النص المفهرس

صفحات 81-100

٨١
سنة ١١٢
ثم رجع إليه، فقال: رأيتُهم طيبةً أنفسهم ، يتناشدون الأشعار ، ويقرءون
القرآن ؛ فسرّه ذلك ، وحمد الله .
قال : ويقال نهضت العبيد يوم الشّعب من جانب العسكر وقد أقبلت
الترك والسُّغد ينحدرون ؛ فاستقبلهم العبيد وشدّوا عليهم بالعَمَد ، فقتلوا
منهم تسعة ، فأعطاهم الجنيد أسلابهم .
وقال ابن السِّجْف فى يوم الشِّعب؛ ويعنى هشامًا :
هَزْلَى كَأَنْهُمُ فى الحائطِ. الحَجَلُ
آذكْر يَتاَى بأَرضِ التُّركِ ضائعَةً
لا أَنفُسٌ بَقِيَتْ فيها ولا ثَقَلُ
وارحم ، وَإِلاَّ فَهَبْهَا أمةً دَمِرَتْ
والمَرْءُ ما عاشَ ممْدودٌ له الأَمَلُ
لا تأمُلَنَّ بقاءَ الدَّهرِ بَعدَهَمُ
عنهم يَضيقُ فضاءُ السّهلِ والجبلُ
لَاقَوْا كتائِبَ مِنْ خاقانَ مُعْلِمَةً
مَدُّوا بِأَيدِيهِمُ اللَّهِ وابْتَهَلوا
لَمَّا رَأَوهُمْ قَلِيلاً لَا صَرِيخَ لهمْ
وَبَايَعُوا رَبَّ موسى بيعةً صَدَقت ما فى قُلوبِهِمُ شكَّ وَلَا دَغَلُ
قال: فأقام الجُنيد بسَمَرْ قَنْد ذلك العام ، وانصرف خاقان إلى بخارى
وعليها قَطَن بن قتيبة ، فخاف الناس الترك على قَطَن ، فشاورهم الجنيد،
فقال قوم: الزم تَسَمَرْقند، واكتب إلى أمير المؤمنين يمدّك بالجنود . وقال قوم:
تسير فتأتى رَبِنْجَن ، ثم تسير منها إلى كِسّ ، ثم تسير منها إلى نَسَف،
فتصل منها إلى أرض زَمّ؛ وتقطع النهر وتنزل آمُل ، فتأخذ عليه بالطريق .
١٥٤٨/٢
فبعث إلى عبد الله بن أبى عبد الله، فقال: قد اختلف الناس علىّ -
وأخبره بما قالوا - فما الرأى ؟ فاشترط عليه ألاّ يخالفه فيما يشير به عليه من
ارتحال أو نزول أوقتال ، قال : نعم؛ قال: فإنى أطلب إليك خيصالاً ،
قال : وما هى ؟ قال : تخندق حيثما نزلْت ؛ ولا يفوتنّك حمل الماء ولو
كنت على شاطئ نهر ، وأن تطيعنى (١) فى نزولات وارتحالك . فأعطاه ما أراد .
قال: أما ما أشاربه عليك فى مُقامك بسَمَرْ قند حتى يأتيك الغياث، فالغياث
يبطئُ عنك(٢) ، وإن سرتَ فأخذت بالناس غيرَ الطريق فتتَّ فى أعضادهم؛
١٥٤٩/٢
(١) ح: ((وألا تعصينى)).
(٢) ح، ف: ((عليك)).

٨٢
سنة ١١٢
فانكسروا عن عدوّهم ، فاجتراً عليك خاقان ؛ وهو اليوم قد استفتح بخارى
فلم يفتحوا له ، فإن أخذت بهم غير الطريق تفرّق الناس عنك مبادرين
إلى منازلهم ، ويبلغ أهل بخارى فيستسلموا لعدوّهم ؛ وإن أخذت الطريق
الأعظم هابك العدوّ؛ والرأى لك أن تعمد إلى عيالات مَنْ شهِد الشَّعب
من أصحاب سَوْرة فتقسّمهم على عشائرهم وتحملهم معك ؛ فإنى أرجو
بذلك أن ينصرك اللّه على عدوّك، وتعطى كلَّ رجل تخلف بسمرقند ألف
درهم وفرساً .
قال : فأخذ برأيه ، فخلّف فى سمرقند عثمان بن عبد الله بن الشِّخِّير فى
ثمانمائة: أربعمائة فارس وأربعمائة راجل ، وأعطاهم سلاحًا . فشتم الناس
عبدَ الله بن أبى عبدالله مولى بنى سليم، وقالوا: عرّضنا الخاقان والترك، ما أراد
إلا هلاكنا !
فقال عبيد(١) اللّه بن حبيب لحرب بن صبح : كم كانت لكم الساقة
١٥٥٠/٢ اليوم؟ قال: ألف وستمائة، قال: لقد عُرِّضنا للهلاك. قال: فأمر الجنيد
بحمْل العيال .
قال : وخرج والناس معه ، وعلى طلائعه الوليد بن القعقاع العبسىّ وزياد
ابن خَيران الطائىّ، فسرّح الجُنيد الأشهب بن عبيد(٢) الحنظلىّ، ومعه
عشرة من طلائع الجند ، وقال له: كلما مضيت مرحلة فَسَرّحْ إلىّ رجلا
يعلمنى الخبر .
قال: وسار الجُنيد؛ فلما صار بقصْر الريح(٣) أخذ عطاء الدّبُوسىّ بلجام
الجُنيد وكبحته ، فقرع رأسه هارون الشاشىّ مولى بنى حازم بالرّمح حتى
كسره على رأسه، فقال الجنيد لهارون: خلّ عن الدبوسىّ، وقال له : مالك
يا دبوسىّ ؟ فقال : انظر أضعفَ شيخ فى عسكرك فسلّحه سلاحاً تامًّا ،
وقدّدْه سيفًا وجعبة وتِرْسا ، وأعطه رمحًا ، ثم سِرْ بنا على قدر مشيه ؛ فإنا
لا نقدر على السوْق والقتال وسرعة السير ونحن رجّالة . ففعل ذلك الجُنيد؛
(١) ط: ((عبد))؛ وما أثبته من تصويبات ط.
(٢) ط: ((عبيد الله))؛ وأثبت ما فى التصويبات.
(٣) ح: ((الرمح)).

