النص المفهرس
صفحات 161-180
١٦١ سنة ١٢١ سلمة بن عبد الله بن الوليد بن المغيرة المخزومبى ، فكتب فيهم يوسف بن عمر إلى هشام بن عبد الملك - وزيد بن علىّ يومئذ بالرُّصافة يخاصم بنى الحسن ابن الحسن بن علىّ بن أبى طالب فى صدقة رسول الله صلى الله عليه وسلم، ومحمد بن عمر بن علىّ يومئذ مع زيد بن علىّ - فلما قدمت كتب يوسف ابن عمر على هشام بن عبد الملك بعث إليهم فذكر لهم ما كتب به يوسف ابن عمر إليه مما ادّعى قبلهم يزيدُ بن خالد، فأنكروا، فقال لهم هشام: فإنا باعثون بكم إليه يجمع بينكم وبينه ، فقال له زيد بن علىّ: أنشدك الله والرّحم أن تبعث بى إلى يوسف بن عمر ! قال : وما الذى تخاف (١) من يوسف بن عمر ؟ قال : أخاف أن يعتدىَ علىّ، قال له هشام: ليس ذلك له ، ودعا هشام كاتبه فکتب إلى يوسف بن عمر : ١٦٦٩/٢ أما بعد ، فإذا قدم عليك فلان وفلان، فاجمعْ بينهم وبين يزيد بن خالد القسرىّ، فإن هم أقرُّوا بما ادّعى عليهم فسرَّح بهم إلىّ ، وإن هم أنكروا فسله بيّنةً، فإن هو لم يُقِمِ البيّنة فاستحلفْهم بعد العصر بالله الذى لا إله إلا هو ؛ ما استودعهم يزيد بن خالد القسرىّ وديعة، ولا له قبلهم (٢)، شىءٌ! ثم خلّ سبيلهم . فقالوا لهشام : إنا نخاف أن يتعدّى كتابتك ، ويطول علينا، قال : كلاًّ، أنا باعث معكم رجلاً من الحرَس يأخذه بذلك؛ حتى يعجّل الفراغ ، فقالوا : جزاك الله والرّحم خيراً؛ لقدحكمتَ بالعدل. فسرَّح بهم إلى يوسف، واحتبس أيوب بن سلمة؛ لأن أمّ هشام بن عبد الملك ابنة هشام ابن إسماعيل بن هشام بن الوليد بن المغيرة المخز وميّ، وهو فى (٣) أخواله، فلم يؤخذ بشىءٍ من ذلك القَرْف . فلما قدموا على يوسف ، أدخلوا (٤) عليه ، فأجلسَ زيد بن علىّ قريبًا منه ، وألطفه فى المسألة ، ثم سألهم عن المال ، فأنكروا جميعًا ، وقالوا : لم يستودعنا مالاً، ولا له قِبَلنا حقّ ، فأخرج يوسف يزيدَ بن خالد إليهم، فجمع بينه وبينهم، وقال له: هذا زيد بن علىّ، وهذا محمد بن عمر بن علىّ، ٠١٦٧٠/٢ (٢) ح، ف: ((قبلكم)). (١) ف: ((فقال له: ما تخاف؟)). (٣) ا: ((من)). (٤) كذا فى ا، وفى ط: ((فأدخلوا)). , - ١٦٢ سنة ١٢١ وهذا فلان وفلان الذين كنتَ ادّعيت عليهم ما ادّعيت ، فقال : مالى قبلهم قليل ولا كثير ، فقال يوسف : أفبِى (١) تهزأ أم بأمير المؤمنين! فعذّ به يومئذ عذابًا ظنّ أنه قد قتله ، ثم أخرجهم إلى المسجد بعد صلاة العصر، فاستحلفهم فحلفوا له ، وأمر بالقوم فبسط عليهم؛ ما عدا زيد بن علىّ فإنه كفّ عنه فلم يقتدر (٢) عند القوم على شىء. فكتب إلى هشام يُعلمه الحال، فكتب إليه هشام: أن استحلفْهم ، وخلّ سبيلهم ، فخلّى عنهم فخرجوا فلحقوا بالمدينة، وأقام زيد بن علىّ بالكوفة(٣). # وذكر عُبيد بن جنّاد، عن عطاء بن مُسْلم الحفّاف أنّ زيد بن علىّ رأى فى منامه أنه أضرَم فى العراق ناراً ، ثم أطفأها ثم مات . فهالْته ، فقال لابنه يحيى: يا بنىّ ، إنى رأيت رؤيا قد راعتنِى ، فقصّها عليه . وجاءه كتاب هشام بن عبد الملك بأمره بالقدوم عليه، فقدم، فقال له: الحق بأميرك يوسف ، فقال له : نشدُتُك باللّه يا أمير المؤمنين، فوالله ما آمن إن بعثتَنى إليه ألاّ أجتمع أنا وأنت حيّين على ظهر الأرض بعدها، فقال: الحق بيوسف كما تؤمر ؛ فقدم عليه . ١٦٧١/٢ وقد قيل : إن هشام بن عبد الملك إنما استقدم زيداً من المدينة عن كتاب يوسف بن عمر ؛ وكان السبب فى ذلك - فيما زعم أبو عبيدة - أن يوسف بن عمر عَذَّب خالد بن عبد الله، فادّعى خالد أنه استودع زيد بن علىّ وداود بن على ابن عبد الله بن عباس ورجليْن من قريش: أحدهما مخزومىٌّ والآخر جُصَحیٌّ مالاً عظيماً، فكتب بذلك يوسف إلى هشام، فكتب هشام إلى خاله إبراهيم ابن هشام - وهو عامله على المدينة-يأمره بحملهم إليه. فدعا إبراهيم بن هشام زيداً وداود، فسألهما عما ذكر خالد، فحلفا ما أودعهما خالد شيئًا، فقال: إنكما عندى لصادقان ؛ ولكن كتاب أمير المؤمنين قد جاء بما تريان ، فلا بدّ من إنفاذه . فحملهما إلى الشأم ، فحلفا بالأيمان الغلاظ ما أودعهما خالد شيئًا قطّ . وقال داود: كنت قدمت عليه العراق ، فأمرلى بمائة ألف (١) ح: ((أبى)). (٢) ا، ح: ((يقدر)). .(٣) انظر بقية خبر هشام ص ١٦٦. ١٦٣ سنة ١٢١ درهم، فقال هشام: أنتما عندى أصدق من ابن النصرانيّة، فاقدّما على يوسف، حتى يجمع بينكما وبينه فتكذّباه فى وجهه . ١٦٧٢/٢ وقيل: إن زيداً إنما قدم على هشام مخاصًا ابن عمّه عبد الله بن حسن بن حسن بن علىّ ، ذُكِرِ ذلك عن جُويرية بن أسماء، قال: شهدتُ زيد بن علىّ وجعفر بن حسن بن حسن يختصمان فى ولاية وقوف علىّ ، وكان زيد يخاصم عن بنى حُسيْن ، وجعفريخاصم عن بنى حسن ؛ فكان جعفر وزيد يتبالغان بين يدى الوالِى إلى كلّ غاية، ثم يقومان فلا يُعيدان مما كان بينهما حرفًا ، فلما مات جعفر قال عبد الله: من يكفينا زيداً؟ قال حسن بن حسن بن حسن : أنا أكفيكه ، قال : كلاّ ، إنا نخاف لسانتك ويدك ؛ ولكنى أنا (١)، قال: إذن لا تبلغ حاجتَك وحُجَّتك، قال: أما حُجَّتِى فسأبلغُها؛ فتنازعا إنى الوالى - والوالى يومئذ عندهم فيما قيل إبراهيم بن هشام - قال :. فقال عبد اللّه لزيد: أتطمع أن تنالها وأنتَ لأمة سندّيّة! قال: قد كان إسماعيل لأمة ؛ فنال أكثر منها؛ فسكت عبد اللّه، وتبالغا يومئذ كلّ" غاية ؛ فلما كان الغد أحضرهم الوالى ، وأحضر قريشًا والأنصار، فتنازعا ، فاعترض رجل من الأنصار ، فدخل بينهما ، فقال له زيد : وما أنت والدخول بيننا ، وأنت رجل من قحطان! قال : أنا واللّه خيرٌ منك نفسًا وأبدًا وأمًّا. قال : فسكت زيد ، وانبرى له رجلٌ من قريش فقال: كذبتَ، لعمرُ اللّه لهو خير منك نفسًا وأباً وأمَّا وأوّلا وآخرًا، وفوق الأرض وتحتها، فقال الوالى: وما أنت وهذا ! فأخذ القرشىّ كفًّا من الحصى، فضرب به الأرض وقال: والله ما على هذا من صَبْر، وفطن عبد اللّه وزيد الشماتة الوالى بهما، فذهب عبدُ اللّه ليتكلّم، فطلب إليه زيد فسكت، وقال زيد للوالى: أما والله لقد جمعتنا لأمر ما كان أبو بكر ولا عمر ليجمعانا على مثله ؛ وإنى أشهد اللّه ألّا أنازعَه إليك محقًّا ولا مبطلاً ما كنتُ حيًّا. ثم قال لعبد الله: انهض يابن عمّ ؛ فنهضا وتفرّق الناس . ١٦٧٣/٢ وقال بعضهم : لم يزل زيد ينازع جعفَر بن حسن ثم عبد الله بعده ؛ (١) أ: ((فأكثر)). ١٦٤ سنة ١٢١ حتى ولّى هشام بن عبد الملك خالد بن عبد الملك بن الحارث بن الحكم المدينة ، فتنازعا ، فأغلظ عبد اللّه لزيد ، وقال : يابن الهندكيّة(١) ! فتضاحك زيد ، وقال : قد فعلتها يا أبا محمد ! ثم ذكر أمّه بشىء . وذكر المدائنىّ أن عبد اللّه لما قال ذلك لزيد قال زيد: أجلْ واللّه، لقد صبرتْ بعد وفاة سيّدها فما تعتّبتَ بابها إذ لم يصبر غيرُها . قال : ثم ندم زيد واستحيا من عمته ؛ فلم يدخل عليها زماناً ، فأرسلت إليه : يابن أخى، إنى لأعلم أنّ أمّك عندك كأمّ عبد الله عنده . وقيل : إن فاطمة أرسلتْ إلى زيد: إن سبّ عبد الله أمَّك فاسببْ أمّه؛ وأنها قالت لعبد الله: أقلت لأمّ زيد كذا وكذا ؟ قال: نعم ، قالت : فبئس والله ما صنعت! أما والله لنعم دخيلة القوم كانت ! ١٦٧٤/٢ فذكر أن خالد بن عبد الملك، قال لهما : اغْدُوَا علينا غداً ، فلستُ لعبد الملك إن لم أفصل بينكما . فباتت المدينة تغلى كالمرجل (٢) ، يقول قائل: كذا وقائل كذا ؛ قائل يقول قال زيد كذا، وقائل يقول: قال عبد الله كذا. فلما كان الغدُ جلس خالد فى المجلس فى المسجد ، واجتمع الناس ، فمن شامت ومن مهموم ، فدعا بهما خالد ، وهو يحبّ أن يتشاتما ، فذهب عبد الله يتكلم ، فقال زيد: لا تعجَل يا أبا محمد ، أعتق زيد ما يملك إن خاصمك إلى خالد أبداً؛ ثم أقبل على خالد فقال له: يا خالد؛ لقد جمعت (٣) ذرّية رسول الله صلى الله عليه وسلم لأمرٍ ما كان يجمعهم عليه أبو بكر ولا عمر؛ قال خالد: أما لهذا السفيه أحدٌ ! فتكلم رجل من الأنصار من آل عمرو بن حزم، فقال : يابن أبى تراب وابن حسين السفيه ، ما ترى لوال (٤) عليك حقًّا ولا طاعة ! فقال زيد: اسكت أيَّها القحطانىّ ، فإنا لا نجيب مثلك ، قال : ولمَ ترغب عنى! فوالله إنى لخير منك، وأبى خير من أبيك، وأمّى خير من أمك ! فتضاحك زيد، وقال: يا معشر قريش، هذا الدين قد ذهب ، أفذهبت الأحساب! فوالله إنه ليذهب دين القوم وما تذهب أحسابهم. (١) ب وابن الأثير: ((السندية)). (٣) ابن الأثير: ((أجمعت)). (٢) ب: ((كالمراجل)). (٤) ابن الأثير: ((الوالى)). ١٦٥ سنة ١٢١ فتكلم عبد الله بن واقد بن عبد الله بن عمر بن الخطاب، فقال: كذبت والله أيّها القحطانىّ ؛ فوالله لهو خير منك نفساً وأبا وأمَّا ومحتدًا، وتناوله بكلام كثير ؛ قال القحطانىّ : دعْنا منك يابن واقد ؛ فأخذ ابن واقد كفَّا من حصَى ؛ فضرب بها الأرض ، ثم قال له : والله ما لنا على هذا صبر ، وقام . ١٦٧٥/٢ وشخص (١) زيد إلى هشام بن عبد الملك ، فجعل هشام لا يأذن له ، فيرفع إليه القصص؛ فكلّما رفع إليه قصّة كتب هشام فى أسفلها: ارجع إلى أميرك(٢)؛ فيقول زيد: والله لا أرجع إلى خالد أبداً، وما أسأل مالاً؛ إنما أنا رجل مخاصَ ؛ ثم أذن له يومًا بعد طول حَبْس . فذكر عمر بن شبّة ، عن أيوب بن عمر بن أبى عمرو (٣)، قال: حدّثنی محمد بن عبد العزيز الزهرىّ قال: لما قدم زيد بن على على هشام بن عبدالملك أعلمه حاجبُه بمكانه ، فرقِىَ هشام إلى عِلّة له طويلة ، ثم أذن له ، وأمر خادمًا أن يتبعته، وقال: لا يَرينّك، واسمع ما يقول. قال: فأتعبته (٤) الدَّرَجَةَ - وكان بادنًا - فوقف فى بعضها، فقال: والله لا يحبّ الدنيا أحد إلا ذلّ، فلما صار إلى هشام قضى حوائجه ، ثم مضى نحو الكوفة ، ونسى هشام أن يسأل الخادم حتى مضى لذلك أيام ، ثم سأله فأخبره، فالتفت إلى الأبرش . فقال: واللّه ليأتينّك خلعُهُ أوّلَ شىء، وكان كما قال . وُذُكِر عن زيد أنه حلف لهشام على أمر ؛ فقال له : لا أصدّقك ، فقال: يا أمير المؤمنين؛ إنّ اللّه لم يرفع قَدْر أحدٍ عن أن يرضى باللّه، ولم يضع قَدْرَ أحدٍ عن ألاّ يُرْضى بذلك منه، فقال له هشام : لقد