النص المفهرس
صفحات 561-580
٥٦١ سنة ١٠٠ ١٣٥٦/٢ ذكر الخبر عن سبب تولية عمر بن عبد العزيز عبد الرحمن بن نعيم وعبد الرحمن بن عبد الله القشيرىّ خُراسان وكان سبب ذلك - فيما ذُكِرِ لى - أنّ الجرّاح بن عبد اللّه لما شُكِىّ، واستقدمه عمر بن عبد العزيز، فقدم عليه عزّله عن خراسان لما قد ذكرت قبل. ثم إنّ عمر لما أراد استعمال عامل على خراسان، قال - فيما ذكر على ابن محمد عن خارجة بن مصعب الضبعىّ وعبد الله بن المبارك وغيرهما: ابغونى رجلا صدوقًا أسأله عن خُراسان ، فقيل له : أبو مجْلز لاحق بن حميد ، فكتب فيه ، فقدم عليه - وكان رجلا لا تأخذه العين - فدخل أبو مجْلز على عمر فى جَفّة(١) الناس، فلم يُشْبتْه(٢) عمرُ، وخرج مع الناس فسأل عنه فقيل : دخل مع الناس ثم خرج ، فدعا به عمر فقال: يا أبا مِجْلز، لم أعرفك، قال : فهلا أنكرتَنى إذ لم تعرفنى ! قال: أخبرْنى عن عبد الرحمن بن عبد اللّه، قال: يكافئ الأكفاء، ويعادى الأعداء، وهو أمير يفعل ما يشاء ، ويقدم إن وجد من يساعده . قال: عبد الرحمن بن نعيم ، قال : ضعيف ليّن يحبّ العافية ، وتأتى له ، قال: الذى يحبّ العافية وتأتى له أحب إلىّ، فولاه الصّلاة والحرب، وولّى عبد الرحمن القشيرىّ، ثم أحد بنى الأعور بن قشير الخراج، وكتب إلى أهل خراسان : إنى استعملتُ عبد الرحمن على حربكم وعبد الرحمن بن عبد اللّه على خراجكم عن غير معرفة منى بهما ولا اختيار ، إلا ما أخبرتُ عنهما ؛ فإن كانا على ما تحبّون فاحمدوا الله، وإن كانا على غير ذلك فاستعينوا بالله، ١٢٥٧/٢ ولا حول ولا قوة إلا بالله . قال علىّ: وحدّثنا أبو السرىّ الأزدىّ، عن إبراهيم الصائغ، أن عمر ابن عبد العزيز كتب إلى عبد الرحمن بن نعيم : أما بعدُ، فكن عبداً ناصحًا لله فى عباده، ولا يأخذك فى الله لومة لائم ؛ فإنّ اللّه أوْلى بك من الناس، وحقّه عليك أعظم ، فلا تولّن شيئًا من أمر المسلمين إلا المعروف بالنصيحة لهم والتوفير عليهم، وأداء الأمانة فيما استرعِىَ، (١) جفة الناس : جماعتهم . (٢) لم يثبته : لم يعرفه حق المعرفة . ٥٦٢ سنة ١٠٠ وإياك أن يكون ميلك ميلاً إلى غير الحقّ، فإنّ اللّه لا تَخَفى عليه خافية، ولا تذهبنّ عن اللّه مذهبًا؛ فإنه لا ملجأ من اللّه إلا إليه . قال علىّ ، عن محمد الباهلىّ وأبى نهيك بن زياد وغيرهما : إن عمر بن عبد العزيز بعث بعهد عبد الرحمن بن نُعَيم على حرب خراسان وسجستان مع عبد الله بن صخر القرشىّ، فلم يزل عبد الرحمن بن نعيم على خراسان حتى مات عمر بن عبد العزيز، وبعد ذلك حتى قُتل يزيد بن المهلّب ، ووجّه مسلمة سعيدَ بن عبد العزيز بن الحارث بن الحكم، فكانت ولايته أكثر من سنة ونصف، وليتها فى شهر رمضان من سنة مائة، وعزل سنة اثنتين ومائة ، بعد ما قتل يزيد بن المهلب . قال علىّ: كانت ولاية عبد الرحمن بن نعيم خراسان ستّة عشر شهراً . * * * ٢/ ١٣٥٨ أوّل الدعوة قال أبو جعفر: وفى هذه السنة - أعنى سنة مائة - وجّه محمد بن علىّ بن عبد الله بن عباس من أرض الشراة مَيْسرة إلى العراق، ووجّه محمد بن خُنَيْس وأبا عكرمة السراج - وهو أبو محمد الصادق - وحيّان العطار خال إبراهيم ابن سلمة إلى خراسان، وعليها يومئذ الجراح بن عبد الله الحكمىّ من قِبَل عمر بن عبد العزيز، وأمرهم بالدّعاء إليه وإلى أهل بيته ، فلقوا مَن لقوا ، ثم انصرفوا بكُتُبٍ مَن استجاب لهم إلى محمد بن علىّ ، فدفعوها إلى ميسرة ، فبعث بها مَيْسرة إلى محمد بن على، واختار أبو محمد الصادق لمحمد بن علىّ اثنى عشر رجلا، نُقباء(١)، منهم سليمان ابن كثير الخزاعىّ، ولاهز بن قريظ التميمىّ، وقحطبة بن شبيب الطائىّ، وموسى بن كعب التميمىّ ، وخالد بن إبراهيم أبو داود، من بنى عمرو بن شيبان بن ذُهْل، والقاسم بن مجاشع التميمىّ وعمران بن إسماعيل أبو النجم، مؤلّى لآل أبي معيط ومالك بن الهيثم الخزاعىّ وطلحة ابن رُزَيْق الخزاعى وعمرو بن أعين أبو حمزة مولى لخزاعة. وشِبْل بن طهمان أبو علىّ الهروىّ؛ مولّى لبني حنيفة ، وعيسى بن أعين مولى خزاعة؛ واختار. سبعين رجلا، فكتب إليهم محمد بن علىّ كتابًا ليكون لهم مثالا وسيرة يسيرون بها . (١) س: ((نقيباً)). سنة ١٠٠ ٥٦٣ * وحج بالناس فى هذه السنة أبو بكر بن محمد بن عمرو بن حزم ، حدّثی ١٣٥٩/٢ بذلك أحمد بن ثابت عمّن ذكره ، عن إسحاق بن عيسى عن أبى معشر . وكذلك قال الواقدىّ . وكان عمّال الأمصار فى هذه السنة العمال فى السنة التى قبلها، وقد ذكرناهم قبلُ ما خلا عامل خراسان؛ فإنّ عاملها كان فى آخرها عبد الرحمن بن نُعيم على الصّلاة والحرب ، وعبد الرحمن بن عبد الله على