٨٣
سنة ١١٢
فلم يعرض للناس عارض حتى خرجوا من الأماكن المخوفة ، ودنا من الطواويس،
فجاءتنا الطلائع بإقبال خاقان، فعرضوا له بكَرْ مِينِيَة ، أوّل يوم من رمضان .
فلما ارتحل الجُنيد من كرْمِينية قدم محمد بن الرُّندىّ فى الأساورة آخر
الليل ؛ فلما كان فى طرف مفازة كَرْمِينيّة رأى ضعف العدوّ ؛ فرجع
إلى الجنيد فأخبره ؛ فنادى منادى الجنيد : ألا يخرج المكتَّبون (١) إلى
عدوّهم ؟ فخرج الناس، ونشبت الحرب، فنادَى رجل : أيها الناس، صرتم
حرورّيّة فاستقتلتم . وجاء عبد الله بن أبى عبد الله إلى الجنيد يضْحك ، فقال
له الجنيد : ما هذا بيوم ضحك! فقيل له : إنه ضحك تعجّبًا، فالحمد لله
الذى لم يلقك هؤلاء إلا فى جبال معطّشة؛ فهم على ظهر وأنت مخندق آخر
النهار، كالّين وأنت معك الزّاد؛ فقاتلوا قليلا ثم رجعوا . وكان عبد الله بن
أبى عبد الله قال للجُنيد وهم يقاتلون: ارتحل ، فقال الجنيد : وهل من حيلة ؟
قال : نعم، تمضى برايتك قَدْر ثلاث غلاء(٢)، فإنّ خاقان ودّ أنك أقمت
فينطوى عليك إذا شاء . فأمر بالرحيل وعبد الله بن أبى عبد الله على الساقة .
فأرسل إليه : انزل ، قال : أنزل على غير ماء! فأرسل إليه : إن لم تنزل ذهبت
خراسان من يدك ؛ فنزل وأمر الناس أن يسقوا ، فذهب الناس الرّجالة
والناشبة ؛ وهم صَفّان ؛ فاستقوْا وباتوا ، فلما أصبحوا ارتحلوا ، فقال عبد الله
ابن أبى عبد الله: إنكم معشَر العرب أربعة جوانب ؛ فليس يعيب بعضهم
بعضًا ؛ كلّ ربع لا يقدر أن يزول عن مكانه: مقدّمة - وهم القلب - ومجنّتان
وساقة ؛ فإن جمع خاقان خيله ورجاله ثم صدم جانبًا منكم - وهم الساقة -
كان بوارُكم، وبالحَرَى أن يفعل؛ وأنا أتوقّع ذلك فى يومى، فشدَّوا الساقة
بخيل . فوجّه الجُنَيد خيل بنى تميم والمجفّفة ، وجاءت الترك فمالت على الساقة؛
وقد دنا المسلمون من الطواويس فاقتتلوا ، فاشتدّ الأمر بينهم، فحمل سلْم بن
أحوز على رجل من عظماء الترك فقتله . قال : فتطيّر الترك ، وانصرفوا من
الطواويس ؛ ومضى المسلمون ؛ فأتوا بُخَارى يوم المهرجان . قال : فتلقّوْنا
بدراهم بخارية ، فأعطاهم عشرة عشرة ، فقال عبد المؤمن بن خالد : رأيتُ
١٥٥١/٢
١٥٥٢/٢
(١) ب: ((المكذبون)).
(٢) غلاء: جمع غلوة ؛ وهى مرمى السهم .

٨٤
سنة ١١٢
عبد الله بن أبى عبد الله بعد وفاته فى المنام، فقال: حَدّث الناس عنى برأيى
يوم الشُعب .
قال: وكان الجُنيد يذكر خالد بن عبد اللّه، ويقول: رَبَذَة من
الرّبذ (١)، صنبور ابن صنبور (٢)، قُلّ ابن قلّ، هيْفة من الهيف -
وزعم أن الهيْفة الضَّبُع، والعُجْرة الخنزيرة، والقلّ: الفرد - قال: وقدمت
الجنود مع عمرو بن مسلم الباهلىّ فى أهل البصرة وعبدالرحمن بن نعيم الغامدىّ(٣)
فى أهل الكوفة وهو بالصّغانيان، فسرح معهم الحوثرة بن يزيد (٤) العنبرىّ فيمن
انتدب معه من التجار وغيرهم ، وأمرهم أن يحملوا ذرارىّ أهل سمرقند، ويدّعوا
فيها المقاتلة . ففعلوا .
١٥٥٣/٢
قال أبو جعفر: وقد قيل: إنّ وقعة الشِّعب بين الجُنيد وخاقان كانت
فى سنة ثلاث عشرة ومائة .
وقال نصر بن سيّار يذكر يوم الشّعب وقتال العبيد:
ياذا المعارجِ لا تَنقصْ لهمْ عَدَدا
إِنِّى نَشأْتُ وحُسَّادِى ذَوُو عَدَدٍ
يوماً فمثلُ بلائِّ جَرَّ لِ الحَسدَا
كعبى عليكم وأعطى فوقكم عددا
حتى اتخذْن على حُسَّادِ منَّ يدا(٥)
لَمْ يَتَّخِذْ حَوْمة الأَثْقَالِ مُعْتَمَدًا!
أَنتم بصَبْرٍ طَلَبْتُمْ حُسْنُ مَاوَعَدًا
إِلَّ العَبِيدُ بِضَرْب يَكْسِرُ العَمَدا
وَقْعَ الْقَنَا وشِهابُ الحربِ قِدَ وَقَدا!
إِن تحسدونى على مثل البلاءِ لكُمْ
يأَبَى الإِلهُ الذى أَعلَى بقدرته
أَرْبِىِ الْعَدُوَّ بِأَفراسِ مُكَلَّمَةٍ
من ذا الذى منكُمُ فى الشِّعب إِذوردُوا
فما حفظتمْ منَ اللهِ الوَصاة ولا
ولا نَهَاكُمْ عَنِ التَّوْثابِ فى عتَبِ
هَلَّا شكرتمْ دِفاعِى عَنْ جُنَيدِ كُمُ (٦)
(١) فى اللسان عن اللحيانى: ((إنما أنت ربذة من الربذ، أى منتن لاخير" فيك)).
(٢) فى ابن الأثير: ((الصنبور الذى لا أخ له. وقيل: الملصق)).
(٣) ط: ((العامرى)، وما أثبته من تصويبات ط .
(٥) ط: ((حسادها))، وهو خطأ وصوابه فى ابن الأثير.
(٤) ابن الأثير: ((زيد)).
(٦) ابن الأثير: ((هلا شهدتم)).

