النص المفهرس

صفحات 121-140

١٢١
سنة ١١٩
لا والله أيّها الأمير ما معى امرأة، فإنّ هذا عدوّ حاسد .
وسار أسدٌ، فلما كان عند قنطرة عطاء، قال لمسعود بن عمر والكرمانىّ ،
وهو يومئذ خليفة الكرمانيّ على الأزد : ابغنى خمسين رجلاً ودابّة أخلفهم على
هذه القنطرة ، فلا تَدَع أحداً ممن جازها أن يرجع إليها ، فقال مسعود : ومِنْ
أين أقدر على خمسين رجلاً ! فأمر به فصُرِع عن دابّته ، وأمر بضرب
عنقه ، فقام إليه قومٌ فكلموه فكفّ عنه ؛ فلما جاز القنطرة نزل منزلاً ،
فأقام فيه حتى أصبح؛ وأراد المقام يومه، فقال له العُذافر (١) بن زيد: ليأتمر
الأمير على المقام يومه حتى يتلاحق الناس. قال: فأمر بالرحيل وقال: لاحاجة ١٦٠٧/٢
لنا (٢) إلى المتخلفين، ثم ارتحل، وعلى مقدّمته سالم بن منصور البجلىّ فى
ثلثمائة ، فلقى ثلثمائة من الترك طليعة لخاقان ، فأسر قائدهم وسبعة منهم معه ،
وهرب بقيّتهم، فأتى به أسد . قال : فبكى التركىّ ، قال: ما يبكيك؟ قال:
لستُ أبكى لنفسى ، ولكنى أبكى لهلاك خاقان ، قال : كيف؟ قال : لأنه
قد فرّق جنوده فيما بينه وبين مَرْو .
قال : وسار أسد؛ حتى نزل السِّدْرة - قرية ببلخ - وعلى خيل أهل
العالية ريحان بن زياد العامرىّ العبدلىّ من بنى عبد الله بن كعب . قال :
فعزله ، وصيّر على أهل العالية منصور بن سالم ، ثم ارتحل من السِّدرة ، فنزل
خريستان ، فسمع أسد صهيل فرس ، فقال : لمن هذا ؟ فقيل : للعقّار بن
◌ُذْعَْر، فتطيّر من اسمه واسم أبيه، فقال: ردّوه، قال: إنى مقتول بجرأتى (٣)
على الترك، قال : أسد: قتلك اللّه! ثم سار حتى إذا شارف العَيْن الحارّة
استقبله بشْر بن رزين - أو رزين بن بشر - فقال بشارة ورزانة ؛ ما وراءك
يا رزين ؟ قال : إن لم تغثنا غلبنا على مدينتنا، قال: قل المقدام بن عبدالرحمن
يطاول رمحى، فسار فنزل (٤) من مدينة الجُوزجان بفرسخين، ثم أصبحنا ١٢٠٨/٢
وقد تراءتْ الخيلان ، فقال خاقان الحارث: مَنْ هذا ؟ فقال : هذا محمد
ابن المثنى ورايته؛ ويقال: إن طلائع لخاقان انصرفت إليه فأخبرته. أنّ رهجًا
(١) ط: ((الغدافر))، تصحيف.
(٢) ابن الأثير: ((بنا)).
(٣) كذا فى ا، وفى تصويبات ط: ((أنى تفوئل بحرارتى)). (٤) ف: ((ونزل)).

1
٠ ٠
١٢٢
سنة ١١٩
ساطعًا طلع من قِبَل بلْخ ، فدعا خاقان الحارث ، فقال : ألم تزعم أنّ أسداً
ليس به نهوض ! وهذا رَهَج قد أقبل من ناحية بلْخ ، قال الحارث : هذا
اللص الذى كنت قد أخبرتُك أنه من أصحابى . فبعث خاقان طلائع ، فقال:
انظروا هل تروْن على الإبل سريراً وكراسىّ؟ فجاءته الطلائع، فأخبروه أنّهم
عاينوها ، فقال خاقان : اللصوص لا يحملون الأسرّة والكراسىّ، وهذا أسد
قد أناك. فسار أسد غَدْوة فلقيه سالم بن جناح، فقال: أبشر أيها الأمير ،
قد حزرتُهم ولا يبلغون أربعة آلاف ، وأرجو أن يكون (١) عقيرة اللّه . فقال
المجشّر بن مزاحم، وهو يسايره: أنزِلْ أيها الأمير رجالك ؛ فضرب وجْه
دابته ، وقال: لو أَطِعْتَ يا مجشّر ما كنّا قدمنا هاهنا، وسار غير بعيد،
وقال : يأهلَ الصّباح، انزلوا، فنزلوا وقرّبوا دوابّهم ، وأخذوا النَّبْل والقسىّ.
قال : وخاقان فى مرْج قد بات فيه تلك الليلة .
قال : وقال عمرو بن أبى موسى : ارتحل أسد حين صلّى الغداة، فمرّ
١٦٠٩/٢ بالجوزجان وقد استباحها خاقان حتى بلغت خيله الشُّبورقان. قال: وقصور
الجوزجان إذ ذاك ذليلة. قال: وأتاه المقدام بن عبد الرحمن بن نُعيم الغامدىّ فى
مقاتلته وأهل الجوزجان - وكان عاملها - فعرضوا عليه أنفسهم، فقال: أقيموا
فى مدينتكم ، وقال للجوزجان بن الجوزجان : سِرْ معى ؛ وكان على التعبئة
القاسم بن بُخَيَت المرَّاغِىّ ؛ فجعل الأزد وبنى تميم والجوزجان بن الجوزجان
وشاكريّته ميمنته (٢)، وأضاف إليهم أهل فلسطين، عليهم مصعب بن عمرو
الخزاعىّ ، وأهل قنَّسرين عليهم صغراء بن أحمر ، وجعل ربيعة ميسرة ،
عليهم يحيى بن حُضَين، وضمّ إليهم أهل حِمْص عليهم جعفر بن حنظلة
البهْرانىّ، وأهل الأزد وعليهم سليمان بن عمرو المقرئ من حِمْيَر؛ وعلى
المقدّمة منصور بن مسلم البَجَلَىّ، وأضاف إليهم أهل دمشق عليهم
حملة بن نُعيم الكلبىّ ، وأضاف إليهم الحرس والشرطة وغلمان أسد .
قال : وعبّ خاقان الحارث بن سُرَيَج وأصحابه وملك السُّغد وصاحب
الشّاش وخرَا بُغْرة أبا خاناخرّة، جدّ كاوس وصاحب الحُتّل وجبغويه، والتّرك
(١) بعدها فى ابن الأثير: ((خاقان)).
(٢) ب: ((ميمنة)).

