النص المفهرس
صفحات 181-200
١٨١ سنة ١٢٢ ١٧٠٠/٢ فنزعاه من أيديكم! فقال لهم زيد: إن أشدّ ما أقول فيما ذكرتم أنّا كنا أحقّ بسلطان رسول الله صلى الله عليه وسلم من الناس أجمعين، وإنّ القوم استأثروا علينا، ودفعونا عنه، ولم يبلغ ذلك عندنا بهم كفرًا، قد وُلّوا فعَد ◌َلوا فى الناس، وعملوا بالكتاب والسنة . قالوا : فلم يظلمك هؤلاء! وإن كان أولئك لم يظلموك، فلمَ تدعو إلى قتال قوم ليسوا لك بظالمين! فقال: وإنّ هؤلاء ليسوا كأولئك؛ إنّ هؤلاء ظالمون لى ولكم ولأنفسهم ؛ وإنما ندعوكم إلى كتاب الله وسنة نبيه صلى اللّه عليه وسلم، وإلى السنن أن تُحيا، وإلى البِدَع أن تُطفأ؛ فإن أنتم أجبتمونا سعدتم، وإن أنتم أبيتم فلست عليكم بوكيل. ففارقوه ونكثوا بيعته ، وقالوا: سبق الإمام - وكانوا يزعمون أنّ أبا جعفر محمد بن علىّ أخا زيد بن علىّ هو الإمام، وكان قد هلك يومئذ - وكان ابنه جعفر بن محمد حيًّا ، فقالوا : جعفر إمامنا اليومَ بعد أبيه ؛ وهو أحقّ بالأمر بعد أبيه ؛ ولا نتّبع زيد بن علىّ فليس بإمام . فسماهم زيد الرّافضة، فهم اليوم يزعمون أن الذى سماهم الرافضة المغيرة(١) حيث فارقوه. وكانت منهم طائفة قبل خروج زيد مرّوا إلى جعفر بن محمد بن علىّ، فقالوا له : إن زيد بن علىّ فينا يبايع ؛ أفترى لنا أن نبايعه ؟ فقال لهم : نعم بايعوه ؛ فهو واللّه أفضلُنا وسيدنا وخيرُنا فجاءوا ، فكتموا ما أمرهم به . ١٧٠١/٢ قال : واستتبّ لزيد بن علىّ خروجه، فواعد أصحابه ليلة الأربعاء أول ليلة من صفر سنة اثنتين وعشرين ومائة . وبلغ يوسفَ بن عمر أنّ زيداً قد أزمع على الخروج، فبعث إلى الحكم ابن الصلت ، فأمره أن يجمع أهل الكوفة فى المسجد الأعظم يحصرُهم فيه ، فبعث الحكم إلى العُرَفاء والشُّرط والمناكب (٢) والمقاتلة؛ فأدخلهم المسجد، ثم نادى مناديه : ألا إنّ الأمير يقول : من أدركناه فى رحلة فقد برئت منه الذّمّة؛ ادخلوا المسجد الأعظم . فأتى الناس المسجد يوم الثلاثاء قبل خروج زيدبيوم ، وطلبوا زيدًا فى دار معاوية بن إسحاق بن زيد بن حارثة الأنصارىّ، فخرج ليلاً؛ وذلك ليلة الأربعاء ، فى ليلة شديدة البرد، من دار معاوية بن (١) هو المغيرة بن سعيد العجلى، وانظر ص ١٢٨، ١٢٩. (٢) المناكب : قوم دون العرفاء، وفى حديث النخعى: كان يتوسط العرفاء والمناكب. ١٨٢ سنة ١٢٢ إسحاق، فرفعوا الهرادىّ(١) فيها النيران، ونادوا: يا منصور أمتْ، أمتْ يامنصور. فكلما أكلت النار هُرْدِيًّا رفعوا آخر ، فما زالو كذلك حتى طلع الفجر ؛ فلما أصبحوا بعث زيد بن علىّ القاسم التُّنْعِىّ ثم الحضرمىّ ورجلا آخر من أصحابه، يناديان بشعارهما ، فلما كانوا فى صحراء عبد القيس لقيهم جعفر بن العباس الكندىّ ، فشدُّوا عليه وعلى أصحابه ، فقتل الرجل الذى كان مع القاسم التِّنْعِىّ، وارتمُثّ القاسم، فأتِىَ به الحكم، فكلمه فلم يردّ عليه شيئًا، فأمر به فضربتْ عُنُقه على باب القصر ؛ فكان أوّل مَنْ قتِل من أصحاب زيد ابن علىّ هو وصاحبه. وأمر الحكم بن الصلت بدروب (٢) السوق فغلقت، وغلقت أبواب المسجد على أهل الكوفة . وعلى أرباع الكوفة يومئذ ؛ على رُبْع أهل المدينة إبراهيم بن عبد الله بن جرير البجلىّ، وعلى مَذْحج وأسد عمرو ابن أبى بذْل العبدىّ ، وعلى كِنْدة وربيعة المنذر بن محمد بن أشعث بن قيس الكندىّ، وعلى تميم وهمْدان محمد بن مالك الهمْدانىّ ثم الخَيْوانىّ. قال : وبعث الحكم بن الصّلت إلى يوسف بن عمر، فأخبره الخبر ، فأمر يوسف مناديه فنادى فى أهل الشام: مَنْ يأتى الكوفة فيقترب من هؤلاء القوم فيأتينى بخبرهم؟ فقال جعفر بن العباس الكندىّ : أنا ، فركب فى خمسين فارساً ، ثم أقبل حتى انتهى إلى جبّانة سالم السَّولىّ، فاستخبرهم ، ثم رجع إلى يوسف بن عمر فأخبره ، فلما أصبح خرج إلى تلّ قريب من الحيرة ، فنزل عليه ومعه قريش وأشراف الناس؛ وعلى شُرْطته يومئذ العباس بن سعيد المُزَنىّ ، فبعث الرّيان بن سلمة الإراشىّ فى ألفين ومعه ثلثمائة من القِيقانيّة رُجَالاً معهم النُّشاب. وأصبح زيد بن علىّ، فكان جميعُ مَنْ وافاه تلك الليلة مائتى رجل وثمانية عشر رجلا ، فقال زيد: سبحان الله! أين الناس! فقيل له : هم فى المسجد الأعظم محصورون ، فقال : لا والله ما هذا لمن بايعنا بعذر. وسمع نصر ابن خزيمة النداء ، فأقبل إليه ، فلقى(٣) عمر بن عبد الرحمن صاحب شرطة الحكم بن الصّلت فى خيله من جُهينة عند دار الزّبير بن أبى حكمة فى الطريق (١) فى اللسان: ((الهردية: قصبات تضم ملوية بطاقات الكرم تحمل عليها قضبانه)). (٣) ح، ف: ((فتلقاه)). (٢) الدرب : الباب الأكبر. ١٧٠٢/٢ ١٧٠٣/٢ ١٨٣ سنة ١٢٢ الذى يخرج إلى مسجد بنى عدىّ ، فقال نصر بن خزيمة : يا منصور أمتْ؛ فلم يردّ عليه شيئاً، فشدّ عليه نصر وأصحابه، فقتل عمر بن عبد الرحمن، وانهزم مَن كان معه، وأقبل زيد بن علىّ من (١) جبّانة سالم حتى انتهى إلى جبّانة الصائديّين، وبها خمسمائة من أهل الشأم ، فحمل عليهم زيد بن علىّ فيمن معه فهزمهم . وكان تحت زيد بن علىّ يومئذ بِرْذَوْن أَدْهَ بهيم ؛ اشتراه رجل من بنى نَهْد بن كهمس بن مروان النجارىّبخمسة وعشرين ديناراً، فلما قتِل زيد بعد ذلك أخذه الحكم بن الصّلت . قال : وانتهى زيد بن علىّ إلى باب دار رجل من الأزْد ، يقال له أنس ابن عمرو- وكان فيمن بايعه ــ فنودى وهو فى الدار فجعل يجيب، فناداه زید يا أنس: اخرج إلىّ رحمك الله ، فقد جاء الحق وزهق الباطل إن الباطل كان زهوقا. فلم يخرج إليه، فقال زيد: ما أخلفكم! قد فعلتموها، الله حسيبكم! ١٧٠٤/٢ قال : ثم إنّ زيداً مضى حتى انتهى إلى الكُناسة ، فحمل على جماعة بها من أهل الشأم فهزمهم ؛ ثم خرج حتى ظهر إلى الجبّانة ويوسف بن عمر على التلّ ينظر إليه هو وأصحابه، وبين يديه حزام بن مرة المزنىّ وزمزم بن سُلَم الثعلبىّ؛ وهما على المجفّفة، ومعه نحو من مائتى رجل؛ والله لو أقبل على يوسف لقتله، والرّيان بن سلمة يتْبع أثر زيد بن على بالكوفة فى أهل الشأم. ثم إن زيداً أخذ ذات اليمين على مصلّى خالد بن عبد الله حتى دخل الكوفة، وكانت فرقة من أصحاب زيدبن علىّ حيث وجّه إلى الكُناسة قد انشعبتْ(٢) نحو جبّانة منخْنف بن سُلَم . ثم قال بعضهم لبعض : ألا ننطلق (٣) نحو جبانة كنْدة! قال: فما زاد الرّجل على أن تكلم بهذا الكلام. وطلع أهلُ الشأم ؛ فلما رأوهم دخلوا زُفاقاً فمضَوْا فيه ، وتخلّف رجل منهم، فدخل المسجد فصلى فيه ركعتين ، ثم خرج إليهم فقاتلهم ساعة . ثم إنهم صَرَّعُوه ، فجعلوا يضربونه بأسيافهم؛ فنادى رجل منهم مقنّع بالحديد : أن اكشفوا الْمغفر ثم اضربوا رأسه بعمود حديد ؛ ففعلوا، وقتِل وحمل أصحابه عليهم فكشفوهم عنه وقد قتل ، وانصرف أهل الشأم ؛ وقد اقتطعوا (١) ابن الأثير: ((على)). (٣) ف: ((ألا تنطلقوا)). (٢) ب، ح: ((اتسعت)). ١٨٤ 1 سنة ١٢٢ رجلا ، ونجا سائرهم . فذهب ذلك الرّجل حتى دخل دار عبد الله بن عَوْف، ١٧٠٥/٢ فدخل أهل الشأم عليه فأسروه، فذهب به إلى يوسف بن عمر فقتله . قال: وأقبل زيد بن علىّ، وقد رأى خذلان الناس إيّاه ، فقال : يا نصر بن خزيمة ، أتخاف (١) أن يكون قد جعلوها حسينيّة! فقال له : جعلنى اللّه لك الفداء! أما أنا فوالله لأضربنّ معك بسيفى هذا حتى أموت؛ فكان قتاله يومئذ بالكوفة . ثم إن نصر بن خزيمة قال لزيد بن علىّ: جعلنى اللّه لك الفداء! إنّ الناس فى المسجد الأعظم محصورون، فامض بنا نحوهم ، فخرج بهم زيد نحو المسجد، فمرّ على دار خالد بن عَرْ فطة . وبلغ عبيد الله ابن العباس الكندىّ إقبالُه، فخرج فى أهل الشام ، وأقبل زيد فالتقوا على باب عمر بن سعد بن أبى وقّاص، فكع (٢) صاحب لواء عبيد الله - وكان لواؤه مع سلمان مولاه - فلما أراد عبيد اللّه الحملة ورآه قد كعّ عنه ، قال : احمل يابن الخبيثة! فحمل عليهم ، فلم ينصرف حتى خُضِّب لواؤه بالدّم . ثم إن عبيد الله برز فخرج إليه واصل الحنّاط ، فاضطربا بسيفهما، فقال للأحول : خذها منّى وأنا الغلام الحنّاط! وقال الآخر: قطع الله يدى إن كِلْتَ بقفيزٍ أبداً. ثم ضربه فلم يصنع شيئًا. وانهزم عبيد الله بن العباس وأصحابه ، حتى انتهوا إلى دار عمرو بن حُریث . وجاء زيد وأصحابه حتى انتهوْا إلى بابِ الفيل ؛ فجعل أصحابُ زید یُدخلون راياتِهم من فوق الأبواب، ويقولون : يا أهلَ المسجد ، اخرجوا . وجعل نصر بن خُزيمة يناديهم ، ويقول : يا أهل الكوفة ، اخرجوا من الذلّ إلى العزّ ، اخرجوا إلى الدين والدنيا ؛ فإنكم لستم فى دين ولا دنيا . فأشرف عليهم أهلُ الشأم ، فجعلوا یرمُونهم بالحجارة من فوق المسجد- وکان يومئذ جمع کبیر بالكوفة فى نواحيها، وقيل فى جبّانة سالم - وانصرف الرّيان بن سلمة إلى الحيرة عند المساء، وانصرف زيد بن علىّ فيمن معه، وخرج إليه ناس من أهل الكوفة ، فنزل دار الرزق ، فأتاه الرّيان بن سلمة ، فقاتله عند دار الرزق قتالاً شديداً، فجرح من أهل ١٧٠٦/٢ (١) ابن الأثير: ((أنا أخاف)). (٢) كع : جبن وضعف. ١٨٥ سنة ١٢٢ الشأم وقتل منهم ناس كثير، وتبعهم أصحاب زيد من دار الرّزق ؛ حتى انتهوْا إلى المسجد ؛ فرجع أهلُ الشأم مساء يوم الأربعاء أسوأ شيء ظنًّا؛ فلما كان من الغد غداة يوم الخميس، دعا يوسف بن عمر الرّيان بن سلمة ، فلم يوجَد حاضراً تلك الساعة . ١٧٠٧/٢ وقال بعضُهم : بل أتاه وليس عليه سلاحه فأفَّفَ به ، وقال له : أقِّ لك من صاحب خيل ! اجلس . فدعا العباس بن سعيد المُزنىّ صاحب شرطته ، فبعثه فى أهل الشام ، فسار حتى انتهى إلى زيد بن علىّ فى دار الرزق، وثَمّ خشب للتجار(١) كثير، فالطريق متضايق . وخرج زيد فى أصحابه ، وعلى مجنّبتيه نصر بن خزيمة العبسىّ ومعاوية بن إسحاق الأنصارىّ ، فلما رآهم العباس- ولم يكن معه رجال- نادى: يا أهلَ الشأم، الأرضَ والأرضَ! فنزل ناسٌ كثير ممن معه ، فاقتتلوا قتالاً شديداً فى المعركة . وقد كان رجل من أهل الشأم من بنى عَبْس يقال له نائل بن فَرْوة قال ليوسف بن عمر : والله لئن أنا ملأتُ عينى من نصر بن خزيمة لأقتلنّه أو ليقتلنّى ، فقال له يوسف: خذ هذا السيف ؛ فدفع إليه سيفاً لا يمرّ بشىء إلا قطعه . فلما التقى أصحاب العباس بن سعيد وأصحاب زيد واقتتلوا ، بصُر نائل بن فروة بنصر بن خزيمة ، فأقبل نحوه ، فضرب نصراً فقطع فَخِذه، وضربه نصر ضربةً فقتله ؛ فلم يلبث نصر أن مات ، واقتتلوا قتالاً شديداً . ثم إن زيد بن علىّ هزمهم وقتل من أهل الشأم نحواً من سبعين رجلا، فانصرفوا وهم بشرّ حال . وقد كان العباس بن سعيد نادى فى أصحابه أن اركبوا ؛ فإن الخيل لا تطيق الرجال فى المضيق فركبوا ، فلما كان العشىّ عبّأهم يوسف بن عمر ثم سرّحهم ، فأقبلوا حتى التقوا هم وأصحاب زيد، فحمل عليهم زيد فى أصحابِهِ فكشفهم، ثم تبعهم حتى أخرجهم إلى السَّبَخة، ثم شدّ عليهم بالسبخة حتى أخرجهم إلى بنى سُليم، ثم تبعهم فى خيله ورجاله؛ حتى أخذوا على المسنّاة (٢). ١٧٠٨/٢ ثم إنّزيد أظهر (٣) لهم فيما بين بارق ورُؤَاس، فقاتلهم هنالك قتالا شديداً. (١) ط: ((النجار))، وما أثبته من ح. (٣) ط: ((أظهر))، وما أثبته من ). (٢) المسناة: ضفيرة تبنى للسيل لترد الماء. ١٨٦ سنة ١٢٢ وصاحب لوائه يومئذ رجل يقال له عبد الصمد بن أبى مالك بن مسروح ، من بنى سعد بن زيد، حليف العباس بن عبد المطلب، وكان مسروح السعدىّ تزوّج صفية بنت العباس بن عبد المطلب، فجعلت خيلُهم لا تثبُت خيله ورجله ، فبعث العباس إلى يوسف بن عمر يعلمه ذلك ، فقال له : ابعث إلىّ الناشبة، فبعث إليهم سليمان بن كيسان الكلبىّ فى القِيقانيّة والبُخارِيّة؛ وهم ناشبة ، فجعلوا يرمون زيداً وأصحابه ، وكان زيد حريصًا على أن يصرفهم حين انتهوا إلى السَّبَخة، فأبوا عليه ، فقاتل معاوية بن إسحاق الأنصارىّ بين يدى زيد بن علىّ قتالا شديداً، فقتل بين يديه ، وثبت زيد بن على ومن معه حتى إذا جنح الليل رُمِی بسهم فأصاب جانب(١) جبهته الیسری، فتشبّث (٢) فى الدّماغ، فرجع ورجع أصحابه؛ ولا يظنُّ أهلُ الشأم أنهم رجعوا إلا للمساء والليل . ١٧٠٩/٢ قال : فحد ثنى سلمة بن ثابت الليثىّ - وكان مع زيد بن علىّ، وكان آخر من انصرف مِن الناس يومئذ، هو وغلام لمعاوية بن إسحاق . قال: أقبلتُ أنا وصاحبى نقصُ أثر زيد بن علىّ، فنجدُه قد أنزل؛ وأدخل بيت حَرّان ابن كريمة (مولى لبعض العرب فى سكّة البريد فى دُور أرْحَب وشاكر). قال سلمة بن ثابت : فدخلت عليه ، فقلت له : جعلنى الله فداك أبا الحسين! وانطلق أصحابُه فجاءوا بطبيب يقال له شُقَير (مولّ لبنى رُؤاس) فانتزع النَّصل من جبهته، وأنا أنظر إليه، فوالله ما عدا أن انتزعه جعل يصيح ، ثم لم يلبث أن قضى ؛ فقال القوم : أين ندفُنُه ، وأين نواريه ؟ فقال بعض أصحابه : نلبسه درعتَه ونطرحُه فى الماء ، وقال بعضهم : بل نحتزّرأسَه ونضعه بين القتلى، فقال ابنه يحيى: لا والله لا تأكل لحم أبى الكلاب. وقال بعضهم : لا بل نحمله إلى العباسيّة فندفنه . قال سلمة : فأشرتُ عليهم أن ننطلق به إلى الحُفْرة التى يؤخذ منها الطين فندفنه فيها ، فقبلوا رأيى وانطلقنا ، وحفرنا له بين حُفْرتَين، وفيه حينئذ ماء كثير ؛ حتى إذا نحن أمكنًا له دفنّاه ، وأجرينا عليه الماء(٣)، وكان معنا ١٧١٠/٢ (١) ح: ((حاجب)). (٣) ح، ف: ((الماء عليه)). (٢) ابن الأثير: ((فثبت)). ١٨٧ سنة ١٢٢ عبد له سندىٌّ . قال : ثم انصرفنا حتى نأتى جبّانة السبيع ، ومعنا ابنه ، فلم نزل بها ، وتصدّع الناس عنا ، وبقيت فى رهط معه لا يكونون(١) عشرة ، فقلت له : أين تريد ؟ هذا الصبح قد غشيك - ومعه أبو الصّبيَّار العبدىّ - قال: فقال: النّهرين ، فظننتُ أنه يريد أن يتشطّط الفرات ويقاتلهم - فقلتُ له : لا تبرح مكانك ، تقاتلهم حتى تُقتل ، أو يقضى الله ما هو قاض . فقال لى: أنا أريد نهرَىْ كربلاء. فقلت له : فالنّجاء قبل الصبح ، فخرج من الكوفة ، وأنا معه وأبو الصّبار ورْهط معنا ، فلمّا خرجنا من الكوفة سمعنا أذان المؤذّنين ، فصلينا الغداة بالنُّخيلة ، ثم توجَّهنا سراعاً قِبَلَ نِينَوَى، فقال لى : إنى أريد سابقاً مولى بشر بن عبد الملك بن بِشْر، فأسرع السير ، وكنتُ إذا لقيت القوم أستطعمهم فأطعم الأرغفة فأطعِمها إياه، فيأكل ونأكل معه؛ فانتهينا إلى نِينَوَى وقد أظلمناً ، فأتينا منزل سابق ، فدعوتُ على الباب، فخرج إلينا فقلت له : أما أنا فآتى الفيوم ، فأكون به ؛ فإذا بدا لك أن ترسل إلىّ فأرسل . قال : ثم إنى مضيت وخلّفته عند سابق ؛ فذلك آخر عهدى به . ١٧١١/٢ قال : ثم إنّ يوسف بن عمر بعث أهل الشأم يطلبون الجرحى فى دور أهل الكوفة ، فكانوا يخرجون النساء إلى صحن الدار، ويطوفون البيت يلتمسون الجرحتى . قال : ثم دلّ غلام زيد بن علىّ السندىُّ يوم الجمعة على زيد، فبعث الحكم بن الصَّلت العباسَ بن سعيد المزنىّ وابن الحكم بن الصَّلت ، فانطلقا فاستخرجاه، فكره العباس أن يغلب عليه ابن الحكم بن الصّلت. فتركه وسرّح بشيراً إلى يوسف بن عمر غداة يوم الجمعة برأس زيد بن علىّ مع الحجاج بن القاسم بن محمد بن الحكم بن أبى عَقِيل، فقال أبو الجُويرية مولى جُهَينة: ورفعوا الشَّمْعَ بِصَحْرا سالِمْ قُلْ للذينَ انتهكوا المحارمْ يا يوسفَ بنَ الحكمِ بن القاسم! كيف وَجَدْتمْ وقعةَ الأَكارمْ قال : ولما أتى يوسفَ بن عمر البشيرُ ، أمر بزيد فصلب بالكُناسة ، (١) كذا فى ح، وفى ط: ((لا تكون)). ١٨٨ سنة ١٢٢ هو ونصر بن خُزيمة ومعاوية بن إسحاق بن زيد بن حارثة الأنصارىّ وزياد النهدىّ؛ وكان يوسف قد نادى: مَن جاء برأسٍ فله خمسمائة درهم ، فجاء محمد بن عبّاد برأس نصر بن خُزيمة، فأمر له يوسف بن عمر بألف درهم ، وجاء الأحول مولى الأشعريّين برأس معاوية بن إسحاق؛ فقال : أنت قتلتَه ؟ فقال : أصلح اللّه الأمير! ليس أنا قتلته ؛ ولكنى رأيتُه فعرفته ، فقال: أعطوه سبعمائة درهم، ولم يمنعه أن يتمّ له ألفًا، إلاّ أنه زعم أنه لم يقتله . ١٧١٢/٢ وقد قيل : إنّ يوسف بن عمر لم يعلم بأمر زيد ورجوعه من الطريق إلى الكوفة بعد ما شخص إلّ بإعلام هشام بن عبد الملك إياه ، وذلك أن رجلاً من بنى أمية كتب - فيما ذكر - إلى هشام ، يذكر له أمر زيدٍ ، فكتب هشام إلى يوسف يشتِمه ويجهّله، ويقول : إنك لتغافل، وزيد غارز ذنبه بالكوفة يبايَعَ له فألححْ(١) فى طلبه، فأعطِه الأمان فإن لم يقبل فقاتله. فكتب يوسف إلى الحكم بن الصّلت من آل أبى عَقيل وهو خليفته على الكوفة بطلبه ، فطلبه فخفىَ عليه موضعُهُ، فدسّ يوسف مملوكًا خُراسانيًّا ألكن، وأعطاه خمسة آلاف درهم، وأمره أن يلطف لبعض الشّيعة فيخبره أنه قد قدم من خُراسان حبًّا لأهل البيت؛ وأنّ معه مالاً يريد أن يقوّيتهم به ؛ فلم يزل المملوك يلقى الشيعة، ويخبرهم عن المال الذى معه حتى أدخلوه على زيد ، فخرج فدَلَ يوسف على موضعه، فوجّه يوسف إليه الخيل، فنادى أصحابه بشعارهم ، فلم يجتمع إليه منهم إلا ثلثمائة أو أقلّ ، فجعل يقول : كان داود ابن على أعلم بكم ؛ قد حذ ◌ّرنى خذلانكم فلم أحذر! وقيل : إنّ الذی دلّ على موضع زید الذی کان دُفنفیہ ــ و کان دفن فى نهر يعقوب فيما قيل، وكان أصحابُه قد سكروا(٢) النهر ثم حفروا ١٧١٣/٢ له فى بطنه، فدفنوه فى ثيابه ثم أجْروا عليه الماء - عَبْدٌ(٣) قصَّار كان به ، فاستجعل جُعلا على أن يدلّهم على موضعه، ثم دلّهم، فاستخرجوه ، فقطعوا رأسَه ، وصلبوا جسده ؛ ثم أمروا بحراسته لئلا يُنزل، فمكث يُحرّس زمانًاً. (١) ط: ((فألحج)). (٢) سكروا النهر : سدوا فاه . (٣) كذا فى ب، وفى ط ((عند))، تصحيف. ١٨٩ سنة ١٢٢ وقيل إنه كان فيمن يحرُسه زهير بن معاوية أبو خيثمة، وبُعث برأسه إلى هشام فأمر به فنصِب على باب مدينة دمشق ، ثم أرسل به إلى المدينة، ومكث البَدَن مصلوبًا حتى مات هشام ، ثم أمر به الوليد فأنزل وأحرق . وقيل : إن حكيم ابن شريك كان هو الذى سعى بزيد إلى يوسف . فأما أبو عبيدة معمر بن المثنى فإنه قال فى أمر يحيى بن زيد : لما قُتِل زيد عمَد رجلٌ من بنى أسد إلى يحيى بن زيد، فقال له : قد قتل أبوك ، وأهلُ خراسان لكم شيعةٌ ، فالرأى أن تخرج إليها . قال : وكيف لى بذلك ؟ قال : تتوارى حتى يكفّ عنك الطلب ثم تخرج ، فواراه عنده ليلة، ثم خاف فأتى عبد الملك بن بشر بن مَرْوان ، فقال له : إن قَرابة زيد بك قريبة ، وحقّه عليك واجب، قال له : أجَل ؛ ولقد كان العفو عنه أقرب إلى التقوى، قال: فقد قتل وهذا ابنه غلامًا حدثاً(١) لا ذنب له ؛ وإن علم يوسف بن عمر بمكانه قتله ، فتُجيره وتواريه عندك ، قال : نعم وكرامة . فأتاه به فواراه عنده . فبلغ الخبر يوسف ، فأرسل إلى عبد الملك : قد بلغنى مكان هذا الغلام عندك ، وأعطى الله عهداً؛ لأن لم تأتنى به لأكتبنّ فيك إلى أمير المؤمنين، فقال له عبد الملك : أتاك الباطل والزور ؛ أنا أوارى مَنْ ينازعنى سلطانى ويدّعى فيه أكثر من حقى! ماكنت أخشاك على قبول مثل هذا علىّ ولا الاستماع من صاحبه ، فقال : صدق والله ابن بِشْر؛ ما كان ليوارى مثل هذا، ولا يستر (٢) عليه ؛ فكفّ عن طلبه ؛ فلما سكن الطلبُ خرج يحيى فى نفر من الزيدّيّة إلى خُراسان . ١٧١٤/٢ وخطب يوسف بعد قتل (٣) زيد بالكوفة فقال: يا أهل الكوفة ، إن يحيى بن زيد يتنقّل فى حِجال نسائكم كما كان يفعل أبوه، والله لو أبدى(٤) لى صفحته لعرقتُ خصييه كما عرقت خصيّى أبيه . وذكر عن رجل من الأنصار قال: لما جىء برأس زيد فصُلب بالمدينة فى سنة ثلاث وعشرين ومائة ، أقبل شاعر من شعراء الأنصار فقام بحياله، فقال : (١) ابن الأثير: ((غلام حدث)). (٢) ب: ((يستره)). (٣) فى: ((بعد ما قتل زيد)). (٤) ط: ((بدى))، وما أثبته من ف. ١٩٠ سنة ١٢٢ أَلا يا ناقِضَ الميئا قِ أَبشرْ بالذى ساكا قِدْماً كان قدْماكا قَ نقَضْتَ العَهْدَ والميثا ذى قد كان مَنّاًكا لقد أَخلَفَ إِبليس الّ قال : فقيل له : ويلك ! أتقول هذا لمثل زيد ! فقال : إن الأمير ١٧١٥/٢ غضبان فأردتُ أن أرضَيه ، فرَّد عليه بعض شعرائهم : لقد أَصْبَحْت أَفَّاكا السوء أَلا يا شاعرَ ه يُرْضِى مَنْ تَوَلاكا(١) أَشَتْمُ ابنِ رسول بخِی ثم مَساكا اللهُ صَبِّحَكَ أَلَا مثوا کا ويوم الحشر لا شكَّ بِأَن النَّارَ وقيل : كان خِراش بن حَوْشب بن يزيد الشيبانىّ على شُرَط يوسف ابن عمر ؛ فهو الذى نَبَش زيداً ، وصلبه ، فقال السيّد : ٠ ساهِرَ الطَّرفِ مُقْصَدا مُسهدا بتّ لیلی النَّبلّدًا وَأَطَلتُ قولة ولقد قلتُ ومزیدا وخِراشاً حَوْشَباً لَعنَ اللهُ فإِنه ويَزيدًا كان أَعْتَى وَأَعْندا أَلْفَ أَلف وَأَلْفَ أَ! ـفٍ من اللعْن سَرمد محمدا وآذوْا ۵ إنهم حاربوا الإأ تَعَنُّدا زید شركوا فى دَمِ المطهر ثم عالوه فوقَ جِذْ عٍ صريعاً مُجَرَّدا يا خِراشَ بنَ حوشَبٍ أَنت أَشقَى الوَرَى غدًا (١) ورد هذا البيت محرفاً مضطرباً فى ط، وأثبت صوابه من ا. ١٩١ سنة ١٢٢ ١٧١٦/٢ قال أبو مخنف: ولما قتَل يوسف زيدَ بن علىّ أقبل حتى دخل الكوفة فصعد المنبر ، فقال : يا أهلَ المدَرَة الخبيثة، إنى واللّه ما تقرَن بى الصَّعْبَة، ولا يقعقَعَ لى بالشّنان، ولا أخَوّف بالذنب (١). هيهات!ُحُبِيت بالساعد الأشدّ، أبشروا يا أهلَ الكوفة بالصَّغار والهوان ، لا عطاء لكم عندنا ولا رزق؛ ولقد هممت أن أخرب بلاد كم ودوركم، وأحرمكم أموالكم. أما والله ما علوت منبرى إلا أسمعتُكم ما تكرهون عليه ، فإنكم أهلُ بغى وخلاف، ما منكم إلا متن حارب الله ورسوله؛ إلا حكيم بن شريك المحاربىّ؛ ولقد سألت أميرَ المؤمنين أن يأذن لى فيكم ؛ ولو أذن لقتلتُ مقاتلتكم ، وسبيت ذراريكم . ٠ وفى هذه السنة قتل كلثوم بن عياض القُشيرىّ الذى كان هشام بن عبد الملك بعثه فى خيول أهل الشأم إلى إفريقيّة؛ حيث وقعت الفتنة بالبربر. وفيها قتل عبد الله البطَّال فى (٢) جماعة من المسلمين بأرض الروم. وفيها ولد الفضل بن صالح ومحمد بن إبراهيم بن محمد بن علىّ . ١٧١٧/٢ وفيها وجّه يوسف بن عمر بن شبرمة على سِجِسْتان، فاستقضى ابنَ أبی لیلی . ٥ وحجّ بالناس فى هذه السنة محمد بن هشام المخزومي ، كذلك حدثنى أحمد بن ثابت ، عمّن ذكره، عن إسحق بن عيسى ، عن أبى معشر؛ وكذلك قال الواقدى وغيره . وكانت عمال الأمصار فى هذه السنة العمال فى السنة التى قبلها ، وقد ١ ذكرناهم قبل ؛ إلا أنّ قاضى الكوفة كان - فيما ذكر - فى هذه السنة محمد بن عبد الرحمن بن أبى ليلى . (١) كذا فى ا، ح، وفى ط: ((الذئب)). (٢) ف: ((وجماعة)). ١٩٢ ثم دخلت سنة ثلاث وعشرين ومائة ذكر الخبر عما كان فيها من الأحداث [ ذكر خبر صلح نصر بن سيار مع السُّغْد] فمن ذلك ما جرى بين أهل السُّغد ونَصْر بن سيار من الصّلح . ذكر الخبر عن ذلك وسببه : ذكر علىّ بن محمد ، عن شيوخه ، أن خاقان لما قُتل فى ولاية أسد ، تفرَّقت الترك فى غارة بعضها على بعض؛ فطمع أهل السُّغد فى الرَّجْعة إليها، وانحاز قوم منهم إلى الشاش ، فلما ولى نصر بن سيار أرسل إليهم يدعوهم إلى الفيئة والمراجعة إلى بلادهم ، وأعطاهم كلّ ما أرادوا . قال: وكانوا سألوا شُروطاً أنكرها أمراء خُراسان؛ منها ألّ يعاقب مَن كان مسلمًا وارتدّ عن الإسلام، ولا يعدّى عليهم فى دين لأحد من الناس ، ١٧١٨/١ ولا يؤخذون بقبالة عليهم فى بيت المال، ولا يؤخذ أسراء المسلمين من أيديهم إلا بقضيّة قاض وشهادة العدول (١)؛ فعاب الناس