين مات :
١٧٤٣/٢
أُراحَ مِن خالدٍ وَأَهلكه ربُّ أَراح العبادَ منْ أَسدٍ
عبدًا لئياً لأَعْبُد قُفُدِ(٤)
أَمَّا أَبُوهُ فكان مؤْتَشِباً
(١) فى الأغانى ٧: ٣، وقال: ((بل قال ذلك عبد الصمد بن عبد الأعلى ونحله إياه)).
(٣) من ا.
(٢) الأغانى: (الواهب البزل)).
(٤) مؤتشب ؛ أى غير صريح فى نسبه. والعبد الأقفد: الكزاليدين والرجلين القصير الأصابع.

٢١١
سنة ١٢٥
وبعث بالطومار مع رسول على البريد إلى خالد ؛ فظنّ أنه عزّاه عن أخيه،
ففضّ الخاتم ، فلم ير فى الطُومار غير الهجاء ، فقال: ما رأيت كاليوم تعزية!
وكان هشام يعيب الوليد ويتنقَّصه، وكَثُر عبثه به وبأصحابه وتقصيره به،
فلمّا رأى ذلك الوليد خرج وخرج معه ناس من خاصّته ومواليه، فنزل بالأزرق؛
بين أرض بَلْفَيْن وفزارة، على ماء يقال له الأغدف، وخلّف كاتبه عیاض
ابن مسلم مولى عبد الملك بن مروان بالرّصافة، فقال له: اكتب إلىّ بما يحدث
قبلكم . وأخرج معه عبد الصمد بن عبد الأعلى، فشربوا يوماً فلما أخذ فيهم
الشراب ، قال الوليد لعبد الصمد: يا أبا وهب ، قل أبياتًا، فقال(١):
يُبَادِرُ فِى بُرجِهِ المَرْجِعا
أَلم تَر لِلنجِم إِذ شُيِّعًا(٢)
أَتِى الغوْرِ والتَمَسِ المَطْلَعَا(٣)
تحيَّرَ عنْ قصدِ مَجْراتِهِ
وقد لاحَ إِذ لاحَ لِ مُطمِعا:
شأنُه
فقلتُ وأَعْجَبَنِى
فأَسى إليه قدِ استُجمعَا
لَعَلَّ الوليدَ دنا مُلكُهُ
كتأْميلٍ ذى الجدْبِ أَن يُمْرِعاً
وكنّا نؤَّمِّلُ فى ملكِه
عقَدنا له محْكمَاتِ الأُمو رِ طوعاً فكان لها مَوْضعًا
١٧٤٤/٢
وُرُوى الشعر (٤)؛ فبلغ هشامًا، فقطع عن الوليد ما كان يُجرى عليه ،
وكتب إلى الوليد: بلغنى عَنْك أنك اتّخذتَ عبدالصمد خدناً ومحدّثاً ونديماً؛
وقد حقَّق ذلك عندى ما بلغنى عنك، ولم أبرّئك من سوء، فأخرِ ج عبدالصمد
مذموماً مدحوراً . فأخرجه ، وقال فيه :
كبير بل يزيدُ على الكَبيرِ (٥)
لقد قَلْفوا أَبا وهْبٍ بأٍَّ
فَأَشْهَدُ أَنهم كَذبوا عليه شهادةَ عالِمٍ بِهِمِ خَبِيرٍ
وكتب الوليد إلى هشام يُعْلمه إخراج عبد الصمد ، واعتذر إليه مما بلغه
(٢) الأغانى: ((سبعا)).
(١) الأغانى ٧ : ٨ .
(٣) الأغانى: ((إلى الغور)).
(٥) الأغانى ٧ : ٩ .
(٤) الأغانى: ((وروى هذا الشعر)).

٢١٢
سنة ١٢٥
١٧٤٥/٢ من منادمته، وسأله أن يأذن لابن سهيل فى الخروج إليه - وكان ابن سهيل من
أهل اليمن وقد ولى دمشق غير مرّة ، وكان ابن سهيل من خاصّة الوليد ..
فضرب هشام ابنَ سُهيل وسيّره ، وأخذ عياض بن مسلم كاتب الوليد، وبلغه
أنه يكتب بالأخبار إلى الوليد ، فضربه ضربا مبرِّحًا، وألبسه المُسوح .
