النص المفهرس

صفحات 521-540

سنة ٩٦
وتَقَطَّعَتْ بهم البلادُ ولم يَوِّبْ
واسْتضلعَتْ عُقَد الجماعة وازدرى
قومٌ هُمُ قَتَلُوا قُنيبةَ عَنْوَةٌ
بالمَرج مرج الصِّينِ حيثُ تَبَيِّنت
إِذْ حَالَفَت جزَعاً ربيعةُ كلها
وتَقَدَّمَتْ أَزْدُ العِرَاق ومذْحِجٌ
قَحطانُ تضرب رأس كلّ مدجْجٍ
والأَزْدُ تعلمُ أَنَّ تحتَ لوائُها
فبِعِزْنَا نُصِرَ النبيُّ محمّدٌ
وقال عبد الرحمن بن جُمانةَ الباهلىّ :
٥٢١
منهمْ إِلى أَهل العراقِ مُخْبِّرُ
أَمرُ الخليفةِ واستُحِلَّ المنكرُ
والخيلُ جانحةٌ عليها العِثْيَرُ
مُضَرُ العراق مَنِ الأَعَزّ الأَكبرُ !
وتفَرَّقَتْ مُضَرٌّ ومَن يَتَمَضَّرُ
للموتِ يَجمعُهَا أَبوها الأكبرُ
تحمى بصائرَهُنَّ إِذ لا تبصرُ
مُلِكاً قُرَاسِيَةً وَمَوتٌ أَحمرُ
وبنا تثبّتَ فى دمشقَ المنبرُ
١٣٠٣/٢
بجيشٍ إِلى جيشٍ ولم يَعلُ مِنبرًا
كأَنَّ أَبا حفصٍ قتيبة لم يَسِرْ
وقوفٌ ولم يَشْهَدْ له الناسُ عسكرًا
ولم تسخْفِقِ الرَّايَاتُ والقومُ حَوْلُهُ
وراحَ إلى الجَنَّاتِ عَفَّا مُطَهِّرَا
بمثلٍ أَبِى حَفْص فَبَكّهِ عَبْهَرا
دَعَنْهُ المنايا فاستجاب لربِّه
فما رُزِئُ الإِسلامُ بعدَ محمّدٍ
- يعنى أمَّ وَلَد له .
وقال الأصمّ بنُ الحجّاج يترثِى قتيبة:
بلى نحنُ أَوَلَى الناسِ بالمجْدِ والفخرِ
أَلمْ يَأْنِ لِلأَحْيَاءِ أَن يَعرفوا لنا
وَأَزْدَ وعبد القيْسِ والحىَّ من بكرٍ
نَقُودُ تميمًا والموالىِ ومَذْحِجًا
نقَتِّل مَن شئنا بعِزَّةٍ مُلكنًا
سُليمان كم مِن عسکرٍ قد حَوَت لكمْ
وكم من حصون قد أَبَحْنَا منيعة
ومن بلدةٍ لم يغْزُها الناسُ قَبْلَنَا
ونَجْبُرُ مَنْ شئنا على الخسف والقَسْر ١٣٠٤/٢
أَسِنَّتُنَا والمُقْرَبَاتُ بنا تجرى
ومن بلدٍ سَهْلٍ ومن جبل وعْرٍ
غَزَوْنا نَقُودُ الخيلَ شهرًا إلى شهرٍ

٥٢٢
سنة ٩٦
على النَّفْرِ حتى ما تُهالُ من النَّفْرِ
مرَنَّ على الغزو الجرور ووُقّتْ.
وحتى لو أنَّ النارَ ثُبَّتْ وأكرِهَتْ
تلاَعِبُ أَطرافَ الأَسِنةِ والقنا
بهِنَّ أَبحْنَا أَهلَ كلِّ مدينة
على النارِ خاضَتْ فِى الوغى لَهَبَ الجمرِ
بلبَّاتِهَا والموت فى لجج خضْرٍ
من الشرك حتى جاوزتْ مطلع الفجرِ
بنارَ دْمَ ذِى القرنيْن ذاالصِّخْرِ والقَطْرِ
ولو لم تُعَجِّلنا المنايا لجاوزتْ
تَناهَى إِليها الطَّيْبُونَ بنو عَمرِو
ولكنَّ آجالاً قُضِينَ ومُدَّةً
وفى هذه السنة عَزّل سليمانُ بنُ عبد الملك خالدَ بنَ عبد الله القسرىّ
عن مكّة، وولا ها طَلْحة بنَ داودَ الحَضْرَتِىّ.
١٣٠٥/٢
وفيها غزا مسلمة بن عبد الملك أرضَ الرّوم الصائفةَ، ففتح حِصْنًا
يقال له حِصْن عَوْف .
وفى هذه السنة تُوُفِّى قرّة بن شريك العَبْسىّ وهو أميرُ مصرَ فى صفر فى
قول بعض أهل السّيْسَر .
وقال بعضهم : كان هلاكُ قرّة فى حياة الوليد فى سنة خمس وتسعين
فى الشهر الذى هلك فيه الحجاج .
وحجّ بالناس فى هذه السنة أبو بكر بن محمد بن عمرو بن حزم الأنصارىّ،
كذلك حدثنى أحمد بن ثابت عمّن ذكره، عن إسحاق بن عيسى ، عن
أبى معشر . وكذلك قال الواقدىّ وغيرُه .
وكان الأميرُ على المدينة فى هذه السنة أبو بكر بن محمد بن عمرو بن
حَزْمٍ ، وعلى مكة عبدُ العزيز بن عبد الله بن خالد بن أسيد، وعلى حَرْب
العراق وصلاتها يزيد بن المهدّب، وعلى خراجها صالح بن عبد الرّحمن.
وعلى البَصرة سُفْيان بنُ عبد الله الكندىّ مِن قبَل يزيد بن المهلّب، وعلى
قضاء البَصْرة عبد الرحمن بن أذينة ، وعلى قضاء الكوفة أبو بكر بن أبى موسى ،
وعلى حَرَّبِ خُراسانَ وكيعُ بن أبى سُودٍ ..

ثمّ دخلت سنة سبع وتسعين
ذكر الخبر عما كان فى هذه السنة من الأحداث
فمن ذلك ما كان من تجهيز سليمان بن عبد الملك الجيوش إلى القُسْطنطينيّة ١٣٠٦/٢
واستعمالِهِ ابنَه داودَ بن سليمان على الصائفة ، فافتتح حصن المرأة .
وفيها غزا - فيما ذَكَرَ الواقدىّ - مسلمةُ بنُ عبد الملك أرضَ الرّوم،
ففتح الحِصْن الذى كان فَتَحتَه الوضّاح صاحب الوضاحيّة.
وفيها غزا عمر (١) بنُ هُبيرة الفَزاريّ فى البحر أرضَ الرّوم ، فشتا بها.
وفيها قُتِل عبد العزيز بن موسى بن نصير بالأندلس ، وقدِمٍ برأسه
على سليمانَ حبيبُ بن أبى عُبيد الفِهْرِىّ.
:
[ولاية يزيد بن المهلب على خراسان ]
وفيها ولَّى سليمانُ بنُ عبد الملك يزيدَ بنَ المهلَّبِ خُراسانَ
ذكر الخبر عن سبب ولايته خراسان :
وكان السبب فى ذلك أنّ سليمان بن عبد الملك لما أفضَت الخلافةُ إليه
ولى يزيدَ بن المهلَّب حرب العراق والصّلاة وخراجها .
فذَكَرَ هشام بن محمد، عن أبى مخنف، أنّ يزيدَ نظرلما ولاه سليمان
ما ولّاه من أمر العراق فى أمر نفسه، فقال : إنّ العراق قد أخر بها الحجاجُ ،
وأنا اليومَ رجاءُ أهل العراق، ومتى قدمتُها وأخذتُ الناس بالخَرَاجِ وعذ بتُهم
عليه صرتُ مثلَ الحجّاجِ أدخل على الناس الحرية، وأُعيدُ عليهم تلك
السجون التى قد عافاهم الله منها، ومتى لم آت سليمان بمثل ما جاء به الحجاج
لم يقبل منى. فأتى يزيد سليمان فقال: أدلك على رجل يصبر بالختراج توليه
إياه، فتكونَ أنت تأخذه به؟ صالح بن عبد الرحمن مولى بني تميم.
فقال له : قد قبلنا رأيك ، فأقبل يزيد إلى العراق.
(١) ط : ((عمرو)»، تحريف .
١٣٠٧/٢