الخراج . ثم دخلت سنة إحدى ومائة ذكر الخبر عما كان فيها من الأحداث [ خبر هرب يزيد المهلب من سجنه ] فمن ذلك ما كان من هرب يزيد بن المهلب من حبس عمر بن عبد العزيز. * ذكر الخبر عن سبب هربه منه وكيف كان هربه منه : ذكر هشام بن محمد ، عن أبى مختّف ، أن عمر بن عبد العزيز لما كُلّم فى يزيد بن المهلب حين أراد نفيه إلى دَهْلك ، وقيل له : إنا نخشى أن ينتزعه قومه، ردّه إلى محبسه. فلم يزل فى محبسه ذلك حتى بلغه مرض عمر ، فأخذ يعمل بعد فى الهرب من محبسه مخافة يزيد بن عبد الملك ؛ لأنه كان قد عذّب أصهاره آل أبى عُقَيْل - كانت أمّ الحجاج بنت محمد بن يوسف أخِى الحجاج بن يوسف عند يزيد بن عبد الملك ، فولدت له الوليد بن يزيد المقتول - فكان يزيد بن عبد الملك قد عاهد الله لبن أمكنه الله من يزيد بن ٢/ ١٣٦٠ المهلب ليقطعنّ منه طابقًا فكان يخشى ذلك، فبعث يزيد بن المهلب إلى مواليه ، فأعدّوا له إبلا ؛ وكان مرض عمر فى دَيْر سَمْعان، فلما اشتدّ مرض عمر أمر بإبله، فأتى بها، فلما تبين له أنه قد ثقُل نزل من محبسه، فخرج حتى مضى إلى المكان الذى واعدهم فيه ؛ فلم يجدهم جاءوا، فجَزّع أصحابه وضجروا، فقال لأصحابه: أتروْننى أرجع إلى السجن ! لا والله لا أرجع إليه أبداً . ثم إن الإبل جاءت، فاحتمل ، فخرج ومعه عاتكة امرأته ابنة الفرات ابن معاوية العامرية من بنى البكتّاء فى شقّ المحمل، فمضى. فلما جاز كتب إلى عمر بن عبد العزيز : إنى والله لو علمتُ أنك تبقى ما خرجتُ من محبسى ؛ ولكنى لم آمن يزيد بن عبد الملك. فقال مُمر: اللهمّ إن كان يزيد يريد بهذه الأمة شرًّا فاكفهم شرّه، واردد كيده فى نحره . ومضى يزيد بن المهلب حتى مرّ بحدث الزّقاق، وفيه الهذيل بن زُفر معه قيس ، ٥٦٤ ٥٦٥ سنة١٠١ فأتبعوا يزيد بن المهلب حيث مرّ بهم ، فأصابوا طَرَفَاً من ثَقَلَه وغِلْمة من وصفائه ، فأرسل الهذيل بن زُفَر فى آثارهم ، فردَّهم فقال : ما تطلبون ؟ أخبرونى، أتطلبون يزيد بن المهلّب أو أحداً من قومه بتَبْل؟ فقالوا: لا، ١٣٦١/٢ قال : فما تريدون ؟ إنما هو رجل كان فى إسارٍ ، فخاف على نفسه فهرب . وزعم الواقديّ أن يزيد بن المهلب إنما هرب من سجن عمر بعد موت عمر . # [خبر وفاة عمر بن عبد العزيز ] وفى هذه السنة توفّىَ عمر بن عبد العزيز ، فحد ◌ّثنى أحمد بن ثابت ، عمّن ذكره ، عن إسحاق بن عيسى ، عن أبى معشر، قال : توفى عمر بن عبد العزيز لخمس ليال بقين من رجب سنة إحدى ومائة . وكذلك قال محمد بن عمر ، حدثنى الحارث ، قال : حدّثنا ابن سعد ، قال : أخبرنا محمد بن عمر ، قال : حدّثنى عمرو بن عثمان ، قال : مات عمر بن عبد العزيز لعشر ليال بقين من رجب سنة إحدى ومائة . وقال هشام عن أبى مخنف : مات عمر بن عبد العزيز يوم الجمعة لخمس بقين من رجب بدير سَسْعان فى سنة إحدى ومائة، وهو ابن تسع وثلاثين سنة وأشهر ، وكانت خلافته سنتين وخمسة أشهر. ومات بدير سَمْعان . حدثنى الحارث، قال : حدّثنا محمد بن سعد، قال : أخبرنا محمد بن عمر، قال: حدّثنى عمّى الهيثم بن واقد، قال: وُلدتُ سنة سبع وتسعين ، واستخلف عمر بن عبد العزيز بدابق يوم الجمعة لعشربقين من صفر سنة تسع وتسعين ، فأصابنى من قسمه ثلاثة دنانير ، وتوفى بخُناصرة يوم الأربعاء لخمس ليال ٢/ ١٢٦٢ بقين من رجب سنة إحدى ومائة ، وكان شَكْوُه عشرين يوماً ، وكانت خلافته سنتين وخمسة أشهر وأربعة أيام ، ومات وهو ابن تسع وثلاثين سنة وأشهر، ودفن بدير ◌َمْعان . وقد قال بعضهم: كان له يوم توفّ تسع وثلاثون سنة، وخمسة أشهر . ٥٦٦ سنة ١٠١ وقال بعضهم : كان له أربعون سنة . وقال هشام : توفى عمر وهو ابن أربعين سنة وأشهر ، و كان يكنى أبا حفص وله يقول عُويف القوافى . وقد حضره فى جنازة شهدها معه : على حَوْضِهِ مُسْتَبْشِرًا ورَآَا(١) أَجِبْنِى أَبا حفصٍ لَقِيتَ محمَّدًا شمالكَ خيرٌ مِنْ يَمِينِ سِوَاكًا فأَنت امْرُؤُ كِلتَا يديك مُفِيدَةٌ وأمّه أمّ عاصم بنت عاصم بن عمر بن الخطاب، وكان يقال له : أشجّ بنى أمية، وذلك أن دابة من دوابٌ أبيه كانت شجّته فقيل له: أشجّ بنى أمية . حدّثنى الحارث ، قال : حدثنا ابن سعد ، قال: أخبرنا سليمان بن حرب ، قال : حدّثنا المبارك بن فضالة، عن عبيد الله بن عمر، عن نافع ، قال: كنتُ أسمع ابن عمر كثيراً يقول: ليت شعرى مَنْ هذا الذى مِنْ ولد عمر، فى وجهه علامة ، يملأ الأرض عدلا ! وحُدّثت عن منصور بن أبى مزاحم ، قال : حدّثنا مروان بن شجاع . عن سالم الأفطس ، أن عمر بن عبد العزيز رمحته (٢) دابة وهو غلام بدمشق ، فأتِيتْ به أمه أمّ عاصم بنت عاصم بن عمر بن