النص المفهرس
صفحات 461-480
٤٦١ سنة ٩١ لأَغَرَّ مُنتجبٍ لكلَّ عظيمَةٍ يمضى إذا هاب الجبانُ وأحمِشَتْ (٢) تُروَى القَنَاةُ مع اللواءِ أَمامه والهامُ تفريهِ السُّيُوفُ كأَنَّهُ وترى الجيادَ مَعَ الجِيَادِ ضَوَامِرًا وبهنّ أَنزَلَ نِيزَكًا من شاهق وأَخاهُ شقرَاناً سَقَيْتَ بكأُسِهِ(٥) وتَرَكْتَ صولا حِينَ صال مُجَدَّلا نحْرِ يباح به العدُوُّ لُهامِ (١) حربٌ تَسَعَّرُ نارُها بضِرَام تحتَ اللوامع والنحُورُ دوَامٍ(٣) بالقاعِ حينَ تَرَاهُ قَيْضُ نَعَام (٤) بفنَائه لِحَوادث الأيام والكرز حَيْثُ يَرُومِ كُلّ مرامٍ وسقَيْتَ كَأُسَهُمَا أَخا باذَام يرْكَبْنَهُ بدَوَابر وحَوَامٍ ١٢٢٧/٢ (خبر غزو قتيبة شومان وكسّ ونسف) وفى هذه السنة - أعنى سنة إحدى وتسعين - غزا قتيبة شُومان وكسّ (٦ ) ونَسَف غزْوَتَه الثانية وصالتَحَ طَوخان. ذكر الخبر عن ذلك : قال علىّ: أخبرنا بِشْر بن عيسى عن أبى صَفْوان، وأبو السرّى وجَبلة بن فرّوخ عن سليمان بن مجالد ، والحسن بن رشيد عن طُفيل بن مِرْداس العمىّ، وأبو السرىّ المَرْوَزى عن عمه، وبشْر بن عيسى وعلىّ ابن مجاهد، ، عن حنبل بن أبى حريدة عن مَرْزُبان قِهُسْتان، وعيَّاش ابن عبد اللّه الغَنَوىّ، عن أشياخ من أهلِ خُراسان، قال: وحد ثني ظغْرى- كلّ قد ذكَرَ شيئًا، فألفته، وأدخلتُ من حديث بعضهم فى حديث بعض- أنّ فيلسنشب باذق - وقال بعضهم: قيسبشتان (٧) ملك شومان - طرد عامل" قتيبة ومَنَعَ الفِدْية التى صالح عليها قتيبة، فبعث إليه قُتيبةُ عَيّاشا الغَّنَوىّ ومعه رجلٌ من نُسّاك أهل خُراسان يدعوان متلك شومان إلى أن يؤدى الفدية ١٢٢٨/٢ (١) النحر : العاقل المجرب . (٣) ب: ((دوامى)). (٥) ر: ((وأخوه شقرانا سقيت)). (٧) ط: ((قيسلشتان)). (٢) ب: ((وأحمست)). (٤) ر : ((بيض نعام)). (٦) ط: ((طرخان)). ٤٦٢ سنة ٩١ ٠ م على ما صالح عليه قُتِيَّة، فقَدِ ما البلدَ، فخرجوا إليهما فرموهما، فانصرف الرجلُ وأقَام عَيَاش الغَنَّوَىّ فقال: أما هاهنا مسلمٌ! فخرج إليه رجلٌ من المدينة فقال : أنا مسلم ، فما تريد ؟ قال : تُعينُنى على جهادِ هِم ، قال : نعم، فقال له عيَّاش: كن خَلْفى لتمنع لى ظَهْرى، فقام خلفه - وكان اسمُ الرجل المهلب - فقاتَتَهم عيّاش، فحمَل عليهم ، فتفرّقوا عنه ، وحَمَل المهلَّبُ على عياش مِن خلفه فقتله، فوجدوا به ستّين جراحةً ، فغمّهم قتله ، وقالوا : قتلْنا رجلاً شجاعًا . وبلغ قتيبة ، فسار إليهم بنفسِهِ، وأخذ(١) طريقَ بَلْخ، فلما أتاها قدّم أخاه عبد الرحمن ، واستعمل على بتْخ عَمرو بن مسلم ، وكان ملك شومان صديقًا لصالح بن مسلم ، فأرسل إليه صالح رجلاً يأمره بالطاعة ، ويَضمنُ له رِضًا قتيبة إن رجع إلى الصّلح ، فأبى وقال الرسول صالح : ما تخوّفنى به من قتيبة ، وأنا أمَنَعُ المُلوكِ حصْنَاً أرْمى أعلاه، وأنا أشدّ الناس قوسًا وأشدّالناس رَمياً (٢)، فلا تبلغُ نُشابتى نصف حِصْنى ، فما أخاف من قتيبة! فمضى قتيبة من بلْخَ فعبر النهر ، ثم أتى شومان وقد تحصّن مَلِكُها فوضع عليه المجتَانِيقَ، ورَمى حصنه فَهشَمه ، فلما خاف أن يتَظهَر عليه ، ورأى ما نَزلَ به جَمَعَ ما كان له من مال وجَوْهر فَرمَى به فى عَيْن فى وَسَطَ القلعة لا يُدَرَك قعرُها . قال : ثم فَتَح القلعة وخرج إليهم فقاتلهم فقُتل ، وأخذ قتيبةُ القلعة ١٢٢٩/٢ عنوة، فقتل المُقاتلة وسَى الذرّية(٣)، ثم رجع إلى باب الحديد فأجاز منه إلى كِس وَنَسَف، وَكتَبَ(٤) إليه الحجاج، أنْ كس يكس" وانسِفْ نَسَف(٥)، وإيّاك والتحويط. ففَتّح كسّ ونَسَف، وامتَنَعَ عليه فِرْياب (٦) فحرّقها فسيِّت المحترقة. وسرّح قتيبة من كِس ونَسَف أخاه عبد الرحمن بن مسلم إلى السُّغد(٧)، إلى طرخون، فسارحتى نزل بمرْج قريبًا منهم ، وذلك فى وقت (١) ب: ((فأخذ)). (٣) ب: ((من فيها)). (٥) ب: ((نسفا)). (٧) ب: ((الصفد)) . (٢) كذا فى ب، وفى ط: (أشده)). (٤) ب: ((فكتب)). (٦) ب: ((قريات)). . ٤٦٣ سنة ٩١ العَصْر، فانتَبذ الناسُ وشربوا حتى عبثوا وعائُوا وأفسدوا، فأمر عبدُ الرحمن أبا مرضيّة - مولّى لهم - أن يمنع الناس من شُرْب العصير، فكان يضربهم ويكسر آنِيتهم ويصبّ نبيذَهم، فسال فى الوادى ، فسُمِّى مَرْج النبيذ، فقال بعضُ شعرائهم : أَخشَى أَبا مرضية الكَلْبِ أَمَّا النَّبِيذُ فلستُ أَشرَبُه يَتَوَّنَّب الحِيطَانَ الشُّرْب مُتَعَسفاً يسْعَى بِشِكَّتِه فقَبَض عبدُ الرحمن من طرخون شيئًا كان قد صالَحه عليه قُتيبة ، ودفع إليه رُهُنا كانوا معه ، وانصرف عبد الرحمن إلى قتيبة وهو ببُخارَى ، فرجعوا إلى مَرْو، فقالت السُّغد لطَرخون: إنك قد رضيتَ بالذل" واستطبْت(١) الجزية، وأنت شيخٌ كبير فلا حاجةَ لنا بك(٢). قال: فولُّوا من أحبَبْم. قال: فوّلْوا