٥٣٤
سنة ٩٧
وحدثنى عمرُ بنُ شبّة، قال: قال علىّ: كان صالح قدم العراق قبل
قُدوم يزيدَ، فنزل واسطًا . قال علىّ : فقال عباد بن أيوب : لما قدم
يزيد خَرَجَ الناسُ يتلقَّونه ، فقيل لصالح : هذا يزيد، وقد خرج الناس
يتلقّونه، فلم يخرج حتى قَرُب يزيدُ من المدينة، فخرج صالحٌ، عليه دُرَّاعة
ودبوسيّة صفراء صغيرة، بين يديه أربعمائة من أهل الشام، فلقى يزيد فسايَرَه،
فلما دخل المدينةَ قال له صالح: قد فرغت لكَ هذه الدار - فأشار له إلى
دار - فنزل يزيد، ومضى صالح إلى منزله . قال: وضيّق صالحٌ على يزيدَ فلم
يملكه شيئًا، واتخذ يزيدُ ألف خوان يُطعم الناس عليها، فأخذها صالح،
فقال له يزيد: اكتبْ ثمنتَها علىّ، واشترى متاعاً كثيراً، وصكّ صكاكاً
إلى صالح لباعَتِها(١) منه، فلم يُنفِذه، فرجعوا إلى يزيدَ، فغضب وقال :
هذا عَمَلَى بنفسى ، فلم يلبث أن جاء صالحٌ ، فأوْسَح له يزيد ، فجلس
وقال ليزيد : ما هذه الصِّكاك ؟ الخَرَاجُ لا يقوم لها، قد أنفذتُ لك منذ أيام
صَكّنًا بمائة ألف، وعَجلت لك أرزاقتَك، وسألتَ مالاً للجُند، فأعطيتُك،
فهذا لا يقوم له شىء، ولا يَرضَى أميرُ المؤمنين به ، وتؤخذ به! فقال له
يزيد : يا أبا الوليد، أجزْ هذه الصِّكاك هذه المرة، وضاحكه . قال : فإنى
أجيزُها، فلا تُكثِرِنَ علىَ، قال: لا (٢).
١٣٠٨/٢
قال علىّ بنُ محمد: حدّثنا مَسَلَمة بن مُحارِب وأبو العَلاء الشَّيْمِىّ
والطفيل بن مِرْداس العمّى وأبو حفص الأزْدىّ عمّن حدثه عن جَهْم
ابن زَحْر بن قيس ، والحسن بن رشيد عن سليمانَ بن كثير ، وأبو الحسن
الحُراسانىّ عن الكَرَمانىّ، وعامر بن حفص وأبو مختّف عن عثمانَ
ابن عَمرو بن محصن الأزدىّ وزهير بن هنيد وغيرهم - وفى خبر بعضهم
ما ليس فى خبر بعض ، فألّفت ذلك- أنّ سليمان بنَ عبد الملك ولى يزيد
ابنَ المهلَّب العِراقَ ولم يولّه خُراسان، فقال سليمان بنُ عبد الملك لعبد الملك
ابنِ المهلب وهو بالشأم وَيَزيدُ بالعراق: كيف أنتَ يا عبدَ الملك إنْ وليتُك
خُراسانَ ؟ قال: يَجِدِفى أميرُ المؤمنين حيثُ يُحِبّ، ثمّ أعرضَ سليمانُ عن
(١) ابن خلكان: ((ليبتاعها)). (٢) الخبر فى ابن خلكان ٢٧١:٢، نقله عن الطبرى.

٥٢٥
سنة ٩٧
ذلك. قال: وكتب عبدُ الملك بنُ المهلب إلى جرير بن يزيدَ الجَهْضمىّ
وإلى رجال من خاصّته: إنّ أميرَ المؤمنين عَرَض علىّ ولاية خُراسانَ .
فبلغ الخبرُ يزيدَ بنَ المهذَّب، وقد ضَجِر بالعراق، وقد ضَيّق عليه صالح
ابنُ عبد الرحمن، فليس يّصل معه إلى شىء ، فدعا عبد الله بن الأهتم،
فقال: إنى أريدك لأمر قد أهمّنى، فأحبّ أن تكفينيه، قال: مَرْنى ١٣٠٩/٢
بما أحبْت ، قال : أنا فيما ترى من الضيق، وقد أضجَرَنى ذلك، وخُراسان
شاغِرةٌ بِرجلها، وقد بلغنى أنّ أميرَ المؤمنين ذكَرَها لعبدِ المَلِك بن
المهلب ، فهل من حيلة ؟ قال : نعم، سرَّحنى (١) إلى أمير المؤمنين ، فإنى
أرجو أن آتيَك بعهدك عليها، قال: فاكتم ما أخبرْتُك به. وكتب إلى
سليمانَ كتابَين: أحدهما يذكُر له فيه أمرَ العراق، وأثنى فيه على ابن الأهم
وَذَكَرَ له علمه بها، ووجّه ابن الأهم وَحمَلَه على البَريد، وأعطاه ثلاثين
ألفًا. فسار سبعًا ، فَقَدم بكتاب يزيدَ على سليمان . فدخل عليه وهو
يتغدَّى، فجلس ناحيةً، فأتِىَ بدَجاجَتَين فأكلهما .
قال : فدخل ابنُ الأهتم فقال له سليمان: لك مجلسٌ غيرُ هذا تعود(٢)
إليه . ثمّ دعا به بعدَ ثالثة، فقال له سليمان: إنّ يزيدَ بنَ المهلب كتب
إلىّ يذكُر علمك بالعراق وبخُراسان، ويُشْنى عليك، فكيف علمُك
بها ؟ قال: أنا أعلم الناس بها ؛ بها وُلدتُ، وبها نشأتُ ، فلى بها وبأَصْلِها
خبر وعِلْمْ . قال : ما أحوَجَ أميرَ المؤمنين إلى مثلِك يُشاوره فى أمرها !
فأشرْ علىّ برَجُل أولِّيه خُراسان؛ قال : أميرُ المؤمنين أعلم بمن يريد
يولى، فإن ذكر منهم أحداً أخبرتُه برأيى فيه ، هل يصلح لها أو لا؛ قال :
فسمَّى سليمانُ رجلاً من قريش ؛ قال : يا أمير المؤمنين ، ليس من رجال
خُراسان ، قال : فعبدُ الملك بنُ المهلب ، قال : لا ، حتى عدّد رجالا ،
فكان فى آخِر مَن ذكر وكيع بن أبى سُود، فقال: يا أميرَ المؤمنين ، وكيعٌ
رجلٌ شجاعٌ صارم بَئِيس (٣) مقدام، وليس بصاحبها (٤) مع هذا، إنه لم ١٣١٠/٢
(٢) ابن خلكان: ((نعود)).
(١) ب: ((تسرحنى)).
(٤) ب : ((لصاحبها)).
(٣) ب: ((رئيس)). والبئيس: الشديد.

