النص المفهرس

صفحات 381-400

٣٨١
سنة ٨٣
إليكم أبداً، فأظهرونى للناس ليعلموا أنى حىّ فيؤدّوا المالَ . فأعليم
الحجّاج، فقال: أظهروه، فأخرِج إلى باب المدينة ، فصاحَ فى الناس: مَنْ
عرَفَى فقد عَرَفَى، ومن أنكرنى فأنا فيروزُ حصين؛ إنّ لى عند أقوام
مالاً، فمن كان لى عندَه شىء فهو له، وهو منه فى حِلّ، فلا يؤدين
منه أحد درهمًا، ليُبلغ الشاهدُ الغائبَ. فأمر به الحجاج فقُتِل. وكان ذلك
ممّا رَوَى الوليدُ بنُ هشام بن قحدم ، عن أبى بكر الهُدَلىّ.
وذكر ضَمْرة بن ربيعة، عن أبى شَوْذب، أنّ عمّال الحجّاج كتبوا إليه:
إنّ الخَراج قد انكسر، وإنّ أهل الذّمة قد أسلموا ولتحقوا بالأمصار،
فَكَتَب إلى البَصْرة وغيرِها أنّ من كان له أصلٌ فى قرية فليخرج إليها .
فخرج الناسُ فعَسكروا، فجعلوا يَبكون وَيَنادُون: يا محمّداه يا محمّداه!
وجعلوا لا . . ون أين يذهبون! فجعل قرّاء أهل البصرة يخرجون إليهم متقنّعين
فييكون لما يَسمعون منهم وَيَرَوْن. قال: فقدِمَ ابنُ الأشعثِ على ١١٢٣/٢
تَفيئة ذلك، واستبْصَر قرّاء أهلِ البَصْرة فى قتال الحجّاج مع عبد الرحمن
ابن محمّد بن الأشعث .
وذكر عن ضَمرة بن ربيعة عن الشيبانىّ، قال: قَتَّل الحجاجُ يوم
الزاوية أحدَ عشر ألفًا، ما استحيا منهم إلّ واحداً، كان ابنهُ فى كُتّاب
الحجاج، فقال له : أتحبّ أن نتَعفوَ لك عن أبيك؟ قال: نعم، فتْرَكَه
لابنه؛ وإنما خدعَهم بالأمان، أمر مناديًا فنادى عند الهزيمة : ألا لا أمان
لفلان ولا فلان، فسمَّى رجالا من أولئك الأشراف، ولم يتقُل: الناس آمنون،
فقالت العامّة : قد آمَن الناس كلهم إلّ هؤلاء النفر ، فأقبلوا إلى حُجْرته
فلما اجتمعوا أمرَهم بوَضْع أسلِحتِهم ، ثم قال : الآمرنَ بكم اليومَ رجلا
ليس بينكم وبينه قرابة ، فأمر بهم ◌ُمارة بن تميم اللخمىّ فقرّبهم فقّلهم .
ورُوِى عن النّضر بن شُميل ، عن هشام بن حسان ، أنه قال : بلغ
(١) ب: ((فانتصر)".

٣٨٢
سنة ٨٣
ما قَتَّل الحجّاجُ صبراً مائةً وعشرين، أو مائة وثلاثين ألفًا .
وقد ذكر فى هزيمة ابن الأشعث بمَسكِن قولٌ غيرُ الذى ذكره
أبو مخنّف؛ والذى ذكر من ذلك أنّ ابن الأشعث والحجّاج اجتمعًا
بمسّكِن من أرض أبزقباذ، فكان عسكرُ ابن الأشعث على نهر يُدعَى
١١٢٤/٢ خداش مؤخّر النهر ، نهر تِيرَى ، ونزل الحجاج على نهر أفريذ
والعسكران جميعًا بين دجلة والسّيْب والكرْخ، فاقتتلوا شَهْراً -
وقيل : دون ذلك - ولم يكن الحجّاج يَعرِفِ إليهم طريقًا إلّ الطريق
الذى يلتَقُون فيه، فأنِىَ بشَيْخ كان راعيًا يُدعى زَوْرْقًا، فدلّه
على طريق من وراءِ الكَّرْخ طولُه ستّة فراسخ، فى أجَمَةِ وضَحْضاح
من الماء ، فانتخب أربعة آلاف من جِلّة أهلِ الشأم ، وقال لقائدهم :
لِيكُن هذا العِلْجِ أمامَك، وهذه أربعةُ آلافِ دِرْهم معك، فإن أقامَكَ
على عسكرهم فادفع المالَ إليه، وإن كان كذبًا فاضرب عنقه ، فإن
رأيتَهم فاحملْ عليهم فيمن معك، وليكنْ شِعارُكم: يا حجّاج يا حجّاج.
فانطلق القائدُ صلاة العصر، والتّقَى عسكرُ الحجاج وعسكرُ ابن الأشعث
حين فَصَل القائد بمن معه، وذلك مع صلاة العصر، فاقتّلوا إلى الليل ،
فانكشف الحجّاج حتى عبر السّيب - وكان قد عقده - ودخل ابنُ الأشعث
عسكرَه فانتَهبَ ما فيه، فقيل له: لو اتبعتَهُ؟ فقال: قد تعبنا ونَصِبْنَا،
فَرَجَعَ إلى عسكرِهِ فألقى أصحابُه السلاحَ ، وباتوا آمنين فى أنفسِهِم
لهم الظَّفَْرَ . وهجم القومُ عليهم نصفَ الليل يصيحون بشعارهم ، فجعل
الرجلُ من أصحاب ابن الأشعث لا يدرى أين يتوجّه ! دُجَيل عن يساره
ود جلة أمامته، ولها جُرْف منكَر، فكان منَ غرق أكثر من قُتِل .
وسمع الحجاج الصوتَ فعبر السُّيبَ إلى عسكره، ثمّ وجّه خيلته إلى القوم فالتقى
العسكران على عسكر ابن الأشعث ، وانحاز فى ثلثمائة ، فضى على شاطئ
دجلةَ حتى أتى ◌ُجَيلا فعبرَه فى السفن، وعَقَروا دوابَهم، وانحدَروا
فى السفن إلى البَصْرة، ودخل الحجاج عسكرَه فانتهب ما فيه ، وجعل
يَقتُل مَن وجد حتى قَتَّل أربعةَ آلاف؛ فيقال: إنّ فيمن قُتِل عبد الله
١١٢٥/٢