بلغنى يا زيدُ أنك تذكر الخلافة وتتمنّاها ، ولستَ هناك وأنت ابن أمة ! فقال زيد : إن لك يا أمير المؤمنين جوابًا، قال: تكلم ، قال: ليس أحدٌ أولى باللّه ، ولا أرفع عنده منزلة من نبيّ ابتعثه؛ وقد كان إسماعيل من خير الأنبياء ، وولد خيرهم محمداً صلى الله عليه وسلم، وكان إسماعيل ابن أمَة وأخوه ابنَ صريحة مثلك ؛ فاختاره الله عليه، وأخرج منه خير البشر ؛ وما على أحد من ١٦٧٦/٢ (٢) ب وابن الأثير: ((منزلك)). (١) ابن الأثير: ((فشخص)). (٣) كذا فى ب، وهو الصواب، وفى ط: ((عمر)). (٤) كذا فى ا، والدرجة : المرقاة. ١٦٦ سنة ١٢١ ذلك جدُّه رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ما كانت أمه [أمَةً] (١) . فقال له هشام : اخرج ، قال : أخرج ثم لا ترانى إلّا حيث تكره ، فقال له سالم : يا أبا الحسين ؛ لا يظهرن" هذا منك . ١٦٧٧/٢ رجع الحديث إلى حديث هشام بن محمد الكلبىّ عن أبى مخنف (٢). قال: فجعلت الشيعة تختلف إلى زيد بن علىّ، وتأمره بالخروج ، ويقولون : إنا لنرجو أن تكون المنصورَ ، وأن يكون هذا الزمان الذى يهلك فيه بنو أمية . فأقام بالكوفة ، فجعل يوسف بن عمر يسأل عنه ، فيقال : هو هاهنا ، فيبعث إليه أن اشخص ، فيقول: نعم؛ ويعتلّ له بالوجع. فمكث ما شاء الله، ثم سأل أيضًا عنه فقيل له: هو مقيمٌ بالكوفة بعدُ لم يبرح ، فبعث إليه ، فاستحثّه بالشخوص ، فاعتلّ عليه بأشياء يبتاعُها ، وأخبره أنه فى جهازه ، ورأى جدّ يوسف فى أمره فتهيّاً، ثم شخص حتى أتى القادسيّة . وقال بعض الناس: أرسل معه رسولاً حتى بلَّغه العُدَيب، فلحقتْه الشّيعة، فقالوا(٣) له : أين تذهب عنّا ومعك مائة ألف رجل من أهل الكوفة ، يضربون دونك بأسيافهم غداً وليس قبلك من أهل الشأم إلا عدّة قليلة ، لو أن قبيلة من قبائلنا نحو مذحج أوهتَمْدان أو تميم أو بكْر نصبت لهم لكفتكهم (٤) بإذن الله تعالى! فننشدك الله لمَّا رجعتَ؛ فلم يزالوا به حتى ردُّوه إلى الكوفة. # وأما غير أبى مخنف؛ فإنه قال ما ذكر عُبيد بن جنّاد ، عن عطاء بن مسلم ، أن زيد بن علىّ لما قدم على يوسف، قال له يوسف: زعم خالد أنه قد أودعك مالا، قال : أنَّى يودعنِى مالا وهو يشتم آبائى على مِنْبره! فأرسل إلى خالد ، فأحضره فى عباءة ، فقال له : هذا زيد، زعمتَ أنك قد أودعته مالاً ، وقد أنكر؛ فنظر خالد فى وجههما، ثم قال : أتريد أن تجمع مع إنمك (٢) انظر أول الخبر ص ١٦٠. (١) تكملة من ا، وما هنا مصدرية . (٣) ح: ((فقالت)). (٤) ف ((لكفتهم)). ٠ ١٦٧ سنة ١٢١ فىّ إثماً فى هذا! وكيف أود عه مالاً وأنا أشتمه وأشتم آباءه على المنبر! قال : فشتمه يوسف ، ثم ردّه . وأما أبو عبيدة، فذكرٍ عنه، أنه قال: صدّق هشامٌ زيداً ومَن كان ١٦٧٨/٢ يوسف قرفه بما قرفه به، ووجههم إلى يوسف ، وقال : إنهم قد حلفوا لى ، وقبلتُ أيمانهم وأبرأتُهم من المال ، وإنما وجهتُبهم إليك لتجمع بينهم وبين خالد فيكذّبُوه . قال: ووصلهم هشام؛ فلما قدموا على يوسف أنزلهم وأكرمهم، وبعث إلى خالد فأتى به، فقال : قد حلف القوم ، وهذا كتاب أمير المؤمنين ببراءتهم، فهل عندك بيّنة بما ادعيت ؟ فلم تكن له بيّنة، فقال القوم الخالد : ما دعاك إلى ما صنعت؟ قال : غلّظ علىّ العذاب فادّعيت ما ادعيت ، وأمّلْت أن يأتىَ الله بفرج قبل قدومكم. فأطلقهم يوسف، فمضى القرشيّان: الجمحىّ والمخزومىّ إلى المدينة؛ وتخلّف الهاشميَّان: داود بن علىّ وزيد ابن علىّ بالكوفة . وذكر أن زيدًا أقام بالكوفة أربعة أشهر أو خمسة ويوسف يأمره بالخروج ، ويكتب إلى عامله على الكوفة وهو يومئذ بالحيرة يأمره بإزعاج (١) زيد، وزيد يذكر أنه ينازع بعض آل طلحة بن عبيد الله فى مال بينه وبينهم بالمدينة ، فيكتب العامل بذلك إلى يوسف، فيقرّه أيامًا، ثم يبلغه أنّ الشيعة تختلف إليه؛ فيكتب إليه أن أخرجه ولا تؤخّره؛ وإن ادّعى أنه ينازع فليُجرّ جرًّا(٢)، وليوكَّل مَنْ يقوم مقامه فيما يطالب به ؛ وقد بايعه جماعة منهم سلمة بن كهيل ونصر بن خزيمة العبسىّ ومعاوية بن إسحاق بن زيدبن حارثة الأنصارىّ وحجيّة بن الأجْلح الكندىّ وناس من وجوه أهل الكوفة ؛ فلمَّا رأى ذلك داود ابن علىّ قال له : يابنَ عمّ ، لا يغرنّك هؤلاء من نفسك ؛ ففى أهل بيتك لك عِبرة، وفى خذلان هؤلاء إياهم. فقال: يا داود ، إنّ بنى أمية قد عتوا وقست قلوبهم ؛ فلم يزل به داود حتى عزم على الشخوص ، فشخصا حتى بلغا القادسيَّة. ١٦٧٩/٢ وذكر عن أبى عبيدة، أنه قال: اتّبعوه إلى الثعلبيّة وقالوا له: نحن أربعون (١) الإزعاج : نقيض الإقرار. (٢) كذا فى ا، وفى ط: ((جرياً)). ١٦٨ سنة ١٢١ ألفًا، إن رجعت إلى الكوفة لم يتخلّف عنك أحدٌ، وأعطوْه المواثيق والأيمان المغلّظة، فجعل يقول: إنى أخاف أن تخذلونىوتسلمونی کفعلكم بأبىوجدى. فيحلفون له، فيقول داود بن علىّ: يابن عمّ، إن هؤلاء يغرّونَك من نفسك (١)! أليس قد خذلوا مَن كان أعزّ عليهم منك ؛ جدّك على بن أبى طالب حتى قتل ! والحسن من بعده بايعوه ثم وثبوا عليه فانتزعوا رداءه من