٨٥
سنة ١١٢
وقال ابن عرس العبدىّ ، يمدح نصرًا يوم الشِّعب ويذّم الجُنيد ؛ لأن
نصراً أبلی يومئذ :
١٥٥٤/٢
فَلِكَ المآثِرُ والفَعَالُ الأُرفَعُ
يا نصرُ أَنت فتى نزارِ كُلِّها
بالشِّعبِ حِينَ تَخاضَعُوا وَتَضِعْضَعُوا
فَرَّجْتَ عَنْ كلِّ القَبائل كُرِبَةً
والنَّحرُ دامٍ والخَوافِقُ تَلِمَعُ (١)
يَومَ الجُنيدِ إِذ القنا مُتَشاجرٌ
حتى تَفَرَّجَ جَمعُهُمْ وَتَصَدَّعُوا
ولك المكارمُ والمعالِ أَجْمَعُ
ما زلتَ تَرمِيهمْ بنفسِ حُرّةٍ
فالناسُ كُلَّ بَعْدَها عُتَقَاؤُكُمْ
وقال الشرعيّ الطائىّ :
تَذَكَّرْتُ مِنْدًا فِى بِلادٍ غَرِيبَةٍ
تذكَّرْتُهَا والشاشُ بَيْنِى وبينها
زُحُوفُهُ
بلادٌ بها خاقانٌ جَمِّ
إِذا دَبّ خاقانٌ وسارت جنودُهُ
هنالك - هندُ مالَنا النِّصفُ منهمُ
أَلَا رُبَّ خَوْدِ خَدْلةٍ قد رأَيتُها
أُحَامِ عليها حين ولَّ خليلُها
تنادى بأعلى صوتها صَفَّ قومِها
أَلا رجلٌ منكُمْ كَريمٌ يَرُدُّنِىِ
فما جاوبُوها غير أَنَّ نَصيفَها
إِلى اللهِ أَشكُو نَبِوَةً فى قلوبها
فَمَن مُبْلِغٌ عَنّى أَلوكاً صحيفةٌ
بأَنَّ بقايانا وأَنَّ أَميرنا
فيالكَ شَوْقاً ، هل لِشَملِكَ مَجْمَع!
وَشِعْبُ عِصامٍ والمنايا تَطلَّعُ
وَبَيْلانُ فى سبعينَ أَلفاً مُقَنَّعُ
أَتْتنَا المَنايا عندَ ذلك شُرَّع
وما إِنْ لنا ياهندُ فى القومِ مَطْمَعُ
يَسُوق بها جَهمٌ مِنَ السُّغْدِ أَصْمَعُ
تُنادِى إِليها المسلمينَ فَتُسمِعُ(٢)
أَلَا رجلٌ منكم يَغارُ فَيَرجعُ!
يَرَى الموت فى بعضِ المواطنِ ينفع!
بكَفِّ الفتى بين البرازيق أَشْنَعُ
وَرُعباً مَلا أَجوافها يَتَوَسَّعُ
إلى خالِدٍ مِنْ قبلٍ أَن نَتَوزَّعُ
إِذا ما عَدَدْناهُ الذَّلِيلُ المَوُقْعُ
١٥٥٥/٢
(١) ابن الأثير: ((والبحر دام)).
(٢) ح: ((تنادى إليها المسلمون)).

٨٦
سنة ١١٢
هُمُ أَطْمَعُوا خاقانَ فينا وَجُنْدَهُ أَلَا لِيتَنَا كُنَّا هَشِيماً يُزَعْزَعُ
١٥٥٦/٢
وقال ابن عرس - واسمه خالد بن المعارك من بنى غَنْم بن وديعة بن
لكيز بن أفصى . وذكر على بن محمد عن شيخ من عبد القيس أنّ أمه كانت
أمة، فباعه أخوه تميم بن معارك من عمرو بن لقيط أحد بنى عامر بن الحارث؛
فأعتقه عمرو لما حضرته الوفاة ، فقال : يا أبا يعقوب ؛ كم لى عندك من
المال ؟ قال : ثمانون ألفًا، قال: أنت حُرّ وما فى يديك لك. قال : فكان
عمرو ينزل مَرْو الرّوذ ؛ وقد اقتتلت عبد القيس فى ابن عُرْس؛ فردّوه إلى
قومه ، فقال ابنُ عرس للجُنيد :
كانوا جَمَالَ المنسَرِ الحارِدِ!
أَينَ حُماةُ الحرب منْ معشَرِ
المُمْهَلُ كالبائِدِ
والعائِرُ
بَادُوا بآجالِ تَوَافَوْا لها
العينِ من ذائد
ما لِهُمُوعِ
فالعينُ تُجرِى دَمْعها مُسْبَلاً
١٥٥٧/٢
أُمْ هل ترى فى الدهر من خالد !
انظرْ ترى للمَيْتِ مِنْ رَجْعَةِ
كنَّا قديماً يُنَّى بِأُسُنَا
الصَّادِرَ بالوارِدِ
وَنَدْرَأ
من بعدِ عِزّ ناصرٍ آئِدٍ
مُبْتَدِئاً ذِى حَنَق جاهِدٍ
بالجَحْفَلِ المحْتَشِدِ الزائدِ
جَدْعاً وَعَقرًا لك من قائدِ !
للناهِدِ
يَقِمُها الجازرُ
حتى مُنِينا بالذى شامَنا
كعاقِر الناقَةِ لا يَنثنِى
فَتَقْتَ ما لم يلتئِمِ صَدْعُهُ
تَبكى لها إِنْ كَشَفَت ساقَها
ترَكْتَنَا أَجزاءَ مَعْبُوطة
الأَسيافُ مَسْلولَةً
تَرَقّتٍ
والساعدِ
تُزيلُ بينَ العَضْدِ
الهاماتُ من وقعِها
تَساقَطُ
راعد
بينَ جَناحَىْ مُبْرِقٍ
لَمْ تَدرِ يومًا كَيْدَةَ الكائِدِ
إِذْ أَنت كالطّفْلةِ فى خِدرِها
والقاعد
تَعصِفُ بالقائِمِ
١٥٥٨/١ إِنَّا أناسٌ حَربُنا صَعِبَةٌ
أَضحَتْ سمرْقندُ وأَشياعُها
والشاهِدِ
الغائب
أُحدوثَةَ