٥٢٦
سنة ٩٧
يقُد ثلثمائة قطّ فرأى(١) لأحد عليه طاعة. قال: صدقتَ وَيْحك، فمن لها!
قال : رجلٌ أعلَمه لم تُسمّه (٢)، قال: فمن هو؟ قال لا أبوح باسمه إلا
أن يَضمَن لى أميرُ المؤمنين ستر ذلك، وأن يُجِيرَنى منه إنْ علم ؛ قال :
نعم ، تَّ مَن هو ؟ قال: يزيدُ بنُ المهلب ؛ قال: ذاك بالعراق، والمُقام
بها أحبّ إليه من المقام بخُراسان ، قال: قد علمتُ يا أميرَ المؤمنين ، ولكن
تُكرهه على ذلك ، فيستخلف على العراق رجلا ويسير ؛ قال: أصبتَ
الرأىَ. فَكَتَب عهدَ يزيد على خُراسان ، وكتب إليه كتابًا: إن ابنَ
الأهتم كما ذكرتَ فى عَقْلِهِ ودِينه وفضلِه ورأيه. ودفع الكتابَ وعَهْد يزيدَ إلى
ابن الأهتم ، فسار سَبْعاً ، فقدم على يزيدَ فقال له : ما وراءك ؟ قال :
فأعطاه الكتاب ، فقال : وَيَبْحك ! أعندَك خير ؟ فأعطاه العهد ، فأمر
يزيدُ بالجهاز للمسير من ساعته ، ودعا ابنه مخلداً فقدّمه إلى خُراسان. قال:
فسار من يومِهِ، ثمّ ساريزيدُ واستخلف على واسطَ الجَّرّاح بنَ عبد الله
الحكمى، واستعمل على البَصْرة عبد الله بن هلال الكلابىّ، وصيّر مَعَروان"
ابن المهلب على أموالِهِ وأمورِه بالبَصرة، وكان أوثَقَ إخوتِهِ عندَه ، ولمروان
يقول أبو البهاء الإيادىّ:
على العَلَاتِ أَكرَمَهُمْ طِبَاعَا
رأَيتُ أَبا قبيصةَ كلَّ يومٍ
جَسِيمَ الأَمْرِ يحْمِلِ مَا اسْتَدَاعًا
إِذَا ما هُمْ أَبوْا أَن يَسْتطيعوا
فَضلَتَهُمُ بذاك ندَّى وَبَاعَا
وإِنْ ضاقت صدُورُهُمْ بأمرٍ
١٣١١/٢
وأمّا أبو عُبِيدَةَ مَعمر بنُ المثنىّ فإنه قال فى ذلك: حدّثّنى أبو مالك أنّ
وَكيع بنَ أبى سُود بعث بطاعته وبرأسٍ قُتيبةَ إلى سليمانَ، فوَقَع ذلك من
سليمان كلَّ موقع ، فجعل يزيدُ بنُ المهلب لعبد الله بن الأهتم مائة ألف
على أن ينقُر (٤) وكيعًا عنده، فقال: أصلح اللّهُ أمير المؤمنين! واللّه ما أحدٌ
(١) ب: ((ولا رأى)).
(٢) ب: ((لم يسمه أمير المؤمنين)).
(٣) ب: ((ينفر))، س: ((يبقر)) ويقال: نقر الرجل ينقره، أى عابه ووقع فيه.

٥٢٧
سنة ٩٧
أوجَب شكراً، ولا أعظم عندى يداً من وكيع، لقد أدرك بشّأرى، وشفانى من
عَدُوَّى، ولكن أميرَ المؤمنين أعظمُ وأوجَبُ علىّ حَقًّّا، وإنّ النصيحة
تلزمنى لأمير المؤمنين ؛ إنّ وكيعاً لم يجتمع له مائة عنان قطّ إلا حدّث
نفسَه بغدرة؛ خامل فى الجماعة ، نابه فى الفتنة ، فقال : ما هوَ إذاً ممن
نستعين به - وكانت قيسٌ تَزعم أن قتيبة لم يخلع - فاستعمل سليمانُ يزيد
ابنَ المهلب على حَرْب العراق، وأمَره إن أقامت قيسٌ البيّنة أن قتيبة لم يتخلَّع
فينزع يداً من طاعة، أن يُقيد وكيعاً به. فَغدَر يزيدُ، فلم يُعْطِ عبدَ اللّه
ابن الأهتم ما كان ضَمِن له ، ووجَّه ابنَه مخلدَ بنَ يزيد إلى وكيع .
رَجْعُ الحديثِ إلى حديثٍ علىّ. قال علىّ: أخبَرَنا أبو مخنف عن
عثمانَ بن عمرو بن محصن ، وأبو الحسن الخُراسانىّ عن الكرمانيّ، قال: وجه
يزيدُ ابنَه مخلداً إلى خُراسان فقدّم مَخْلَدُ عَمرَو بن عبد الله بن سنان ١٣١٢/٢
العَّكَىّ، ثم الصُّنَابِىّ(١)، حين دنا من مسَرْوَ، فلما قدمها أرسل إلى وكيع
أن الْفَسَى، فأبى ، فأرسل إليه عَمرو، يا أعرابىّ أحمقَ جِلِفًا جافياً،
انطَلِق إلى أميرك فَتَلقه. وخَرَج وجوهٌ من أهل مَرْوَ يتلقَّوْن مخلَداً ،
وتثاقَل وكيعٌ عن الخروج ، فأخرَجَه عَمرو الأزْدىّ، فلما بلغوا مخلَدا نزل
الناسُ كلّهم غير وكيع ومحمد بن حمران السعدىّ وعبّاد بن لقيط أحد بنى
قيس بن ثعلبة ، فأنزلوهم ، فلما قَدم مروَ حبس وكيعاً فعذَّبه ، وأخذ
أصحابه فعذّبهم قبل قدوم أبيه .
قال علىّ عن كُليب بن خَلَف، قال: أخبرنا إدريسُ بنُ حنظلة، قال:
لما قَدمِ مَخْلَدَ خُراسان حَسَنى، فجاءلى ابن الأهم فقال لى: أتريد أن تَنْجُوَ؟
قلت: نعم، قال: أخرج الكتبَ التى كَتَبها القَعْقاع بن خُلَيْد العَبْسِىّ
وخُرَيَم بن عَمرو المرّىّ إلى قُتيبةَ فى خَلْع سليمانَ، فقلت له: يا بنَ الأهم،
(١) ب: ((الصدايحى)).

٥٢٨
سنة ٩٧
إيّاى تخدع عن دينى! قال: فدعا بطُومار وقال: إنك أحمَق. فكَتَب
كُنُباً عن لِسان القَعْقاع ورجال من قَيْس إلى قُتيبة، أنَّ الوليد بنّ
عبد الملك قد مات، وسليمان باعث هذا المَزُونيّ على خُراسان فاخلَعَه .
فقلتُ: يابنَ الأهتم ، تُهلِك واللّهِ نفسك! والله لئن دخلتُ عليه لأعْلمنَّه
أنك كتبتتها .
وفى هذه السنة شَخَص يزيدُ بنُ المهلّب إلى خُراسانَ أميرًاً عليها ،
فذكر علىّ بن محمد، عن أبى السرىّ المروزىّ الأزْدىّ، عن عمه، قال: وَلىَ وكيع
خُراسانَ بعد قتل قُتيبةَ تسعةَ أشهر أو عشرة . وقدم يَزيدُ بنُ المهلب
سنة سبع وتسعين .
قال علىّ: فذكَرَ المفضّل بنُ محمد عن أبيه، قال: أدنى يزيدُ أهلَ
الشأم وقومًا من أهل خُراسان ، فقال نهارُ بنُ تَوْسعة :
كما كُنَّا نؤمّلُ من يزِيدِ
وما كنَّا نُؤْمِّلُ من أَمِيرٍ
زَهِدْنا فى معاشَرَة الَّهيد
فَأَخْطأَ ظُنُّنَا فيه وقِدْماً
مَشَيْنَا نَحْوَهُ مِثْلَ الأُسُودِ
إذا لم يُعطِنا نَصَفاً أَمِيرٌ
ودَعْنَا من معَاشَرَةِ العبيدِ
فمهلاً يا يَزيدُ أَنِبْ إِلينا
على أَنا نُسَلم من بَعيدٍ
نَجِىءُ فلا نَرَى إِلَّ صُدودًا
فما بَالُ التجَهُّمِ والصَّدُودِ !
ونَرَجِعُ خائبينَ بلا نوالٍ
قال علىّ: أخبَرَنا زيادُ بن الرّبيع، عن غالب القطّن، قال: رأيتُ
عمر بن عبد العزيز واقفًا بعرفات فی خلافة سلیمان، وقد حجّ سليمان عامئذ
وهو يقول لعبد العزيز بن عبد الله بن خالد بن أسيد: العَجَب لأمير المؤمنين،
استعمَل رجلاً على أفضل ثَّغْر للمسلمين! فقد بلغنى عمّن يقدم من التجار
من ذلك الوَجْه أنه يُعِطى الجاريةَ من جواريه مثل سهم ألفٍ رجل . أما والله
١٣١٣/٢

