النص المفهرس

صفحات 481-500

٤٨١
سنة ٩٣
خُوار زم شاه، وقالوا: لا نعينك، فَهَرَب إلى بلاد الترْك. وقدم المغيرةُ فُسَسَى وَقَتَّل،
وصالَحتَه الباقون، فأخذ الجزية . وقدم على قتيبة ، فاستعمله على ذَيْسابور.
[ فتح طليطلة]
وفى هذه السنة عَزّل موسى بنُ نُصَّير طارقَ بنَ زياد عن الأندلس
ووجهه إلى مدينة طليطلة .
ذكر الخبر عن ذلك :
ذَكَر محمد بنُ عمَرَ أنّ موسى بن نصير غَضِب على طارق فى سنة
ثلاث وتسعين، فشَخَص إليه فى رجب منها، ومعه حبيب بنُ عُقْبة بن نافع
الفِهْرىّ، واستخلف حين شَخَص على إفريقيّة ابنه عبد الله بن موسى بن
نُصير، وعَبَر موسى إلى طارق فى عشرة آلاف ، فتلقّاه ، فترضّاه
فَرَضِىَ عنه، وقَبِلِ منه عذرَه، ووجّهه منها إلى مدينة طُلَبْطِلةَ - وهى
من عظام مدائن الأندلس، وهى مِن قُرْطُبَة على عشرين يوما (١) - فأصاب
فيها مائدةَ سُلَمان بن داود، فيها من الذَّهَب والجَوْهر ما اللّهُ أعلمُ به.
٢/ ١٢٥٤
قال: وفيها أجدَبَ أهلُ إفريقيّة جَدْباً شديداً، فخرج موسى بنُ نُصير
فاستسْقَى ، ودعا يومئذ حتى انتصف النهارُ، وخَطَب الناسَ ، فلما أراد
أن يَنزِل قيل له: ألا تَدْعُو لأمير المؤمنين! قال : ليس هذا يوم ذاك ،
فسُقُوا سَقْاً كَفَاهِمْ حِينًا .
[ خبر عزل عمر بن عبد العزيز عن الحجاز ]
وفيها عُزِل عمر بنُ عبد العزيز عن المدينة .
ذكر سبب عزل الوليد إيّاه عنها :
وكان سبب ذلك فيما ذُكِرٍ - أنّ عمَرَ بنَ عبد العزيز كَتَب إلى الوليد
يُخبره بعَْفِ الحجاج أهلَ عمله بالعراق، واعتدائه عليهم ، وظلمه لهم
بغير حقّ ولا جِناية، وأنّ ذلك بلغ الحجاج ، فاضطغنه على عمر، وكتب
إلى الوليد: إنّ مَنْ قبلى من مُرّاق أهلِ العراق وأهلِ الشقاق قد جَدْوا عن
(١) بعدها فى ابن الأثير: ((ففتحها)).

٤٨٢
سنة ٩٣
العراق، ولجئوا إلى المدينة ومكّة، وإنّ ذلك وَهْن .
فكتب الوليدُ إلى الحجّاج: أن أشِرْ علىّ برجلين، فكتب إليه يشير عليه
بعثمان بن حيّان وخالد بن عبد الله، فولى خالدًا مكّة وعثمان المدينة، وعزلَ
عمر بن عبد العزيز.
قال : محمد بنُ عمر: خرج عمرُ بنُ عبد العزيز من المدينة فأقامَ
بالسويداء وهو يقول لمزاحم: أتَخَاف أن تكون ممن نَفَتْه طيبة !
١٢٥٥/٢
وفيها ضربَ عمرُ بن عبد العزيز خُبيبَ بنَ عبد الله بن الزبير بأمر الوليد
إيّاه، وصبّ على رأسه قربةٌ من ماء بارد. ذكر محمد بنُ عمَر، أن أبا المليح
حدّثه عمّن حضر عمر بن عبد العزيز حين جلد خُبيب بن عبد الله بن
الزبير خمسين سَوْطاً، وصَبَّ على رأسِهِ قِربةٌ من ماء فى يوم شاتٍ ،
ووقفه على باب المسجد ، فمَكَث يومه ثم مات .
وحَجّ بالناس فى هذه السنة عبدُ العزيز بن الوليد بن عبد الملك، حدثنى
بذلك أحمد بنُ ثابت ، عمن ذكره ، عن إسحاق بن عيسى ، عن أبى معشَر.
وكانت مُمّال الأمصار فى هذه السنة ◌ُمالها فى السنة التى قبلها، إلاّ ما كان من
المدينة، فإنّ العاملَ عليها كان عثمان بن حيّان المُرّىّ، ولَيها - فيما قِيل -
فى شعبان سنة ثلاث وتسعين .
وأما الواقدىّ فإنه قال: قَدم عثمانُ المدينة لليلتين بقيتا من شوّال
سنة أربع وتسعين .
وقال بعضهم : شَخَص عمرُ بنُ عبد العزيز عن المدينة مَعْزولا فى
شَعبانَ من سنة ثلاث وتسعين وغيّزًا فيها، واستخلف عليها حين شَخَص
عنها أبا بكر بن محمد بن عَمرو بن حَزْم الأنصارىّ . وقَدِم عثمانُ بنُ
حيّان المدينة للَّلتين بقيتًا من شوّال.
٠

ثم دخلت سنة أربع وتسعين
ذكر الخبر عما كان فيها من الأحداث
فمن ذلك ما كان من غزوة العباس بن الوليد أرضَ الرّوم ، فقيل : إنه
فَتَح فيها أنطاكية .
١٢٥٦/٢
وفيها غَزَا- فيما قيل- عبدُ العزيز بنُ الوليد أرضَ الرّوم حتى بلغ غزالة.
وبلغ الوليد بن هشام المعيطىّ أرضَ بُرْج الحمام، ويزيد بن أبى كبشة
أرضَ سُورِية .
وفيها كانت الرَّجْفة(١) بالشأم(٢).
وفيها افتََّح القاسمُ بنُ محمد الثقَفى أرضَ الهند.
[غزو الشاش وفرغانة]
وفيها غزّا قُتيبةُ شاش وفَرْغانة حتى بلغ حُجَنْدَة وكاشانَ؛ مدينتى
فَرْغانة .
ذكر الخبر عن غزوة قُتسيبة هذه :
*
ذَكَر على بن محمد، أن أبا الفوارس التميمىّ، أخبره عن ماهان ويونس
ابن أبى إسحاق ، أنّ قتيبة غزا سنة أربع وتسعين. فلما قطع النّهر فرض على
أهل بُخَارَى وكس" ونسف وحُوارزم عشرين ألفَ مُقاتِل. قال : فساروا
معه إلى السُّغْد، فوجّهوا إلى الشاش، وتوجه هو إلى فَرْ غانة، وسار حتى أتى
حُجَنْدَةَ، فجمع له أهلها . فلقوه فاقتتلوا مراراً، كلّ ذلك يكون الظفر
للمسلمين . ففرغ الناسُ يومًا فَرَكِبوا خيولَهم، فأوفَ رجلٌ على نَشَزٍ
فقال: تاللّه ما رأيت كاليوم غرّةً، لو كان هَيْجُ اليومَ ونحنُ على ما أرى
(١) ب: ((الزحفة)).
(٢) ابن الأثير: ((وفيها كانت الزلازل بالشام، ودامت أربعين يوماً، فخربت البلاد؛ وكان
عظم ذلك فى أنطاكية )» .
٤٨٣