عنقه ، وانتهبوا فُسطاطه، وجرَحوه! أوَ ليس قد أخرجوا جدّك الحسين، وحلَقوا له بأوْكد الأيمان ثم خذلوه وأسلموه ، ثم لم يرضْوا بذلك حتى قتلوه ! فلا تفعل ولا ترجع معهم . فقالوا: إن هذا لا يريد أن تظهر أنتَ، ويزعم أنه وأهل بيته أحقّ بهذا الأمر منكم، فقال : زيد لداود: إن عليًّا كان يقاتله معاوية بدهائه(٢) ونكرائه بأهل الشأم، وإنّ الحسين قاتله يزيد بن معاوية والأمر عليهم مقبل ؛ فقال له داود : إنى لخائف إن رجعتَ معهم ألاّ يكون أحد أشدَّ عليك منهم؛ وأنت أعلم . ومضى داود إلى المدينة وزجع زيد إلى الكوفة . ١٦٨٠/٢ وقال عبيد بن جنّاد، عن عطاء بن مسلم الخفَّاف ، قال : كتب هشام إلى يوسف أن أشخيِصْ زيداً إلى بلده ، فإنه لا يقيم ببلد غيره فيدعُوَ أهله إلا أجابوه، فأشخصه، فلما كان بالثعلبيَّة - أو القادسية - لحقه المشائيم - يعنى أهل الكوفة - فردُّوه وبايعوه ، فأتاه سلمة بن كُهيل ، فأستاذن عليه ، فأذن له ، فذكر قرابته من رسول الله صلى الله عليه وسلم وحقه فأحسن . ثم تكلم زيد فأحسن ، فقال له سلمة : اجعل لى الأمانَ ، فقال : سبحان الله ! مثلك يسأل مثل الأمان! وإنما أراد سلمة أن يسمع ذلك أصحابه ، ثم قال : لك الأمان، فقال: نشدتُك بالله، كم بايعك؟ قال : أربعون ألفاً، قال : فكم بايع جدَّك ؟ قال : ثمانون ألفًا، قال : فكم حصل معه ؟ قال : ثلثمائة ، قال : نشدتُك اللّه أنت خير أم جدّك؟ قال: بل جدّى ، قال: أفقَرْنُك الذى خرجتَ فيهم خير أم القَرْن الذى خرج فيهم جدُّك ؟ قال : بل القَرْن الذى خرج فيهم جدّى ، قال : أفتطمع أن يفى لك هؤلاء ، وقد غدر أولئك بجدّك! قال : قد بايعونى ، ووجبت البيعة فى عنقى وأعناقهم ، ١٦٨١/٢ (١) ب، ح: ((فى نفسك)). (٢) ابن الأثير: ((بدهيه)). ٠ ١٦٩ سنة ١٢١ قال : أفتأذن (١) لى أن أخرج من البلد؟ قال: لمَ ؟ قال: لا آمن أن يحدث فى أمرك حدثٌ فلا أملك نفسى، قال : قد أذنتُ لك، فخرج إلى اليمامة، وخرج زيد فقتل وصلب . فكتب هشام إلى يوسف يلومه على تركه سلمة ابن كُهيل يخرج من الكوفة ، ويقول : مقامه كان خيراً من كذا وكذا من الخيل تكون معلك . وذكر عمر عن أبى إسحاق - شيخٌ من أهل أصبهان حدّثه - أن عبدالله ابن حسن كتب إلى زيد بن علىّ: يابن عمّ؛ إن أهل الكوفة نُفخ العلانية، خور السريرة، هُوج (٢) فى الرخاء، جُزُع فى اللقاء، تقدمهم ألسنتهم، ولا تشايعهم قلوبُهم، لا يبيتون بعُدّة فى الأحداث، ولا ينوءون بدولة مرجوّة؛ ولقد تواترت إلىّ كتبهم بدعوتهم، فصمَمْت عن ندائهم؛ وألبست قلبى غشاءً عن ذكرهم؛ يأسًاً منهم واطّراحًا لهم؛ وما لهم مثل إلا ما قال علىّ بن أبى طالب: إن أهملِتم خضتم، وإن حُوربتم خُرْتم ، وإن اجتمع الناس على إمام طعنتم ، وإن أجبتم إلى مشاقّة نكصتم . وذكرٍ عن هشام بن عبد الملك ، أنه كتب إلى يوسف بن عمر فى أمر زيد بن علىّ: أما بعد فقد علمت بحالٍ أهل الكوفة فى حبّهم أهل هذا البيت، ووضعهم إيَّاهم فى غير مواضعهم؛ لأنهم افترضوا على أنفسهم طاعتتَهم ، ووظفوا (٣) عليهم شرائح دينهم، ونحلوهم (٤) علم ما هو كائن؛ حتى حملوهم من تفريق الجماعة على حال استخفّوهم فيها إلى الخروج ، وقد قدم زين بن علىّ على أمير المؤمنين فى خصومة عمر بن الوليد ، ففصَل أمير المؤمنين بينهما ، ورأى رجلا جدلاً لسنًا خليقًا بِتمويه الكلام وصَوْغه، واجترار الرجال بحلاوة لسانه ، وبكثرة مخارجه فى حججه ، وما يدلى به عند لَدَد(٥) الخصام من السطوة على الخصم بالقوّة الحادّة لنيل الفاتج (٦)؛ فعجّل إشخاصة إلى الحجاز، ولا تخلّه والمُقام قبلك؛ فإنه إن أعاره القوم أسماعتهم فحشاها ١٦٨٢/٢ (١) ح: ((فتأذن)). (٢) كذا فى ا. عمل ورزق وطعام . (٣) الوظيفة : ما يقدر بين (٥) اللدد : شدة الخصومة . (٤) نحله الشىء : نسبه إليه . (٦) الفلج : الفوز والظفر . ١٦٨٣/٢ ١٧٠ سنة ١٢١ من لَيّن لفظه ، وحلاوة منطقه، مع ما يدلِى به من القرابة برسول الله صلى اللّه عليه وسلم، وجدّهم مُيّلاً إليه ؛ غيرَ متّئدة قلوبهم ولا ساكنة أحلامهم ، ولا مصونة عندهم أديانُهم ؛ وبعض التحامل عليه فيه أذى له ، وإخراجه وتركه مع السلامة للجميع والحقن للدماء والأمن للفرقة أحبّ إلىّ من أمر فيه سفكُ دمائهم، وانتشار (١) كلمتيهم وقطع نسلهم؛ والجماعةُ حَبْل الله المتين، ودين الله القويم وعروته الوثقى؛ فادع إليك أشرافَ أهلِ المصْر، وأوعدهم العقوبة فى الأبشار (٢)، واستصفاء(٣) الأموال؛ فإن من له عقد أو عهد منهم سيبطئ عنه، ولا يخفّ معه إلاّ الرّعاع وأهل السَّواد ومَن تنهضه الحاجة؛ استلذاذاً للفتنة ؛ وأولئك من يستعبد إبليس؛ وهو يستعبدهم. فبادهم (٤) بالوعيد. وأعْضضهم بسوطِك (٥)، وجرّد فيهم سيفك، وأخِفْ الأشراف قبل الأوساط، والأوساطَ قَبْل السّفلة . واعلم أنك قائم على باب ألْفة، وداع إلى طاعة، وحاضّ على جماعة، ومشمّر لدين الله؛ فلا تستوحش لكثرتهم ، واجعل معقلَك الذى تأوى إليه، وصَغْوَك (٦) الذى تخرج منه الثقةَ برّبك، والغضب لدينك ، والمحاماة عن