٥٢٩
سنة ٩٧
ما اللّهَ أراد بولايته - فعرفتُ أنه يعنى يزيدَ والجهنية - فقلتُ: يشكر بلاءَ هم
أيام الأزارقة .
قال : ووَصَل يزيدُ عبدَالملك بنَ سلام السَُّولىّ فقال:
حتَّى آرتوَيتُ وَجُودِكُمْ لا يُنكَرُ
ما زال سيْبُك يا يزِيدُ بَحوبَّ
عاش السَّقِيمِ به وعاش المُقْتِرُ
أَنتَ الرَّبِيعِ إِذا تكون خَصَاصَةٌ
فرَوْوا وَأَغْدَقَهُمْ سَحَابٌ مُمطِرٍ ١٣١٤/٢
عَمَّت سَحَابَتُهُ جَمِيعَ بِلاَدِكُمْ
ريًّا سَحَائِبها تَروحُ وتُبكِرِ (١)
فسقَاكِ رَبَكَ حَيْثُ كنتَ مَخيلةٌ
وفى هذه السنة حجّ بالناس سليمانُ بنُ عبد الملك، حدّثّنى بذلك أحمدُ
ابن ثابت عمن ذكره ، عن إسحاق بن عيسى ، عن أبى معشر .
وفيها عَزّل سليمانُ طلحةَ بن داودَ الحَضْرمىّ عن مكة، قال الواقدىّ:
حدّنى إبراهيمُ بنُ نافع، عن ابن أبى مُلَيكة ، قال: لما صدَرَ سليمانُ
ابنُ عبد الملك من الحجّ عَزَل طلحة بنَ داودَ الخَضْرِىّ عن مكة، وكان
عَمَلُهُ عليها ستة أشهر ، وولى عبد العزيز بن عبد الله بن خالد بن أسيد
ابن أبى العيص بن أمية بن عبد شمس بن عبد مناف .
وكانت ◌ُمّل الأمصار فى هذه السنة عمالها فى السنة التى قبلها إلا خراسان،
فإن عامِلِتَها على الحرْب والخَرَاج والصّلاة يزيدُ بنُ المهلب .
وكان خليفته على الكوفة - فيما قيل - حَرْملة بن عُمير اللَّخْمِىّ أشهُرًاً،
ثمّ عزَلَه وولّها بشير بن حسّان النَّهْدىّ.
(١) ب : ((رّيًا محابتها)).

ثم دخلت سنة ثمان وتسعين
ذكر الخبر عما كان فيها من الأحداث
*
[خبر محاصرة مسلمة بن عبد الملك القسطنطينية ]
فمن ذلك ما كان من توجيه سليمان بن عبد الملك أخاه مسلمة بن عبد الملك
إلى القُسْطَنْطِينيّة، وأمره أن يقيمَ عليها حتى يفتحها أو يأتيه، فشتّابها
١٣١٥/٢ وصاف . فذ كتر محمد بن عمر أنّ ثور بن یزید حد ثه عن سليمان بن موسى ،
قال: لما دنا مَسلَمة من قُسْطَنْطينية أمرَ كلّ فارس أن يحمل على عّجُز
فرسِهِ مُدْيين (١) من طعام حتى يأتى به القُسْطَنْطينية، فأمر بالطعام فأنقتى فى
ناحية مثل الجبال ، ثمّ قال للمسلمين: لا تأكلوا منه شيئًا، أغيرُوا
فى أرضهم، وازدرعوا(٢). وعميل بيوتًا من خشب، فتَشتا فيها، وَزَرَع الناسُ،
ومَكَث ذلك الطعام فى الصحراء لا يكنُّه شىء ، والناس يأكلون مما أصابوا
مِنَ الغارات، ثمّ أكلوا من الزّرع، فأقام مَسَلَمة بالقُسْطَنطينية قاهراً
لأهلها، معه وجوهُ أهل الشأم: خالد بن مَعْدان، وعبد الله بن أبى زكرياء
الخُزَاعِىّ، ومجاهد بن جمَبْر ؛ حتى أتاه موتُ سليمانَ فقال القائل:
* تحْمِل مُدْيَيْهَا ومُدْيَىْ مَسلَمهْ *
حدّثنى أحمد بن زُهير ، عن علىّ بن محمد ، قال: لما ولىَ سليمانُ
غَزّا الرّوم فنزل دابِقَ، وقدّم مَسَلَمة فهابَه الرّوم، فَشَخص إليُونُ من
أرْمينية، فقال لمَسلمة: ابعث إلىّ رجلا يكلّمنى، فبعث ابنَ هُبيرة، فقال
له ابنُ هبيرة: ما تَعُدّون الأحمَق فيكم؟ قال: الذى يملأ بطنه من كلّ
شىء يجده، فقال له ابن هُبَيْرة: إنّا أصحاب دين، ومِن دِيننا طاعةُ
(١) المدى : مكيال ضخم لأهل الشام ومصر.
(٢) ازدرعوا، أى اتخذوا لأنفسكم زرعاً لكم، وفى ب: ((وازرعوا)).
٥٣٠