٨٧
سنة ١١٢
جَلَدِ القُوَى ذى مِرَّةٍ ماجد
وكم ثَوَى فى الشِّعبِ من حازم.
يَستَنْجِدُ الخَطْبَ ويَغْشَى الوغى
لَيْتَكَ يومَ الشِّعْب فى حُفرَةٍ
تلعبْ بك الحربُ وأَبناؤها
طارَ لها قلبُكَ من خيفَةٍ
لا تَحسِبَنَّ الحربَ يومَ الضحى
أَبَغَضتُ من عَينِكَ تَبْرِيجَها
جُنِيدُ ما عِيصُكَ منسوبُهُ(٣)
خمسون ألفاً قُتِدوا ضِيعَةً
لا هائبٍ غُسِّ ولا ناكِدِ(١)
مرؤُوسَةِ بِالمَدَرِ الجامِدِ
لَعْبَ صُقُورٍ بِقَطَّا واردِ
ما قلبك الطائرُ بالعائِدِ
كَشَرِبِكَ المُؤَّاءَ بالبارِدِ(٢)
فاسِدِ
وصورً فی جسد
بالصّاعد
نَبْعاً ولاَ جَدُّكَ
وَأَنتَ منهم دعوة الناشد
ما أَنتَ فى العَدوَةِ بالحامد (٤)
لا تَمريَنَّ الحربَ من قابِلٍ
طوق الحمامِ الغرِدِ الفارِد
قَلَّدْتُه طَوْقاً على نحرِهِ
تسعَى بها الْبُرْدُ إِلى خالِدِ
شاعِر
قصيدَةً حبَّرَهَا
١٥٥٩/٢
وحجّ بالناس فى هذه السنة إبراهيم بنهشام المخزومى ؛ کذلك حد ◌ّنی
أحمد بن ثابت ، عمّن ذكره ، عن إسحاق بن عيسى ، عن أبى معشر .
وقد قيل : إن الذى حجّ بالناس فى هذه السنة سليمان بن هشام .
وكانت عمّال الأمصار فى هذه السنة عمّالها الذين كانوا فى سنة إحدى
عشرة ومائة ، وقد ذكرناهم قبل .
(١) الغس : الضعيف اللئيم .
(٢) المزاء : الخمر الذيدة الطعم ، سميت بذلك للذعها فى الفم.
(٣) منسوبه، بالرفع بدل اشتمال مما قبله .
(٤) ب وابن الأثير: ((بالجامد)).

٨٨
ثم دخلت سنة ثلاث عشرة ومائة
ذكر الخبر عما كان فيها من الأحداث
#
[قتل عبد الوهاب بن بخت]
فممّا كان فيها من ذلك هلاك عبد الوهاب بن بُخت ، وهو مع البطّال
١٥٦٠/٢ عبد الله بأرض الرّوم؛ فذكر محمد بن عمر، عن عبد العزيز بن عمر؛ أن
عبد الوهاب بن بُخْت غزا مع البطّال سنة ثلاث عشرة ومائة، فانهزم الناس
عن البطّال وانكشفوا، فجعل عبد الوهاب يكرّ فرسه وهو يقول (١): ما رأيتُ
فرسًا أجبَن منه، وسفك الله دمى إن لم أسفك دمك . ثم ألقى بيضته عن
رأسه وصاح : أنا عبد الوهاب بن بُخت ؛ أمِن الجنة تفرّون ! ثم تقدّم
فى نحور العدوّ؛ فمرّ برجل وهو يقول: واعطشاه! فقال: تقدّم؛ الرِّىّ
أمامك ؛ فخالط القوم فقُتِل وقُتل فرسه .
#
#
ومن ذلك ما كان من تفريق مسلمة بن عبد الملك الجيوش فى بلاد خاقان
ففتحت مدائن وحصون على يديه، وقتل منهم، وأسر وسبى، وحرّق خلق
كثير من الترك أنفسَهم بالنار ؛ ودان لمسلمة مَن كان وراء جبال بلنجر
وقتل ابن خاقان .
ومن ذلك غَزْوة معاوية بن هشام أرض الروم فرابط من ناحية مَرْعش
ثم رجع .
١
وفى هذه السنة صار من دُعاة بنى العباس جماعة(٢) إلى خراسان، فأخذ
الجنيد بن عبد الرحمن رجلا منهم فقتله، وقال : من أصيب(٣) منهم قدمه
هدرٌ .
(١) ب، ح: ((ويقول)).
(٢) ف: ((دعاة)).
(٣) ابن الأثير: ((أصبت)).

٨٩
سنة ١١٣
١٥٦١/٢
وحجّ بالناس فى هذه السنة - فى قول أبى معشر - سليمان بن هشام بن
عبد الملك؛ حدثنى بذلك أحمد بن ثابت، عمّن ذكره، عن إسحاق بن عيسى
عن أبى معشر . وكذلك قال الواقدىّ .
وقال بعضهم : الذى حجّ بالناس فى هذه السنة إبراهيم بن هشام المخزومىّ .
وكان عمّال الأمصار فى هذه السنة هم الذّين كانوا عمّالها فى سنة إحدى عشرة
واثنتى عشرة ؛ وقد مضى ذكرنا لهم .

٩٠
ثم دخلت سنة أربع عشرة ومائة
ذكر الإخبار عن الأحداث التى كانت فيها
فمن ذلك غزوة معاوية بن هشام الصائفةَ اليسرى وسليمان بن هشام على
الصّائفة اليمنى؛ فذكرأن معاوية بن هشام أصاب رَبَض (١) أقرن، وأن عبدالله
البطال التقى وقسطنطين فى جَمْعٍ فهزمهم ؛ وأسر قسطنطين ؛ وبلغ سليمان
ابن هشام قيساريّة .
وفى هذه السنة عزلَ هشام بن عبد الملك إبراهيم بن هشام عن المدينة ،
وأمّر عليها خالد بن عبد الملك بن الحارث بن الحكم . قال الواقدىّ : قدم
خالد بن عبد الملك المدينة للنصف من شهر ربيع الأول ؛ وكانت إمْرة إبراهيم
ابن هشام على المدينة ثمانى سنين .
وقال الواقدىّ: فى هذه السنة ولِىَ محمد بن هشام المخزوميّ مكة .
وقال بعضُهم : بل ولِىَ محمد بن هشام مكة سنة ثلاث عشرة ومائة ،
فلما عزل إبراهيم أقرّ محمد بن هشام على مكة .
وفى هذه السنة وقع الطاعون - فيما قيل - بواسط .
وفيها قفل(٢) مسلمة بن عبد الملك عن الباب بعد ما هزم خاقان وبنى الباب
فأحكم ما هنالك .
١٥٦٢/٢
وفى هذه السنة ولّ هشام مروانَ بن محمد أرمينية وأذْرَبيجان.
واختلف فيمَن حجّ بالناس فى هذه السنة ، فقال أبو معشر - فيما
حدثنى أحمد بن ثابت ، عمّن حدثه ، عن إسحاق بن عيسى ، عنه : حجّ
بالناس سنة أربع عشرة ومائة خالد بن عبد الملك بن الحارث بن الحكم ؛ وهو
على المدينة .
(١) الربض : سور المدينة .
(٢) ابن الأثير: ((أقبل)).