سنة ١١٩
١٢٣
كلهم ميمنة. فلمّا التقوا حمل الحارث ومَن معه من أهل السُّغد والبابية(١)
وغيرهم على الميسرة ، وفيها ربيعة وجندان من أهل الشأم ؛ فهزمهم فلم يردّ هم ١٦١٠/٢
شىء دون رواق أسد؛ فشدّت عليهم الميمنة - وهم الأزْد وبنوتميم والجوزجان-
فما وصلوا إليهم حتى انهزم الحارث والأتراك، وحمل الناس جمعيًا، فقال
أسد : اللهمّ إنهم عصوْنى فانصرهم؛ وذهب التُّرك فى الأرض عباديد
لا يلوون على أحد ، فتبعهم النّاس مقدار ثلاثة فراسخ يقتلون من يقدرون
عليه ، حتى انتهوا إلى أغنامهم ؛ فاستاقوا أكثر من خمس وخمسين (٢)
ومائة ألف شاة ودوابّ كثيرة . وأخذ خاقان طريقًا غير الجادّة فى الجبل ،
والحارث بن ◌ُرَيَج يحميه ، ولحقهم أسد عند الظهر . ويقال : لما واقف أسد
خاقان يوم خريستان كان بينهم نهر عميق ، فأمر أسد برواقه فرفع ، فقال
رجل من بنى قيس بن ثعلبة : يأهلَ الشأم؛ أهكذا (٣) رأيكم ، إذا حضر
الناس رفعتم الأبنية (٤)! فأمر به فُحطّ، وهاجت ريح الحرب التى تسمى
الهضّافة ، فهزمهم الله، واستقبلوا القبلة يَدْ عون اللّه ويكبّرون. وأقبل خاقان
فى قريب من أربعمائة فارس عليهم الخمرة ، وقال لرجل يقال له سورى :
إنما أنت ملك الجُوزجان إن أسلمتَ العرب ، فمن رأيت من أهل الجوزجان
مولّياً(٥) فاقتله. وقال الجوزجان لعثمان بن عبد الله الشَّخِّير: إنى لأعلم ببلادى
وطُرقها ؛ فهل لك فى أمر فيه هلاك خاقان ولك فيه ذكرٌ ما بقيت ؟ قال :
ما هو ؟ قال : تتبعنى ؛ قال : نعم ؛ فأخذ طريقًا يسمى ورادك، فأشرفوا ١٦١١/٢
على طوقات خاقان وهم آمنون ، فأمر خاقان بالكُوسات فضربت ضربة
الانصراف . وقد شبّت الحرب ، فلم يقدر التّرك على الانصراف ، ثم ضربت
الثانية فلم يقدروا ، ثم ضربت الثالثة فلم يقدروا لاشتغالهم ، فحمل ابنُ الشِّخّير
والجوزجان على الطوقات ، وولّ خاقان مدبراً منهزمًا، فحوى المسلمون عسكرهم
وتركوا قدورهم تغلى ونساء من نساء العرب والمواليات ومن نساء الترك ،
ووحل بخاقان بِرْذونه فحماه الحارث بن سريج . قال : ولم يعلم الناس أنه
(١) ف: ((والثاتبه)).
(٣) ح، ف: ((هكذا)).
(٢) ح، ف: ((خمسين)).
(٤) ف: ((الألوية)).
(٥) كذا فى ا، ب، وهو الصواب، وفى ط: ((قد أتاه)).

١٢٤
سنة ١١٩
خاقان، ووجد عسكر الترك مشحونًا من كلّ شيء من آنية الفضة وصنّاجات
الترك . وأراد الحصىّ أن يحمل امرأة خاقان ، فأعجلوه عن ذلك ، فطعنها
بخنجر فوجدوها تتحرّك، فأخذوا خفّها وهو من لُبود(١) مضرَّب.
قال : فبعث أسد بجوارى التّرك إلى دهاقين خُراسان، واستنقذ مَن
كان فى أيديهم من المسلمين .
قال : وأقام أسد خمسة أيام . قال : فكانت الخيول التى فرّق تقبل
فيصيبهم أسد ، فاغتنم الظفر وانصرف إلى بلْخ يوم التاسع من خروجه ،
فقال ابن السِّجْف المجاشعيّ :
تَقِيسُ منها طُولَها والعَرْضا
لو سرْتَ فى الأَرْضِ تَقِيس الأَرْضَا
مِنَ الأَميرِ أَسِدٍ وَأَمْضَى
لَمْ تَلْقَ خَيْرًا مِرَّةً ونقْضا
وَجَمَعَ الشَّملَ وَكَانَ رَفْضا
١٦١٢/٢ أَفْضَى إِلَيْنا، الخَيْرُ حِين أَفضى
قد فُضَّ مِنْ جُمُوعِهِ مَافُضَّا
ما فاتَّهُ خاقانُ إِلا رَكْضا
حَمْضًا بِهِ يُشْفَى صُداعُ المرضى
يابْنَ سُرَيج قَدْ لَقِيتَ حَمْضًا
قال : وارتحل أسد ، فنزل جَزّة الجوزجان من غد، وخاقان بها ، فارتحل
هاربًا منه . وندب أسد الناس، فانتدب ناسٌ كثير من أهل الشأم
وأهل العراق ، فاستعمل عليهم جعفر بن حنظلة البهرانىّ ، فساروا ونزلوا مدينة
تسمّى ورد من أرض جَزّة ، فباتوا بها فأصابهم ريح ومطر - ويقال :
أصابهم الثّلج- فرجعوا. ومضى خاقان فنزل على جبغويه الطخارىّ، وانصرف
البهرانىّ إلى أسد ، ورجع أسد إلى بلْخ، فلقوا خيل الترك التى كانت بمرْو
الرّوذ منصرفة لتغير على بلْخ، فقتلوا مَنْ قدروا عليه منهم؛ وكان التّرك
قد بلغوا بيعة مَرْو الرّوذ ، وأصاب أسد يومئذ أربعة آلاف دِرْع؛ فلّما
صار يبلْخ أمر الناس بالصّوم لافتتاح الله عليهم .
قال : وكان أسد يوجّه الكرمانيّ فى السرايا، فكانوا لا يزالون يصيبون
الرّجل والرجلين والثلاثة وأكثر من الترك؛ ومضى خاقان إلى طخارستان العليا،
(١) فى اللسان: كل شعر أو صوف متلبد بعضه على بعض فهو لبد ولبدة، والجمع ألباد ولبود
على توهم طرح الماء».

١٢٥
سنة ١١٩
فأقام عند جبغويه الخَزْلخِىّ تعزّزاً به ، وأمر بصنيعة الكُوسات ، فلما
جفّت وصلتحت (١) أصواتها ارتحل إلى بلاده؛ فلما ورد شر وسنة، تلقّاه خرابغره ١٦١٣/٢
أبو خاناخره ، جدّ كاوس أبى أفشين بالدّعّابين ، وأعدّ له هدايا ودوابّ له
ولجنده - وكان الذى بينهما متباعداً - فلما رجع منهزمًا أحبّ أن يتخذ
عنده يداً، فأتاه بكلّ ما قدر عليه . ثم أتى خاقان بلاده ، وأخذ
فى الاستعداد للحرب ومحاصرة سمرقند، وحُمِل الحارث بن ◌ُرَيج وأصحابه
على خمسة آلاف بِرْذون ، وفرّق براذين فى قوّاد الترك ، فلاعب خاقان
يومًا كُور صُول بالنّرد على خَطَر (٢) تُدْرجة، فقمَركور صول التّرقشىّ، فطلب
منه التُّدرجة ، فقال: أنثى، فقال: الآخر ذكر ؛ فتنازعا، فكسر كُور صول
يَد خاقان، فحلف خاقان ليكسرنّ يد كُورصُول؛ وبلغ كورصول،
فتنحى وجمع جمعًا من أصحابه ، فبيّت خاقان فقتله؛ فأصبحت الترك فتفرقوا
عنه وتركوه مجرّداً، فأتاه زُريق بن طُفَيل الكُشانىّ وأهل بيت الحموكيّين-
وهم من عظماء الترك - فحمله ودفنه ، وصنع به ما يصنع بمثله إذا قتل .
فتفرّقت الترك فى الغارات بعضها على بعض ، وانحاز بعضهم إلى الشّاش ؛
فعند ذلك طبع أهل السُّغد فى الرَّجعة إليها. قال: فلم يسلمْ من خَيْل التّرك ١٦١٤/٢
التى تفرّقت فى الغارات إلّ زرّ بن الكسىّ، فإنه سلم حتى صار إلى طَخَارستان،
وکان أسد بعث منمدينة بلخسيف بن وصاف العجلىّ على فرس، فسار حتى
نزل الشُّبُورقان (٣). قال: وفيها إبراهيم بن هشام مسلحة، فحمله منها
على البريد حتى قدم على خالد بن عبد الله، فأخبره، ففظع به هشام فلم يصدّقه،
وقال للربيع حاجبه: ويحث! إن هذا الشيخ قدأتانا بالطامة الكبرى إذا كان
صادقًا؛ ولا أراه صادقًا، اذهب فعِدْه ثم سله عمّا يقوله وأتنى بما يقول.
فانطلق إليه ففعل الذى أمره به ، فأخبره بالذى أخبربه هشامًا . قال: فدخل
عليه أمر عظيم ؛ فدعا به بعد ، فقال: من القاسم بن بُخَيت منكم ؟ قال :
ذلك صاحب العسكر ، قال : فإنه قد أقبل ، قال : فإن كان قد أقبل فقد
(١) كذا فى ا، وفى ط: ((صلح)).
(٢) الخطر: السبق يتراهن عليه.
(٣) ب: ((النسور))، ح: ((السبوريان))، ف: ((البشوريان)).