فبلغ الوليد، فقال: مَنْ يثق بالناس، ومن يصطنع المعروف! هذا الأحول
المشئوم قدّمه أبى على أهل بيته فصيّره ولىّ عهده ، ثم يصنع بى ما ترون؛
لا يعلم أنّ لى فى أحد هوّى إلا عبث به، كتب إلىّ أن أخرج عبد الصمد
فأخرجتُه إليه، وكتبت إليه أن يأذن لابن سهيل فى الخروج إلىّ، فضربه وسيّره،
وقد علم رأيى فيه ، وقد علم انقطاع عياض بن مسلم إلىّ ، وتحرّمه بى ومكانه
منى وأنه كاتبى ، فضربه وحبسه ، يضارّنى بذلك ؛ اللهم أجرنى منه! وقال :
إلى المقاريف ما لَمْ يَخْبُرِ الدّخَلاَ(١)
أَنا النذِيرُ لِمِسْدِى نعمة أبدًا
وإِنْ أَمَنْتُهُمُ أَلْفِيتِهِمْ ذُلُلا
إِن أَنْت أَكرمتُهُمْ أَلْفَيْتُم بُطُرًا
ستَعلَمُونَ إِذا كانت لنا دُوَلا (٢)
أَتشمُخونَ ومِنَّا رَأَسُ نعمتِكمْ
له سوى الكلب فاضربه له مثلا
انظرْ فإن كنت لم تَقدِرْ على مَثَل
حتى إذا ماقوى مِنْ بَعدِ ما هُزْلا
بينا يُسمِّنُهُ للصيدِ صاحبُهُ
ولو أَطاقَ له أَكلا لقد أَكَلَاً
عدًا عليه فلم تَضْرُرْهُ عَدْوَتُهُ
١٧٤٦/٢
وكتب إلى هشام :
لقد بلغنى الذى أحدث أمير المؤمنين من قَطْع ما قطع عنّى ، ومحو ما محا
من أصحابى وحُرَمى (٣) وأهلى، ولم أكن أخاف أن يبتلِىَ الله أمير المؤمنين
بذلك ولا أبالى به منه ؛ فإن يكن ابن سُهَيل كان منه ما كان فبحسب العيْر
أن یکون قدر (٤)الذئب؛ ولم يبلغ من صنیعی فی ابن سُهیل واستصلاحه، و کتابی
إلى أمير المؤمنين فيه كُنْه ما بلغ أمير المؤمنين من قطيعتى ؛ فإن يكن ذلك
لشىء فى نفس أمير المؤمنين علىّ، فقد سبّب الله لى من العهد، وكتب لى
(٢) الأغانى: ((إذا أبصرتم الدولا)).
(١) الأغانى ٧ : ١٠ . المقاريف: الأنذال.
(٣) الأغانى: ((وأنه حرمنى وأهلى)).
(٤) الأغانى: ((قرب الذئب)).

٢١٣
سنة ١٢٥
من العمر ، وقسم لى من الرزق ما لا يقدر أحد دون اللّه على قطع شىء منه
دون مُدّه ، ولا صرف شىء عن مواقعه ؛ فقدَرَ اللّه يجرى بمقاديره فيما أحبّ
الناس أو كرهوا ، ولا تأخيرَ لعاجله ولا تعجيل لآجله ؛ فالناس بين ذلك
يقترفون الآثام على نفوسهم من اللّه، ولا (١) يستوجبون العقوبة عليه؛ وأمير المؤمنين
أحقّ أمته بالبصر بذلك والحفظ له، واللّه الموفّق لأمير المؤمنين بحسن القضاء
له فى الأمور (٢).
١٧٤٧/٢
فقال هشام لأبى الزبير : يا نَسطاس ، أترى الناس يرضون بالوليد إن
حدث بى حدث ؟ قال : بل يطيل اللّه عمرك يا أمير المؤمنين، قال: ويحك!
لا بدّ من الموت ؛ أفترى الناس يرضَوْن بالوليد؟ قال: يا أمير المؤمنين؛ إنّ
له فى أعناق الناس بَيْعةً ، فقال هشام: لئن رضى الناس بالوليد ما أظنّ
الحديث الذى رواه الناس: ((إن من قام بالخلافة ثلاثة أيام لم يدخل
النار))، إلا باطلاً .
