النص المفهرس
صفحات 141-160
١٤١ سنة ١٢٠ ثم مرض أسد ، فأفاق إفاقة فخرج يوماً ، فأتِىَ بكمترى أوّل ما جاء ، فأطعم الناس منه واحدة واحدة؛ وأخذ كُمثراة فرمى بها إلى خراسان دهقان هراة، فانقطعت الدُّبَيلة ، فهلك . واستخلف جعفرًا البهرانىّ، وهو جعفر بن حنظلة سنة عشرين ومائة فعمل أربعة أشهر ، وجاء عهد نصر بن سيّارفى رجب سنة إحدى وعشرين ومائة ، فقال ابن عِرْس العبدىّ : فَرِيعَ القلبُ للمِلِكِ المُطاعِ نَعَى أَسَدَ بنَ عبد اللهِ نَاعِ وما لقضاءٍ ربك مِنْ دَفاع بِبَلِخٍ وافَقَ المِقدارُ يُسْرِى أَلم يُحْزنْكِ تَفْرِيقُ الجماع ! فجودِى عَينُ بالعَبَرَاتِ سَحًّا أَتَاهُ حِمامُهُ فى جوف صِيغٍ(١) وكم بالصيغِ من بطل شجاع! على جُرْدٍ مسوّة ◌ِراع كتائبُ قد يُجِيبُونَ المنادى مَريعاً عِندَ مُرْتَادِ النَّجاع سُقِيتَ الغيث إِنَّك كنت غيثاً وقال سليمان بن قتّة مولى بنى تيم بن مرة - وكان صديقًا الأسد : وَمَرْوَىْ خُراسانَ السَّحابَ المُجمَّمَا سَقَى اللهُ بِلْخاً ، سَهْلَ بلغ وحَزْنَها بها غَيِّبُوا شِلْوًا كريماً وأَعظُمَا ومَا بى لِتُسْقَاهُ ولكنَّ حُفرَةٌ وطَلَّبَ أَوْتَارِ عِفَرْناً عَثَمَثَمَا مُرَاجِمَ أَقوامٍ وَمُرْدِى عَظِيمَةٍ ويُرْوى السنانَ الزَّاغِىَّ الْمُقَوّما لقد كان يُعطِى السّيْفَ فى الرَّوْع حقَّهُ ١٦٣٩/٢ * * [أمر شيعة بنى العباس بخراسان] قال أبو جعفر : وفى هذه السنة وجّهت شيعة بنى العباس بخراسان إلى محمد بن علىّ بن العباس سليمان بن كثير ليعلمه أمرهم وما هم عليه . ذكر الخبر عن سبب توجيههم سليمان إلى محمد : وكان السبب فى ذلك موجِدة كانت من محمد بن علىّ علَى مَنْ كان بخُراسان من شيعته من أجل طاعتهم، كانت خداش الذی ذکرنا خبره قبل وقبولهم منه ما روى عليه من الكذب ؛ فترك مكاتبتهم ؛ فلما أبطأ عليهم (١) !: ((صبغ)). ١٦٤٠/٢ ١٤٢ سنة ١٢٠ كتابُه، اجتمعوا فذكروا ذلك بينهم؛ فأجمعوا على الرِّضا بسليمان بن كثير ليلقاه بأمرهم ، ويخبره عنهم ، ويرجع إليهم بما يردّ عليه ؛ فقدم - فيما ذکر - سلمان بن کثیر علی محمد بن علىّ وهو متنکّر لمن بخراسان من شیعته، فأخبره عنْهم ، فعنّفهم فى اتباعهم خداشاً وما كان دعا إليه ، وقال : لعن الله خداشا ومَنْ كان على دينِهِ ! ثم صرف سليمان إلى خراسان، وكتب إليهم معه كتابًا، فقدم عليهم، ومعه الكتاب مختومًا ، فَفَضّوا خاتمه فلم يجدوا فيه شيئًا، إلاّ: ((بسم الله الرحمن الرحيم))، فغلظ ذلك عليهم وعلموا أن ما كان خداش أتاهم به لأمره مخالف . وفى هذه السنة وجّه محمد بن علىّ بكير بن ماهان إلى شيعته بخُراسان بعد منصرف سليمان بن كثير من عنده إليهم ، وكتب معه إليهم كتاباً يعلمهم أن خِداشًا حمل شيعته على غير منهاجه . فقدم عليهم بكير بكتابه فلم يصدقوه واستخفّوا به؛ فانصرف بكير إلى محمد بن علىّ ، فبعث معه بعصىّ مضبّبة بعضها بالحديد وبعضها بالشّبّه ؛ فقدم بها بكير وجمع النقباء والشّيعة ، ودفع إلى كلّ رجل منهم عصًا ، فعلموا أنهم مخالفون لسيرته ، فرجعوا وتابوا . ١٦٤١/٢ وفى هذه السنة عزل هشام بن عبد الملك خالدَ بن عبد الله عن أعماله التى كان ولاه إياها كلّها . ٠٠ ذكر سبب عزل هشام خالدًا قد قيل فى ذلك أقوال ، نذكر ما حضرنا من ذلك ذكره ؛ فممّا قيل فى ذلك: إن فَرُّوخ أبا المفتى كان قد تقبّل(١) من ضياع هشام بن عبد الملك بموضع يقال له رُستاق الرّمان أو نهر الرّمان - وكان يُدعى بذلك فرّوخ الرّمانىّ - فثقل مكانه على خالد ، فقال خالد لحسان (٢) النَّبَطىّ: ويحك! اخرج إلى أمير المؤمنين فزِدْ على فرّوخ ، فخرج فزاد عليه (١) التقبل: أن يأخذ العامل بخراج أو جباية أكثر مما أعطى. (٢) فى ابن الأثير: ((لحيان))؛ وكذلك فى كل مما يأتى بعد. ١٤٣ سنة ١٢٠ ألف ألف درهم ؛ فبعث هشام رجلين من صُلِحاء أهل الشأم، فجازًا الضياع، فصار حسان أثقلَ على خالد من فَرّوخ ؛ فجعل يضرّ به ، فيقول له حسّان: لا تفسدنى وأنا صنيعتك! فأبى إلاّ الإضرار به ، فلما قدم عليه بثق البثوق على الضّياع، ثم خرج إلى هشام، فقال : إن خالداً بَشَق البُئوق على ضياعك . فوجّه هشام رجلا ، فنظر إليها ثم رجع إلى هشام فأخبره ، فقال حسان لخادم مِن خدم هشام : إن تكلّمتَ بكلمة أقولها لك حيث يسمع هشام، فلك عندى ألف دينار ، قال : فعجِّل لى الألف وأقول ما شئت ، قال : فعجّلها له وقال له : بَكّ صبيًا من صبيان هشام؛ فإذا بكى فقل له : اسكت؛ والله لكأنك ابنُ خالد القسرىّ الذى غلّته ثلاثة عشر ألف ألف . فسمعها هشام فأغضى عليها . ثم دخل عليه حسّان بعد ذلك ، فقال له هشام : ادنُ منى فدنا منه ، فقال : كم غَلّة خالد ؟ قال : ثلاثة عشر ألف ألف ، قال : فكيف لم تخبرنى بهذا ! قال : وهل سألتَنى ؟ فوقرَتْ فى نفس هشام ، فأزمع على عزله . ١٦٤٢/٢ وقيل : كان خالد يقول لابنه يزيد : ما أنت بدون مسلمة بن هشام ؛ فإنّك لتفخر على الناس بثلاث لا يفخر بمثلها أحدٌ: سكَرْتُ دجلة ولم يتكلّف ذلك أحد ، ولى سقايةٌ بمكة، ولى ولاية العراق. وقيل : إنّما أغضب هشامًا على خالد أنّ رجلا من قريش دخل على خالد فاستخفّ به وعضّه بلسانه ، فكتب إلى هشام يشكوه ، فكتب هشام إلی خالد : أمّا بعد ؛ فإنَّ أمير المؤمنين - وإن كان أطلق لك يدك ورأيك فيمن استرعاك أمره ، واستحفظك عليه ، للّذى رجا من كفايتك، ووثق به من حسن تدبيرك - لم يُفرشك(١) غُرّة أهل بيته لتطأه بقدميك، ولا تحدّ إليه بصرك ؛ فكيف بك وقد بسطت على غُرّتهم بالعراق لسانك بالتوبيخ ؛ تريد بذلك تصغير خَطَرَه (٢)، واحتقار قدره ؛ زعمت بالنّصفة(٣) منه حتى (١) كذا فى أ،ب، وفى ط: ((لم يفترشك)). ولم يفرشك؛ أى لم يجعلهم لك بساطاً لتبسط نفوذك عليهم. (٢) الخطر: القدر؛ وفى ب: ((حظه)). (٣) النصفة : الانتصاف . ١٤٤ سنة ١٢٠ أخرجك ذلك إلى الإغلاظ فى اللفظ عليه فى مجلس العامة ، غير متحلحل (١) له حين رأيتَه مقبلا من صدر مهادك الذى مهد له الله، وفى قومك من يعلوك بحسبه ، ويغمرُك بأوّليته، فنِلتَ مهَادّك بمارفع به آلُ عمرو من ضَعتك خاصّةً ، مساوين بك فروع غُرَر القبائل وقرومها (٢) قبل أمير المؤمنين ؛ حتى حللتَ هضبةً أصبحتَ تنحو (٣) بها عليهم مفتخراً. هذا إن لم يدهده بك قلة شكرك متحطّمًا وقيذًاً(٤). فهلاّ .. يابن مجرّشة(٥) قومك - أعظمت وجُلتهم عليك داخلا، ووسَّعت مجلسه إذا رأيتَه إليك مقبلاً، وتجافيتَ له عن صدر فراشك مكرّماً، ثم فاوضته مقبلا ببشرك ، إكرامًا لأمير المؤمنين، فإذا اطمأنّ به مجلسه نازعته بحيىّ السرار (٦)، معظّمًا لقرابته، عارفًا لحقّه؛ فهو سِنّ البيتيْن ونابهم(٧)، وابن شيخ آل أبى العاص وحَرْبٍ وغُرّتهم. وبالله يقسم أمير المؤمنين لك لولا ما تقدّم من حُرْمتك وما يكره من شماتة عدّوك بك لوضع (٨) منك ما رفع ؛ حتى يردّك إلى حال تفقد بها أهل الحوائج بعراقك ، وتزاحم المواكب ببابك(٩). وما أقربنى من أن أجعلك تابعًا لمن كان لك تبعًاً؛ فانهض على أيّ حالٍ ألفاك رسولُ أمير المؤمنين وكتابُه، من ليل أو نهار، ماشيًا على قدمك بمن معك من خولك (١٠)؛ حتى تقف على باب ابن عمرو صاغراً(١١)، مستأذنًا عليه، متنصّلا إليه ؛ أذن لك أو منعك؛ فإن حركتْه عواطف رحمة احتملك، وإن احتملتْه أنَفة وحمية(١٢) من دخولك عليك فقيف ببابه حَوْلا غير متحلحل ولا زائل؛ ثم أمْرُك بعدُ إليه؛ عزل(١٣) أو ولَّى، انتصر (١٤) أوعفا؛ فلعنك الله من متكل عليه بالثقة؛ ما أكثر هفواتك ، وأقذع (١٥) لأهل الشرف ألفاظك؛ التى لا تزال تبلغ أمير المؤمنين ١٦٤٤/٢ (١) غير متحلحل؛ أى غير متزحزح؛ يقال: حلحله؛ إذا أزاله عن مكانه. (٢) القروم: جمع قرم؛ وهو السيد. (٣) تنحو بها؛ أى تطل وتشرف. ( ٤) دهده الحجر فتدهده: دحرجه فتدحرج، والوقيف : الصريع . (٥) المجرشة: الماشطة؛ يقال: جرش رأسه بالمشط؛ إذا حكه . (٦) السرار: المسارة؛ أى جادلته فى سرار مقرون بالحياء. ( ٧) ناب القوم: سيدهم. (٨) ح: ((لخط)). (٩) ف: ((على بابك)). (١٠) الخول : الحاشية . (١١) صاغراً: ذليلا. (١٢) ح، ف: ((حميته وأنفته)). (١٣) ف: ((عزاك)). (١٥) القذع: الخنا والفحش. (١٤) ح: ((وانتصر)). ١٦٤٣/٢ ١٤٥ سنة ١٢٠ من إقدامك بها على مَنْ هو أولى بما أنت فيه من ولاية مِصْرَىِ العراق ، وأقدم وأقوم . وقد كتب أمير المؤمنين إلى ابن عمّه بما كتب به إليك من إنكاره عليك ، ليرى فى العفو عنك والسخط عليك رأيه ، مفوّضًا ذلك إليه مبسوطة فيه يدُه ، محموداً عند أمير المؤمنين على أيّهما آتى إليك ، موفقًا إن شاء الله تعالى . و کتب إلى ابن عمرو (١): أما بعد ، فقد بلغ أميرَ المؤمنين كتابُك ، وفِهم ما ذكرت من بَسْط خالد عليك لسانه فى مجلس العامة محتقِراً لقَدْرك ، مستصغراً لقرابتك من أمير المؤمنين ، وعواطف رحِمه عليك وإمساكك عنه ، تعظيماً لأمير المؤمنين وسلطانه ، وتمسكًا بوثائق عِصَم (٢) طاعته، مع مؤلم ما تداخلك من قبائح ألفاظه وشرارة منطقه ، وإكثابه عليك عند إطراقك عنه ، مروّياً فيما أطلق أمير المؤمنين من لسانه(٣)، وأطالَ من عنانه، ورفع من ضعته، ونوّه من خموله ؛ وكذلك أنتم آل سعيد فى مثلها عند هَذْر الذّنابى (٤) وطائشة أحلامها، صُمْتٌ من غير إفحام، بل بأحلام تَخِفّ بالجبال (٥) وزناً. وقد حمد أمير المؤمنين تعظيمَك إياه ، وتوقيرك سلطانه وشكره ؛ وقد جعل أمر خالد إليك فى عزلك إياه أو إقراره(٦)؛ فإن عزلته أمضى عزلك إيّاه، وإن أقررتَه فتلك منَّة لك عليه لا يشركك أمير المؤمنين فيها . وقد كتب إليه أمير المؤمنين بما يطرد عنه سنة الهاجع عند وصوله إليه، يأمره بإتيانك راجلاً على أيّة حال صادفه كتابُ أمير المؤمنين فيها، وألفاه رسولُه الموجَّه إليه من ليله أو نهاره، حتى يقف ببابك ؛ أذنت له أو حجبته، أقررته أو عزلته، وتقدّم أمير المؤمنين إلى رسوله فى ضربه بين يديك على رأسه عشرين سوطًا إلا أن تكره أن يناله ١٦٤٥/٢ (١) فى ابن الأثير: ((رجل من آل عمرو بن سعيد بن العاص))، وهو القرشى الذى دخل على خالد ، وانظر ص ١٤٣ . (٢) العصم : جمع عصمة ؛ وهى ما يعتصم به من عقد أو سبب. (٣) الشرارة: مصدر؛ كالشر، وأكثب عليه: حمل وكر، وروى فى الأمر: نظر وفكر. (٤) هذر فى كلامه، كضرب ونصر: هذى، والذنابى : أذناب الناس وسفلتهم. (٥) أى تخف وزن الجبال؛ وفى ط: ((تحف))، تحريف. (٦) ح: ((وإقراره)). ١٤٦ سنة ١٢٠ ذلك بسببك لحرمة خدمته؛ فأيّهما رأيت إمضاءه كان لأمير المؤمنين فى برّك وعظم حُرْ متك وقرابتك وصلة رحمك موافقًا، وإليه حبيبًا، فيما ينوى من قضاء حق آل أبى العاص وسعيد. فكاتبْ أميرَ المؤمنين فيما بدا لك مبتدئًا ومجيباً (١) ومحادثًا وطالبًا ؛ ما عسى أن يُنزل بك أهلك من أهل بيت أمير المؤمنين من حوائجهم التى تقعد بهم الحشمة عن تناولها من قبله لبعد دارهم عنه ، وقلة إمكان الخروج لإنزالها به؛ غير محتشم من أمير المؤمنين ، ولا مستوحش من تكرارها عليه، على قَدْرٍ قرابتهم وأديانهم (٢) وأنسابهم، مستمنحاً(١٣) ومسترفداً، وطالبًا مستزيداً، تجد أمير المؤمنين إليك سريعًا بالبرّ لما يحاول من صلة قرابتهم، وقضاء حقوقهم ، وباللّه يستعين أمير المؤمنين على ما ينوى ، وإليه يرغب فى العَوْن على قضاء حقّ قرابته، وعليه يتوكّل، وبه يثق. والله وليّه ومولاه. والسلام. ١٦٤٦/٢ ٠٠ ٠ وقيل : إنّ خالداً كان كثيراً ما يذكر هشامًا ، فيقول: ابن الحمقاء. وكانت أم هشام تستحمق ، وقد ذكرنا خبرها قبلُ . وذكر أنه كتب إلى هشام كتابًا غاظَه ، فكتب إليه هشام : يا بن أمّ خالد؛ قد بلغنى أنك تقول: ما ولاية العراق لى بشرف؛ فيابن اللخناء، كيف لا تكون إمرة العراق لك شرفًا، وأنت مِنْ بجيلة القليلة الذليلة! أما والله إنى لأظنّ أنّ أوّل من يأتيك صغير من قريش؛ يشدّ يديك إلى عنقك. وذكر أن هشاماً كتب إليه : قد بلغنى قولك : أنا خالد بن عبد الله بن يزيد بن أسد بن كرز؛ ما أنا بأشرف الخمسة. أما والله لأرُدّنك إلى بَغْلتك وطَيْلسانك الفير وزيّ . ١٦٤٧/٢ وذكر أن هشاماً بلغه أنه يقول لابنه : كيف أنت إذا احتاج إليك بنو أمير المؤمنين ! فظهر الغضب فى وجهه . وقيل : إن هشاماً قدم عليه رجل من أهل الشأم ، فقال : إنى سمعت خالداً ذكر أمير المؤمنين بما لا تنطلق به الشفتان ؛ قال : قال : الأحول ؟ قال : لا ، بل قال أشدّ من ذلك ، قال: فما هو ؟ قال : لا أقوله أبداً ، (١) ب: ((ومجنباً)). (٣) ف: ((مستميحاً)). (٢) ب ((وأذنابهم))، ف: ((وأربابهم)). ١ ١٤٧ سنة ١٢٠ فلم يزل يبلغه عنه ما يكره حتى تغيّرله(١). وذكر أن دهتماناً دخل على خالد، فقال: أيّها الأمير، إنّ غلة ابنك قد زادت على عشرة آلاف ألف؛ ولا آمنُ أن يبلغ هذا أمير المؤمنين فيستكثره(٢). وإنّ الناس يحبون جسدك، وأنا أحبّجسدك وروحك؛ قال : إن أسد بن عبد الله قد كلّمنى بمثل هذا، فأنت أمرته؟ قال: نعم ، قال: ويحك ! دع ابنى ، فلربما طلب الدّرْهم فلم يقدر عليه . ثم عزم هشام - لما كثر عليه ما يتّصل به عن خالد من الأمور التى كان يكرهها - على عزله ؛ فلما عزم على ذلك أخفى ما قد عزم له عليه من أمره . ٠ ذكر الخبر عن عمل هشام فى عزل خالد حين صحّ عزمُه على عزله ذكر عمر أن عُبيد بن جنّاد حدّثه أنه سمع أباه وبعض الكتبة يذكر أن هشاماً أخفى عَزْل خالد ، وكتب إلى يوسف بخطّه - وهو على اليمن - أن يُقبل فى ثلاثين من أصحابه. فخرج يوسف حتى صار إلى الكوفة ، فعرّس قريبًا منها ، وقد ختن طارق- خليفة خالد على الخراج- ولدَه؛ فأهدى له ألف عتيق وألف وصيف وألف وصيفة ؛ سوى الأموال والثياب وغير ذلك؛ فمرّ العاس بيوسف وأصحابه ويوسف يصلى ورائحة الطيب تنفح من ثيابه ، فقال : ما أنتم ؟ قالوا: سفّار (٢)؛ قال: فأين تريدون ؟ قالوا : بعض المواضع ، فأتوا طارقاً وأصحابَه ، فقالوا : إنا رأينا قومًا أنكرناهم ، والرأى أن نقتلهم ، فإن كانوا خوارجَ استرحنا منهم ؛ وإن كانوا يريدونكم عرفتم ذلك فاستعددتم على أمرهم . فنهوْهم عن قتلهم ؛ فطافوا ؛ فلما كان فى السّحر وقد انتقل يوسف وصار إلى دور ثَقيف، فمرّ بهم العاسّ، فقال: ما أنتم ؟ فقالوا: سفّار ، قال : فأين تريدون ؟ قالوا : بعض المواضع ، فأتوا طارقاً وأصحابه ، فقالوا : قد صاروا إلى دور ثقيف والرأى أن نقتلهم ، فمنعوهم وأمر يوسف بعض الشَّقفيّين، فقال: اجمع لى مَن بها من مُضر. ففعل، فدخل المسجد مع ١٦٤٨/٢ (١) ف: ((عليه)). (٢) ب: ((فيتنكر له ويستكثره)). (٣) كذا فى ١، ب، وفى ط: ((أسفار))، وأسفار وسفار: ذوو سفر. ١٤٨ سنة ١٢٠ ١٦٤٩/٢ الفجْر، فأمر المؤذّن بالإقامة، فقال: حتى يأتى الإمام؛ فانتهره فأقام، وتقدّم يوسف فقرأ: ((إذا وقعت الواقعة))، و((سأل سائل))، ثم أرسل إلى خالد وطارق وأصحابهما ، فأخذوا وإنّ القُدور لتغلِى. قال عمر : قال علىّ بن محمد ، قال : قال الربيع بن سابور مولى بنى الخرِيش - وكان هشام جعل إليه الخاتم مع الخرس: أتى هشاماً كتابُ خالد