١٢٦
سنة ١١٩
فتح اللّه على أمير المؤمنين - وكان أسد وجهه حين فتح اللّه عليه . فأقبل
القاسم بن بُخيت ، فكبّر على الباب، ثم دخل يكبِّر وهشام يكبّر لتكبيره،
حتى انتهى إليه ، فقال : الفتح يا أمير المؤمنين ؛ وأخبره الخبر، فنزل هشام
عن سريره فسجد سجدة الشكر ؛ وهى واحدة عندهم . قال : فحسدت
١٦١٥/٢ القيسيّة أسداً وخالداً؛ وأشاروا على هشام أن يكتب إلى خالد بن عبد الله،
فيأمرَ أخاه أن يوجّه مقاتل بن حيّان ، فكتب إليه ، فدعا أسد مقاتل بن
حيّان على رءوس الناس، فقال: سر إلى أمير المؤمنين فأخبِرُهُ بالذى عاينت
وقل الحقّ؛ فإنك لا تقول غير الحقّ إن شاء الله، وخذ من بيت المال حاجتك.
قالوا: إذاً لا يأخذ شيئًاً(١)، قال: أعطه من المال كذا وكذا، ومن الكسوة
كذا وكذا ، وجهّزه .
فسار فقدم(٢) على هشام بن عبد الملك وهو والأبرش جالسان ، فسأله
فقال : غزونا الحُتّل، فأصبنا أمراً عظيمًا، وأنذر أسد بالترك فلم نحفل بهم
حتى لحقوا واستنقذوا من غنائمنا ، واستباحوا(٣) بعض عسكرنا، ثم دفعونا
دفعة قريبًا من خُلْ ، فانتهى الناس إلى مشاتيهم ، ثم جاءنا مسير خاقان
إلى الجوزجان، ونحن قريبو العهد بالعدوّ (٤)؛ فسار بنا حتى التقينا برُستاق
بيننا وبين أرض الجُوزجان ، فقاتلناهم وقد حازوا ذرارىّ من ذراريّ المسلمين ،
فحملوا على ميسرتنا فكشفوهم. ثم حملت ميمنتنا عليهمٍ ، فأعطانا الله عليهم
الظّفر، وتبعناهم فراسخ حتى استبحنا عسكر خاقان؛ فأُجْلِىَ عنه - وهشام
متكئ فاستوى جالسًا عند ذكره عسكر خاقان - فقال ثلاثًا : أنتم استبحتم
عسكر خاقان!قال : نعم ، قال : ثمّ ماذا؟ قال: دخلوا الحُتَّل وانصرفوا(٥).
١٦١٦/٢ قال هشام: إن أسداً لضعيف، قال: مهلا يا أمير المؤمنين؛ ما أسدٌ
بضعيف وما أطاق فوق ما صنع ، فقال له هشام : حاجتك ؟ قال : إنّ
يزيد بن المهلب أخذ من أبى حيّان مائة ألف درهم بغير حقّ؛ فقال له هشام:
لا أُكلفك شاهداً، احلف بالله إنه كما قلت، فحلفَ ، فردّها عليه من بيت
(١) ساقطة من ح ، ف .
(٣) ف: ((واستباحونا)).
(٥) كذا فى أ ، ب .
(٢) ب: ((وقدم)).
(٤) ب : ((عهد بغزو)).

١٢٧
من١١٩٦
مال خراسان، وكتب إلى خالد أن يكتب إلى أسد فيها؛ فكتب إليه، فأعطاه
أسدٌ مائة ألف درهم، فقسمها بين ورثة حيّان على كتاب الله وفرائضه.
ويقال : بل كتب إلى أسد أن يستخبر عن ذلك، فإن كان ما ذكر حقًّا
أعطى مائة ألف درهم .
وكان الذى جاء بفتح خُراسان إلى مَرْو عبد السلام بن الأشهب بن عتبة
الحنظلىّ . قال : فأوفد أسد إلى خالد بن عبد الله وفدًا فى هزيمته يوم سان،
ومعهم طوقات خاقان ورءوس مَنْ قُتِلُوا منهم ، فأوفدهم خالد إلى هشام ،
فأحلفهم أنهم صدقوا ، فحلفوا ، فوصلهم ، فقال أبو الهندىّ الأسدىّ الأسد
يذكر وقعة سان :
وساءَلْتَ عَنْها كالحريصِ المُساوِمِ
أَبَا مُنذِرٍ رُمْتَ الأُمُورَ فَقِسْتها (١)
برَأْيِك إلا مِثلَ رَأْىِ البهائِمِ ١٦١٧/٢
فَما كانَ ذو رَأْىٍ من الناسِ قَسْتَهُ
أَبا مُنْذِرٍ لوْلًا مَسِيرُكَ لم يَكُن
وَلَا حَجَّ بَيْتَ اللَّهِمَذْ حُجّ- راكبٌ (٢)
فَكُمْ مِنْ قَتِيلِ بَيْنَ سانٍ وَجَزَّةٍ
تَرَكتَ بأَرْضِ الجَوْزَجانِ تَزُورُهُ
وَذِى سُوقَة فيه منَ السيف خُطَّةً
فمن هارِب مِنَّا وَمِنْ دَائِنٍ لنا
فلنْكَ نُفُوسٌ من تميمٍ وعامِر
عِراق وَلا انْقَادَتْ مُلوك الأعاجم
ولا عَمَرِ الْبَطْحَاءِ بَعْدَ المَواسِمِ
كَثِيرِ الأَيادى من مُلوكِ قَسَاقِم (٣)
سِباعٌ وعِقْبَانٌ لِحَزِ الغَلَاصِمِ
بِهِ رَمَق حامتَ عَلَيْهِ الحَوائم (٤)
أَسير يُقَاسِى مُبْهَمَاتِ الأَداهم (٥)
وَمَن مُضَرَ الحَمْراءِ عِنْدَ الْمَآَزِمِ
جلائبهُ ترْجو احْتِوَاءَ المغانِمِ (٦) ١٦١٨/٢
قال : وكان السّبل أوصى عند موته ابن السائجیّ حین استخلفه بثلاث
خصال ، فقال : لا تستطل على أهل الخُتّل استطالتى التى كانت عليهم ؛
(٢) ابن الأثير: ((من حج)).
(١) ابن الأثير: ((وقستها)).
هُمُ أَطْمَعُوا خاقانَ فينا فَأَصبحَتْ
(٣) ابن الأثير: ((كسير الأيادى)) بالسين.
(٤) ابن الأثير: ((به رمق ملقى لحوم الحوائم)).
(٥) ابن الأثير: ((مهمهات الأداهم)).
(٦) ابن الأثير: ((حلائبه ترجو خلوّ المغانم)).