٤٨٤
سنة ٩٤
من الانتشار لكانت الفضيحة ، فقال له رجل إلى جَنْبه : كلا، نحن كما
قال عَوْف بن الخَرِعِ :
نؤمٌ البلادَ لحُب اللِّقًا ولا نَتَّقَى طائرًا حَيثُ طارًا
٢/ ١٢٥٧
على كلّ حالٍ نُلاقى اليسارا(١)
سنيحاً ولا جارِياً بارِحاً
وقال سَحْبان وائل يذكر قتالَهم بخُجَنْدَة :
ـدَةَ تحتَ مُرهَفَةِ العَوَالِ
فَسَلِ الفَوَارِسَ فى خُجَّدٌ
هُزِموا وأُقدِمُ فى قِتالى
هل كُنتُ أَجْمَعُهُم (٢) إِذا
للعَوَالى
عَانى(٣) وَأَصِرُ
أَم كنْتُ أَضْرِبُ هامَةَ الـ
سِ كُلِّهَا ضَخْمُ النَّوَالِ
هذا وأَنتَ قرِيعُ قَبـ
وأَبوك فى الحِجَجِ الخَوالى
وفَضَلتَ قيسًا فى النَّدَى
مِكَ فيهمُ فى كلِّ مال
ولقَد تَبَيَّنَ عَدلُ حُگ
تمَّتْ مروءَتُكُمْ وَنَا غِى عِزُّكُمْ غُلِبَ الجِبَالِ
قال : ثمّ أتى قتيبةُ كاشانَ مدينةَ فرغانة، وأتاه الجنودُ الذين وجّههم
إلى الشاش وقد فتحوها وحَرّقوا أكثرها، وانصرف قتيبةُ إلى مَرْوَ. وَكَتّب
الحجاج إلى محمد بن القاسم الثقفىّ أنْ وجُّه من قِبلتَكَ من أهل العراق
إلى قتيبة، وَوَجِّه إليهم جَهْم بن زَحْر بن قيس ، فإنه فى أهل العراق خيرٌ
منه فى أهل الشأم. وكان محمد وادًّا لجَهْم بن زَحْر ، فبعث سليمان بن
صَعْصعة وجَهْم بن زّحْر، فلما ودّعه جهمٌ بكى وقال: يا جَهْم ، إنه
للكْفراق ؛ قال : لا بدّ منه .
قال : وقَدِم على قتيبة سنة خمس وتسعين .
(١) ر: ((النسارا)).
(٣) ب: ((العانى)).
(٢) ب: ((أحميم)).
..

٤٨٥
سنة ٩٤
[ولاية عثمان بن حيّان المرّىّ على المدينة ]
وفى هذه السنة قَدِم عثمانُ بنُ حيّانَ المرّىّ المدينةَ واليًا عليها من قِبل ١٢٥٨/٢
الوليد بن عبد الملك .
ذكر الخبر عن ولايته :
قد ذكرْنا قبلُ سببَ عَزْل الوليد عمرَ بنَ عبد العزيز عن المدينة ومكّة
وتأميره على المدينة عثمان بن حيّان، فزعم محمد بنُ عمر أن عثمان قدم المدينة
أميراً عليها لليلتين بقيَتًّا من شوّال سنة أربع وتسعين، فنزل بها دارَ مَرْوان
وهو يقول: محلّة واللّه مِظعانٌ، المغرور من غرّ بك. فاستقضى أبا بكر بن حَزْم.
قال محمد بنُ عمر : حدّنى محمد بنُ عبد اللّه بن أبى حُرّة، عن عمه
قال: رأيتُ عثمانَ بَنَ حيّانَ أخذ رِياحَ بن عبيد الله ومُنقِذًاً العراقىّ فحبَستهم
وعاقَبَتَهم ، ثمّ بعث بهم فى جوامع إلى الحجّاج بن يوسف، ولم يترك بالمدينة
أحداً من أهل العراق تاجراً ولا غيّر تاجر، وأمر بهم أن يُخرجوا من كلّ
بلد، فرأيتُهم فى الجوامع ، وأتبع أهل الأهواء، وأخذ هَيْصَا فقطعه، ومنحوراً -.
وكان من الخوارج - قال: وسمعتُه يَخطُب على المِنبَر يقول بعد حمد انله :
أيها الناس، إنا وجدناكم أهلَ غِشِّ لأمير المؤمنين فى قديمِ الدّهر
وحديثه ، وقد ضَوَى إليكم من يَزيدُكم خَبالا . أهلُ العِراق هم أهْلُ
الشقاق والنفاق، هم واللّه عُشّ النفاق وبَيْضَته التى تفلّقتْ عنه. والله ما
جرّبتُ عِراقيًّا قط إلا وجدتُ أفضلهم عند نفسِه الذى يقول فى آل ١٢٥٩/٢
أبى طالب ما يقول ، وما هم لهم بشيعة، وإنهم لأعداء لهم ولغيرهم، ولكن لما
يريد الله من سَفْك دمائهم فإنى والله لا أوتى بأحد آوَى أحداً منهم ، أو
أكْراه منزلا، ولا أنْزَلَه، إلا هدمتُ منزله، وأنزلتُ به ماهو أهلُه. ثمّ إنّ
البلدانَ لما مصّرها ◌ُمر بنُ الخطاب وهو مجتهِد على ما يُصلِحِ رعيّته جعل
يمرّ عليه من يريد الجهاد فيستشيره : الشأم أحبّ إليك أم العراق ؟ فيقول :
الشأم أحب إلىّ. إنى رأيتُ العراقَ داءً عُضالا، وبها فرّخ الشيطان. واللّه