٩١
سنة ١١٤
وقال بعضهم : حجّ بالناس فى هذه السنة محمد بن هشام ؛ وهو
أمير مكة ، فأقام خالد بن عبد الملك تلك السنة ، لم يشهد الحجّ .
قال الواقدىّ : حدثنى بهذا الحديث عبد الله بن جعفر، عن صالح بن
كيسان .
قال الواقدىّ : وقال لى أبو معشر: حجّ بالناس سنة أربع عشرة ومائة
خالد بن عبد الملك ، ومحمد بن هشام على مكة. قال الواقدىّ: وهو الشَّبَت
عندنا .
وكان عمّال الأمصار فى هذه السنة هم العمّال الذين كانوا فى السنة التى
قبلها ؛ غير أنّ عامل المدينة فى هذه السنة كان خالد بن عبد الملك، وعامل
مكة والطائف محمد بن هشام ، وعامل أرمينية وأذربيجان مروان بن محمد .
ص

٩٢
ثم دخلت سنة خمس عشرة ومائة
ذكر الإخبار عما كان فيها من الأحداث
فممّا كان فيها من ذلك غزوة معاوية بن هشام أرض الروم .
١٥٦٣/٢
وفيها وقع الطاعون بالشام .
وحجّ بالناس فى هذه السنة محمد بن هشام بن إسماعيل ؛ وهو أميرمكة
والطائف، کذلك قال أبو معشر، فیما حدثنى أحمد بنثابت ،عمن ذكره، عن
إسحاق بن عيسى، عنه .
وكان عمّال الأمصار فى هذه السنة عمّالها فى سنة أربع عشرة ومائة ، غير
أنه اختُلف فى عامل خراسان فى هذه السنة ، فقال المدائىّ : كان عاملها
الجنيد بن عبد الرحمن، وقال بعضهم. كان عاملها عمارة بن حُرَيَم المرّىّ .
وزعم الذى قال ذلك أنّ الجنيد مات فى هذه السنة ، واستخلف عمارة بن
حُرَّيم . وأما المدائنىّ فإنه ذكر أن وفاة الجنيد كانت فى سنة ست عشرة ومائة.
وفى هذه السنة أصاب الناس بخُراسان قحط شديد ومجاعة، فكتب الجُنيد
إلى الكور: إنّ مرْو كانت آمنة مطمئنَّة يأتيها رزقُها رغداً من كلّ مكان،
فكفرت بأنعُمُ اللّه ، فاحملوا إليها الطعام .
قال علىّ بن محمد: أعطى الجُنيد فى هذه السنة رجلاً درهمًا، فاشترى
به رغيفًا ، فقال لهم: تشكون الجوع ورغيف بدرهم! لقد رأيتُنى بالهند وإن
الحبّة من الحبوب لتباع عددًا بالدرهم؛ وقال: إنّ مَرْو كما قال الله عز وجل:
﴿وَضَرَبَ الله مَثَلاً قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً مُطْمَئِنَّةٌ﴾(١).
(١) سورة النحل آية ١١٢.

٩٣
١٥٦٤/٢
ثم دخلت سنة ست عشرة ومائة
ذكر ما كان فيها من الأحداث
فمن ذلك ما كان من غزوة معاوية بن هشام أرض الرّوم الصائفة .
وفيها كان طاعونٌ شديد بالعراق والشام؛ وكان أشدّ ذلك فيما ذكر- بواسط.
...
[ وفاة الجنيد بن عبد الرحمن وولاية عاصم بن عبد اللّه خراسان ]
وفيها كانت وفاة الجُنيد بن عبد الرحمن وولاية عاصم بن عبد الله بن
يزيد الهلالىّ خراسان .
* ذكر الخبر عن أمرهما :
ذكر علىّ بن محمد، عن أشياخه، أنّ الجُنيد بن عبد الرحمن تزّوج
الفاضلة بنت يزيد بن المهلّب ، فغضب هشام على الجُنيد، وولّى عاصم بن
عبد الله خراسان؛ وكان الجُنيد سَقَى(١) بطنُه، فقال هشام لعاصم: إن
أدركتَه وبه رمَق فأزهقْ نفسه ، فقدم عاصم وقد مات الجنيد .
قال : وذكروا أنّ جبلة بن أبى روّاد دخل على الجُنيد عائداً، فقال :
يا جبلة ، ما يقول الناس ؟ قال : قلت يتوجّعون (٢) للأمير؛ قال: ليس عن
هذا سألتك ، ما يقولون ؟ وأشار نحو الشأم بيده . قال: قلت: يقدم على
خراسان يزيد بن شجرة الرَّهاوىّ، قال : ذلك سيّد أهل الشأم ، قال : ومن ؟
قلت : عصمة أو عصام ، وكنّيت عن عاصم ، فقال : إن قدم عاصم
فعدوّ جاهد ؛ لا مرحباً به ولا أهلا .
١٥٦٥/٢
قال : فمات فى مرضه ذلك فى المحرّم سنة ست عشرة ومائة، واستخلف
عمارة بن حُرَيم . وقدم عاصم بن عبد الله، فحبس عُمارة بن حُرَيم
وعمال الجنيد وعذّبهم . وكانت وفاته بمرْو ، فقال أبو الجُوّيرية عيسى
ابن عصمة يرثيه :
(١) ح: ((يشكو بطنه))، والسقى: ماء أصفر يقع فى البطن، يقال: ستفى بطنه، أى
(٢) ب: ((يتوجمون)).
اجتمع فيه ماء أصفر .