١٢٨
سنة ١١٩
فإنى ملك ولستَ بملك ؛ إنما أنت رجل منهم ، فلا يحتملون لك ما محتلمون
للملوك، ولا تدع أن تطلب الجيش (١) حتى تردّه إلى بلادكم، فإنه الملك بعدى والملوك
هم النظّام، والناس ما لم يكن لهم نظام طعام ، ولا تحاربوا العرب واحتالوا لهم
كلّ حيلة تدفعونهم بها عن أنفسكم ما قدرتم . فقال له ابن السائجىّ : أما
ما ذكرت من تركى الاستطالة على أهل الخشّل فإنى قد عرفت ذلك ، وأما
ما أوصيتَ من ردّ الجيش(٢) فقد صدق الملك، وأما قولك: لا تحاربوا العرب،
فكيف تنهى عن حربهم ، وقد كنتَ أكثر الملوك لهم محاربة ! قال : قد
أحسنتَ إذ سألتَ عمّا لا تعلم؛ إنى قد جرّبت قوّتكم بقوّتى، فلم أجدكم تقعون
منى موقعًا ، فكنت إذا حاربتُهم لم أفلت منهم إلا جَريضًا ، وإنكم إن
حار بتموهم هلكتم فى أول محاربتكم إياهم .
قال وكان الجيش (٢)، قد هرب إلى الصين، وابن السائجى الذى أخبر
أسد بن عبد الله بمسير خاقان إليه ، فكره محاربة أسد .
١٦١٩/٢
#
[ذكر الخبر عن مقتل المغيرة بن سعيد ونفر معه]
وفى هذه السنة خرج المغيرة بن سعيد وبيان فى نفر ، فأخذهم خالد فقتلهم.
• ذكر الخبر عن مقتلهم :
أما المغيرة بن سعيد ، فإنه كان - فيما ذكر - ساحراً . حدثنا ابنُ حميد،
قال : حدّثنا جرير ، عن الأعمش ، قال : سمعت المغيرة بن سعيد، يقول :
لو أردتُ أن أحيى عاداً أو نمودًا وقرونا بين ذلك كثيراً لأحييتهم. قال الأعمش:
وكان المغيرة يخرج إلى المقبرة فيتكلّم، فيُرى مثل الجراد(٣) على القبور؛ أو نحو هذا
من الكلام .
وذكر أبو نعيم ، عن النّضر بن محمد ، عن محمد بن عبد الرحمن بن
أبى ليلى ، قال: قدم علينا رجلٌ من أهل البَصْرة يطلب العلم ؛ فكان عندنا ،
فأمرتُ جاريتى يومًا أن تشترىَ لى سمكًا بدرهمين ، ثم انطلقت أنا
(١) ابن الأثير: ((الحنيش))، والعبارة فيه: ((اطلب الحنيش حتى ترد إلى بلادكم؛ فإنه
الملك بعدى - وكان الحنيش هرب إلى الصين)).
(٢) ابن الأثير: ((الحنيش)).
(٣) إ، ب: ((الجرى)).

١٢٩
سنة ١١٩
والبصرىّ إلى المغيرة بن سعيد، فقال لى: يا محمد، أتحب أن أخبرك، لم افترق
حاجباك؟ قلت: لا، قال أفتحبّ أن أخبرك لم سماك أهلك محمداً ؟ قلت :
لا ، قال : أما إنك قد بعثت خادمك يشترى لك سمكًا بدرهمين . قال :
فنهضنا عنه . قال أبو نعيم : وكان المغيرة قد نظر فى السحر ، فأخذه خالد
القسرىّ فقتله وصلبه .
١٦٢٠/٢
وذكر أبو زيد أن أبا بكر بن حفص الزهرىّ ، قال : أخبرنى محمد بن
عقيل ، عن سعيد بن مرادابند، مولى عمروبن حُرَيث، قال : رأيتُ خالداً
حين أتِيَ بالمغيرة وبيان فى ستّة رهط أو سبعة ، أمر بسريره فأخرج إلى
المسجد الجامع، وأمر بأطنان(١) قصب ونفْط فأحضرا، ثم أمر المغيرة أن يتناول
طنًّا فكعّ عنه وتأنَى، فصبّت السياط على رأسه، فتناول طنًّا فاحتضنه، فشُكّ
عليه، ثم صُبّ عليه وعلى الطنّ نفط، ثم ألهبت فيهما النار فاحترقا، ثم أمر
الرهط ففعلوا ، ثم أمر بيانًا آخرهم فقدم إلى الطنّ مبادراً فاحتضنه، فقال
خالد : ويلكم! فى كل أمر تحمُقون، هلا رأيتم هذا المغيرة ! ثم أحرقه.
قال أبو زيد : لما قتل خالد المغيرة وبيانًا أرسل إلى مالك بن أعين الجُهنىّ
فسأله فصدقه عن نفسه ، فأطلقه ، فلما خلا مالك بمن يثق به - وكان فيهم
أبو مسلم صاحب خراسان - قال :
ضَرَبْتُ له بَيْنَ الطَّرِيقَيْنِ لاحبًاً
وَطِنْتُ عَلَيْهِ الشَّمْسَ فِيمَنْ يطينُها.
كما اشتَبَهَا فى الخَطْ سِينٌ وشينُها
وأَلقَيْتُهُ فى شبْهَةِ حِينَ سالتى
١٦٢١/٢
فقال أبو مسلم حين ظهر أمره : لو وجدته لقتلته بإقراره على نفسه .
قال أحمد بن زهير ، عن علىّ بن محمد ، قال : خرج المغيرة بن سعيد
فى سبعة نفر، وكانوا يُدعون الوصفاء، وكان خروجهم بظهر الكوفة، فأخبر
خالد القسرىّ بخروجهم وهو على المنبر، فقال: أطعمونى ماء، فنعى ذلك
عليه ابن نوفل (٢) ، فقال :
أَخالد لا جزَاك اللهُ خيْرًا وَأَيْرٌ فِى حِرِ امكَ مِنْ أَمِير
(١) أطنان: جمع طن ؛ وهو حزمة القصب.
(٢) هو يحيى بن نوفل، والشعرفى البيان والتبيين ٢؛ ٢٦٦، ٢٦٧، مع اختلاف فى الرواية.
م

١٣٠
سنة ١١٩
تمَنَّى الفَخْرَ فِى قَيْس وَقَسْر
وَأُمُّك ◌ِلِجَةٌ وَأَبُوكَ وَغْدٌ
جَرِيرٌ مِنْ ذوى يَمَنٍ أَصيلٌ
وأَنتَ زعمْتَ أَنكَ مِنْ يزيد
وكُنْتَ لدَى المُغِيرَةِ عَبْدَسْوْءِ
شَراباً ثُمَّ بُلتَ على السريرِ
وَقَلتَ لِما أَصابكَ : أَطْعِمُونى
ثمانية وشیخِ
لأعلاج
كأَنَّكَ من سراةِ بنِی جریر
وما الأَذنابُ عِدْلاً للصُّدُورِ
كَريمُ الأَصل ذوخطرٍ كبيرٍ
وَقَدْ أُدْحِقْتُمُ دحق العُبُورِ(١)
تَبُول مِن المَخافَة للزَّثيرِ
کبیرِ السن لیْسَبِی نَصِيرِ
٠
١٦٢٢/٢
[خبر مقتل بهلول بن بشر ]
وفى هذه السنة حكم بُهلول بن بشر الملقب كثارة فقتِل .
• ذكر الخبر عن مخرجه ومقتله :
ذكر أبو عبيدة معمر بن المثنى أن بُهْلولا كان يتأله(٢)،وكانله قوتدائق،
وكان مشهوراً بالبأس عند هشام بن عبد الملك ، فخرج يريد الحجّ ، فأمر
غلامه أن يبتاع له خلاًّ بدرهم ، فجاءه غلامه بخمر، فأمر برّدها وأخْذ
الدراهم، فلم يُجَّب إلى ذلك، فجاء بُهلول إلى عامل القرية - وهى من السواد -
فكلّمه، فقال العامل: الخمر خير منك ومن قومك ؛ فمضى بهلول فى حَجّه
حتى فرغ منه ، وعزم على الخروج على السلطان، فلقىّ بمكة مَن كان على
مثل رأيه ، فاتّعدوا قرية من قرى الموصل ، فاجتمع بها أربعون رجلا، وأمّروا
عليهم البهلول، وأجمعوا على ألاّ يمرّوا بأحد إلا أخبروه أنّهم أقبلوا من عند
هشام على بعض الأعمال، ووجههم (٣) إلى خالد ليُنفِذهم فى أعمالهم، فجعلوا
لا يمرّون بعامل إلا أخبر وه بذلك. وأخذوا دوابّ من دوابّ البريد ، فلما انتهوا
إلى القرية التى كان ابتاع فيها الغلام الخلّ فأعطِىَ خمراً، قال بهلول : نبدأ
بهذا العامل الذى قال ما قال ؛ فقال له أصحابه : نحن نريد قتل خالد ؛ فإن
١٦٢٣/٢
(١) الدجق: الدفع. (٢) يتأله: يتعبد. (٣) كذا فى ح، وفى ط: ((وجههم)).