٤٨٦
سنة ٩٤
لقد أعضلوا(١) بى، وإنى لأرانى سأفرقهم فى البُكْدان، ثم أقول: لو فرّقتهم
لأفْسَدُوا مَن دخلوا عليه بجدَل وحِجَاج، وكَيفَ ؟ ولِمَ ؟ وسُرعتَةٍ
وتجيف فى الفتنة، فإذا خُبروا عند السيوف لم يخبر منهم طائل(٢). لم
يصلحوا على عثمان، فلفى منهم الأمرّين (٣)، وكانوا أوّلَ الناس فَتَقَ هذا
الفَتْقَ العظيم، ونقضوا عُرَى الإسلام عُرْوةً عُرْوة، وأنغلوا(٤) البُلدان. والله
إنى لأتقرب إلى الله بكل ما أفعل بهم لِمَا أعرف من رأيهم ومذاهبهم. ثمّ
وليهم أمير المؤمنين معاوية فدامتجهم (٥) فتلم يصلحوا عليه، وَوَلِيهم رجلٌ
الناسٍ (٦) جدداً فبسط عليهم السيف، وأخافتهم، فاستقاموا له أحبُّوا أو كرهوا،
وذلك أنه خَبَّرهم وعرَفَتَهم .
أيها الناس، إنا واللّه ما رأينا شعاراً قطّ مِثلَ الأمْن، ولا رأينا
جلسً(٧) قطّ شرًّا من الحَوْف، فالزّموا الطاعة، فإنّ عندى يا أهلَ
المدينة خيرةً من الخلاف . والله ما أنتم بأصحاب قتال ، فكونوا
٢٠ / ١٢٦٠ من أحْلاس بيُوتكم، وعَضّوا على النواجذ، فإنى قد بعثتُ فى
مجالسكم مثن يسمع فيبلغنى عنكم. إنكم فى فضول كلام غيرُهُ الزّم لكم،
فَدعُوا عَيبَ الوُلاة، فإنّ الأمر إنما يُنقض شيئًا شيئًا حتى تكون الفتنة
وإنّ الفتنة مِن البلاء، والفِتن تَذهَب بالدين وبالمال والولد.
قال : يقول القاسمُ بنُ محمد: صدق فى كلامه هذا الأخير، إنّ الفتنة لهكذا.
قال محمد بن عمر: وحدثنى خالدُ بنُالقاسم، عن سعيد بن عَمر و الأنصارىّ،
قال : رأيتُ منادِىّ عثمانَ بن حيّانَ ينادى عندنا: يا بنى أمية بنَ زيد،
برؤَّتْ ذمة من آوَى عراقيًّا - وكان عندنا رجلٌ من أهل البصرة له فضلٌ
(١) عضل به الأمر وأعضل: اشتد. (٢) الطائل والطائلة والطول: الفضل والقدرة.
(٣) الأمران : الفقر والهرم ؛ وهما كناية عن اشتداد الأمر .
(٤) أنغلوا: أفسدوا، من فغل الأديم إذا فسد فى الدباغ، وأنغله: أفسده.
(٥) دامجهم: وافقهم؛ من المدامجة وهى مثل المداجاة. (٦) رجل الناس، يريد الحجاج.
(٧) الجلس فى الأصل: كساء على ظهر بعير يوضع تحت رحله ؛ والمراد لزوم الشىء.
+

٤٨٧
سنة ٩٤
يقال له أبو سَوادة، من العُبّاد - فقال: والله ما أحِبّ أن أدخِل عليكم
مكروهًا، بلغونى (١) م-أمسَى؛ قلت: لا خيرَ لك فى الخروج، إنّ اللّه يَدْفَع
عنا وعنك. قال: فأدخلتُه بيتى، وبلغ عثمان بن حَيّانَ فبَعَث أحراسًا
فأخرجْته إلى بيت أخِى، فما قَدَروا على شىء، وكان الذى سَعَتَى بِى عَدُوًّا،
فقلت للأمير : أصلح الله الأمير! يُؤتَى بالباطل فلا تتعاقب عليه . قال :
فضَرَب الذى سَعَى بى عشرين سوطاً. وأخَرَ جْنا العراقىّ، فكان يصلّى
معنا ما يغيبُ يوماً واحداً، وحَدِب عليه أهلُ دارِنا ، فقالوا : نموتُ
دونتَك! فما بَرِح حتى عُزل الخبيث .
قال محمد بنُ عمر: وحدثنا عبد الحكيم (٢) بن عبد الله بن أبى فروة، قال:
إنما بَعَث الوليدُ عثمانَ بنَ حيّان إلى المدينة لإخراج متن بها من العراقيين ١٢٦١/٢
وتفريقِ أهلِ الأهواء ومن ظَهر (٣) عليهم أو علا بأمرهم (٤)، فلم يبعثه واليًا ،
فكان لا يَصعد المنبر ولا يَخطُب عليه، فلما فعل فى أهلِ العراق ما فعل.
وفى مَنْحور وغيرِه أثبتَّه على المدينة ، فكان يصعد على المِنْبَر.
[ ذكر الخبر عن مقتل سعيدبن جُبَيْر]
وفى هذه السنة قَتَّل الحجاجُ سعيد بنَ جُبَيْر .
« ذكر الخبر عن مقتله :
وكان سبب قتل الحجاج إياه خروجه عليه مع مَن خَرَج عليه . مع
عبد الرحمن بن محمد بن الأشعث ، وكان الحجاج جعله على عطاء الجُنْد
حين وجّه عبد الرحمن إلى رُتْبيل لقتاله، فلما خلع عبدُ الرحمن الحجاج
كان سعيد فيمن خَّعَه معه، فلما هُزِمِ عبدُ الرحمن وهَرَب إلى بلاد رُتْبیل
هَرَّب سعيد .
فحدّثنا أبو كريب، قال: حدثنا أبو بكر بن عياش، قال: كتب الحجاج
إلى فلان وكان على أصبهان- وكان سعيد، قال الطبرى: أظنه أنه لما هَرَب
(٢) ط: ((الحكم))، تصحيف
(١) ب: ((بلغوا بي)).
(٣) ب: ((طعن)).
(٤) ب: ((عاب أمرهم)).