٩٤
سنة ١١٦
فعلى الجود والجُنيدِ السّلامُ
هلك الجُودُ والجنيدُ جميعاً
ما تَغَنَّتْ على الغُصونِ الحمامُ(١)
أُصبحا ثاوِيَیْن فى أَرْضِ مَرْوٍ
مِتَّ ماتَ النَّدَى وماتَ الكِرامُ
كنتُمَا نُزْهَةَ الكرامِ فلما
ثم إنّ أبا الجويرية أتى خالد بن عبد الله القسرىّ وامتدحه ، فقال له
خالد : ألست القائل :
* هلك الجود والجُنيد جميعاً.
مالك عندنا شىء ، فخرج فقال :
تظَلّ لامِعَة الآفاقِ تَحْمِلُنَا إِلَى عُمارَةَ والقُودُ السَّرَاهِيدُ
قصيدة امتدح بها ◌ُمارة بن حُريم، ابنَ عمّ الجنيد ؛ وُمارة هو جدّ
أبى الهَيْدام صاحب العصبيّة بالشأم.
قال: وقدم عاصم بن عبدالله فحبس عمارة بن حُرّيم وعمال الجنيد وعذّبهم.
[ذكر خلع الحارث بن سریج]
وفى هذه السنة خُلع الحارث بن سُرَيَج ، وكانت الحرب بينه وبين
عاصم بن عبد الله .
١٥٦٦/٢
* ذكر الخبر عن ذلك :
ذكر علىّ عن أشياخه، قال: لما قدم عاصم خراسان واليًا ، أقبل الحارث
ابن سُرَيَج من النّخُذ حتى وصل إلى الفارياب، وقدم أمامه بشر بن جُرْمُوز.
قال : فوجّه عاصم الخطَّبَ بن محرز السُّلمىّ ومنصورَ بن عمر بن أبى الحَرْ فاء
السُّلمىّ وهلال بن عُليم التميمىّ والأشهبَ الحنظلىّ وجرير بن هميان
السدوسىّ ومقاتل بن حيّان النبَطَىّ مولى مصقلة إلى الحارث؛ وكان خطّاب
ومقاتل بن حيّان قالا : لا تلقوْه إلا بأمان ، فأبى عليهما القوم ؛ فلما انتهوا
إليه بالفارياب قيّدهم وحبسهم ، ووكّل بهم رجلا يحفظهم . قال : فأوثقوه
وخرجوا من السّجن ، فركبوا دوابهم، وساقوا دوابّ البريد، فمرُّوا بالطالَقان
(١) ح، ف: ((ما تغنى)).

٩٥
سنة ١١٦
فهمّ سهْرَب صاحب الطالقان بهم، ثم أمسك وتركهم. فلما قدموا مَرْو
أمرهم عاصم فخطبوا وتناولوا الحارث ، وذكروا خبث سيرته وغدره . ثم مضى
الحارث إلى بَكْخ وعليها نصر، فقاتلوه؛ فهزم أهل بلْخ ومضى نصر إلى مرْو.
١٥٦٧/٢
وذكر بعضهم: لما أقبل الحارث إلى بلخ وكان عليها التَّجيبىّ بن ضُبَيعة المرّىّ
ونصر بن سيار ، وولاهما الجنيد . قال : فانتهى إلى قنطرة عطاء وهى
على نهر بلْخ على فرسخين من المدينة، فتلقّى نصر بن سيار فى عشرة آلاف
والحارث بن سُريج فى أربعة آلاف ، فدعاهم الحارث إلى الكتاب والسنّة
والبيعة للرضا ؛ فقال قطن بن عبد الرحمن بن جُزىّ الباهلىّ: يا حارث ؛
أنت تدعو إلى كتاب اللّه والسنّة؛ والله لو أنّ جبريل عن يمينك وميكائيل
عن يسارك ما أجبتُك ؛ فقاتلهم فأصابته رمية فى عينه ؛ فكان أوّلَ قتيل .
فانهزم أهلُ بلغ إلى المدينة ، وأتبعهم الحارث حتى دخلتها ؛ وخرج نصر
من باب آخر ، فأمر الحارثَ بالكفّ عنهم ، فقال رجل من أصحاب
الحارث : إنى لأمشى فى بعض طرق بلْخ إذ مررت بنساء يبكين وامرأة
تقول : يا أبتاه! ليت شعرى من دهاك! وأعرابىّ إلى جَنْبِى يسير ؛ فقال :
مَنْ هذه الباكية ؟ فقيل له : ابنة قَطَن بن عبد الرحمن بن جزىّ، فقال
الأعرابيّ: أنا وأبيك دهيْتُك ، فقلت : أنت قتلته ؟ قال : نعم .
قال: ويقال: قدم نصر والتُّجيىّ على بلْخ، فحبسه نصر، فلم يزل محبوساً
حتى هزم الحارث نصراً؛ وكان التُّجيبى ضرب الحارث أربعين سوطًا فى إمْرة
الجنيد، فحوّله الحارث إلى قلعة باذكر بزَمّ، فجاء رجل من بني حنيفة
فادّعى عليه أنه قتل أخاه أيام كان على هَراة ، فدفعه الحارث إلى الحنفىّ،
فقال له التُّجيبىّ: أفتدى منك بمائة ألف ، فلم يقبل منه وقتله . وقوم
يقولون : قُتِلِ التُّجيبىّ فى ولاية نصر قبل أن يأتيه الحارث.
١٥٦٨/٢
قال : ولما غلب الحارث على بلْخ استعمل عليها رجلاً من ولد عبد الله
ابن خازم، وسار ، فلما كان بالجُوزجان دعا وابصة بن زرارة العبدىّ ،
ودعا دجاجة ووحشاً العجليَّيْن وبشر بن جُرموز وأبا فاطمة، فقال :
٠