فغاظه(١) ، وقدمعلیه فى ذلكاليوم جندبمولی یوسف بن عمر بکتابیوسف ، فقرأه ثم قال لسالم مولى عنبسة بن عبد الملك : أجِبْه عن لسانك ، وكتب هو بخطّه كتابًاً صغيراً ، ثم قال لى : انتنى بكتاب سالم - وكان سالم على الديوان - فأتيتُه به ، فأدرج فيه الكتاب الصّغير ، ثم قال لى : اختمه ففعلت ، ثم دعا برسول يوسف ، فقال : إن صاحبك لمتعدُّ طوَرَه ، ويسأل فوق قدره ؛ ثم قال لى : مَزِّق ثيابَه. ثم أمر به فضرب أسواطًا، فقالُ: أخرجه عنّى وادفع إليه كتابه . فدفعتُ إليه الكتاب ، وقلت له : ويلك ! النّجاء! فارتاب بشير بن أبى ثلجة من أهل الأردن، وكان خليفة سالم وقال: هذه حيلة ؛ وقد ولّى يوسف العراق؛ فكتب إلى عامل لسالم على أجمة سالم ، يقال له عياض: إنّ أهلك قد بعثوا إليك بالثّوب المانىّ ؛ فإذا أتاك فالبسه واحمد الله ، وأعلم ذلك طارقاً . فبعث عياض إلى طارق بن أبى زياد بالكتاب، وندم بشير على كتابه، وكتب إلى عياض: إنّ أهلك قد بدا لهم فى إمساك الثوب (٢) فلا تتكل عليه ؛ فجاء عياض بالكتاب الآخر إلى طارق ، فقال طارق : الخبر فى الكتاب الأوّل ؛ ولكن صاحبك ندم وخاف أن يظهر الخبر فكتب بهذا . وركب طارق من الكوفة إلى خالد وهو بواسط ؛ فسار يوماً وليلة ، فصبّحهم ، فرآه داود البربرى - وكان على حجابة خالد وحرسه وعلى ديوان الرسائل - فأعلم خالداً، فغضب ، وقال: قدم بغير إذن ؛ فأذن له، فلمّا رآه قال : ما أقدمك؟ قال : أمرٌ كنت أخطأت فيه ؛ قال : وما هو ؟ قال : وفاة أسد رحمه الله، كتبتُ إلى الأمير أعزّيه عنه ، وإنما كان ينبغى لى أن آتيَه ماشيًا. فرقّ خالد ودمعت عيناه، وقال: ارجع إلى عملك ؛ ١ ١٦٥٠/٢ (١) كذا فى ا، وفى ط: ((غاظه)). (٢) ابن الأثير: ((إرسال الثوب)). ١٤٩ سنة ١٢٠ قال: أردت أن أذكر للأمير أمراً أسيرُّه، قال : ما دون داود سرّ، قال : أمر من أمرى ، فغضب داود وخرج ، وأخبر طارق خالداً ، قال : فما الرأى ؟ قال : تركب إلى أمير المؤمنين فتعتذر إليه من شىء إن كان بلغه عنك. قال : فبئس الرجل أنا إذاً إن ركبت إليه بغير إذنه ، قال : فشىء آخر ، قال : وما هو ؟ قال: تسير فى عملك، وأتقدّمك (١) إلى الشأم، فأستأذنه لك ؛ فإنك لا تبلغ أقصى (٢) عملك حتى يأتيَكَ إذنه ، قال : ولا هذا ، قال : فأذهب فأضمن لأمير المؤمنين جميعَ ما انكسر فى هذه السنين وآتيك بعهدك مستقبلا(٣)، قال: وما يبلغ (٤) ذاك ؟ قال: مائة ألف ألف، قال : ومن أين آخذ(٥) هذا! والله ما أجدُ عشرة آلاف درهم ، قال : أتحمّل أنا وسعيد بن راشد أربعين ألف ألف درهم، والزينيّ وأبان بن الوليد عشرين ألف ألف ؛ وتفرَّق الباقى على العمال ، قال : إنى إذاً للثيم، أن كنت سوَّغتُ قومًا شيئًا ثم أرجع فيه ، فقال طارق : إنما نقيك ونقى أنفسنا بأموالنا ونستأنف الدنيا ، وتبقى النعمة عليك وعلينا خير من أن يجىء من يطالبنا بالأموال ؛ وهى عند تجار أهل الكوفة ، فيتقاعسون ويتربّصون بنا. فنقتل ، ويأكلون تلك الأموال . فأبى خالد فودّعه طارق وبكى ، وقال: هذا آخر ما نلتقى فى الدنيا ؛ ومضى . ١٦٥١/٢ ودخل داود ، فأخبره خالد بقول طارق ، فقال : قد علم أنك لا تخرج بغير إذن ؛ فأراد أن يختلَك ويأتى الشأم ، فيتقبّل بالعراق هو وابن أخيه سعيد بن راشد. فرجع طارق إلى الكوفة ، وخرج خالد إلى الحمّة (٦). قال : وقدم رسول يوسف عليه اليمن ، فقال له : ما وراءك ؟ قال : الشرّ ، أمير المؤمنين ساخط ، وقد ضربی ولم یکتب جواب کتابك ، وهذا كتاب سالم صاحب الديوان . ففضّ الكتاب فقرأه، فلما انتهى إلى آخره قرأ كتاب هشام بخطه: أن سرْ إلى العراق فقد وليتك إياه، وإياك أن يعلم بذلك أحد ؛ وخذ ابنَ النصرانيّة وعمّاله فاشفنى منهم ؛ فقال يوسف : انظروا ١٦٥٢/٢ (١) ف: ((وأتقدمه)). (٣) ب: ((مستقلا)). (٥) فى: ((أجد)). (٢) ب: ((آخر)). (٤) ف: ((بلغ)) . (٦) ابن الأثير: ((الجمة))؛ وكذلك ما بعدها . ١٥٠ سنة ١٢٠ دليلاً عالمًا بالطريق ، فأتى بعدّة ، فاختار منهم رجلا وسار من يومه ، واستخلف على اليمن ابنَه الصّلت فشيّعه ؛ فلما أراد أن ينصرف سأله : أين تريد ؟ فضربه مائة سوط، وقال: يابن اللخناء، أيخفى عليك إذا استقرّ بى منزل، فسار، فكان إذا أتى إلى طريقين سأل، فإذا قيل: هذا إلى العراق ، قال : أعرِق، حتى أتى الكوفة . قال عمر : قال علىّ عن بشر بن عيسى، عن أبيه ، قال : قال حسان النّبَطَىّ: هيأتُ لهشام طيباً ، فإنى لبين يديه وهو ينظر إلى ذلك الطِّيب إذ قال لى : يا حسان ، فى كم يقدم القادم من العراق إلى اليمن ؟ قال : قلتُ : لا أدرى ، فقال : أَمَرْتُكَ أَمَرًا حازِماً فَعَصَيْتَنِى فَأَصْبَحْتَ مَسلوبَ الإِمارَةِ نادِما قال : فلم يلبث إلا قليلا حتى جاء كتاب يوسف من العراق قد قدمها ؛ وذلك فى جمادى الآخرة سنة عشرين ومائة . قال عمر : قال علىّ: قال سالم زنبيل: لما صرنا إلى النَّجف قال لى يوسف : انطلق فأتنى بطارق ؛ فلم أستطع أن آبى عليه ، وقلت فى نفسى : مَنْ لى بطارق فى سلطانه! ثم أتيت الكوفة ، فقلت لغلمان طارق : استأذنوا لى علَى طارق، فضربونى فصِحْتُ له : ويلك يا طارق ! أنا سالم رسول يوسف ، وقد قدم على العراق . فخرج فصاح بالغلمان، وقال : أنا آتيه . قال : وروى أنّ يوسف قال لكيسان : انطلق فأتنى بطارق؛ فإنْ كان قد أقبل فاحمله على إكاف ، وإن لم يكن أقبل فأت به سَحبًا. قال: فأتيته بالحيرة دار عبد المسيح- وهو سيّد أهل الحيرة - فقلت له: إنّ يوسف قد قدم على العراق ؛ وهو يأمرك أن تشدّ طارقً وتأتيه به ؛ فخرج هو وولده وغلمانه حتى أتوا منزل طارق - وكان لطارق غلام شجاع معه غلمان شجعاء لهم سلاح وعدّة - فقال لطارق: إن أذِ نْتَ لى خرجت إلى هؤلاء فيمن معى فقتلتُهم ، ثم طرتَ على وجهك. فذهبتَ حيث شئت. قال: فأذن لكيسان ، فقال : أخبرنى عن الأمير ، يريد المال ؟ قال : نعم ؛ قال : فأنا أعطيه ما سأل ؛ وأقبلوا إلى يوسف فتوافوًا بالحيرة، فلما عاينه ضربه ضربًا مبرّحاً ١٦٥٣/٢ ١٥١ سنة ١٢٠ - يقال خمسمائة سوط - ودخل الكوفة، وأرسل عطاء بن مقدّم إلى خالد بالحمّة. قال عطاء : فأتيتُ الحاجب فقلتُ : استأذنْ لى على أبى الهيثم ، فدخل وهو متغيّر الوجه (١)، فقال له خالد: مالك ؟ قال: خير ، قال : ما عندك خير ، قال : عطاء بن مقدّم ، قال : استأذن لى على أبى الهيثم ، فقال : ائذن له ، فدخلت (٢): فقال: ويل أمها سُخْطَة! قال: فلم أستقرَّ حتى دخل الحكم بن الصّلْت، فقعد معه ، فقال له خالد: ما كان ليلِى علىّ أحد هو أحبّ إلىّ منكم . ١٦٥٤/٢ وخطب يوسف بالكوفة ، فقال : إن أمير المؤمنين أمرنى بأخذ عمال ابن النصرانيّة، وأن أشفِيَه منهم، وسأفعل وأزيد واللّه يا أهل العراق؛ ولأقتلنّ منافقيكم بالسيف وجُناتكم بالعذاب وفسّاقكم . ثم نزل ومضى إلى واسط ، وأتِىَ بخالد وهو بواسط . قال عمر : قال حدثنى الحكم بن النّضر : قال : سمعت أبا عبيدة يقول : لما حبس يوسف خالداً صالحه عنه أبان بن الوليد وأصحابُه على تسعة آلاف ألف درهم ، ثم ندم يوسف ، وقيل له : لو لم تفعل لأخذتَ منه مائة ألف ألف درهم. قال: ما كنت لأرجع وقد رهنت لسانى بشىء. وأخبر أصحاب خالد خالداً ، فقال : قد أسأتم حين أعطيتموه عند أوّل وَهْلة تسعة آلاف ألف ، ما آمن أن يأخذها ثم يعود عليكم ، فارجعوا . فجاءوا فقالوا : إنا قد أخبرنا خالداً فلم يرضَ بما ضمنًا، وأخبرنا أنّ المال لا يمكنه، فقال: أنتم أعلم وصاحبكم ؛ فأما أنا فلا أرجع عليكم ؛ فإن رجعتم لم أمنعكم ، قالوا : فإنا قد رجعنا ، قال: وقد (٣) فعلتم! قالوا: نعم، قال: فمنكم أتى النقض؛ فوالله لا أرضى بتسعة آلاف ألف ولا مثليْها ولا مثلها ، فأخذ أكثر من ذلك . وقد قيل : إنه أخذ مائة ألف ألف . ١٦٥٥/٢ وذكر الهيثم بن عدىّ ، عن ابن عياش، أنّ هشامًا أزمع على عَزْل خالد ، وكان سبب ذلك أنه اعتقد بالعراق أموالا وحفر أنهاراً ؛ حتى بلغت (١) ابن الأثير: ((اللون)). (٣) فى: ((أفقد)). (٢) ا، ب: ((فدخل)). ١٥٢ سنة ١٢٠ غَلّته عشرين ألف ألف؛ منها نهر خالد، وكان يُغلّ خمسة آلاف ألف وباجَوَى وبارُمّانا والمبارك والجامع وكُورة سابور والصِّلح، وكان كثيراً ما يقول: إننى والله مظلوم؛ ما تحت قدمىّ من شىء إلا وهو لى - يعنى أن عمر جعل لبسَجِيلة ربع السواد . قال الهيثم بن عدىّ : أخبرنى الحسن بن عمارة ، عن العُريان بن الهيثم ، قال : كنت كثيراً ما أقول لأصحابى: إنّى أحسب (١) هذا الرجل قد تخلّ منه؛ إن قريشاً لا تحتمل هذا ونحوه(٢)؛ وهم أهل حسد، وهذا يُظهر ما يُظهر، فقلتُ له يومً: أيها الأمير ؛ إنّ الناس قد رمَوْك بأبصارهم، وهى قريش ، وليس بينك وبينها إلّ(٣)، وهم يجدون منث بُدَّا؛ وأنت لا تجد منهم بُدًّا؛ ١٦٥٦/٢ فأنشدك الله إلا ما كتبت إلى هشام تخبره عن أموالك ، وتعرض عليه منها ما أحبّ ؛ فما أقدرك على أن تتخذ مثلها ؛ وهو لا يستفسدك ؛ وإن كان حريصًا على ذلك فلعمرى لأنْ يذهب بعض ويبقى بعض خير من أن تذهب كلها ؛ وما كان يستحسن فيما بينك وبينه أن يأخذها كلها ، ولا آمن أن يأتيَه باغ أو حاسد(٤) فيقبل منه؛ فلأنْ تعطيه طائعًا خير من أن تعطيه كارهاً . فقال : ما أنت بمتّهم ؛ ولا يكون ذلك أبداً . قال: فقلت أطعنى واجعلنى رسولك، فوالله لا يحلّ عقدةً إلا شددتها، ولا يشدّ عقدة إلا حللتها. قال: إنّا والله لا نعطى على الذل"، قال: قلتُ: هل كانت لك هذه الضياع إلا فى سلطانه! وهل تستطيع الامتناع منه إن أخذها! قال : لا، قلتُ : فبادره ، فإنه يحفظها لك ويشكرك عليها ؛ ولو لم تكن له عندك يد إلاّ ما ابتدأك به كنت جديراً أن تحفظه ، قال: لا والله لا يكون ذلك أبداً ، قال : قلتُ فما كنتَ صانعاً إذا عزلك وأخذ ضياعك فاصنعه، فإنّ إخوته وولده وأهل بيته قد سبقوا(٥) لك، وأكثر واعليه فيك، ولك صنائع تعود عليهم بمابدا لك، ثم استدرك ١٦٥٧/٢ استتمام ما كان منك إلى صنائعت من هشام. قال: قد أبصرتُ ما تقول وليس إلى ذلك سبيل . وكان العريان يقول: كأنكم به قد عُزِل، وأخذ ما له (٢) ح، ف: ((ولا نحوه)). (٣) الإل: الحلف والعهد. (١) ف: ((لأحسب). (٤) ب، ح: ((وحاسد)). (٥) ١: ((شنعوا)). ١٥٣ سنة ١٢٠ وتجُنَّ عليه ثم لا ينتفع بشىء . قال: فكان كذلك . ١ قال الهيثم: وحدّثنى ابن عيدَّاش، أنّ بلال بن أبى بردة كتب إلى خالد وهو عامله على البصرة حين بلغه تعتّب هشام عليه : إنّه حدث أمر لا أجد بدًّا من مشافهتك فيه (١) ؛ فإن رأيتَ أن تأذن لى ؛ فإنما هى ليلة ويومها إليك، ويوم عندك، وليلة ويومها منصرفًا. فكتب إليه (٢): أن أقبِلْ إذا شئت . فركب هو وموليان له الجمّازات؛ فسار يومًا وليلة ، ثم صلى المغرب بالكوفة ؛ وهى ثمانون فرسخًا ، فأخبر خالد بمكانه، فأتاه وقد تعصّب، فقال : أبا عمرو ، أتعبتَ نفسك ، قال : أجل ، قال : متى عهدُك بالبصرة ؟ قال : أمسٍ، قال: أحقّ ما تقول! قال: هو والله ما قلت ، قال: فما أنصبلك؟ قال: ما بلغنى من تعتّب أمير المؤمنين وقوله، وما بغاك به ولدُه وأهل بيته؛ فإن رأيت أن أتعرّض له وأعرض عليه بعض أموالنا، ثم ندعوه منها إلى ما أحبّ وأنفسنا به طيّبة، ثم أعرض عليه مالك، فما أخذ منه فعلينا العوض منه بعد . قال : ما أتّهمك وحتى أنظر؛ قال: إنى أخاف أن تعاجل(٣)، قال : كلا ، قال : إن قريشاً من قد عرفتَ ، ولا سيما سرعتهم إليك قال : يا بلال ؛ إنى والله ما أعطى شيئاً قسراً أبداً . قال أيها الأمير ، أتكلم؟ قال : نعم، قال : إن هشاماً أعذر منك، يقول: استعملتُك . وليس لك شىء، فلم تر من الحق عليك أن تعرض علىّ بعض ما صار إليك ؛ وأخاف أن يزيّن له حسان النّبطىّ ما لا تستطيع إدراكه ، فاغتنم هذه الفترة . قال : أنا ناظر فى ذلك فانصرف راشداً . فانصرف بلال وهو يقول : كأنكم بهذا الرجل قدبعث إليه رجل بعيد أتىّ (٤)، به حمَز (٥)، بغيض النفس سخيف الدّين، قليل الحياء، يأخذه بالإحَن والترات . فكان كما قال . ١٦٥٨/٢ قال ابن عياش : وكان بلال قد اتخذ داراً بالكوفة ، وإنما استأذن خالدًا لينظر إلى داره، فما نزلها إلّا مقيّداً، ثم جُعلت سِجْنًا إلى اليوم. (١) ف: (( به)). (٣) ا، ح: ((يعاجل)). (٥) الحمز : الشدة . (٢) ح: ((فاكتب)). (٤) الأتىّ : الدخيل فى القوم. ١٥٤ سنة ١٢٠ قال ابن عيّاش: كان خالد يخطب فيقول: إنكم زعمتم أنّى أَغْلِى أسعاركم؛ فعلى مَن يغليها لعنة الله! وكان هشام كتب إلى خالد لا تبيعنّ من الغلّات شيئًا حتى تباع غلّات أمير المؤمنين حتى بلغت كيلجة درهماً(١). قال الهيثم، عن ابن عياش : كانت ولاية خالد فى شوال سنة خمس ومائة ثم عزل فى جمادى الأولى سنة عشرين ومائة . ٠ ٠ وفى هذه السنة قدم يوسف بن عمر العراق واليًا عليها ، وقد ذكرت قبل سبب ولايته عليها . ١٦٥٩/٢ وفى هذه السنة ولّى خُراسانَ يوسفُ بن عمر جُديْعَ بن علىّ الكِرْمانىّ وعزل جعفر بن حنظلة . وقيل : إنّ يوسف لما قدم العراق أراد أن يولّىّ خراسان سَلْم بن قتيبة ، فكتب بذلك إلى هشام ، ويستأذنه فيه، فكتب إليه هشام: إنّ سلم بن قتيبة رجل ليس له بخراسان عشيرة ؛ ولو كان له بها عشيرة لم يقتَل بها أبوه . وقيل إنّ يوسف كتب إلى الكرمانىّ بولاية خُراسان مع رجل من بنى سُليم وهو بمَرْو؛ فخرج إلى الناس يخطبهم ، فحمد الله وأثنى عليه، وذكر أسداً وقدومه خراسان، وما كانوا فيه من الجهد والفتنة، وما صُنع لهم على يديه . ثم ذكر أخاه خالداً بالجميل، وأثنى عليه؛ وذكر قدوم يوسف العراق، وحثّ الناس على الطاعة ولزوم الجماعة ، ثم قال: غفر اللّه للميت - يعنى أسداً- وعافى الله المعزول ، وبارك للقادم . ثم نزل . وفى هذه السنة عُزل الكسرمانىّ عن خراسان، ووليتها نصر بن سيار بن ليث بن رافع بن ربيعة بن جُرَىّ بن عوف بن عامر بن جُندع بن ليْث بن بكر بن عبد مناة بن كنانة ، وأمَّه زينب بنت حسان من بنى تتغْلِب . ٠٠ ٠ ذكر الخبر عن سبب ولاية نصر بن سيَّار خُراسان ذكر على بن محمد عن شيوخه أنّ وفاة أسد بن عبد الله لما انتهت إلى (١) الكيلجة: مكيال عندهم. ١٦٦٠/٢ ١٥٥ سنة ١٢٠ هشام بن عبد الملك استشار أصحابته فى رجل يصلح لخُراسان ؛ فأشاروا عليه بأقوام ، وكتبوا له أسماءهم ؛ فكان ممن كتب له عثمان بن عبد الله بن الشَّخّير ويحيى بن حصين بن المنذر الرقاشىّ ونصر بن سيار الليْىّ وقَطْن بن قتيبة بن مسلم والمجشّر بن مزاحم السُّلمىّ أحد بنى حرام؛ فأما عثمان بن عبد الله ابن الشَّخّير، فقيل له: إنه صاحب شراب، وقيل له : المجشّر شيخ هِمّ، وقيل له : ابن حُضَين رجل فيه تيه وعَظَمة، وقيل له : قطن بن قتيبة موتور ؛ فاختار نصر بن سيّار ؛ فقيل له : ليست له بها عشيرة ، فقال هشام : أنا عشيرته. فولاّه وبعث بعهده مع عبد الكريم بن سليط بن عقبة الهِفانِىّ ؛ هفان بن عدىّ بن حنيفة . فأقبل عبد الكريم بعهده ، ومعه أبو المهند كاتبه مولى بنى حنيفة، فلما قدم سَرَخْس ولا يعلم به (١) أحد، وعلى سَرَخْس حفص بن عمربن عبّاد التيمىّ أخو تميم بن عمر ، فأخبره أبوالمهند ، فوجّه حفص رسولاً، فحمله إلى نصر، ونفذ ابن سليط إلى مَرْو ، فأخبر أبو المهند الكرمانىّ، فوجّه الكرمانيّ نصر بن حبيب بن بحر بن ماسك بن عمر الکرمانیّ إلی نصر بن سیار ، فسبق رسول حفص إلى نصر بن سيار ؛ فكان أوّل مَنْ سلم عليه بالإمْرة، فقال له نصر: لعلك شاعر مكّار ! فدفع إليه الكتاب . وكان جعفر بن حنظلة ولى عمرو بن مسلم مسَرْو ، وعزل الكِرمانىّ وولّى منصور بن عمر (٢) أبرشهر، وولّ نصر بن سيار بخارى، فقال جعفر ابن حنظلة : دعوتُ نصراً قبل أن يأتيه عهده بأيام؛ فعرضتُ عليه أن أولّيه بخارى، فشاور البخترىّ بن مجاهد، فقال له البخترىّ، وهو مولى بنى شيبان : لا تقبلها، قال: ولم ؟ قال: لأنك شيخ مُضَر بخُراسان؛ فكأنك بعهدك قد جاء على خُراسان كلها؛ فلما أتاه عهده بعث إلى البخترىّ فقال البخترى لأصحابه: قد ولى نصر بن سيار خُراسان ؛ فلما أتاه سلم عليه بالإِمْرة، فقال له : أنَّى علمت؟ قال: لما بعثتَ إلىّ، وكنتَ قبل ذلك تأتينى، علمتُ أنك قدوليت. ١٦٦١/٢ قال : وقد قيل إنّ هشاماً قال لعبد الكريم حين أتاه خبرُ أسد بن عبدالله بموته: مَنْ ترى أن نولّىَ خراسان، فقد بلغنى أنّ لك بها وبأهلها علماً؟ (١) !: ((بها)) . (٢) ط: ((حمر.))؛ وهو خطأ. ١٥٦ سنة ١٢٠ ١٦٦٢/٢ قال عبد الكريم: قلت : يا أميرَ المؤمنين؛ أمّا رجلُ خراسان حزماً ونجْدة فالكرمانيّ؛ فأعرض بوجهه، وقال: ما اسمه ؟ قلت: جُدَيَع بن علىّ، قال: لا حاجة لى فيه؛ وتطيّر، وقال: سَمّ لى غيره، قلت: اللسِن(١) المجرّب يحيى بن نعيم بن هبيرة الشيبانىّ أبو الميلاء، قال: ربيعة لا تُسَدّ بها الثغور - قال عبد الكريم : فقلت فى نفسى : كرِه ربيعة واليمن ، فأرميه بمُضَر - فقلت: عقيل بن معقل الليْىّ، إن اغتفرت هنَةً، قال: ما هى؟ قلت : ليس بالعفيف ، قال : لا حاجة لى به ، قلت : منصور بن أبى الخرقاء السُّلمىّ، إن اغتفرت نكره فإنه مشئوم، قال: غيره، قلت: المحشّر بن مزاحمالسلمى، عاقل(٢) شجاع ، لهرأی مع کذبفیه، قال: لا خیر فیالكذب، قلت : يحيى بن حُضَين، قال: ألم أخبرك أنّ ربيعة لا تسدّبها الثغور ! قال : فكان إذا ذكرت لمربيعة، واليمن أعرض. قال عبد الكريم : وأخّرت نصراً وهو أرجلُ القوم وأحزمهم وأعلمهم بالسياسة ، فقلت : نصر بن سيار الليثىّ ، قال: هو لها، قلت : إن اغتفرتَ واحدة ؛ فإنه عفيف مجرّب عاقل، قال : ما هى ؟ قلت : عشيرته بها قليلة ، قال : لا أبا لك،أتريد عشيرة أكثر منى ! أنا عشيرته . وقال آخرون : لما قدم يوسف بن عمر العراق قال : أشيروا علىّ برجل أولّه خُراسان ، فأشاروا عليه بمسلمة بن سليمان بن عبد الله ابن خازم وقُدَيَد بن منيع المنقرىّ ونصر بن سيّار وعمرو بن مسلم ومسلم بن عبد الرحمن بن مسلم ومنصور بن أبى الخرقاء وسلم بن قتيبة ويونس بن عبدربه وزياد بن عبد الرحمن القُشيرىّ ؛ فكتب يوسف بأسمائهم إلى هشام، وأطرَى القيسيّة ، وجعل آخر من كتب اسمه نصر بن سيار الكنانىّ ، فقال هشام : ما بال الكنانىّ آخرهم! وكان فى كتاب يوسف إليه : يا أميرَ المؤمنين ، نصر بخُراسان قليلُ العشيرة . فكتب إليه هشام : قد فهمت كتابك وإطراءك القيسيّة. وذكرت نصراً وقلة عشيرته، فكيف يقلّ من" أنا عشيرته! ولكنك تقيّست علىّ، وأنا متخندف عليك؛ ابعث بعهد نصر؛ فلم يقلّ من عشيرته ١٦٦٣/٢ (١) ابن الأثير: ((المسن)). (٢) ح، ف: ((عامل)). ١٥٧ سنة ١٢٠ أمير المؤمنين ؛ بلْهَ ما إن تميماً أكثر أهل خراسان. فكتب إلى نصر أن يكاتب يوسف بن عمر، وبعث يوسف سَلْماً وافداً إلى هشام ؛ وأثنى عليه فلم يولّه ، ثم أوفد شريك بن عبد ربهالنُّميرىّ، وأثنى عليه ليوليّه خراسان، فأبى عليه هشام. قال : وأوفد نصرٌ مِنْ خُراسان الحكم بن يزيد بن عمير الأسدىّ إلى هشام ، وأثنى عليه نصر ، فضربه يوسف ومنعه من الخروج إلى خراسان ؛ فلما قدم يزيد بن عمر بن هبيرة استعمل الحكم بن يزيد على كِرْمان ، وبعث بعهد نصر مع عبد الكريم الحنفىّ - ومعه كاتبه أبو المهند مولى بنى حنيفة - فلما أتى سَرَخْس وقع الثلْج ، فأقام ونزل على حفص بن عمر بن عباد التيمىّ ، فقال له: قدمتُ بعهد نَصْر على خُراسان؛ قال: وهو عامل يومئذ على سَرَخْس - ١٦٦٤/٢ فدعا حفص غلامه ، فحمله على فرس وأعطاه مالاً ، وقال له : طِرْ واقتل الفرس ؛ فإن قام عليك فاشترٍ غيره حتى تأتى نصرًا. قال : فخرج الغلامُ حتى قدِمٍ(١) على نصر ببلْخ ، فيجده فى السوق ، فدفع إليه الكتاب ، فقال : أتدرى ما فى هذا الكتاب؟ قال : لا ، فأمسكه بيده ، وأتى منزله ، فقال الناس : أتى نصراً عهده على خراسان، فأتاه قوم من خاصّته، فسألوه فقال : ما جاءنى شىء، فمكث يومَه، فدخل عليه من الغد أبو حفص بن علىّ، أحد بنى حنظلة وهو صهره؛ وكانت ابنته تحت نَصْر، وكان أهوج كثير المال؛ فقال له: إنّ الناس قد خاضُوا وأكثروا فى ولا يتك ؛ فهل جاءك شىء؟ فقال : ما جاءنى شىء، فقام ليخرج. فقال : مكانك ؛ وأقرأه الكتاب ، فقال : ما كان حفص ليكتب إليك إلا بحقّ ، قال : فبينا هو يكلمه إذ استأذن عليه عبدُ الكريم ، فدفع إليه عهده ، فوصله بعشرة آلاف درهم . ثم استعمل نصر على بَلْخ مسلمَ بن عبد الرحمن بن مسلم ، واستعمل وشاح ابن بكير بن وشاح على مَرْو الروذ ، والحارث بن عبد الله بن الحشرج على هراة، وزياد بن عبد الرحمن القُشيرىّ على أبرشهر (٢)، وأبا حفص بن على ختنه على خوارزم ، وقطن بن قُتيبة على السُّغْد. فقال رجل من أهل الشأم من اليمانية : ما رأيتُ عصبيّة مثل هذه! قال : بلى ، التى كانت قبل هذه . (١) ح، ف: ((فقدم)). (٢) ابن الأثير: ((نيسابور)). ١٥٨ ١٦٦٥/٢ ١٦٦٦/٢ سنة ١٢٠ فلم يستعمل أربع سنين إلا مُضريًّا، وعَمرت خُراسان عمارة لم تعمر قبل ذلك مثلَها ، ووضع الخراج، وأحسن الولاية والجباية، فقال سَوَّار بن الأشعر : أَضْحتْ خُراسانُ بَعدَ الخروفِ آمنَةً مِنْ ظُلمِ كلِّ غَثُوم الحكمِ جَبَّار اخْتَارَ نَصْرًا لها؛ نَصْرَ بنَ سَيَّار لما أَتى يُوسُفاً أخبارُ ما لِقِيتْ وقال نصر بن سيار فيمن كره ولايته : كذلك لا يلُمّ بك احتمامُ تَعَزّ عنِ الصَّبابةِ لا تُلَامُ كلِفْتَ بِها وباشَرَكَ السَّقامِ! أَأَنْ سَخِطَتْ كبيرةُ بعد قُرْبٍ وقد كُلِيَتْ مواعِدَها الكرامُ تُرَجّى اليومَ ما وَعَلَتْ حديثاً عَسِيرٌ لا يَرِيعُ به الكلامُ أَلِمْ تَرَ أَنَّ مَا صَنَعَ الغَوَانِ وإنَّا لا تُضِيعُ لنا مُلِمَّا ولا نُغْضِى على غَدْرِ وإِنَّا خليفتُنا الذى فازتْ يَدَاهُ وفَوْزِى حِينَ يَعْتَرِكُ الخصامُ أَبَتْ لى طاعَتِى وأَبَى بَلَائِى ولا حَسَباً إذا ضاعَ الذِّمامُ تُقِيمُ على الوفاءِ فلا نُلَامُ بقِدْحِ الحمدِ والمَلِكُ الهمامُ إِذا قلنا مَكارِمُهُ حِسَامُ وحَرْبٌ وَالقَمَاقِمَةُ الكرامُ عليه المجدُ فهو لهم نِظامُ وبَيْتَاهُ الْمُقَدَّسُ والحرامُ نَسُوسُهُمُ به ولنا عليهم أبو العاصِى أَبُوهُ وعبدُ شَمسِ ومروانٌ أَبو الخلفاء عالٍ وبيت خليفةِ الرحمن فينا والسِّنامُ وعِرْنِينُ البَریةٌ ونحنُ الأُكرمُونَ إِذا نُسِينا والزِّمَامُ البريةٌ فَأَّمْسَيْنا لنا من كلِّ حَىٍّ خراطِيمٌ وأَيدٍ فى بوادِها السَّمَامُ لنا أَيدِ نریش بها ونبْری إِذا كانَ النَّذِيرُ بِها الحسامُ (١) وبأُسُّ فى الكريمة حين نلقى (١) ا: ((المدير لها)). ١٥٩ سنة ١٢٠ قال: وأتى نصراً عهده فى رجب من سنة عشرين ومائة، وقال له البخترىّ: اقرأ عهدك واخطب الناس ؛ فخطب الناس فقال فى خطبته : استمسكوا أصحابنا بجُدَّتِكم ، فقد عرفنا خيركم وشركم . ٠٠٠ وحجّ بالناس فی هذه السنة محمد بن هشام بن إسماعيل ، كذلك حد ◌ّثنی أحمد بن ثابت ، عمن ذكره ، عن إسحاق بن عيسى ، عن أبى معشر . وقد قيل : إن الذى حجّ بهم فيها سليمان بن هشام . وقيل : حجّ بهم يزيد بن هشام . وكان العامل فى هذه السنة على المدينة ومكة والطائف محمد بن هشام ، وعلى العراق والمشرق کلہ یوسف بنعمر ، وعلى خراسان نصر بن سیار- وقيل جعفر بن حنظلة - وعلى البصرة كثير بن عبد اللّه السلمى من قبل يوسف بن عمر، وعلى قضائها عامر بن عبيدة الباهلىّ، وعلى أرمينية وأذربيجان مَرْوان بن محمد ، وعلى قضاء الكوفة ابن شبرمة . ١٦٦٧/٢ ١٦٠ ثم دخلت سنة إحدى وعشرين ومائة ذكر الخبر عمّا كان فيها من الأحداث فمن ذلك غزوة مسلمة بن هشام بن عبد الملك الرّوم ، فافتتح بها مطامير . وغنَزْوة مروان بن محمد بلاد صاحب سرير الذهب، فافتتح قلاعه وخرَّب أرضه، وأذعن له بالجزية ، فى كلّ سنة ألف رأس يؤدّيه إليه، وأخذ منه بذلك الرّهن ، وملّكه مروان على أرضه . وفيها ولد العباس بن محمد . [ ذكر الخبر عن ظهور زيد بن على" ] وفيها قُتل زيد بن علىّبن حسين بن علىّ بن أبى طالب فى قول الواقدىّ فى صفر؛ وأما هشام بن محمد فإنه زعمأنه قتل فى سنة اثنتين وعشرين ومائة ، فى صفر منها . * ذكر الخبر عن سبب مقتله وأموره وسبب مخرجه : اختُلف فى سبب خروجه ؛ فأما الهيثم بن عدىّ فإنه قال - فيما ذكر ١٦٦٨/٢ عنه، عن عبد الله بن عياش - قال: قدم زيد بن على ومحمد بن عمر بن على بن أبي طالب وداود بن علىّ بن عبدالله بن عباس على خالد بن عبدالله وهو على العراق، فأجازهم ورجعوا إلى المدينة؛ فلما ولَّى ابن يوسف بن عمرٍ كتب إلى هشام بأسمائهم وبما أجازهم به، وكتب يذكر أن خالداً ابتاع من زيد بن علىّ أرضاً بالمدينة بعشرة آلاف دينار ، ثم ردّ الأرض عليه . فكتب هشام إلى عامل المدينة أن يسرّحَهم إليه ففعل، فسألهم هشام فأقرّوا بالجائزة، وأنكروا ما سوى ذلك ، فسأل زيداً عن الأرض فأنكرها ، وحلفوا لهشام فصدّقهم . وأما هشام بن محمد الكلبىّ، فإنه ذكر أن أبا مخنف حد ◌ّثه أن أوّل أمر زيد بن علىّ كان أنّ يزيد بن خالد القسْرىّ ادّعى مالاً قبل زيد بن علىّ ومحمد بن عمر بن علىّ بن أبى طالب وداود بن عليّ بن عبد الله بن العباس ابن عبد المطلب وإبراهيم بن سعد بن عبد الرحمن بن عوف الزهرىّ وأيوب بن