غَوْزَك(٣)، وحَبَسوا طرخون؛ فقال طرخون: ليس بعد سَكْب المُلْك إلا القتل، فيكون ذلك بيدى أحبّ إلىّ من أن يليه منى غيرى ، فاتّكأ على سيفه حتى خرج من ظَهْره. قال: وإنما صنعوا بطرخون ٢٣٠/٢ هذا (٤) حين خرج قتيبةُ إلى سِجِستان وولوا غوزك. وأما الباهليّون فيقولون: حَصَر قتيبةُ ملك شومان ، ووَضَع على قَلْعْته المَجَانيق، ووَضَعَ منجنيقًا كان يسميها الفَحْجاء، فرَمَى بأوّل حَجَرَ فأصاب الحائط، ورَمَى بآخَر فوقع فى المدينة ، ثمّ تتابعت الحجارةُ فى المدينة فوَقَع حَجَر منها فى مجلس المَلِك، فأصاب رجلاً فقَتّله ، ففتح القلعة عَنْوَةً، ثم رجع إلى كسّ ونسَف، ثمّ مضى إلى بُخَارَى فَنزلَ قريةً فيها بيتُ نار وبيتُ آلهة ، وكان فيها طَواويس ، فسمَّه مَنَزل الطَّاوِيس ، ثمّ سار إلى طرخون بالسُّغْد ليقبض منه ما كان صالَحه عليه ، فلما أشرف على وادى السُّغْد فرأى حُسنَه تمثّل : (١) ر: ((وأعطيت)). (٣) ويقال. ((غورك)). (٢) ب: ((فيك)). (٤) ب: ((هذا بطرخون)). ٤٦٤ سنة ٩١ : منَ الأَئِيسِ حذارُ اليوم ذى الرَّهَجِ(١) وَادٍ خَصِيبٌ عَشيبٌ ظَلَّ مِنَعُهُ يَرْدِينَ بِالشَّعْثِ سِفَّاكِينَ للمُهَجِ(٢) مُسَوَّمَةٍ وَرَدَتُهُ بعَنَانیچ. قال: فقَبض من طرخون صُلحه، ثمّ رجع إلى بُخارَى فَمَلّك بُخارَى خُذاه غلامًا حدثا، وقَتَل من خاف أن يُضادّه، ثمّ أخذ على آمُل ثمّ أتَى مَرْوَ. قال: وذكر الباهليّون عن بشار بن عَمرو، عن رجل من باهِلَة، قال : لم يَفْرُغ الناسُ من ضَرْب أبنيتهم حتى افتُتحت القلعة . *** [.ولاية خَالِد بن عبدالله القْرىّ على مكة ] ١٢٣١/٢ وفى هذه السنة ولَّى الوليدُ بنُ عبد الملك مكةَ خالدَ بنَ عبد الله القَسْرِىّ فلم يزلْ واليًا عليها إلى أن مات الوليد. فذكر محمد بن عمر الواقديّ أنّ إسماعيل بن إبراهيم بن عُقْبة حدثه عن نافع مولى بنى تَخْزوم ، قال : سمعتُ خالدَ بنَ عبد الله يقول: يأيّها الناس، إنكم بأعظمِ بلادِ اللّه حُرمة، وهى التى اختار الله من البُلْدان ، فوَضَع بها بيته ، ثم كتب على عباده حَجَّه من استطاع إليه سبيلاً. أيها الناس ، فعليكم بالطاعة ، ولزوم الجماعة ، وإياكم والشبهات ، فإنى والله ما أوتى بأحد يَطَعَن على إمامِهِ إلا صلبتُه فى الخَرَم. إنّ الله جعل الخلافة منه بالموضع الذى جعلتها، فسكموا وأطيعوا، ولا تقولوا كيْتَ وكَيْت. إنه لا رأىَ فيما كَتَب به الخليفة أو رآه إلا إمضاؤه ، واعلموا أنه بلغنى أن قومًا من أهل الخلاف يقدمون عليكم، ويقيمون فى بلاد كم، فإياكم أن تُنزِلوا أحداً ممن تعلمون أنه زائغ عن الجماعة ، فإنى لا أجد أحداً منهم فى منزل أحد منكم إلا هدَمَتُ منزله(٣)، فانظروا من تنزلون فى منازٍلكم، وعليكم بالجماعة والطاعة ، فإنّ الفُرقة هى البلاءُ العظيم . قال محمد بن عمرو: حدثنا إسماعيلُ بنُ إبراهيمَ ، عن موسى بن عُقْبة (١) ب: ((الموت والرهج)). (٢) العناجيج : جمع عنجوج؛ وهى الخيل النجيبة. (٣) ب : ((هدمته)). ٤٦٥ سنة ٩١ عن أبى حَسَبيبة ، قال : اعتمرتُ فنزلتُ دورَ بنى أسد فى منازل الزّبير ، فلم أشعر إلا به يدعونى ، فدخلت عليه ، فقال : من أنت ؟ قلت : من أهل المدينة؛ قال: ما أنزلتك (١) فى منازل المُخالِف للطاعة! قلت: إنما مُمَامى إن أقمتُ يومًا أو بعضه ، ثم أرجع إلى منزلى وليس عندى خلاف ، أنا ممن يُعظم أمرَ الخلافة، وأزعم أن من جّحَدها فقد هلك. قال: فلا عليكَ ١٢٣٢/٢ ما أقمتَ ، إنما يكره (٢) أن يُقيمَ مَن كان زاريًا على الخليفة ، قلت: معاذ الله ! وسمعتُهُ يومًا يقول: والله لو أعلمُ أنّ هذه الوحْش التى تأمَن فى الحرم لو نطقتْ لم تقِرَّ بالطاعة لأخرجتُها من الحرم. إنه لا يَسْكن حرمَ اللّه وأمْنَه مخالفٌ للجماعة، زار عليهم. قلتُ: وفق الله الأمير . وحجّ بالناس فى هذه السنة الوليدُ بنُ عبد الملك ، حدثنى أحمدُ بن ثابت، عمّن ذكره، عن إسحاقَ بن عيسى، عن أبى مَعَشّر، قال: حجّ الوليد بنُ عبد الملك سنة إحدى وتسعين . وكذلك قال محمد بن عمر: حدّثنى موسى بن أبى بكر، قال : حدّثنا صالح بنُ كَيْسان، قال: لما حضر قدوم الوليد أمر عمرُ بنُ عبد العزيز عشرين رجلاً من قريش يَخرجُون معه، فيتلقّوْن الوليد بن عبد الملك، منهمٍ أبو بكر بنُ عبد الرحمن بن عبد الحارث بن هشام ، وأخوه محمد بن عبد الرحمن ، وعبد الله بن عمرو بن عثمان بن عفّان، فخرجوا حتى بلغوا السوَيْداء ، وهم مع عمر بن عبد العزيز - وفى الناس يومَئذ دوابُّ وخَيْلٌ - فلقوا الوليدَ وهو على ظَهْر ، فقال لهم الحاجب : انزِلوا لأمير المؤمنين ، فَنَزّلوا، ثمّ أمرهم فركبوا ، فدعا بعمَر بن عبد العزيز فسايرَه حتى نزل بذى خُشُب ، ثم أحضِروا، فدعاهم رجلاً رجلاً ، فسلموا عليه ، ودعا(٣) بالغداء، فتغدّوا عندَه، وراح