النص المفهرس
صفحات 261-280
٢٦١ سنة ٧٧ تدخلوا السفينة حتَّى يَرجع إلىّ رسولى من عند مطرّف، فرجع الرسولُ. وبعث إلى مطرّف أن ابعث إلىّ من أصحابِك بعدد أصحابى يكونوا رهناً فى يدى حتى تردّ علىّ أصحابى. فقال مطرّف لرسوله: القسَه وقل له : كيف آمَنك أنا على أصحابى إذا أنا بعثتُهم الآن إليك، وأنتَ لا تأمنى على أصحابك! فرجع الرسولُ إلى شبيب فأبلغته، فأرسل إليه شبيب : إنَّك قد علمتَ أنَّا لا نستحلّ الغَدْر فى ديننا، وأنتم تفعلونه وتستحلّونه، فبعث إليه مطرِّف الرّبيعَ بنَ يزيد الأسدىّ وسليمانَ بن حذيفة بن هلال بن مالك المُزَنىّ ويزيد بن أبى زياد مولاه وصاحب حرسه، فلمَّا صاروا فى يدىْ(١) شَبيب سرّح إليه أصحابه، فأتوا مطرّفا فمكثوا أربعة أيَّام يتراسلون، ثمّ لم يتَّفقوا على شىء، فلمَّا تبيَّن لشبيب أنّ مطرّفًا غير تابعِه ولا داخل معه تهيّأ للمسير إلى عتَّاب بن وَرْقَاء وإلى أهل الشأم . ٩٤٧/٢ قال أبو مخنف : فحدّى فَروة بنُ لَقِيط أنّ شبيبًا دعا رءوس أصحابه فقال لهم: إنَّه لم يثبِّطنى على رأى قد كنتُ رأيتُه إلّا هذا الثَّقَىّ منذ أربعة أيّام، قد كنتُ حدّثتُ نفسى أن أُخرُجَ فى جريدةٍ خيل حتَّى ألقى هذا الجيش المُقْبِل من الشأم رجاءَ أن أصادِفَ غِرّتهم أو يَحذَّروا فلا أبالى كنت ألقاهم منقطعين من المِصْر، ليس عليهم أمير كالحجَّاج يَستندون إليه ولا مصْرٌ كالكوفة يعتصمون به ؛ وقد جاء تنى عيونِى اليوم فخَّرونى أن أوائلَهم قد دخلوا عَيْنَ النَّمر ، فهم الآن قد شارفوا الكوفة، وجاء تنى عيونى من نحو عتّاب بن ورقاء فحد ٹونى أنه قد نزل بجماعة أهلِ الكُوفة الصّراة، فما أقرب ما بيننا وبينهم! فتيسّرُوا بناللمَسيرِ إلى عَتَّب بنِ وَرْقَاء. قال: وخاف مطرّف أن يَبلُغ خبرُه وما كان من إرساله إلى شبيب الحجَّاج، فخرج نحو الجبال، وقد كان أراد أن يقيمَ حتَّى ينظر ما يكون بين شبيب وعَّب ، فأرسل إليه شبيب: أمَّا إذلم تُبايعنى فقد نبذتُ إليك على سَوَاء ، فقال مطرّف لأصحابه : اخرجوا بنا وافرِين فإنّ الحجّاج سيقاتِلُنا، فيقاتلنا وبنا قوّةٌ أمثلُ. فخرج ونزل المدائن؛ فعَقَد شبيب الجِسْر، (١) ب، ف: ((يد شبيب)) .. ٩٤٨/٢ ٢٦٢ سنة ٧٧ وبعث إلى (١) المدائن أخاه مصادًا، وأقبل إليه عتَّب حتَّى نزل بسُوق حكمة، وقد أخرج الحجّاج جماعة أهل الكوفة مقاتلتهم ، ومن نتَشِط إلى الخروج (٢). من شبابِهم (٣) ، وكانت مقاتلتهم أربعين ألفًاسوى الشَّباب، ووافى مع عتَتَّاب يومئذ أربعون ألفًا من المقاتلة وعشرة آلاف من الشَّباب بِسُوقٍ حكمة، فكانوا خمسين ألفًا، ولم يَدَع الحجَّاج قُرَشيًّا ولا رجلا من بُيُوتَاتِ العَرَّب إلّا أخرجه . قال أبو مخنف : فحدّثّنى عبدُ الرحمن بنُ جُندَب، قال: سمعتُ الحجَّاج وهو على المنبر حين وجَّه عَتَّبًا إلى شبيب فى الناس وهو يقول: يا أهل الكوفة ، اخرُجوا مع عَّاب بنِ وَرْقَاء بأجمَعَكم، لا أُرَخُص لأحد من الناس فى الإقامة إلّا رجلا قد ولَّيناه من أعمالنا. ألا إنّ للصابر المجاهِدِ الكرامة والأثرة ، ألا وإنَّ للناكل الهارِبِ (٤) الهَوَانَ والجنَفْوة. والَّذِى لا إله غيره لئن فعلتم فى هذا الموطنِ كفِعِلِكم فى المواطن الَّتِى كانت لأولينَّكم كنفاً خَشنًا، ولأعْرُكنَّكم بكلكلٍ ثقيل . ثم نزل ، وتَوَافَى الناس مع عتَّب بسُوقٍ حَكّمة . قال أبو مخنف: فحدّى فَروةُ بنُ لقيط ، قال : عرضَنا شبيبٌ بالمدائن فكنًّا ألف رجل، فقام فينا فحَمِد اللّهَ وأثنى عليه ثمّ قال : يا معشر المسلمين، إنّ اللّه قد كان ينصركم عليهم وأنتم مائة ومائتان وأكثر من ذلك قليلا ، وأنقَص منه قليلا، فأنتم اليومَ مئون ومئون، ألا إنى مصلّ الظهرَ ثمّ سائِر بكم. فصلَّى الظهر ثمّ نُودِى فى الناس: يا خيل اللّهِ اركبى وأبشرِى، فخرج فى أصحابه، فأخذوا يتخلَّفون ويتأخَّرون ، فلمَّا جاوَزْنا ساباطَ ونزلنا معه قَصّ علينا وذَكَّرْنا بأيَّام اللّه، وَزهَّدنا فى الدنيا، ورغّبنا فى الآخرة ساعةً طويلة، ثمّ أمر مؤذّنه فأذّن، ثمّ تقدّم فصلّى بنا العصر، ثمّ أقبَلَ حتَّى أشرف بنا على عَّبِ بنِ وَرْقَاء وأصحابِهِ، فلما أن رآهم من ساعتِهِ نزل وأمر مؤذّنه فأذّن ، ثمّ تقدّم فصلَّى بنا المغرب، (١) ١: ((على المدائن)). (٢) ب، ف: (للخروج)). (٣) ب، ف: ((من شبانهم)). (٤) ب، ف: ((للناكل والهارب)): ((للناكب الهارب)). ٩٤٩/٢ ٢٦٣ سنة ٧٧ وكان مؤذّنه سلّم بنُ سَيَّار الشَّيبانىّ، وكانت عيونُ عَتَّاب بن وَرْقاء قد جاءوه فأخبروه أنَّه قد أقبل إليه، فَخرَج بالناس كلِّهم فعبّأهم، وكان قد خندق أوّل يوم نزل، وكان يُظهِر كلّ يوم أنَّه يريد أن يسير(١ إلى شبيب بالمدائن ١) ، فبلغ ذلك شبيبًا، فقال: أسيرُ إليه أحَبّ إلىّ من أن يسير إلىّ، فأتاه، فلمَّا صَفّ عَّاب الناسَ بعثَ على ميمنته محمّد بن عبد الرحمن بنِ سعيد بنِ قيس ، وقال : يابن أخى ، إنَّك شريف فاصبر وصابِر، فقال: أمّا أنا فوالله لأقاتلنّ ما ثَبت معى إنسان. وقال لقَبيصةَ بن والق - وكان يومئذ على ثُلُث بنى تغلِب: إِكِفِى المَسَرَة، فقال: أنا شيخٌ كبير، كثيرٌ منى أن أثبت (٢) تحتَ رايتى، قد انبتّ منى(٣) القِيام، ما أستطيع القيام إلّا أن أقام؛ ولكنّ هذا عبيد اللّه بن الحُليس ونُعَيم بن عُلَيمِ التَّغْلَيَّان - وكان كل واحد منهما على