٤٨٨
سنة ٩٤
من الحجاج ذهب إلى أصبهان فكّتّب إليه -: إنّسعيداً عندَك فخُذْه.
فجاء الأمرُ إلى رجل تحرَّج، فأرسل إلى سعيد: تحوَّلْ عسى، فتنحَّى عنه،
فأتى أذْرَبيجان ، فلم يزَل بأذربيجان فطَال عليه السنون، واعتَمَر
فخَرَج إلى مكة فأقامَ بها ، فكان أناس مِن ضربه يستخفُون فلا يُخبرون
بأسمائهم. قال: فقال أبو حَصِين"وهو يحدثنا هذا: فبَلَغنا أنّ فلانًا قد أمِّر
على مكة، فقلت له: يا سعيد، إنّ هذا الرجل لا يُؤْمَن، وهو رَجُل
سَوْء، وأنا أتقيه عليك، فاظعَن واشخص ، فقال : يا أبا حّصِين ، قد
واللّهِ فررت حتى استحييتُ من اللّه! سيجيثُنى ما كَتَب اللّه لى. قلتُ:
أظنك واللّه سعيداً كما سمتك أمك. قال: فقدم ذلك الرجل إلى مكة ،
فأرسلَ فأخذ فلان له وكلّمه ، فجعل يديره .
وذكر أبو عاصم عن عمر بنَ قيس، قال: كتَبَ الحجاج إلى
الوليد: إنّ أهلَ النفاق والشقاق قد لجئوا إلى مكة، فإنْ رأى
أميرُ المؤمنين أنْ يأذن لى فيهم! فكتَبَ الوليدُ إلى خالدبنِ عبدِ اللّه القَسْرىّ؛
فأخَذ عطاءً وسعيد بنَ جُبَير ومجاهد وطلق بن حبيب وتعمرو بن دينار؛
فأما عمروبنُ دينار وعطاء فأرسلاً لأنهما مكيّان، وأما الآخرون فبعث بهم
إلى الحجّاج، فمات طلقٌ فى الطريق، وحُبِس مجاهدٌ حتى مات الحجاج،
وفُتِل سعيدُ بنُ جُبير .
حدّثنا أبو كريب ، قال : حدثنا أبو بكر ، قال : حدّثنا الأشجعىّ ،
قال: لما أقبل الخرّسيّان بسعيد بن جُبير نَزّل منزلا قريبًا من الرَّبَذَة،
فانطلَق أحد الخرَسيين فى حاجتهٍ وبفى الآخر ، فاستيقظ الذى عندَه ،
وقد رأى رُؤْيا ، فقال : يا سعيد ، إنى أبرأ إلى الله من دَمِك! إنّى رأيتُ
١٢٦٣/٢ فى منامى؛ فقيل لى: ويلك! تبرّأ من كَمِ سعيد بنِ جُبَير. اذهبْ
حيث شئتَ لا أطلُبك أبداً ؛ فقال سعيد : أرجو العافية وأرجو ، وأبى حتى
(١) هو أبو حصين عثمان بن عاصم، روى عنه أبو بكر بن عياش، وانظر الجزء الأول
ص ٣٥٤، وتهذيب التهذيب ١٢ : ٣٤.
١٢٦٢/٢

سنة ٩٤
٤٨٩
جاء ذلك؛ فَنزَلا من الغد ، فأرى مثلها ، فقيل : ابرَأْ من دَمِ سعيد .
فقال: يا سعيد، اذهَبْ حيثُ شئتَ، إنى أبرأ إلى اللّهِ منَ دمِك، حتى جاء به.
فلما جاء به إلى داره التى كان فيها سعيد وهى دارهم هذه، حدّثنا
أبو كريب ، قال : حدّثنا أبو بكر ، قال : حدّثنا يزيدُ بنُ أبى زياد
مُولَى بنى هاشم قال : دخلتُ عليه فى دار سعيد هذه ، جىءَ به
مقيَّداً فدخل عليه قرّاءُ أهل الكوفة. قلتُ: يا أبا عبد (١) اللّه، فحدّتكم ؟
قال: إى واللّهِ ويَضْحَك، وهو يحدّثُنا، وبُنَّة له فى حِجْره، فنظرتْ
نظرةً فأبصرَت القيد فبكّتْ، فسمعتُهُ يقول: أىْ بُنَيّة لا تتَطْيَّرَى،
إيّاك- وشَقّ واللّه عليه - فاتبعناه نشيعه، فانتتَهيْنا به إلى الجِسْر، فقال
الخرّسيان: لا نتعبُر به أبداً حتى يعطينا كفيلاً، نخاف أن يُغرِق نفسه.
قال : قلنا : سَعيدٌ يُغرّق نفسَه! فما عبروا حتى كفلنا به.
قال وَهْب بن جرير : حدثنا أبى، قال : سمعتُ الفَضْل بن سُوَيَد
قال: بعشَى الحجاج فى حاجة، فجىء بسعيدِ بنِ جُبَيْر، فرجعتُ
فقلت: لأنظرنّ ما يصنَع، فقمتُ على رأس الحجاج ، فقال له الحجاج : ١٢٦٤/٢
يا سعيد، ألم أشرِ كْك فى أمانى! ألم أستَعْمِلْك! ألم أفْعَل! حتى ظننتُ
أنه يخلى سبيله ؛ قال: بلى، قال: فما حملك على خروجك علىّ ؟
قال: عُزِم علىّ، قال : فطار غَضَباً وقال : هيه ! رأيت لعزمة عدوّ
الرحمن عليك حقًّا، ولم تر اللّه ولا لأمير المؤمنين ولا لِى عليكَ حَقًّا!
اضرِبا عنقته، فضربت عُنُقُه، فَنَّدر رأسه عليه كمّة بيضاء
لا طية صغيرة .
وحُدّثت عن أبى غسانَ مالك بن إسماعيل، قال: سمعتُ خلفَ بن خليفة
يَذْكُرُ عن رجل قال: لما قُتِل سعيدُ بنُ جبير فندرَ رأسُه لله، هلل ثلاثًا:
مرّة يُفْصِح بها ، وفى الثَّنْتَين يقول. مِثْلَ ذلك فلا يُفْصِح بها .
وذكر أبو بكر (٢) الباهلىّ، قال: سمعتُ أنسَ بنَ أبى شيخ، يقول : لما
(١) أبو عبد الله كنية يزيد بن أبي زياد . تهذيب التهذيب.
(٢) ط: ((بكرة))، وانظر الفهرس.