من ذى خُشُب، فلما دخل المدينةَ غدا إلى المسجد يَنْظُر إلى بنائه، فأخرِج الناس منه، فما تُرِكَ (١) ب: ((فما أنزلك)). (٣) ب: ((ثم دعا)). (٢) ر: ((ذكره)). ٤٦٦ سنة ٩١ فيه أحدٌ، وبقى سعيد بنُ المسّيب ما يجترئ أحد من الخرس(١) أن يخرجه، وما عليه إلا رَيْطتان ما تساويان إلا خمسةَ دراهم فى مُصَلّه ، فقيل له : لو قمتَ! قال: والله لا أقوم حتى يأتىَ الوقتُ الذى كنتُ أقوم فيه . قيل : فلو سلّمتَ على أمير المؤمنين ! قال: والله لا أقوم إليه. قال عمرُ بنُ عبد العزيز : فجعلتُ أعدل بالوليد فى ناحية المسجد رجاءَ ألّ يرى سعيداً حتى يقومَ ، فحانت من الوليد نَظْرة إلى الِقِْلة، فقال: مَنْ ذلك الجالس؟ أهو الشيخ سعيدُ بنُ المسيِّب؟ فجعل عمرُ يقول: نَعَمَ يا أميرَ المؤمنين ومِنْ حاله ومِنْ حالِهِ ... ولو علم بمكانك لقامَ فسلّم عليك، وهو ضعيف البصر. قال الوليد : قد علمتُ حاله ، ونحن نأتِيه فنسلم عليه، فدارَ فى المسجد حتى وَقَف على القبر ، ثمّ أقبل حتى وقف على سَعِيد فقال : كيف أنتَ أيها الشيخ ؟ فوالله ما تَحرَّك سعيد ولا قام، فقال: بخير والحمد لله، فكيف أميرُ المؤمنين وكيفَ حالُه؟ قال الوليد : خير والحمدُ لله. فانصرف وهو يقول لعمرَ: هذا بقيّة الناس، فقلت : أجل يا أميرَ المؤمنين . قال: وقَسّم الوليد بالمدينة رقيقًا كثيراً عُجْماً بين الناس، وآنيةً من ذهب وفضّة ، وأموالاً وخَطَب بالمدينة فى الجُمُعة وصلى بهم . قال محمد بنُ عمر: وحدثنى إسحاقُ بن يحيى، قال : رأيتُ الوليد يخطب على مِنبرِ رسولِ الله صلى الله عليه وسلم يومَ الجمعة عامَ حَجَّ، قد صَفّ له جُندُه صَفّين من المنبر إلى جدار مؤخر المسجد ، فى أيديهم الجِرَزَة وُمُد الحديد على العوائق، فرأيتُه طَلَعَ فى دُرّاعة وقَلَنْسُوَة، ما عليه رداء ، فصَعِد المنبرَ، فلما صَعِد سلم ثمّ جلس فأذن(٢) المؤذِّنون، ثم سكتوا ، فَخَطَب الخطبةَ الأولى وهو جالس، ثم قام فخَطَب الثانية قائمًا ، قال إسحاق: فلقيتُ رَجَاءَ بنَ حَسْوَة وهو معه، فقلتُ: هكذا يَصنَعُون(٣)! قال: نَعَمَ، وهكذا صَنَعَ معاوية فهلمَّ جَرًّا، قلتُ: أفلا تكلّمه ؟ قال : أخبَرَنى قبيصةُ بن ◌ُذؤيب أنه كلم عبد الملك بن مروان ١٢٣٤/٢ (١) د: ((الناس)). (٣) ابن الاثير: ((تصنعون)). (٢) ب: ((وجلس وأذن)). ١٢٣٣/٢ ." ٤٦٧ سنة ٩١ فأبى أن يفعل؛ وقال: هكذا خَطَب عثمان، فقلتُ: والله ما خَطَب هكذا، ما خَطَب عمان إلا قائمًا. قال رجاء : رُوى لهم هَذا فأخذوا به . قال إسحاق: لم نَر منهم أحداً أشدّ تجبّراً منه. قال محمد بن عمر: وقَدِم بِطيب مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم وَمَجمَرَه وبكسْوَة الكَعْبة فنُشِرت وعُلقتْ على حبال فى المسجد من ديباج حَسَن لم يُرَ مَثَلُهُ قطَّ، فَنَشرها يومًا وطُوى(١) ورفع . قال : وأقام الحجّ الوليد بن عبد الملك . وكانت عمّال الأمصار فى هذه السنة هم العمّال الذين كانوا عمالتها فى سنة تسعين، غير مكة فإنّ عاملتها كان فى هذه السنة خالد بن عبد الله القَْرىّ فى قول الواقدى . وقال غيرُه: كانت ولايسَة مكّة فى هذه السنة أيضًا إلى عمر بن عبد العزيز. (١) ب: (( ثم طوى)). ١٢٣٥/٢ ثمّ دخلت سنة اثنتين وتسعين ذكر الأحداث التى كانت فيها فمِن ذلك غَزْوة مسلمةَ بن عبد الملك وعمر بن الوليد أرضَ الرّوم، ففُتِح على يدىْ مسلمةَ حُصون ثلاثة، وجَلاً أهلُ سُوسَنَة إلى جَوْف أرض الرّوم . [ فتح الأندلس ] وفيها غزا طارِقُ بنُ زياد مولى موسى بن نصير الأندلس فى اثنی عشرَ ألفًا، فلفى متلك الأندلس - زعتم الواقدىّ أنه يقال له أدرينوق، وكان رجلاً من أهل أصبهان ، قال: وهم مُوك عجتم الأندلس - فزّحَف له طارق بجميع مَنْ معه، فزحف الأدرينوق فى سَرِ ير الملك ، وعلى الأدرينوق تاجُهُ وقُفَّارُه وجميع الحِلْية التى كان يلبسها الملوك، فاقتتلوا قتالاً شديداً حتى قَتَّل اللّه الأدرينوق، وفَتْحَ الأندلس سنة اثنتين وتسعين . وفيها غزًا - فيما زَعَمَ بعضُ أهل السير - قتيبةُ سِجِسْتَانَ بريد رُتِبِيل الأعظم والزّابل ، فلما نَزّل سِجِسْتَانَ تلقته رُسُلُ رُتِبِيلَ بالصَّلِح، فَقبل ذلك وانصرف ، واستعمَل عليهم عبد ربّه بن عبد اللّه بن عُميَر W اللَّيْىّ . وحَجّ بالناس فى هذه السنة عمرُ بنُ عبد العزيز وهو على المدينة ، كذلك ١٢٣٦/٢ حدّثنى أحمد بن ثابت عمّن ذكره، عن إسحاق بن عيسى، عن أبى مَعشَر. وكذلك قال الواقدىّ وغيرُه . وكان ◌ُمّال الأمصار فى هذه السنة عمّلها فى السنة التى قَبْلَتَها . ٤٦٨ ثمّ دخلت سنة ثلاث وتسعين ذكر الأحداث التى كانت فيها فممّا كان فيها من ذلك غَزْوة العبّاس بنِ الوليد أرضَ الرّوم، فتفتح اللّه على يديه سَمَسْطِيَّة . وفيها كانت أيضًا غَزْوة مَرْوان بن الوليد الرّومَ، فَلَغ خَنْجَرة. وفيها كانت غزوة مسلمة بن عبد الملك أرضَ الرّوم، فافتَتح ماسةَ وحصنَ الحديد وغزالةَ وبرجمَة من ناحيةَ مَلطية . [ صلح قتيبة ملك خوارزم شاه وفتح خام جرد] وفيها قََّل قتيبة ملك خام جرد، وصالحَ ملك خُوارَزْم صُلْحًا مجدّدًا . * ذكر الخبر عن سبب ذلك وكيف كان الأمر فيه : ١٢٣٧/٢ ذَكَر علىُ بنُ محمد أن أبا الذّيال أخبَرَه عن المهلّب بن إياس والحسين بن رشيد، عن طُفَيل بن مِرْ داس العَمىّ وعلىّ بن مجاهد، عن حَبْل ابن أبى حريدة، عن مَرْزُبان قُهِسْتان وكليب بن خَلَف والباهليّين وغيرهم - وقد ذكر بعضُهم ما لم يذكُر بَعض فألفْته - أنّ مَلِك خُوارزم كان ضعيفًا، فغلبه أخُوه خُرَّزاذ على أمرِهِ وخرّزاذ أصغر منه - فكان إذا بلغه أنّ عند أحد ممن هو منقطع إلى المتَلِك جاريةً أو دابةٌ أو متاعاً فاخراً أرسَل فأخَذَه، أو بَلَغه أنّ لأحد منهم بنتً أو أخْتاً أو امرأةً جميلة أرسل إليه فَغصّبه، وأخَذَ ما شاء، وحبس ما شاء، لا يمتنع عليه أحد ، ولا يَمنَعَه الملكُ، فإذا قيل له ، قال: لا أقوَى عليه، وقد ملأه مع هذا غَيْظاً ، فلما طال ذلك منه عليه كَتَّب إلى قتيبة يدعوه إلى أرضه يريد أن يسلِّمها إليه ، وبعث إليه بمفاتيح مدائنٍ خُوارزم، ثلاثة مفاتيح من ذهب، واشترط عليه أن يَدَفَع إليه أخاه وكلَّ مَن كان يُضادّه، يَحكُم فيه بما يَرَى. وبعث فى ذلك رُسُلا، ولم يُطْلِع أحدًا من مَرَازِبتِه ولا دهاقِينهِ على ما كَتَّب به ٤٦٩ ٤٧٠ سنة ٩٣ إلى قُتيبة، فقَد متْ رسلُه على قتيبةَ فى آخر الشتاء ووقت الغَزْو ، وقد تهيّأ للغَزْو، فَأَظْهَر قتيبة أنه يريد السُّغْد، ورجع رُسُل خوارزم شاه إليه بما يُحبّ من قِبَل قتيبة، وسار واستخلف على مَرْوَ ثابتاً الأعور مولى مُسلم. قال: فَجْمَعَ ملوكَه وأحبارَه وَدهاقِينه فقال: إنّ قتيبة يريدُ السُّغْد، وليس بِغازيكم، فهلمَّ نتنعَّم فى ربيعِنا هذا. فأقبلوا (١) على الشرب (٢)، والتنعم، وأمنوا عند أنفسِهِم الغَزْو . ١٢٣٨/٢ قال : فلم يشعروا حتى نزل قتيبةُ فى هَزَارَسْب ◌ُدُون النهر، فقال خُوارَزْم شاه لأصحابه : ما تَرَوْن؟ قالوا: فَرَى أنْ نقاتله(٣)، قال: لكنى لا أرى ذلك، قد عجز عنه من هو أقوى منا وأشدّ شوكةً ؛ ولكنى أرَى أن نَصرِفِه بشىء نؤديه إليه ، فنصرِفه عامما (٤) هذا، ونرى رأينا . قالوا: ورأينا رأيك. فأقبَل خُوارزم شاه فنزل فى مدينة الفيل من وراء النهر. قال : ومدائن خوارزم شاه ثلاث مدائن يطيف بها فارقين واحد ، فمدينة الفيل أحصنهن، فنزلها خوارزم شاه - وقتيبة فى هزارسب دون النهر لم يعبره بينه وبين خوارزم شاه نهر بلخ - فصالحه على عشرة آلاف رأس ، وعين ومستّاع ، وعلى أن يُعينّه على ملك خام جرد، وأن يتّفىّ له بما كتسب إليه ، فقبل ذلك منه قتيبة ، ووفى له . وبعث قتيبة أخاه إلى متلك خام جرد ، وكان يُعادى خوارزم شاه، فقاتلَه، فقتّلَه عبدُ الرحمن، وغَلَب على أرضه وقدم منهم على قتيبة بأربعة آلاف أسير ، فقتّهم، وأمر قتيبةُ لمّا جاءه بهم (٥) عبد الرحمن بسريره فأخرج وَبَرَز للناس. قال: وأمر بقتل الأسرى فقتل بين يديه ألف وعن يمينه ألف وعن يساره ألف وخَلْف ظهره ألف . قال : قال المهدَّب بن إياس : أخذتْ يومئذ سيوف الأشراف فضُرِبَ بها الأعناق ، فكان فيها ما لا يَقْطَع ولا يَجرَح، فأخذوا سَيْفِى فلم يُضْرَب به شىء إلا أبانه، فحسَدنى بعضُ آل قتيبة ، فغمز الذى يضرب أن أصفح به ، فصفَح به قليلا، فوقع فى ضِرس المقتول فشلتمه. قال أبو الذّيال: والسيف عندى . قال: ودفع قتيبةُ إلى خوارزم شاه أخاه ١٢٣٩/٢ (١) ب: ((فهلموا)). (٣) ب: ((نقاتل)). (٢) ر: ((الشراب)). (٤) ب: ((عامتنا)). (٥) كذا فى ب، وفى ط: ((لما جاءه بهم أخاه عبد الرحمن)). ٤٧١ سنة ٩٣ ومَن كان يخالفُهُ فقتلَهم ، واصطَفى أموالتَهم فبعث بها إلى قتيبة ، ودخل قتيبة مدينةَ فيل ، فقَبِل من خوارزم شاه ما صالحه عليه ، ثم رَجَعَ إلى هزارسبَ . وقال كتَعْب الأشْقرىّ: رَمَتْكَ فِيلٌ بما فيها ومَا ظَلَمَتْ لا يُجْزِئُ الثَّغْرَ خَوَّارُ القَنَاة وَلَا هل تَذْكُرُونَ ليالى التُّركِ تَقْتُلُهُمْ لم يَرَكِّبُوا الخيلَ إِلا بعدما كبروا أنتم شباس ومرداذان محتقرٌ إنى رأيتُ أبا حفص تُفَضِّلُهُ قيْس صَريح وبعضُ الناسِ يجْمَعُهُمْ لو كنتَ طاوَعت أَهلَ العجز ما اقتَسَمُوا وفى سمرقندَ أُخرى أَنت قاسِمُهَا ما قَدَّمَ الناسُ من خيرٍ سبقتَ به قال : أنشدنى علىّ بنُ مجاهد : * رَمَتْك فيلٌّ بما دون كاز .... ورامَها قبلك الفَجْفَاجَةُ الصَّلِفُ (١) هَثُّ المكاسِر والقَلبُ الذى يَجفُ ما دون كازَهَ والفَجْفَاجُ مُلتَحِف فَهِمْ ثِقَال على أَكتافِها عُنُفُ وبسْخرَاء قبُورٌ حشْوُهَا الْقُلَف (٢) ١٢٤٠/٢ أَيامُهُ ومَسَاعِى الناسِِ تخْتَلِفُ قُرَّى وريف فمنسوبٌ ومُقْتَرَف سبعين ألفاً وعزّ السّغْدِ مُؤْتَنِفُ لئن تأخَّر عن حوبائك التَّلَفُ ولا يَقوتُك مما خلَّفُوا شَرَفُ قال: وكذلك قال الحسنُ بنُ رشيد الجُوز جانىّ؛ وأمَّا غيرُهما فقال : * رمتك فيلٌ بما فيها .... وقالوا: فيلُ مدينة تَسَمَرْ قَنْد؛ قال: وأثبتُها عندى قولُ علىّ بن مجاهد. قال: وقال الباهليّون: أصاب قتيبةُ مِن خُوارزم مائة ألفٍ رأس . قال: وكان خاصّةُ قتيبة كلموه سنة ثلاث وتسعين وقالوا: الناس كانون قدموا ٢/ ١٢٤١ (١) الأغانى ١٤ : ٢٩٩، ياقوت ٦ : ٤١٤. والفجفاجة: الكثير الكلام. (٢) رواية البيت فى الأغانى : وفسخراء قبورٌ حَشْوها القلُفُ منهمْ شنَاسٌ ومرداذاء نعرفه قال فى شرحه ((: شناس اسم أبي صفرة، فغيره وتسمى ظالماً، ومرداذاء : أبو أبي صفرة ، وحموه بسراق لما تعربوا. وفسخراء: جده وهم قوم من الخوز من أعمال أهل عمان، نزلوا الأزد ثم ادعوا أنهم صليبة صرحاء منهم)). ٤٧٢ سنة ٩٣ من سِجِسْتَانَ فأجمتهم عامتهم هذا، فأبى. قال: فلمّا صالح أهل خُوارزم سارَ إلى السّغْد ، فقال الأشقرىّ : لو كنتُ طاوعتُ أَهَلِ العَجْزما أَقَتَسموا سبعين ألفا وعزَّ السّغْد مُؤْتَنف *** [ فتح سمرقند ] قال أبو جعفر: وفى هذه السنة غزا قُتيبة بنُ مُسلم منصرفته من خُوارزم سَمَرْقند، فافتََّحها . ذكر الخبر عن ذلك : ٠ قد تقدّم ذكرى الإسناد عن القوم الذين ذكر علىّ بن محمد أنه أخذ عنهم حين صالح قتيبة صاحب خُوارزم ، ثمّ ذكر مدرجا فى ذلك أنّ قتيبة لمّا قبض صُلح خوارزم قَام إليه المجشّر (١) بن مُزاحِم السُّلَّمَىّ فقال: إنّلى حاجةً، فأخْلِى، فأخْلاه ، فقال : إن أردتَ السُّغد يومًا من الدهر فالآن، فإنهم آمنون من أن تأتيهم من عامِك هذا ، وإنما بينك وبينهم عشرة أيام . قال : أشار بهذا عليك أحد ؟ قال : لا ، قال : فأعلمتَهُ أحداً ؟ قال : لا ، قال: والله لئن تكلم به أحد لأضربن" عنقك. فأقام يومتَه ذلك ، فلما أصبح من الغد دعا عبد الرحمن فقال: سِرْ فى الفُرْسان والمُرامِية ، وقدّم ١٢٤٢/٢ الأثقالَ إلى مَرْو، فوُجُّهَت الأثقال إلى مَرْو، ومضى عبدُ الرحمن يَتْبع الأثقال يريدُ مَرْو يومَه كلّه، فلما أمسَى كتب إليه: إذا أصبحت فوجُّه الأثقالَ إلى مَرْوَ وسرْ فى الفُرسان والمُرامية نحو السُّغْد، واكتُم الأخبار، فإنى بالأثر . قال : فلما أتى عبدَ الرحمن الخبرُ أمَر أصحابَ الأثقال أن يمضوا إلى مَرْوَ، وسار حيث أمرَه، وخَطَب قتيبةُ الناسَ فقال : إن الله قد فَتَتَح لكم هذه البلدة فى وقت الغَزْوُ فيه ممكن، وهذه(٢) السُّغد شاغرَةٌ برِجْلها، قد نَقَضوا العَهْد الذى كان بيننا، منعونا ما كنّا (١) ط: ((المجر)»، تحريف. (٢) ب: ((هذه)). ٤٧٣ سنة ٩٣ صالَحْنا عليه طرخونَ ، وصَنعوا به ما بَلَغكم، وقال الله: ﴿فَمَنْ نَكَثَ فَإِنَّمَا يَنْكُثُ عَلَى نَفْسِهِ﴾(١)، فسِيرُوا على بركة الله، فإنّى أرجو أن يكون ختَارزم والسُّغْد كالنَّضير وقُرَيَظة، وقال الله: ﴿وَأُخْرَى لَمْ تَقْدِرُوا عَلَيْهَا قَدْ أَحَاطَ اللهُ بِهَا﴾(٢). قال: فأتى السُّغْد وقد سَبَقَه إليها عبدُ الرحمن بن مسلم فى عشرين ألفًا ، وقدم عليه قتيبةُ فى أهل خُوارزم وبُخارَى بعد ثلاثة أو أربعة مِن نزولٍ عبدالرحمن بهم، فقال: إنا إذا ذَزَ لنا بِساحة قوم ﴿فَسَاءَ صَبَاحُ المُنْذَرِينَ)(٣). فحصَّرَهم شَهْراً ، فقاتَدُوا فى حِصارهم مِراراً من وجه واحد . وكتب أهلُ السُّغْد وخافوا طولَ الحصار إلى ملك الشاش وإخشاذ فَرْغانة: إن العرب إنْ ظفروا بنا عادوا(٤) عليكم بمثل ما أتَوْنا به ، فانظُرُوا لأنفسكم. فأجمعوا على أن يأتوهم، وأرسلوا إليهم: أرسلوا مَن يشغلهم حتى نبيّتْ عسکرهم . قال: وانتخبوا فُرْساناً من أبناء المَرازية والأساورة والأشدّاء الأبطال ١٢٤٣/٢ فوجهوهم وأمَروهم أن يبيّتُوا عسكرَهم، وجاءت عيونُ المسلمين فأخبر وهم. فانتخَب قتيبة ثلثمائة أو ستمائة من أهل النَّجْدة، واستعمل (٥) عليهم صالح ابن مسلم، فصيّرهُ فى الطريق الذى يخاف أن يُؤتَى منه. وبعث صالحٌ عيونًا يأتونه بخبر القوم، ونزل على فرسختين من عسكر القوم ، فرجعتْ إليه عيوذُه فأخبروه أنهم يصلون إليه من ليلتهم ، ففرّق صالحٌ خيلَه ثلاثَ فِرَق؛ فجعل كَمِينًا فى موضعَيْن، وأقام على قارعة الطريق ، وطرَقَهم المشركون ليلا ، ولا يتعلمون بمكان صالح، وهم آمنون فى أنفسهم من أن يتلقاه أحدٌ دونَ العسكر ، فلم يَعلَموا بصالح حتى غَشوه . قال: فَشدّوا عليه حتى إذا اختَكَفَتِ الرماح بينهم خرج الكتّمِينان فاقتتلوا . قال : وقال رجلٌ من البَرَاجِم: حصرتُهم فما رأيتُ قَطَ قومًا كانوا أشدَّ قتالا من أبناء أولئك الملوك ولا أصبَرَ، فقتلْناهم فلم يُقلِتْ منهم إلاّ نفرٌ يسير، وحَوَيْنا (١) سورة الفتح: ١٠. (٤) ب: ((أغاروا)). (٣) سورة الصافات: ١٧٧ (٢) سورة الفتح: ٢١ . (٥) ب: ((فاستعمل)). ٤٧٤ سنة ٩٣ سلاحتَهم، واحتَزَزْنا رءوسَهم، وأسَرْنا منهم أسرَى ، فسألناهم عمّن قَتَلْنا، فقالوا : ما قتلتم إلا ابن مَلِك، أو عظيماً من العُظماء، أو بطلاً من الأبطال ؛ ولقد قتلتم رجالا إنْ كان الرجل ليُعدَل بمائة رجل. فكتّبْنا على آذانهم، ثمّ دخَلْنا العسكرَ حين أصبَحْنا وما منا رجل إلا معلّق رأساً معروفًا باسمه ، وسكبنا من جيّد السلاح وكريم المتاع ومناطق الذهب ودوابَّ فُرَّهَة، فنفلنا قتيبةَ ذلك كله. وكَسَر ذلك أهل السُّغد، ووضع قتيبة ١٢٤٤/٢ عليهم المجانيق، فرماهم بها، وهو فى ذلك يُقاتلهم لا يُقلع عنهم، وناصَحته مَن معه من أهل ◌ُخارَى وأهلِ خُوارزم ، فقاتلوا قتالا شديداً ، وبذلوا أنفسهم . فأرسل إليه غوزك: إنما تقاتلى بإخوتى وأهلِ بيتى من العَجَم، فأخرِجْ إلىّ العَرَبَ ، فغضب قتيبة ودعا الجدلىّ فقال: اعرِض الناس، ومَيّز، أهل البأس فجمعتهم ، ثمّ جلس قتيبة يعرضهم بنفسِهِ، ودعا العُرَفاءَ فجعل يدعو برجل رجل . فيقول : ما عندك ؟ فيقول العريف : شجاع، ويقول : ما هذا؟ فيقول : مختصر ، ويقول : ما هذا ؟ فيقول : جّان، فسمى قتيبة الجُبَنَاء الأنْتان، وأخذ خيلتَهم وجيّدَ سلاحهم فأعطاه الشُّجمعان والمختصرين، وَتَتَرك لهم رَثّ السلاح، ثمّ زحف بهم فقاتلتهم بهم فُرسانًا ورجالاً، ورَمَتى المدينة بالمجانيق، فَتَكم فيها ثُلْمةً فسدّوها بغرائر الدُّخن ، وجاء رجل حتى قام على الثّلْمة فشّم قتيبةَ، وكان مع قتيبة قومٌ رُماة، فقال لهم قتيبة : اختاروا منكم رجلين، فاختاروا ، فقال : أيّكما يَرمِى هذا الرجل، فإنْ أصابَه فله عشرةُ آلاف، وإن أخطأه قُطعتْ يده؟ فتلكَّأ أحدُهما وتقدّم الآخرُ، فرماه فلم يُخِطئ عينته، فأمَر له بعشرة آلاف . قال : وأخبر نا الباهليُّون ، عن يحيى بن خالد، عن أبيه خالد بن باب مولتَى مُلِمٍ بنِ عمرو، قال : كنتُ فى رُماة قتيبة ، فلما افتتحنا المدينة صعدتُ السور فأتيتُ سُقَامَ ذلك الرّجل الذى كان فيه فوجدتُه ميًّا على ١٢٤٥/٢ الحائط، ما أخطأتِ النُّشابة عينَه حتى خرجتْ من قفاه، ثمّ أصبحوا من ٤٧٥ سنة ٩٣ غد فرمَوا المدينَة، فَثَلَموا فيها . وقال قتيبة: ألحّوا عليها حتى تتعبُرُوا الثلْمة، فقاتلوهم حتى صاروا على ثُلْمة المدينة، ورماهم السّغد بالنشّاب، فوَضّعوا تَرَستهم (١) فكان الرجل يضعُ ترسَه على عَيْنِه، ثمّ يَحمِل (٢) حتى صاروا على الثلمة ، فقالوا له : انصرِفْ عنا اليومَ حتى نصالحَك غداً . فأما باهلة فيقولون : قال قُتيبة: لانصالحهم إلا ورجالُنا على الثلْمة، ومجانيقُنا تتخطِر على رءوسِهِم ومدينتِهم. قال : وأما غيرُهم فيقولون: قال قتيبة : جَزِّعَ العبيدُ، فانصرفوا على ظفرٍ كُم، فانصرفوا، فصالَحهم من الغد على ألفى ألف ومائتى ألف (٣) فى كلّ عام ، على أن يُعطوه تلك السنة ثلاثين ألف رأسٍ، ليس فيهم صبىّ ولا شَيْخ ولا عيب، على أن يُخلُوا المدينةَ لقُتيبة فلا يكون لهم فيها مُقاتِل ، فيُنَ له فيه مسجد فيدخل ويصلى ، ويُوضَع له فيها مِنبَر فيَخطب ، ويتغدّى وَيَخرِج . قال : فلما تمّ الصّلح بعث قتيبةُ عشرةً، من كلّ خُمس برجلين، فقَّضوا ما صالحوهم عليه، فقال قتيبة: الآن ذلّوا حين صار إخوانهم وأولادهم فى أيديكم. ثمّ أخلَوا المدينة وبنوا مسجداً ووَضَعُوا مِنبراً، ودختلتها فى أربعة آلاف انتخبهم، فلما دخلتها أتى المسجد فصلّى وخَطَب ثمّ تَغْدَّى، وأرسل إلى أهل السُّغْد: من أراد منكم أن يأخذَ مَتَاعَه فليأخُذْه؛ فإنى لستُ خارجًا منها ، وإنما صنعتُ هذا لكم، ولستُ آخذُ منكم أكثر مما صالحتُكم عليه ، غير أنّ الجُنْد يقيمون فيها . ١٢٤٦/٢ قال : أما الباهليّون فيقولون: صالَحتهم قتيبةُ على مائة ألف رأس ، وبيوت النيران وحلية الأصنام ، فقَض ما صالحهم عليه ، وأنّ بالأصنام فسُلِبتْ ؛ ثم وُضعتْ بين يديه، فكانت كالقَصْر العظيم حين جُمعت، فأمَر بتحريقها، فقالت الأعاجم: إنّ فيها أصنامًا مَنْ حرّقها هَلتَك، فقال قتيبة . أنا أحَرّقها بيدى ، فجاء غوزك ، فجَثّاً بين يديه وقال : (١) ب: ((ترسهم)). (٢) ب: ((ويحمل)). (٣) بعدها فى ب: ((مثقال)). ٤٧٦ سنة ٩٣ أيها الأمير، إنّ شكرك علىّ واجب، لا تَعرِض لهذه الأصنام؛ فَدَعا قتيبة بالنار وأخَذَ شُعْلَةَ بيده، وخرج فكبر، ثمّ أشعلها، وأشعل الناس فاضطرمتْ، فوجَدُوا من بقايا ما كان فيها من مسامير الذهب والفضّة خمسين ألف مثقال . قال: وأخبرنا مسَخلد بن حمزة بن بيض، عن أبيه، قال : حدثنى من شَهد قتيبة وفَتْح سمرقند أو بعض كُوَر خُراسان فاستخرجوا منها قدُورًا عظامً من نُحاس، فقال قتيبة لحضين: يا أبا ساسانَ، أتُرَى رقاشٍ كان لها مثل هذه القُدُور؟ قال: لا، لكن كان لعَيْلان قِدْر مثل هذه القدور، فضَحِك قتيبة وقال : أدركتَ بشَأْرِك . قال: وقال محمد بنُ أبى عُيسَينة لسَلْم بن قتيبة بين يدى سليمانَ بن علىّ: إنّ العَجَمَ ليعيِّرون قتيبةَ الغدرَ إنه غدر بخُوارَزْم وَسَمَرَقَنْد. قال: فأخبرنا شيخٌ من بنى سَدُوسَ عن حمزةَ بن بيض قال: أصابَ قتيبةُ بخُراسانَ بالسُّغد جاريةً من ولد يزد جرد ، فقال : أتَّرَوْن ابنَ هذه يكون هجيناً ؟ فقالوا: نعم ، يكون هجيناً من قِبَل أبيه ، فبعث بها إلى الحجاج ، فبعث بها الحجّاج إلى الوليد ، فولدت له يزيد ابن الوليد . قال: وأخبرنا بعضُ الباهليّين، عن فتهشل بن يزيدَ، عن عمه - وكان قد أدرَكَ ذلك كلَّه - قال: لما رأى غوزكُ إلحاحَ قتيبةَ عليهم كتَتَب إلى ملك الشاش وإخشاذ فَرْغانة وخاقان : إنا نحن دونكم فيما بينكم وبين العرب، فإن وصل إلينا كنّمْ أضعَفَ وأذَلّ ، فمهما كان عندَكم من قوّة فابذُأوها؛ فنظروا فى أمْرِهِم فقالوا: إنما نُؤْتَى من سَفِلَتَنا، وإنهم لا يَجِدون كَوَجْدنا، ونحن مَعشرَ المُلُوك المعنيّون بهذا الأمر، فانتخبوا أبناءَ الملوك وأهل النجدة من فِتْان ملوكهم ، فليخرجوا حتى يأتوا عسكرَ قُتيبة فليبّيت ، فإنه مشغول بحصار السُّغْد ، ففعلوا ، ولوا عليهم ابناً لخاقان، وسارُوا وقد ١٢٤٧/٢ ٤٧٧ سنة ٩٣ أجمَعُوا أن يبيّتوا العسكر، وبلغ قتيبةُ فانتخَب أهلَ النّجْدة والبأس ووجوه الناس ، فكان شعبة بن ظهير وزُهَير بن حيّان فيمن انتُخب ، فكانوا أربعمائة، فقال لهم: إنّ عدوَّكم قد رأوا بلاءَ اللّه عندكم، وتأييدَه إياكم فى مُزَاحَفَتِكم ومُكاثَرَتِكم، كلّ ذلك يُفلجكم الله عليهمْ، فأجمعوا على أن يحتالوا غِرَّتكم وبَياتكم، واختاروا دَها قينهم ومُلوكسَهم، وأنتم دَهاقينُ العَرَب وفُرْسانُهم، وقد فضّلكم الله بدِينه، فأبلُوا اللّهَ بلاءً حسناً تستوجبون به الثواب ، مع الذَّبّ عن أحسابكم . ١٢٤٨/٢ قال : ووَضَعَ قتيبةُ عيونًا على العدوّ حتى إذا قتَرُبُوا منه قَدْرَ ما يَصِدُون إلى عسكره من الليل أدخَل الذين انتخبهم، فكلَّمهم وحَضَّهم ، واستَعمَل عليهم صالح بن مسلم ، فخرجوا من العسكر عند المغرب، فساروا، فنزلوا على فَرَسختين من العسكر على طريق القوم الذين وَصَفوا لهم، ففرّق صالح خيلَه، وأكمن كَمِينًا عن يمينه، وَكَمِينًا عن يساره، حتى إذا مَضى نصفُ الليل أو ثلثاه، جاء العدوّ باجتماع وإسراع وصَمت، وصالحٌ واقفٌ فى خَيْله، فلما رأوْه شدّوا عليه، حتى إذا اختلفت الرماح شدَّ الكمينان عن يمين وعن شمال ، فلَمَ نَسمعْ إلا الاعتزاء ، فلم ذَرّ قومًا كانوا أشدَّ منهم . قال: وقال رجلٌ من البراجم: حدثنى زُهير أو شُعبة قال: إنا لنختلف عليهم بالطعن والضّرب إذ تبينت تحتَالليل قُتَيْبةَ ، وقد ضربتُ ضربةً أعجبتنى وأنا أنظر إلى قتيبة ، فقلت : كيف ترى بأبى أنت وأمى ! قال: اسكُت دَقّ اللّهُ فاك! قال : فقتلناهم فلم يُفلت منهم إلا الشريد، وأقمنا نَحوِى الأسلابَ ونحتزّ الرءوسَ حتى أصبحْنا ، ثم أقبلْنا إلى العسكر ، فلم أر جماعةً قطّ جاءوا بمثل ما جئنا به، ما مِنّا رجلٌ إلاّ معلِّق رأسًا معروفاً باسمه، وأسير فى وثاقه . قال: وجئنا قُتيبةَ بالرءوس، فقال: جزاكم الله عن الدِّين والأعراض خيراً. ١٢٤٩/٢ وأكترمنى قتيبة من غير أن يكون باحَ لى بشىء ، وقرن بى فى الصّلة والإكرام حيّانَ العَدَوَىّ وحُلَيْساً الشيبانى، فظننتُ أنه رأى منهما مثلَ الذّى رأى ٤٧٨ سنة ٩٣ منّى ، وكسر ذلك أهل السُّغْد، فطلبوا الصلْح، وعَرَضوا الفِدْية فأبى ، وقال : أنا ثائر بدم طَرْخون ، كان مولاى وكان من أهلٍ ذِمتى . قالوا: حدَّث عمرُو بنُ مسلم، عن أبيه، قال: أطال قتيبةُ المُقَامَ، وثُلمتِ الثلمة فى سَمرِقَند . قال : فنادى منادٍ فصيح بالعربية يَشتُم قتيبة ؛ قال : فقال عمرو بن أبى زَهْدم : ونحنُ حولَ قتيبةَ ، فحين سمعنا الشتم خرجْنا مسرِعين، فَمَكَثْنا طويلا وهو مُلِحٌّ بالشّم، فجئتُ إلى رِواق قُتيبةَ فاطّلعت، فإذا قتيبةُ ◌ُحْتَب بشَمْلة يقول كالمناجِى لنفسِهِ: حتى متى يا سمرقَنْد يعشش فيك الشيطان! أما والله لئن أصبحتُ لأحاولنّ مِن أهلِك أقصى غاية، فانصرفتُ إلى أصحابى، فقلت : كم من نفس أبيّة ستموت غداً منّا ومنهم! وأخبرتُهم الخبر. قال: وأما باهلة فيقولون: سارَ قتيبةُ فجعل النهرَ يمينَه حتى وردَ بُخَارَى، فاستنهَضَهم معه، وسار حتى إذا كان بمدينة أرْبِنْجَن، وهى التى تُجلّب منها اللبود الأربنْجَنِيَّة، لقيهم غوزك صاحبُ السُّغد فى جمع عظيم من ٢/ ١٢٥٠ الترك وأهل الشاش وفَرْغانة، فكانت بينهم وقائعُ من غير مُزاحفة، كلّ ذلك يظهر المسلمون، ويَتحاجَزون حتى قَرُبوا من مدينة