١٣١
سنة ١١٩
بدأنا بهذا شُهِرنا وحذرنا خالد وغيره ؛ فننشدك الله أن تقتل (١) هذا فيفلت
منا خالد الذى يهدم المساجد ؛ ويبنى البيعَ والكنائس ، ويولّى المجوس على
المسلمين ، ويُنكح أهلَ الذّمة المسلمات؛ لعلنا نقتله فيريح الله منه. قال :
واللّهَ لا أَدَعُ ما يلزمنى لما بعده ؛ وأرجو أن أقتل هذا الذى قال لى ما قال
وأدرك خالداً فأقتله؛ وإن تركتُ هذا وأتيتُ خالداً شُهر أمرنا فأفلت هذا ،
وقد قال الله عز وجل: ﴿قاتِلوا الَّذِين يلونكُمْ مِنَ الْكُفَّارِ وَلْيجِدُوا فِيكُمْ
غِلْظَةٌ﴾(٢)، قالوا : أنت ورأيك . فأتاه فقتله ، فنذر بهم الناس وعلموا
أنهم خوارج، وابتدروا إلى الطريق هرّاباً، وخرجت البرُد إلى خالد فأخبر وه (٣)
أن خارجة قد خرجت ؛ وهم لا يدرون حينئذ من رئيسهم .
فخرج خالد من واسط حتى أتى الحيرة وهو حينئذ فى الحلق (٤)، وقد
قدم فى تلك الأيام قائد من أهل الشأم من بنى القَيْن فى جيش قد وُجّهوا
مدداً ( ٥) لعامل خالد على الهند، فنزلوا الحيرة، فلذلك قصدها خالد، فدعا رئیسهم
فقال: قاتل" هؤلاء المارقة ؛ فإنّ من قتل منهم رجلاً أعطيته عطاء سوى
ما قبض بالشأم ، وأعفيته من الخروج إلى أرض الهند . وكان الخروج إلى
أرض الهند شاقًا عليهم - فسارعوا إلى ذلك، فقالوا: نقتل هؤلاء النّفر ونرجع
إلى بلادنا . فتوجّه القيْىّ إليهم فى ستمائة، وضمّ إليهم خالد مائتين من شُرَّط
الكوفة ، فالتقوا على الفُرات ، فعبأ القْنىّ أصحابه ، وعزل شرط الكوفة ،
فقال : لا تكونوا معنا - وإنما يريد فى نفسه أن يخلوَ هو وأصحابه بالقوم
فيكون الظفر لهم دون غيرهم لما وعدهم خالد - وخرج إليهم بُهلول ، فسأل
عن رئيسهم حتى عرف مكانه، ثم تنكّر(١) له ، ومعه لواء أسود ، فحمل عليه
فطعنه فى فرْج درعه؛ فأنفذه . فقال: قتلتنى قتلك اللّه! فقال بهلول: إلى
النار أبعدك الله .
١٦٢٤/٢
وولى أهل الشأم مع شرط أهل الكوفة منهزمين حتى بلغوا باب الكوفة ،
وبُهلول وأصحابه يقتلونهم. فأما الشاميون فإنهم كانوا على خيل جياد ففاتوه ؛
وأما شُرَط الكوفة فإنه لحقهم ، فقالوا : اتق الله فينا فإنا مكرهون مقهورون؛
(١) ف: ((تفعل)). (٢) سورة التوبة: ١٢٣
(٤) ط: ((الخلق)). (٥) ح: ((أمداداً)).
(٣) ابن الأثير: ((فأعلموه)).
(٦) كذا فى ا .

١٣٢
سنة ١١٩
فجعل يقرع رءوسهم بالرّمح، ويقول : الحقوا! النّجاء النّجاء! ووجد البهلول
مع القينىّ بَدْرة فأخذها .
١٦٢٥/٢
وكان بالكوفة ستة نفر يرون رأى البهلول، فخرجوا إليه يريدون اللّحاق به
فقتلوا، وخرج إليهم البُهلول وحمل البَدْرة بين يديه، فقال: مَنْ قتل
هؤلاء النفر حتى أعطيه هذه الدراهم ؟ فجعل هذا يقول (١): أنا، وهذا يقول:
أنا ؛ حتى عرفهم ؛ وهم يرون أنه من قِبَل خالد جاء ليعطيهم مالاً لقتلهم
مَنْ قتلوا. فقال بُهلول لأهل القرية: أصدق هؤلاء، هم قتلوا النفر (٢) ؟ قالوا:
نعم ؛ وخشى بهلول أنهم ادّعوا ذلك طمعًا فى المال ، فقال لأهل القرية :
انصرفوا أنتم ؛ وأمر بأولئك فقُتلوا، وعاب عليه أصحابه فحاجتهم، فأقرّوا
له بالحجة .
وبلغت هزيمةُ القوم خالداً وخبر مَنْ قُتِل من أهل صَرِيفين، فوجّه
قائداً من بنى شَيْبان أحد بنى حوْشب بن يزيد بن رويم ؛ فلقيهم فيما بين
الموصل والكوفة ، فشدّ عليهم البُهلول، فقال: نشدتك بالرحم! فإنى جانح
مستجير! فكفّ عنه؛ وانهزم أصحابه، فأتوا خالداً وهو مقيم بالحيرة ينتظر،
فلم يرعْه إلا الفعل" قد هجم عليه ؛ فارتحل البُهلول من يومه يريد الموصل؛
فخافه عامل الموصل ، فكتب إلى هشام: إنّ خارجةٌ خرجت فعائت وأفسدت؛
وأنه لا يأمن على ناحيته ، ويسأله جندً يقاتلهم به ؛ فكتب إليه هشام : وجّه
إليهم كُثارة بن بشر - وكان هشام لا يعرف البهلول إلا بلقبه - فكتب
إليه العامل : إن الخارج هو كُثارة .
١٦٢٦/٢
قال : ثم قال البهلول لأصحابه : إنا والله ما نصنع بابن النصرانيّة شيئًا
- يعنى خالداً ... وما خرجت إلا لله، فلمَ لانطلب الرأس الذى يسلط (٣) خالداً
وذوى خالد! فتوجّه يريد هشامًا بالشام، فخاف عمّال هشام مَوْجدته إن
تر کوه يجوز بلادهمحتیینتهى إلى الشام،فجنّد له خالد جنداً من أهل العراق،
وجنّد له عامل الجزيرة جنداً من أهل الجزيرة، ووجّه إليه هشام جنداً من
أهل الشأم ؛ فاجتمعوا بدير بين الجزيرة والموصل، وأقبل بُهلول حتى انتهى
(١) ف: ((يقول هذا)).
(٣) ابن الأثير: (( سلط)).
(٢) !: ((قتلوا من قتلوا من التفر)) ..

سنة ١١٩
١٣٣
إليهم - ويقال : التقوا بالكُحيل دون الموصل - فأقبل بهلول، فنزل على باب
الدَّيْر، فقالوا له : تزحزح عن باب الدير حتى نخرج إليك، فتنحتى وخرجوا؛
فلما رأى كثرتهم وهو فى سبعين جعل من أصحابه ميمنة وميسرة ، ثم أقبل
عليهم فقال: أكلكم يرجو أن يقتلنا ثم يأتى بلده وأهله سالمًا؟ قالوا : إنا نرجو
ذلك إن شاء الله، فشدّ على رجل منهم فقتله ، فقال : أما هذا فلا يأتى أهله
أبداً ؛ فلم يزل ذلك ديدنته حتى قتل منهم ستة نفر؛ فانهزموا، فدخلوا الدّير
فحاصرهم ، وجاءتهم الأمداد فكانوا عشرين ألفًا ، فقال له أصحابه: ألاَ
نعقر دوابّنا، ثم نشدّ عليهم شدة واحدة ؟ فقال: لا تفعلوا حتى نبلى الله عذراً
ما استمسكنا(١) على دوابتنا ، فقاتلوهم يومهم ذلك كله إلى جنح العصر حتى
أكثروا(٢) فيهم القتل والجراح.
١٦٢٧/٢
ثم إن بهلولا وأصحابه عقروا دوابتهم وترجّلوا، وأصلتوا لهم السيوف، فأوجعوا
فيهم؛ فقتِل عامة أصحاب بُهلول وهو يقاتل ويذود عن أصحابه، وحمل عليه
رجل من جَدِيلة قيس يكنى أبا الموت ، فطعنَه فصرعه، فوافاه من بقى من
أصحابه، فقالوا له: وَلِّ أمرنا مِن بعدَك من يقوم به ، فقال: إن هلكت
فأمير المؤمنين دعامة الشيبانىّ، فإن هلك دعامة فأمير المؤمنين عمرو اليشكرىّ،
وكان أبو الموت إنما ختل البهلول . ومات بهلول من ليلته، فلما أصبحوا هرب
دعامة وخلاّ هم ، فقال رجل من شعرائهم :
دِعامَةُ فى الهَيْجاءِ شَرُّ الدَّعائم
لبئس أَميرُ المؤمنينَ دِعامٌ (٣)
وقال الضحاك بن قيس يَرثى بُهلولا ، ويذكر أصحابه :
قوماً علىَّ معَ الأحزاب أَعوانا
بُدِّلتُ بعد أَبِى بِشر وصحبتِه
ولم يكونوا لنا بالأَمسِ خُلاَّنا
كأَنْهمْ لم يكونوا من صَحَابِتِنا
وابكى لنا صحبةً بانوا وإِخوانا
يا عينُ أَذرى دُمُوعاً منك تهتانا
وأصبحوا فى جنان الخلد جيرانا
خَلَّوا لنا ظاهِرَ الدنيا وباطنَها
قال أبو عبيدة : لما قتل بهلول خرج عمرو اليشكرىّ فلم يلبث أن قتل. ثم
(٢) فى: ((فأكثروا)).
(١) ب: ((ما استمكنا)).
(٣) ١: ((معترفاً به)).

١٣٤
١٦٢٨/٢
سنة ١١٩
خرج العنزىّ صاحب (١) الأشهب- وبهذا كان يعرف- على خالد فى ستّين،
فوجّه إليه خالد السّمط بن مسلم (٢) البجليّ فى أربعة آلاف، فالتقوا بناحية
الفرات ، فشدّ العنزىّ على السّمط، فضربه بين أصابعه فألقى سيفه، وشلّت
يده، وحمل عليهم فانهزمت الحَرورية فتلقاهم عبيد أهل الكوفة وسفلتهم،
فرموْهم بالحجارة حتى قتلوهم .
قال أبو عبيدة : ثم خرج وزير السختيانيّ على خالد فى نفر ؛ وكان
مخرجه بالحيرة ، فجعل لا يمرّ بقرية إلا أحرقها ، ولا أحد إلا قتله، وغلب
على ما هنالك وعلى بيت المال ، فوجّه إليه خالد قائداً من أصحابه وشُرَطاً
من شُرَطَ الكوفة ، فقاتلوه وهو فى نفير ؛ فقاتل حتى قتل عامة أصحابه ،
وأثخن بالجراح؛ فأخذ مرتثًا، فأتِىَ به خالد، فأقبل على خالد فوعظه ، وتلا
عليه آيات من القرآن . فأعجب خالداً ما سمع منه ، فأمسك عن قتله
وحبسه عنده ، وكان لا يزال يبعث إليه فى الليالى فيؤتى به فيحادثه ويسائله،
فبلغ ذلك هشامًا وسُعى به إليه ، وقيل : أخذ حروريًّا قد قتل وحرق وأباح
الأموال، فاستبقاه فاتّخذه سميراً. فغضب هشام، وكتب إلى خالد یشتمه،
ويقول : لا تستبق فاسقاً قتَل وحرق ، وأباح الأموال ؛ فكان خالد يقول :
إنى أنفس به عن الموت لما كان يسمع من بيانه وفصاحته . فكتب فيه إلى هشام
١٦٢٩/٢ يرقّق من أمره - ويقال: بل لم يكتب ولكنه كان يؤخّر أمره ويدفع عنه -
حتى كتب إليه هشام يؤنبه ويأمره بقتله وإحراقه؛ فلما جاءه أمر عزيمة لا يستطيع
دفعه بعث إليه وإلى نفر من أصحابه كانوا أخذوا معه ؛ فأمر بهم فأدخلوا
المسجد، وأدخلت أطنان القَصب فشُدّوا فيها، ثم صبّ عليهم النّقْط ، ثم
أخرِجوا فنصبوا فى الرّحبة، ورُمُوا بالنّيران؛ فما منهم أحد إلا من اضطرب وأظهر
جَزعاً ، إلا وزيراً فإنه لم يتحرك ، ولم يزل يتلو القرآن حتى مات .
#
#
وفى هذه السنة غزا أسد بن عبد الله الخُتّل. وفيها قتل أسد بدرطرخان
ملك الحُشَّل .
(١) ابن الأثير: ((وخرج البخترى صاحب الأشهب)).
(٢) ابن الأثير: ((الشمط بن مسلم)).

سنة ١١٩
١٣٥
ذكر الخبر عن غزوة أُسد
الخُتّل هذه الغزوة وسبب قتله بدر طرخان
ذكر علىّ بن محمد عن أشياخه الذين ذكرناهم قبل أنهم قالوا : غزا أسد
ابن عبد الله الختَّل وهى غزوة بدر طرخان، فوجَّه مصعب بن عمرو الخُزاعىّ
إليها ، فلم يزل مصعب يسير حتى نزل بقرب بدر طرخان ؛ فطلب الأمان على
أن يخرج إلى أسد. فأجابه مُصعب ، فخرج إلى أسد فطلب منه أشياء(١)
فامتنع، ثم سأله بدرطرخان أن يقبل منه ألف ألف درهم ، فقال له أسد :
إنك رجل غريب من أهل الباميان ، اخرج من الختَّل كما دخلتها. فقال له
بدر طرخان : دخلتَ أنت خراسان على عشرة من المحذّفة (٢)، ولو خرجت
منها اليوم لم تستقلّ على خمسمائة بعير؛ وغيرُ ذلك أنِى (٣) دخلت الحُثَّل
بشىء فارْدُدْه علىّ حتى أخرج منها كما دخلتها . قال : وما ذاك ؟ قال:
دخلتُها شابًّا(٤) فكسبت المال بالسيف، ورزق اللّه أهلاً وولداً، فاردد علىّ
شبابى حتى أخرج منها ؛ هل ترى أن أخرج من أهلى وولدى ! فما بقائى
بعد أهلی وولدی ! فغضب أسد .
١٦٣٠/٢
قال : وكان بدرطرخان يثق بالأمان ، فقال له أسد : أختم فى عنقك ؛
فإنى أخاف عليك معرّة الجند، قال: لستُ أريد ذلك؛ وأنا أكتفى من قِبلك
برجل يبلغ (٥) بى مصعبًا. فأبى أسد إلاّ أن يختم فى عنقه ، فختم فى رقبته
ودفعه إلى أبى الأسد مولاه ، فسار به أبو الأسد ، فانتهى إلى عسكر المصعب
عند المساء. وكان سلمة بن أبى عبد الله فى الموالى مع مُصعب، فوافى أبو الأسد
سلمةَ، وهو يضع الدّراجة (٦) فى موضعها، فقال سلمة لأبى الأسد: ما صنع الأمير
فى أمر بدر طرخان ؟ فقصّ الذى عرض عليه بدر طرخان وإباء أسد ذلك،
وسرْحه معه إلى المصعب ليدخله الحصن، فقال سلمة: إن الأمير لم يُصِبْ
(١) ح، فى: ((أسيافاً)).
(٣) ابن الأثير: ((فإنى)).
(٥) ب: ((يبلغنى)).
(٢) ابن الأثير: ((الدواب)).
(٤) ح: ((سباباً)).
(٦) الدراجة: العجلة التى يدب الشيح والصبى عليها.

١٣٦
سنة ١١٩
١٦٣١/٢ فيما صنع، وسينظر فى ذلك ويندم؛ إنما كان ينبغى له أن يقبض ما عرض
عليه أو يحبسه فلا يدخله حصنه ؛ فإنا إنما دخلناه(١) بقناطر اتّخذناها،
ومضايق أصلحناها ؛ وكان يمنعه أن يغير علينا رجاءُ الصلح؛ فأما إذ يئس
من الصّلح فإنه لا يدع الجهد . فدعْه الليلة فى قُبتى؛ ولا تنطلق به إلى
مصعب ؛ فإنه ساعة ينظر إليه يُدخله حصنه .
قال: فأقام أبو الأسد وبدر طرخان معه فى قبة سلمة، وأقبل أسد بالناس
فى طريق ضيّق، فتقطع (٢) الجند، ومضى أسد حتى انتهى إلى نهر وقد عطش
- ولم يكن أحد من خدمه - فاستسقى ؛ وكان السُّغدىّ بن عبد الرحمن
أبو طعمة الجرمىّ معه شاكرىّ له، ومع الشاكرىّ قَرْن تُبَّتَّى؛ فأخذ السُّغدىّ
القرن ؛ فجعل فيه سَويقا ، وصبّ عليه ماء من النهر، وحركه وسفى أسداً
وقومًا من رؤساء الجند ، فنزل أسد فى ظلّ شجرة ، ودعا برجل من الحرّس،
فوضع رأسه فى فخذه ، وجاء المجشّر بن مُزاحم السُّلمىّ يقود فرَسه حتى قعد
تُجاهه حيث ينظر أسداً ، فقال أسد : كيف أنت يا أبا العَدَبَّس ؟ قال :
كنتُ أمسِ أحسنَ حالا منّ اليوم ، قال : وكيف ذاك ؟ قال : كان
بدر طرخان فى أيدينا وعرض ما عرض ؛ فلا الأمير قبيل منه ما عرض عليه
ولا هو شدّ يده عليه؛ لكنه خلّى سبيله؛ وأمر بإدخاله حصنه لما عنده - زعم -
من الوفاء . فندم أسد عند ذلك ، ودعا بدليل من أهل الختّل ورجل من أهل
الشأم نافذ، فاره الفرسِ فأتى بهما، فقال للشامىّ: إن أنت أدركت بدر طرخان
قبل أن يدخل حصنه فلك ألف درهم ؛ فتوجّها حتى انتهيا إلى عسكر مُصعب؛
فنادى الشأمىّ: ما فعل العِلْج ؟ قيل: عند سلمة، وانصرف الدّليل إلى أسد
بالخبر، وأقام الشامىّ مع بدر طرخان فى قُبّة سليمة، وبعث أسد إلى بندر طرخان
فحوّله إليه فشتمه ، فعرف بدر طرخان أنه قد نقض عهده، فرفع حصاة فرمى
بها إلى السماء، وقال : هذا عهد الله؛ وأخذ أخرى فرمى بها إلى السماء ، وقال :
هذا عهد (محمد صلى الله عليه )، وأخذ يصنع كذلك بعهد أمير المؤمنين
وعهد المسلمين ؛ فأمر أسد بقطع يده، وقال أسد: مَنْ ها هنا من أولياء
١٦٣٢/٢
(١) ب: ((دخلنا)).
(٢) !: ((نقطع)).

سنة ١١٩
١٣٧
أبى فديك ؟ (رجل من الأزد قتله بدر طرخان)، فقام رجل من الأزد فقال:
أنا ، قال: اضرب عنقه؛ ففعل . وغلب أسد على القلعة العظمى ، وبقيت
قلعة فوقها صغيرة فيها ولده وأمواله ، فلم يوصل إليهم(١)، وفرَّق أسد الخيل
فى أودية الحُتّل.
١٦٣٣/٢
قال: وقدم أسدمَرْو، وعليها أيّوب بن أبى حسان التميمىّ(٢)، فعزله
واستعمل خالد بن شديد ، ابن عمه. فلما شخص إلى بلْخ بلغه أنّ عمارة بن
حُرَيم (٣) تزوّج الفاضلة بنت يزيد بن المهلب، فكتب إلى خالد بن شديد:
احمل ◌ُمارة على طلاق ابنة يزيد ؛ فإن أبى فاضربه مائة سوط ؛ فبعث إليه
فأتاه وعنده العذافر بن زيد التميمىّ ، فأمره بطلاقها ، ففعل بعد إباء منه ؛
وقال عذافر: عمارة واللّه فتى قيس وسيّدها ، وما بها عليه أبهة؛ أى ليست
بأشرف منه. فتوفّىَ خالد بن شديد، واستخلف الأشعث بن جعفر البّجلىّ.
٠
[ ظهور الصحارى بن شبيب الخارجىّ ]
وفيها شرى (٤) الصحارىّبن شبيب ، وحكم بجبِّل .
* ذكر خبره :
ذكر عن أبى عبيدة معمر بن المثنى أن الصحارىّ بن شبيب أتى خالداً
يسأله الفريضة ، فقال : وما يصنع ابن شبيب بالفريضة ! فودّعه ابن شبيب ،
ومضى، وندم خالد وخاف أن يفتق عليه فتقاً ، فأرسل إليه يدعوه ، فقال :
أنا كنت عنده آنفًا ؛ فأبوا أن يدعوه، فشدّ عليهم بسيفه ، فتر کوه فرکب
وسار (٥) حتى جاوز واسطًا، ثم عقّر فرسه وركب زورقًا ليخفى مكانه ، ثم
قصد إلى نفر من بنى تسَيْ اللات بن ثعلبة ، كانوا بجبُّل ، فأتاهم متقلداً سيفًا
فأخبرهم خبره وخبر خالد ، فقالوا له : وما كنت ترجو بالفريضة ! كنت
لأن تخرج إلى ابن النصرانيّة فتضربه بسيفك أحْرَى. فقال: إنى والله ما أردت
(٢) ب: ((التيمى)).
(١) ابن الأثير: ((إليها)).
١٦٣٤/٢
(٣) ف: ((خزيم)).
(٤) شرى؛ أى اتخذ مذهب الشراء؛ وهم الخوارج؛ وفى الأثير: ((خرج الصحارى)).
٠
(٥) ح، ف: ((فسار)).

١٣٨
سنة ١١٩
الفريضة ، وما أردت إلا التوصّل إليه لئلا ينكرنى ، ثم أقتل ابن النصرانيّة
غيلة بقتله فلانًا - وكان خالد قَبْل ذلك قد قتل رجلا من قَعَدة الصَّفْرية
صَبْرًا ، ثم دعاهم الصحارىّ إلى الوثوب معه فأجابه بعضهم، وقال بعضهم :
ننتظر (١)؛ وأبى بعضهم وقالوا: نحن فى عافية، فلما رأى ذلك قال :
لم أُرَدْ منه الفريضةَ إِلَّ(٢) طَمَعاً فى قتله أَنْ أَنالا
فَأُرِيحَ الأَرْضَ منه ومِمِّنَ عاثَ فيها وعَنِ الحَقِّ مالا
تَرَكَ الحق وَسَنَّ الضلالا
كُلّ جبارٍ عنيد أَراهُ
إِنَّنِى شَارٍ بنفسى لربّى.
نَارِكٌ قِيلاً للِيهِمْ وقالا
بائع
أَهلِى وَمَالِىَ أَرجو فى جنانِ الخلدِ أَهلاً وَمَالا
قال : فبايعه نحو من ثلاثين، فشرَى بحَبُّل، ثم سارحتى أتى المبارك.
فبلغ ذلك خالداً ، فقال: قدكنت خفتُها منه . ثم وجه إليه خالد جنداً ، فلقوه
بناحية المنَاذِر ، فقاتلهم قتالاً شديداً ، ثم انطووا عليه فقتلوه وقتلوا جميع
أصحابه(٣).
١٦٣٥/٢
قال أبو جعفر : وحجّ بالناس فى هذه السنة أبو شاكر مسلمة بن هشام
ابن عبد الملك ، وحجّ معه ابن شهاب الزُّهرىّ فى هذه السنة .
وكان العامل فى هذه السنة على المدينة ومكة والطائف محمد بن هشام ،
وعلى العراق والمشرق خالد بن عبد الله القسرىّ، وعامل خالد على خراسان أخوه
أسد بن عبد الله .
وقد قيل : إنّ أخا خالد أسداً هلك فى هذه السنة ، واستخلف عليها
جعفر بن حنظلة البهرائى .
وقيل : إن أسداً أخا خالد بن عبد الله إنّما هلك فى سنة عشرين ومائة .
وكان على أرْسينيَة وأذربيجان مَرْوان بن محمد .
(١) ب: ((ننظر)».
(٢) ب: ((لم أرد قولى الفريضة)).
(٣) ح، ف: ((فقتلود وجميع أصحابه )).
٠

١٣٩
ثم دخلت سنة عشرين ومائة
ذكر الخبر عما كان فيها من الأحداث
فمن ذلك غزوة سليمان بن هشام بن عبد الملك الصّائفة وافتتاحه . فيما ذكر-
سندرة، وغزوة إسحاق بن مسلم العقيلىّ وافتتاحه قلاع تومانشاه وتخريبه
أرضه ، وغزوة مروان بن محمد أرض الترك.
[خبر وفاة أسد بن عبد الله القسرىّ]
وفيها كانت وفاة أسد بن عبد اللّه فى قول المدائنىّ .
ذكر الخبر عن سبب وفاته :
٠
و کان سبب ذلك أنه كانت به - فيما ذكر - 'دبليلة (١) فی جوفه ؛ فحضر
المهرجان وهو ببلْخ، فقدم عليه الأمراءُ والدّهاقين ؛ فكان ممن قدم عليه
إبراهيم بن عبد الرحمن الحنفىّ عامله على هراة وخُراسان، ودهقان هراة؟
فقد ما بهديَّة قُوّمت بألف ألف؛ فكان فيما قَدِ ما به قَصْران: قصر من فضّة
وقصر من ذهب، وأباريق من ذهب وأباريق من فضّة وصحاف (٢) من ذهب وفضة؟
فأقبلا وأسد جالس على السرير ، وأشراف خُراسان على الكراسىّ ، فوضعا
القَصْرين؛ ثم وضعا خلْفهما الأباريق والصِّحاف (٣) والديباج المروىّ والقوهىّ
والهروىّ وغير ذلك؛ حتى امتلأ السماط؛ وكان فيما جاء به الدّهقان أسداً كُرَة (٤)
من ذهَب ؛ ثم قام الدهقان خطيبًا ، فقال : أصلح الله الأمير! إنَّا معشر
العجم ؛ أكلنا الدّنيا أربعمائة سنة ؛ أكلناها بالحلْم والعقل والوقار ؛ ليس
فينا كتاب ناطق ، ولا نبيّ مرسل ؛ وكانت الرّجال عندنا ثلاثة: ميمون
النقيبة أينما توجه فتح الله على يده، والذى يليه رجل تمتّ مُروّته فى بيته فإن
كان كذلك رُجِىَ(٥) وعُظِّمٌ، وقوّد وقدّم ؛ ورجل رحُب صدره، وبسط
١٦٣٦/٢
(١) الدبيلة: دمل كبير يظهر فى الجوف. (٢) ح، ف: ((وصحائف)).
(٣) ح، ف: ((والصحائف)).
(٤) ١: ((أكرة))، وهما بمعنى، واللغة الجيدة ((كرة)).
(٥) كذا فى ا، ب وفى ط: ((رحب وحيى).

١٤٠
سنة ١٢٠
يده فُرجِىَ؛ فإذا كان كذلك قُوِّد وُقُدِّم؛ وإن اللّه جعل صفات هؤلاء
الثلاثة الذين أكلنا الدّنيا بهم أربعمائة سنة فيك أيها الأمير ؛ وما نعلم أحداً هو
أتمّ كَتْخُدانيَّة منك؛ إنك(١) ضبطتَ أهل بيتك وحشمك ومواليك ؛
فليس منهم أحد يستطيع أن يتعدّى على صغير ولا كبير ، ولا غنىّ ولا فقير ،
فهذا تمام الكُتْخدانيّة ، ثم بنيتَ الإيوانات فى المفاوز؛ فيجىءُ الجائى من
المشرق والآخر من المغرب ؛ فلا يجدان عيبًا إلا أن يقولا : سبحان الله ما أحسن
ما بُنى ! ومِن يُمن نقيبتك أنك لقيت خاقان وهو فى مائة ألف، معه الحارث
ابن سريج فهزمته وفللته(٢)، وقتلت أصحابَه، وأبحت عسكره . وأما رُحْب
صدرِك وبَسْط يدك ، فإنّا ما ندرى أىّ المالين أقرّ لعينك؟ أمالٌ قدم عليك،
أم مال خرج من عندك! بل أنتَ بما خرج أقرّ عيناً . فضحك أسد، وقال:
أنت خير دهاقين خُراسان وأحسنهم هديّة، وناوله تفاحة كانت فى يده ؛
وسجد له دِهْقَان هَراة ، وأطرق أسد ينظر إلى تلك الهدايا ؛ فنظر عن يمينه ،
فقال : يا عُذافر بن يزيد، مُرْ من يحمل هذا القَصْر الذهب ، ثم قال :
يا معن بن أحمر رأس قيس - أو قال قنّسرين - مرْ بهذا القصر يحمل ،
ثم قال : يا فلان خذ إبريقاً، ويا فلان خذ إبريقاً، وأعطى الصُّحاف (٣)
حتى بقيت صحفتان ، فقال : قم يابن الصيداء ، فخذ صُحيفة (٤)، قال :
فأخذ واحدة فرزها(٥) فوضعها، ثم أخذ الأخرى فرزنها، فقال له أسد: مالك ؟
قال : آخذ أرزنهما ، قال : خذهما جميعاً؛ وأعطى العُرَفاء وأصحاب
البلاء ؛ فقام أبو اليعفور - وكان يسير أمام صاحب خراسان فى المغازى -
فنادى : هلمّ إلى الطريق ، فقال أسد : ما أحسن ما ذكّرت بنفسك ! خذ
ديباجتين ، وقام ميمون العذَّاب فقال: إلىّ، إلى يساركم، إلى الجادّة؛ فقال:
ما أحسن ما ذكَّرت نفسك ! خذ ديباجة ، قال : فأعطى ما كان فى السّاط
كلّه ، فقال نهر بن تَوْسِعة:
وأَنتم غَدَاةَ المهرجانِ كثيرٌ
تقِلُّون إِنْ نادى لِرَوَعٍ مُثْوِّبٌ
١٦٣٧/٢
١٦٣٨/٢
(١) !، ب: ((لأنك)).
(٣) ح، ف: ((الصحائف)).
(٥) رزن الشىء: رفعه لينظر ما ثقله.
(٢) ابن الأثير: ((وقتلته)).
(٤) ا، ح: ((صحفة)).