ثُلث من أثلاث تتغلِب - فقال: ابعثْ أيّهما أحببتَ، فأيّهما بعثت فلتبعثنّ ذا حَزَم وعَزْم(٤) وغناء. فبعث نُعيم بن عُلَم على ميسرته ، وبعث حنظلة بن الحارث اليربوعىّ- وهو ابن عم عَّب شيخ أهل بيته - على الرّجَّالة، وصفَّهم ثلاثَةَ صُفُوف: صفٌّ فيهم الرجال معهم السيوف ، وصفٌ وهم (٥) أصحاب الرّماح، وصفّ فيه المُرامِية ، ثمّ سار فيما بين الميمنة إلى الميسرة يمرّ بأهلِ راية راية؛ فيحثّهم على تقوى الله، ويأمُرُهم بالصّبر وينقصّ عليهم. ٩٥٠/٢ قال أبو مخنف: فحدثنى حصيرة بنُ عبد اللّه أن تميم بن الحارث الأزديّ قال: وَقَف علينا فتَقصّ علينا قصصًا كثيرًا، كان ممَّا حفظتُ منه ثلاثَ كلمات؛ قال : ياأهلَ الإسلام ، إنّ أعظم الناس نصيبًاً فى الجنَّة الشهداء ، وليس اللّه لأحد من خلقه بأحمَدَ منه للصّابرين، ألا تَرَون أنَّه يقول: ﴿وَاصْبِرُوا إِنَّ اللَّهَمَعَ الصَّابِرِينَ﴾(٦)! فمن حمِدِ اللّهُ فعلَه فما أعظم ٩٥١/٢ (١-١) ب، ف: ((يلقى شبيباً بالمدائن وأن يسير إليه)). (٢) !: ((أبيت)). (٣) ب، ف: ((فقد انبت)). (٤) ا: ((وحد)) (٦) سورة الأنفال: ٤٦ . (٥) ب، ف: ((قبلهم)). ٢٦٤ سنة ٧٧ درجته، وليس اللّهُ لأحد أمقَتَ منه لأهلِ البَغْىِ؛ ألا ترون أنّ عدوّكم هذا يستعرض المسلمين بسيفه، لا يرون إلّا أنّ ذلك لهم قرْبةٌ عند الله! فهم شِرار أهلِ الأرض وكلاب أهلِ النار ، أين القصاص ؟ قال ذلك فلم يُجِبْه واللّهِ أحدٌ مِنَّا؛ فلمَّا رأى ذلك، قال: أين مَنْ يَروِى شعر عَنْتَرَة؟ قال: فلا واللّه مارَدّ عليه إنسان كلمةً. فقال: إنَّا لله! كأنى بكم قد فررْتُم عن عَتَّب بن وَرْقَاء وتركتموه تَسِفى فى استهِ الرّيح. ثم أقبل حتى جلس فى القلب معه زُهْرة بن حَوِيَّة جالس وعبد الرحمن ابن محمد بن الأشعث وأبو بكربن محمدبن أبى جَهْم العدوىّ. وأقبَل شبيبٌ وهو فى ستِّمائة وقد تخلَّف عنه من الناس أربعمائة ، فقال : لقد تخلَّف عنّا من لا أحِبّ أن يُرَى فينا. فبعث سُوَيَد بن سُلسيم فى مائتين إلى المَيْسرة، وبعث المحلّل بن وائل فى مائتين إلى القلب ، ومضى هو فى مائتين إلى المسَيْمنة بين المغرب والعشاء الآخرة حين أضاء القمرُ ، فناداهم : لِمَن هذه الرايات ؟ قالوا : راياتُ ربيعة . فقال : شبيب : راياتٌ طالما نصرت الحقَّ، وطالما نصرت الباطل، لها فى كلّ نصيبٌ، والله لأجاهدنَّكم محتسبًا للخير فى جهادكم، أنتم ربيعة وأنا شبيب ، أنا أبو المدلّه، لا حُكْم إلا لِلْحَكَم، اثبتُوا إن شئتمْ، ثمّ حَمَل عليهم وهو على (١) مسنَّة أمامَ الخندق فنفضّهم، فثبت أصحابُ رايات قبيصة بن والق وعبيد بن الحُلَيْس ونُعَيم بن عليم ، فقُتلوا، وانهزمت الميسرة كلُّها وتتنادى أناس من بنى تغليب: قُتِل قبيصة بن والق. فقال شبيب: قتلتم قبيصةَ بن والق التغلَىّ يا معشر المسلمين! قال الله: ﴿وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأُ الَّذِى آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا فَانْسَلَخَ مِنْهَا فَأَنْبَعَهُ الشَّيْطَانُ فَكَانَ مِنَ الغَاوِينَ﴾ (٢)، هذا مثل ابن عمّكم قبيصة بن والق، أتَى رَسول الله صلَّى اللّه عليه وسلَّم فأسلم، ثمّ جاء يُقاتلكم مع الكافرين !ثم وقف عليه فقال: وَيْحَك! لو ثبتَّ على إسلامك الأوّل سعدتَ ، ثمّ حمل من الميسرة على عََّّاب بنِ وَرْقَاءَ ، وحمل سُوَيَد بن سليم على الميمنة وعليها محمّد بن عبد الرحمن ، ٩٥٢/٢ (١) : ((فى مسناة». (٢) سورة الأعراف: ١٧٥ . ٢٦٥ سنة ٧٧ فقاتَل فى الميمنة فى رجال من بنى تميم وهَمّدان، فأحسنوا القتال ، فما زالوا كذلك حتَّى أتُوا فقيل لهم: قُتِل عَّب بن ورقاء ، فانقضّوا، ولم يزل عَتَّب جالسًا على طنْفِسَة فى القلب وزُهرة بن حَوِيَّة معه، إذ غَشِيتَهم شبيب، فقال له عَتَّب: يا زُهرة بن حَوِيَّة، هذا يومٌ كَثُر فيه العدد، وقَلَّ فيه الغناء ، والهفى على خمسمائةٍ فارس من نحو رجال تميم معى من جميع الناس! ألا صابِرٌ لعدُوّه! ألا مُؤاسٍ بنَفْسه! فانفَضّوا عنه وتَرَكوه ، فقال له زهرة: أحسنتَ يا عَّاب، فعلتَ فعلَ مثلك، والله والله لو منحتهم كَّفَك ما كان بقاؤك إلاّ قليلاً ، أبشر فإنى أرجو أن يكون اللّهُ قد أهدى إلينا الشّهادة عند فَناء أعمارِنا؛ فقال له: جزاك الله خيرًا ما جَزَى آمراً (١) بمعروف وحاثًا على تتقوى . ٩٥٣/٢ فلمَّا دنا منه شبيب وثب فى عصابة صبرتْ معه قليلة ، وقد ذهب الناسُ يمينًا وشمالا، فقال له عمَّر بنُ يزيدَ الكلبىّ من بنى المدينة: أصلَحَك الله! إنّ عبد الرحمن بن محمّد قدهرب عنك فانصفق(٢) معه أناس کثیر ، فقال له : قد فرّ قبل اليوم، وما رأيتُ ذلك الفتى يُبَالِى ما صنع، ثمّ قاتلهم ساعة وهو يقول : ما رأيتُ كاليوم قطّ مَوْطنًا لم أَبْتَلَ بمثله قطٌ أقلّ مقاتلا ولا أكثر هارِبًا خاذلا؛ فرآه رجلٌ من بنى تغلِب من أصحابٍ شبيب من بنى زيد بن عمرو يقال له عامر بن عمرو بن عبد عَمرو، وكان قد أصابَ دَمًا فى قومه ، فلَحِقٍ بشبيب، وكان من الفُرسان، فقال لشبيب: واللهِ إنى لأظنّ هذا المتكلّم عَّبَ بنَ وَرْقاء! فحمل عليه فطعنَه ، فوَقَع فكان هو وِلِىَ قتلَهُ، ووطِئَتِ الخيلُ زُهرة بن حَوِيَّة، فأخذ يَذُبّ بسيفه وهو شيخ كبير لا يستطيع أن يقومَ ، فجاء الفضلُ بنُ عامر الشَّيبانىّ فَقَتله، فانتهى إليه شبيب فوجَده صريعًا فعَرَفه، فقال: مَنْ قَتَل هذا ؟ فقال الفضل: أنا قتلتُه، فقال شبيب: هذا زهْرة حَوِيّة، أما والله لئن كنتَ قتلت على ضلالة لربَّ يوم من أيَّامِ المسلمين قد حَسُن فيه بلاؤك، وعظم فيه غَنَاؤكَ! ولربّ خيلٍ للمشركين قد هزمْتْتَها ، وسَرِيّة لهم قد ٩٥٤/٢ (١) كذا فى ا، وفى ط: ((أمر المعروف)). (٢) ب، ف: ((وانصفق عنك)). ٢٦٦ سنة ٧٧ ذعرتها(١) وقرية من قراهم جمَمَ(٢) أهلُها قد افتتحتها، ثم كان فى علم الله أن تُقْتَل ناصرًا للظّلمين! قال أبو مخنف : فحدّثَنِى فَرْوةُ بنُ لقَيَط قال: رأيناه واللّهِ توجَّعَ له، فقال رجل من شُكَّان بكر بنِ وائل: واللّه إنّ أمير المؤمنين منذ الدَّيلة ليتوجَّعْ لِرجل من الكافرين! قال : إنَّك لستَ بأعرف بضلالتهم منّى، ولكنى أعرف من قديم أمرٍهم ما لا تعرف؛ ما لو ثبتوا عليه كانوا إخوانًا. وقُتِل فى المعركة عمَّر بن يزيدَ الكلبىّ، وقُتل أبو خيثمة بن عبد اللّه يومئذ، واستمكن شبيبٌ من أهل العسكر والناس ، فقال : ارفعوا عنهم السيف ، ودعا إلى البيعة ، فبايعه الناس من ساعتهم ، وهربوا من تحت ليلتهم ، وأخذ شبيب يُبايعهم ، ويقول : إلى ساعةٍ يَهْرُ بُون. وحوى شبيب على ما فى العسكر ، وبعث إلى أخيه ، فأتاه من المدائن ، فلمَّا وافاه بالعسكر أقبَل إلى الكوفة وقد أقام بعسكره ببيت قرّة يومين ، ثم توجَّه نحو وجه أهلِ الكوفة، وقد دخل سُفْيَان بنُ الأبرد الكلبىّ وحبيب بن عبد الرحمن الحكمىّ من مَذْحِج فيمن معهما من أهل الشأم الكوفة، فشَدَوا للحجَّاج ٩٥٥/٢ ظهره، فاستغنى بهما عن أهل الكوفة، فقام على منبر الكوفة فحمد الله وأثنى عليه ثمّ قال: أمَّا بعد يا أهل الكوفة، فلا أعزَّ اللّهُ من أراد بكم العِزّ ، ولا نتَصَرَ من أراد بكم النَّصْر، اخرجوا عنَّا، ولا تَشهدوا معنا قتال عدوّنا ، الحقوا بالحيرة فانزلوا مع اليهود والنصارى ، ولا تقاتلوا معنا إلا من كان لنا عاملا ، ومن لم يكن شَهِدَ قتالَ عَّبِ بنِ وَرْقَاء . قال أبو مخنف: فحدّثّنى فروة بن لقيط، قال: واللّه لَخرَجْنا نتَتْبَعَ آثارَ الناس، فانتهِى إلى عبد الرحمن بن محمَّد بن الأشعث ومحمَّد بن عبد الرحمن بن سعيد بنِ قيس الهمْدانىّ، وهما يمشيان كأنى أنظر إلى رأس عبد الرحمن قد امتلأ طِينًا، فصددتُ عنهما، وكرهت أن أذْعَرّ هما، ولو أنى أوذن بهما أصحاب شبيب لقُتِلامكانتهما، وقلت فى نفسى: لئن سُقْت إلى مثْلِكما من قومى القتلَ ما أنا برشيدِ الرأى؛ وأقبل شبيبٌ حتَّى نزل الصَّراة . (١) كذا فى ا،وفى ط: ((أغربتها))، وفى ب، ف: ((فللّها)). (٢) !: ((حم أهلها)). ٢٦٧ سنة ٧٧ قال أبو مِختَف : فحدّنى موسى بن سوار أنّ شبيبًا خرج يريدُ الكوفة ، فانتهى إلى سُورا ، فندبَ الناس ، فقال : أيُّكم يأتينى برأسٍ عامل سُورا؟ فانتدب له بَطِينٌ وقَعْنَب وسُوَيَد ورجُلان من أصحابه، فساروا مُغِذًّين حتَّى انتهوا إلى دار الخَراج والعُمَّل فى سَمَرَّجة (١) فدخلوا الدارَ وقد كادُوا الناسَ بأن قالوا: أجيبوا الأميرَ ، فقالوا: أىّ الأمراء ؟ قالوا: أميرٌ خرج من قِبَل الحجَّاج يريد هذا الفاسق شبيبًا، فاغترّ بذلك العامل منهم . ثم إنهم شَهَروا السيوف وحَكَّمواحين وصلوا إليه فضربوا عنقه، وقبضوا على ما كان من مال ، ولحقوا بشبيب ، فلمَّا انتهوا إليه قال : ما الَّذى أتيتُمونا به ؟ قالوا : جئناك برأس الفاسق وما وجدنا من مال (٢)، والمال على دابَّة فى بُدوره، فقال شبيب: أتيتمونا بفتنة للمسلمين، هلُمّ الحَرْبة يا غلام ، فخرّق بها البُدور، وأمر فنُخِس بالدّابة والمالُ يتناثر من بدوره حتّى وردت الصَّراة، فقال: إن كان بهفى شَىء فاقذفه فى الماء. ثمّ خرج إليه سُفْيان بن الأبرد مع الحجّاج ، وكان أتاه قبلَ خروجه معه ، فقال : ابعَشْنى أستقبله قبل أن يأتيك ، فقال : ما أحِبّ أن نفترق حتى ألقاه فى جماعتكم والكُوفةُ فى ظهورنا والحصنُ فى أيدينا . ٩٥٦/٢ [ ذكر الخبر عن دخول شبيب الكوفة مرة ثانية ] وفى (٣) هذه السنة دَخَل شبيبٌ الكوفةَ دَخْلَتَهُ الثانية. * ذكر الخبر عن ذلك وما كان من حربه بها الحجّاج: قال هشام : حدّثّنى أبو مخنَف ، عن موسى بن سوار ، قال : قَدِم سَبْرة بنُ عبد الرحمن بن مِخَف من الدَّسْكرة الكوفةَ بعد ما قدم جيش الشأم الكوفة، وكان مُطَرّف بن المغيرة كَتَب إلى الحجَّاج: إنّ شبيبًا قد أطلّ علىّ، فابعث إلى المدائن بَعْثًا. فبعث إليه سبْرة بن عبد الرحمن ابن مختف فى مائتى فارس، فلمَّا خرج مطرّف يريد الجبل خرج بأصحابه (١) فى اللسان: ((السمرّج يوم جباية الخراج)). (٢) ب، ف: ((أمواله)). (٣) قبلها فى ا: ((قال محمد بن جرير)). ٢٦٨ سنة ٧٧ معه وقد أعلمهم ما يريد ، وكتم ذلك سَبْرة ، فلمَّا انتهى إلى دَسْكرة الملك ٩٥٧/٢ دعا سَبْرةَ فأعلمه ما يريد، ودعاه إلى أمره، فقال له: نعم أنا معك، فلمَّا خرج من عنده بعث إلى أصحابِهِ فجمعهم، وأقبَل بهم فصادف (١)عَتَّاب ابنَ وَرْقَاء قد قُتِل وشبيبًا قد مضى إلى الكوفة ، فأقبل حتى انتهى إلى قرية يقال لها بيطرى، وقد نزل شبيب حَمَّام عُمر ، فخرج سَبْرة حتَّى يعبر الفرات فى معبر قرية شاهى، ثم أخذ الظّهر حتَّى قَدِمِ على الحجَّاج، فوجد أهل الكوفة مَسْخوطًا عليهم، فدخل على سُفْان بن الأبرَد، فقَصّ قصّته عليه(٢) وأخبره بطاعته وفراقِه