الخطاب، فضَّمَّتْه إليها ، وجعلت تمسح الدم عن وجهه(٣) . ودخل أبوه عليها على تلك الحال ، فأقبلت عليه تعذُلُه وتلومه، وتقول: ضيَّعت ابنى، ولم تضمّ إليه خادمًا ولا حاضناً (٤) يحفظه من مثل هذا! فقال لها : اسكتى يا أمّ عاصم ، فطوباك إذا كان أشجّ بنى أمية ! ١٣٦٣/٢ # ذكر بعض سیمره ذكر علىّ بن محمد أن كليب بن خلف حد ◌ّثهم عن إدريس بن حنظلة، والمفضل، عن جدّه ، وعلىّ بن مجاهد عن خالد : أن عمر بن عبد العزيز كتب حين ولى الخلافة إلى يزيد بن المهلّب : (١) الأغانى ١٧ : ١١٠. (٣) ب: ((من وجهه)). (٢). س: ((وضحته)). (٤) ب: ((حاضنا ولا خادماً)). سنة ١٠١ ٥٦٧ أما بعد ، فإن سليمان كان عبداً من عبيد اللّه أنعم الله عليه ، ثم قبضه واستخلفنى، ويزيد بن عبد الملك من بعدى إن كان، وإنّ الذى ولّانى الله من ذلك وقدّر لى ليس علىّ بهِّين، ولو كانت رغبتى فى اتخاذ أزواج واعتقاد(١) أموال ، كان فى الذى أعطانى من ذلك ما قد بلغ بى أفضل ما بلغ بأحد من خلقه ، وأنا أخاف فيما ابتليتُ به حساباً شديداً، ومسألة غليظة، إلا ما عافى الله ورحم، وقد بايع مَنْ قِبَلَنَا فبايع مَنْ قِبَلَك. فلما قدم الكتاب على يزيد بن المهلب، ألقاه إلى أبى عبينة ، فلما قرأه قال : لستُ من عمّاله، قال: ولم ؟ قال: ليس هذا كلام مَنْ مضى من أهل بيته ، وليس يريد أن يسلك مسلكهم . فدعا الناس إلى البيعة فبايعوا (٢). قال : ثم كتب عمر إلى يزيد استخلف على خراسان ، وأقبل، فاستخلف ابنه مخلدًا . ١٣٦٤/٢ قال علىّ: وحدثنا علىّ بن مجاهد ، عن عبد الأعلى بن منصور ، عن ميمون بن مهران ، قال : كتب عمر إلى عبد الرحمن بن نعيم أنّ العَمَل والعلم قريبان ، فكن عالمًا بالله عاملاً له ، فإنّ أقوامًا علموا ولم يعملوا ، فكان علمُهم عليهم وبالاً . قال وأخبرنا مصعب بن حيّان ، عن مقاتل بن حيان، قال: كتب عمر إلى عبد الرحمن : أما بعد ، فاعمل عمل رجل يعلم أن اللّه لا يصلح عمل المفسدين . قال علىّ: أخبرنا كليب بن خلف ، عن طفيل بن مرداس ، قال : كتب عمر إلى سليمان بن أبى السرىّ، أن اعمل خانات فى بلادك فمن مرّ بك من المسلمين فاقرُوهم يومًا وليلة، وتعهدوا دوابتهم، فمن كانت به علة فاقْرُوه يومين وليلتين ، فإن كان منقطعًا به فقوّوه بما يصل به إلى بلده . فلما أتاه كتاب عمر قال أهل سمرقند لسليمان : إن قتيبة غَدَرَ بنا ، وظلمنا وأخذ بلادنا، وقد أظهر اللّه العدل والإنصاف، فائذن لنا فليفد(٣) منّا وفد (١) ب وابن الأثير: ((اعتقال)). (٣) ب: (( فليقدم)). (٢) ب: ((فبايعوه)). ٥٦٨ سنة ١٠١ إلى أمير المؤمنين يشكون ظُلامتنا، فإن كان لنا حق أعطيناه ، فإنّ بنا إلى ذلك حاجة . فأذن لهم، فوجتهوا منهم قومًا، فقدموا على عمر ، فكتب لهم عمر إلى سليمان ابن أبى السرىّ: ١٣٦٥/٢ إن أهل سمرقند قد شكوا إلىّ ظلمًا أصابهم ، وتحاملا من قتيبة عليهم حتى أخرجهم من أرضهم ، فإذا أتاك كتابى فأجلس لهم القاضى ، فلينظر فى أمرهم ، فإن قضى لهم فأخرجهم إلى معسكرهم كما كانوا وكنتم قبل أن ظهر عليهم قتيبة . قال: فأجلس لهم سليمان جُمَيْع بن حاضر القاضى الناجىّ، فقضى أن يخرج عرب سمرقند إلى معسكرهم وينابذوهم على سواء ، فيكون صلحًاً جديداً أو ظفرًا عنوةً، فقال أهل السُّغْد: بل نرضى بما كان ، ولا نجدِّد حربًا. وتراضوا بذلك، فقال أهل الرأى: قد خالطنا هؤلاء القوم وأقمنا معهم ، وأمنونا وأمنّاهم، فإن حُكم لنا عدنا إلى الحرب ولا ندرى لمن يكون الظفر ، وإن لم يكن لنا كنا قد اجتلبنا عداوة فى المنازعة . فتركوا الأمر على ما كان، ورضوا ولم ینازعوا . قال: وكتب عمر إلى عبد الرحمن بن نعيم يأمره بإقفال مَنْ وراء النهر من المسلمين بذراريّهم . قال: فأبوا وقالوا: لا يسعنا مَرْو. فكتب إلى عمر بذلك، فكتب إليه عمرُ: اللهمّ إنى قد قضيت الذى علىّ، فلا تغزُ بالمسلمين، فحسْبُهم الذى قد فتح اللّه عليهم . ١٣٦٦/٢ قال: وكتب إلى عقبة بن زرعة الطائىّوكان قد ولّاه الخراج بعد القُشَيْرِىّ: إنّ للسلطان أركاناً لا يثبت إلا بها، فالوالى رُكنّ، والقاضى ركنٌ ، وصاحب بيت المال ركنٌ، والركن الرابع أنا، وليس من ثغور المسلمين ثغر أهمّ إلىّ، ولا أعظم عندى من ثغر خُراسان، فاستوعِب الخراج وأحرِزْه فى غير ظلم ، فإن يك كتفافاً لأعطياتهم فسبيل ذلك، وإلا فاكتب إلىّ حتى أحمل إليك الأموال فتوفر لهم أعطياتهم . قال : فقدم عُقْبة فوجد خراجهم يفضُل عن أعطياتهم ، فكتب إلى ء سنة ١٠١ ٥٦٩ عمر فأعلمه ، فكتب إليه عمر : أن اقسم الفضل فى أهل (١) الحاجة. وحدّثنى عبد الله بن أحمد بن شبّوية ، قال : حدّثنى أبى ، قال : حدّثنى سليمان ، قال : سمعت عبد الله يقول عن محمد بن طلحة ، عن داود ابن سليمان الجُعفىّ، قال : كتب عمر بن عبد العزيز (٢): من عبد الله عمر أمير المؤمنين إلى عبد الحميد ، سلام عليك ؛ أما بعد؛ فإنّ أهل الكوفة قد أصابهم بلاء وشدّة وجَوْر فى أحكام الله وسنّة خبيثة استنّها(٣) عليهم عمال السوء، وإن قَوام الدّين العدلُ والإحسان، فلا يكونن شىء أهمَّ إليك من نفسك ؛ فإنه لا قليلَ من الإثم ، ولا تحمل خرابًا على عامر ، ولا عامراً على خراب، انظر الخراب (٤) فخذ منه ما أطاق، وأصلحه حتى يعمر، ولا يؤخذ(٥) من العامر إلا وظيفة الخراج فى رِفْق وتسكين لأهل الأرض ، ولا تأخذنّ فى الخراج إلا وزن سبعة ليس لها آبين ولا أجور الضرابين ، ولا هدّيّة النيروز والمهرجان (٦)، ولا ثمن الصُّحُف، ولا أجور الفيوج(٧) ، ولا أجور البيوت ، ولا دراهم النكاح ، ولا خراجَ على من أسلم من أهل الأرض : فاتّبع فى ذلك أمرٍى ؛ فإنى قد وليتك من ذلك ما ولآنى الله، ولا تعجل دونى بقطع ولا صلب ؛ حتى تراجعتَى فيه ، وانظر من أراد من الذرّية أن يحجّ، فعجل له مائة يحجّ بها، والسلام. ١٣٦٧/٢ حدّثنا عبد الله بن أحمد بن شبّوية ، قال : حدثنى أبى ، قال : حدّثنا سليمان، قال : حدّثنى عبد الله، عن شهاب بن شريعة المجاشعيّ، قال : ألحق عمر بن عبد العزيز ذراريَّ الرّجال الذين فى العطايا (٨) أقرع بينهم ، فمن (١) ب: ((ذوى)). (٢) بعدها فى ب: ((كتاباً)). (٣) ابن الأثير: ((سنها)»، وفى ط ((اسنتها))، تحريف. (٤) ب: ((إلى الخراب)). (٥) ب: ((ولا يؤخذن)). (٦) النيروز: اسم أول يوم فى السنة؛ وهو عند الفرس عند نزول الشمس أول الحمل ، وعند القبط أول توت، معرب ((نوروز))، أى اليوم الجديد. والمهرجان: عيد للفرس عند نزول الشمس أول الميزان . (٧) الفيوج : جمع فيج ؛ وهو رسول السلطان الذى يسعى بالكتب . (٨) س: ((العطاء)). 1 1 i i 1 ٥٧٠ سنة ١٠١ أصابته القُرعة جعله فى المائة، ومَنْ لم تُصِبه القُرعة جعله فى الأربعين ، وقسم فى فقراء أهل البصرة كلّ إنسان ثلاثة دراهم؛ فأعطى الزّمى خمسين خمسين. قال: وأراه رزق الفّطْم(١). حدّثنى عبد اللّه، قال: حدّثنا أبى، قال: حدثنا الفُضيل، عن عبدالله قال: بلغنى أنّ عمر بن عبد العزيز كتب إلى أهل الشأم : ١٣٦٨/٢ سلام عليكم ورحمة الله، أمّا بعد ؛ فإنه من أكثر ذكر الموت قل كلامُهُ ، ومن علم أن الموت حقّ رضى باليسير، والسلام(٢) . قال علىّ بن محمد: وقال أبو مجْلز لعمر : إنك وضعتنا بمنقطع التراب ، فاحمل إلينا الأموال . قال: يا أبا مجلز : قلبتَ الأمر ، قال : يا أمير المؤمنين أهو لنا أم لك ؟ قال : بل هو لكم إذا قَصّر خراجكم عن أعطياتكم ، قال : فلا أنت تحمله إلينا ، ولا نحمله إليك ، وقد وضعت بعضه على بعض . قال : أحمله إليكم إن شاء الله . ومرض من ليلته فمات من مرضه . وكانت ولاية عبد الرحمن بن نعيم خراسان ستة عشر شهراً . قال أبو جعفر : وفى هذه السنة توفى عمارة بن أكيمة الليثى ، ويكنى أبا الوليد، وهو ابن تسع وسبعين . # زيادة فى سيرة عمر بن عبد العزيز ليست من كتاب أبى جعفر إِلى أَول خلافة يزيد بن عبد الملك بن مروان روى عبد الله بن بكر بن حبيب السَّهْمى، قال: حدثنا رجل فى مسجد الجُنابذ، أنّ عمر بن عبد العزيز خطب الناس بخُناصرة، فقال: أيّها الناس ، إنكم لمْ تُخْلَقُوا عَبَثًا، ولن تُتْرَكُوا سُدَّى؛ وإن لكم معاداً ينزل الله فيه للحكم فيكم، والفصل بينكم، وقد خاب وخسر مسَنْ خرج من رحمة الله التى وسعت كلّ شيء، وحُرِم الجنة التى عرضها السمواتُ والأرضُ. ألا واعلموا (١) ب: ((الفطر)). (٢) ب: ((السلام عليكم)). ٥٧١ سنة ١٠١ أنما الأمان غداً لمن حذر الله وخافه، وباع نافداً (١) بباق، وقليلا بكثير، ١٣٦٩/٢ وخوفًا بأمان. ألا تروْن أنكم فى أسلاب الهالكين، وسيخلّفها بعدكم الباقون كذلك حتى تردّ(٢) إلى خير الوارثين! وفى كلّ يوم تشيعون غادياً ورائحًا إلى اللّه قد قضى نحبهُ، وانقضى أجله، فتغيّبونه فى صَدْع من الأرض، ثمّ تتدعونه غير موسَّد ولا ممهّد ، قد فارق الأحبّة، وخلع الأسبابَ ، فسكن التراب وواجه الحساب ، فهو مرتهَن بعمله ، فقير إلى ما قدّم ، غنىّ عمّا ترك . فاتقوا الله قبل نزول الموت وانقضاء مواقعه. وايم الله إنى لأقولُ لكم هذه المقالة، وما أعلم عند أحد منكم من الذنوب أكثر مما عندى ؛ فأستغفر الله وأتوب إليه . وما منكم من أحد تبلغنا عنه حاجة إلا أحببت أن أسدّ من حاجته ما قدرتُ عليه ، وما منكم أحد يسعه ماعندنا إلا وددتُ أنه سَدَاى (٣) ولحمتى ، حتى يكون عيشنا وعيشه سواء. وايم الله أن لو