٣٨٣
سنة ٨٣
ابن شدّاد بن الهاد ؛ وقتل فيهم بِسْطام بن مَصْفَلَة بن هُبيرة، وعمر (١)
ابن ضُبَيْعة الرّقاشىّ، وبشر بن المنذر بن الجارود والحكتم بن مخرمة
العبدَّيَيْن، وبُكتير بن ربيعة بن ثَرْوان الضّبِىّ؛ فأتِى الحجاجُ برءوسهم على
تُرْس، فجعل يَنَظُرُ إلى رأس بِسطامَ ويتمثّل :
إذا مرَرْتَ بوادِى حَيَّةٍ ذَكَرٍ
فاذهبْ ودَعْنى أقاسى حيةَ الوادِى
ثم نظر إلى رأس بُكتير، فقال: ما ألقى هذا الشّىّ مع هؤلاء. خُذْ بأذنه
يا غلام فألقِهِ عنهم. ثمّ قال: ضَعْ هذا الترس بين يدىْ مسمَعَ بن مالك
ابن مِسمَعَ، فوضع بين يديه، فبكى، فقال له الحجّاج: ما أبكاك ؟ أحزنًا
عليهم ؟ قال : بل جَزَعًا لهم من النار .
[ ذكر خبر بناء مدينة واسط ]
وفى هذه السنة: بنى الحجّاج واسطاً، وكان سبب بنائه ذلك - فيما ذُكِرٍ-
أنّ الحجاج ضرب البَعْث على أهل الكُوفة إلى خُراسان، فعسكروا بحمّام
◌ُمر. وكان فَّى من أهل الكوفة من بنى أسَد حديثُ عَهد بعُرس بابنة
عمّله، انصرف من العسكر إلى ابنة عمِّه لَيْلا، فطرق البابَ طارقٌ ودَقّه دقًّاً
شديداً، فإذا سكرانُ من أهل الشأم ، فقالت للرجل ابنةُ عمّه : لقد لقينا
مِن هذا الشأمى شرًّا، يفعل بنا كلَّ ليلة ما تَرَى ، يريد المكروهَ، وقد
شكوته إلى مشيخة أصحابه ، وعَرَفوا ذلك(٢، فقال : ائذنوا له ، ففعلوا ،
فأغلق البابَ ، وقد كانت المرأة نجّدت منزلها وطيّتْه، فقال الشامىّ :
قد آن لكم، فاستقناه الأسدىّ، فأندَر رَأسَه ٢)، فلما أذِّن بالفَجْر
خرج الرّجل إلى العسكر وقال لامرأته: إذا صلّت الفجر فابعثى إلى الشاميّين
أن أخرِجوا صاحبكم، فسيأتون بكِ الحجاجَ، فاصدقِيه الخبر على وجهِهِ ؛
١٢٦/٢
(١) ابن الاثير: ((عمرو)).
(٢ - ٢) ابن الأثير: ((فقال لها زوجها: ائذنى له، فأذنت له، فقتله زوجها)). وفى
اللسان: (( أقنأت الرجل: حملته على القتل)).

٣٨٤
سنة ٨٣
ففعلتْ ، ورُفع القتيلُ إلى الحجاج ، وأدخلت المرأة عليه وعنده عنْبَسة
ابن سعيد على سريره، فقال لها: ما خَطْبُك؟ فأخبرتْه، فقال: صدقْتِنى.
ثم قال لُولاةِ الشامىّ : ادفنوا صاحبكم فإنه قتيلُ اللّه إلى النار، لا قَوَدَ له
ولا عَقْل ، ثمّ نادى مناديه: لا ينزلن" أحدٌ على أحد، واخرُجوا فعَسكسروا.
وبعث رُوّادًا يرتادون له منزلا ، وأمعن (١) حتى نزل أطراف كتَسْكَر،
فبينا هو فى موضع واسط إذا راهبٌ قد أقبل على حمار له وعبرَ دجلةَ ، فلما
كان فى موضع واسطَ تفاجّت الأتان فبالتْ، فنزل الراهبُ، فاحتفر ذلك البول،
ثمّ احتمله فرمى به فى دجلة، وذلك بَعيْن الحجّاج، فقال: علىَّ به،
فأتى به ، فقال : ما حَمَلَك على ما صنعتَ ؟ قال : نجد فى كُتُبنا أنه
يُبْنى فى هذا الموضع مسجدٌ يُعْد اللّهُ فيه ما دامَ فى الأرض أحدٌ يوحِّده.
فاختط الحجّاج مدينةَ واسِطَ ، وبَنَّى المسجدَ فى ذلك الموضع.
#
١١٢٧/٢
وفى هذه السنة عزّلَ عبدُ الملك - فيما قال الواقدىّ - عن المدينة أبَانَ بنَ
عثمان، واستعمَل عليها هشامَ بنَ إسماعيل المخزوميّ.
وحجّ بالناس فى هذه السنة هشامُ بنُ إسماعيلَ ، حدّثْنى بذلك أحمدُ
ابن ثابت ، عمن حدثه ، عن إسحاق بن عيسى ، عن أبى معشر .
وكان العمّال فى هذه السنة على الأمصار سوَى المدينة هم العمّال الذين
كانوا عليها فى السنة التى قبلتها ؛ وأمّا المدينة فقد ذكرنا من كان عليها فيها(٢).
٣٠.
(١) ب: ((فأبعد)).
77
(٢) ب: ((فيها عليها)) س: ((عليها فى السنة التى قبلها)).

ثم دخلت سنة أربع وثمانين
ذكر ما كان فيها من الأحداث
ففيها كانت غزوةُ عبد الله بن عبد الملك بن مَرْوانَ الرّوم، ففَتّح
فيها المَصّيصّة ، كذلك ذكر الواقدىّ.
[خبر قتل الحجّاج أيوب بنَ القِرِّية]
وفيها قَتَل الحجّاجُ أيوبَ بن القِرّيّة ، وكان ممن كان مع ابن الأشعث ،
وكان سبب قتله إياه - فيما ذُكِر- أنهكان يدخل على حَوْشب بن يزيد بعد انصرافه
من دَيْر الجماجم - وحَوْشب على الكوفة عامل للحجاج (١) . فيقول حَوْشب:
انظروا إلى هذا الواقف معى ، وغداً أو بعدَ غد يأتى (٢) كتاب من الأمير
لا أستطيع إلا نفاذَه، فبينا هو ذاتَ يوم واقف إذأتاه كتابٌ من الحجّاج:
أما بعد، فإنك قد صرت كَهْفاً لُنافِقِىِ أهلِ العراق ومأوّى، فإذا نظرتَ
فى كتابى هذا فابعثْ إِلىَّ بابن القِرّيَّة مشدودة يدُه إلى عنقه، مع ثقةٍ
مِن قِبلك .
١١٢٨/٢
فلما قرأ حوشب الكتابَ رَمَى به إليه ، فقرأه فقال : سمعًاً وطاعة ؛
فبعث به إلى الحجاج مُوثَقًا ، فلما دخل الحجّاج قال له : يابن
القِرَّيّة، ما أعددتَ لهذا الموقف؟ قال : أصلح الله الأمير ! ثلاثة حروف
كأنهنَّ رَكْبٌ وُقُوف، دنيا، وآخرةٌ، ومعروف. قال: اخرج مما قلتَ ،
قال: أفعلُ، أما الدنيا فمالٌ حاضر، يأكلُ منه البرّ والفاجر، وأما الآخرة
فميزان عادل، ومَشهد ليس فيه باطل، وأما المعروف فإن كان علىّ اعترفتُ،
وإن كان لى اغترفْتُ . قال: إمّا لا فاعترف بالسيف إذا وَقَع بك . قال:
أصلح اللّه الأمير! أقِلْنى عَشْرتى، وأسغنى (٣) رِيقى؛ فإنه ليس جوادٌ إلا له
(١) ب: ((الحجاج)).
(٣) ط: ((واسقنى))
(٢) ب: ((يأتينى)).
i
٣٨٥

٣٨٦
سنة ٨٤
كَبْوة، ولا شجاعٌ إلا له هَبْوة (١). قال الحجّاج: كلا والله لأُرِينّك (٢)
جهنم ، قال : فأرِحْنى فإنّى أجد حَرَّها ، قال : قدّمْه يا حَرَسیّ فاضرب
عنقَه . فلما نظر إليه الحجّاج يتشحَّط فى دمه قال: لو كنّا تركْنا ابنّ
القِرّيّة حتى نَسمَعَ من كلامه! ثمّ أمر به فأخرج فرُسِىَ به.
قال هشام : قال عَوانة : حين مَنَع الحجاجُ من الكلام ابنَ القِرِيّة،
قال له ابنُ القِرَّية: أما والله لو كنتُ أنا وأنت على السوّاء لسكنا جميعًا، أو
لألْفَيْتَ مَنِيعًا.
١١٢٦/٢
[فتح يزيد بن المهلب قلعة نيزك بباذغيس ]
وفى هذه السنة فَتَحَ يزيدُ بنُ المهلّب قلعة نيزك ببَاذَ غيس.
* ذكر سبب فتحه إيّاها :
ذَكَر علىّ بنُ محمد ، عن المفضّل بن محمد ، قال : كان نيزك
يسَنَزل بقَلْعة بانغيس ، فتحيّن يزيدُ غزوَه ، وَوَضَع عليه العيون ، فبلغه
خروجُه ، فخالفه يزيدُ إليها ، وبلغ نيزك فرجع ، فصالحه على أن يدفع إليه
ما فى القلعة من الخزائن ، ويَرتحِل عنها بعِياله، فقال كتَعْب بنُ معْدانَ
الأشقَرىّ :
عزَّ الملوكَ فٍإِن شَا جَار أَوْ ظَلما
وباذَغيسُ التى مَن حل ذُرْوَتها
إِلا إِذا وَاجَهَتْ جيشاً له وجَما
مَنيعةٌ لم يَكِدْها قبله ملكٌ
بعضَ النّجوم إِذا ماليلُها عَما
تخَالُ نيرانها من بُعد مِنظرها
حتى أَقرّوا له بالحُكم فاحتكما
لمّا أَطافَ بها ضاقتْ صدورهُمُ
فذلَّ ساكِنَها من بَعدِ عِزَّتِهِ
وبعد ذلك أياماً نعدّدها
أَعطاك ذاك ولىُّ الرزق يَقْسِمُهُ
يُعطى الجِزَى عارفاً بالذل مُهتضَما
وقبلها ما كَشَفْتَ الكرب والظلما
بين الخلائق والمحرومُ من حُرما
(٢) ابن الأثير: ((لأزيرنك)).
١٢٣٠/٢
(١) البيان والتبيين ١: ١١٢، ٣٥٠.

٣٨٧.
سنة ٨٤
بداك إحداهما تُسقى العدو بها
فهل كَسَيْبِ يزيدَ أَوْ كنائِلِهِ
ليسا بأَجوَد منه حينَ مَدِّهِما
وقال :
ثَنائى على حىِّ العتيك بأَنَّها
إذا عقدوا للجارِ حَلَّ بِنجْوةٍ
نَفَى نِيزَكاً عن باذَغيسَ ونيزك
مُحَلّقَةٍ دونَ السماءِ كأَنَهَا
ولا يبلُغ الأَرْوى شاريخَها العلا
وما خُوفَتْ بالذئب وِلْدانُ أَهلها
تمنّتُ أَن أَلْقَى العتيكَ ذوى النُّهَى
كمايتمنى صاحبُ الحرثِ أُعطِشَت
فَأُسْقِىَ بعد اليأس حتى تحَيَّرَتْ
لقد جمع الله النوى وتَشعَّبَتْ
سَمًّا وأُخرى نداها لم يزَلْ دِيَمَا
إِلا الفراتُ وإِلا النِّيلُ حين طَما
إِذ يعلوَانِ حداب الأَرض والأَّكَما
كِرامٌ مقاربها، كِرامٌ نصابُها
عزيز مَراقيها، منيع هضَابُها
بمنزلة أعيا الملوكَ اغتِصابُها
غمَامةُ صَيف زلّ عنها سحابُها
ولا الطيرُ إِلّ نسرُها وعُقابها
ولا نَبَحَتْ إِلا النجومَ كِلَابُها
مُسلّطَّةٍ تُحمى بملكِ ركابُها
مَزَارِ عُهُ غيئاً غَزِيرًا رَبابُها
جَدَاولها رِيًّا وَعبّ عبابُها
شعُوبٌ مِنَ الآفاقِ شَتِى مَآبِها
قال : وكان نيزك يُعظّم القلعة إذا رآها سَجَد لها. وكََّبَ يزيدُ بن
المهلب إلى الحجاج بالفَتْح ، وكانت كُتُب يزيد إلى الحجاج يتكتبها
يحيى بن يَعمر العَدْوانىّ، وكان حليفًا لهُديل، فكتب: إنا لَقِينا العدوّ
فمنحَنَا اللّه أكتافَهم، فقتلْنا طائفةً، وأسرْنا طائفة، ولحقتْ طائفة برءوس
الجبال وعراعرِ الأودية، وأهضامِ الغيطان وأثناء الأنهار(١)؛ فقال الحجّاج:
من يكتب ليزيدَ ؟ فقيل: يحيى بن يعمر، فكّبَ إلى يزيدَ فحمَلَه على
البريد، فقَدِم عليه أفصح الناس ، فقال له : أينَ وُلِدتَ ؟ قال: بالأهواز ؛
قال: فهذه الفصاحة؟ قال: حفظتَ كلام أبِى وكان فصيحًا (٢). قال: مِن
١١٣١/٢
١١٣٢/٢
(١) العرعرة قلة الجبل، وجمعها عراعر، والأهضام: أحضان الأودية وأسافلها.
(٢) الفائق ٢: ٣٣٩، ٣٤٠.

٣٨٨
سنة ٨٤
هناك فأخبرنى هل يلحن عنبسة بن سعيد؟ قال: نَعَم كثيراً، قال: ففُلان؟
قال: نعم ، قال : فأخبرنى عنّى أألحَن؟ قال: نعم تلحين لحْنا خفيًّا؛
تزيد حرفًا وتنقص حرفًا، وتجعل أنْ فى موضع إنْ، وإنْ فى موضع أنْ .
قال : قد أجّلتك ثلاثًا، فإن أجدْك بعد ثلاث بأرض العراق قتلْتك.
فرَجَع إلى خُراسان .
وحجّ بالناس فى هذه السنة هشامُ بنُ إسماعيل المخزومىّ ، كذلك حدّثنی
أحمد بن ثابت ، عمّن ذَكرَه ، عن إسحاق بن عيسى ، عن أبى معشر .
وكانت عمّال الأمصار فى هذه السنة عمّالها الذين سمّيتُ قبلُ فى سنة
ثلاث وثمانين .

ثمّ دخلت سنة خمس وثمانين
ذكر ما كان فيها من الأحداث
[ خبر هلاك عبد الرحمن بن محمد بن الأشعث]
ففيها كان هلاكُ عبد الرحمن بن محمد بن الأشعث .
:
، ذكر السبب الذى به هلك ، وكيف كان :
١١٣٣/٢
ذَكَرَ هشام بنُ محمد ، عن أبى مخنَّف ، قال: لما انصرفَ ابنُ الأشعث
من هَرَاةَ راجعًا إلى رُتْبيل (١) كان معه رجلٌ من أوْد يقال له عَلْقمة بن
عمرو، فقال له: ما أريد أن أدخُل معك؛ فقال له عبد الرحمن: لمَ ؟ قال :
لأنى (٢) أتخوّف عليك وعلى من معك، والله لكأنى بكتاب الحجاج قد جاء ،
فوَقَع إلى رُتْبيل يُرْغِّبُه ويُرهِّبه، فإذا هو قد بعث بك سَلْمًا أو قتلكم .
ولكنها هنا خمسمائة قد تبايعْنا على أن ندخل مدينة فنتحصّن (٣) فيها، ونقاتل
حتى نُعطَى أمانًا أو نموتَ كرامًا . فقال (٤) له عبد الرّحمن: أما لو دخلتَ
معى لآسيْتُك (٥) وأكرَمْتك، فأبى عليه علقمةُ، ودخل عبد الرّحمن بنُ
محمد إلى رُتْبيل. وخرج هؤلاء الخمسمائة فبعثوا عليهم مودودًا النَّضْرىّ، وأقاموا
حتى قدم عليهم ◌ُمارة بن تميم الدَّخمىّ فحاصَرَهم ، فقاتلوه وامتنعوا منه حتى
آمنهم، فخرجوا إليه فَوفى لهم .
قال: وتتابعتْ كُتُب الحجاج إلى رُتْبيل فى عبد الرحمن بن محمد أن ابعث
به إلىّ، وإلا فوالذى لا إله إلا هو لأوطِئْنّ أرضَك ألف ألف مُقاتِل.
وكان عند رُتْبيل رجلٌ من بني تميم ثمّ من بنى يَربوع يقال له عُبيد بن
أبى سُبَيع ، فقال لرُتْبيل: أنا آخذُ لك من الحجّاج عهداً ليكفّنّ الخراج
(١) بعدها فى ب: ((ملك الترك)).
(٣) ب: ((نتحصن)).
(٥) ب: ((لآمنتك)).
(٢) س: ((إنى)).
(٤) ب: ((قال)).
٣٨٩

٣٩٠
٠
سنة ٨٥
عن أرضك سبعَ سنينَ على أن تدفع إليه عبدَ الرحمن بن محمّد ، قال رُتُبيل
لعبيد : فإن فعلتَ فإنّ لك عندى ما سألتَ .
فَكَتَب إلى الحجّاج يُخبِرِه أنّ رُتُبِيلَ لا يعصِيه، وأنه لن يَدَع رُتْبيل
حتى يَبَعَث إليه بعبد الرحمن بن محمد، فأعطاه الحجّاج على ذلك مالاً
/١١٣٤ وأخذ من رُتْبيل عليه مالاً، وبعث رُتْبيل برأسِ عبد الرحمن بن محمد إلى
الحجّاج، وترك له الصلح الذى كان يأخذه منه سبعَسنين. وكان(١) الحجّاج
يقول: بعث إلىّ رُتْبيل بعدوّ اللّه. فألقى نفسه من فوق إجّار فمات. (٢)
قال أبو مخنّف : وحدثنى سليمان بنُ أبى راشد. أنه سمع مُليكةَ
ابنة يَزِيدَ تقول: واللّهِ "كلماتَ عبدُ الرحمن وإنّ رأسَه لعلى فخذى، كان
السلّ قد أصابه. فلما مات وأرادوا دفنتَه بعث إليه رُتْبيل فَحزّ رأسَه،
فبعث به إلى الحجاج ، وأخذ ثمانية عشرَ رجلا من آل الأشْعث فحبسهم
عندَه، وترك جميعَ من كان معه من أصحابه . وكتب إلى الحجّاج
بأخذه الثمانية عشر رجلا من أهل بيت عبد الرّحمن، فكتب إليه : أن اضرب
رقابتَهم، وابعث إلىّ برءوسهم، وكره أن يُؤتَى بهم إليه أحياءً فيُطلبَ
فيهم إلى عبد الملك ، فيترك منهم أحداً .
وقد قيل فى أمر بنِ أبى سُبيع وابن الأشعث غير ما ذكرتُ عن أبى
محنَّف ، وذلك ما ذكر عن أبى عبيدة مَعَمَرَ بن المثنَّى أنه كان يقول :
زعم أن ◌ُمارة بن تميم خرج من كَرْمان فأتَى سجستانَ وعليها رجلٌ من
بنى العنبر يُدعَى مودودًا، فحصَرَه ثمّ آمنه ، ثم استولى على سِجِسْتانَ،
وأرسل إلى رُتْبيل. وَكَتَب إليه الحجّاج: أما بعد، فإنى قد بعثتُ إليك
معمارةَ بن تميم فى ثلاثين ألفًا من أهل الشأم لم يخالفوا طاعة، ولم يخلعوا
خليفة، ولم يَتّبعوا إمامَ ضلالة ، يُجرى على كل رجل منهم فى كلّ شهر
مائة درهم، يستطعمون الحربَ استطعامًا، يطلبون ابن الأشعث . فأبى رتبيل
أن يسلمه . وكان مع ابن الأشعث عُبيد بن أبى سُبيع التميمىّ قد خصّ به ،
١١٣٥/٢
(١) ب: ((فكان)).
(٢) كذا فى ط، وانظر الصفحة التالية . والإجار: سطح المنزل.

٣٩١
سنة ٨٥
وكان رسولُه إلى رُتْبيل، فخصّ برتبيل أيضًا، وخفّ عليه . فقال القاسم
ابن محمد بن الأشعث لأخيه عبد الرحمن : إنى لا آمن غدرّ التميمىّ، فاقتلْه،
فهَمّ به، وبلغ ابن أبى سُبيح، فخافَه فوشَى به إلى رُتْبيل ، وخوفه
الحجّاج، ودعاه إلى الغَدْر بابن الأشعث فأجابه، فخرج سرًّا إلى
عمارة بن تميم ، فاستعجل فى ابن الأشعث ، فجعل له ألفَ ألفٍ ، فأقام
عندَه، وَكَتَب بذلك ◌ُمارة إلى الحجّاج، فكتب إليه أن أعطِ عبيداً
ورُتْبِيلَ ما سألاك واشترطْ(١)، فاشترط رُتُبيلُ ألا تغزى بلادُه
عشر سنين ، وأن يؤدّىَ بعد العشر سنينَ فى كلّ سنة تسعمائة ألف،
فأعطى رُتْبيل وعبيدًا (٢) ما سألا، وأرسَل رتبيل إلى ابن الأشعث فأحضره
وثلاثين من أهل بيته ، وقد أعدّ لهم الجوامع والقيود ، فألقى فى عنقه جامعةً ،
وفى عنق القاسم جامعة ، وأرسل بهم جميعًا إلى أدنى مسالح عمارة منه ، وقال
لجماعة من كان مع ابنِ الأشعث من الناس: تفرّقُوا إلى حيث شئتم، ولما قرب
ابن الأشعث من عمارة ألقى نفسه من فوق قَصْر فمات، فاحتزّ رأسه، فأتى
به وبالأسرى عمارة ، فضرب أعناقتهم ، وأرسل برأس ابن الأشعث وبرءوس
أهلِهِ وبامرأته إلى الحجّاج ، فقال فى ذلك بعضُ الشعراء :
هيهات موضعُ جُنَّةٍ من رأسِها رأسٌ بمصرَ وجثَّة بالرَّحْج (٣) ١١٣٦/٢
وكان الحجاج أرسل به إلى عبد الملك، فأرسل (٤) به عبد الملك إلى
عبد العزيز وهو يومئذ على مصر.
وذكر عمر بن شبّة أن ابن عائشةَ حدثه قال: أخبرنى سعد بنُ عُبيد الله
قال : لما أتِى عبدُ الملك برأسِ ابن الأشعث أرسَل به مع خصىّ إلى امرأة
منهم كانت تحتَّ رجل من قريش ، فلما وُضع بين يديْها قالت : مرحباً
بزائر لا يتكلّم ؛ ملك من الملوك طلّب ما هو أهلُه فأبت المقادير. فذهب
الخَصِيّ يأخذ الرأس فاجتذبتْه من يده، قالت: لا واللهِ حتى أبلغ
(١) كذا فى ب، وفى ط: ((فاشترط)).
(٣) ر: ((بالرخح))، س: ((بالرجع)).
(٢) ر: ((وعبيد اللّه)).
(٤) ب: ((وأرسل)).

٣٩٢
سنة ٨٥
حاجتى ، ثمّ دعت بخَطمىّ فَغْسَلَتْه وغلّفتْه ثم قالت: شأنَك به الآن .
فأخذه ، ثم أخبر عبد الملك ، فلمَّا دخل عليه زوجُها ، قال : إن استطعتَ
أن تصيبَ منها سَخْلة .
وذكر أنّ ابن الأشعث نظر إلى رجل من أصحابه وهو هارِبٌ إلى بلاد
رتبيلَ فتمثّل :
كذاكَ مَنْ يكرَهُ حَرَّ الجِلادِ
يطردُه الخَوفِ فهُو تائِهُ (١) .
تنكبُهُ أَطراف مَرْوٍ حِدادِ
مِنُخَرِقُ الخُفَّين يشكو الوَجَا
والموتُ حَتْمٌ فی رقابِ العبادِ
قد كان فى الموت له راحةٌ
فالتفت إليه فقال : يالحية ، هلاّ ثبتَّ فى موطن من المواطن فنموت
بين يديك ، فكان خيراً لك مما صرت إليه !
قال هشام : قال أبو مخنف : خرج الحجّاج فى أيامه تلك يسير ومعه
حُمَيَد الأرْقَط وهو يقول :
١١٣٧/٢
عن عسكرٍ يقودُه فيُسلمُهْ
ما زالَ يَبنى خَنْدقاً ويَهِدمُهْ (٢).
هيهاتَ من مصفِّه مِنْهَزَمُهْ
حتّى يصيرَ فی یدیكَ مَقسِمه
إِنَّ أَخَا الكِظاظِ من لا يسأَّمُهْ *
فقال الحجّاج: هذا أصدَقُ من قولِ الفاسق أعشَى هَمْدان :
نُبِّئْت أَنّ بُنىّ يو سف خرَّ من زَلَقٍ فتبًّا
قد تبيّن له من زَلِقَ وتبَّ وَدَحَض فانكبّ، وخاف وخابَ ، وشكّ
وارتاب؛ ورفع صوته فما بقى أحدٌ إلا فَزِع لغضبه، وسكت الأريقط، فقال
له الحجّاج: عدْ فيما كنت فيه، ما لَك يا أرْقط! قال: إنى جُعلت
فداكَ أيّها الأمير وسلطان الله عزيز، ما هو إلا أن رأيتُك غضبتَ فأرعدتْ
خصائلى، واحزألّتْ مفاصلى، وأظلم بَصّرى، ودارت بى الأرض . قال له
(٢) ر: ((وهدمه)).
(١) ب: ((طرده الخوف)).

سنة ٨٥
٣٩٣
الحجاج: أجلْ، إنّ سلطان اللّه عزيز، عدْ فيما كنتَ فيه، ففَعَل .
وقال الحجاج وهو ذاتَ يوم يسيرُ ومعه زياد بنُ جَرير بن عبد اللّه البَجَلَىّ"
وهو أعور، فقال الحجّاج للأريقط: كيف قلتَ لابن سمُرة؟ قال: قلت :
كنتَ حَسِبْت الخَنْدَقَ المحْفورا
يا أَعورَ العَيْنِ فَدَيْتُ العُورَا(١)
ودائرات السّوْءِ أَن تَدورا
يرُدُّ عنْك القدّرَ المقدورا
وقد قيل: إنّ متهلك عبد الرّحمن بن محمّد كان فى سنة أربع وثمانين .
١١٣٨/٢
[ عزل يزيد بن المهلّب عن خراسان]
وفى هذه السنة عَزّل الحجّاج بن يوسف يزيدَ بن المهدَّب عن خُراسان
وولّها المفضّل بن المهدّب أخا يزيد .
ذكر السبب الذى من أجله عزله الحجاج عن خُراسان واستعمل المفضّل:
ذَكَر علىّبنُ محمد، عن المفضّل بن محمد، أن الحجاج وَفَد إلى
عبد الملك ، فمرَّ فى مُنصرفه بدير فنزَلَه ، فقيل له : إنّ فى هذا الدَّيْر
شيخًاً من أهل الكُتُب عالمًا ، فدعا به فقال : يا شيخ ، هل تجدون فى
كُتُبُكم ما أنتم فيه ونحن ؟ قال : نعم ، نجد ما مضى من أمْرٍكم وما أنتم فيه
وما هو كائن ؛ قال : أفسمّى أم موصوفًا ؟ قال : كلّ ذلك ؛ موصوف بغير
اسم ، واسم بغير صفة ، قال : فما تجدون صفةَ أمير المؤمنين ؟ قال : نجده
فى زماننا الذى نحن فيه ؛ ملك أقرَع ، مَن يقم لسبيله يُصرّع ، قال: ثمّ
من ؟ قال: اسم رجل يقال له الوَليد ، قال: ثمّ ماذا ؟ قال : رجل اسمه
اسمُ نِّ يفتح به على الناس ، قال : أفتعرفنى ؟ قال : قد أخْبِرت بك .
قال : أفتعلم ما ألى ؟ قال: نعم، قال: فمن يَلِيه بَعدى؟ قال : رجلٌ
يقال له يزيد ، قال : فى حياتى أم بعد موتى ؟ قال : لا أدرى ، قال : أفتعرف
صفته ؟ قال : يغدر غُدرةً ؛ لا أعرف غير هذا .
(١) ب: ((قذيت)).
١١٣٩/٢

٣٩٤
سنة ٨٥
قال : فوَقَعَ فى نفسه يزيدُ بنُ المهلب، وارتحل فسار سَبْعًا وهو
وَجَل من قولِ الشيخ؛ وقدِم فكَتَب إلى عبد الملك يَستَعَفيه من العراق،
فكتب إليه: يا بنَ أُمّ الحجاج، قد علمتُ الذى تغزو، وأنك تريد أن تتعلّ
رأيى فيك، ولَعَمَرى إنى لأَرَى مكانَ نافع بنِ عَلْقْمة، فالْهُ عن هذا
حتى يأتىَ الله بما هوَ آت؛ فقال الفرزدق يتذكر مسيره:
إلى واسطٍ من إيلياءَ لمَلَّتٍ(١)
لو أَنَّ طيْرًا كُلِّفتْ مثلَ سَيْره
دنا الليلُ من شمس النهار فوَلَّتِ(٢)
سَرى بالمَهَارِىِ منْ فِلَسطينَ بعدما
بمَيْسان قدْ ملَّتْ سُراها وكلَّتِ (٣)
فما عاد ذاك اليومُ حتى أَناخها
إِذا غمْرةُ الظَّلماءِ عنْه تجلَّت(٤)
كأَنَّ قُطاميًّا على الرّحْل طاوياً
قال فبينا(٥) الحجّاج يومًا خال (٦) إذ دعا عبيد(٧) بنَ مَوْهب،
فدخل وهو يَنَكُتُ فى الأرض ، فَرفع رأسَه فقال: ويحَك يا عُبيد!
١١٤٠/٢ إن أهل الكتب يذكرون أنّ ماتحت یدی یلیه رجل يقال له يزيد، وقد تذكرت
يزيدَ بنَ أبى كبشة، ويزيدَ بنَ حُصَين بن ◌ُمَير، ويزيد بن دينار، فليسوا
هناك ، وما هوَ إن كان إلا يزيد بن المهلب؛ فقال عبيد : لقد شرّفتَهم
وأعظمت(٨) ولاينتَهم، وإنّ لهم لعدَداً وجلَداً، وطاعة وحظًّا، فأخلق به .
فأجمع على عزل يزيد فلم يجد له شيئًا حتى قدم الخيار بن أبى سَبْرة بن
ذُؤيب بن عَرْفجة بن محمد بن سُفيان بن مُجاشع - وكان من فرسان المهلب -
وكان مع يزيد - فقال له الحجاج : أخبرنى عن يزيدَ، قال: حَسَن
الطاعة ، ليّن السيرة، قال : كذبت، أصدِقِى عنه، قال: اللّهُ أجلّ وأعظم،
قد أسرج ولم يُلجم ، قال : صدقتَ ، واستعمل الخيارَ على عُمان بعد
ذلك .
(١) ديوانه ١٣٧.
(٣) الديوان: ((قد حلت عراها وملت)).
وقَدْ علم الأقوامُ أَن ابن يوسُفٍ
(٥) ب: ((فبيتا)).
(٧) ب: ((بعبيد)).
(٢) الديوان: ((دنا الفى.)).
(٤) بعده فى الديوان :
:
قطوبٌ إِذا ما المشرفيةُ سُلَّتِ
(٦) ب: ((خاليا)).
(٨) ب: ((وعظمت)).

سنة ٨٥
٣٩٥
قال: ثمّ كَتَب إلى عبد الملك يذمّ يزيدَ وآلَ المهلّب بالزبيريّة،
فكتب إليه عبدُ الملك: إنى لا أرى نَقْصا بآل المهلب طاعتهم لآل الزبير ،
بل أراه وفاء منهم لهم ، وإنّ وَفاءهم لهم يدعوهم إلى الوفاء لى. فكَتَب إليه
الحجّاج يخوّفه غدرهم لما أخبره به الشيخ. فكتب إليه عبدُ الملك: قد أكثرتَ
فى يزيدَ وآل المهلب، فسمّ لى رجلاً يَصلُح لخُراسان؛ فسَمَّ له ◌ُجّاعة بن
سعر السعدىّ ، فكتب إليه عبدُ الملك : إنّ رأيك الذى دعاك إلى استفساد
آلِ المهلب هو الذى دعاك إلى مجاعة بن سعر، فانظر لى رجلا صارماً، ١١٤١/٢
ماضيًا لأمرك، فسَمَتَّى قتيبة بن مسلم، فكتب إليه: ولِه. وبلغ يزيد أنّ الحجاج
عَزلَةَ ، فقال لأهل بيته : مَن ترون الحجاج يولى خُراسانَ ؟ قالوا : رجلا
من ثقيف، قال : كلاً ، ولكنه يكتب إلى رجل منكم بعَهْده ، فإذا قدمتُ
عليه عزلَه وولى رجلاً من قيس ، وأخلق بقتيبة ! قال : فلما أذن عبد الملك
للحجّاج فى عَزْل يزيدَ كرِه أن يكتب إليه بعزله، فكتب إليه أن استخلف
المفضّل وأقبل. فاستشار يزيدُ حُضَينَ بنَ المنذر ، فقال له: أقم واعتلّ ،
فإنّ أميرَ المؤمنين حَسَن الرأى فيك، وإنما أتِيتَ من الحجاج، فإنْ أقمتَ
ولم تَعَجل رجوتُ أن يكتب إليه أن يقرّ يزيد، قال: إنّا أهلُ بيت بُورِك
لنا فى الطاعة ، وأنا أكره المعصية والخلاف ؛ فأخذ فى الجهاز ، وأبطأ ذلك
على الحجّاج، فكتب إلى المفضّل : إنى قد ولّيتُك خُراسانَ، فجعل المفضّل
يستحِثٌ يزيدَ ، فقال له يزيد: إنّ الحجّاج لا يُقرّك بعدى، وإنما دعاه
إلى ما صَنَعَ مخافَةُ أن أمتَنِعَ عليه ، قال : بل حسدتستنى، قال يزيد : يا بن
بَهلة، أنا أحسدُك! ستعلم . وخرج يزيدُ فى ربيع الآخر سنة خمس وثمانين.
فعزل الحجاجُ المفضّل ، فقال الشاعر للمفضّل وعبد الملك وهو أخوه لأمته :
يا بْنَىْ بَهَلّةَ إِنَّما أَخْزَاكما رَبّى غَدَاةَ غَدَا الْهُمَامُ الأَزْهَرُ
فِى قَعْرِ مُظْلِمَةٍ أَخُوها المُغْوِرُ
أَحَفَرْتُمُ لِأَخِيكُمْ فَوَقَعْمُ
يَأْبَى ويَأْنَف أَن يَتُوبَ الأَخْسَرُ
جُودُوا بِتَوْبةٍ مُخْلِصِينَ فإِنَّما
١١٤٢/٢

٣٩٦
سنة ٨٥
وقال حُضین ليزيد :
فَأَصْبِحْتَ مَسْلوب الإِمارَةِ نادِما
أَمَرْتك أَمْرًا حازماً فَعَصَيْتَنى
وما أَنا بالدَّاعى لتَرْجعَ سَالِمَا
فما أَنَا بالبَاكى عَليكَ صَبَابَةٌ
فلما قدم قتيبة خراسان قال لحضين : كيف قلت ليزيد ؟ قال : قلت :
فَنَفْسَكَ أَوْلِ اللوْمَ إِنْ كُنْتَ لائما
أَمَرْتكَ أَمْرًا حازماً فعصيتنى
فإِنَّك تَلْقِى أَمْرَهُ مَتَفَاقما
فإن يَبلغ الحجَّاجَ أَنْ قَدْ عَصَيْتَهُ
قال : فماذا أمرتَه به فعصاك ؟ قال : أمرتُه ألَّ يَدَع صفراءَ ولا
بيضاءَ إلا حملتها إلى الأمير ، فقال رجل لعياض بن حضين : أما أبوك
فوجَدَه قتيبةُ حين فرّه قارِحًاً بقوله: ((أمرته ألّ يدعَ صَفْراء ولا بيضاء"
إلا حملها إلى الأمير )).
قال علىّ: وحدّثنا كُلَّيب بن خَلَف، قال: كتب الحجّاج إلى يزيد"
أن اغزُ خُوارزم، فَكَتَعَب إليه : أيها الأمير ، إنها قليلة السَّلَب، شديدةُ
الكَلَب. فكتّب إليه الحجّاج: استخلف واقدم، فكَّب إليه : إنى
أريد أن أغزوَ خُوارزم. فَكَتَب إليه : لا تَغْزُها فإنها كما وصَفت ؛ فغزا
ولم يُطِعِه، فصالَحه أهلُ خُوارزم، وأصاب سَبْيًا ممّا صالحوه، وقتفتل
فى الشتاء، فاشتدّ عليهم البردُ ، فأخذ الناس ثيابَ الأسرَى فلبسوها ، فمات
ذلك السبىُ من البَرْد. قال: ونزل يزيدُ بلستانة، وأصاب أهلَ مَرْو
الرُّوذ طاعونٌ ذلك العام ، فكتب إليه الحجاج : أن اقدم ، فقَدِم ، فلم يمرّ
ببلد إلا فرشوا له الرّیاحین. و کان یزیدُ ولی سنة اثنتین وثمانین ، وعزل سنة خمس
وثمانين، وخرج من خُراسان فى ربيع الآخر سنة خمس وثمانين، وولى قتيبة .
وأما هشام بن محمد ، فإنه ذکرعن أبي مخنف فىعزل الحجّاج يزيد عن
خُراسان سببًا غير الذى ذكره علىّ بنُ محمد ، والذى ◌ُذُكر من ذلك عن
أبی مخنف أن أبا المُخارق الراسى وغيره حد ◌ّثوه أن الحجّاج لم یکن له حین
فَرّغ من عبد الرّحمن بن محمد همّ إلا يزيدَ بنَ المهلّب وأهل بيته - وقد
١١٤٣/٢

٣٩٧
سنة ٨٥
كان الحجاج أذلّ أهل العراق كلّهم إلا يزيد وأهل بيته ومن معهم من أهل
المِصْرَين بخُراسان ، ولم يكن يتخوّف بعدَ عبد الرحمن بن محمد بالعراق
غيرَ يزيد بن المهلب - فأخذ الحجاجُ فى مواربة يزيد ليستخرجه من خُراسان،
فكان يبعث إليه ليأتيه ، فيعتلّ عليه بالعدوّ وحَرْب خُراسان ، فمكث
بذلك (١) حتى كان آخرَ سلطان عبد الملك. ثمّ إنّ الحجّاج كتب إلى عبدالملك
يشير عليه بعَزْل يزيد بن المهلب، ويخبره بطاعة آل المهلب لابن الزّبير،
وأنه لا وفاءَ لهم؛ فكتب إليه عبدُ الملك: إنّى لا أرى تقصيراً بولد المهلب
طاعتتهم لآل الزبير ووفاءهم لهم، فإنّ طاعتهم ووفاء هم لهم، هو دعاهم إلى
طاعتى والوفاء لى .
١١٤٤/٢
ثمّ ذكر بقيّة الخبر نحو الذى ذكره علىّ بن محمّد .
[غزو المفضّل باذغيس وأخْرُون ]
وفى هذه السنة غزا المفضّل باذَغيس ففتَّحها .
ذكر الخبر عن ذلك :
ذَكَر علىّ بنُ محمد، عن المفضّل بن محمد ، قال : عزل الحجّاج
يزيد ، وكَتَب إلى المفضّل بولايته على خُراسان سنة خمس وثمانين ، فوليتها
تسعة أشهر، فغزا باذغيسَ ففَتّحها وأصاب مغناً ، فقسمه بين الناس ،
فأصاب كلّ رجل منهم ثمانمائة درهم، ثمّ غزا أخرون وشُومان، فظَفِر
وغيِّمِ ، وقَسمَ ما أصاب بين الناس ، ولم يكن للمفضّل بيت مال ، كان
يُعطِى الناسَ كلّما جاءه شىء، وإن غنم شيئًا قسَمتَه بينهم ، فقال كعبٌ
الأشقرىّ يمدح المفضّل :
ترى ذا الغِنَى والفَقر من كلّ مَعشَرٍ(٢)
عصَائِبَ شتَّى يَنْتَوُونَ المفضَّلا
وَآخَرَ يَقضِى حاجَهُ قد ترحَّلَا(٣)
فمن زائرٍ يرجُو فَوَاضِلَ سَيْهِ
(١) ب: ((كذلك)).
(٣) ب: ((ترجلا)).
(٢) ب: ((نرى ذا الغنى)).

٣٩٨
سنة ٨٥
إِذا ما انتَوَيَنا غيْر أَرضكَ لم نَجِد
إذا ما عَدَدنا الأَكرَمين ذَوِى النُّهى
لَعَمْرى لقد صال المفضَّلُ صَوْلَةٌ
١١٤٥/٢
بها منتوَى خَيْرًا ولا مُتَعَلَّلَا
وقد قدّموا من صالحٍ كنت أَوَّلَا
أَباحَتْ بشُومانَ المناهل والكلا
فكانت لنا بين الفريقين فَيْصَلَا
ويوم ابن عبَّاس تناولتَ مثلها
وسُرْبِلْتَ من مَسْعاتِهِ ما تَسَرْبَلَا
صَفَتْ لك أَخلاقُ المُهَلَّبِ كُلُّها
فَأَوْرِثَ مَجْدًا لم يكن مُتَنخَّلا(١)
أَبُوك الذى لم يسْع ساعٍ كسعيه
[خبر مقتل موسى بن عبد الله بن خازم بالتّرمذ ]
وفى هذه السنة قُتِل موسى بنُ عبد اللّه بن خازم السُّلّمِىّ بالتِّرمِذ.
ذكر سَبَبٍ قتله ومصيره إلى التّرمذ حتى قُتِل بها :
◌ُذكر أن سبب مصيره إلى التِّرمذ كان أنّ أباه عبد اللّه بن خازم لما قََّل
مَنْ قَتَل من بني تميم بفرْتَنا - وقد منَضَى ذكرى خبرَ قتلِهِ إِيّاهم - تفرّق"
عنه عُظمُ من كان بقىَ معه منهم ، فخرج إلى نيسابورَ وخاف بنى تميم على
ثقله بمَرْو، فقال لابنه موسى: حوّل ثقَلى عن مَرْو، واقطع نهرَ بَلْخَ حتى
تلجأ إلى بعض الملوك أو إلى (٢) حصن تقيم (٣) فيه. فشَخَص موسى من
مرَو فى عشرين ومائتى فارس ، فأتى آمُل وقد ضوى إليه قومٌ من الصَّعاليك ،
فصار فى أربعمائة، وانضمّ إليه رجال من بنى سُلسيم، منهم زُرْعة بن علقمة ،
فأتى زمَّ فقاتلوه، فظَفِرِ بهم وأصاب (٤) مالا، وقطع النهر، فأتى بُخارَى
فسأل صاحبها أن يلجأ إليه ، فأبى وخافَه ، وقال : رجل فاتك ، وأصحابُه
مثله أصحاب حَرْب وشَرّ ، فلا آمنه . وبعث إليه بصلة عين ودواب
وكُسْوة ، ونزل على عظيم من عظماء أهل بُخارَى فى ذوقان ، فقال له : إنه
١١٤٦/٢
(١) ب: ((متنخلا)).
(٣) ابن الأثير: ((تقوم)).
(٤) ب: ((فأصاب)).
(٢) ب: ((وإلى)).

٣٩٩
سنة ٨٥
لا خيرَ فى المُقام فى هذه البلاد، وقد هَابَك القومُ وهم لا يأمنونك . فأقام
عند دهْقان نوقانَ أشهراً، ثمّ خرج يلتمس ملِكًا يلجأ إليه أو حِصْنًا،
فلم يأت بلداً إلا كَرِهوا مُقَامَه فيهم ، وسألوه أن يخرج عنهم .
قال علىّ بن محمد: فأتى سمرقَنْد فأقام بها، وأكرَمَهَ طَرْخونُ مَلِكُها،
وأذن له فى المُقام، فأقام ما شاء اللّه، ولأهل الصُّغد مائدةٌ يوضَع عليها لحم
وَدَك(١) وخُبْز وإبريق شراب، وذلك فى كلّ عام يوماً، يُجعل ذلك الفارس
الصّغْد فلا يَقرَبه أحد غيرُه، هو طعامه فى ذلك اليوم، فإنْ أكل منه أحدٌ
غيرُهُ بارَزَه فأيُّهما قَتَل صاحبه فالمائدةُ له ، فقال رجل من أصحاب موسى:
ما هذه المائدة ؟ فأخبر عنها ، فسكت ، فقال صاحب موسى : لآكلن
ما على هذه المائدة، ولابارزنّ فارسَ الصُّغْد، فإن قتلتُه كنتُ فارستهم .
فجلس فأكل ما عليها ، وقيل لصاحب المائدة ، فجاء مُغضَبًا ، فقال :
ياعربىّ ، بارِزْنى، قال: نعم، وهل أريدُ إلا المُبارزَة! فبارَزَه فقَتْلَه
صاحب موسى ، فقال متلك الصّغد: أنزلتُكم وأكرمتُكم فقتلتم فارسَ الصّغد!
لولا أنّى أعطيتُك وأصحابتَك الأمان لقتلتُكم ، اخرجوا عن بلدى ، ووَصَله .
فخرج موسى فأتى كِسَ فَكَتَب صاحبُ كِس إلى طَرْخونَ يستنصِره ،
فأتاه، فخرج إليه موسى فى سبعمائة فقاتلتهم حتى أمَسوا، وتتحاجزوا وبأصحاب
موسى جراحٌ كثيرة، فلما أصبحو أمرهم موسى فحلّقوا رءوسَهم كما يَصنَع (٢)
الخوارج، وقطعوا صفنات أخبيتهم كما يصنع العجم إذا استماتوا .
١١٤٧/٢
وقال موسى لزُرْعة بن علقمة: انطلِقٍ إلى طَرْخون فاحتلْ له . فأتاه ،
فقال له طَرخون: لِمَ صَنَعَ أصحابُك ما صنعوا؟ قال : استقتلوا فما حاجتك
إلى أن تقتل أيّها الملك موسى وتُقَتَل! فإنك لاتصل إليه حتى يقتّل مثل عدّتهم
منكم، ولو قتلتَه وإياهم جميعًا ما نلت حظًّاً، لأنّ له قَدْراً فى العَرَب، فلا
يلى أحدٌ خُراسانَ إلا طالَبَك بدمه، فإن سلمتَ من واحد لم تَسلَ من
آخَر؛ قال: ليس إلى تَرْك كسّ فى يده سبيل؛ قال : فكُفّ عنه حتى
(١) لحم ودك : فيه دسم.
(٢) ب: ((تصنع)).

٤٠٠.
سنة ٨٥
١١٤٨/٢:
يَرتحل ، فكفّ وأتى موسى التِّرْمِذ وبها حصن يُشرف على النهر إلى جانب
منه ، فنزل موسى على بعض دهاقين التّرمِذ خارجًا من الحِصْن والدّهقان
مُجَانِب لِتَرْمِذشاه ، فقال لموسى: إنّ صاحبَ التِّرمِذ متكرّم شديدٌ
الحياء، فإن ألطفْتَه(١) وأهدَيْت إليه أدخلَكَ حصنه، فإنه ضعيف ،
قال : كلّ، ولكنّ أسألُه أن يُدخلنى حِصنَه، فسأله فأبى، فماكَرَهُ
موسى وأهدى له (٢) وألطفته، حتى لطف الذى بينهما، وخرج فتصيّد معه،
وكثر إلطاف موسى له ، فصَنّحَ صاحبُ الترمذ طعامًا وأرسل إليه : إنّى أُحِبّ
أن أكرمَك، فتغدَّ عندى ، وائتنى فى مائة من أصحابك . فانتخَب موسى
من أصحابه مائةً ، فدخلوا على خُيولهم ، فلما صارت فى المدينة تصاهَكَتْ،
فتطيّر أهلُ الترْمذ وقالوا لهم: انزلوا ، فنَزّلوا ، فأدخلوا بيتًا، خمسين فى
خمسین ، وغد وهم .
فلما فرَغَوا من الغداء اضطجع موسى ، فقالوا له : اخرُج ، قال :
لا أصيب مَنَزِلا مثلَ هذا، فلستُ بخارج منه حتى يكون بيتى أو قَبْرى .
وقاتَلُوهم فى المدينة، فقُتِل من أهلِ الترمِذ عدّة، وهرب الآخرون فدخلوا
متنازِلهم، وغلب موسى على المدينة، وقال لترمِذ شاه: اخرج، فإنّ لستُ أعرِض
لك ولا لأحد من أصحابك. فخرج المَلِك وأهل المدينة فأتموا الترْك يستنصرونهم،
فقالوا: دخل إليكم مائةُ رجل فأخرجوكم عن بلادكم، وقد قاتلناهم بِكسّ،
فنحن لا نقاتل هؤلاء. فأقام ابن خازم بالتُرميذ ، ودخل إليه أصحابُه ،
وكانوا سبعمائة، فأقام، فلمّا قُتِل أبوه انضم إليه من أصحاب أبيه أربعمائة
فارس ، فقوى، فكان يخرج فيُغير على مَن حولته . قال : فأرسل الترك قومًا
إلى أصحاب موسى ليَعَلَموا علمه، فلما قّد موا قال موسى لأصحابه :
لابدّ من متكيدة لهؤلاء - قال: وذلك فى أشدّ الحرّ - فأمر بنار فأجِّجَتْ،
وأمَرَ أصحابَه فتكبسوا ثيابَ الشتاء، وليسوا فوقتها لُبوداً، ومدُّوا أيديهم إلى
١١٤٩/٢ النار كأنهم يصطَلُون. وأذن موسى للترك فدخلوا، ففزعوا ممّا رأوا، وقالوا:
(١) ب: ((لاطفته)).
(٢) ب: ((إليه)).