و کتب هشام إلى الوليد :
قد فهم أمير المؤمنين ما كتبت به من قَطْع ما قَطَع عنك وغير ذلك؛ وأمير
المؤمنين يستغفر اللّه من إجرائه ما كان يجرى عليك؛ ولا يتخوّف على نفسه
اقتراف المآثم فى الذى أحدث من قطع ما قطع ، ومحو من محا من صحابتك،
لأمرين: أمّا أحدُهما فإيثار أمير المؤمنين إياك بما كان يجرى عليك؛ وهو يعلم
وضعك له وإنفاقكه فى غير سبيله، وأما الآخر فإثبات (٣) صحابتك، وإدرار أرزاقهم
عليهم ؛ لا ينالهم ما ينال المسلمين فى كلّ عام من مكروه عند قطع البعوث ،
١٧٤٨/٢
(١) الأغانى: ((بما)) (٢) الأغانى ٧: ١٣،١٢. وبعدها هناك: ((وكتب له الوليد فى آخر كتابه:
حياضك يوماً صادرًا بالنّوافلِ
أَليْسَ عظيماً أَن أَرَى كُلَّ وارد
بتحْلئة عن وِرْد تلك المناهِل
فأَرجعَ محمودَ الرجاءِ مُصَرَّدًا
وليس بلاقٍ ما رجا كلُّ آملٍ
فَأَصْبَحْتُ ممّن كنتُ آمُلُ مِنْكُمُ
يَشُدُّ عَلَيْهَا كَفَّهُ بِالأَنَامِلِ
كمقتبض يوماً على عُرْضِ هَبْوَة
(٣) ح: (إيثار)).

٢١٤
سنة ١٢٥
وهم معك تجُول بهم فى سفهك؛ ولأميرُ(١) المؤمنين أحرى فى نفسه للتقصير
فى القتْرِ عليك منه للاعتداء عليك فيها ؛ مع أن الله قد نصر أمير المؤمنين
فى قَطْع ما قطع عنك من ذلك ما يرجو به تكفير ما يتخوّف مما سلف فيه
منه١) . وأما ابنُ سُهيل فلعمرى لئن كان نزل منك بما نزل ، وكان أهلا أن
تُسرَّ فيه أو تساء ؛ ما جعله الله كذلك؛ وهل زاد ابنُ سهيل - لله أبوك -
على أن كان مغنيًا زفّانًا(٢)، قد بلغ فى السفه غايته ! وليس ابن سهيل مع
ذلك بشرٌّ ممَّن تستصحبه فى الأمور التى يكرم أمير المؤمنين نفسهعن ذكرها،
مما كنتَ لعمر الله أهلا للتوبيخ به ؛ ولئن كان أمير المؤمنين على ظنك به فى
الحرص على فسادك؛ إنك إذاً لغير آل (٣) عن هوى أمير المؤمنين من ذلك.
وأما ما ذكرتَ مما سبَّب الله لك؛ فإن الله قد ابتدأ أمير المؤمنين بذلك،
واصطفاه له ؛ واللّه بالغٌ أمره. لقد أصبح أمير المؤمنين وهو على اليقين
من رّبه؛ أنه لا يملك لنفسه فيما أعطاه من كرامته ضَرًّا ولا نفعًا؛ وإن الله ولىّ
ذلك منه؛ وإنه لا بدّ له من مزايلته؛ والله أرأف بعباده وأرحم من أن يولى
أمرهم غير الرضىّ له منهم. وإنّ أمير المؤمنين من (٤) حسن ظنه برّبه لعلى
أحسن الرّجاء أن يوليه تسبيب (٥) ذلك لمن هو أهله فى الرضا له به ولهم؛ فإنّ
بلاءَ اللّه عند أمير المؤمنين أعظمُ من أن يبلغه ذكره ، أو يؤديه(٦) شكره ؛
إلا بعون منه؛ ولئن كان قُدِّرَ لأمير المؤمنين تعجيل وفاة ، إنّ فى الذى هو
مفضٍ إليه إن شاء الله من كرامة اللّه لخلفًا من الدنيا. ولعمرى إن كتابك
إلى أمير المؤمنين بما كتبتَ به لغيرُ مستنكر من سفهك وحمقت ، فاربع
على نفسك من غُلوائها ، وارقاً على ظَلْعك(٧)؛ فإن لله سطوات وعيناً؛ يصيب
بذلك من يشاءُ ، ويأذن فيه لمن يشاء ممن شاء الله؛ وأميرُ المؤمنين يسأل الله
العصمة والتوفيق لأحب الأمور إليه وأرضاها له .