مُطَرّفًا، وأنه لم يشهد عَتَّابًا ولم يشهد هزيمةً فى موطن من مواطن أهلِ الكوفة ، ولم أزل للأمير عاملا ، ومعى مائتا رجل لم يشهدوا معى هزيمةً قطّ، وهم على طاعتهم(٣) ولم يتدخلوا فى فتنة . فدخل سُفيانُ إلى الحجَّاج فخَبَّه بخبر (٤) مَا قَصّ عليه سَبْرة بن عبد الرحمن، فقال: صَدَقَ وبرّ! قُلْ له: فليَشْهد معنا لقاءَ عدوّنا، فخرج إليه فأعلّمه ذلك . وأقبلَ شبيب حتَّى نزل موضعَ حَمَّام أعتَين ، ودعا الحجّاج الحارث بن معاوية بن أبى زرعة بن مسعود الثَّقَفىّ فوجَّهه فى ناس من الشّرّط لم يكونوا شهدوا يوم عَتَّب ، ورجالا كانوا عمَّلا فى نحو من مائتى رجل (٥) من أهل الشأم، فخرج فى نحو من ألف، فنزل زُرَارَةَ ، وبلغ ذلك شبيبًا، فتعجَّل إليه فى أصحابه، فلمَّا انتهى إليه حمل عليه فقَتَّه ، وهَزَم أصحابه ، وجاءت المنهزمة فدخلوا الكوفة . وجاء شبيب حتَّى قطع الجِسر ، وعسكر دونه إلى الكوفة ، وأقام شبيب فى عسكره ثلاثة أَيَّام ؛ فلم يكن فى أول يوم إلّا قتل الحارث بنُ معاوية ، فلمَّا كان فى اليوم الثانى أخرج الحجّاج مواليتَهُ وغلمافَه عليهم السلاح، فأخذوا(٦) بأفواهِ السُّكتَك ممّا يلى الكُوفَة ، وخرج أَهلُ الكوفة فأخذوا بأفواه سِككهم ، وخشوا إن لم يخرجوا مَوْجدةَ الحجّاج وعبد الملك بن مروان . وجاء شبيب ٩٥٨/٢ (١) كذا فى ا، وفى ط: ((فيصادف)). (٣) ف: ((طاعته)). (٢) ب، ف: ((فقص عليه قصته )) . (٤) ب، ف: ((فأخبره بخبر هؤلاء وبخبر ما قص عليه)). (٥) ب، ف: ((فارس)). (٦) ب، ف: ((وأخذوا)). ٢٦٩ سنة ٧٧ حتى أبتنى مسجدًا فى أقصى السَّبَخة مما يلى موقفَ أصحاب القتّ عند الإيوان، وهو قائمٌ حتَّى الساعة، فلمَّا كان اليومِ الثالث أخرج الحجَّاج أبا الوَرْد مولّى له عليه تِجفاف، وأخرج محفّفة كثيرة وغلمانًا له ، وقالوا: هذا الحجاج ، فَحَمَل عليه شبيبٌ فقتله، وقال: إن كان هذا الحجّاج فقد أُرَحْتُكم منه . ثم إن الحجّاج أخرج له غلامه طُهمانَ فى مثلِ تلك العُدّة على مثل تلك الهيئة، فَحَمَل عليه شبيبٌ فقتله، وقال: إن كان هذا الحجَّاج فقد أَرَحْتُكم منه . ثمّ إنّ الحجّاج خرج ارتفاعَ النهار من القَصْر فقال: ائتونى ببَفْل أركبُه ما بَيْنى وبين السَّبَخة، فأنِىَ ببغل محجّل، فقيل له: إنّ الأعاجم أصلحك الله تَطيّرُ (١) أن تركَب فى مثل هذا اليوم مثلَ هذا البَغل، فقال: أُدْنُوه مِنّى، فإنّ اليوم يومٌ أغرّ محجَّل ؛ فركبه ثمّ خرج فى أهل الشأم حتّى أخذ فى سكة البريد، ثمّ خرج فى أعلى السَّبَخة، فلمَّا نظر الحجاج إلى شبيب(٢) وأصحابه نزل، وكان شبيب فى سِتِّمائة فارس، فلما رأى الحجّاج قد خرج إليه أقبل بأصحابه ، وجاء سبْرة بنُ عبد الرحمن إلى الحجّاج فقال : أين يأمرنى الأمير أن أقف ؟ فقال : قِفْ على أفواه السكك ، فإن جاءوكم فكان فيكم قِتالٌ فقاتلوا، فانْطَلَق حتَّى وَقف فى جماعة الناس، ودَعا الحجَّاج بكرسىّ له فقَعَد عليه، ثمّ نادَى: يا أهل الشأم، أنتم أهلُ السَّمع والطاعة والصَّبر واليقين، لا يغلبنّ باطلُ هؤلاء الأرجاس حقَّكم ، غضّوا الأبصار ، واجِثُوا على الرّكَبِ، واستقبلوا القوم بأطراف الأسنَّة، فجثَوا على الركب، وأَشَرَعوا الرّماح، وكأنَّهم حَرّة سوداء، وأقبَل إليهم شبيب حتَّى إذا دنا منهم عبّ أصحابه ثلاثة كراديسَ ، كتيبة معه ، وكتيبة مع سُويد بن سُليم، وكتيبة مع المحلّل بن وائل ، فقال السويد . احمل عليهم فى خيلِك، فحَمَل عليهم، فثبتوا له، حتَّى إذا غَشِىَ أطراف الأسنَّة وثبوا فى وجهه ووجوه أصحابه، فطَعنوهم (٣) قُدُمًا حتَّى انصَرف، ٩٥٩/٢ (١) ١: ((تتطير)). (٢) ب، ف: ((فلما رأى الحجاج شبيباً)). (٣) ب، ف: ((فطعنوه)). 1 ٢٧٠ سنة ٧٧ وصاحَ الحجّاج: يا أهلَ السَّمع والطاعة، هكذا فافعلوا . قدّم كُرسىّ يا غلام، وأمر شبيب المحلّل فَحَمَل عليهم ، ففعلوا به مثلَ ما فعلوا بسُويد، فناداهم الحجّاج: يا أهلَ السمعِ والطاعة؛ هكذا فافعلوا، قدّمْ كُرْسِّ يا غلام (١). ثمّ إنّ شبيبًا حَمَل عليهم فى كتيبته فَثَبتُوا له، حتَّى إذا غشى أطراف الرّماح وَثَبوا فى وجهه، فقاتلتهم طويلا. ثمّ إنّ أهل الشأم طعنوه قُدُمًا حتَّى الْحَقُوه بأصحابه، فلمَّا رأى صبرهم نادى : يا سويد ، احمل فى خَيْلك على أهل هذه السكة - يَعَنِى سِكَّة لحَّام جرير - لعلك تزيل أهلها عنها، فتأتى الحجَّاجَ من ورائه ، ونحمل نحن عليه من أمامه . فانفرد سُوَيَد بن سُلَيمٍ فَحمَلَ على أهل تلك السكة ؛ فرمى من فوق البُيوت وأفواه السكك ، فانصرف ، وقد كان الحجّاج جعل عروةَ بن المغيرة بن شعبة فى نحو من ثلثمائة رجل من أهل الشأمِ ردْءًا له ولأصحابه لئلاّ يُؤْتَوا من ورائِهِ (٢). قال أبو مخنف: فحد ◌ّثّى فَروة بن لقيط: إنّ شبيبًا قال لنا يومئذ: يا أهل الإسلام إنَّما شريْنا اللّه، ومن شرى اللّهَ لم يكبر(٣) عليه ما أصابه من الأذى والألم فى جَنْبِ اللّه. الصَّبَرَ الصَّبر؛ شَدّة كشَدّاتكم فى مواطنِكم الكريمة . ثمّ جمع أصحابتَه، فلما ظنّ الحجّاج أنه حاملٌ عليهم قال لأصحابه: يا أهل السمع والطاعة، اصبروا لهذه الشَّدّة الواحدة، ثمّ وربّ السماء ما شىءٌ دونَ الفتح. فَجئوا على الرُّكتَب، وحَمَل عليهم شبيب بجميع أصحابه ، فلمَّا غشيهم نادى الحجّاج بجماعة الناس ، فوثبوا فى وجهه ، فما زالوا يطعنُون