٤٩٠
سنة ٩٤
أتِىَ الحجاجُ بسعيد بن جُبير ، قال: لعن اللّهُ ابنَ النصرانية - قال: يعنى
خالداً القَسْرَى، وهو الذى أرسَل به من مكة - أما كنتُ أعرف مكانته!
بلى واللهِ والبيت الذى هو فيه بمكة. ثمّ أقبَلَ عليه فقال: يا سعيد ،
ما أخرجك علىّ ؟ فقال: أصلحَ اللّهُ الأمير! إنما أنا امرؤٌ من المسلمين
يُخطِئْ مَرّة ويُصيبُ مَرّة، قال: فطابت نفسُ الحجاج، وتَطَلَّق
وجهُهُ، ورجا أن يتخلّص من أمره ، قال : فعاوَدَه فى شىء ، فقال له :
إنما كانت له بيْعة فى عُنقى؛ قال : فغَضِب وانتفَخَ حتى سَقَط أحد طَرَفى
١٢٦٥/٢ ردائه عن منكبه، فقال: يا سعيد، ألم أقدَم مكة فَقتلتُ ابنَ الزّبير،
ثم أخذت (١) بيعةَ أهلها، وأخذتُ بيعتّك لأمير المؤمنين عبد الملك! قال:
بلى ، قال : ثم قدمتُ الكوفيَة واليًا على العراق فجدّدت لأمير المؤمنين البيعة،
فأخذتُ بَيعتَك له ثانيةً! قال: بلى؛ قال: فَتَنْكث(٢) بيْعَتين
لأمير المؤمنين ، وتتفى بواحدة للحائِك ابنِ الحائك! اضربا عنقه؛ قال: فإياه
عسَى جرير بقولِه :
يارُبَّ نَاكِثٍ بَيَعَتَيْنِ تَرَكَتَهُ وَخِضَابُ لحِيَتِهِ دَمُ الأوداج ("
وَذَكَر عتّاب بن بِشْر، عن سالم الأفطس ، قال : أتِىَ الحجاج
بسَعيد بنِ جُبَيْروهو يريد الركوب، وقد وَضَع إحدى رِجْليه فى الغَرْز .-
أو الركاب - فقال: والله لا أركب حتى تبوء" مقعدك من النار ، اضربوا
عنقه. فضُربت عنقُه، فالتبس مكانه ، فجعل يقول: قيودُنا
قيودُنَا، فظَنّوا أنه قال: القيود التى على سعيد بن جبير، فقطعُوا رِجْليه
من أنصاف ساقَيْه وأخَذُوا القيود .
قال محمد بنُ حاتم: حدّثنا عبدُ الملك بنُ عبد اللّه عن هلال بن خّبّاب(٤)
قال: جىء بسعيد بنِ جُبير إلى الحجاج فقال: أكتَبْتَ إلى مصعب
ابن الزبير ؟ قال: بل كَتَب إلىّ مصْعّب؛ قال: والله لأقتلنك؛ قال:
(١) ب: ((وأخذت)).
(٣) ديوانه ٩٠.
(٢) ب: ((فنكثت)).
(٤) ط: ((جناب))، وانظر الفهرس.

٤٩١
سنة ٩٤
إنّى إِذًا لَسعيد كما سمّتنى أمى! قال: فَقّله؛ فلم يَذْبَث بعدَه إلاّ نحواً
من أربعين يومًا ، فكان إذا نام يراه فى متنامِه يأخذ بمَجامع ثوبِه فيقول :
يا عدّوَ اللّه، لِمَّ قَتَلتَنى؟ فيقول: مالى ولسعيد بن جُبير! مالى ولسعيد ١٢٦٦/٢
ابنِ جُبير !
قال أبو جعفر: وكان يقال لهذه السنة سنةُ الفُقتهاء، ماتَ فيها عامّة
فُقَهاء أهلِ المدينة، مات فى أوّلها علىّ بنُ الحسين عليه السلام(١)، ثمّ
عُرْوة بن الزّبير، ثم سعيد بن المسيّب، وأبو بكر بنُ عبد الرّحمن بن
الحارث بن هشام .
واستقضَى الوليدُ فى هذه السنة بالشأم سليمانَ بنَ حبيب .
واختُلف فيمن أقامَ الحجّ للناس فى هذه السنة ، فقال أبو معشر .-
فيما حَدّثنى أحمدُ بنُ ثابت عمن ذكره ، عن إسحاقَ بن عيسى عنه - .
قال: حَجّ بالناس مَسلمة بنُ عبد الملك سنة أربع وتسعين .
وقال الواقدىّ : حجّ بالناس سنة أربع وتسعين عبدُ العزيز بنُ الوليد بن
عبد الملك - قال: ويقال : مسلمة بن عبد الملك.
وكان العاملُ فيها على مكة خالد بن عبد الله القصّسْرىّ، وعلى المدينة
عثمان بن حيّان المُرّىّ، وعلى الكوفة زياد بن جرير، وعلى قضائها أبو بكر
ابن أبى موسى . وعلى البَصْرة الجرّاح بن عبد الله. وعلى قضائها عبد الرحمن
ابن أذينة. وعلى خُراسانَ قتيبة بن مسلم ، وعلى مصرَ قرّة بن شريك ،
وكان العراق والمتشرق كله إلى الحجاج(٢).
(١) ب: ((على بن الحسين بن على صلى الله عليهم)).
(٢) بعده فى ب: ((بن يوسف)).

ثم دخلت سنة خمس وتسعین
ذكر الأحداث التى كانت فيها
ففيها كانت غَزْوة العباس بنِ الوليد بن عبد الملك أرضَ الرّوم، ففََّح
١٢٦٧/٢
اللّهُ على يديه ثلاثةَ حُصون فيما قيل ، وهى: طولس، والمرزبانين، وهِرَقْلة.
وفيها فتح آخر الهند إلا الكَيْرَج والمَنْدَّل.
وفيها بُنِيتْ واسِط القَصّب فى شهر رمضانَ .
وفيها انصرَفَ موسى بنُ نُصَير إلى إفريقيَّة من الأندلس، وضَحّى بقَصْر
الماء - فيما قيل - على مِيل من القَيْروان .
[بقية الخبر عن غزو الشاش ]
وفيها غزا قُتيبة بنُ مُسلِم الشاش .
* ذكر الخبر عن غزوّته هذه :
رجع الحديث إلى حديث علىّ بن محمد ، قال : وبعث الحجاج جيشاً
من العراق فقدموا على قتيبة سنة خمس وتسعين، فغزا، فلما كان بالشاش- أو
بكُشاهَن- أتاه موتُ الحجاج فى شوّال، فغمَّه ذلك، وقَفَل راجعًا إلى
مَرْوَ ، وتمثل :
بحَورَانَ أَمسى أَعلَقَتْهُ الحَبَائلُ(١)
العَمرِى لنِعمَ المرءُ من آلِ جَعَفَرٍ
فما فى حَيَاة بَعد مَوْتِكَ طَائِلُ
فإِنْ تَحْىَ لا أَملَلْ حياتى وإِن تَمُتْ
قال : فرجع بالناس ففرّقهم، فَخلَّف فى بخارَى قومًا، ووجّه قومًاً
إلى كسّ ونَسَف، ثمّ أَتَى مَرْوَ فأقام بها، وأتاه كتابُ الوليد: قد عَرَف
١٢٦٨/٢ أميرُ المؤمنين بلاءَك وحدك(٢) فى جهاد أعداء المسلمين، وأميرُ المؤمنين(٣)
(١) الحطيئة، ديوانه ١٠٠، وذكروا أنه خرج يريد علقمة بن علاثة وهو بحوران، فمات
(٢) ب: ((وجهادك)) .
علقمة قبل أن يصل إليه الحطيئة ؛ فقال أبياتاً منها هذان البيتان .
(٣) ب: ((المسلمين)).
٤٩٢