ذلك على نصر، وكلّموه فقال : أما والله لو عاينتم شَوْكتهم فى المسلمين وذكايتهم مثل الذى عانت ما أنكرتم ذلك ! فأرسل رسولا إلى هشام فى ذلك ؛ فلما قدم الرّسول أبى أن ينفذ ذلك لنصر ، فقال الرسول : جرّبت يا أمير المؤمنين حرْبنا وصُلْحنا، فاختر لنفسك. فغضب هشام، فقال الأبرش الكلبىّ: يا أمير المؤمنين ، تألّف القوم واحمل لهم ؛ فقد عرفْتَ نكايتهم كانت فى المسلمين ، فأنفذ هشام ما سأل . وفى هذه السنة أوفد يوسفُ بن عمر الحكمَ بن الصّلت إلى هشام بن عبد الملك ، يسأله ضمّ خراسان إليه وعنزْل نصر بن سيّار . (١) ابن الأثير: ((عدول)). ١٩٣ سنة ١٢٣ ذكر الخبر عن سبب ذلك وما كان من الأمر فيه : # ذكر علىّ عن شيوخه، قال : لما طالت ولاية نَصْر بن سيار ، ودانت له خُراسان، كتب يوسف بن عمر إلى هشام حسداً له: إن خُراسان دَبَرةُ دبِرةٌ (١) فإن رأى أمير المؤمنين أن يضمّها إلى العراق فأسرّح إليها الحكم بن الصلت ؛ فإنه كان مع الجُنيد، وولىَ جسيم أعمالها ، فأعمر بلاد أمير المؤمنين بالحكم . وأنا باعث بالحكم بن الصَّلْت إلى أمير المؤمنين، فانه أديب أريب، ونصيحته لأمير المؤمنين مثل نصيحتنا ومودّتنا أهل البيت. فلما أتى هشامًا كتابُه بعث إلى دار الضيافة، فوجد فيها مقاتل بن على السُّغدىّ ، فأتوْه به، فقال : أمِن خراسان أنت ؟ قال : نعم ، وأنا صاحب الترك - قال: وكان قدم على هشام بخمسين ومائة من الترك- فقال : . أتعرف الحكم بن الصلت ؟ قال: نعم، قال: فما ولىَ بخراسان؟ قال: ولىَ قرية يقال لها الفارياب، خراجها سبعون ألفًاً، فأسره الحارث بن سُريج، قال: ويحك! وكيف أفلتَ منه! قال: عرك أذنه، وقفَده(٢) وخلّى سبيله. قال: فقدم عليه الحكم بعدُ بخراج العراق، فرأى له جمالاً وبيانًا، فكتب إلى يوسف : إنّ الحكم قدم وهو على ما وصفت، وفيما قبلك له سعةٌ، وخلّالكنانىّ وعمله. وفى هذه السنة غزا نصر فرغانة غزوته الثانية ، وأوفد مغراء بن أحمر إلى العراق ، فوقع فيه عند هشام . ذكر الخبر عن ذلك وما كان من هشام ويوسف بن عمر فيه : ذكر أن نصراً وجّه مَغْراءَ بن أحمر إلى العراق وافداً ، منصرفته من غَزْوتِه الثانية فَرْغانة ، فقال له يوسف بن عمر : يابن أحمر ؛ يغلبكم ابن الأقطع يا معشر قيس على سلطانكم! فقال : قد كان ذلك أصلح الله الأمير ! قال : فإذا قدمتَ على أمير المؤمنين فابقر بطنه . فقدموا على هشام ، فسألهم عن أمر خُراسان ، فتكلّم مغراء ، فحمد الله وأثنى عليه ، ثم ذكر ١٧٢٠/٢ (١) الدبرة، بالتحريك: قرحة الدابة، ودبرت فهى دبرة، كفرحة، أى أنها موطن للقلاقل . (٢) القفد : صفع الرأس ببسط الكف . ١٩٤ سنة ١٢٣ يوسف بن عمر بخير ، فقال: ويحث! أخبرنى عن خُراسان، قال : ليس لك جند يا أمير المؤمنين أحدّ (١) ولا أنجد منهم، من سُواذق (٢) فى السماء وفرسان (٣) مثل الفيلة ؛ وعُدّة وعدد من قوم ليس لهم قائد ، قال : ويحلث! فما فعل الكنانىّ؟ قال: لا يعرف ولَده من الكبَر. فردّ عليه مقالته، وبعث إلى دار الضيافة، فأتِىَ بُشبسيل بن عبد الرحمن المازنىّ، فقال له هشام: أخبرنى عن نَّصْر ، قال : ليس بالشيخ يُخشى خَرَفه ، ولا الشابّ يُخشى سفهُه، المجرِّب المجرَّب، قد ولى عامَّة ثغور خراسان وحروبها قبل ولايته . فكتِب إلى يوسف بذلك ، فوضع يوسف الأرصاد ، فلما انتهوا إلى الموْصِل تركوا طريق البَريد، وتكأَّدُوا حتى قدموا بيهق - وقد كُتِب إلى نصر بقول شُبَيل- وكان إبراهيم بن بسام فى الوفْد، فمكر به يوسف، ونعتى له نصراً، وأخبره أنه ١٧٢١/٢ قد ولّى الحكم بن الصّلت بن أبى عقيل خُراسان. فقسم له إبراهيم أمر خُراسان كله ؛ حتى قدم عليه إبراهيم بن زياد رسول نصر ؛ فعرف أنّ يوسف قد مکرَ به وقال : أهلكنى يوسف . وقيل: إن نصراً أوفد مغراء، وأوفد معه حَمَلة بن نعيم الكلبىّ، فلما قدموا على يوسف ، أطمع يوسف مغراء، إن هو تنقص نصراً عند هشام أن يوليه السند. فلما قدما عليه ذكر مَغْراء بأس نصر ونجدته ورأيه ، وأطنب فى ذلك ، ثم قال : لو كان اللّه متّعنا منه ببقيّة! فاستوى هشام جالساً ، ثم قال: ببقيّة ماذا؟ قال: لا يَعْرِف الرّجل إلا بِجِرْمه، ولا يفهم عنه حتى يُدنَى منه، وما يكاد يُفهم صوته من الضّعف لأجل كِبَرَه. فقام حملة الكلبىّ، فقال: يا أميرَ المؤمنين، كذب واللّه، ما هو كما قال ؛ هو هو . فقال هشام : إن نصرًا ليس كما وصف ، وهذا أمر يوسف بن عمر حسدٌ لنصر ؛ وقد کان یوسف کتب إلى هشام یذکر کبر نصر وضعفه ، ویذکر له سَلْم بن قتيبة. فكتب إليه هشام: الْهُ عن ذكر الكنانىّ ، فلما قدم مغراء على يوسف ، قال له : قد علمتَ بلاء نصر عندى ، وقد صنعتُ به ١٧٢٢/٢ (١) !، ب: ((أعد)). (٢) السواذق : الصقر. (٣) كذا فى اوفى ط: ((فراسية)). ١٩٥ سنة ١٢٣ ما قد علمتَ ، فليس لى فى صحبته خير، ولا لى بخراسان مقام؛ فأمره (١) بالمقام. وكتب إلى نصر: إنى قد حوّلت اسمَه، فأشخص إلىّ مَن قِبَلك من أهله . وقيل: إنّ يوسف لما أمر مغراء بعيب نَصْر ، قال : كيف أعيبه مع بلائه وآثاره الجميلة عندى وعند قومى ! فلم يزل به ، فقال: فبِمَ أعيبه ؟ أعيب تجربته أم طاعته ؟ أم يُمْن نقيبته أم سياسته ؟ قال : عِبْه بالكِبِر. فلما دخل على هشام تكلم مغراء ، فذكر نصرًا بأحسن ما يكون، ثم قال فى آخر كلامه: لولا ... ، فاستوى هشام جالسًا، فقال: ما لولا ! قال : لولا أنّ الدهر قد غلب عليه، قال: ما بلغ به ويحث الدهرُ! قال: ما يعرِف الرّجل إلا من قريب، ولا يعرفه إلا بصوته، وقد ضعُف عن الغَزْ وِ والرّكُوب. فشقّ ذلك على هشام. فتكلّم حَمَلة بن نُعيم. فلما بلغ نصراً قول مغْراء بعث هارون بن السياوش إلى الحكم بن نميلة، وهو فى السرّاجين يعرض الجند ، فأخذ برجله فسحبه عن طنفسة له ، وكسر لواءه على رأسه ، وضرب بطِنْفسته وجهه ، وقال : كذلك يفعل اللّه بأصحاب (٢) الغدر ! وذكر علىّ بن محمد، عن الحارث بن أفلح بن مالك بن أسماء بن خارجة : لما ولى (٣) نصر خراسان أدنى مغراء بن أحمر بن مالك بن سارية النميرىّ والحكم ابن نُصَيلة بن مالك والحجاج بن هارون بن مالك؛ وكان مغراء بن أحمر النميرى رأس أهلِ قنَّسرين، فآثر نصر مغراء وسنَّى منزلته، وشفَّعه فى حوائجه ، واستعمل ابنَ عمه الحكم بن نميلة على الجُوزَجان، ثم عقد للحكم على أهل العالية ، وكان أبوه بالبصرة عليهم ؛ وكان بعده عنكتابة بن ثُمَلة، ثم أوفد نصر وفداً من أهل الشأم وأهل خراسان ، وصيّر عليهم مغراء ؛ وكان فى الوفد حَمَلة بن نعيم الكلبىّ، فقال عثمان بن صدقة بن وثاب لمسلم بن عبدالرحمن ابن مسلم عامل طُخارستان : ١٧٢٣/٢ فقُلْتُ حَسْبِى مِنْ مُسْلِمٍ حكما مراكِبَهُ خَيَّرَنِ مُسْلمٌ (١) كذا فى !، وهو الصواب، وفى ط: ((فأمرنى)). (٣) ح، ف: ((تولى)). (٢) !، فى: ((بأهل)). ١٩٦ سنة ١٢٣ هذَا فَتَى عامر وسَيِّدُها كفَى بمَنْ سادَ عامرًا كرما يعنى الحكم بن تميئلة. قال: فتغيّر نصر لقيس وأوحشه ما صنع مغراء. قال: وكان أبو نُمَيلة صالح الأبّار مولى بنى عبس، خرج مع يحيى بن زيد بن علىّ بن حسين ، فلم يزل معه حتى قُتل بالجُوزَجان . وكان نصر قد وَجد عليه لذلك، فأتى عبيد الله بن بسام صاحب نصر ، فقال : ١٧٢٤/٢ قد كُنْتُ فى هِمَّةٍ حَيْرَانِ مَكْتَئباً حتَّى كفانى عُبَيْدُ اللهِ تَهْمَامِى كثُرَّةَ الْبَدْرِ جَلَّى وَجْهُ إِظلام ناديْتُهُ فسما للمَجْدِ مُبْتَهِجاً(١) فَاسْمُ بِرَأْىِ أَبِى لِيْثٍ وَصَوْلَتِهِ إِن كنتَ يَوْمَ حفاظٍ بامرئُّ سامٍ ومش م واخْتَصَّهُ رَبُّهُ مِنْهُ بإِكرامِ مروته تظفرْ يَدَاكَ بمنْ تَمَّتْ على الكَرِيهَةِ يَوْمَ الرَّوْعِ مِقِدام ماضى العزائمِ لَيْئِىِّ مَضاربُهُ فيه ولا مُسْكِتٌ إِسكاتَ إِفحامٍ لا هَذِيرٌ سَاحَةَ النَّادى ولا مَذِلٌ إِذا المجالِسُ شانَتْ أَهلَ أَحلام له مِنَ الحِلِمِ ثوْباهُ ومِجْلِسُهُ قال : فأدخله عبيد اللّه على نصر، فقال أبو لمسَيلة: أصلحك الله ! إنى ضعيف ؛ فإن رأيت أن تأذن لراويتى ! فأذن له ، فأنشده : فاز قِدْحُ الكلِّ فَاعْتَقَدَتْ مَغْ راءَ فِى سَعْيْهِ عُرُوقُ لئيم أَلْعَبْدٍ مِغراءُ أَمْ لِصَمِيم فَأَبَيْنِى نُمَيْرُ ثُمّ أَبِنِى غدرُ والكفْر مِنْ خصالِ الكريمِ فائِنْ كان منكمُ ما یکُونُ الـ ما عليْكمْ مِنْ غَدْرِهِ مِنْ شتيم ولئنْ کان أَصلُه كان عبْدا بأَيادٍ بيضٍ وأَمْرٍ عظيمٍ! وليته لَيْثُ وَأَىُّ وُلَاةِ ١٧٢٥/٢ طاً بخيْرِ مِنْ سَيْبِها المَقْسومِ أسمنتْهُ حتى إذا راحَ مَغْبُو (١) ح، ف: ((ناجيته فما)). ١٩٧ سنة ١٢٣ عَيْرِ بِقَفْرَة مَرْقومٍ قَةِ كادَ ساداتِهِ بِأُهْوِن مِنْ نَهـ بِ ذمما والدَّمُّ للمَنْعُومِ فضرَبَنا لِغِيْرْنا مَثَلَ الكل ل ذَوُو الجود والَّدَى والحُلُومِ وحَمِدنا ليثاً ويَأْخُذُ بِالفَضـ ب وأَهل الصَّفا وأَهلَ الحَظِيمِ فاعلَمُنْ يَا بنى القَساورةِ الغُلـ حَضُ قَوْلَ المرهّقِ المَوْصُوم. أَن فى شكرِ صالِحِينا لَمَا يَدْ قصَ نبْحُ الكلابِ زُهْرَ النُّجُومِ قد رأَى اللهُ ما أَتيْتَ ولنْ يَتْ فلما فرغ قال نصر: صدقت، وتكلمت القيسية واعتذروا . قال: وأهان نصر قيساً وباعدهم حين فعل مغراء ما فعل ، فقال فى ذلك بعض الشعراء : لقدْ بَغَّض الله الكِرامَ إِليكمُ كما بغَّضَ الرَّحمنُ قِيْساً إِلى نَصرِ ويُدَنِى إِليْه كلَّ ذى والثِ غُمْرٍ رَأَيْتُ أَبَا لَيْثِ يُهِينُ سَرَاتُهُمْ ٠ ٠ وحجّ بالناس فى هذه السنة يزيد بن هشام بن عبد الملك ؛ كذلك حدثنى أحمد بن ثابت، عمّن ذكره ، عن إسحاق بن عيسى ، عن أبى معشر؛ وكذلك قال الواقدىّ أيضًا . وكان ◌ُمّال الأمصار فى هذه السنة هم العمال الذين كانوا فى السَّنَة التى قبلها ، وقد ذكرتهم قبل . ١٩٨ ١٧٢٦/٢ ثم دخلت سنة أربع وعشرين ومائة ذكر الإخبار عما كان فيها من الأحداث # [ ابتداء أمر أبى مسلم الخُراسانىّ] فممّا كان فيها من ذلك مَقْدَم جماعة من شيعة بنى العباس الكوفّة يريدون مكّة، وشرَى (١) بكتير بن ماهان - فى قول بعض أهل السير - أبا مسلم صاحبَ دعْوة بنى العباس من عيسى بن معقل العجلى . • ذكر الخبر عن سبب ذلك : وقد اختلف فى ذلك ؛ فأمّا على بن محمد، فإنه ذكر أن حمزة بن طلحة السّلمىّ حدثه عن أبيه، قال: كان بسُكير بن ماهان كاتبًاً لبعض عمّال السند ، فقدمها(٢)، فاجتمعوا بالكوفة فى دار، فغُمِز (٣) بهم فأخذوا، فحبس بكير وخُلِّىَ عن (٤) الباقين، وفى الحبس يونس أبو عاصم وعيسى بن معقل العجلىّ، ومعه أبو مسلم يخدمه، فدعاهم بُكير فأجابوه إلى رأيه، فقال لعيسى بن معقل: ما هذا الغلام ؟ قال : مملوك ، قال : تبيعه؟ قال : هو لك، قال: أحبّ أن تأخذ ثمنه، قال : هو لك بما شئت؛ فأعطاه أربعمائة درهم، ثم أُخْرِجوا من السجن، فبعث به إلى إبراهيم فدفعه إبراهيم إلى أبى موسى السراج، فسمع منه وحفظ ، ثم صار إلى أن اختلف إلى خراسان . ١٧٢٧/٢ وقال غيره: توجّه سليمان بن كثير ومالك بن الهيثم ولاهز بن قريظ، وقحطبة بن شبيب من خراسان ، وهم يريدون مكة فى سنة أربع وعشرين ومائة ، فلما دخلوا الكوفة أتوْا عاصم بن يونس العجلىّ ؛ وهو فى الحبس ، قد اتُّهم بالدّعاء إلى ولد العباس، ومعه عيسى وإدريس ابنا معقل ؛ حبسهما يوسف بن عمر فيمن حبس من ◌ُمّال خالد بن عبد اللّه ، ومعهما أبو مسلم يخدُمهما ؛ فرأوْا فيه العلامات ، فقالوا : من هذا ؟ قالوا : غلام معنا من (١) شراه يشريه شرى: ملكه بالبيع، مثل اشترى. (٢) ا، ف: ((فقدم)). (٣) غمز بهم ،،أى سعى بهم شرًّا . (٤) كذا فى ا، وفى ط: ((من)) . : ١٩٩ سنة ١٢٤ السَّراجين - وقد كان أبو مسلم يسمع عيسى وإدريس يتكلمان فى هذا الرأى فإذا سمعهما بكى- فلما رأوا ذلك منه دعوه إلى ماهم عليه، فأجاب وقبِل . * وفى هذه السنة غزا سليمان بن هشام الصائفة ، فلفى أليون ملك الروم فسلم وغنم . وفيها مات - فى قول الواقدىّ - محمد بن على بن عبد الله بن عباس. وحجّ بالناس فى هذه السنة محمد بن هشام بن إسماعيل ؛ كذلك حدّثّی أحمد بن ثابت، عمّن ذكره ، عن إسحاق بن عيسى، عن أبى معشر، وكذلك قال الواقدىّ . وحجّ فى هذه السنة عبد العزيز بن الحجاج بن عبد الملك معه امرأته أمّ سلمة بنت هشام بن عبد الملك . وذكر محمد بن عمر أن يزيد مولى أبي الزّناد حدثه، قال: رأيت محمد ١٧٢٨/٢ ابن هشام على بابها يرسل بالسلام وألطافه على بابها كثيرة، ويعتذر فتأبى ؛ حتى كان يأيس من قبول هدّيّته ، ثم أمرت بقبضها . وكان عمّال الأمصار فى هذه السنة هم العمال الذين كانوا عمالها فى سنة اثنتين وعشرين ومائة وفى سنة ثلاث وعشرين ومائة ، وقد ذكرناهم قبل . ٢٠٠ ثم دخلت سنة خمس وعشرين ومائة ذكر الخبر عما كان فيها من الأحداث فمن ذلك غزوة النعمان بن يزيد بن عبد الملك الصائفة . [ خبر وفاة هشام بن عبد الملك ] ومن ذلك وفاة هشام بن عبد الملك بن مروان فيها ، وكانت وفاته - فيما ذكر أبو معشر - لستّ ليال خلوْن من شهر ربيع الآخر ؛ كذلك حدثنى أحمد بن ثابت ، عمّن ذكره ، عن إسحاق بن عيسى ؛ عنه . وكذلك قال الواقدىّ والمداثنىّ وغيرهما ؛ غير أنهم قالوا : كانت وفاتُهُ يوم الأربعاء لستّ ليال خلوْن من شهر ربيع الآخر ، فكانت خلافتُه فى قول جميعهم تسعَ عشرة سنة، وسبعة أشهر وأحدًا وعشرين يومًا فى قول المدائنىّ وابن الكلبىّ، وفى قول أبى معشر: وثمانية أشهر ونصفًا، وفى قول الواقدىّ: وسبعة أشهر وعشر ليالٍ . واختلف فى مبلغ سنه ، فقال هشام بن محمد الكلبىّ : توفَّ وهو ابن خمس وخمسين سنة . وقال بعضهم : توفَّ وله اثنتان وخمسون سنة . ١٧٢٩/٢ وقال محمد بن عمر: كان هشام يوم تُوفِّىَ ابنَ أربع وخمسين سنة . وكانت وفاته بالرُّصافة وبها قبره ، وكان يكنى أبا الوليد . ذكر الخبر عن العلة التى كانت بها وفاته حدثنى أحمد بن زُهير ، قال: حدثنى علىّ بن محمد ، قال : حدثنى شيبة بن عثمان ، قال : حدثنى عمرو بن كليع؛ قال : حدّثنى سالم أبو العلاء، قال : خرج علينا هشام بن عبد الملك يومًا وهو كئيب، يعرف ذلك فيه،