١٧٤٩/٢
فکتب الوليد إلى هشام :
(١-١) كذا فى ا، ط؛ و، وفى الأغانى: ((وأمير المؤمنين يرجو أن يكفر اللّه عنه ما سلف من
إعطائه إياك باستئنافه قطعه عنك )) .
(٢) الزفان : الرقاص .
(٣) ط: ((بغير إل)). (٤) الأغانى: ((مع)).
(٦) الأغانى: ((يوازيه)).
(٥) ح والأغانى: ((بسبب)).
(٧) الأغانى: ((فأبق على نفسك، وقصر من غلوائها، واربع على ظلمك)) .

٢١٥
سنة ١٢٥
رَأَيْتُكَ تَبْنِى جاهدًا فى قَطِيعَتِى (١) فَلَوْكَنْتَ ذَا إِرْبِ لَهَدَّمْت ماتَبْنِى
فَوَيْلٌ لُهُمْ إِنْ مِتّ مِنْ شَرّ ما تجنى!
تُثِيرُ على الباقِينَ مَجْنَى ضَغِينةٍ
كَّى بهمْ واللَّيْتُ أَفْضِلُ قَوْلِهِمْ (٢)
أَلَا لَيْتَنا واللَّيْت إِذ ذاكَ لا يُغْنِى
جَزَاكَ بها الرَّحمنُ ذو الفضل والمنِّ
كَفَرْتَ يَدًا مِنْ مُنْعِمٍ لو شَكَرتَها
١٧٥٠/٢
قال: فلم يزل الوليد مقيمًا فى تلك البرّيَّة حتى مات هشام؛ فلما كان
صبيحةُ اليوم الذى جاءته فيه الخلافة ، أرسل إلى أبى الزّبير المنذر بن
أبى عمرو، فأتاه فقال له: يا أبا الزبير؛ ما أتت علىّ ليلة منذ عقلت عقلى أطول"
من هذه الليلة؛ عرضت لى هموم ، وحدّثت نفسى فيها بأمور من أمر هذا
الرجل ؛ الذى قد أولع بى- يعنى هشامًا - فاركب بنا نتنفَّس؛ فركبا، فسارا
ميلين ؛ ووقف على كثيب ، وجعل يشكو هشاماً إذ نظر إلى رَهج ، فقال :
هؤلاء رسُل هشام ؛ نسأل الله من خيرهم، إذ بدا رجلان على البريد مقبلان؛
أحدهما مولًّ لأبى محمد السفيانيّ، والآخر جَرْدَبَة.
فلما قربا أتيا الوليد، فنزلا يعدوَان حتى دنَوَا منه؛ فسلما عليه بالخلافة،
فوَجَ ، وجعل جردبة يكرّر عليه السلام بالخلافة ، فقال : ويحك ! أمات
هشام! قال: نعم ؛ قال فممّن كتابك ؟ قال : من مولاك سالم بن عبدالرحمن
صاحب ديوان الرسائل. فقرأ الكتاب وانصرفا، فدعا مولى أبى (٣) محمد السُّفيانىّ،
فسأله عن كاتبه عياض بن مسلم ، فقال : يا أمير المؤمنين ؛ لم يزل محبوساً
حتى نزل بهشام أمرُ اللّه. فلما صار فى حدّ لا تُرجَى الحياة لمثله أرسل
عياض إلى الحُزّان؛ أن احتفظوا بما فى أيديكم، فلا يصلنّ أحدٌ منه إلى
شىء . وأفاق هشام إفاقةً ، فطلب شيئًا فمنعوه فقال : أرانا كنا خُزَانًا
للوليد! ومات من ساعته. وخرج عياضٌ من السجن ، فختم أبواب الخزائن ،
وأمر بهشام فأنزل عن فرشه ؛ فما وجدوا له قُمقماً يسخّن له فيه الماء حتى
استعاروه ، ولا وجدوا كفناً من الخزائن ؛ فكفَّنه غالب مولى هشام ؛ فكتب
١٧٥١/٢
(١) الأغانى ٧: ٨. وفى ابن الأثير: ((تبنى دائماً)).