أردت غير هذا من الغَضارة والعيش؛ لكان اللسان منى به ذلولا عالمًاً بأسبابه ، ولكنه مضى من اللّه كتاب ناطق وسنّة عادلة ، يدلّ فيها على طاعته ، وينهى عن معصيته . ثم رفع طرف ردائِه فبكى حتى شهِق وأبكى النَّاس حوله ، ثم نزل فكانت إياها لم يخطب بعدها حتى مات رحمه الله (٤). روى خلف بن تميم ، قال: حدثنا عبد الله بن محمد بن سعد، قال: ١٣٧٠/٢ بلغنى أنّ عمر بن عبد العزيز مات ابنٌ له، فكتب عامل له يعزّيه عن ابنه، فقال لكاتبه : أجبه عنى ، قال : فأخذ الكاتب يبرِى القلم ، قال : فقال للكاتب: أدِقّ القلم، فإنه أبقى للقرطاس ، وأوجز للحروف ، واكتب : بسم الله الرحمن الرحيم . أما بعد، فإنّ هذا الأمر أمرٌ قد كنا وطّنّا أنفسنا عليه ، فلمّا نزل لم ننكره(٥)، والسلام . روى منصور بن مزاحم ، قال : حدثنا شعيب - يعنى ابن صفوان - عن ابن عبد الحميد ، قال: قال عمر بن عبد العزيز : مَنْ وصل أخاه بنصيحة له فى دينه ، ونظر له فى صلاح دنياه، فقد أحسن صلته، وأدّى واجب (١) البيان والتبيين: ((((فائتا)). (٢) البيان: ((تردوا)). (٣) ط: ((سأوانى)). البيان: ((إن يده مع يدى، ولحمى الذين يلونى)). (٤) البيان والتبيين ٢ : ١٢١ . (٥) ط: ((نذكره)). : ٥٧٢ سنة ١٠١ حقّه؛ فاتقوا اللّه، فإنها نصيحة لكم فى دينكم ، فاقبلوها ، وموعظة منجية فى العواقب فالزموها . الرزق مقسوم فلن يغدر المؤمن ما قسم له ، فأجملوا فى الطلب، فإنّ فى القنوع سَعَة وبُلْغة وكفافًا ، إن أجل الدنيا فى أعناقكم ، وجهم أمامكم، وما ترون ذاهب ، وما مضى فكأن لم يكن ، وكلُّ أمواتٌ عن قريب، وقد رأيتم حالات الميت وهو يسوق ؛ وبعد فراغه وقد ذاق الموت ، والقوم حوله يقولون: قد فرغ رحمه اللّه! وعاينتم تعجيلَ إخراجه، وقسمة تُرائه ووجهه مفقود ، وذكره منسىّ، وبابه مهجور ، وكأن لم يخالط إخوان الحفاظ ، ولم يعمر الديار، فاتّقوا هول يوم لا تُحْقر فيه مثقال ذرّة فى الموازين. روى سهل بن محمود ؛ قال : حدثنا حرملة بن عبد العزيز ، قال : حدّثنى أبى ، عن ابن لعمر بن عبد العزيز ، قال : أمرنا عمرُ أن نشترى موضع قبره ، فاشتريناه من الراهب ، قال : فقال بعض الشعراء(١): ١٣٧١/٢ أَقولُ لما نعَى النَّاعُونَ لى عمَرَا لا يَبعَدَنَّ قِوامُ العدْل والدِّين بِدَيْرِ سَمْعَان قسطاسَ الموازِينِ قَدْ غادَرَ القومُ باللحد الذى لحدوا روی عبد الرحمن بن مهدئ، عن سفيان ، قال: قال عمر بن عبدالعزيز : من عمل على غير علم كان ما يفسد أكثر مما يصلح ، ومَنْ لم يعدّ كلامه من عمله كثرت ذنوبه، والرّضا قليل، ومُعتَوَّل المؤمن الصبر ، وما أنعم الله على عبد نعمةٌ ثم انتزعها منه فأعاضه مما انتزع منه الصبر إلا كان ما أعاضه خيراً مما انتزع منه، ثم قرأ هذه الآية: ﴿إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ (٢). وقدم كتابُه على عبد الرحمن بن نعيم : ١٣٧٢/٢ لا تهدموا كنيسة ولا بيعة ولا بيت نار صولحتم عليه، ولا تُحدِ ثنّ كنيسة ولا بيت نار ، ولا تجرّ الشاة إلى مذبحها، ولا تحدّوا الشَّفْرة على رأس الذّبيحة، ولا تجمعوا بين الصلاتين إلا من عُدْر. روى عفّان بن مسلم ، عن عثمان بن عبد الحميد ، قال : حدّثنا أبى ، (١) ابن الأثير: ((فقال كثير عزة)). وهما من ثلاثة أبيات فى الكامل ٢: ٢٧٧ من غير نسبة. (٢) سورة الزمر: ١٠ . سنة ١٠١ ٥٧٣ قال: بلغنا أنّ فاطمة امرأة عمر بن عبد العزيز قالت: اشتدّ علَزُهُ (١) ليلة"، فسهر وسهرنا معه، فلما أصبحنا أمرت وصيفًا له يقال له مرثد ، فقلتُ له : يا مرثد، كنْ عند أمير المؤمنين ، فإن كانت له حاجة كنتَ قريبًا منه . ثم انطلقنا فضربنا برءوسنا لطول سهرنا، فلما انفتح النهار استيقظت فتوجهت إليه، فوجدت مرتِداً خارجًا من البيت نائمًا، فأيقظته فقلت: يا مرثد ، ما أخرجك؟ قال: هو أخرجنى ، قال: يا مرثد ؛ اخرج عى! فوالله إنى لأرى شيئًا ما هو بالإنس ولا جان ، فخرجت فسمعته يتلو هذه الآية: ﴿تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لَا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِى الْأَرْضِ وَلاَ فَسَادًا وَالعَاقِبَةُ لِلْمُثَّقِينَ﴾(٢)، قال: فدخلت عليه فوجدته قد وجّه نفسه، وأغمض عينيه، وإنه لميّت. رحمه الله (٣). (١) فى اللسان: ((العلز: شبه رعدة تأخذ المريض أو الحريص على الشىء، كأنه لا يستقر (٢) سورة القصص : ٨٣ . فى مكانه من الوجع )» . (٣) فى حاشية ب: ((تم الفصل من الزيادة وعاد ترتيب أبى جعفر من ها هنا)). ٥٧٤ سنة ١٠١ خلافة يزيد بن عبد الملك بن مروان وفيها ولى يزيد بن عبد الملك بن مروان ، وكنيته أبو خالد ، وهو ابن تسع وعشرين سنة فى قول هشام بن محمد ؛ ولما ولى الخلافة نزع عن المدينة أبا بكر ابن محمد بن عمرو بن حزم ، وولا ها عبد الرحمن بن الضحّاك بن قيس الفهرىّ، فقدمها - فيما زعم الواقدىّ - يوم الأربعاء لليال بقِينٍ من شهر رمضان فاستقضى عبدُ الرحمن سلمةَ بن عبد الله بن عبد الأسد المخزومىّ . ١٣٧٣/٢ وذكر محمد بن عمر أنّ عبد الجبار بن مُمارة حدّثّه عن أبى بكر بن حَزْم، أنه قال: لما قدم عبدُ الرحمن بن الضحاك المدينةَ وعزلنى ، دخلت عليه، فسلّمتُ فلم يُقبل علىّ، فقلتُ: هذا شىء لاتملكه قريش للأنصار(١)، فرجعت إلى منزلى وخفتُه ـ وكان شابًّا مقدامًا - فإذا هو يبلغى عنه أنه يقول: ما يمنع ابن حزم أن يأتينى إلا الكبر ، وإنى لعالم بخيانته ؛ فجاءنى ماكنت أحذر وما أستيقن من كلامه ، فقلت للذى جاءنى بهذا : قل له : ما الخيانة لى بعادة ، وما أحبّ أهلها ، والأمير يحدّث نفسه بالخلود فى سلطانه ، كم نزل هذه الدار من أمير وخليفة قبل الأمير فخرجوا منها وبقيت آثارهم أحاديث إن خيراً فخيراً وإن شرًّا فشرًّا! فاتّق الله ولا تسمع قول ظالم أو حاسد على نعمة . فلم يزل الأمر يترقى بينهما، حتى خاصم إليه رجل من بنى فيِهْر وآخر من بنى النجّار - وكان أبو بكر قضى للنجارىّ على الفهرىّ فى أرض كانت بينهما نصفين، فدفع أبو بكر الأرضَ إلى النجارىّ- فأرسل الفهرىّ إلى النَّجارىّ وإلى أبى بكر بن حزم ، فأحضرهما ابنُ الضّحاك ، فتظلم الفِهِرىّ من أبى بكر بن حزم ، وقال : أخرج مالِى من يدى ، فدفعه إلى هذا النجارىّ ، فقال أبو بكر : اللهمّ غَفْراً! أما رأيتنى سألتُ أياماً فى أمرك وأمر صاحبك ، فاجتمع لى على إخراجها من يدك، وأرسلتك(٢) إلى من أفتانى بذلك: سعيد بن المسيّب وأبى بكر ابن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام ، فسألتَهما ؟ فقال الفهرىّ : بلى ، ١٣٧٤/٢ (١) كذا فى ب، وفى ط: ((الأنصار)). (٢) ب: ((فأرسلك)). ٠٠ سنة ١٠١ ٥٧٥ وليس يلزمنى قولهما . فانكسر ابن الضحاك فقال: قوموا ، فقاموا ، فقال للفهرىّ: تقرّ له أنك سألت مَنْ أفتاه بهذا، ثم تقول رُدّها علىّ! أنت أرعنُ، اذهب فلاحقّ لك؛ فكان أبو بكر يتّقيه ويخافه، حتى كلم ابنُ حيّان (١) يزيدَ أن يُقيده من أبى بكر؛ فإنه ضربه حدّين ، فقال يزيد : لا أفعل ، رجل اصطنعه أهل بيتى؛ ولكنى أوَلّك المدينة . قال : لا أريد ذلك، لو ضربتُه بسلطانى لم يكن لى قَوَداً . فكتب يزيد إلى عبد الرحمن بن الضحاك كتابًا : أما بعد، فانظر فيما ضرب ابنُ حزم ابنَ حيّان، فإن كان ضربه فى أمر بيّن فلا تلتفت إليه ، وإن كان ضربه فى أمر يختلف فيه فلا تلتفت إليه ، فإن كان ضربه فى أمر غير ذلك فأقِدْه منه . ١٣٧٥/٢ فقدم بالكتاب على عبد الرحمن بن الضحّاك ، فقال عبد الرحمن : ما جئتَ بشىء ، أترى ابن حَزْم ضربك فى أمر لا يختلف فيه ! فقال عثمان لعبد الرحمن : إن أردت أن تحسن أحسنتَ ، قال : الآن أصبتَ المطلب، فأرسل عبد الرحمن إلى ابن حَزْم فضربه حدّين فى مقام واحد، ولم يسأله عن شىء، فرجع أبو المغراء (٢) بن حيّان وهو يقول: أنا أبو المغراء بن الحيّان، والله ما قربست النساء من يوم صنع بى ابن أبى حزم ما صنع حتى يومى هذا ، واليوم أقرب النساء ! # [ مقتل شوذب الخارجىّ ] قال أبو جعفر : وفى هذه السنة قُتِل شوذَب الخارجىّ . ذكر الخبر عن مقتله : قد ذكرنا قبل الخبرَ عمّا كان من مراسلة شَوْذب عمرّ بن عبد العزيز لمناظرته فى خلافه عليه ، فلما مات عمر أحبّ - فيما ذكر معمر بن المثنّى - عبْدُ الحميد بن عبد الرحمن أن يحظى عند يزيد بن عبد الملك ، فكتب إلى (٢) ط: ((المعزا)). (١) هو عثمان بن حيان المرىّ ٥٧٦ سنة ١٠١ محمد بن جرير يأمره بمحاربة(١) شَوْذب وأصحابه، ولم يرجع رسولا شوذب ، ولم يعلم بموت عمر ، فلمّا رأوا محمد بن جرير يستعدّ للحرب . أرسل إليه شوذب : ما أعجلك (٢) قبل انقضاء المدة فيما بيننا وبينكم ! أليس قد تواعدنا إلى أن يرجع رسولا شوذب ! فأرسل إليهم محمد : إنه لا يسعنا ترككم على هذه الحالة - قال غير أبى عبيدة: فقالت الخوارج: ما فعل هؤلاء هذا(٣) إلا وقد مات الرجل الصالح . ١٣٧٦/٢ قال معمر بن المثنى : فبرز لهم شوذب ، فاقتتلوا ، فأصيب من الخوارج نفر، وأكثروا فى أهل القبلة القتل، وتولوا منهزمين، والخوارج فى أعقابهم تقتل حتى بلغوا أختصاص الكوفة ، ولجئوا إلى عبد الحميد ، وجرح محمد بن جرير فى استه ، ورجع شوذب إلى موضع فأقام ينتظر صاحبيه ، فجاءاه فأخبراه بما صار عليه عمَرَ، وأنْ قد مات. فأقرّيزيدُ عبد الحميد على الكوفة ، ووجّه من قبله تميم بن الحُباب فى ألفين، فراسلهم وأخبرهم أنّ يزيد لا يفارقهم على ما فارقهم عليه عمر ، فلعنوه ولعنوا يزيد ، فحاربهم فقتلوه وهزموا أصحابه، فلجأ بعضهم إلى الكوفة ورجع الآخرون إلى يزيد ، فوجّه إليهم نَجْدة بن الحكم الأزدىّ فى جمْع فقتلوه ، وهزموا أصحابه ، فوجه إليهم الشحّاج بن وداع فى ألفين، فراسلهم وراسلوه ، فقتلوه، وقتل منهم نفراً فيهم هُدْبة اليشكرىّ؛ ابن عم بسطام - وكان عابدًا - وفيهم أبو شُبسيل مقاتل ابن شيبان - وكان فاضلا عندهم- فقال أبو ثعلبة أيوب بن خَوَلىّ يرثيهم: تُبَكِّى عليْهِ عِرْسُهُ وَقَرَائِبُهْ تَرَكنا تميماً فى الغُبَارِ مُلَحَّبًا كما أَسلَمَ الشحّاجَ أَمْسِ أَقَارِبُه وقد أَسلَمَتْ قَيْسُ تميماً ومالكاً يغالِبُ أَمَرَ اللهِ وَاللهُ غَالِبُهْ وَأَقبلَ مِنْ حَرّانَ يَحْمِلُ رَايَةً ويَاهُدْب للخَصْمِ الأَلَدِّ يُحَارِبُه! فَيَاهُذْبَ للهَيْجَا، وياُهُذْبَ للندى، وقد أَسلَمَتْهُ للرِّمَاحِ جَوَالِبُهْ وياهدب كم من مُلحم قد أجبته (٥) ١٣٧٧/٢ (١) ابن الأمير: ((بمناجزة)). (٢) اب: ((ما أعجلكم)). (٣) ر: ((ما فعلوا)». (٥) ابن الأثير: ((كم من ملجم)). (٤) ط: ((صادراً)). ب: ((صارا)). ٥٧٧ سنة ١٠١ يُرجَّى وَيَخشى بأْسَهُ من يحاربُه وكان أَبُو شَيْبَانَ خَيْرَ مُقَاتِلٍ وخَذَّمَه بالسّيْفِ فى اللهِ ضارِبُهْ فِفَازَ ولاقى اللهَ بالخير كُلِّهِ وعَضْبًا حُسَاماً لم تَخُنْهُ مَضَارِبُهْ تَزَوَّدَ مِنْ دُنيَاهُ دِرْعاً ومِغْفَرًا إِذَا انْقَضَّ وا فِى الرِّيشِ حُجْزٌ مَخَالِبُه وأَجرَدَ مَحْبُوكَ السرَاةِ كَأَنَّهُ فلما دخل مسلمة الكوفة شكا إليه أهلُها مكانَ شوذب ، وخوْفهم منه وما قد قتل منهم ، فدعا مسلمة سعيد بن عمرو الخرشىّ - وكان فارسًا - فعقد له على عشرة آلاف، ووجّهه إليه(١) وهو مقيم بموضعه، فأتاه ما لاطاقة له به. فقال شوذب لأصحابه : مَن كان يريد الله فقد جاءته الشهادة ، ومَن كان إنما خرج للدنيا فقد ذهبت الدنيا ، وإنما البقاء فى الدّار الآخرة ؛ فكسروا أغماد السيوف(٢) وحملوا، فكشفوا سعيدًا وأصحابه مراراً؛ حتى خاف الفضيحة فذمَّر أصحابه ، وقال لهم : أمِنْ هذه الشرذمة لا أبا لكم تفرّون ! يا أهل الشأم يومًا كأيّامكم ! ١٣٧٨/٢ قال: فحملوا عليهم، فطحنوهم (٣) طحناً لم يبقوامنهم أحداً، وقتلوا بِسْطاماً وهو شوذب وفرسانه، منهم الرّيان بن عبد الله اليشكرىّ، وكان من المخبتين (٤)، فقال أخوه شمر بن عبد الله يرثيه : ولَقَدْ فِجِعْتُ بِسَادَةٍ وَفَوَارِسِ إِعْتَاقَهُمْ رَيْبُ الزَّمَانِ فَغَالَهُمْ كمِدًا تَجِلْجَلُ فِى فؤادِىَ حَسْرَةٌ وفَوَارِسِ باعُوا الإِلهَ نُفوسَهُمْ وقال حسان بن جَعْدة يرثيهم : يا عَيْنُ أَذْرِى دُمُوعاً مِنكِ تَسْجَامَا فَلَنْ تَرَىْ أَبَدًا ما عِشتِ مِثْلَهُمُ للحَرْبِ سُعْرٍ مِنْ بَنِى شَيْبَانِ وَتُرَكْتُ فَرْدًا غَيْرَ ذِى إِخْوَانِ كالنَّارِ مِنْ وَجْدٍ على الرِّيَّنِ مِنْ يَشْكُرِ عِنْدَ الوَغَى فِرْسان وَابِكِى صحابَةً بِسْطَامٍ وَبِسْطاما أَتْقَى وأَكمَلَ فى الأحلامِ أَحلاما (١) س: ((إليهم)). (٣) ط: ((فطحهم)»، وما أثبته من ب. أى اطمأن . (٢) ب: ((سيوفهم)). (٤) ط: ((المحثين)). وأخبت إلى ربه، ٥٧٨ سنة ١٠١ ولَم يُرِيدُوا عن الأَعْدَاءِ إِحجاما ١٣٧٩/٢ بِسِيْهِم قد تأْسَّوْا عِندَ شِدَّتِهِمِ فَأَورثونا مَنَاراتٍ وَأَعْلاَمَا حَتى مَضَوا لِلذى كانوا لهُ خَرَجوا مِن الْجِنانِ ونالوا ثَمَّ خُدَّامًا إِنِّى لأَ علمُ أَنْ قد أُنزِلُوا غُرَفً فيها سَحَاباً من الوَسْمِىّ سَجَّاما أَسقَى الإِلهِ بِلادًا كانَ مَصْرِعُهِمْ [خبر خلع يزيد بن المهدّب يزيد بن عبد الملك] قال أبو جعفر : وفى هذه السنة لحق يزيد بن المهلّب بالبصرة ، فغلب عليها، وأخذ عامل يزيد بن عبدالملك عليها عدىّ بن أرطاة الفزارىّ، فحبسه وخلع يزيد بن عبد الملك . ذكر الخبر عن سبب خلعه يزيد بن عبد الملك وما كان من أمره وأمر يزيد فى هذه السنة : قد مضى ذكرى خبرَ هرب يزيد بن المهلّب من محبسه الذى كان عمر بن عبد العزيزحبسه فيه، ونذكر الآن ما كان من صنيعه بعد هرَبه فى هذه السنة - أعنى سنة إحدى ومائة . ولما مات عمر بن عبد العزيز بويع يزيد بن عبد الملك فى اليوم الذى مات فيه عمر ، وبلغه هرب يزيد بن المهلب ، فكتب إلى عبد الحميد بن عبدالرحمن يأمره أن يطلبه ويستقبله ، وكتب إلى عدىّ بن أرطاة يعلمه هربه ، ويأمره أن يتهيأ لاستقباله ، وأن يأخذ من كان بالبصرة من أهل بيته . فذكر هشام بن محمد ، عن أبى مخنف ، أنّ عدىّ بن أرطاة أخذهم وحبسهم، وفيهم المفضّل وحبيب ومروان بنو المهلب، وأقبل يزيد بن المهلب حتى مرّ بسعيد بن عبد الملك بن مروان ، فقال يزيدُ لأصحابه : ألا نعرض لهذا فنأخذه فنذهب به معنا ! فقال أصحابه: لا بل امضِ بنا ودعْه . وأقبل يسير حتى ارتفع فوق القُطقُطانة، وبعث عبد الحميد بن عبد الرحمن هشام ابن مساحق بن عبد الله بن مخرمة بن عبد العزيز بن أبى قيس بن عبدُوّد بن ١٣٨٠/٢ ٥٧٩ سنة ١٠١ نصر بن مالك بن حِسْل بن عامر بن لؤى القرشىّ، فى ناس من أهل الكوفة من الشرَط ووجوه الناس وأهل القوّة ، فقال له : انطلق حتى تستقبله فإنه اليوم يمرّ بجانب العُذَيب . فمشى هشام قليلا، ثم رجع إلى عبد الحميد ، فقال : أجيئك به أسيرًا أم آتيك برأسه ؟ فقال : أىّ ذلك ما شئت ، فكان يعجب لقوله ذلك من تسمعه ، وجاء هشام حتى نزل العُذَيب ، ومرّ يزيد منهم غير بعيد ، فاتقوا الإقدام عليه ، ومضى يزيد نحو البصرة ، ففيه يقول الشاعر : وعَرَّسَ ذو القَطيفَةِ من كِنَانَهْ وسارَ ابنُ المُهلَّبِ لم يُعَرّجْ ولم يقرَبْ قُصُورَ القُطقُطَانَهْ ويَاسَرَ والتَّيَاسُرُ كان حَزماً ذو القطيفة هو محمد بن عمرو (١)، وهو أبو قتطيفة بن الوليد بن عُقْبة بن أبى معيط، وهو أبو قطيفة ؛ وإنما سمى ذا القطيفة، لأنه كان كثير شعر اللحية والوجه والصّدر . ومحمد يقال له ذو الشامة . فلما جاء يزيد بن المهلّب انصرف هشام بن مساحق إلى عبد الحميد ، ومضى يزيد إلى البَصْرة، وقد جمع عدىّ بن أرطاة إليه أهل البصرة وخندق عليها ، وبعث على خيل البصرة المغيرة بن عبد اللّه بن أبى عقيل الثقفىّ. وكان عدىّ بن أرطاة رجلا من بنى فَزارة. وقال عبد الملك بن المهلب لعدى بن أرطاة : خُذ ابنى حميداً فاحبسه مكانى ، وأنا أضمن لك أن أردّ يزيد عن البصرة حتى يأتى فارس ، ويطلب لنفسه الأمان(٢) ولا يقربك (٣) فأبى عليه، وجاء يزيد ومعه أصحابه (٤) الذين أقبل فيهم( ٥)، والبَصْرة محفوفة بالرجال، وقد جمع محمد بن المهلب- ولم يكن ممن حبس- رجالا وفتية من أهل بيته وناسًامن مواليه ، فخرج حتى استقبله ، فأقبل فى كتيبة تهول من رآها ، وقد دعا عدىّ أهل البصرة ، فبعث على كلّ خمس من أخماسها رجلاً ، فبعث على خُمْس الأزد المغيرة بن زياد بن عمرو العتكىّ، وبعث على خُمس بني تميم محرز بن حُمران السعدىّ من بنى مِنقَرَ ، وعلى خُمس بكر بن وائل عمران بن عامر ١٣٨١/٢ (١) وهو، أى عمرو، وفى ط: ((وأبو قطيفة))، وهو خطأ. (٢) ب: ((الأمان لنفسه)). (٣) ب: ((ولا يغررك)). (٤) س: ((وجاء يزيد وأصحابه)). (٥) س: ((بهم)). ٥٨٠ سنة ١٠١ ابن مسمع من بنى قيس بن ثعلبة. فقال أبو منقر - رجل من قيس بن ثعلبة - : إن الراية لا تصلح إلا فى بنى مالك بن مسمع ، فدعا عدىّ نوحَ بن شيبان ابن مالك بن مِسْمع ، فعقد له على بكربن وائل ، ودعا مالك بن المنذر بن الجارود ، فعقد له على عبد القيس ، ودعا عبد الأعلى بن عبد الله بن عامر القُرشىّ، فعقد له على أهل العالية - والعالية قريش وكنانة والأزْد وَبجيلة وخثعم وقيس عَيْلان كلها ومُزينة - وأهل العالية بالكوفة يقال لهم ربْعُ أهل المدينة وبالبصرة(١) خمس أهل العالية ، وكانوا بالكوفة أخماسًا ، فجعلهم زياد بن عبيد أرباعًا . قال هشام عن أبى مخنف : وأقبل يزيد بن المهلب لا يمرّ بخيل من خيلهم ولا قبيلة من قبائلهم إلا تنحَّوْا له عن السبيل(٢) حتى يمضى، واستقبله المغيرة ابن عبد الله الثقفىّ فى الخيل، فحمل عليه محمد بن المهلّب فى الخيل ، فأفرج له عن الطريق هو وأصحابه ، وأقبل يزيد حتى نزل داره ، واختلف(٣) الناس إليه ، وأخذ يبعث إلى عدىّ بن أرطاة أن ادفع (٤) إلىّ إخوتى وأنا أصالحك على البصرة، وأخلّيك وإيّاها حتى آخذ لنفسى ما أحبّ من يزيد بن عبدالملك، فلم يقبل منه، وخرج(٥) إلى يزيد بن عبد الملك حُمَيد بن عبد الملك بن المهلّب ، فبعث معه يزيد بن عبد الملك خالدَ بن عبد الله القسرىّ وعمر بن يزيد(٦) الحكّمىّ بأمان يزيد بن المهلب وأهل بيته ، وأخذ يزيد بن المهلب يعطى من أتاه من الناس ، فكان يقطع لهم قِطَع الذهب وقطع الفضة ، فمال الناس إليه ، ولحق به عمران بن عامر بن مسمَع ساخطًا على عدىّ بن أرطاة حين نزع منه رايته ، راية بكر بن وائل ، وأعطاها ابن عمه ، ومالت إلى يزيد ربيعة وبقية تميم وقيس وناس بعد ناس(٧)؛ فيهم عبد الملك ومالك ابنا مسمع ومعه ناس من أهل الشأم، وكان عدىّ لا يعطى إلا درهمين درهمين، ويقول: ١٣٨٣/٢ (١) س: ((والبصرة)). (٣) ابن الأثير: ((فاختلف)). (٥) ب: ((فسار)). (٨) ب: ((من الناس)). (٢) ابن الأثير: ((عن طريقه)). (٤) ب وابن الأثير: ((أن أبعث)). (٦) ب: ((زيد)). ١٣٨٢/٢ ٠٠