سَرْ قند، فتزاحفوا يومئذ ، فَحمل السُّغد على المسلمين حملةً حَطموهم حتى جازُوا عسكرهم، ثمّ كرّ المسلمون عليهم حتى رَدُّوهم إلى عسكرهم، وقَّعَل الله من المشركين عَدَدًا كثيراً، ودخلوا مدينةَ سمرقند فصالَحرهم . قال : وأخبرنا الباهلیون عن حاتم بن أبى صغيرة؛ قال: رأيت خيلا يومئذ تُطاعِنُ خيلَ المسلمين ، وقد أمر يومئذ قتيبةُ بسَريره فأبرز، وقَعد عليه ، وطاعتَنوهم حتى جازوا قتيبة، وإنه لُحْتَّب بسيفه ما حَلّ حَبْوَته، وانطوتْ مجنّبتا المسلمين على الذين هَزّموا القَطْب، فَهزَموهم حتى رَدّوهم إلى عسكرهم، وقُتِل من المشركين عددٌ كثير، ودخلوا مدينةَ سمر قنْد فصالَحوهم . وصنع غوزك طعامًا ودعا قُتيبةَ ، فأتاه فى عدد من أصحابه ، فلما تَغدّى أستوهَبَ منه سَمَرَقِنْد، فقال للملك: انتقيلْ عنها، فانتَقَل عنها ، وتلا قُتْصيبة : ﴿ وَنَّهُ أَهْلَكَ عَادًا الْأُولَى * وَثَهُودَ فَمَا أَبْقَى﴾(١). (١) سورة النجم : ٥٠، ٥١ . ٤٧٩ سنة ٩٣ قال: وأخبَرَنا أبو الذّيال، عنْ عمرَبن عبد اللّه التميمىّ، قال: حدّثّنى الذى سرّحه قتيبة إلى الحجاج بفتح سمرقَنْد، قال: قدمتُ على الحجّاج فوَجَهنى إلى الشأم، فقدمْتها فدخلت مسجدَها، فجلستُ قبل طلوع الشمس وإلى جَنْبٍ رجلٌ ضَرير، فسألتُه عن شىء من أمر الشأم، فقال: إنك ٢/ ١٢٥١ الغريب ، قلتُ : أجَل ؛ قال : من أىّ بلد أنت ؟ قلتُ : من خُراسان . قال: ما أقدَمَثَ؟ فأخبرتُه؛ فقال: والذى بعثَ محمّدًا بالحقّ ما افتتحتموها إلا غَدْراً، وإنكم يا أهلَ خُراسانَ للذين تَسلُبون بنى أمية مُلكَهم ، وتَنْقُصُون دمشقَ حَجَرَاً حَجَراً. قال: وأخبَرَنا العلاءُ بن جَرير، قال: بلَغَنى أن قتيبةَ لما فتحَ سمرقند وَقَف على جَبَلَها فنظر إلى الناس متفرّقين فى مُرُوج السُّغْد ، فتمثَّل قولَ طَرّفة : وأَرْنَعَ أَقوام ولولا مَحَلُّنا بمَخْشِيَةٍ رُدُّوا الجمال فَقَوَّضُوا قال : وأخبَرَنا خالدُ بن الأصْفَح، قال: قال الكُمَيْت: فاليوم تَنْسُبُهَا قَيْسيةٌ مُضَرُ كانت سمرقندُ أَحقاباً يَمانيةً قال : وقال أبو الحسن الجُشمىّ : فدعا قتيبةُ نهارَ بنَ تَوْسِعة حين صالَح أهلَ السُّغْد ، فقال : يا نهارُ ، أين قولك : وماتَ النَّدَى والجودُ بَعْدَ المهلَّبِ أَلَا ذَهَبَ الغزْوُ المُقَرِّبُ للغَنَى وقَدْ غُيّبا عن كلِّ شَرْقٍ ومغْرِب أَقَاما بِمِرْوِ الرُّوذ رَهْنَ ضَریحهِ أَفَغَزْوٌ هذا يا نهارُ؟ قال: لا، هذا أحسنُ(١)، وأنا الذى أقول : ومَا كانَ مُذْ كُنَّا ولا كان قَبلَنا ولا هو فيما بعدَنَا كأَبن مُسلمٍ وأَكثرَ فينا مَقْسِماً بعدَ مَقْسِمِ أَعمَّ لأَهل الترْك قَتْلاً بسيْفِهِ (١) فى الشعر والشعراء ٥٢٣: ((إن الذى أنت فيه ليس بالغزو ولكنه الحرب)). ٤٨٠ ١٢٥٢/٢ سنة ٩٣ قال : ثمّ ارتحل قتيبة راجعاً إلى مروَ، واستخلف على سمرقند عبد الله ابنَ مسلم، وخلّف عنده جنداً كثيفاً، وآلةً من آلة الحرب كثيرةً ، وقال : لا تَدعَنَّ مُشرِكًا يدخل بابًا من أبواب سمرقند إلا مختوم اليد، وإن جفّت الطينة قبل أن يَخرُج فاقتُله، وإن وجدتَ معه حديدةً؛ سكينًا فما سواه فاقتلْه، وإن أغلَقْت البابَ ليلاً فوجدتَ فيها أحداً منهم فاقتله ، فقال كتَعْب الأشقرىّ - ويقال رجلٌ من جُعْفِىّ: ٠ ويَزيدُ الأَموالَ مَالاً جدِيدًا كُلّ يَوْمٍ يَحْوِى قتيبةُ نَهبأً شاب منهُ مَفَارِقٌ كنَّ سُودَا باهلىّ قد أُلبسَ التاجَ حتَّى تركَ السُّغد بالعَرَاءِ قُعُودَا دَوَّخ السُّغْدَ بالكتَائِب حتَّى وَأَبٌ . مُوجَعٌ يُبَكِّى الوليد! فَوَلِيدٌ يبكى لفَقْدِ أَبيهِ تَرَكتْ خَيْلُهُ بها أخدُودَا كلما حَلَّ بلدَةً أَو أَتَاهَا قال: وقال قتيبةُ: هذا العَدَاءُ لا عداءُ عَيرَين، لأنه فَتَّح خُوارزم وَسَمَقَنْد فى عام واحد ؛ وذلك أنّ الفارس إذا صَرّع فى طلق واحد عَرّين ١٢٥٣/٢ قيل: عادَى بينَ عَيْرَين. ثم انصرف عن سمرقَند فأقام بمتَرْو . وكان عامله على خوارزم إياسُ بنُ عبد الله بن عمرو على حَرْبها ، وكان ضعيفًا . وكان على خراجها عُبيد الله بن أبى عُبيد الله مولى بنى مسلم. قال : فاستَضعف أهلُ خُوارزم إياساً، وجَمَعوا له، فكتَب عُبِيدُ اللّه إلى قتيبة، فبعث قتيبةُ عبد الله بن مسلم فى الشتاء عاملا، وقال: اضرِبْ إياسَ بنَ عبد اللّه وحيّان النَّبَطَىّ مائةً مائة، واحلِقْهما، وضمٌ إليك عُبيد الله بن أبى عُبيد الله، مَوَلَى بنى مسلم، واستمَعْ منه فإنّ له وفاء". فمضى حتى إذا كان من خُوارزم على سِكّة ، فدَسّ إلى إياس فأنذَرّه فتنحَّى، وقَدِمٍ فأخَذَ حيّان فضربه مائةً وحلقه . قال: ثمّ وجه قتيبةُ بعد عبد اللّه المغيرة بن عَبد اللّه فى الجنود إلى خُوارَزم، فبَكَغهم ذلك ، فلما قَدِمِ المغيرةُ اعتزَل أبنَاء الذين قتَلَهم