الجماعة ، ومناصبة من أراد كتَشْر هذا الباب الذى أمرهم الله بالدخول فيه، والتشاحٌ (٧) عليه؛ فإن أمير المؤمنين قد أعذر إليه وقضى من ذمامه(٨)، فليس له منزَّى(٩) إلى ادعاء حقّ هو له ظُلمة من نصيب نفسه، أو فىء، أو صلة لذى قربى، إلا الذى خاف أمير المؤمنين من حَمْل بادرة السفلة على الذى عسى أن يكونوا به أشقى وأضلّ ؛ ولهم أمرّ، ولأمير المؤمنين أعزّ وأسهل إلى حياطة الدّين والذبّ عنه ، فإنه لا يحبّ أن يرى فى أمته حالاً متفاوتًا نكالاً لهم مفنيًّا ؛ فهو يستديم النظرة، ويتأتّى للرشاد، ويجتنبهم على المخاوف، ويستجرّهم إلى ١٦٨٤/٢ (١) انتشار الكلمة : تفرقها . (٢) البشرة : ظاهر الجلد والجمع بشر، وجمع الجمع أبشار. ( ٤) بادهم : جاهرهم . (٣) استصفى المال: أخذ صفوه. (٥) ب: ((بسطوتك)). (٦) صغوك، أي ميلك، وفى ف ((صفوك)). (٧) التشاح: الحرص، يقال: تشاحوا على الأمر؛ أى شح بعضهم على بعض. (٨). أعذر إليه ؛ أى إلى زيد بن على، وأعذر: صار ذا عذر، والذمام : الحق والحرمة. (٩) منزى، مفعل، من نزا ينزو ؛ إذا وثب . ١٧١ سنة ١٢١ المراشد ، ويعدل بهم عن المهالك ؛ فعلَ الوالد الشفيق على ولده ، والرّاعى الحدب على رعيته . ١٦٨٥/٢ واعلم أنّ من حجّتك عليهم فى استحقاق نصر الله لك عند معاندتهم توفيتَك أطماعتهم، وأعطية ذرّيتهم ، ونهيك جندك أن ينزلوا حريمتهم ودورَهم ؛ فانتهز رضا الله فيما أنت بسبيله ؛ فإنه ليس ذنبٌ أسرع تعجيل عقوبة مِن بغى؛، وقد أوقعهم الشيطان، ودلاً هم فيه، ودلّهم عليه؛ والعصمة بتارك البغى أوْلى ؛ فأمير المؤمنين يستعين اللّه عليهم وعلى غيرهم من رعيّته ، ويسأل إلهه ومَوْلاه ووليّه أن يصلح منهم ما كان فاسداً، وأن يسرع بهم إلى النّجاة والفَوْز ؛ إنه سميع قريب . # رجع الحديث إلى حديث هشام(١). قال : فرجع زيد إلى الكوفة، فاستخفى، قال: فقال له محمد بن عمر بن علىّ بن أبى طالب حيث أراد الرجوع إلى الكوفة: أذكّرك الله يا زيد لم) لحقتَ بأهلك؛ ولم تقبلْ قولَ أحد من هؤلاء الذين يدعونتك إلى ما يدعونك إليه ؛ فإنهم لا يفُون لك؛ فلم يقبل منه ذلك ، ورجع . قال هشام : قال أبو مخنف : فأقبلت الشيعة لما رجع إلى الكوفة يختلفون إليه ، ويبايعون له ، حتى أحصى ديوانُه خمسة عشر ألف رجل ، فأقام بالكوفة بضعة عشر شهراً ؛ إلاّ أنه قد كان منها بالبصرة نحو شهرين ، ثم أقبل إلى الكوفة ، فأقام بها ، وأرسل إلى أهل السَّواد وأهلِ الموصل رجالاً يدعون إليه . قال : وتزوّج حيثُ قدم الكوفة ابنةَ يعقوب بن عبد الله السُّلميّ، أحد بنى فرقد، وتزوج ابنة عبد الله بن أبى العَنْبَس الأزدىّ. قال: وكان سبب تزوّجه إياها أنّ أمها أم عمرو بنت الصَّلْت كانت ترى رأى الشّيعة، فبلغها مكانُ زيد ، فأتته لتسلّم عليه - وكانت امرأة جسيمة جميلة (٢) لحيمة، قد دخلت فى السنّ، إلا أن الكِبَر لا يستبين عليها - ١٦٨٦/٢ (١) انظر صفحة ١٦٦ . (٢) ف: ((جميلة جسيمة)). ١٧٢ ١٦٨٧/٢ سنة ١٢١ فلمّا دخلت على زيد بن علىّ فسلمت عليه ظنّ أنها شابّة، فكلمته فإذا أفصح الناس لسانًا، وأجمله منظراً، فسألها عن نسبِها فانتسبتْ له ، وأخبرته ممن هى ، فقال لها : هل لكِ رحمك الله أن تتزوّجينى؟ قالت: أنت والله - رحمك الله - رغبةٌ لو كان من أمرى التزويج ، قال لها : وما الذى يمنعك؟ قالت : يمنعنى من ذلك أنى قد أسنَنْتُ ، فقال لها : كلاّ قد رضيتُ، ما أبعدك من أن تكونى قد أسننت ! قالت : رحمك الله ، أنا أعلم بنفسى منك؛ وبما أتى علىّ من الدهر ؛ ولو كنت متزوجة يومًا من الدهر لما عدَلتُ بك؛ ولكن لى ابنة أبوها ابن عمى؛ وهى أجمل منى ، وأنا أزوّجكها إن أحببتَ ، قال : رضيتُ أن تكونَ مثلك ، قالت له : لكنّ خالقها ومصوّرِها لم يرض أن يجعلها مثلى ، حتى جعلها أبيضَ وأوستم وأجسم ، وأحسن منى دَلَّ وشِكْلاً (١). فضحك زيد، وقال لها: قد رزقت فصاحة ومنطقاً حسنًا ، فأين فصاحتها من فصاحتك ؟ قالت : أما هذا فلا علم لى به ؛ لأنى نشأتُ بالحجاز ، ونشأت ابنتى بالكوفة، فلا أدرى لعلّ ابنتى قد أخذت لغة أهلها . فقال زيد: ليس ذلك بأكرَه إلىّ، ثم واعدها موعداً فأتاها فتزوّجها ، ثم بنى بها فولدت له جاريةً . ثم إنها ماتت بعدُ ؛ وكان بها معجباً. قال: وكان زيد بن علىّ ينزل بالكوفة منازلَ شتى، فى دار امرأته فى الأزْدِ مرّة ، ومرّة فى أصهاره السُّلميِّين، ومرّةً عند نصر بن خزيمة فى بنى عَبْس، ومرّة فى بنى غُبَر. ثم إنه تحوّل من بنى غُبَر إلى دار معاوية ابن إسحاق بن زيد بن حارثة الأنصارى فى أقصى جبّانة سالم السلولىّ ، وفى بی نھْد وبنی تغلب عند مسجد بنى هلال بن عامر ، فأقام يبايع أصحابه ؛ وكانت بيعته التى يبايع عليها الناس: ((إنا ندعوكم إلى كتاب الله وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم، وجهاد الظالمين ، والدّفع عن المستضعفين، وإعطاء المحرومين، وقَسْم هذا الفىء بين أهله بالسواء، وردّ الظالمين، وإقفال المجمّر (٢) ونصرِنا أهل البيت على من نصب لنا وجهل حقنا))، أتبايعون على ذلك؟ (١) الشكل: غنج المرأة ودلها. (٢) جمر الأمير الجند، أى أبقاهم فى ثغر العدو ولم يقفلهم . سنة ١٢١ ١٧٣ فإذا قالوا : نعم ، وضع يده على يده ، ثم يقول: عليك عهدُ اللّه وميثاقه وذمّته وذمة رسوله، لتفينّ ببيعتى ولتقاتلنّ عدّوى ولتنصحنّ فى السرّ والعلانية؟ فإذا قال : نَعْم مسحَ يده على يده، ثم قال (١): اللهم" اشهد. فمكث بذلك بضعة عشر شهراً ؛ فلما دنا خروجه أمر أصحابه بالاستعداد والتهيّؤ، فجعل من يريد أن يفى ويخرج معه يستعدّ لو يتهيّأ، فشاع أمره فى الناس . ١٦٨٨/٢ [ ذكر الخبر عن غزوة نصر بن سيّارما وراء النهر ] وفى هذه السنة غزا نصر بن سيار ما وراء النهر مرّتين ، ثم غزا الثالثة ، فقتل کور صُول . * ذكر الخبر عن غزواته هذه : ذَكَر علىّ عن شيوخه، أن نصرًا غزا من بَلْخ ما وراء النهر من ناحية باب الحديد ؛ ثم قفل إلى مَرْو، فخطب (٢) الناس ، فقال: ألا إن بهرامسيس كان مانحَ المجوس ، يمنحهم ويدفع عنهم ، ويحمل أثقالهم على المسلمين ؛ ألا إنّ اشبداد بن جريجور كان مانح النصارى ؛ ألا إن عقيبة اليهودىّ كان مانح اليهود يفعل ذلك . ألا إنى مانح المسلمين ، أمنحهم وأدفع عنهم، وأحمل أثقالهم على المشركين؛ ألا إنه لا يُقبل منى إلا تَوَفّى الخراج على ما كتِب ورفع . وقد استعملتُ عليكم منصور بن عمر بن أبى الحَرْقاء ، وأمرتُه بالعدل عليكم ، فأيما رجل منكم من المسلمين كان يؤخذ منه جزية من رأسه ، أو ثُقِّل عليه فى خراجه ، وخفّف مثل ذلك عن المشركين ، فليرفع ذلك إلى المنصور بن عمر ، يحوّله عن المسلم إلى المشرك . قال : فما كانت الجمعة الثانية ؛ حتى أتاه ثلاثون ألف مُسلِمٍ ، كانوا يؤدّون الجزية عن رءوسهم وثمانون ألف رجل من المشركين قد ألقيت عنهم جزيتهم(٣)، فحوّل ذلك عليهم (٤)، وألقاه عن المسلمين (٥). ثم صنّف الخراج حتى وضعه مواضعه، ثم وظّف الوظيفة التى جَرَى عليها الصِّلح. قال : فكانت مَرْو يؤخذ منها ١٦٨٩/٢ (١) ح: ((يقول)). (٣) ح: ((الجزية)). (٥) ح: ((حتى ألقاه على المشركين)). (٢) ح: ((وخطب)). (٤) ب، ح: ((عنهم)). ١٧٤ سنة ١٢١ مائة ألف سوى الخراج أيام بنى أميّة. ثم غزا الثانية إلى وَرَغْسَر وسمرقند ثم قفل، ثم غزا الثانية إلى الشاش من مَرْو، فحال بينه وبين قطوع النهر (نهر الشاش) كورصول فى خمسة عشر ألفًا، استأجر كلّ رجل منهم فى كلّ شهر بشقّة حرير ؛ الشقّة يومئذ بخمسة وعشرين درهمًا ، فكانت بينهم مراماة ، فمنع نصرًا من القطوع إلى الشاش. وكان الحارث بن سُريج يومئذ بأرض الترك ، فأقبل معهم ؛ فكان بإزاء نصر، فرمى نصرًا ؛ وهو على سريره على شاطئ النهر بِحُسبان(١)، فوقع السهم فى شِدْق وصيف لنصر يوضّئه، فتحوّل نصر عن سريره ، ورمى فرساً لرجل من أهل الشأم فنفق . وعبر كور صول فى أربعين رجلاً ، فبيّت أهل العسكر، وساق شاء لأهل بُخارى ، وكانوا فى الساقة ، وأطاف بالعسكر فى ليلة مظلمة ؛ ومع نصر أهل بخارى وسمرقند وكِسّ وأشْرُ وسنة، وهم عشرون ألفًا، فنادى نصر فى الأخماس : ألا لا يخرجنّ أحدٌ من بنائه ، واثبتوا على مواضعكم . فخرج عاصم بن عمير وهو على جُنْد أهل سمرقند ، حتى مرّت خيل كورصول ، وقد كانت الترك صاحتْ صيحة، فظنّ أهلُ العسكر أنّ الترك قد قطعوا كلُّهم. فلما مرّت خيل كورصول على ذلك حمل على آخرهم ، فأسر رجلا ؛ فإذا هو ملك من ملوكهم صاحب أربعة آلاف قبّة ، فجاءوا به إلى نصر، فإذا هو شيخ يسحب درعتَهِ شِبْرًا، وعليه رانا ديباج فيهما حلقٌ، وقباء فرند مُكفّف(٢) بالدّيباج ، فقال له نصر : من أنت ؟ قال : كور صول ، فقال نصر : الحمد لله الذى أمكن منك يا عدّو اللّه! قال : فما ترجو من قَتْل شيخ، وأنا أعطيك ألف بعير من إبل الترك ، وألف برْذون تقوّى بها جندك ، وخلّ سبيلى! فقال نصر لمن حوله من أهل الشأم وأهل خراسان: ما تقولون؟ فقالوا: خلّ سبيله، فسأله عن سنّه ، قال : لا أدرى ، قال : كم غزوت ؟ قال : اثنتين وسبعين غزوة ، قال : أشهدتَ يوم العَطَش ؟ قال : نعم ، قال : لو أعطيتنى ما طلعتْ عليه الشمس ما أفلتَّ(٣) من يدى بعد ما ذكرت من مشاهدك . وقال لعاصم بن عمير السغدىّ : قم إلى سلبه فخذه ؛ فلما ١٦٩٠/٢ ١٦٩١/٢ (١) الحسبان : السهام الصغار. (٣) ح، ف: ((انفلت)). (٢) ب: ((مكلل)). ١٧٥ سنة ١٢١ أيقن بالقتل، قال: مَنْ أسرنى؟ قال نصر وهو يضحك: يزيد بن قُرّان الحنظلىّ - وأشار إليه - قال: هذا لا يستطيع أن يغسل استَه -- أو قال : لا يستطيع أن يتمّ بوله - فكيف يأسرنى! فأخِبِرْنى مَنْ أسرنى؛ فإنى أهلٌ أن أقتَل سبع قتلات، قيل له : عاصم بن عمير ، قال: لستُ أجد مسّ القتل إذا كان الذى أسرنى فارساً من فرسان العرب . فقتله وصلبه على شاطئ النهر . قال : وعاصم بن عمير هو الهزار مرد، قتِل بنهاوند أيام قحطبة . قال : فلما قتِل كورصول تخدّرت الترك وجاءوا بأبنيتِه فحرقوها ، وقطعوا آذانهم ، وجردّوا(١) وجوهَهم ، وطفقوا يبكون عليه ؛ فلما أمسى نصر وأراد الرحلة ، بعث إلى كورصول بقارورة نِفْط ، فصبّها عليه ، وأشعل فيه النار لئلا يحملوا عظامه . قال : وكان ذلك أشدّ عليهم من قتله. ١٦٩٢/٢ وارتفع نصر إلى فَرْغانة ، فسبى منها ثلاثين ألف رأس ، قال : فقال عنبر بن بُرْعُمَة الأزدى : كتب يوسف بن عمر إلى نصر : سرْ إلى هذا الغارز(٢) "ذنبه بالشاش - يعنى الحارث بن سُريج - فإن أظفرك الله به وبأهل الشاش، فخرّب بلادهم، واسب ذراريّهم؛ وإياك وورْطة (٣) المسلمين. قال : فدعا نصرٌ الناس ، فقرأ عليهم الكتاب ، وقال : ما ترون ؟ فقال يحيى بن حُضَين : امض لأمر أمير المؤمنين وأمر الأمير ، فقال نصر: يا يحيى، تكلمتَ ليالىّ عاصم بكلمة ؛ فبلغت الخليفة فحظيتَ بها ، وزيد فى عطائك، وفرض لأهل بيتك، وبلغتَ الدّرجة الرفيعة، فقلتَ : أقول مثلتها . سرْ يا يحيى، فقد ولّيتُك مقدّمتى؛ فأقبل الناس على يحيى يلومونه ، فقال نصر يومئذ : وأىّ ورطة أشدّ من أن تكون فى السفر وهم فى القرار ! قال : فسار إلى الشاش، فأتاه الحارث بن سُريج فنصب عرّادتين (٤) تلقاء بنى تميم ؛ فقيل له : هؤلاء بنو تميم ، فنقلهما فنصبهما على الأزْد - ويقال: على بكر بن وائل - وأغار عليهم الأخرم، وهو فارس الترك ، فقتله المسلمون ، وأسروا سبعة من أصحابه ، فأمر نصربن سيار برأس الأخرم ، فرمى به فى عسكرهم بمنجنيق ، فلما رأوه ضجوا ضجة عظيمة ، ثم ارتحلوا (١) ف: ((وخددوا)). (٣) ح: ((ورطة))، بدون واو . (٢) ح وابن الأثير: ((الغادر دينه)). (٤) العرادة: شبه المنجنيق ، صغيرة . i ١٧٦ سنة ١٢١ منهزمين ، ورجع نصر ، وأراد أن يعبُر ، فحيل بينه وبين ذلك ، فقال أبو نميلة صالح بن الأبَّار : ١٦٩٣/٢ كراقِبِ النَّوْءِ حتى جاده المطَرُ كنا وَأَوْبَةُ نصر عندَ غيبته مُسْتَرْجِفٌ بمنايا القوم مُنْهمرُ أَوْدَی بأخرَم منه عارضٌ بَرِدٌ وأقبل نصر فنزل تَرْ قند فى السنة التى لقى فيها الحارث بن سريج ، فأتاه بخارا خُذاه منصرفًا؛ وكانت المسلحة عليهم، ومعهم دهقانان من دهاقين بُخارى ، وكانا أسلما على يدى نصر ، وقد أجمعا على الفَتْك بواصل بن عمرو القيسى عامل بُخارى وببخاراخُذاه يتظلّمان من بخار اخذاه ، - واسمه طوق شياده(١) - فقال بخاراخُذاه لنصْر: أصلح الله الأمير! قد علمت أنهما قدأسلما على يديك، فما بالهما معلِّقى الخناجر عليهما! فقال لهما نصر: ما بالكما معلِّقى الخناجر وقد أسلمتما ! قال : بيننا وبين بخار اخذاه عَدَاوةٌ فلا نأمنه على أنفسنا . فأمر نصر هارون بن السياوش مولى بنى سليم - وكان يكون على الرابطة - فاجتذبهما فقطعهما، ونهض بخار اخُذاه إلى نصر يسارّه فى أمرهما ، فقالا: نموت كريميْن؛ فشدّ أحدهما على واصل ابن عمرو فطعنه فى بطنه بسكين ، وضربه واصل بسيفه على رأسه ؛ فأطار فَحْف رأسه فقتله، ومضى الآخر إلى بخاراخُذاه - وأقيمت الصّلاة، وبخاراخُذاه جالس على كرسىّ - فوثب نصر، فدخل السرادق ، وأحضر بخاراخُذاه ، فعثر عند باب السرادق فطعنه ، وشدّ عليه الجوزجان بن الجوزجان، فضربه بجرُز كان معه فقتله، وحُمل بخار اخذاه فأدخل سرادق نصر ، ودعا له نصر بوسادة فاتّكأ عليها ، وأتاه قرعة الطبيب ، فجعل يعالجه وأوصى إلى نصر ، ومات من ساعته ، ودفن واصل فى السرادق ، وصلى عليه نصر. وأما طوق شياده(١) فكشطوا عنه لَحمه، وحملوا عظامه إلى بخارى. قال : وسار نصر إلى الشَّاش ، فلما قدم أشروسنّة عرض دهقانها أباراخرّه مالاً ، ثم نفذ إلى الشاش، واستعمل على فَرْغانة محمد بن خالد الأزديّ، وجّهه إليها فى عشرة نفر، وردّ من فَرْ غانة أخاجيش فيمن كان ١٦٩٤/٢ (١) ط: ((سياده) .. ١٧٧ سنة ١٢١ معه من دهاقين الخُتَّل وغيرهم ، وانصرف منها بتماثيل كثيرة ، فنصبها فى أشروسنة . ١٦٩٥/٢ وقال بعضهم : لما أتى نصر الشاش تلقّاه قدر ملكها بالصُّلح والهدّية والرّهن، واشترط عليه إخراجَ الحارث بن سُريج من بلده ، فأخرجه إلى فاراب ؛ واستعمل على الشاش نيزك بن صالح مولى عمرو بن العاص ، ثم سار حتى نزل قُبَاء من أرض فرغانة ، وقد كانوأحسوا بمجيئه ، فأحرقوا الحشيش وحبسوا الميرة . ووجَّه نصر إلى ولىّ عهد صاحب فرغانة فى بقية سنة إحدى وعشرين ومائة ، فحاصروه فى قلعة من قلاعها ، فغفل عنهم المسلمون ، فخرجوا على دوابّهم فاستاقوها، وأسروا ناسًا من المسلمين ، فوجّه إليهم نصر رجالاً من بني تميم، ومعهم محمدبن المثنى - وكان فارسًا - فكايدهم المسلمون، فأهملوا دوابّهم وكمنوا لهم ، فخرجوا فاستاقوا بعضها، وخرج عليهم المسلمون فهزموهم ، وقتلوا الدُّهقان، وأسروا منهم أسراء ، وحمل ابن الدهقان المقتول علَى ابن المثنى، فختله محمد بن المثنىّ، فأسره، وهو غلام أمرد، فأتى به نصراً، فضرب عنقه . وكان نصر بعث سليمان بن صول إلى صاحب فَرْغانة بكتاب الصلح بينهما . قال سليمان: فقدمتُ عليه فقال لى: مَنْ أنت ؟ قلت : شاكرىٌّ خليفةُ كاتب الأمير، قال: فقال : أدخلوه الخزائن ليرى ما أعددنا ، فقيل له : قم ، قال : قلت ليس بى مَشْى ، قال : قدّموا له دابة يركبها، قال : فدخلت خزائنَه ، فقلت فى نفسى : يا سليمان ، شمت بك إسرايل وبشر بن عُبَيَد؛ ليس هذا إلاّ لكراهة الصلح، وسأنصرف بخُفَّىْ حُنَيْن. قال : فرجعت إليه ، فقال : كيف رأيت الطريق فيما بيننا وبينكم ؟ قلت : سهلاً كثير الماء والمرعى ؛ فكره ما قلت له ، فقال : ما علمك ؟ فقلت: قد غزوت غَرْ شِسْتان وغُور والحتّل وطَبَرٍ ستان، فكيف لا أعلم! قال: فكيف رأيَت ما أعددنا ؟ قلت : رأيت عدّة حسنة؛ ولكن أما علمت أن صاحب الحصار لا يسلم من خصال! قال: وما هُنّ ؟ قلت : لا يأمن أقرب الناس إليه وأحبّهم إليه وأوثقَهم فى نفسه أن يثب به يطلب مرتبته ، ويتقرّب بذلك، أو يفنى ما قد جمع، فيسلم برُمَّته، أويصيبه داء فيموت . ١٦٩٦/٢ ١٧٨ سنة ١٢١ فقطْب وكره ما قلت له وقال : انصرف إلى منزلك ، فانصرفت فأقمت يومين ، وأنا لاأشكّ فى تركه الصلح، فدعانى فحملتُ كتاب الصّلح مع غلامى ، وقلت له : إن أتاك رسولى يطلب الكتاب فانصرف إلى المنزل ، ولا تظهر الكتاب، وقل لى : إنى خلفتُ الكتاب فى المنزل . فدخلت عليه ، فسألنى عن الكتاب ، فقلت : خلّفتُه فى المنزل . فقال : ابعث مَنْ يجيئك به ، فقبل الصُّلح، وأحسن جائزتى، وسرّح معى أمّه، وكانت صاحبة أمره . قال: فقدمتُ على نصْر؛ فلما نظر إلىّ قال: ما مثلك إلا كما قال الأوّل: فَأرْسِل حكيماً ولا تُوصِهِ (١). فأخبرته ، فقال : وُفِّقت ، وأذن لأمه عليه، وجعل يكلمها والترجمان ١٦٩٧/٢ يعبّر عنها، فدخل تميم بن نصر ، فقال للترجمان : قل لها : تعرفين هذا ؟ فقالت: لا ، فقال : هذا تميم بن نصر، فقالت : والله ما أرى له حلاوة الصّغِير ، ولا نُبْل الكبير . قال أبو إسحاق بن ربيعة : قالت لنصر: كل متلك لا يكون عنده ستة أشياء فليس بملك: وزیریباته(٢) بکتاب نفسه وما شجرفى صدره من الكلام، ويشاوره ويثق بنصيحته ، وطباخ إذا لم يشته الطعام اتخذ له ما يشتهى ، وزوجة إذا دخل عليها مغتمًّا فنظر إلى وجهها زال غمّه، وحصن إذا فزع أو جُهد فزع إليه فأنجاه ، تعنى البرذون - وسيف إذا قارع الأقران لم يخش خيانته ، وذخيرة إذا حملها فأين وقع بها من الأرض عاش بها . ثم دخل تميم بن نصر فى الأزفلة (٣) وجماعة، فقالت : من هذا ؟ قالوا: هذا فتَى خراسان ، هذا تميم بن نصر ، قالت : ما له نُبْل الكبار ولا حلاوة الصغار . ثم دخل الحجاج بن قتيبة فقالت : مَنْ هذا ؟ فقالوا : الحجاج بن قتيبة، قال : فحيّتْه، وسألت عنه ؛ وقالت: يا معشر العرب ، ما لكم وفاء ؛ لا يصلح بعضكم لبعض قتيبة الذى وطّن لكم ما أرى ، وهذا ابنه تُقعده دونك ! فحقك أن تجلسه هذا المجلس ، وتجلس أنت مجلسه . (١) الأغانى ٦ : ٨٢، وصدره * إذا كنتَ فى حاجةٍ مرسلاً » (٢) كذا فى ا، وفى ابن الأثير: ((يبث إليه ما فى نفسه)). (٣) الأزفلة: الجماعة من الناس. وفى ط: ((مرفلة)) تحريف، صوابه من ا. سنة ١٢١ ١٧٩ وحجّ بالناس فى هذه السنة محمد بن هشام بن إسماعيل المخزومىّ - ١٦٩٨/٢ كذلك قال أبو مَعْشر، حدثنى بذلك أحمد بن ثابت ، عمّن ذكره ، عن إسحاق بن عيسى، عنه . وكذلك قال الواقدىّ وغيره . وكان عامل هشام بن عبد الملك على المدينة ومكة والطائف فى هذه السنة محمد بن هشام، وعامله على العراق كلّه يوسف بن عمر ، وعامله على أذر بيجان وأرمينية مَرْوان بن محمد، وعلى خراسان نصر بن سيّار، وعلى قضاء البصرة عامر بن عبيدة، وعلى قضاء الكوفة ابن شُرُمة . ١٨٠ ثم دخلت سنة اثنتين وعشرين ومائة ذكر الخبر عما كان فيها من أحداث * [ خبر مقتل زيد بن علىَ ] فمن ذلك مقتل زيد بن علىّ . * ذكر الخبر عن ذلك : ذكر هشام عن أبى مخنف، أنّ زيد بن علىّ لما أمَر أصحابه بالتأهّب للخروج والاستعداد ، أخذ مَن كان يريد الوفاء له بالبيعة فيما أمرهم به من ذلك ، فانطلق سليمان بن سُراقة البارقىّ إلى يوسف بن عمر ، فأخبره خبره ، وأعلمه أنه يختلف إلى رجل منهم يقال له عامر ، وإلى رجل من بني تميم ١٦٩٩/٢ يقال له طُعْمَة؛ ابن أختِ لبارق؛ وهو نازل فيهم. فبعث يوسف يطلب (١) زيد بن علىّ فى منزلهما فلم يوجد عندهما، وأخذ الرّجلان، فأتىَ بهما ، فلما كلَّمهما استبان له أمرُ زيد وأصحابه. وتخوّف زيد بن على أن يُؤخذ، فتعجّل (٢) قبل الأجل الذى جعله بينه وبين أهل الكوفة . قال: وعلى أهل الكوفة يومئذ الحكم بن الصلْت، وعلى شُرَطه عمروبن عبد الرحمن، (رجل من القارة)؛ وكانت ثقيف أخواله؛ وكان فيهم ومعه عبيد الله بن العباس الكندىّ، فى أناسٍ (٣) من أهل الشأم، ويوسف بن عمر بالحيرة. قال: فلما رأى أصحابُ زيد بن علىّ الذين بايعوه (٤) أنّ يوسف بن عمر قد بلغه أمر زيد، وأنه يدسّ إليه ، ويستبحث عن أمره ، اجتمعت إليه جماعة من رءوسهم، فقالوا : رحمك الله! ما قولك فى أبى بكر وعمر ؟ قال زيد: رحمهما الله وغفر لهما، ما سمعتُ أحداً من أهل بيتى يتبرّأ منهما ولا يقول فيهما إلا خيراً، قالوا: فلمَ تطلب (٥) إذاً بدم أهل هذا البيت؛ إلّا أن وثبا على سلطانكم(٦) ٠ (١) ح، ف: ((فطلب))، ابن الأثير: ((فى طلب)). (٢) ب، ح: ((فيعجل)). (٤) ف: ((بأيعوا)). (٦) ب، ح ((سلطانكما)). (٣) ب وابن الأثير: ((فى ناس)). (٥) ف: ((نطلب)).