٥٣١
سنة ٩٨
أمراثنا؛ قال : صدقت ، كنا وأنتم نُقَاتِل على الدين ونَغضَب له ، فأما
اليومَ فإنا نُقاتِل على الغلبة والمُلْك، نُعطيك عن كلّ رأس ديناراً. ١٣١٦/٢
فرجع ابنُ مُبيرة إلى الرّوم من غده ، وقال : أبى أن يَرضَى، أتيتُه وقد
تغدَّى وملأ بطنه ونامَ، فانتََّه وقد غَلَب عليه البلغم ، فلم يدرِ ما قلتُ .
وقالت البطارقة لإليون: إن صرفت عنا مسلّمة ملكناك. فوَثَّقوا له، فَأتَى
مَسَلَمَة فقال: قد علم القومُ أنك لا تتصدقهم القتال ، وأنك تُطاولهم
ما دام الطعام عندَك، ولو أحرقتَ الطعامَ أعطوْا بأيديهم، فأحرقه ، فقوى
العدّو، وضاقَ المسلمون حتى كادوا يهلكون ، فكانوا على ذلك حتى مات
سليمان . قال: وكان سليمانُ بنُ عبد الملك لما نزل دابق أعطَى اللّه عَهْداً
ألا ينصرف حتى يدخل الجيش الذى وجهه إلى الروم القسطنطينية.
قال: وهَك ملك الرّوم، فأتاه إليون فأخبَرَه، وضَمِن له أن يدفع
إليه أرضَ الرّوم، فوجه معه مسلمة حتى نزل بها، وَجَمع كلّ طعام حولها
وحَصَرَ أهلَها (١) وأتاهم إليون فملتكوه(٢)، فكتب إلى مسلمة يُخبره بالذى
كان، ويسأله أن يُدخِل من الطعام ما يعيشٍ به القوم، وَيُصُدَّقونه بأنّ
أمرَه وأمرَ مَسلمة واحد، وأنهم فى أمان من السَّباء والخُروج من بلادهم،
وأن يأذن لهم ليلَةً فى حَمْل الطعام، وقد هيّأ إليون السفن والرّجال، فأذن
له ، فما بقىَ فى تلك الحظائر إلا ما لا يُذكَرَ ؛ حُمل فى ليلة ، وأصبح
إليون محاربًا، وقد خدعه خديعة لو كان امرأةً لعيبَ بها ، فلقى الجنْد ما لم
يَلْقَ جيشٌ؛ حتى إن كان الرجُل اسيخافُ أنْ يَخرُج من العسكر وحده،
وأكتلوا الدّواب والجُلود وأصولَ الشجر والورق، وكلّ شىء غير التراب، ١٣١٧/٢
وسليمان مقيمٌ بدابِقِ، ونزل الشتاءُ فلم يقدر يُمِدّهم حتى هلك سليمان .
[مبايعة سليمان لابنه أيوب ولِيًّا للعهد ]
وفى هذه السنة بَايَعَ سليمانُ بنُ عبد الملك لابنهِ أيوبَ بن سليمان
وجَعَلَه ولىّ عهده، فحدّثنى عمر بن شبّة، عن علىّ بن محمد، قال: كان
عبدُ الملك أخَذ على الوليد وسليمانَ أن يُبايعا لابن عاتِكة ومروانَ بنِ عبدالملك
(١) ب: ((حصرهم)).
(٢) ب: ((فكلموه)).

٥٣٢
سنة ٩٨
من بعده ، قال : فحدّثّنى طارقُ بنُ المبارك ، قال: ماتَ مروانُ بنُ
عبد الملك فى خلافة سليمانَ منصرفه من مكة ، فبايع سليمان حين ماتَ مَسَروانُ
لأيوبَ، وأمسك عن يزيدَ وتربَّص به، وَرَجا أن يهلك، فهلتك أيّوب
وهو ولى عهده .
وفى هذه السنة فُتحتْ مدينة الصّقالبة ، قال محمد بنُ عمر: أغارتْ
بُرْجان فى سنة ثمان وتسعين على مسلمة بن عبد الملك وهو فى قِلّة مِن الناس،
فأمَدّه سليمانُ بنُ عبد الملك بمَسْعدة - أو عَمْرو بن قَيْس - فى جمْع
فَكتَرتْ بهم الصّقالبة، ثمّ هزمتَهم اللّهُ بعد أن قَتَلُوا شراحيل بن عبد
ابن عَبدَة(١).
وفى هذه السنة- فيما زعم الواقدىّ- غزا الوليد بنُ هشام وعمرُو بنُ قيس،
فأصيبَ ناسٌ من أهل إنطاكية، وأصابّ الوليدُ ناسًا من ضواحى الرّوم
وأسر منهم بتَشَراً كثيراً .
[غزو جرجان وطبرستان]
وفى هذه السنة غزا يزيدُ بن المهلب جُرْجان وَطَبَرِسِْتان، فذَكَر
هشامُ بن محمد، عن أبى مختّف، أنّ يزيد بن المهلب لما قدم خُراسانَ أقام
ثلاثة أشهر أو أربعةٌ، ثمّ أقبَل إلى دِهِسْتانَ وجُرْجانَ، وبعث ابنه مخلدا
على خُراسان ، وجاء حتى نزل بدهستان ، وكان أهلُها طائفةً من الترك ،
فأقام عليها، وحاصَر أهلَها ، معه أهلُ الكوفة وأهلُ البَصْرة وأهلُ الشأم
ووجوه أهل خُراسان والرّىّ، وهو فى مائة ألف مُقاتل سوى المَوَالِى والمتماليك
والمتطوّعين ، فكانوا يَخرُجُون فيُقَاتِلون الناسَ، فلا يُلبثهم الناسُ أن
يَهزِ موهم فَيَدخُلُون حصنتهم، ثمّ يخرجون أحيانًا فيُقَاتِلون فيشتدّ قِتالهم .
وكان جَهْم وجمال ابنا زَحْر من يزيد بمكان، وكان يُكرمهما ، وكان
محمد بن عبد الرحمن بن أبى سَبْرة الجُعْفى له لسان وبأس، غير أنه كان
يُفسد نفسَه بالشراب ، وكان لا يُكثِر غِشْان يزيدَ وأهل بيته ، وكأنه
(١) ط: ((شراحيل بن عبدة))، والصواب ما أثبته، وهو أبو عامر الشعبى.
١٣١٨/٢

سنة ٩٨
٥٣٣
أيضًا حَجَزه(١) عن ذلك ما رَأى من حُسْن أثرهم على ابنى زَحْرِ جَهْم
وَجَمال. وكان إذا نادى المنادى: يا خيلَ اللّهَ ارْ كَبِى وأبشرِى كان
أول فارس من أهل العسكر يَبْدر (٢) إلى موقف البيأس عند الرّوع محمد بن
عبد الرحمن بن أبى سَبْرة ، فنُودِىَ ذات يوم فى الناسٍ، فبدر (٣) الناس
ابنُ أبى سَبْرة، فإنه لواقفٌ على تكَلّ إذ مَرّ به عثمانُ بنُ المفضّل، فقال
له : يابنَ أبى سَبْرة، ما قدرتُ على أن أسبقَك إلى الموقف قَطْ، فقال:
وما يُغِنى ذلك عنى، وأنتم تُرشحون غِلِمانَ مِذْحج، وتَجَهلون حقّ ذوى ١٣١٩/٢
الأسنان والتجارب والبلاء! فقال: أما إنك لو تريد ما قبلَنا لم نتعدل (٤)
عنك ما أنتَ له أهل .
قال: وخرج الناسُ فاقتتلوا قتالاً شديداً، فحمل محمد بن أبى سَبْرة
على تركىّ قد صدّ الناسَ عنه، فاختلفا ضربتَين، فثبتَ سيفُ التركىّ فى
بَيضة ابن أبى سبرة، وضربَه ابنُ أبى سَبْرة فَقَتّله، ثمّ أقبل وسيفُهُ(٥)
فى يَدِهِ يَقْطُر دَمًا، وسيفُ التّركىّ فى بَيَضَتَه، فنظر الناسُ إلى أحسَن
مَنَظَر رأوه من فارس، ونظر يزيد إلى ائتلاق السَّيْفين والتَبيضة والسلاح
فقال : مَن هذا ؟ فقالوا: ابنُ أبى سَبْرة، فقال: اللّه أبوه! أىّ رجل هو
لولا إسرافُه على نفسِهِ !
وخرج يزيد بعد ذلك يومًا وهو يرتادُ مكانًا يدخُل منه على القوم ،
فلم يَشعُر بشىء حتى هَجَمَ عليه جماعةٌ من الترك . وكان معه وجوه الناس
وفُرْسانُهم، وكان فى نحو من أربعمائة ، والعدوّ فى نحو من أربعة آلاف-
فَقَتلَهُم ساعةً ، ثمّ قالوا ليزيد: أيّها الأمير ، انصرِف ونحنُ نُقاتِل
عنك، فأبى أن يَفعَل، وغَشىَ القِتال يومئذ بنفسه، وكان كأحدهم، وقاتل
ابنُ أبى سبرَة وابنا زَحْر والحجَّجُ بن جارية(٦) الخَتْعَمَىّ وجُلّ أصحابه،
فأحسنوا القتال ، حتى إذا أرادوا الانصراف جَعَل الحجّاجَ بن جارية على
(١) ب: ((فكأنه إنما كان يحجزه)).
(٣) ب: ((فبادر)).
(٥) ب : ((سيفه)» بدون واو .
(٢) ب: ((ينهد)).
( ٤) ب: ((ما عدلنا)).
(٦) ب: ((سارية)).