(٢) الأغانى: ((كأنى بهم يوماً وأكثر قولهم)).
(٣) ب: ((فدعوا مولى)).

٢١٦
سنة ١٢٥
الوليد إلى العباس بن الوليد بن عبد الملك بن مروان أن يأتىَ الرُّصافة ، فيحصىّ
ما فيها من أموال هشام وولده، ويأخذ عمّاله وحشَمه ؛ إلا مسلمة بن هشام ؛
فإنه كتب إليه ألاّ يعرض له ، ولا يدخل منزله ؛ فإنه كان يكثر أن يكلم أباه
فى الرّفق به ، ويكفَّه عنه. فقدم العباس الرُّصافة فأحكم ما كتب به إليه
الوليد ؛ وكتب إلى الوليد بأخذ بنى هشام وحشمه وإحصاء أموال هشام ،
فقال الوليد :
لَيْتَ هِشاماً كان حَيَّ يَرَى مِحْلَبَهُ الأَوْفَرَ قَدْ أُتْرِعا(١)
ويروى :
مِكِيْالَهُ الأَوْفَرَ قَدْ طُبّعا
لَيْت هشاماً عاش حتى يرى
وما ظَلَمْنَاهُ بِهِ إِصْبَعا(٣)
كِلْنَاهُ بالصاعِ الذى كاله (٢)
١٧٥٢/٢
أَحَلَّهُ الفُرقانُ لِى أَجْمَعَا
وما أَتْينا ذاك عَنْ بِدعَةٍ
فاستعمل الوليد العمّال ، وجاءته بيعته من الآفاق ؛ وكتب إليه العمَّال،
وجاءته الوفود ؛ و کتب إليه مروان بن محمد:
بارك اللّه لأمير المؤمنين فيما أصاره إليه (٤) من ولاية عباده، ووراثة بلاده؛
وكان من تَغشِّى غمْرة سكرة الولاية ما حمل هشامًا على ما حاول من تصغير
ما عظّم الله من حقّ أمير المؤمنين، ورام من الأمر المستصعب عليه؛ الذى
أجابه إليه المدخولون(٥) فى آرائهم وأديانهم ؛ فوجد ما طمع فيه مستصعباً ،
وزاحمته الأقدار بأشدّ مناكبها . وكان أمير المؤمنين بمكان من اللّه حاطه
فيه حتى أزّره بأكرم مناطق الخلافة ، فقام بما أراه اللّه له أهلا ، ونهض
مستقلاً بما حُصِّل منها، مثبتة ولايته فى سابق الزُّبُر (٦) بالأجل المسمى، وخصّه
اللّه بها على خلقه وهو يرى حالاتِهِم ، فقدّده طَوقها ، ورمى إليه بأزمة
الخلافة ، وعِصم الأمور .
١٧٥٣/٢
فالحمد لله الذى اختار أمير المؤمنين لخلافته ، ووثائق عُرى دينه ، وذبّ
(١) الأغانى ٧ : ١٨ .
(٣) الأغانى: ((أصوعا)).
(٢) الأغانى: (( كلنا له الصاع التى كالها)).
(٤) ا: ((صار إليه)).
(٥) المدخول: من فى عقله دخل؛ أى فساد. (٦) الزبر: جمع زبور؛ وهو الكتاب.

٢١٧
سنة ١٢٥
له عما كاده فيه الظالمون ، فرفعه ووضعهم ؛ فمن أقام على تلك الخسيسة من
الأمور أوْبق (١) نفسه، وأسخطَ ربَّه، ومن عدلتْ به التوبة نازعًا عن الباطل إلى
حقّ وجد اللّه توّابًا رحيمًا.