ويضربون قُدمًا ويدفعون شبيبًا وأصحابه وهو يقاتِلُهم حتَّى بلغوا موضع بُسْتان زائدة ، فلما بلغ ذلك المكان نادى شبيب أصحابَه: يا أولياءَ اللّه، الأرضَ الأرض، ثمّ نزل وأمر أصحابه فنزل نصفُهم وترك نصفهم مع سُوَيَد بن سليم ، وجاء الحجّاج حتى انتهى إلى مسجد شبت ، ثم قال : يا أهل الشأم، يا أهل السَّمع والطاعة ، هذا (٣) ا: ((لم يكثر)). (٢) ب، ف: ((ورائهم)). (١) ساقطة من م. ٩٦٠/٢ ٢٧١ سنة ٧٧ ٩٦١/٢ أوّل الفَتْح والَّذى نفسُ الحَجَّاج بيده! وصَعد المسجد معه نحوٌ من عشرين رجلامعهم النَّبْل، فقال: إن دَنَوْا منا فارشقوهم، فاقتتلوا عامَّة النهار من أشدّ قتال فى الأرض، حتَّى أقرّ كل واحد من الفريقين لصاحبه . ثمّ إنّ خالد بن عَّب قال للحجَّاج: ائذَنْ لى فى قتالهم فإنى مَوْتور، وأنا ممّن لا يُنَّهم فى نصيحة (١)، قال: فإنى قد أذنْت لك ، قال : فإنى آتيهم من ورائهم حتَّى أغيرَ على عسكرهم ؛ فقال له : افعل ما بدا لك ، قال : فخرج معه بعصابة من أهل الكوفة حتَّى دخل عسكرَهم من ورائهم ، فقتل مصَادًاً أخا شَبِيب، وقتَل غزالَة امرأته ، قتلَها فروةُ بنُ الدّفان الكَلِىّ، وحرّق فى عسكره، وأتى ذلك الخبرُ الحَجَّاج وشبيبًا، فأمَّا الحجَّاج وأصحابه فكبّروا تكبيرة واحدة، وأمّا شبيب فوثب هو وكلّ راجل معه على خيولهم ، وقال الحجّاج لأهل الشأم: شُدّوا عليهم فإنَّه قد أتاهم ما أرعب قلوبهم. فشَدّوا عليهم فَهَزَموهم ، وتَخلَّف شبيب فى حامية الناس . قال هشام : فحدثنى أصغر الخارجىّ، قال: حدّثنى من كان مع شبيب قال : لما انهزم الناسُ فخرج من الجسْر تَبِعِه (٢) خيل الحجَّاج، قال: فجعل يَخفق برأسه ، فقلت: يا أميرَ المؤمنين، التَفِت فانظرْ مَن خَلَفَك؛ قال: فالتفت غيرَ مكترث، ثمّ أكبّ يخفِقِ برأسه؛ قال: ودنَوا منًّا؛ فقلنا : يا أمير المؤمنين ، قد دنَوا منك، قال: فالتفت واللّهِ غير مكترث ، ثمّ جعل يخفق برأسه . قال : فبعث الحجاج إلى خيله أن دعوه فى حرق اللّه وناره ، فتركوه ورجعوا . قال هشام : قال أبو مخنف: حدّثنى أبو عمرو العذرىّ(٣)، قال: ٩٦٢/٢ قَطَعَ شبيب الجِسْر حين عَبَر. قال: وقال لى فَرْوة: كنتُ معه حين انهزمْنا فما حَرّك الجسر، ولا اتَّعونا حتَّى قَطَعَنَا الجسر. ودخل الحجاج الكُوفَة، ثمّ صَعِد المِنبِرَ فَحَدِ اللّه، ثمّ قال: واللهِ ما قُوتِل شبيب (١) ب، ف: «نصيحته )). (٣) ب: ((العدوى)). (٢) ف، ف: ((الجيش تبعته)). ٢٧٢ سنة ٧٧ قَبْلُها، وَلَّى واللّهِ هاربًا، وترك امرأته يُكسر فى آستِها القَصَب. وقد قيل فى قتال الحجَّاج شبيبًا بالكُوفة ما ذَكتره عُمر بنُ شَبَّةً قال: حدّثنى عبدُ الله بنُ المغيرة بن عطيّة، قال: حدثنى أبى، قال: حدّثنا مزاحم بن زُفر بن جسَّاس التَّيمىّ، قال: لما فَضّ شبيبٌ كتائبَ الحجّاجِ أذن لنا فدخلنا عليه فى مجلسه الَّذى يبيت فيه وهو على سرير عليه لِحاف ، فقال: إنى دعوتُكم الأمر فيه أمان ونظر، فأشيروا علىَّ؛ إنّ هذا الرجل قد تبَحْبَحَ بُحْبُوحَتّكم ، ودخل حريمتكم ، وقتل مُقاتِلتكم ، فأشيروا علىّ؛ فأطرقوا. وفتَصَل رجل من الصّفّ بكرسيّه فقال: إنْ أذن لى الأميرُ تكلَّمت، فقال: تكلم ، فقال: إنّ الأمير والله ما راقبَ اللّهَ، ولا حفظ أميرَ المؤمنين، ولا نَصَح للرعيَّة، ثمّ جلس بكرسيه فى الصفّ. قال: وإذا هو قُتَّيبة، قال: فَغضِب الحجَّاج وألقَى اللحاف، ودَلَّى قَدَمَيه من السرير كأنى أنظر إليهما ؛ فقال: مَن المتكلّم ؟ قال : فخرج قُنيبةُ بكُرسيِّه من الصّفّ فأعاد الكلام ، قال : فما الرأى ؟ قال : أن تَخرُج إليه فتحاكِمَه؛ قال: فارتد لى مُعسكرًا ثم اغدُ إلىّ، قال : فخرجْنا نطَعَن عَنْبسة بنَ سعيد، وكان كلَّم الحجّاج فى قُتيبة ، فجعله ٩٦٣/٢ من أصحابه، فلمَّا أصبَحْنا وقد أوصَيْنَا جميعًا، غدونا فى السلاح ، فصلَّى الحجّاج الصّبح ثم دخل، فجعل رسوله يخرج ساعة بعد ساعة فيقول: أجاء بعدُ ؟ أجاء بعدُ ؟ ولا ندرى مَن يريد! وقد أفعمت المقصورةُ بالناس ، فَخَرَج الرسولُ فقال : أجاء بعدُ ؟ وإذا قُتيبةُ يمثِى فى المسجد عليه قباء هروىّ أصفر، وعمامة خزّ أحمر، متقدِّداً سيفًا عريضًا قصير الحمائل كأنَّه فى إبطه ، قد أدخل بِرْكة قَبَائه فى منطقتِهِ ، والدّرع يصفق ساقَيْه فَفُتح له الباب فدخل ولم يُحْجّب، فَلَبِث طويلا ثمّ خرج، وأخرج معه لواءً منشورًا، فصلَّى الحجّاج ركعتين، ثم قام فتكلَّم، وأخرج اللواء من باب الفيل ، وخرج الحجّاج يتبعه ، فإذا بالباب بغلة شَقراء غرّاءُ محجّة فركبها، وعارضه الوُصَفاء بالدّوَابِ، فأبى غيرَها، وركب النَّاسُ. ٢٧٣ سنة ٧٧ وركب قُتَيبة فرسًا أغرّ محجَّلا كُمْتاً كأنَّه فى سَرْجَه رُمّانة من عُظْم السَّرج، فأخذ فى طريق دارِ السقاية حتَى خرج إلى السَّبَخة وبها عسكر شبيب ، وذلك يوم الأربعاء ، فتواقَفوا، ثمّ غَدَوْا يومَ الخميس للقتال، ثمّ غادوهم يوم الجمعة، فلمَّا كان وقت الصلاة انهزمت الخوارج. قال أبو زيد: حدّى خلاّد بن يزيد، قال: حدّثنا الحجاج بنُ قتيبة، قال: جاء شبيبٌ وقد بعث إليه الحجَّاجُ أميرًاً فقَتّله، ثم آخر (١) فقتله، أحدهما أعْيَنُ صاحبُ حَمَّام أعْيَن ، قال : فجاء حتى دخل الكوفة ومعه غزالة ، وقد كانت نذرتْ أن تُصلِّىَ فى مسجد الكوفة ركعتين تقرأ فيهما البقرة وآل عمران . قال: ففعلتْ. قال: واتّخذ شبيب فى عسكره أخْصاصًا، فقام الحجّاج فقال: لا أراكم تَنَاصَحون (٢) فى قتال هؤلاء القوم يا أهلَ العراق! وأنا كاتبٌ إلى أمير المؤمنين ليُحدّنى بأهل الشام. قال: فقام قُتِيبَة فقال : إنَّك لم تنصح للّه ولا لأمير المؤمنين فى قيتالهم . ٩٦٤/٢ قال عمرُ بنُ شَبّة: قال خَلّد: فحدّثْنى محمَّد بنُ حفص بن مُوسى ابن عُبيد الله بنِ مَعمر بن عثمان التميمىّ أنّ الحجّاجِ خَشَق قُتيبة بعِمامته خَنْقًا شديدًا . ثمّ رَجَعَ الحديثُ إلى حديث الحجَّج وقُتَيبة. قال: فقال : وكيف ذاك ؟ قال : تَبعث الرجل الشريف وتبعث معه رَعاعاً من الناس فينهزمون عنه ، ويَستَحيى فيقاتل حتَّى يُقْتَل ؛ قال : فما الرأى ؟ قال : أن تخرج بنفسك ويخرج معك نظراؤك فيؤاسُونك بأنفسهم. قال: فلعنه مَنْ ثَمّ. وقال الحجّاج: والله لأبرُزُنّ له غدًا؛ فلمَّا كان الغدُ حضرَ الناس، فقال قتيبة: اذكرْ يمينَك أصلح الله الأمير! فلعنوه أيضًا، وقال الحجَّاجُ: اخرج فارتدْ لى مُعسكرًا، فذهب وتهيَّاً هو وأصحابُه فخرجوا ، فأتى على موضع فيه بعضُ القَذَر؛ موضع كُناسة، (١) ب، ف: ((أميراً)). (٢) ب، ف: ((تتناصحون)). ۔ ٢٧٤ سنة ٧٧ فقال: ألقُوا لِ هاهنا . فقيل: إنّ الموضع قَذر، فقال: ما تدعونى إليه أقذَر، الأرض تحتَه طيّبة، والسماءُ فوقه طيِّبة. قال: فنزل وصف الناس وخالد بن عَّب بن ورقاء مسخوط عليه فليس فى القوم ، وجاء ٩٦٥/٢ شبيب وأصحابه فقرّبوا دوابَّهم، وخرجوا يمشون، فقال لهم شبيب: الهُوا عن رَمْيكم ، ودِبُّوا تحت تِراسِكم، حتَّى إذا كانت أسنَّتَهم(١) فوقتها، فأزلِقوها صُعُدًا، ثمّ ادخُلُوا (٢) تحتَها لتستقيلوا فتُقْطِعُوا أقدامهم ، وهى الهزيمة بإذن الله. فأقبلوا يد بّون إليهم. وجاء خالد بنُ عَتَّب فى شاكريَّته، فدار من وراء عسكرهم ، فأضرم أخْصاصَهم بالنار، فلمَّا رأوْا ضوءً النار وسمعوا مَعْمَعَتَها التفتوا فرأوها فى (٣) بيوتهم، فولّوا (٤) إلى خَيْلِهم وتَبِعهم الناسُ ، وكانت الهزيمة . ورضىَ الحجَّاج عن خالد، وعنَقَدَ له على قتالهم. قال: ولمَّا قَتَل شبيبٌ عَتّابًا أراد دخول الكوفة ثانية، فأقبل حتى شارقها فوجّه إليه الحجّاج سيف بن هانئ ورجلاً معه ليأتياه بخبر شبيب ، فأتيا عسكره ، ففطن بهما، فقتل الرجل، وأفلت سيفٌ ، وتَبِعه رجلٌ من الخوارج ، فأوثب سيفٌ فرسه ساقية ، ثمّ سأل الرجلَ الأمان على أن يُصدقه، فآمنه، فأخبره أنّ الحجّاج بعثه وصاحبَه ليأتياه بخبر شبيب . ٩٦٦/٢ قال : فأخبره أنا نأتيه يوم الاثنين. فأتى سيف الحجَّج فأخبره ؛ فقال: كَذَب وماق ، فلمَّا كان يوم الاثنين توجّهوا يريدون الكوفة، فوجَّه إليهم الحجّاجُ الحارثَ بن معاوية الثَّقَفىّ، فلقيه شبيب بزُرارَة فقتله، وهزم أصحابه ودنا من الكوفة فبعث البَطِين فى عشرة فوارس يرتاد له مَنْزِلا على شاطئ الفرات فى دارِ الرّزْق، فأقبل البَطِين وقد وجَّه الحجَّاج حَشبَ بنَّ يزيدَ فى جمع من أهل الكوفة، فأخذوا بأفواهِ السِّكتك، فقَاتَتَهم البَطِين فلم يقْوَ عليهم، فبعث إلى شبيب فأمدّه بفوارس ، فعَقَروا فرس حَوْشب وهزموه ونجا، ومضَى البَطين إلى دار الرّزِق، وعسكر على شاطئ الفرات ، وأقبَل شبيب فنزل دون الجِسْر، فلم يوجِّه إليه الحجَّاج أحدًا ، فمضى فنزل (١) ب، ف: ((أسنتكم)). (٣) ب، ف: ((فرأوا ما فى بيوتهم)). (٢) ب، س: ((ادخلوها)). (٤) ب، ف: ((ولوا)). ٢٧٥ سنة ٧٧ السَّبَخة بين الكُوفة والفُرات، فأقام ثلاثًا لا يوجُّه إليه الحجَّاج أحدًا، فأشير على الحجّاج أن يخرج بنفسه، فوجَّه قتيبةَ بنَ مسلم، فهيَّأ له عسكرًا ثم رجع ، فقال : وجدتُ المَأَتّى سَهْلًا، فسِرْ على الطائر الميمون ؛ فنادى فى أهل الكوفة فخرجوا، وخرج معه الوجوهُ حتَّى نزلوا فى ذلك العسكر (١) وتواقفوا، وعلى مَيْمنة شبيب البَطِين، وعلى مَيَسَرَتِه قَتَعْنب مولى بنى أبى ربيعة بن ذهل، وهو فى زُهاء مائتين، وجعل الحجّاج على ميمنته مطرَ بن ناجية الرّياحىّ، وعلى ميسرته خالد بن عَتَّب بن وَرْقاء الرّياحىّ فى زُهاء أربعة آلاف ، وقيل له : لا تُعَرّفْه موضعَك، فتنكّر وأخفى مكانته، وشبَّه له أبا الورد مولاه، فنظر إليه شبيب ، فحمل عليه، فضربه بعمود وزنُه خمسة عشر رِطْلاً فقتله ، وشبَّه له أعيَن صاحب حمَّام أعين بالكوفة ، وهو مؤلّى لبكر (٢) بن وائل فقَتّله، فركب الحجَّاج بغلة غَرّاء محجَّلة، وقال : إن الدّين أغرُّ محجَّل، وقال لأبى كعب : قدّم لواءك ، أنا ابن أبى عَقِيل. وحمل شبيب على خالد بن عَتَّب وأصحابه، فبلغ بهم الرَّحبة، وحملوا على مطر بن ناجية فكشفوه، فنزل عند ذلك الحجّاج وأمَرَ أصحابَه فنزلوا، فجلس على عباءة ومعه عنْبسة بن سعيد، فإنَّهم على ذلك إذْ تناول مَصقلة بن مُهُلَهل الصَّبِىّ لجامَ شبيب؛ فقال: ما تقول فى صالح بن مُسَرِّح ؟ وبمَ تَشهَد عليه؟ قال: أعلى هذه الحال، وفى هذه الحَزَّة (٣)! والحجّاج ينظرُ، قال: فبرئ من صالح، فقال مصقلة: برى اللّهُ منكَ، وفارقوه إلا أربعين فارسًا هم أشدّ أصحابِه، وإنجاز الآخَرون إلى دار الرّزْق؛ وقال الحجَّاج: قد اختلفوا، وأرسل إلى خالد بن عَتَّب فأتاهم فقاتَهم، فقُتِلت غَزالةُ، ومَرّ برأسِها إلى الحجّاجِ فارسٌ فعرفه شبيبٌ، فأمر عُلوان فشدّ على الفارس فقتله وجاء بالرأس ، فأمر به فغُسل ودفنه وقال : هى أقرب إليكم رُحْمًا - يَعَنِى غزالة. ٩٦٧/٢ ومضى القومُ على حامِيَتَهم، ورجع خالدٌ إلى الحجَّاج فأخبره بانصراف (١) ب، ف: ((المعسكر)). (٣) الحزّة : الشدّة. (٢) فى: ((البكير)). ٠٠ ٢٧٦ سنة ٧٧ ٩٦٨/٢ القوم ، فأمرَه أن يحمل على شبيب فحمل عليهم، وأتبعهُ ثمانية ، منهم قعنب والبطين وعُدْوان وعيسى والمهذَّب وابن عُوَيمر وسِنان، حتَّى بلغوا به الرّحبة، وأتِىَ شبيب فى موقفه بخُوط بن عُمَيْر السَّدوسىّ، فقال له شبيب: يا خُوط، لاحُكْمَ إلاَّ اللّه، فقال: لا حُكم إلاّ اللّه، فقال شبيب: خُوط من أصحابكم، ولكنَّه كان يخاف، فأطلقه. وأتِىَ بعُمَيْر بن القَعْقَاع، فقال له: لا حكم إلاّ لله يا عُمَيَر، فجعل لا يفقه عنه، ويقول : فى سبيل اللّه شبابى، فردّد عليه شبيبٌ: لاحُكْمَ إلاّ لله، ليتخلَّصه(١)، فلم يفقه"، فأمر بقتله، وقُتل مصاد أخو شَبِيب، وجعل شبيب ينتظِرِ النّفرَ الَّذِين تبعوا خالدًا فأبطئوا، ونعس شبيب فأيقَظَه حبيب بن خدرة ، وجعل أصحابُ الحجَّاج لا يُقدمون عليه هيبةً له، وسار إلى دار الرّزْق، فجمع رثَّة (٢) مَن قُتل من أصحابه، وأقبل الثمانية إلى موضع شبيب فلم يجدوه ، فظنوا أنَّهم قتلوه ، ورجع مطرٌ وخالدٌ إلى الحجّاج فأمَرَهما فأتبعا الرّهط الثمانية، وأتبع الرّهط. شبيبًا، فمضوا جميعًا حتَّى قطعوا جِسر المدائن، فدخلوا دَيْرًا هنالك وخالد يَقْفُوهم، فحصرهم فى الدَّير ، فخرجوا عليه فهزموه نحوًا من فرسخين حتَّى ألقَوْا أنفسَهم فى دِجْلة بخيلهم ، وألقتَى خالدٌ نفسه بفرسه فمرَّ به ولواؤه فى يده، فقال شبيب: قاتله الله فارساً وفرَسَه! هذا أشدّ الناس، وفرسُه أقوى فرس فى الأرض ؛ فقيل له: هذا خالدُ بن عتَّب، فقال: مُعْرَقٌ له فى الشجاعة؛ والله لو علمتُ لأقحمتُ خلفه ولو دَخَل النار . رجع الحديث إلى حديث أبى مِختّف . عن أبى عمرو ٩٦٩/٢ العُدْرِىّ، أن الحجّاج دخل الكوفةَ حين انهزَمَ شبيب، ثم صَعِد المنبر، فقال: واللّهِ ما قُوتِل شَبيب قطّ قبلَها مِثلَهَا، وَلَّى واللّه هاربًا، وترك امرأته يُكسَر فى آستها القصب . ثمّ دعا حبيب بن (١) فى: ((ليخلصه)). (٢) الرثة : المتاع . ٢٧٧ سنة ٧٧ عبد الرحمن الحكمىّ فبعثه فى أثره فى ثلاثة آلاف من أهل الشام ، فقال له الحجَّاج: احذَر بياتَه، وحيثما لقيتَه فنازِله، فإن الله قد فَلَّ حَدَّه، وقصم نابتَه. فخرج حبيبُ بنُ عبد الرحمن فى أثر شبيب حتَّى نزل الأنبار ، وبعث الحجّاج إلى العمَّال أن دُسُّوا إلى أصحاب شبيب أنّ مَنْ جاءنا منهم فهو آمِن؛ فكان كلّ من ليست له تلك البصيرة ممَّن قد هدّه القتال يجىء فيؤمن ، وقبل ذلك ما قد نادى فيهم الحجّاج يومَ هُزِموا: إنّ من جاءنا منكم فهو آمِن، فتفرّق عنه ناس كثير من أصحابه ، وبلغ شبيبًا مَنْزَلُ حبيب بنٍ عبد الرحمن الأنبارَ ، فأقبَل بأصحابه حتَّى إذا دنا من عسكرِهِم نَزّل فصلّى بهم المغرب . قال أبو مخنف: فحدّثنى أبو يزيدَ السكسكىّ، قال: أنا واللّه فى أهل الشأم ليلة جاءنا شبيب فبيئَتّنا. قال: فلمَّا أمسَيْنا جَمعَنَا حبيبُ بنُ عبد الرحمن فجعلتنا أرباعًا، وقال لكل رُبْع منا: ليُجِزِئْ كلّ رُبْع منكم جانبه، فإن قاتل هذا الرّبع فلا يُغتهم (١) هذا الرّبْع الآخر، فإنَّه قد بلغنى أنّ هذه الخوارج منًّا قريب، فوطُّنُوا أنفسكم على أنَّكم مبَيّتون ومقاتكون؛ فما زلنا على تعبيتنا حتَّى جاءنا شبيب فبيّتنا، فشدَّ على رُبْعِ منَّا، عليهم عثمانُ بنُ سعيد العذرىّ فضاربهم طويلا، فما زالتْ قدمُ إنسان منهم، ثمّ تركهم وأقبلَ على الرّبْع الآخر، وقد جعل عليهم سعد بن بجل العامرىّ فقاتلهم، فما زالت قدم إنسان منهم، ثمّ تركهم وأقبل على الرّبع(٢) الآخر وعليهم النعمان بنِ سَعْد الحميرىّ فما قدر منهم على شىء ، ثمّ أقبل على الربع الآخَر وعليهم ابنُ أقيصِرِ الخَشَعْمىّ فقاتلهم طويلا ، فلم يَظفر بشىء، ثم أطاف بنا يحميل علينا حتى ذهب ثلاثة أرباع الدَّيل، وألزّ بنا حتى قلنا، لا يُفارِقِنا، ثم نازلنا راجلا طويلا، فسقطتْ واللّهِ بيننا وبينهم الأيدى، وفُقئت الأعيُن، وكثرت القتلى، قتلنا منهم نحوًا من ثلاثين ، وقتلوا منًّاً نحواً من مائة ، والله لو كانوا فيما نرى يزيدون على مائة رجل لأهلكونا ، وإيمُ اللّه على ذلك ما فارَقونا حتَّى مَلِلِناهم وملّنا، وَكرِهونا وكرهناهم ، ٩٧٠/٢ (١) س: ((يغنهم))، ف: ((يعنهم). (٢) ف: ((الرابع)). ٢٧٨ سنة ٧٧ ولقد رأيت الرجل منًا يضرب بسيفه الرجل منهم فما يضرّه شىء من الإعياء والضّعف، ولقد رأيت الرّجل منَّا يقاتل جالسًا يَنْفَح بسَيْفه ما يستطيع أن يقوم من الإعياء (١)، فلمَّا يئسوا منًّاً ركب شبيب ثمّ قال لمن كان نزل من أصحابه : اركبوا، فلمَّا استووا على متُون خيولهم وجّه (٢) منصرفًا عنّاً. ٩٧١/٢ قال أبو مخنف: حدّثّى فروة بنُ لقيط ، عن شبيب، قال: لمَّا انصرفنا عنهم وبنا كآبة شديدة ، وجراحة ظاهرة ، قال لنا : ما أشدَّ هذا الَّذِى بنا لوكنّا إنما نطلب الدنيا! وما أيسرّ هذا فى ثواب اللّه! فقال أصحابُه: صدقت يا أمير المؤمنين ، قال : فما أنسى منه إقباله على سويد بن سليم ولا مقالَته له : قتلتُ منهم أمس رجلين : أحدُهما أشجع الناسِ ، والآخر خرجتُ عشيّة أمس طليعةٌ لكم فلقيتُ منهم أجْبين الناس، ثلاثةَ نفر دخلوا قريةً يشترون منها حوائجتهم ، فاشترى أحدُهم حاجته ، ثمّ خرج قبل أصحابه وخرجتُ معه، فقال: كأنّك لم تشترٍ عَلَفًا، فقلت : إنّ لى رُفَقَاءَ قد كَفَوْنى ذلك، فقلت له: أين تَرَى عدوَّنَا هذا نَزّل؟ قال: بلغنى أنَّه قد نزل منًّا قريبًا، وايم الله لودِدْت أنّى قد لقيتُ شبيبتهم هَذا ، قلت: فتحبّ ذلك؟ قال: نعم، قلت: فخذ حِذْرَك ، فأنا والله شبيب، وانتضَيْتِ سَيْفِى، فخَرَّ واللّه مَسَّتاً، فقلت له: ارتفِع وَيْحَك(٣)! وذهبتُ أنظُر فإذا هو قد مات ، فانصرفتُ راجعًا، فأستقبل الآخر خارجًا من القرية ، فقال : أين تذهب هذه الساعة ؟ وإنَّما يرجع الناس إلى عسکرهم ! فلم أكلّمه، ومضيتُ يقرِّب بى فرسى، وأتبعنى حتَّى لحقنى ، فقطعت عليه فقلت له : ما لَك ؟ فقال: أنتَ واللّه من عَدّونا ؟ فقلتُ: أجل واللّه، فقال: والله لا تبرح حتَّى تَقْتلنى أو أقْتُلَك، فحملت عليه وحَمَل علىّ، فاضطربْنا بسيْفينا ساعةً، فوالله ما فضَلْتُه فى شِدّة نَفْس ولا إقدام إلا أن سيفى كان أقْطَعَ من سيفه، فقَتَتُهُ؛ قال: فمضَينا حتَّى قطعنا دجلة ، ثم أخذْنا فى أرض جُوخَى حتى قَطعْنا دجلة مرّة أخرى من ٩٧٢/٢ (١) ب، ف: ((من الإعياء والضعف)). (٣) ب، ف: ((ارفع ويحك رأسك)). (٢) ب: ((وجد). ٢٧٩ سنة ٧٧ عند واسط ، ثم أخذنا إلى الأهواز ثمّ إلى فارس، ثم ارتفعْنا إلى كرْمان. [ ذكر الخبر عن مهلك شبيب ] وفى هذه السنة هلك شبيبٌ فى قولِ هشامِ بنِ محمَّد، وفى قول غيره كان هلاكمُه سنة ثمان وسبعين . * ذكر سبب هلاكه : قال هشام، عن أبى مختّف : قال : حدّثنى أبو يزيدَ السَّكْسكىّ، قال: أقفَنا الحَجَّاج إليه - يعنى إلى شبيب - فقسَّم فينا مالاً عظيماً ، وأعطى كل بجريح منا وكل ذى بلاء، ثمّ أمر سفيان بن الأبرد أن يسيرَ إلى شبيب، فتجهّز سُفيان، فشقّ ذلك على حبيب بن عبد الرحمن الحكمىّ، وقال: تبعث سُفْيَانَ إلى رجل قد فللتَّه وقتلتَ فُرْسانَ أصحابِهِ ! فأمضى سفيان بعدَ شهرين ، وأقام شبيب بكِرْمان، حتَّى إذا انجبر واستراش هو وأصحابُه أقبل راجعًا، فيستقبله سُفْيان بجِسْر دُجيل الأهواز ، وقد كان الحجّاج كتب إلى الحكم بن أيّوب بن الحكم بن أبى عقيل ، وهو زوج ابنة الحجَّاج وعاملُه على البَصْرة . ٩٧٣/٢ أما بعد ، فابعثْ رجلا شجاعًا شريفًا من أهل البصرة فى أربعة آلاف إلى شبيب، ومُرْه فلْيَلْحق بسُفْيان بن الأبرد، وليَسْمع له ولْيُطْعْ. فبعث إليه زياد بن عَمْرو العتكىّ فى أربعة آلاف ، فلم ينته إلى سُفيان حتى التّى سُفْيان وشبيب، ولمَّا أن التقيا بجِسْر دجيل عبر شبيب إلى سُفيان فوجد سُفيانَ قد نَزّل فى الرجال، وبعث مُهَاصِر(١) بن صيفىّ العُذرىّ على الخيل، وبعث على ميمنته بشر بن حسَّان الفِهْرِىّ، وبعث على ميسرته عمر بن هُبيرة الفزارىّ ، فأقبل شبيب فى ثلاثة كراديسَ من أصحابه، هو فى كتيبة وسُوَيَد فى كتيبة، وقَعَنَب المُحتَلّمىّ فى كتيبة ، وخلَّف المحلّل بن وائل فى عسكرِه. قال : فلمَّا حمل سُويد وهو فى ميمنته (١) ف: ((مضاهر)). ٢٨٠. سنة ٧٧ على ميسرة سُفْيَانَ، وقعنبٌ وهو فى ميسرته على ميمنته حمَل هو على سُفْيان، فاضْطَرَبْنا طويلا من النهار، حتَّى انحازوا فرجعوا إلى المكان الَّذى كانوا فيه ، فكرّ علينا هو وأصحابه أكثرَ من ثلاثين كرّة، كلّ ذلك لا نزول من صَفّنا . وقال لنا سُفْيان بنُ الأبرد: لا تتفرقوا، ولكن لِتزحف الرجالُ إليهم زحفًا، فوالله ما زلْنا نطاعِنُهم ونضاربهم حتَّى اضطررناهم إلى الجِسْر ، فلمَّا انتهى شبيب إلى الجِسْر نزل ونزل معه نحوٌ من مائة رجل ، ٩٧٤/٢ فقاتلناهم حتى المساء أشدّ قتال قاتله قومٌ قطّ، فما هو إلا أن نزلوا فأوقعوا لنا من الطَّعن والضّرب شيئًا ما رأينا مثله من قوم قطّ . فلمَّا رأى سفيانُ أنَّه لا يقدر عليهم ، ولا يأمن مع ذلك ظفرهم ، دعا الرّماةَ فقال: ارشقُوهم بالنَّبل ، وذلك عند المساء، وكان التقاؤهم نصفَ النهار، فرماهم أصحابُ النَّبَل بالنَّبل عند المساء، وقد صَفَّهم سُفْيان بن الأبرد على حدة، وبعث على المُرامية رجلا، فلمَّا رشقوهم بالنَّبل ساعةً شدّوا عليهم ، فلمَّا شدّوا على رُماتنا شَدَدْنا عليهم، فشغَلْناهم عنهم ، فلما رموا بالنَّبل ساعةٌ رَكب شبيب وأصحابُه ثمّ كَرُّوا على أصحاب النَّبل كرّةً صُرع منهم أكثرُ من ثلاثين رجلا، ثمّ عطف بخَيْله علينا، فمشى عامداً نحونا؛ فطاعَنَّه حَتَّى اختلط الظلام، ثمّ انْصَرَف عنَّاً، فقال سُفيان لأصحابه : أيُّها الناس ، دَعُوهم لا تتَّبعوهم حتى نُصبِّحهم غُدْوة. قال: فكَفَفْنا عنهم وليس شىء أحبّ إلينا من أن ينصرفوا عنًّا . قال أبو مخنف: فحدثنى فَرْوة بنُ لقيط، قال: فما هو إلاّ أن انتهتَيْنا إلى الجِسْر، فقال: اعبرُوا معاشر المسلمين، فإذا أصبَحْنَا باكَرْناهم إن شاء اللّه، فَعَبَرْنا أمامَه، وتخلَّف فى أخرانا، فأقبل على فرسه ، وكانت بين يديه فرس أنثى ماذيانة ، فنزا فرسُه عليها وهو على الجسر فاضطربسَت الماذِيانة ، ونزل حافرُ رجل فرس شبيب على حرف السَّفينة ، فَقَط فى الماء، فلمَّا سَقَط قال: ﴿لِيَقْضِىَ اللهُ أَمْرًا كَانَ مَفْعُولاً ﴾. ٩٧٥/٢ فارتمس (١) فى الماء، ثمّ ارتفع فقال: ﴿ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ العَلِيمِ﴾ . (١) ارتمس فى الماء. إذا انغمس فيه حتى يغيب رأسه وجميع جسده فيه.