٤٩٣
سنة ٩٥
رافعُك وصانع بك كالذى يجب لك ، فالم مَغَازِيك ، وانتظرْ ثوابَ
ربك ، ولا تغيب(١) عن أمير المؤمنين كتبَك؛ حتى كأنى أنظرُ إلى بلادك(٢)
والثغر الذى أنتَ به(٣).
وفيها مات الحجاج بنُ يوسفَ فى شوّال- وهو يومئذ ابن أربع وخمسين
سنة وقيل : ابن ثلاث وخمسين سنة - وقيل : كانت وفاته فى هذه السنة
لخمسٍ ليال بقين من شهرِ رمضان .
وفيها استخلف الحجاج لما حضرته الوفاةُ على الصلاة ابنه عبدَ الله بن
الحجاج . وكانت إمرةُ الحجاج على العراق فيما قال الواقدىّ عشرين سنة .
وفى هذه السنة افتََّح العبّاس بنُ الوليد قِنَّشْرِين.
وفيها قُتِلَ الوضاحىّ بأرض الرّوم ونحوٌ من ألفٍ رجل معه.
وفيها - فيما ذكر - وُلد المنصور عبد الله بن محمد بن علىّ .
وفيها ولّى الوليدُ بنُ عبدِ الملك يزيدَ بنَ أبى كَبْشة على الحرْب والصلاة
بالمِصِرَين (٤): الكوفةَ والبَصْرة، وولَى خراجهما يزيدَ بنَ أبى مسلم .
وقيل : إن الحجاج كان استخْلَف حين حضرته الوفاة على حرب
البلدين والصّلاة بأهلهما يزيد بن أبى كَبْشة ، وعلى خراجهما يزيدَ بنَ
أبى مسلم ، فأقرّهما الوليد بعدَ موتِ الحجاج على ما كان الحجاج
استخلّفهما عليه. وكذلك فعل بعمال الحجاج كلهم ، أقرّهم بعدَه على
أعمالهم التى كانوا عليها فى حياته .
١٢٦٩/٢
وحَجّ بالناس فى هذه السنةِ بشر بنُ الوليد بن عبد الملك ، حدّثی
(١) ب: ((تغيب)).
(٣) ب: ((فيه)).
(٤) ب: ((على المصرين)).
(٢) ب: ((بلائك)).

٤٩٤
سنة ٩٥
بذلك أحمدُ بنُ ثابت عمّن ذكره، عن إسحاق بن عيسى ، عن أبى متعشر .
وكذلك قال الواقدىّ .
وكان مُمال الأمصار فى هذه السنة هم العمال الذين كانوا فى السنة
التى قبلها، إلا ما كان من الكُوفة والبَصْرة؛ فإنهما ضُمّتَا إلى مَن
ذكرتُ بعد موتٍ الحجاج .
٠

ثم دخلت سنة ستّ وتسعين
ذكر الأحداث التى كانت فيها
ففيها كانت - فيما قال الواقدىّ - غَزْوَة بيِشْر بن الوليد الشاتية ،
فقفل وقد مات الوليد .
[ ذكر الخبر عن موت الوليد بن عبد الملك ]
وفيها كانت وفاةُ الوليد بنِ عبدِ الملك، يومَ السبت فى النّصف من
جمادى الآخرة سنة ست وتسعين فى قولٍ جميعِ أهلِ السيسَرَ .
واختُلُف فى قَدْر مدّة خلافتِهِ، فقال الزُّهْرِىّ فى ذلك - ما حُدّثت
عن ابن وَهْب عن يونس عنه : مَلَك الوليدُ عشر سنين إلا شهراً.
وقال أبو معشر فيه، ما حدّثنى أحمد بن ثابت، عمّن ذكَرَه،
عن إسحاقَ بن عيسى، عنه: كانت خلافةُ الوليدِ تسعَ سنينَ وسبعة أشهر.
١٢٧٠/٢
وقال هشام بنُ محمد: كانت ولايةُ(١) الوَليد ثمان سنين وستة(٢) أشهر.
وقال الواقدىّ : كانت خلافتهُ تسعَ سنين وثمانية أشهر وليلتين .
واختُلُف أيضًا فى مبلغ عمره ، فقال محمد بن عمر : توفى بد مشق
وهو ابنُ ست وأربعين سنة وأشهر .
وقال هشامُ بنُ محمد : توفى وهو ابنُ خمس وأربعين سنة .
وقال علىّ بنُ محمد: تُوُفِّى وهو ابنُ اثنتين وأربعين سنةٌ وأشهر .
وقال على : كانت وفاةُ الوليدِ بدَير مُرَّان، وُدُفِنَ خارجَ بابِ الصّغير.
ويقال : فى مَقَابِرِ الفَرَادِ يس .
ويقال : إنه توفى وهو ابنُ سبع وأربعين سنة .
وقيل : صلى عليه عمرُ بنُ عبد العزيز .
(١) ب: ((خلافة)).
(٢) ب: ((ثمانية)).
٤٩٥

٤٩٦
سنة ٩٦
وكان له-فيما قال علىّ- تسعة عشر ابنًا: عبدالعزيز، ومحمّد، والعباس،
وإبراهيم، وتمَّام، وخالد، وعبد الرحمن، ومبشّر، ومسرور، وأبو عبيدة ،
وصَدَقة، ومنصور ، ومروان ، وعَنْبسة ، وعمر ، ورَوْح، وبِشْر ،
ویزید ، ویحی ؛
أمُّ عبد العزيز ومحمد وأمّ البنين بنت عبد العزيزابن مَرْوان، وأم
أبى عبيدة فزارّية ، وسائرهم لأمهات شتى .
# ذكر الخبر عن بعض سيره :
حدّثنى مُمَرَ، قال: حدثنى علىّ، قال: كان الوليدُ بنُ عبد الملك عند
أهل الشأم أفضل خلائفهم ، بنى المساجِدَ مسجدَ دمَشق ومسجدَ المدينة ،
ووَضّعَ المتنار، وأعطى الناسَ، وأعطَى المُجَدَّمين، وقال: لا تسألوا
الناس. وأعطَى كلَّ مُفْعَدَ خادمًا، وكلَّ ضَرِير قائداً. وفُتِحَ فى ولايته
فتُوحٌ عِظام؛ فتَحَ موسى بنَ نُصير الأندلس، وفَتَح قتيبة كاشْغَرَ،
وفَتَّح محمد بنُ القاسم الهند .
قال : وكان الوليدُ يمرّ بالبقال فيَقِف عليه فيأخذ حُزْمة البَقْل
فيقول: بكمْ هذه ؟ فيقول. بفَلْس ؛ فيقول : زدْ فيها .
قال : وأتاه رجلٌ من بنى مخزوم يَسألُه فى دَيْنِهِ، فقال : نعم ، إن
كنت مستحقًّا لذلك ، قال: يا أميرَ المؤمنين، وكيف لا أكون مستحقًّا
لذلك مع قرابتى! قال: أقرأت القرآن؟ قال: لا ، قال : ادْنُ منى،
فدنا منه، فنَزَع عمامته بقضيب كان فى يده ، وقَرَعه قَرَعات بالقضيب ،
وقال لرجل : ضُمَّ هذا إليك، فلا يُفارقك حتى يقرأ القرآن، فقام إليه عثمانُ
ابنُ يزيدَ بن خالد بن عبد الله بن خالد بن أسيد ، فقال: يا أميرَ المؤمنين،
إنّ علىّ دَيْنًا، فقال: أقرأت القرآن؟ قال: نعم، فاستقرأه عشر آيات
من الأنفال، وعشْرَ آيات من براءة، فقرأ، فقال: نَعَم، نتَقْضى (١) عنكم،
١٢٧٢/٢ وتتصل أرحامكم على هذا.
(١) ب. ((يقضى)).
١٢٧١/٢