أخبِرُ أميرَ المؤمنين أكرمه الله أنى عند ما انتهى إلىّ من قيامه بولاية
خلافة الله، نهضتُ إلى منبرى، علىّ سيفان مستعدًّا بهما لأهلِ الغشّ، حتى
أعلمت مَنْ قِبَلَى ما امتنّ الله به عليهم من ولاية أمير المؤمنين، فاستبشروا
بذلك، وقالوا: لم تأتنا ولاية خليفة كانت آمالنا فيها أعظم ولا هى لنا أسرّ
من ولاية أمير المؤمنين ؛ وقد بسطتُ يدى لبيعتك فجدّدتها ووكَّدتها بوثائق
العهود وترداد المواثيق وتغليظ الأيمان ، فكلهم حسُنت إجابتُهم وطاعتُهم،
فأثبْهم يا أميرَ المؤمنين بطاعتهم من مال الله الذى آتاك ؛ فإنك أجودُ هم
جوداً وأبسطهم يداً؛ وقد انتظروك راجين فضلك قبلهم بالرّحم الذى
استرحموك، وزدْهم زيادة يفضَل بها مَنْ كان قبلك ؛ حتى يظهر بذلك
فضلُك عليهم وعلى رعيّتِك؛ ولولا ما أحاول من سدّ الثغر (٢) الذى أنا به ،
لخفتُ أن يحملنى الشوق إلى أمير المؤمنين أن أستخلف رجلا على غير أمره ،
وأقدمَ لمعاينة أمير المؤمنين ؛ فإنها لا يعدلها عندى عادل نعمة وإن عظمت؛
فإنْ رأى أمير المؤمنين أن يأذن لى فى المسير إليه لأشافهه بأمور كرهتُ الكتاب
بها فعل .
٢ /١٧٥٤
فلما ولىَ الوليد أجرى على زَمْنى أهِل الشأم وعميانهم وكساهم ، وأمر
لكل إنسان منهم بخادم؛ وأخرج لعيالات الناس الطيب والكسوة؛ وزادهم على
ما كان يخرج لهم هشام ، وزاد الناس جميعًا فى العطاء عشرة عشرة ، ثم زاد
أهل الشأم بعد زيادة العشرات عشرة عشرة ؛ لأهل الشأم خاصّة ، وزاد من
وفد إليه من أهل بيته فى جوائزهم الضُّعْف، وكان وهو ولىّ عهد يُطعِيمٍ من
وفد إليه من أهل الصائفة قافلاً ، ويُطعيم من صدَر عن الحجّ بمنزل يقال له
زِيزاء ثلاثة أيام، ويعلف دوابتهم، ولم يقُلْ فى شى (٣) يُسأله: لا، فقيل
(١) أوبق نفسه ؛ أى أهلكها .
(٢) الثغر : موضع الخافة من فروج البلدان .
(٣) !: ((شىء)).

٢١٨
سنة ١٢٥
له : إن فى قولك: أنظُر، عِدَةٌ ما يقيم عليها الطالب؛ فقال: لا أعوّد لسانى
شيئًا لم أعتَّده ، وقال :
بأَنَّ سَاءَ الضُرِّ عَنكم سَتُقْلِعُ(١)
ضَمِنْتُ لكم إِنْ لم تعُقْنِى عَوائِقٌ
وأَعطِيَةٌ مِنّى عَلَيْكُمْ تَبَرَّعُ
سَيُوشِكُ إِلحاقٌ مَعاً وزيادةٌ
به يكْتُبُ الكتَّابُ شَهْراً وَتَطَبَعُ
١٧٥٥/٢ مُحرَّمِكُمْ دِيوانُكُمْ وعطاؤكمْ
...
وفى هذه السنة عقد الوليد بن يزيد لابنيْه الحكم وعثمان البَيْعة من بعده،
وجعلهما وليّْ عهده؛ أحدهما بعد الآخر، وجعل الحكم مقدّمًا على عثمان،
وكتب بذلك إلى الأمصار ؛ وكان ممن كتب إليه بذلك يوسف بن عمر ، وهو
عامل الوليد يومئذ على العراق ، وكتب بذلك يوسف إلى نَصْر بن سيار ؛
وكانت نسخة الكتاب إليه :
بسم الله الرحمن الرحيم . من يوسف بن عمر إلى نَصْر بن سيّار؛ أما
بعد فإنى بعثت إليك نسخة كتاب أمير المؤمنين الذى كتب به إلى مَنْ قِبتَلى
فى الذى ولّى الحكتم ابن أمير المؤمنين وعثمان ابن أمير المؤمنين من العهد بعده
مع عتقال بن شَبَّة التميمىّ وعبد الملك التينىّ، وأمرتهما بالكلام فى ذلك ؛
فإذا قدما عليك فاجمع لقراءة كتاب أمير المؤمنين الناس ، ومُرْهم فليحشُدُوا
له ، وقُمْ فيهم بالذى كتب أمير المؤمنين ؛ فإذا فرغت فقم بقراءة الكتاب ،
وأذن لمن أراد أن يقوم بخطبة ، ثم بايع الناس لهما على اسم الله وبركته ، وخذ
عليهم العهد والميثاق (٢) على الذى نسختُ لك فى آخر (٣) كتابى هذا الذى نسخ
لنا أمير المؤمنين فى كتابه ، فافهمه وبايع عليه ، نسأل الله أن يبارك الأمير
المؤمنين ورعيّته(٤) فى الذى قضى لهم على لسان أمير المؤمنين ، وأن يصلح
الحكتم وعثمان ، ويبارك لنا فيهما ؛ والسلام عليك .
١٧٥٦/٢
وكتب النّضْر يوم الخميس للنصف من شعبان سنة خمس وعشرين
ومائة .
(٢) ط: ((بالمواثيق)).
(١) الأغانى ٧ : ٢١ .
(٤) ح: ((فى رعيته)).
(٣) ا، ح: ((أسفل)).

٢١٩
سنة ١٢٥
بسم الله الرحمن الرحيم. تبايع لعبد الله الوليد أمير المؤمنين والحكم ابن
أمير المؤمنين إن كان من بعده وعثمان ابن أمير المؤمنين إن كان بعد الحكم
على السمع والطاعة ؛ وإن حدّث بواحد منهما حدث فأميرُ المؤمنين أملك فى
ولده ورعيته، يقدّم من أحبّ، ويؤخر مَنْ أحبّ . عليك بذلك عهد الله
وميثاقه ؛ فقال الشاعر فى ذلك :
د لِلِعَهْدِ فينا ونرْجُو يَزِيدا
نبايع عُثمانَ (١) بَعْدَ الوَليـ
يَزِيدُ يُرَجِّى لذاك الوَليدا
كما كان إذ ذاك فى ملكهِ
فنحْنُ نومَلُها أَن تَعُودا
عَلَى أَنَّهَا شَسَعَتْ شَسْعَةً
ب عنها لِيؤيِسَ منها البَعِيدا(٢)
فإِنْ هِىَ عَادَت فأَرْض القَريـ
قال أحمد: قال علىّ عن شيوخه الذين ذكرت: فقدِم عقّال بن شبَّة
وعبد الملك بن نُعيم على نَصْر ، وقدما بالكتاب وهو :
١٧٥٧/٢
أما بعدُ؛ فإنّ اللّه تباركتْ أسماؤه ، وجلّ ثناؤه ، وتعالى ذكره ، اختار
الإسلام دينًا لنفسه، وجعله دين (٣) خيرته من خَلْقه، ثم اصطفى من الملائكة
رُسُلا ومن الناس ؛ فبعثهم به ، وأمرهم به ؛ وكان بينهم وبين مَن مضى
من الأمم، وخلا من القرون قَرْناً فقرْناً ؛ يدعون إلى التى هى أحسن ، ويهدون
إلى صراط مستقيم ؛ حتى انتهت كرامة اللّه فى نبوّته إلى محمد صلوات الله
عليه ؛ على حين دروسٍ من العلم، وعمّى من الناس ، وتشتيت من الهوى ،
وتفرّقٍ من السبُل، وطموسٍ من أعلام الحقّ؛ فأبان الله به الهُدَى، وكشف
به العمى ، واستنقذ به من الضلالة والرّدَى، وأبهج به الدين، وجعله رحمةٌ
للعالمين، وختم به وحتيه ، وجمع له ما أكرم به الأنبياء قبله؛ وقفًّى به على
آثارهم ؛ مصدّقًا لما نزل معهم، ومهيمنًا عليه، وداعيًا إليه، وآمراً به؛
حتى كان مَنْ أجابه من أمته ، ودخل فى الدين الذى أكرمهم الله به ،
مصدّقين لما سلف من أنبياء الله فيما يكذّبهم فيه قومُهم ، منتصحين لهم
فيما يُنهونه (٤)، ذابّين لحُرمهم عما كانوا منتهكِين؛ معظمين منها لما كانوا
(١) كذا فى ا، ح، ف، وفى ط: ((نؤمل)). (٢) كذا فى ا، وفى ط: ((فأوصى القريب)).