٩٦
سنة ١١٦
ما ترون ؟ فقال أبو فاطمة : مَرْو بَيْضة خراسان؛ وفرسانهم كثير؛ لو لم
يلقوْك إلاّ بعبيدهم لانتصفوا منك، فأقم فإنْ أتوْك قاتلتهم وإن أقاموا
قطعت المادة عنهم ، قال : لا أرى ذلك ، ولكن (١) أسير إليهم . فأقبل
الحارث إلى مَرْو، وقد غلب على بلْخ والجُوزجان والفارياب والطالتَقان ومرْو
الرّوذ ، فقال أهل الدين (٢) من أهل مَرْو: إن مضى إلى أبرشهر ولم يأتنا
فَرّق جماعتنا، وإن أتانا نكب (٣).
١٥٦٩/٢
قال : وبلغ عاصًا أن أهل مسَرْو يكاتبون الحارث، قال: فأجمع على
الخروج وقال : يا أهل خراسان، قد بايعتم الحارث بن سُريج (٤)، لا يقصد
مدينة إلاخلّيتموها له، إنى لاحق بأرض قومى أبرشهر، وكاتبٌ منها إلى أمير
المؤمنين حتى يمدّنى بعشرة آلاف من أهل الشأم. فقال له المجشّر بن مزاحم:
إن أعطوْك بيعتَهم بالطلاق والعتاق فأقٍ، وإن أبوا فسرحتى تنزل أبرشهر،
وتكتب إلى أمير المؤمنين فيمدّك بأهل الشام . فقال خالد بن هريم أحد بنى
ثعلبة بن يربوع وأبو محارب هلال بن عُلَيْم: والله لا نخلِّيك والذهاب، فيلزمنا
دَيْنك عند أمير المؤمنين ، ونحن معك حتى نموت إن بذلت الأموال .
قال: أفعل، قال يزيد بن قرّان الرّياحىّ: إن لم أقاتل معك ما قاتلتَ فابنةُ
الأبرد بن قُرّة الرياحىّ طالق ثلاثاً - وكانت عنده - فقال عاصم: أكلكم
على هذا؟ قالوا: نعم. وكان سلمة بن أبى عبد الله صاحب حرسه يحلّفهم
بالطلاق .
قال: وأقبل الحارث بن سُريج إلى مَرْو فى جمع كثير - يقال فى
ستين ألفًاً- ومعه فرسان الأزْد وتميم؛ منهم محمد بن المثنّى وحمّاد بن عامر
ابن مالك الحِمانىّ وداود الأعسر وبشْربن أنَيف الرياحىّ وعطاء الدَّبُوسىّ.
ومن الدهاقين الجوزجان وترسل دهقان الفارياب (٥) وسهرب (٦) ملك الطَّالقان،
وقرياقس دهقان مَرْو ، فى أشباههم .
قال: وخرج عاصم فى أهل مسَرْو وفى غيرهم؛ فعسكر بجياسر عند البيعة ،
(١) ح: ((ولكنى)).
(٢) ابن الأثير: ((أهل الرأى)).
(٤) ط: ((شريح)) والصواب ما أثبته من التصويبات.
(٣) ب: ((نكث)).
(٥) ط: ((لفارياب)).
(٦) ط: ((سهرك))، وانظر ص ٩٥ س ١.

٩٧
سنة ١١٦
١٥٧٠/٢
وأعطى الجند ديناراً ديناراً ، فخفّ عنه الناس ، فأعطاهم ثلاثة دنانير
ثلاثة دنانير ، وأعطى الجند وغيرهم ؛ فلما قرب بعضهم من بعض أمر بالقناطر
فكسرت ، وجاء أصحاب الحارث فقالوا: تحصروننا فى البرّيّة! دعونا نقطع
إليكم فنناظركم فيما خرجنا له ، فأبَوْا وذهب رجّالتهم يُصلِحون القناطر،
فأتاهم رجّالة أهل مَرْو فقاتلوهم؛ فمال محمد بن المثنّ الفراهيذىّ برايته إلى
عاصم فأمالها فى ألفين فأتى الأزْد ؛ ومال حماد بن عامر بن مالك الحمّانىّ
إلى عاصم ، وأتى بني تميم .
قال سلمة الأزدىّ : كان الحارث بعث إلى عاصم رسلاً - منهم محمد
ابن مسلم العنبرىّ - يسألونه العملَ بكتاب الله وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم.
قال : والحارث بن سريج يومئذ على السواد . قال : فلمّا مال محمد بن المثنى
بدأ أصحاب الحارث بالحملة ، والتقى الناس ؛ فكان أوّل قتيل غياث بن
كلثوم من أهل الجارود ، فانهزم أصحاب الحارث ، فغرق بشر كثير من
أصحاب الحارث فى أنهار مَرْو والنهر الأعظم ، ومضت الدّهاقين إلى بلادهم؛
فضُرِب يومئذ خالد بن علباء(١) بن حبيب بن الجارود على وجهه ، وأرسل
عاصم بن عبد الله المؤمنَ بن خالد الحنفىّ وعلباء بن أحمر اليشكرى ويحيى بن
عقيل الخُزاعىّ ومقاتل بن حيّان النّبَطَى إلى الحارث يسأله ما يريد؟ فبعث
الحارث محمدَ بن مسلم العنبرىّ وحدَه، فقال لهم: إنّ الحارث وإخوانكم
يقرءونكم السلام ، ويقولون لكم : قد عطشنا وعطشت دوابنا ، فدعونا ننزل
الليلة، وتختلف الرّسل فيما بيننا ونتناظر ؛ فإن وافقناكم على الذى تريدون
وإلاّ كنتم مِنْ وراء أمركم ؛ فأبوا عليه وقالوا مقالا غليظًا؛ فقال مقاتل
ابن حيّان النبطىّ: يا أهل خراسان؛ إنا كنا بمنزلة بيت واحد وثغرنا واحد ؛
ويدنا على عدوّنا واحدة ؛ وقد أنكرنا ما صنع صاحبكم ؛ وجّه إليه أميرنا بالفقهاء
والقرّاء من أصحابه، فوجّه رجلاً واحدًا. قال محمد: إنما أتيتُكُم مبلِّغًا ،
نطلب كتاب الله وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم ، وسيأتيكم الذى تطلبون من
غد إن شاء الله تعالى .
١٥٧١/٢
(١) ف: ((غلباء)).

٩٨
سنة ١١٦
وانصرف محمّد بن مسلم إلى الحارث ، فلما انتصف الليل سار الحارث
فبلغ عاصًاً ، فلما أصبح سار إليه فالتقوا ، وعلى ميمنة الحارث رابض بن
عبدالله بن زرارة التغلَيّ، فاقتتلوا قتالا شديدًا، فحمل يحيى بن حُضَين .-
١٥٧٢/٢ وهو رأس بكر بن وائل، وعلى بكر بن وائل زياد بن الحارث بن سريج -
فقتلوا قتلاً ذريعًا ، فقطع الحارث وادى مَرْو ؛ فضرب رواقاً عند منازل
الرّهبان ، وكفّ عنه عاصم . قال : وكانت القتلى مائة ، وقتل سعيد بن
سعد بن جزء الأزدىّ ، وغرق خازم بن موسى بن عبد الله بن خازم - وكان
مع الحارث بن سُريج - واجتمع إلى الحارث زُهاء ثلاثة آلاف ، فقال
القاسم بن مسلم : لما هُزِمِ الحارث كفّ عنه عاصم ، ولو ألحّ عليه لأهلكه .
وأرسل إلى الحارث : إنى رادّ عليك ما ضمنت لك ولأصحابك ؛ على أن
ترتحل ؛ ففعل .
قال : وكان خالد بن عبيد الله بن حبيب أتى الحارث ليلة هزم ، وكان
أصحابه أجمعوا على مفارقة الحارث ، وقالوا : ألم تزعم أنه لا يردّ لك راية!
فأتاهم فسكنهم .
وكان عطاء الدّبوسىّ من الفُرسان، فقال لغلامه يوم زَرْق: أسرِج لى
بِردَوْنى لعلَّى ألاعب هذه الحمارة ، فركب ودعا إلى البراز، فبرز له رجل من
أهل الطالقان ، فقال بلغته : إى كيرِخَر .
قال أبو جعفر الطبرىّ رحمه اللّه : وحجّ بالناس فى هذه السنة الوليد بن
يزيد بن عبد الملك ، وهو ولىّ العهد ؛ كذلك حدثنى أحمد بن ثابت، عمَّن
ذكره، عن إسحاق بن عيسى، عن أبى معشر. وكذلك قال الواقدىّ وغيره .
١٥٧٣/٢
وكانت عمال الأمصار فى هذه السَّنة عمالها فى التى قبلها إلاّ ما كان
من خُراسان فإن عاملها فى هذه السنة عاصم بن عبد الله الهلالى" .