٤٩٧
سنة ٩٦
قال: ومَرِض الوليدُ فرهقتْه غَشْيَة، فمكث عامة يومِهِ عندَ هم ميتًا ،
فبُكىَ عليه، وخرجت البُرُد بمتَوَته، فقدم رسولٌ على الحجاج، فاسترْجَعَ،
ثمّ أمَر بحبل فُشُدّ فى يديه، ثم أوثِق إلى أسطوانة، وقال: اللهمّ لا تسلط
علىَّ من لا رحمةً له ، فقد طالما سألتُك أن تجعل منيتى قبل مَنِيته !
وجعل يدعُو، فإنه لكذلك إذ قدم عليه بريدٌ بإفاقته .
قال علىّ: ولما أفاق الوليدُ قال: ما أحدٌ أسَرَّ بعافيةِ أمير المؤمنين (١)
من الحجاج ؛ فقال عمرُ بنُ عبد العزيز: ما أعظم نعمةَ الله علينا
بعافيتك ، وكأنى بكتاب الحجاج قد أتاكَ يذكُر فيه أنه لما بلغه برؤُك
خرّ اللّه ساجداً، وأعتق كلَّ مملوك له، وبعث بقوارير من أنْبَج الهند .
فما لبث إلا أيامًا حتى جاء الكتاب بما قال .
قال: ثمّ لم يَمُت الحجّاجُ حتى تتَقُل على الوَليد، فقال خادمٌ لاوليد:
إنى لأوضّئ الوليدَ يومًا للغداء، فمدّ يده، فجعلتُ أصبّ عليه الماء، وهو ساهِ
والماءُ يَسيلُ ولا أستطيعُ أن أتكلم، ثمّ نتَضَح الماءَ فى وجهى، وقال :
أناعسٌ أنتَ! ورفع رأسه إلىّ وقال: ما تَدْرِى ما جاء الليلة؟ قلتُ:
لا؛ قال: وَيَْحَك! ماتَ الحجاج! فاسترجعتُ. قال: اسكُتْ ما يُسرّ
مولاك أنَّ فى يده تفاحةً يشُمّها .
قال علىّ: وكان الوليد صاحب بناء واتّخاذ للمصانع والضّياع ، وكان
الناس يلتقون فى زمانه ، فإنما يسأل بعضُهم بعضًا عن البناء والمصانع. فولى ١٢٧٣/٢
سليمان ، فكان صاحب نكاح وطعام ، فكان الناس يَسأل بعضُهم بعضاً عن
التزويج والجوارى . فلما ولى عمرُ بن عبد العزيز كانوا يلتقون فيقول الرجل
للرجل : ما ورْدك الليلة؟ وكم تحفظ من القرآن؟ ومتَى تختمٍ ؟ ومتى
خَتَمْتَ؟ وما تتصومُ من الشهر ؟ ورَأى جرير الوليدَ فقال :
فما لدمعِكِ بَعْد اليوم مُدَّخَرُ (١)
يا عَين جُودِى بِدمعٍ هَاجَهُ الذِّكَرُ
(١) س: ((الوليد)).
(٢) ديوانه ٢٩٦.

٤٩٨
سنة ٩٦
غَبِرَاءُ مُلحَدَةٌ فى جُولِهَا زَوَرُ (١)
إِنَّ الخليفةً قد وَارَتْ شَمَائِلَهُ
مِثْل النّجوم هَوَى مِن بينِها القمَرُ
أَضِحِى بَنُوه وقد جَلَّت مُصِيبَتُهُم
عبدُ العزيزِ ولا رَوحٌ ولا عمرُ (٢)
كانوا جميعاً فلَم يَدفع مَنِيَّتَهُ
حدّثنى عمرٌ، قال: حدّثنا علىّ، قال : حجّ الوليدُ بنُ عبد الملك، وحجّ
محمد بنُ يوسفَ من اليَمَن، وحَمَل هدايا للوليد، فقالت أمّ البنين الوليد :
يا أميرَ المؤمنينِ ، اجعَلْ لى هدّيةَ محمد بنِ يوسف، فأمَرَ بصَرْفها إليها ،
فجاءت رسلُ أُمّ البنين إلى محمّد فيها، فأبى وقال: يَنظُر إليها أميرُ المؤمنين
فيَرَى رأيتَه - وكانت هدايا كثيرةً - فقالت: يا أميرَ المؤمنين، إنك أمرتَ
بهدايا محمد أن تُصرَف إلىّ، ولا حاجةً لى بها ، قال : ولِمّ ؟ قالت :
١٢٧٤/٢ بلغنى أنه غَصَبها الناسَ، وكلّفهم عملتها، وظلمهم. وحَملَ محمد
المتاعَ إلى الوليد، فقال: بلَغنى أنك أصبْتَها غَصْبًا، قال، مَعَاذَ اللّه! فأمر
فاستُحلِف بينَ الرّكن والمقام خمسين يمينًا بالله ما غتَصَب شيئًا منها ،
ولَا ظَكم أحداً، ولا أصابتها إلا من طَيّب؛ فَحلف، فقَبَلَها الوليدُ وَدَفَعها
إلى أمّ البنين ، فمات محمد بنُ يوسفَ باليَمَن، أصابه داءٌ تَقطَّع منه.
وفى هذه السنة كان الوليد أرادَ الشخوصَ إلى أخيه سليمانَ لخلعه، وأراد
البَيْعةَ لابنه مِن بعدِه ، وذلك قبلَ مَرْضتِه التى مات فيها . حدّثنى عمر ،
قال : حدّثنا علىّ، قال: كان الوليدُ وسليمان وَلَيْ عهد عبد الملك،
فلما أفضَى الأمرُ إلى الوليد ، أرادَ أن يبايعَ لابنه عبد العزيز
وَيَخلَعَ سليمان ، فأبى سليمان ، فأراده على أن يجعله له من بعده ، فأبى ،
فعَرض عليه أموالاً كثيرة ، فأبى ، فكتّب إلى عماله أن يبايعوا لعبد العزيز ،
(١) الديوان: ((غبراء ملحودة)). وأجوال البئر: نواحيها. والزور: الاعوجاح.
(٢) بعده فى الديوان.
أَغْدُوْا مخاطرةً لو يقبَلُ الخَطَرِ
وخالِدٌ لو أراد الدَّهْرُ فديتَهُ
لما أَتاه بديْر القسطل الخبرُ
قد شفَّنِى روعة العباسِ من فزعٍ