(٤) أنهى الشىء: أبلغه .
(٣) كذا فى ا، ف .

٢٢٠
سنة ١٢٥
١٧٥٨/٢
مصغّرين (١)؛ فليس من أمة محمد صلى الله عليه وسلم أحدٌ كان يسمع (٢)
لأحد من أنبياء الله فيما بعثه الله به مكذبًا، ولا عليه فى ذلك طاعناً، ولا له
مؤذيًا، بتسفيه له، أو ردّ عليه؛ أوجحْد ما أنزل الله عليه ومعه، فلم يبقَ كافر
إلا استحلّ بذلك دمه ، وقطع الأسباب التى كانت بينه وبينه ؛ وإن كانوا
آباءهم أو أبناءهم أو عشيرتتهم . ثم استخلف خلفاءه على منهاج نبوّته ؛ حين
قبض نبيّه صلى اللّه عليه وسلم، وختم به وحتيه لإنفاذ حكمه(٣)، وإقامة
سنّته وحدوده ، والأخذ بفرائضه (٤) وحقوقه، تأييداً بهم للإسلام، وتشييداً
بهم(٥) لعُرَآه ؛ وتقويةً بهم لقوى حبله، ودفعًا بهم عن حريمه، وعَدْلاً
بهم بين عباده ، وإصلاحًا بهم لبلاده ؛ فإنه تبارك وتعالى يقول :
﴿وَلَوْلَا دَفْعُ اللهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الأَرْضُ ولَكِنَّ
الله ذُو فَضلِ عَلَى العَالمِينَ﴾(٦)، فتتابع خلفاء الله على ما أورثتَهم اللّه عليه
من أمرٍ أنبيائه ، واستخلفهم عليه منه ؛ لا يتعرّض لحقهم أحد إلا صرعه اللّه ،
ولا يفارق جماعتهم أحدٌ إلا" أهلكه اللّه؛ ولا يستخفّ بولايتهم ، ويتّهم
قضاء الله فيهم أحدٌ إلا أمكنهم الله منه ، وسلّطهم عليه ، وجعله نكالا .
وموعظة لغيره ؛ وكذلك صنع الله بمن فارقَ الطاعة التى أمر بلزومها والأخذ
بها ، والأثرة لها؛ والتى قامت السموات والأرض بها ؛ قال الله تبارك وتعالى:
﴿ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ وَهِىَ دُخَنٌ فَقَالَ لَهَا وَلِلْأَرْضِ أَنْتِيَا طَوْعاً
أَوْ كَرْهاً قَالتَا أَتَيْنَا طَائِعِين﴾(٧)، وقال عزّ ذكره: ﴿وَإِذْ قَالَ رَبِّكَ لِلْمَلَئِكَةِ
إِنِّى جَاعِلٌ فِى الْأَرْضِ خِلِيفةً قَالُوا أَتَجْعَلٌ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ
الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّى أَعْلَمُ مَالَا تَعْلَمُونَ﴾ (٨)
١٧٥٩/٢
فبالخلافة أبقى اللّه مَنْ أبقى فى الأرض من عباده، وإليها صيره، وبطاعة
مَنْ وَلّه إياها سعد من ألهمها ونصرها؛ فإن الله عزّ وجلّ علم أنْ لا قوام
(١) ا، ب: ((مضيعين)).
(٣) ف: ((حكمته)).
(٥) ح: ((منهم)).
(٧) سورة فصلت ١١.
(٢) ح، ف: ((أسمع)).
(٤) ح، ف: ((حقه)).
(٦) سورة البقرة ٢٥١ .
(٨) سورة البقرة ٣٠.