٩٩
ثم دخلت سنة سبع عشرة ومائة
ذكر الخبر عمّاً كان فيها من الأحداث
فممّا كان فيها غزوة معاوية بن هشام الصّائفة اليسرى وغزوة سليمان بن
هشام بن عبد الملك الصّائفة اليمنى من نحو الجزيرة ، وفرّق سراياه فى
أرض الروم .
وفيها بَعَث مروان بن محمد - وهو على أرمينية - بعثيْن، فافتتح أحدهما
حصونًا ثلاثة من اللّآن ونزل الآخر على تُومانشاه ، فنزل أهلها على الصلح .
وفيها عزل هشام بن عبد الملك عاصمَ بن عبد الله عن خراسان، وضمها
إلى خالد بن عبد الله، فولا ها خالد أخاه أسد بن عبد الله .
وقال المدائنِىّ : كان عزل هشام عاصًا عَن خراسان وضمّ خراسان إلى
خالد بن عبد الله فى سنة ستّ عشرة ومائة .
ذكر الخبر عن سبب عزل
هشام عاصماً وتوليته خالدًا خراسان
وكان سبب ذلك - فيما ذكر علىّ عن أشياخه - أنّ عاصم بن عبد الله
كتب إلى هشام بن عبد الملك : أمّا بعد يا أمير المؤمنين، فإنّ الرائد لا يكذب
أهله ؛ وقد كان من أمر أمير المؤمنين إلىّ ما يحقّ به علىّ نصيحته؛ وإنّ
خراسان لا تصلح إلّ أن تضمّ إلى صاحب العراق ؛ فتكون موادُّها ومنافعها
ومعونتها (١) فى الأحداث والنوائب (٢) من قريب ؛ لتباعد أمير المؤمنين عنها
وتباطؤ غياثه عنها .
٢/ ١٥٧٤
فلما مضى كتابه خرج إلى أصحابه يحيى بن حُضَين والمجشّر بن مزاحم
وأصحابهم، فأخبرهم، فقال له المجشّر بعد ما مضى الكتاب : كأنّك بأسد قد
طلع عليك . فقدم أسد بن عبد اللّه ؛ بعث به هشام بعد كتاب عاصم بشهر،
فبعث الكُميت بن زيد الأسدىّ إلى أهل مَرْو بهذا الشعر :
(١) ح: ((وبعوثا)).
(٢) ب: ((المصائب)).

١٠٠
سنة ١١٧
على ما كَانَ مِنْ نأَّى وَبُعْدِ(١)
ويَأْمُرُ فى الذى رَكِبُوا بِجَدِّ
إِلَيْهِ بِأَنَّ مَنْ قِبَلَى بِجُهْدِ
مِنَ المِصْرَينِ بالفُرْسانِ تُرْدِى
يَغْرُرْكُمُ أَسْدُ بِعَهْدِ
ولا
وإِنْ أَقررْتُمُ ضَيْماً لِوَغْدِ
على أَهلِ الضلالَةِ والتَّعَدِّى
رَاكُمْ خالِدٌ بِشِيهِ قِرْدٍ
وَشِيعَتَهُ وَلَمْ يُوفِ بِعَهْدِ
بِقَتْلِ أَبى سلَامَانَ بْنِ سَعْدٍ
تَوَابِعَ لا أصُولَ لَهَا بِنَجْدٍ
أَنَاكَ الدُّهْمُ مِنْ سَبْطٍ وَجَعْدٍ
ولا فازَتْ عَلَى يَوْمٍ بمَجْدٍ
قال : ورَزِين الذى ◌ُذُكِرٍ كان خرج على خالد بن عبد الله بالكوفة ،
فأعطاه الأمان ثم لم يفِ به .
١٥٧٥/٢
أَلا أَبْلِغْ جماعَةً أَهْلِ مَرْو
رِسالةَ ناصِحٍ بُهْدِى سلاماً
وَأَبْلِغْ حارثاً عَنَّا اعْتِذارًا
وَلَوْلا ذاك قَدْ زارَتْكِ خَيْلٌ
فلا تهُوا ولا ترْضَوْا بِخَسْفٍ
وَكونوا كالبَغايا إِنْ خُدِعْتَمْ
الراياتِ سُودًا
وَإِلاَّ فارْفَعُوا
فَكَيْف وَأَنتُمُ سَبْعُونَ أَلْفاً
وَمَنْ وَلّى بِذِمَّتِهِ رَزِيناً
ومَنْ غَشَّى قُضَاعَةَ ذَوْبَ خِزْيٍ
فَمَهلا يا قُضَاعَ فلا تكونِى
وكُنْتَ إِذا دَعَوْتَ بَنِى نِزارٍ
فجُدّعَ مِنْ قُضاعَةً كلُّ أَنفِ
وقال فيه نصر بن سيّار حين أقبل الحارث إلى مَرْو وسوّد راياته - وكان
الحارث يرى رأى المرجئة :
ما خَيْرُ دُنيَا وأَهْلٍ لا يَدُومُونا!
دَعْ عَنكَ دُنيا وَأَهْلاً أَنْتَ تَارِكُهِمْ
فاطلُبْ مِنَ اللهِ أَهلا لا يَمُوتونا
إِلا بَقيَّةً أَيامٍ إِلى أَجَلٍ
إِنَّ النُّقَى خَيْرُهُ ما كان مكْنُونا
أَكثِر تقَى اللهِ فى الإِسْرَارِ مُجْتَهِدًا
فكن لذاكَ كَثِيرَ الهَمّ مَحْزُونا
واعْلَم بأَنَّكَ بالأَعمالِ مُرْتَهَنٌ
مَنْ كان فى هذه الأَيّامِ مَغْبُونا
إِى أَرَى الغَبَنَ المُردِى بصاحِبِهِ
(١) ط: ((من ناء))، وأثبت ما فى التصويبات.
: