النص المفهرس
صفحات 341-360
٣٤١ سنة ٨١ الأشعث مبادراً، فواقتَعهم، وهى عشيّةُ عَرَفَة من سنة إحدى، وثمانين فيقال: إنهم قتلوا من أهل الشأم ألفًا وخمسمائة ، وجاءه الباقون منهزمين ، ومعه يومئذ مائةٌ وخمسون ألف ألف، ففرّقها فى قُوّاده، وضمّنهم إياها، وأقبل منهزِمًا إلى البحَصْرة ) وخطب ابن الأشعث أصحابه فقال : أما الحجّاج فليس بشىء ، ولكنا نريد غزو عبد الملك ، وبلغ أهلَ البَّصرة هزيمةُ الحجّاجِ، فأراد عبدُ اللّه بنُ عامر بنِ مِسمع أن يقطع الجِسر دونتَه، فرشاه الحكيم ابن أيّوبَ مائة ألف ، فكفّ عنه . ودخل الحجاج البصرة ، فأرسل إلى ابن عامر فانتزع المائةَ الألف منه .. * * * رَجْع الحديث إلى حديث أبى مخنّف عن أبى الزّبير الهَمْدانىّ. فلما دخل عبدُ الرحمن بنُ محمد البَصرة بايعه على حرب الحجاج ، وخلْج عبد الملك جميعُ أهلها من قُرّائها وَكُهولها ، وكان رجل من الأزد من الجَّهَاضيم يقال له عُقْبة بن عبد الغافر له صحابة، فنزا فبايع(١) عبد الرحمن مستبصراً فى قتال الحجاج ، وخَفْدق الحجّاجُ عليه، وخندقَ عبدُ الرحمن على البصرة . وكان دخولُ عبد الرحمن البصرة فى آخر ذى الحجة من سنة إحدى وثمانين . ١٠٦٣/٢ وحجّ بالناس فى هذه السنة سليمانُ بنُ عبد الملك ، كذا حدّثنى أحمدُ ابنُ ثابت ، عمن ذكره ، عن إسحاقَ بن عيسى، عن أبى مَعَشَر. وكذلك قال الواقدىّ، وقال: فى هذه السنة وُلِد ابنُ أبى ذئب. وكان العاملَ فى هذه السنة على المدينة أبانُ بنُ عثمان ، وعلى العراق والمشرِق الحجاجُ بنُ يوسف، وعلى حرب خُراسانَ المهلَّب، وعلى خراجها المغيرة بن مهلب من قِبَل الحجاج ، وعلى قضاء الكوفة أبو بُرْدة بن أبى موسى ، وعلى قّضاء البَصرة عبد الرحمن بن أذَيْنة . (١) ب، ف: ((فرأى أن يبايع)). ثم دخلت سنة اثنتين وثمانين ذكر الخبر عن الكائن من الأحداث فيها [خبر الحرب بين الحجاج وابن الأشعث بالزاوية ] فمن ذلك ما كان بين الحجاج وعبد الرحمن بن محمد من الحروب بالزّاوية. ذكر هشامُ بنُ محمد، عن أبى مخنّف، قال: حدّثْنى أبو الزّبير الهَمْدانىّ ٢ /١٠٦٤ قال: كان دخولُ عبد الرحمن البصرة فى آخر ذى الحجة ، واقتتلوا فى المحرّم من سنة اثنتين وثمانين، فتزاحفوا ذاتَ يوم، فاشتدّ قتالهم. ثمّ إن أهل العراق هزموهم حتى انتهوا إلى الحجاج، وحتى قاتلوهم على خنادقهم، وانهزمتْ عامة قريش وثقيف، حتى قال عبيد بن مَوهَب مولى الحجاج وكاتبه : فر البَراءُ وابن عَمِّهِ مُصْعبٌ وفرَّتْ قريشٌ غيْرَ آل سَعِيد ثمّ إنهم تزاحفوا فى المحرّم فى آخره فى اليوم الذى هزمَ فيه أهلُ العراق أهل الشام ، فنكصتْ ميمنتهم وميسرتهم ، واضطربتْ رِماحهم ، وتقوّض صفُّهم؛ حتى دنوا منّا، فلما رأى الحجاج (١) ذلك جثاعلى ركبتيه، وانتضى نحواً من شبر من سیقه ، وقال : لله درّ مُصعب! ما كان أ کرمه حین نزل به ما نَزّل! فعلمت أنه والله لا يريد أن يفرّ . قال: فغمزتُ أبى بعينى ليأذن لى فيه فأضربَه بسيفى، فغمزنى غمزةً شديدة، فسكنت (٢)، وحانتْ منى التفاتة، فإذا سُفيان بنُ الأبرد الكلبىّ قد حمل عليهم فهزّمهم من قِبَل الميمنة ، فقلتُ: أبشر أيُّها الأمير، فإنّ اللّه قد هَزَم العدوّ. فقال لى: قم فانظر؛ قال : فقمتُ فنظرت؛ فقلتُ: قد هزمهم اللّه، قال: قُمْ يازياد فانظر ؛ قال : فقام فنظر فقال: الحقّ أصلحك الله يقيناً (٣) قد هُزِموا، ١٠٦٥/٢ فخرّ ساجداً، فلما رجعت شتمنى أبى وقال: أردتَ أن تُهلِكنى وأهل بيتى. (٢) س: ((فسكت)). (١) ب، ف: ((فلما رأى ذلك الحجاج)). ١ (٣ -٣) ب، ف: ((أيها الأمير أصلحك الله)). ٣٤٢ ٣٤٣ سنة ٨٢ وقتل فى المعركة عبد الرحمن بن عَوْسجة أبو سُفْيان النُّهمىّ ، وقتل عقبة ابن عبد الغافر الأزدىّ ثمّ الجهضمىّ، فى أولئك القرّاء فى رِبْضة (١) واحدة، وقُتِل عبد الله بن رِزام الحارثىّ، وقُتِل المنذرُ بنُ الجارود، وقُتل عبد الله ابن عامر بن مِسِمَع، وأتِىَ الحجاجُ برأسه، فقال: ما كنتُ أرى هذا فارقنى حتى جاءنى الآن برأسه ؛ وبارز سعيد بن يحيى بن سعيد بن العاص رجلاً يومئذ فقَّلَه، وزعموا أنه كان مولى للفضل (١) بن عباس بن ربيعة بن الحارث ابن عبد المطلب ، كان شجاعًا يُدعى نُصَيْرًا، فلما رأى مشيتَه بين الصفّين، وكان يلومه على مِشْيته قال: لا ألومُه على هذه المشْية أبداً . وقتل الطفيل بن عامر بن واثلة ، وقد كان قال وهو بفارسَ يُقبل مع عبد الرحمن من كَرْمانَ إلى الحجاج: كَلِلْنَا على شَحْط المزَارِ جَنُوبُ أَلَا طَرَقَتْنا بالغَربَّيْنِ بَعْدَمَا هَدَتَها بِأَوْلَانَا إِليك ذُنُوبُ أَتَوْكَ يَقُودُون المَنَايا وإِنَّمَا مِنَ اللهِ فِى دَارِ القَرَارِ نصيبُ ولا خيْرَفى الدُّنيا لِمِن لَم يَكُنْلَهُ ١٠٦٦/٢ عذاب بأَيْدِى المؤمنينَ مُصيبُ أَلا أَبلِغِ الحجَّجِ أَنْ قَدْ أَظَلَّهُ وَيْسَ بِمُنْجِى ابنِ اللعين هُرُوبُ متى نَهْبط، المصرَينِ يهْرُبْ مُحمّدٌ قال: منَّيَتَنا أمراً كان فى علم اللّه أنّك أولتى به، فَعجَّلَ لك فى الدنيا، وهو معذبك فى الآخرة . وانهزم الناسُ، فأقبل عبد الرحمن نحوَ الكوفة وتبعه من كان معه من أهل الكوفة ، وتَبِعه أهلُ القوّة من أصحاب الخيل من أهل البَصْرة . ولما مضى عبدُ الرحمن نحوَ الكوفة وَتَب أهل البصرة إلى عبد الرحمن ابن عباس بن ربيعة بن الحارث بن عبد المطلب فبايعوه، فقاتل بهم خمس ليال الحجّاج أشدّ قتال رآه الناس، ثمّ انصرف فلحق بابن الأشعث، وتبعه طائفة من أهل البَصْرة فلتَحِقوا به، وخرج الخريش بن هلال السعدىّ وهو من بنى أنف الناقة - وكان جريحًا - إلى سَفَوَانَ فماتَ من جِراحتِهِ، (١) الربضة بكسر الراء وسكون الباء ؛ مقتل كل قوم قتلوا فى بقعة واحدة . (٢) ط: ((المفضل)»، تصحيف . ٣٤٤ سنة ٨٢ وقُتِل فى المعركة زِيادُ بنُ مقاتل بن مِسمع من بنى قيس بن ثعلبة ، فقامت حَمِيدة ابنتُهُ تَندبُه، وكان على خُمس بكر بن وائل مع ابن الأشعث وعلى الرّجال ، فقالت : وحافى زيادٌ على رايتَيْهِ (١) وفرَّ جُدَىُّ بنى العَنْبَرِ فجاء البلتَح السعدىّ فسمعها وهى تندُب أباها ، وتعيب التميمىّ ، فجاء وكان يبيع ◌َمْنًا بالمربَّد، فترك سَمْنه عند أصحابه، وجاء حتى قام تحتها فقال : تَطاول لَيْلكِ مِن مُعْصِرٍ ! علامَ تَلومينَ من لم يُلِمْ فقَدْ تَلْحَقُ الخَيْلُ بالمدْبِرِ فإِنْ كَانَ أَردِى أَباكِ السِّنانُ ج غيْرَ البرىّ ولا المُعْذِرِ وَقَدْ تَنْطَحُ الخَيْلُ تحْتَ العَجَا وطاح لواءُ بنى جحْدرٍ ونَحْنُ منَعْنا لواءَ الحَرِيشِ فقال عامر بن واثلة يرثى ابنه طُفيلا : وَهَدَّ ذلك رُكِنِى هَدَّةً عجبًا(٢) خَلَى طُفيلٌ عَلَىَّ الَهَمَّ فانشَعَبا ١٠٦٨/٢ فيمن نسيتُ وكل كان لى نَصَبَا(٣) وابْنَىْ سُمَيَّةَ لا أَنساهما أَبَدًا حتى كبِرْتُ ولم يَتْرُكنَ لِ نَشَبَا وأَخْطَأَنْنى المنايا لا تُطَالعُنِى عنه المياه وفاض الماءُ فانْقَضَبَا وكُنْتُ بَعْدَ طُفَيْلٍ كالذى نَضَبَتْ وإِن سَعِى إِثْر مَنْ قَدْ فَاتَهُ لَغَبَا فلا بَعِيرَ لَهُ فى الأَرْضِ يَركَبُهُ وسارَ من أَرضِ خاقانَ الَّتِى غلَبت ومنْ سجِستَانَ أَسبابٌ تُزَيِّنُهَا حتى وَرَدت حياض الموتِ فانكَشَفَتْ ١٠٦٩/٢ (١) ط: ((حامى)). (٢) الأغانى ١٥ : ١٥٣، مع اختلاف فى الرواية. (٣) الأغانى: ((وصبا)). ۔۔ أبناءُ فارِس فى أَرْبائها غلَبَا لك المَنِيَّةُ حَيْناً كان مُجْتَلَبَا عنك الكتائِبُ لا تخفى لها عقبا تُرَى النُّسورُ على القتلى بها عُصَبا وَغَادَرُوكَ صريعاً رهْن مَعْرِكَةٍ ١٠٦٧/٢ ٣٤٥ سنة ٨٢ وَأَسْلَمُوا لِلِعَدُوِّ السَّبْىَ والسَّلَبَا تعاهَدُوا ثَمَّ لَمْ يُوفُوا بِمَا عَهِدُوا وهُمْ كَثِيرٌ يَرَونَ الخزىَ والحَربَا يا سَوْءَةَ القَوْمِ إِذْ تُسْبِىَ نِسَاؤُهُمُ قال أبو مخنف : فحدثنى هشام بنُ أيوب بن عبد الرحمن بن أبى عقيل التقفىّ أنّ الحجّاج أقام بقيّة المحرّم وأوّل صفر، ثم استعمل على البصرة أيّوب ابن الحكم بن أبى عقيل، ومضى ابن الأشعث إلى الكوفة، وقد كان الحجاج خلّف عبد الرحمن بن عبد الرحمن بن عبد الله بن عامر الخضْرىّ، حليف حَرْب ابن أمية على الكوفة . قال أبو مخنف- كما حدّثنى يونس بن أبى إسحاق: إنه كان على أربعة آلاف من أهل الشأم . قال أبو مخنف : فحدّثّنى سهمُ بنُ عبد الرحمن الجُهسَىّ أنهم كانوا ألفين ، وكان حنظلة بنُ الوّراد من بنى رِياح بن يَرْبوع التميمىّ وابن عتّاب ابنِ وَرْقَاء على المدائن ، وكان مطرُ بن ناجية من بنى يَرْبوع على المعونة ، فلما بلغه ما كان من أمر ابن الأشعث أقبَل حتى دنا من الكوفة ، فتحصّن منه ابنُ الحَضْرِىّ فى القصر، ووثب أهلُ الكوفة مع مطر بن ناجية بابن الخضْرِىّ ومن معه من أهل الشأم فحاصَرَ هم، فصالحوه على أن يخرجوا ويخلّوه والقصر ، فصالحهم . ١٠٧٠/٢ قال أبو مخنّف : فحدّثّنى يونسُ بنُ أبى إسحاق أنه رآهم ينزلون من القصر على العَجَل، وفتح باب القصر لمطر (١) بن ناجية، فازدَ حَم الناسُ على باب القصر، فرُحم مَطَرَ على باب القصر، فاخترط سيفَه، فضَرَب به جَحْفَكَة بغل من بغالٍ أهل الشأم وهم يخرجون من القصر ، فألقى جَحْفلته ودخل القّصْر، واجتمع الناس عليه فأعطاهم مائتى درْهم. قال يونس : وأنا رأيتها تُقْسَمَ بينهم، وكان أبو السقر فيمن أعطِيتَها. وأقبل ابنُ الأشعث منهزمًا إلى الكوفة ، وتبعه الناسُ إليها . (١) ب، ف: ((لمطرف)). ٣٤٦ سنة ٨٢ [ وقعة دير الجماجم بين الحجاج وابن الأشعث ] قال أبو جعفر: وفى هذه السنة كانت وقعة دَيْر الجماجم بين الحجّاج وابن الأشعث فى قول بعضهم . قال الواقدىّ: كانت وقعةُ دَيْر الجماجم فى شعبانَ من هذه السنة ، وفى قول بعضهم : كانت فى سنة ثلاث وثمانين . ذكر الخبر عن ذلك وعن سبب مصير ابن الأشعث إلى دَيْر الجماجم وذكر ما جرى بينه وبين الحجّاج بها : ١٠٧١/٢ ذكر هشام عن أبى مختّف، قال : حدّثنى أبو الزبير الهَمْدانىّ ثمّ الأرحبىّ، قال: كُنت قد أصابتنى جراحة، وخرج أهل الكوفة يستقبلون ابن الأشعث حين أقبل، فاستقبلوه بعد ما جازّ قنطرة زبارا (١)، فلما دنا منها قال لى : إن رأيتَ أن تعدل عن الطريق - فلا يرى الناسُ جِراحتَك فإنى لا أحبّ أن يستقبلهمَ الجرحى- فافعل . فعدلتُ ودخل الناسُ، فلما دخل الكوفة مالَ إليه أهلُ الكوفة كلهم ، وسبقتْ هِمْدان إليه، فحفّت به عند دارٍ عمرو بن حُرّيث إلّا طائفةٌ من تميمٍ لَيْسوا بالكثير قد أتَوا مطرَ بنَ ناجية، فأرادوا أن يقاتلوا دونته، فلم يُطيقوا قتالَ الناس . فدعا عبد الرحمن بالسلاليم والعَجَل، فوُضِعتْ ليصعدَ الناسُ القَصْر، فصعِد الناسُ القصر فأخذوه ، فأتى به عبد الرحمن بن محمد ، فقال له : استبقى فإنى أفضلُ فُرْسانِك وأعظمُهم عنك غناء ؛ فأمر به فحُبس ، ثمّ دعا به بعد ذلك فعفا عنه. وبايَعَه مَطَرٌ، ودخل الناس إليه فبايعوه، وسَقَط إليه أهلُ البصرة، وتَفَوَّضَتْ إليه المَسالِح والثغور، وجاءه فيمن جاءه من أهل البصرة عبد الرحمن ابنُ العباس بن ربيعة بن الحارث بن عبد المطلب، وعرف بذلك ، وكان قد قاتل الحجاج بالبَصْرة بعد خروج ابن الأشعث ثلاثًا ، فبلغ ذلك عبدالملك ٢/ ١٠٧٢ ابنُ مروان، فقال: قاتل الله عُدىّ الرَّحْمن، إنه قد فرّ! وقاتل غلمانٌ من غلمان قريش بعده ثلاثاً . وأقبل الحجاج من البصرة فسار فى البرّ حتى مرّ بين القادسيّة والعُذيب، ومَنَعوه من نزول القادسيّة، وبعث إليه عبدُ الرحمن بنُ محمد بن الأشعث عبد الرحمن بن العبّاس فى خيل عظيمة من خيل المصرَيْن (١) ب: ((زبارا))، س: (( دبارا)). ٣٤٧ سنة ٨٢ فمنعوه من نزول القادسيّة ، ثم سايروه حتى ارتفعوا على وادى السباع، ثم تَسَايرَوا حتى نزل الحجاج دير قُرَّة، ونزل عبدُ الرحمن بنُ العباس ديرَ الجماجم، ثمّ جاء ابن الأشعث فنزل بديرِ الجماجم والحجاج بدير قُرَّة ، فكان الحجاج بعد ذلك يقول : أما كان عبدُالرحمن يزْجُر الطيرَ حيث رآنى نزلتُ ديرَ قُرَّة ، ونزل ديرَ الجماجم ! واجتمع أهلُ الكوفة وأهلُ البَصْرة وأهلُ الثغور والمسالح بدَيْر الجماجم والقرّاء من أهل المصرين، فاجتمعوا جميعًا على حرب الحجاج، وجمعهم عليه بغضُهم والكراهية له ، وهم إذ ذاك مائة ألف مُقاتل ممن يأخذ العطاء ، ومعهم مثلهم من مَواليهم . وجاءت الحجاجَ أيضًا أمدادُه (١) من قِبَل عبد الملك من قبل أن ينزل ديرَ قُرَّة، وقد كان الحجاج أراد قبل أن ينزِل ديرّ قُرَّة أن يرتفع إلى هِيتَ وناحية الجزيرة إرادةَ أن يقترب من الشأم والجزيرة فيأتيه المددُ من الشأم من قريب، ويقترب من رَفاغة سِعْر الجزيرة، فلما مرّ بدَيْرقرة قال: ما بهذا المنزل بُعدٌ من أمير المؤمنين، وإنّ الفلاليج وعين التمر إلى جَنْبنا. فنزل فكان فى عسكره مخندقاً وابن محمد فى عسكره مخندقاً، ١٠٧٣/٢ والناس يخرجون فى كلّ يوم فيقتتلون، فلا يزال أحدهما يُدنِى خَندقه نحو صاحبه ، فإذا رآه الآخر خندقَ أيضًا، وأدنى خندقه من صاحبه . واشتد القتال بينهم . فلما بلغ ذلك رءوس قريش وأهلُ الشأم قِبَل عبد الملك ومَواليه قالوا : إن كان إنما يُرْضِى أهل العراق أن يُنْزَعَ عنهم الحجاج، فإنَّ نزع الحجاج أيسرُ من حَرْب أهلِ العراق ، فانزِعْه عنهم تُخْلص لك طاعتُهم ، وتحقن به دماءنا ودماء هم. فبعث ابنه عبد الله بن عبد الملك، وبعث إلى أخيه محمد بن مروان بأرض المَوْصل يأمره بالقدوم عليه ، فاجتمعًا جميعاً عنده ؛ كلاهما فى جُنْدَيَهما ، فأمرهما أن يَعرِضا على أهل العراق نزعَ الحجّاج عنهم، وأن يُجرِىَ عليهم أعطياتِهم كما تُجرَى على أهل الشأم ، وأن ينزل ابن محمد أىّ بلد من عراق شاءَ، يكون عليه واليًا ما دام حياً، وكان عبد الملك واليًا ؛ فإن هم قبلوا ذلك عُزل عنهم الحجاج، وكان محمد بن مروان (١) ب، ف: ((أمداد)). ٣٤٨ 1. سنة ٨٢ أمير العراق، وإن أبَوا أن يقبلوا فالحجّاج أميرُ جماعة أهلِ الشأم وولىّ القتال ، ومحمد بن مروانَ وعبد الله بن عبد الملك فى طاعته. فلم يأتِ الحجاجَ أمرٌ قطّ كان أشدّ عليه ولا أغيَظ له ولا أوَجَعَ لقَطْبه منه مخافة أن يقبلوا فيُعْزَلَ عنهم، فكََّب إلى عبد الملك : يا أمير المؤمنين، والله لئن أعطيت أهلَ العراق نَزْعى لا يلبثون إلّا قليلا ١٠٧٤/٢ حتى يخالفوك ويسيروا إليك، ولا يزيدهم ذلك إلّ جرأةً عليك، ألم تر وتسمع بوُلُوب أهلِ العراق مع الأشتر على ابن عفّان، فلما سألهم ما يريدون قالوا: نزعَ سعيد بن العاص، فلما نزعه لم تتمّ لهم السنة حتى ساروا إليه فقتلوه! إنَّ الحديدَ بالحديدِ يُفْلَح. خارَ اللّه لك فيما ارتأيتَ . والسلام عليك. فأبى عبدُ الملك إلّ عرضَ هذه الحيصال على أهل العراق إرادةَ العافية من الحَرْب . فلما اجتمعا مع الحجاج خرج عبدُ الله بن عبد الملك فقال : يا أهل العراق، أنا عبدُ الله بنُ أمير المؤمنين، وهو يُعطيكم كذا وكذا، فَذكر هذه الخصالَ التى ذكرْنا . وقال محمد بنُ مروان: أنا رسولُ أمير المؤمنين إليكم ، وهو يَعرِض عليكم كذا وكذا، فذَكّر هذه الخصالَ . قالوا : نرجع العشيّة، فرجعوا فاجتمعوا عند ابن الأشعث ، فلم يَبْقَ قائدٌ ولا رأس قوم ولا فارسٌ إلاّ أتاه، فَحمِد اللّهَ ابنُ الأشعث وأثنَى عليه ثمّ قالَ: أما بعد، فقد أعطيتم أمراً انتهازكم اليوم إياه فرصة ، ولا آمن أن يكون على ذِى الرّأى غداً حَسْرة، وإنكم اليومَ على النّصف وإن كانوا اعتدّوا بالزاوية فأنتم تعتدّون عليهم بيَوْم تُسْثَرَ، فاقبلوا ما عرضوا عليكم وأنتم أعزّاءُ أقوياءُ، والقومُ لكم هائبون وأنتم لهم منتقصون(١). فلا واللّه (٢) لا زلتم عليهم ١٠٧٥/٢ جُرّاء، ولا زلتمْ عندَهم أعزّاء، إن أنتم قبلتم أبدًا ما بقيتم. فوَّب الناسُ من كل جانب، فقالوا: إنّ اللّه قد أهلكهم، فأصبحوا فى (١) ب: ((متنقصون)). (٢) ب، ف: ((فوالله)). ٣٤٩ سنة ٨٢ الأزْل والضّنْك والمجاعة والقلّة والذلّة، ونحن ذوو العَدَد الكثير، والسعر الرفيغ (١) والمادّة القريبة، لا والله لا نقبل. فأعادوا خلعتَه ثانية . وكان عبد اللّه بن دواب السلمىّ وعمير بن تيحان أوّل من قام بخلعه فى الجماجم، وكان اجتماعهم على خلعه بالجماجم (٢) أجمع من خلعهم إياه بفارسَ . فرجع محمد بنُ مروانَ وعبد اللّه بن عبد الملك إلى الحجاج فقالا : شأنك بعكرك وجندك فاعمل برأيك ، فإنا قد أمِرْنا أن نسمع لك ونطيع ، فقال : قد قلتُ لكما: إنه لا يُراد بهذا الأمر غيرُ كما ، ثم قال : إنما أقاتل لكما، وإنما سلطانى سلطانُكما، فكانا إذا لقياه سلَّما عليه بالإمرة، وقد زَعتم أبو يزيدَ السَّكْسكىّ أنه إنما كان أيضًا يسلّم عليهما بالإمرة إذا لقيتهما، وخلَّيَّاه والحرب فتولّاها . قال أبو مخنف : فحدثنى الكلبىّ محمد بن السائب أنّ الناس لما اجتمعوا بالجماجم سمعتُ عبد الرحمن بن محمد وهو يقول: ألا إنّ بنى مروان يعيَّرون بالزّرقاء، والله ما لهم نسبٌ أصحّ منه إلا أن بنى أبى العاص أعلاجٌ من أهل صَفّورِيَةَ ، فإن يكنْ هذا الأمر فى قريش فعنّى فُقئتْ بَيضة قريش ، وإن يَك فى العرب فأنا ابن الأشعث بن قيس - ومدّ بها صوته يُسمِع الناسَ - وبَرَّزوا للقتال، فجعل الحجّاجُ على ميمنته عبد الرحمن ابنَ سُليم الكلبىّ، وعلى مسيسرَتَه ◌ُمارة بن تميم اللّخمىّ، وعلى خَيَله سُفْيان ١٠٧٦/٢ ابن الأبرد الكلبى، وعلى رجاله عبد الرحمن(٣) بن حبيب(٤) الحكمىّ، وجعل ابن الأشعث على ميمنته الحجّاج بن جارية الخثعمىّ ، وعلى ميسَّرته الأبرد بن قرّة التميمىّ ، وعلى خَيلِه عبد الرّحمن بن عباس بن ربيعة بن الحارث الهاشمىّ ، وعلى رجاله محمد بن سعد بن أبى وقّاص، وعلى مجفّفته(٥) عبد الله بن رِزَام الحارثيّ، وجعل على القرّاء جبلة بن زَحْر بن قيس الجعفىّ، (١) السعر الرفيع : السهل. (٣) ب، ف: ((الله)). (٢) ب، ف: ((بدير الجماجم)). (٤) ابن الأثير: ((خبيب)). (٥) الخيل المجففة: التى عليها التجفاف ، وهو ما جلل به من سلاح . ٣٥٠ سنة ٨٢ وكان معه خمسةَ عشرَ رجلا من قريش، وكان فيهم عامر الشعبيّ، وسعيد ابنُ جبير، وأبو البخترىّ الطائىّ، وعبد الرحمن بن أبى ليلى . ثم إنهم أخذوا يتزاحفون فى كلّ يوم ويقتتلون؛ وأهل العراق تأتيهم موادّ هم من الكوفة ومن سوادِ ها فيما شاءوا من خِصبيهم، وإخوانُهم من أهل البَصْرة وأهل الشأم فى ضيق شديد، قد غلتْ عليهم الأسعار، وقتَلّ عندهم، الطعام، وفَّقّدوا اللّحم، وكانوا كأنهم فى حصار ، وهم على ذلك يُغادون أهلَ العراق ويراوِحُونهم، فيقتتلون أشدّ القتال، وكان الحجاجُ يُدنى خندقه مرّة وهؤلاء أخرى ، حتى كان اليوم الذى أصيبَ فيه جبلة بن زِحْر. ثمّ إنه بعث إلى كُمَيل بن زياد النخعىّ وكان رَجُلاً ركينًا وقوراً عند الحرب ، له بأس ١ / ١٠٧٧ وصوتٌ فى الناس، وكانت كتيبتُه تُدعى كتيبةَ القرّاء ، يُحمل عليهم فلا يكادون يبرحون ، ويحملون فلا يكذبون ، فكانوا قد عرفوا بذلك ، فخرجوا ذاتَ يوم كما كانوا يخرجون، وخرج الناسُ ، فعبّى الحجاج أصحابه ، ثمّ زحف فى صُفوفه، وخرج ابن محمّد فى سبعة صفوف بعضها على أثر بعض ، وعبّى الحجاج لكتيبة القرّاء التى مع جبلة بن زَحْر ثلاث كتائب ، وبعث عليها الجرّاح بن عبد الله الحكمىّ ، فأقبلوا نحوّهم . قال أبو مخنف : حدّثنى أبو يزيد السَّكْسَكىّ، قال: أنا واللّه فى الخيلِ التى عُّيت لجبلةَ بن زَحْر ، قال: حملْنا عليه وعلى أصحابه ثلاث حملات؛ كلّ كتيبة تحمل حَمْلة، فلا والله ما استنقَصْنا منهم شيئًا. [ ذكر الخبر عن وفاة المغيرة بن المهلّبٌ ] وفى هذه السنة تُوُفِى المغيرةُ بنُ المهلّب بخُراسانَ . ذكر على بنُ محمد، عن المفضل بن محمد، قال: كان المغيرةُ بنُ المهلب خليفةَ أبيه بمترو على عَمَلَه كله ، فمات فى رجَب سنة اثنتين وثمانين ، فأتى الخبر يزيد، وعلمتَه أهلُ العسكر فلم يُخبيروا المهلب، وأحبّ يزيد أن يبلغه ، فأمر النساء فصرَخْن ، فقال المهلّب : ما هذا؟ فقيل : مات المغيرة، ٣٥١ سنة ٨٢ فاسترْجَعَ ، وجَزِع حتى ظهر جزَعُه عليه ، فلاَ مه بعضُ خاصّته ، فدعا يزيدَ فوجّهَه إلى مَرْوَ، فجعل يُوصِيه بما يَعْمَل ودموعه تَنْحدر على لحيته. وكتب الحجّاج إلى المهلب يعزّيه عن المغيرة، وكان سيداً، وكان ٢ / ١٠٧٨ المهلب يومَ مات المغيرة مقيماً بكِسّ وراء النهر لحرب أهلِها . قال : فساريزيدُ فى ستين فارسًا - ويقال: سبعين - فيهم مُجّاعة بن عبد الرحمن العَتكىّ، وعبد الله بن مُعمّر بن ◌ُسمير اليَشكرىّ، ودينار السجِسْتانىّ، والهيثم بن المنخّل الجُرْموزىّ، وغزوان الإسكاف صاحب زَمّ - وكان أسلتمَ على يد المهلب - وأبو محمد الزّمىّ، وعطية - مولى لعتيك - فلقيَهم خمسمائة من الترك فى مفازة نَسَفَ، فقالوا: ما أنتم ؟ قالوا: تجّار؛ قالوا : فأين الأثقال ؟ قالوا : قدّمناها ؛ قالوا: فأعطُونا شيئًا، فأبى يَزيد، فأعطاهم ◌ُجّاعة ثوبًا وكرابيسَ وقَوسًا، فانصرفوا ثمّ غَدَرُوا وعادوا إليهم، فقال يزيد : أنا كنتُ أعلمُ بهم فقاتِلوهم ، فاشتدّ القتال بينهم ، ويزيدُ على فرس قريب من الأرض، ومعه رجلٌ من الخوارج كان يزيدُ أخذه ، فقال: استَبْقنى؛ فمنّ عليه، فقال له: ما عندك؟ فحمل عليهم حتى خالطهم وصارمن ورائِهِم وقد قَتلَ رجلا، ثمّ كرّ فخالطهم حتى تقدّمهمَ وقََّل رجلا ثمّ رجع (١) إلى يزيدَ. وقتَل يزيدُ عظيماً من عظمائهم. ورُمى يزيدُ فى ساقه ، واشتدّت شوكتهم ، وهرب أبو محمد الزّمىّ، وصبر لهم يزيدُ حتى حاجزوهم ، وقالوا: قد غدرنا ، ولكن لا ننصرف حتى نموت جميعًا أو تموتوا أو تُعطونا شيئًا، فحلف يزيدُ لا يعطيهم شيئًا، فقال مُجّاعة: أذكرك ١٠٧٩/٢ اللّهَ، قد هلك المغيرة، وقد رأيتَ ما دخل على المهلب من مصابه، فأنشُدك الله أن تصابَ اليَوَمَ ! قال : إنّ المغيرة لم يَعْدُ أجلَه، ولستُ أعدو أجَلَى. فرمى إليهم ◌ُجَّاعة بعمامة صفراءَ فأخذوها وانصَرَفوا، وجاء أبو محمد الزّمىّ بفوارسَ وطعام ، فقال له يزيد : أسلمتنايا أبا محمد ؛ فقال : إنما ذهبتُ لأجيئكم بمّدَدَ وطعام ، فقال الراجز : (١) س: ((ورجع). ٣٥٢ سنة ٨٢ قد علمَ الأَقوامُ والجنودْ أَنك يوم التُّركِ صَلبُ العودْ يزيدُ يا سَيفَ أَبِى سعيدْ والجمعُ يَوم المجمع المشهودْ وقال الأشقرىّ : أَنْ قد لقوهُ شِهاباً يَفرِجِ الظُّلمَا والتُّركِ تعلمُ إِذْ لَاقِى جُموعَهُمُ بِفِتِيَةٍ كأُسُودِ الغابِ لم يَجِدوا غيرَ التأسِّى وغيرَ الصبرِ مُعتَصَمَا وما أُرِى نبوةً منهمْ ولا كَزَما نرى شَرائجَ تَغشى القومَ من علقٍ من الكريهة حتى ينْتلعن دَمَا كِلاَ الفريقين ما وَلَّ ولا انهزما فى حازَّةِ الموتِ حتى جَنَّ لَيْلُهُمُ ١٠٨ وتحتَهُمْ قَرَّحٌ يَرْكَبْنَ ما ركِبوا وفى هذه السنة صالَح المهلب أهل كسّ(١) على فِدْية، ورحلَ عنها يريد مَرْوَ . ذكر الخبر عن سبب انصراف المهلَّب عن حِسّ ذكر علىّ بنُ محمد، عن المفضّل بن محمد ، أن المهلب اتّهم قومًا من مُضرَ فحبسهم وقتَفَل من كِسّ وخلّفهم، وخَلّف حريث بنَ قُطْبة مولى خُزاعة، وقال: إذا استوفيتَ الفِدْية فُردًّ عليهم الرُّهُن. وقطع النَّهر فلما صار ببَلْخَ أقام بها وكَتَب إلى حُرَيث: إنى لستُ آمَن إن رددت عليهم الرّهُن أن يغيروا عليك، فإذا قبضتَ الفِدَيَة فلا تخلّى الرُّهُن حتى تقدم أرضٍ بَلْخ. فقال حُرَيث لملِك كِسّ: إنّ المهلب كتب إلىّ أن احبس الرُّهُن حتى أقدم أرض بَلْخ، فإن عَجّلت لى ما عليك سلّمتُ إليك رهائنَك ، وسرت فأخبرتُه أن كتابه ورد ، وقد استوفيتُ ما عليكم ، ورددتُ عليكم الرهُن؛ فعجِّل لهم صُلحتهم، وردّ عليهم من كان فى أيديهم منهم . وأقبَل فعرَضَ لهم الترك، فقالوا: افْدٍ نفسك ومن معك، فقد لقينا (١) ط: ((كش))، وكس مدينة تقارب سمرقند. سنة ٨٢ ٣٥٣ يزيدَ بن المهدّب ففَدَى نفسه. فقال حُرَيَث: ولد تْنى إذاً أمّ يزيد! وقاتلهم ٢ /١٠٨١ فَقَتّهم، وأسرّ منهم أسرَى ففَدَوْهم، فمنّ عليهم وخلّهم، وردّ عليهم الفداء. وبلغ المهلّبَ قولُه: ولدتْنى أمّ يزيدَ إذاً، فقال: يأنف العبدُ أن تتكده رَحِمُهُ! وغَضِب . فلما قدم عليه بَلخَ قال له: أين الرّهُن؟ قال: قبضتُ ماعليهم وخلَّيتُهُم، قال: ألم أكتبْ إليك ألّ تخلّيَهم ! قال : أتانى كتابُك وقد خليتُهم ، وقد كُفيتُ ما خفتَ ؛ قال : كذبتَ ، ولكنك تقرّبت إليهم وإلى ملكهم فأطلعتَه على كتابى إليك. وأمسَرَ بتجريده، فجَزِّع من التجريد حتى ظنّ المهلبُ أن به برصًا، فجرّده وضَرَبَه ثلاثين سَوْطًا. فقال حُرَيث: وَدِدتُ أنه ضربنى ثلثمائة سَوْط ولم يجرّدنى، أنَفًا واستحياء من التجريد، وحلف ليقتلنّ المهلّب. فركِب المهلب يومًا ورَكِب حُرَيث ، فأمر غلامين له وهو يَسيرُ خلفَ المهلّب أن يضرباه، فأبى أحدُهما وتَرّ كه وانصرف، ولم يجترئ الآخر لمّا صار وحده أن يُقدمَ عليه ، فلما رجع قال لغلامه: ما منعك منه ؟ قال: الإشفاق واللّه عليك، ووالله ما جزعتُ على نفسى، وعلمتُ أنا إنْ قتلناه أنك ستُقتَل ونقتَل، ولكن كان نظرى لك ، ولو كنت أعلم أنك تسلم مِن القتل لقتلتُهُ . قال: فترك حُرَيَث إتيانَ المهلّب، وأظهر أنه وَجِعٌ، وبلغ المهلّب ١٠٨٢/٢ أنه تمارض وأنه يريد الفتك به، فقال المهلب لثابت بن قطبة: جثنى بأخيك، فإنما هو كبعض ولدى عِنْدى، وما كان ما كان منّى إليه إلّا نظراً له وأدباً، ولربما ضربتُ بعضَ ولدى أؤدِّ به. فأتى ثابت أخاه فناشَدَه، وسأله أن يركتَبّ إلى المهلب ، فأبى وخافَه وقال: والله لا أجيئُه بعد ما صَنَّع بى ما صَنَعَ ، ولا آمنُه ولا يأمنُنى. فلما رأى ذلك أخوه ثابت قال له : أما إنْ كان هذا رأيُك فاخرج بنا إلى موسى بنِ عبد الله بن خازم ، وخاف ثابت أن يفتك حريثٌ بالمهدّب فيُقتلون جميعًا؛ فخرجا فى ثلثمائة من شاكريتهما والمنقطعين إليهما من العرب . ٣٥٤ سنة ٨٢ [خبر وفاة المهلَّب بن أبى صفرة ] قال أبو جعفر: وفى هذه السنة توفَّىَ المهلب بنُ أبى صُفْرة . ذكر الخبر عن سبب موته ومكان وفاته : قال علىّ بن محمد: حدّثّنى المفضّل، قال : مضى المهلب منصرَفَهُ من كسّ يريد مَرْوَ، فلما كان بزاغولَ من مَرْ والرُّوذ أصابتْه الشَّوْصة - وقوم يقولون: الشوْكة(١) - فدعا حبيبًا ومَن حَضَرَه من ولده، ودعا بسهام فحُزمتْ، وقال : أترونكم كاسرِيها مجتمعةً ؟ قالوا : لا ، قال : أفترَوْنکم کاسِريها متفرّقة ؟ قالوا: نعم؛ قال : فهكذا الجماعة ، فأوصيكم بتقوى الله وصلة الرّحِيمِ، فإن صِلَة الرّحِيمِ تُنسى فى الأجل، وتُشْرِى المال، وتُكثر العَدّد؛ وأنهاكم عن القطيعة ، فإن القطيعة تُعْقِب النار ، وتورِث الذلّة والقِلّة، ٢ /١٠٨٣ فتحابوا وتواصلوا، وأجمعوا أمركم ولا تختلفوا، وتبارُّوا تجتمعْ أمورُكُم؛ إِنْ بنى الأمّ يختلفون ، فكيف ببنى العَلّت ! وعليكم بالطاعة والجماعة ، وليكن فعالُكم أفضل من قولِكم ، فإنى أحبّ للرجل أن يكون لعمله فضلٌ على لسانِهِ، واتقوا الجَوَابَ وزَلّة اللسان، فإنّ الرجل تزِلّ قدمُه فينتعِش من زَلته ، ويزِلّ لسانُه فيَهلِك. اعرفوا لمَن يغشاكم حقَّه، فكفى بغُدوّ الرجل ورَوَاحِهِ إليكم تذكرةً له، وآثروا الجُودَ على البُخْل، وأحِبّوا العَرَّب واصطنعوا العُرْف، فإنّ الرجل من العرب تعدُّه العدةَ فيموتَ دونَك، فكيف الصنيعة عندَه ! عليكم فى الحرب بالأناة والمكيدة ، فإنها أنفع فى الحرب من الشجاعة ، وإذا كان اللقاء نزل القضاء ، فإنْ أخذ رجل بالحزم فظهر على عدوّه قيل: أتى الأمرَ من وَجْهه، ثمّ ظفِر فحُمد، وإن لم يتظفر بعد الأناة قيل: ما فرّط ولا ضَيّع ، ولكنّ القضاء غالب . وعليكم بقراءة القرآن ، وتعليم السنَن ، وأدب الصّالحين، وإياكم والحِفّة وكثرة الكلام فى مجالسكم، وقد استخلفتُ عليكم يزيدَ، وجعلتُ حبيبًا على الجُنْد حتّى يقدم بهم على يزيد، فلا تُخالفوا يزيدَ، فقال له المفضّل: لو لم تقدّمه لقد مناه. (١) فى اللسان:(الشوصة: ريح تأخذ الإنسان فى لحمه تجول مرة هنا ومرة هنا، ومرة فى الجنب ومرة فى الظهر ومرة فى الحواقن)). وفيه أيضاً: ((الشوكة داء كالطاعون)). سنة ٨٢ ٣٥٥ ومات المهلّب وأوصى إلى حبيب، فصلّى عليه حبيب، ثمّ سار إلى مَرْوَ. وكتب يزيدُ إلى عبد الملك بوفاة المهلب واستخلافِه إياه، فأقرّه الحجّاج(١). ويقال : إنه قال عند موته ووصيّته : لو كان الأمرُ إلىّ لوليتُ سيد ولدی حبيباً. قال: وتوقٌّ فى ذى الحجة سنة اثنتين وثمانين، فقال نهارُ بنُ تَوسعة التميمىّ : ١٠٨٤/٢ ومات النَّدى والجُودُ بعد المهلَّبِ(٢) أَلَا ذَهبَ الغزوُ المُقَرِّبُ للِغِنَى وقد غُيِّبَا عن كلّ شرقٍ ومغربٍ أَقَامَا بمروَالرُّوذِ رَهنَىْ ضريحِهِ على الناسِ؟ قلناه ولم نَتَهَيْبٍ إِذا قيلَ أَىُّ الناسِ أَولى بنعمةٍ بخيلٍ كأَرسال القَطَا المُتَسَرِّبِ أَبَاحَ لنا سهلَ البلادٍ وحزنَها يُجلِّها بالأرجُوان المُخضَّبِ يُعرِّضُها للطَّعنِ حتّى كَأَما وأَحلافُها من حىّ بكرٍ وَتَغْلِبٍ تُطيفُ به قَحطانُ قد عُصِّبتْ به وحَيَّا مَعَدٍّ عُوَّذٌ بِلِوائه يُقدُّونَه بالنفس والأم والأَّب * وفى هذه السنة ولى الحجّاجُ بن يوسفَ يزيدَ بنَ المهلب خُراسانَ بعد ١٠٨٥/٢ موت المهلب . وفيها عَزّل عبدُ الملك أبانَ بن عثمان عن المدينة؛ قال الواقدىّ : عزله عنها لثلاث عشرة ليلة خلتْ من جُمادَى الآخرة . قال: وفيها ولى عبدُ الملك هشامَ بن إسماعيلَ المخزوميّ المدينة. وعَزّل هشامُ بن إسماعيل عن قضاء المدينة لما وليها نوفَلَ بن مُساحق العامرىّ، وكان يحيى بن الحكم هو الذى استقضاه على المدينة ، فلما عُزل يحيى ووَلِيَها أبانُ ابنُ عثمان أقرّه على قضائها ؛ وكانت ولاية أبانَ المدينةَ سبع سنينَ وثلاثةَ أشهر وثلاث عشرةَ ليلة، فلما عَزّل هشامُ بنُ إسماعيلَ نوفَلَ بنَ مُساحِقِ عن القضاء ولَّى مكانَه عَمرو بن خالد الزَّرَفىّ . (١) ابن الأثير: ((فلما توفى كتب ابنه يزيد إلى الحجاج يعلمه بوفاته، فأقر يزيد على خراسان)). (٢) البيت الأول والثانى فى كتاب المعمرين ١٤٣. ٣٥٦ سنة ٨٢ وحَجّ بالناس فى هذه السنة أبانُ بنُ عثمان، كذلك حدّثّنى أحمدُ بنُ ثابت عمّن ذكره، عن إسحاقَ بن عيسى ، عن أبى معشر . وكان على الكوفة والبَصْرة والمَشرِق الحجّاجُ، وعلى خُراسانَ يزيدُ بنُ المهلب من قبَل الحجّاج . ٦ -- ثم دخلت سنة ثلاث وثمانين ذکر الأحداث التى كانت فيها [خبر هزيمة ابن الأُشعث بدير الجماجم ] فمما كان فيها من ذلك هزيمةُ عبد الرحمن بن محمد بن الأشعث بدير ١٠٨٦/٢ الجماجم . * ذكر الخبر عن سبب انهزامه : ذكر هشام بن محمد، عن أبى مخنّف، قال: حدّثنى أبو الزّبير الهمْدانىّ، قال: كنتُ فى خَيْل جبلة بن زحْل، فلما حَمَل عليه أهلُ الشأم مرة بعد مرّة، نادانا(١) عبد الرحمن بن أبى ليلى الفقيه فقال: يا معشرَ القرّاء، إنّ الفِرار ليس بأحد من الناس بأقبحَ منه بكم؛ إنى سمعتُ عليًّا(٢) - رفع الله درجتَه فى الصّالحين، وأثابته (٣ أحسَن ثواب الشهداء والصدّيقين٣) - يقول يومَ لقينا أهل الشأم: أيها المؤمنون، إنه من رأى عُدوانًا يُعمَل به، ومُنكَرًا يُدعى إليه، فأنكَرَه بقَلْبه فقد سلم وبَرِئ ، ومن أنكر بلسانه فقد أجر ، وهو أفضلُ من صاحبه ، ومَن أنكَرَه بالسيف لتكون كلمةُ اللّه العُلَيَا وكلمةُ الظالمين السفْلَى، فذلك الذى أصابَ سبيلَ الهُدى ، ونوّر فى قلبه اليقين (٤). فقاتلوا هؤلاء المُحِلّين المُحدِّثين المبتدعين الذين قد جهلوا الحقّ فلا يعرفونه، وعملوا بالعدوان فليس يُنْكرونه . وقال أبو البخترىّ: أيّها الناس، قاتلوهم على دينكم وُدُنْياكم، فوالله لْن ظهَروا عليكم ليُفسِدُنّ عليكم دِينَكم، وليخلِيُنّ على دنياكم. وقال الشعبيّ: يا أهل الإسلام، قاتِدُوهم ولا يأخذْكم حَرَجٌ من قتالهم، (١) ب: ((نادى يا))، ابن الأثير: ((نادى جبلة يا)). (٢) ب: ((على بن أبى طالب)). (٤) نهج البلاغة ٢ : ٢٢٤. (٣ -٣) ب: ((ثواب الصديقين والشهداء)). ٣٥٧ ٣٥٨ سنة ٨٣ فوالله ما أعلم قومًاً على بسيطِ الأرض أعمَل بِظُلم ، ولا أجَورَ منهم فى ١٠٨٧/٢ الحُكَم (١)، فليكن بهم البدار . وقال سعيد بنُ جُبير : قاتلوهم ولا تأثموا من قتالهم بنيّة ويقين ، وعلى آثامهم قاتِلوهم على جَوْرِهِم فى الْحُكْم، وتجبرهم فى الدين ، واستذلالِهم الضّعفاء ، وإماتتهم الصّلاة . قال أبو مخنّف ، قال أبو الزّبير : فتهيّأنا للحَمْلة عليهم ، فقال لنا جَّة: إذا حملتم عليهمْ فاحملوا حملة صادقة، ولا تردّوا وجوهكم عنهم حتى تُواقِعوا صفّهم . قال : فحملنا عليهم حملةً بجدّ منّا فى قتالِهِم ، وقوّة منا عليهم ، فضربنا الكتائبَ الثلاث حتى اشفترّت (٢)، ثمّ مضينا حتى واقعْنا صفّهم فضربناهم حتى أزلْناهم عنه، ثمّ انصرفْنا فمررنا يجبلة صريعاً لا نتدرى كيف قُتْل . قال: فهدَّنا ذلك وَجَبُنّا فوقَفْنا موقفنا الذى كنّا به، وإنّ قُرّاءنا لمتوافِرون، ونحن نَتَنَاعى جبلةَ بن زَحْر بيننا ، كأنما فقدَ به كلّ واحد منا أباه أو أخاه ، بل هو فى ذلك المَوطِن كان أشدّ علينا فقداً . فقال لنا أبو البّخْترىّ الطائىّ: لا يستبينَنّ فيكم قتلُ جَبَلَة بن زَحْر، فإنما كان کرجل منكم أتْته منيّته ليَومها ، فلم يكن ليتقدّم يومُه ولا ليتأخّر عنه، وكلّكم ذائق ما ذاقَ، ومدعوّ فمجيب. قال: فنظرتُ إلى (٣) وجوه القُرّاء فإذا الكآبة على وجوههم بيّنة ، وإذا ألسنتهم منقطعة، وإذا الفشل فيهم قد ظَهَرَ ، وإذا أهلُ الشأم قد سُرّوا وجَّذِ لوا، فنادَ وا(٤): يا أعداءَ اللّه، قد هَلَكتم، وقد قَتَّل اللّه طاغُوتكم(٥). ١٠٨٨/٢ قال أبو مخنف: فحدّثنى أبو يَزيد السَّكسكىّ أنّ جَبلة حين حمل هو وأصحابُه علينا انكشفْنا، وتبعونا، وافترقتْ منا فرقة فكانت(٦) ناحيةً، فنظرْنا فإذا أصحابه يتبعون أصحابنا ، وقد وقف لأصحابه لیرجعوا إليه عنى (١) ب: ((بحكم)). (٢) اشفترت: افترقت. (٣) ب: ((فى)). (٤) ب، (٦) ب، ف: ((فقامت)). ف: ((فنادونا)). (٥) ب، ف: ((طاغيتكم)). . ٣٥٩ سنة ٨٣ رأس رَهْوة، فقال بعضُنا، هذا والله جسَبلة بن زَحْر ، احملوا عليه ما دام أصحابه مشاغيلَ بالقتال عنه لعلكم تصيبونه. قال: فحملْنا عليه، فأشهَدُ ما وَلَّى، ولكن حَمَل علينا بالسيف. فلمّا هبط من الرَّهوةِ(١) شَجَرْناه بالرّماح فأذْرَيناه عن فرسه فوقع قتيلا ، ورجع أصحابُه ، فلما رأيناهم مقبلين تنحيْنا عنهم ، فلما رأوْه قتيلاً رأينا من استرجاعهم وجزعِهم ما قرّت به أعينُنا؛ قال : فتبينًا ذلك فى قتالهم إيانا وخروجهم إلينا . قال أبو مخنف: حدّثنى سهم بنُ عبد الرحمن الجُهَسَىّ، قال : لما أصيب جمَلَة هدّ الناسَ مَقتلُه، حتى قدم علينا بِسطام بن مصقلة بن هُبيرة الشيبانىّ، فشجع الناسَ مَقَدمُه، وقالوا: هذا يقوم مقامَ جَبَلة ، فسَمِع هذا القولَ من بعضهم أبو البخترىّ، فقال: قُبِّحتم ! إن قتل منكم رجل (٢) واحد ظننتمْ أن قد أحِيط بكم، فإن قُتل الآن ابنَ مصقلة القَيّم بأيديكم إلى التهلكة ، وقلتم: لم يسبق أحد يقاتل معه! ما أخلفكم أن يُخلَفَ رجاؤنا فيكم! وكان مَقَدَم بِسطام من الرّىّ ، فالتقى هو وقتيبة فى الطريق، فدعاه قُتيبة إلى الحجّاج وأهل الشام، ودعاه بسطام إلى عبدالرحمن وأهل العراق ، فكلاهما أبى على صاحبه ، وقال بسطام : لأن أموتَ مع أهل العراق أحبّ إلىّ من أن أعيشَ مع أهل الشام، وكان قد نزل ماسبذانَ؟ فلمّا قَدم قال لابن محمد: أمّرْنى على خيل ربيعةَ؛ ففعل ، فقال لهم : يا معشر ربيعة، إنّ فىّ شَرَسَفَةً عند الحرب فاحتملوها لى - وكان شُجاعًا - فخرج الناسُ ذاتَ يوم ليَقتتلوا، فَحمل فى خيلٍ ربيعةَ حتى دخل عسكرَهم، فأصابوا فيهم نحوًا من ثلاثين امرأةٌ من بين أمَة وسُرّيّة، فأقبل بهنّ حتى إذا دنا من عسكره ردّهنّ، فجُن ودخلْنَ عسكر الحجاج، فقال: أوْلَى لهم! مَنَّعَ القومُ نساءَ هم، أما لولم يردّ وهنّلسبيت نساؤهم غداً إذا ظهرت. ثم اقتتلوا يومًا آخر بعد ذلك، فحمل عبدُ الله بنُمُليل الهَمْدانی فیخیل له حتى دخل ١٠٨٩/٢ (١) ب، ف: ((الرهو))، والرهو: ما اطمأن من الأرض وارتفع ما حوله. (٢) ب، ف: ((رجل واحد منكم)). ٣٦٠ سنة ٨٣ عسكرهم فسبا ثمانىَ عشرةَ امرأةً، وكان معه طارقُ بنُ عبد الله الأسدىّ- وكان راميًا - فخرج شيخٌ من أهل الشأم من فُسْطاطِهِ، فأخَذ الأسدىّ يقول لبعض أصحابه : استرْ منّى (١) هذا الشيخَ لعلنى أرمِيه أو أحمل عليه ١٠٩٠/٢ فأطعنه، فإذا الشيخ يقول رافعًا صوته: اللهمّ لُمّنا وإيّاهم بعافية؛ فقال الأسدىّ: ما أحبّ أن أقتَل مثلَ هذا، فتركه، وأقبَل ابنُ مليل بالنساء غيرَ بعيد؛ ثمّ خلّى سبيلَهنّ أيضًا، فقال الحجّاج مِثلَ مقالتِه الأولى. قال هشام: قال أبى: أقبل الوليد بن نُحيْثُ الكلبىّ من بنى عامر فى كتيبة إلى جَلة بن زخْر، فانحطّ عليه الوليد من رابية- وكان جسمًا، وكان جبلة رجلا رَبْعةٌ - فالتّقيًا، فضربه على رأسه فسقط، وانهزَم أصحابُه وجِىء برأسِهِ . قال هشام : فحدّثنى بهذا الحديث أبو مخنّف وعَوانة الكلبىّ، قال: لمّا جىء برأس جبلة بن زَحْر إلى الحجاج حمله على رمحين ثمّ قال: يا أهل الشأم ، أبشروا؛ هذا أوّل الفتح، لا والله ما كانت فتنة قطّ فخبَتْ حتى يُقتل فيها عظيمٌ من عظماء أهل اليَمَن، وهذا من عظمائهم. ثمّ خرجوا ذاتَ يوم فخرج رجلٌ من أهل الشأم يدعو إلى المبارزة، فخرج إليه الحجّاج ابن جارية ، فحمل عليه ، فطعنَه فأذْراه ، وحمل أصحابُه فاستنقذوه ، فإذا هو رجل من خَشْعَمَ يقال له أبو الدَّرداء ، فقال الحجاج بن جارية : أما إنّى لم أعرفه حتى وقع، ولو عرفتُه ما بارزته ، ما أحِبّ أن يصابَ من قومى مثله . وخرج عبد الرحمن بن عوف الرّؤاسىّ أبو حميد فدعا إلى المبارزة، فخرج إليه ابن عمّ له من أهل الشأم ، فاضطربا بسيْفيهما ، فقال كلّ واحد منهما : أنا الغلام الكلابىّ، فقال كلّ واحد منهما لصاحبه : مَنْ أنت؟ فلمّا تساءَ لا تحاجزًا. وخرج عبدُ اللّه بنُ رِزام الحارثىّ إلى كتيبة الحجّاج، فقال: اخرجوا إلىّ رجلا رجلا، فأخرج إليه رجلٌ، فقَّلَه ثمّ فعل ذلك ثلاثة أيام، يَقتُل كلّ يوم رجلا، حتى إذا كان اليوم الرابع ١٠٩١/٢ (١) ب، ف: ((استراعى)).