٤٩٩
سنة ٩٦
ودعا الناسَ إلى ذلك؛ فلم يجبه أحد إلا الحجاجَ وقتيبةَ وخواصَ من الناس.
فقال عبدَّاد بن زياد: إنّ الناس لا يُجيبونك إلى هذا، ولو أجابوك لم آمنهم
على الغَدْر بابنك ، فاكتبْ إلى سليمانَ فليقدم عليك ، فإنّ لك عليه طاعة ،
فأرِدْه على البَيْعة لعبدِ العزيز مِن بعده ، فإنه لا يقدر على الامتناع وهو
عندك ، فإن أبى كان الناسُ عليه .
فكتب الوليدُ إلى سليمانَ يأمُرُه بالقدوم(١)، فأبطأ، فاعتزَم الوليدُ على المسير
إليه وعلى أن يَخلَعه، فأُمر الناسَ بالتأهب، وأمر بحُجَرَه فأخرِ جتْ، فمرِض،
وماتَ قبل أن يتَسير (٢) وهو يريد ذلك .
قال عمر: قال علىّ: وأخبرنا أبو عاصم الزّيادىّ عن الهِلْواث الكلبىّ،
قال: كنا بالهِنْد مع محمد بن القاسم، فقََّل اللّه داهِرًا(٣)، وجاءنا كتابٌ
من الحجاج أن اخلَعوا سليمانَ ، فلما ولى سليمانُ جاءنا كتابُ سليمانَ، أن
ازرَعوا واحرُثُوا، فلا شأمَ لكم، فلم نزلْ بتلك البلاد حتى قام عمرُ بنُ
عبد العزيز فأقفلنا .
١٢٧٥/٢
قال عمر: قال علىّ : أراد الوليد أن يبنىَ مَسجدَ دمشق ، وكانت
فيه كنيسة ، فقال الوليد لأصحابه: أقسمتُ عليكم لمَّا أتانى كلّ رجل منكم
بلتبينة ، فجعل كلّ رجل يأتيه بِلَبنة، ورجل من أهل العراق يأتيه بلَبِنَتين،
فقال له : ممن أنت ؟ قال : مِن أهل العراق ؛ قال : يا أهل العراق ،
تُفُرطون فى كلّ شيء حتى فى الطاعة! وهدموا الكنيسةَ وَبَناها مسجداً ،
فلما ولى عمر بنُ عبد العزيز شكوا ذلك إليه ، فقيل: إنّ كل ما كان خارجاً
من المدينة افتُتِح عَنْوة ، فقال لهم عمر : نردّ عليكم كنيستكم ونَهدِم
كنيسة تُوماً ، فإنها فُتحت عنوة، نبنيها مسجداً ، فلما قال لهم ذلك
قالوا : بل نَدَع لكم هذا الذى هَدَمَه الوليد، وَدعُوا لنا كنيسةَ تُوما .
ففَعَتَل عمرُ ذلك.
(١) بعدها فى ب: ((عليه)).
(٢) بعدها فى ب: ((إليه)).
(٣) داهر ، ملك مكران .

٥٠٠
سنة ٩٦
[فتح قتيبة كاشغر وغزو الصين]
وفى هذه السنة افتتح قتيبةُ بنُ ميسلم كاشغر ، وغَزّا الصين .
ذكر الخبر عن ذلك :
#
رَجْع الحديث إلى حديث علىّ بن محمد بالإسناد الذى ذكرتُ قبلُ.
قال: ثمّ غزا قتيبةُ فى سنة ست وتسعين، وحمل مع الناس عيالهم وهو يريد
١٢٧٦/٢ أن يُحرز عياله فى سمرقَنْد خوفًا من سليمان، فلما عبر النهر استعمل رجلاً
من مواليه يقال له الخُوارَزْمِىّ على مسَقطع النهر، وقال: لا يجوزَنّ أحدٌ إلا
يجَواز؛ ومنضّى إلى فَرْغانة، وأرسَل إلى شِعْب عصام من يُستَهّل له
الطريق إلى كاشغر ، وهى أدنى مدائن الصين، فأتاه موتُ الوَليد وهو بفَرْ غانة .
قال: فأخبرنا أبو الذّيال عن المهلب بن إياس، قال: قال إياس بن زهير :
لما عبَرَ قتيبةُ النهرَ أتيتُه فقلت له : إنك خرجتّ ولم أعلم رأيتك فى العِيال
فنأخذَ أهْبَة ذلك ، وبسنىَّ الأكابر معى ، ولى عيال قد خلَفْتهم وأم عجوز،
وليس عندهم مَن يقوم بأمرِهم ، فإن رأيتَ أن تكسُب لى كتابًا مع بعض
بنىَّ أوجّهه فيقدم على بأهلى! فكّب، فأعطانى الكتابَ فانتهيت إلى النهر
وصاحب النهر من الجانب الآخر ، فألويت بيدى ، فجاء قومٌ فى سفينة
فقالوا: مَن أنتَ ؟ أين جَوَازك؟ فأخبرتُهم، فقَعَدَ معى قومٌ وردّ قومٌ
السفينةَ إلى العامل، فأخبروه. قال: ثمّ رجعوا إلىّ فحملونى، فانتهيت
إليهم وهم يأكلون وأنا جائعٌ، فرسَيَتُ بنفسى، فسألسَى عن الأمر، وأنا آ كلُ
لا أجيبه ، فقال : هذا أعرابىّ قد ماتَ من الجوع، ثمّ ركبتُ فمضيتُ
فأتيتُ مروَ ، فحملت أمى، ورجعتُ أريدُ العسكر ، وجاءنا موتُ الوَليد ،
فانصرفتُ إلى مرْو .
وقال : وأخبَرَنا أبو مخنف ، عن أبيه، قال: بعث قتيبةُ كثير بن فلان
إلى كاشغتَر، فستى منها سَبًْا، فختم أعناقتهم مما أفاء الله على قُتيبة ،
ثمّ رجع قتيبةُ وجاءهم موتُ الوليد .
قال : وأخبَرَنا يحيى بن زكرياء الهَمْدانىّ عن أشياخ من أهلٍ خُراسان