٥٣٤
سنة ٩٨
الساقة ، فكان يُقاتِل من وراءه حتى انتهى إلى الماء ، وقد كانوا عَطشوا
فَشَرِبوا، وانصَرَف عنهم العدوّ، ولم يتَظفَرُوا منهم بشىء، فقال سُفْيَانُ
ابن صَفْوان الخَشْعمىّ :
لَسُقِيتَ كأُساً مُرَّةَ الْمُتَجَرَّعِ
٢/ ١٣٢٠ لولا ابنُ جارِيَةَ الأَغرُّ جَبِينُهُ
حتَّى وَرَدتَ الماءَ غَيْرَ مُتَعتَع
وحَمَاكَ فِى فُرْسَانِهِ وخُيُولِهِ
ثم إنّه ألحّ عليها(١) وأنزل الجنود(٢) من كلّ" جانب حواتها، وقَطَعَ عنهم
الموادّ، فلمّا جُهِدوا(٣)، وعَجَزوا عن قتالِ المسلمين، واشتدّ عليهم
الحصار والبلاء، بعث صُول دِهْقَان دِهِستانَ إلى يزيدَ: إنى أصالحك على
أن تؤمنَنى على نفسى وأهل بيتى ومالى، وأدفَعَ إليك المدينة وما فيها وأهلها.
فصَالسَّحه ، وقَبِيل منه، ووَفَى له، ودَخَل المدينةَ فأخذ ما كان فيها من
الأموال والكُنُوز ومِن السَّبِى شيئًا لا يُحصَى، وقَتلَ أربعةَ عشر ألف
تُركىّ صَبْراً، وكتّب بذلك إلى سليمان بن عبد الملك .
ثمّ خَرَج حتى أتى جُرْجانَ، وقد كانوا يُصالحون أهل الكوفة على
مائة ألف ، ومائتى ألف أحيانًا، وثلثمائة ألف، وصالحوهم عليها، فلما أتاهم
يزيدُ استقبلوه بالصّلح ، وهايوه وزادُوه، واستخلَف عليهم رجلاً من الأزد
يقال له: أسدُ بنُ عبد اللّه، ودخل يزيدُ إلى الإصبهبذ فى طَبَرِسْتان"
فكان معه الفَعَّلة يقطعون الشَّجر، ويُصلحون الطرق، حتى انتهوا إليه ،
فنزل به فحصَرَه(٤) وغَلَب على أرضِه، وأخذ الإصبهبذ يعرض على يزيد"
الصلح ويريده على ما كان يُؤخذ منه، فيأبَى رجاء(٥) افتتاحهماً . فبعث
ذاتَ يوم أخاه أبا عُيينة فى أهل المصريْن(٦)، فأصعد فى الجسبل إليْهم ،
وقد بعث الإصبهبذ إلى الدّيلم ، فاستجاشَ بهم، فاقتتلوا، فحازهم المسلمون
١٣٢١/٢ ساعةً وكشفوهم، وخرج رأسُ الدّيلم يسأل المُبارَزة، فخرج إليه ابن
أبى سَبْرة فقتله، فكانت هزيمتُهم حتى انتهى المسلمون إلى فَمِ الشَّعب؛
(١) ب: ((عليهم وعليها)).
(٣) ب: ((أجهدوا)).
(٥) ب: ((رجال)).
(٢) ب: ((الخيول)).
(٤) ب: ((وحصره)).
(٦) ب: ((العسكر)).

٥٣٥
سنة ٩٨
فذَهَبُوا لِيَصعدوا فيه، وأشرف عليهم العدوّ يَرْشُقونهم بالنشاب،
ويَرمُونَهم بالحجارة، فانهَزَمَ الناسُ من فَمِ الشّعب من غير كبير قتال
ولا قوّة من عدوّهم على إتباعهم وطلبِهم ، وأقبلوا يركب بعضهم بعضاً ،
حتى أخذوا يَتساقَطون فى اللُّهوب، ويتدهْدى الرجلُ من رأسِ الجبل حتى
نزلوا إلى عسكر يزيد لا يَعبئون بالشرّ شيئًا.
وأقامَ يزيدُ بمكانِه على حاله، وأقبل الإصبهبذ يكاتب أهلَ جُرْجان
ويسألهم أن يثبوا بأصحاب يزيد، وأن يقطعوا عليه مادّته والطرق فيما بينه
وبين العرب، ويعدهم أن يكافِئهم على ذلك ، فَوثبوا بمن كان يزيد
خلّف من المسلمين، فَقَتَلَوا منهم من قَدَروا عليه، واجتمَعَ بقيّتْهم
فتحصّوا فى جانب ، فلم يزالوا فيه حتى خرج إليهم يزيد ، وأقام يزيدُ على
الإصبهبذ فى أرضه حتى صالحه على سبعمائة ألف درهم وأربعمائة ألف
نقداً ومائتى ألف وأربعمائة حمار موقرة زَعْفراناً، وأربعمائة رَجُل ،
على رأسٍ كلّ رجل بُرْنُس، على البُرْنس طَيْلسان ولِجام من فضّة
وسرقة(١) من حرير ، وقد كانوا صالحوا قبل ذلك على مائتى ألف درهم .
ثمّ خرج منها يزيدُ وأصحابُه كأنهم فَلّ، ولولا ما صنعَ أهلُ جُرجان"
لم يتخرج من طبرستانَ حتى يفتحها .
١٣٢٢/٢
وأما غيرُ أبى مخنَف، فإنه قال فى أمر يزيدَ وأمرِ أهلِ جُرْجان ماحد ثنى
أُحمد بنُ زُهير، عن علىّ بن محمد، عن كُليب بن خَطَف وغيره ؛ أنّ
سعيدَ بنَ العاص صالَح أهلَ جُرْجان، ثُمّ امتنبَعُوا وكفروا، فلم يأت
جُرْجان بعدَ سعيد أحد ، ومَنَعَوا ذلك الطريق، فلم يكن يسلُك طريقَ
خُراسانَ من ناحيته أحدٌ إلا على وَجَل وخَوْفٍ من أهلِ جُرْجان؛ كان
الطريق إلى خُراسانَ من فارسَ إلى كرمانَ، فأوّل من صَيّر الطريقَ من
قومِس قُتيبة بن مسلم حينَ ولِىَ خُراسانَ. ثم غزا مَصقلة خُراسانَ أيام
معاويةَ فى عشرة آلاف، فأصيب وجنده بالرُوَيَان، وهى متاخِمةُ طبَرِسْتان
(١) السرقة: شقة الحرير الأبيض.

٥٣٦
سنة ٩٨
فهلكوا فى وادٍ من أوديتها ، أخَذَ العدوّ عليهم بمضايقه، فقتلُوا جميعاً،
فهو يُسمَتَّى وادِى مَصقلة .
قال : وكان يُضرَب به المثل: حتى يرجعَ مصقلة من طبرستان، قال
علىّ، عن كُليب بن خَلَف العمىّ، عن طُفّيل بن مِرْداس العمىّ
وإدريس بن حَنْظلة: إنّ سعيدَ بنَ العاص صالح أهل جُرْجان، فكانوا
يجيئون أحيانًا مائة ألف ، ويقولون: هذا صلحنا، وأحيانًا مائتى ألف، وأحيانًا
ثلثمائة ألف؛ وكانوا ربما أعطُوا ذلك، وربما منعوه، ثم امتنعوا وَكَفَروا
فلم يُعْطُوا خَرَاجًا، حتى أتاهُم يزيدُ بن المهلب فلم يُعازّه أحدٌ حين
قَدِ مها، فلما صالح صول وفتح البُحيرة ودِهِسْتَان صالح أهلَ جُرْجانَ
٢/ ١٣٢٣ على صُلْح سعيد بن العاص.
حدّثّنى أحمد، عن علىّ، عن كُلّيب بن خَلَف العمىّ، عن
طُفيل بن مِرْداس ، وبِشر بن عيسى عن أبى(١) صَفْوان، قال علىّ:
وحدثنى أبو حفص الأزْدىّ عن سليمانَ بن كثير، وغيرهم؛ أنّ صولا التركىّ
كانَ ينزل دهستان والبُحيرة - جزيرة فى البَحْر بَينَها وبين دهسْتانَ
خمسة فراسخ ، وهما من جُرْجَان مما يلى خُوارزم - فكان صول يُغِير على
فيروزَ بن قول، مَرْزبان جُرْجان، وبينهم خمسة وعشرون فَرْسخًا، فيصيب
من أطرافهم ثمّ يرجع إلى البُحيرة ودِ هِسْتان، فوقع بين فَيْروز وبينَ
ابن عمّ له يقال له المرْزُبان مُنازعة، فاعتَزَله المَرْزُبان، فنزل البياسان،
فخاف فيروز أن يُغيرَ عليه الترك ، فخرج إلى يزيد بن المهلب بخُراسان ،
وأخذ صُولِ جُرْجان ، فلما قَدم على يزيد بن المهلب قال له : ما أقدَمَك ؟
قال: خفتُ صُولا ، فهَرَبْتُ منه ، قال له يزيد : هل مِن حيلة لقتاله ؟
قال : نَعَم، شىء واحد، إن ظفرتُ به قتلتُه، أو أعطى (٢) بيده، قال:
ما هُوَ ؟ قال: إن خرَجَ مِنْ جرجان حتى يَنَزِل (٣) البُحيرة، ثم أتيتَهُ
ثَمّ فحاصرْتَتَهُ بها ظفرتَ به، فاكتب إلى الإصبهبذ كتابًا تسأله فيه أن يحتالَ
(١) ساقطة من ط
(٣) ب: ((يترك)).
(٢) ب: ((وأعطى)).

٥٣٧
سنة ٩٨
لصول حتى يقيمَ بُجُرْجان، واجعلْ له على ذلك جُعْلًا، ومنَّه، فإنه يَبعث
بكتابك إلى صول يتقرّبُ به إليه لأنه يعظمه ، فيتحوّل عن جُرجانَ ، فَيَنزل
البُحيرة .
فَكَتَب يزيدُ بنُ المهلب إلى صاحِب طَبَرِسْتَان: إنى أريد أن ١٣٢٤/٢
أغزوَ صولا وهو بجُرْجان، فخفتُ إنْ بَغه أنى أريدُ ذلك أن يتحوّل إلى
البحيرة فينزِها ، فإن تحوّل إليها لم أقدر (١) عليه؛ وهو يَسمَعَ منك(٢)
وَيَستنصحك، فإن حَبَستَه العامَ بُجُرجانَ فلم يأت البُحيرة حملتُ إليك
خمسينَ ألفَ مثقال؛ فاحتلْ له حيلةً؛ تَحبسه بجُرجان ، فإنه إن أقام بها
ظَفْرتُ به . فلما رأى الإصبهذُ الكتابَ أراد أن يتقرّب إلى صُول ، فبعث
بالكتاب إليه ، فلما أتاه الكتابُ أمَر الناسَ بالرّحيل إلى البُحيرة وحمل
الأطعمة ليتحصّن فيها . وبَلَغ يزيدَ أنه قد سار من جُرْجان إلى البحيرة،
فاعتزَمَ على السَّيْر إلى الجُرْجان ، فخرج فى ثلاثين ألفًا ، ومعه فيروزُ
ابنُ قُول، واستَخلَف (٣) على خُراسانَ مَخلَد بن يزيد، واستخلف على
سَمَرَقَنْدوكِسّ ونَسَف وبُخارَى ابنه معاوية بن يزيد، وعلى طَخارِسْتان
حاتمَ بنَ قبيصة بن المهلب ، وأقبَل حتى أتى جُرْجان -ولم تكن يومئذ مدينة
إنما هى جبال 'مُحيطةٌ بها، وأبوابٌ وَمحارم، يقوم الرجلُ على باب منها فَلا
يتقدم عليه أحدٌ - فدخلها يزيد لم يعازّه أحد، وأصابَ أموالاً، وهَرَب
المَرْزُبان، وخرج يزيد بالناس إلى البُحيرة، فأناخَ على صول ، وتمثّل حينَ
نَزّل بهم :
٠
فخرّ السيفُ وارْتَعَشَتْ يَداهُ وكانَ بنَفْسِهِ وُقِيَّتْ نُفُوسُ
قال : فحاصَرَهم، فكانَ يخرُج إليه صُول فى الأيَّام فيُقاتِلِه ثمّ
يرجع إلى حِصْنه، ومع يزيد أهل الكوفة وأهلُ البَصْرة. ثم ذكر من قصة جنهم
ابن زَحْر وأخيه محمد نحواً مما ذكره هشام، غير أنه قال فى ضَرْبة التركى ١٣٢٥/٢
ابن أبى سَبْرة: فنَشَب سَيْف التركى فى دَرَقة ابن أبى سَبْرة .
(١) ب: ((لم يقدر عليه)).
(٣) ب: ((واستعمل)).
(٢) ب: ((منا)).

٥٣٨
سنة ٩٨
قال علىّ بنُ محمد، عن علىّ بن مجاهد، عن عَنْبسة، قال: قاتَلَ
محمد بن أبى سَبْرة الترك بجرجانَ فأحاطوا به واعتَورُوه بأسيافهم ، فانقطع
فى يده ثلاثة أسياف .
ثم رَجَعَ إلى حديثهم؛ قال: فمكثوا بذلك - يعِنى التَرْك ـ محصُورِين
يَخْرجون فيقاتلون، ثمّ يرجعون إلى حِصْنهم ستة أشهر، حتى شربوا ماءً
الأحْساء، فأصابهم داءٌ يسمَّى السؤاد(١)، فَوَقَعَ فيهم الموتُ،
وأرسَل صُول فى ذلك يطلبُ الصّلح، فقال يزيدُ بنُ المهلب : لا، إلا أن
يسَنزل على حُكْمى، فأبى. فأرسل إليه: إنى أصالِحُك على نفسِ ومالِى
وثلثمائة من أهلِ بيتى وخاصّى ، على أن تؤمّننى فتنزل البُحيرة. فأجابته
إلى ذاك يزيدُ، فخرج بمالِهِ وثلثمائة ممن أحَبّ، وصار مع يزيدَ، فقَتَلَ
يزيدُ من الأتراك أربعةَ عشر ألفًا صَبْراً، ومنَّ على الآخَرِين فلم يَقتُل
منهم أحداً . وقال الجُنْد ليزيدَ: أعطنا أرزاقَنَا، فدَعمَا إدريس بن حنظلة
العمّىّ، فقال: يابن حَنْظلة، أحْصِ لنا ما فى البُحيرة حتى نُعطِىّ
الجندَ ، فدَخَلَها إدريسُ ، فلم يقدر على إحصاء ما فيها ، فقال ليزيد :
فيها ما لا أستطيع إحصاءَه، وهو فى ظُروف، فنُحصِى الجواليق ونعلّم مافيها،
ونقول للجند : ادْخلُوا فخذُوا، فمن أخَذَ شيئًا عرّفَنا ما أخَذ من الحنطة
والشعير والأرز والسمسم(٢) والعسل. قال. نعم ما رأيت، فأحصَوا الجَواليق
١٣٢٦/٢ عَدَداً، وعَلموا كلّ جوالق(٣) ما فيه، وقالوا(٤) للجند: خُذُوا، فكان
الرجلُ يخَرُج وقد(٥) أخذ ثيابًا(٦ أو طعامًا أو ما حَمَل٦َ) من شىء
فيُكتَب على كلّ رجل ما أخَذ، فأخذوا شيئًا كثيراً .
قال علىّ: قال أبو بكر الهذلىّ: كان شَهْر بن حوشب على خزائن
يزيد بن المهلب، فرفعوا عليه أنه أخذَ خَريطةً، فسأله يزيدُ عنها ، فأتاه
بها ، فدعا يزيدُ الذى رَفَعَ عليه فشَتَمه ؛ وقال لشَهر : هى لك ، قال :
لا حاجةَ لى فيها، فقال القُطاعىّ الكلبىّويقال: سنان بن مكمّل النّميرىّ:
(١) فى القاموس: ((السؤاد، كغراب: داء يأخذ الإنسان والإبل والغثم من شرب الماء الملح))
(٣) ب: ((على جوالق)).
(٢) ب: ((والسمن)).
(٥) ر: ((قد)). (٦-٦) ب: ((وطعاماً وما)).
(٤) ب: ((وقال)).

سنة ٩٨
٥٣٩
فمن يأُمَنُ القرَّاءَ بَعدَك يا شَهْرٌ؟!
لقد بَاعَ شَهْرٌ دِينَهُ بِخَرِيطَةٍ
من ابن جونبوذ إنَّ هذا هو الغَدْرُ
أُخَذْتَ به شيئاً طَفِيفاً وبِعْتَهُ
وقال مرة النَّخَعَىّ لشَهْر:
القُرَّاءِ
يا بن المُهَلَّبِ ما أَرَدتَ إِلى امْرِى لولاكَ كان كصالح
قال علىّ: قال أبو محمد الثَّقَفىّ: أصاب يزيدُ بن المهلب تاجًاً يجُرْجان
فيه جَوْهر ، فقال : أتّرون أحداً يزَهد فى هذا التاج ؟ قالوا : لا ، فدعا
محمد بن واسع الأزدىّ، فقال: خذْ هذا التاجَ فهو لك؛ قال: لا حاجة لى
فيه، قال : عزمتُ عليك، فأخذَه ، وخرج فأمَر يزيدُ رجلاً ينظر ما
يَصنع به، فلقىَ سائلاً فدَفَعَه إليه، فأخذ الرجلُ السائل، فأتى به يزيد٠َ ١٣٢٧/٢
وأخبَرَه الخبر، فأخذ يزيدُ التاجَ ، وعَوَّض السائل مالاً كثيراً .
قال علىّ: وكان سليمانُ بن عبد الملك كلما افتتح قتيبةُ فَتْحاً قال
ليزيد بن المهلب: أما تَرَى ما يصنع اللّه على يدىْ قُتيبة؟ فيقول ابنُ المهلب:
ما فعلَتْ جُرْجانُ التى حالت بين الناس والطريق الأعظم ، وأفسدت
قُومِس وأبرشَهْر! ويقول: هذه الفتوحُ ليستْ بشىء، الشأنُ فى جُرجانَ.
فلما ولى يزيدُ بنُ المهلب لم يكن له همة غير جُرْجان . قال : ويقال :
كان يزيدُ بنُ المهلب فى عشرين ومائة ألف ، معه من أهل الشأم ستون ألفًاً .
قال علىّ فى حديثه، عمّن ذَكَرَ خَبَرَ جُرْجان عنهم: وزاد فيه على"
ابن مجاهد ، عن خالد بن صبيح أنّ يزيدَ بن المهلب لما صالح صولا طَمع
فى طَبرستان أن يَفْتَحها، فاعتزَم على أن يسيرَ إليها، فاستعمل عبدَ الله بن
المعَمّر اليشكرىّ على البياسان ودهسْتان، وخلف معه أربعة آلاف ، ثم
أقبل إلى أدانى جُرْجان مما يلى طَبَرٍستان ، واستَعَمَل على أندرِسْتان أسد
ابن عمرو- أو ابن عبد الله بن الرّبعة .. وهى مما يلى طَبَرِسْان، وخَلّفه فى
أربعة آلاف ، ودخل يزيدُ بلادَ الإصبَهْبذ، فأرسل إليه يسأله الصّلح ،

٥٤٠
سنة ٩٨
٢/ ١٣٢٨ وأن يسَخرُج من طَبَرَسْتان، فأبى يَزيدُ وَرَجا أن يفتَحها، فوجَّه أخاه
أبا عُبينة من وجه ، وخالدَ بنَ يزيد ابنه من وجه ، وأبا الجَهْم الكلبىّ من
وجه ، وقال: إذا اجتمعتم فأبو عُيينة على الناس ، فسار أبو عُيينة فى أهل
المِصْريْن ومَعَه هُريم بن أبى طحمة . وقال يزيد لأبى عُينة: شاوِرْ هُرِيماً
فإنه ناصح . وأقام يزيد معسكراً .
قال: واستجاش الإصبهبذ بأهل جِيلانَ وأهل الدَّيْلم، فأتَوْه فالتّقوا
فى سند جبل، فانهزم المشركون، وأتبعهم المسلمون حتى انتهوا إلى فتم الشُّعب
فدخله المسلمون ، فصعد المشركون فى الجَبَل ، وأتبعهم المسلمون ، فرماهم
العدوّ بالنّشاب والحجارة، فانهزم أبو عُيينة والمسلمون، فركب بعضهم بعضاً
يتساقطون من الجبل ، فلم يَشْبتُوا حتى انتهَوْا إلى عسكر يزيدَ ، وَكَفَ
العدوّ عن اتباعهم، وخافَهم الإصيهيذُ، فكتب إلى المَرْزبان ابن عم
فيروز بن قُول وهو بأقصى جُرْجان ممايلى البياسان: إناقد قتلنا يزيد وأصحابه
فاقتُلْ مَن فى البياسان من العرب . فخرج إلى أهل البياسان والمسلمون
غارُّون فى منازلهم ، قد أجمعوا على قتلِهِم ، فقُتلوا جميعًا فى ليلة ، فأصبح
عبدُ اللّه بن المعمّر مقتولاً وأربعة آلاف من المسلمين لم يَنجُ منهم أحدٌ ،
وقُتِل من بنى العمّ خَمْسون رجلاً؛ قُتِل الحسينُ بنُ عبد الرحمن وإسماعيل
ابن إبراهيم بن شماس. وَكَتَب إلى الإصبهيد يأخذُ بالمتضايق(١) والطرق.
وبلغ يزيدَ قتلُ عبد الله بن المعصّر وأصحابه ، فأعظَموا ذلك، وهالَهم ،
فَفْزِع يزيدُ إلى حيّان النَّبطىّ. وقال: لا يمنعْك ما كان منّى إليك من
نَصيحة المسلمين ، قد جاءنا عن جُرْجان ما جاءنا، وقد أخذ هذا بالطرق ،
فأعمل فى الصّلح؛ قال: نَعَمْ، فأتى حيّانُ الإصبهيذَ فقال: أنا رجلٌ
منكم ، وإن كان الدّين قد فرّقْ بينى وبينكم، فإنى لكم(٢) ناصح ، وأنت
أحبّ إلىّ مين يزيد، وقد بعث يستمدّ، وأمدادُه منه قريبة، وإنما أصابوا
منه طَرفاً، ولستُ آمَن أن يأتيك ما لا تقومُ له، فأرحْ نفسَك منه ، وصالحْه
١٣٢٩/٢
(١) ب: ((المضايق)).
(٢) كذا فى ب، وفى ط: ((فأنا الك)).