النص المفهرس
صفحات 221-240
٢٢١ سنة ٧٦ بدأنا بك، وإن شئنا رحلنا. إلى غيرِك . فانصرف إليه الرسولُ فأبلغه ما أرسل به، فقال له : ارجعْ إليه فقل له: إنى والله ما أنا على رأيك، ولكنى أكره قتالَك وقتال غيرك، فقاتِلْ غيرى، فقال صالح لأصحابه: اركبوا، فَركبوا وحَبَس الرجلَ عنده حتى خرجوا، ثمّ تركه ومضى بأصحابه حتى يأتىّ عدىّ بن عدىّ بن عميرة فى سُوقٍ دَوغان وهو قائمٌ يصلّ الضّحى، فلم يَشعُر إلاّ والخيل طالعةٌ عليهم، فلما بَصُروا بها تنادوا، وجعل صالحٌ شبيباً فى كَتِيبة فى ميمنة أصحابه ، وبعث سويد بن سليم الهندىّ من بنى شيبان فى كتيبة فى ميسرة أصحابه ، وَوَقَف هو فى كَتَيبة فى الْقَلْب ، فلما دنا منهم رآهم على غير تعبِية، وبعضهم يجول فى بعض ، فأمرَ شبيباً فحمل عليهم ، ثمّ حمل سويد عليهم فكانت هزيمتهم ولم يُقاتلوا، وأنِىّ عدىّ بن عدىّ بدايَّته وهو يصلّى فركبها ومضى على وجِهِه ، وجاء صالحُ ابنُ مسرّح حتى نزل عسكره وحوى ما فيه، وذهب فلَّ عَدِىّ وأوائل ٨٨٩/٢ أصحابه حتى دخلوا على محمَّد بنِ مروان، فغَضِبَ ، ثم دعا خالد بن جَزْءُ السُّلَمِيّ فبعثه فى ألف وخمسمائة ، ودعا الحارث بنَ جَعْوَنة من بنى ربيعة بن عامر بن صعصْعة فبعثه فى ألف وخمسمائة ، ودعاهما ، فقال : أُخرُجا إلى هذه الخارجة القليلة الخبيثة، وعجِّلا الخروج، وأغذّا السير، فأيّكما سبق فهو الأمير على صاحبه ؛ فخرجا من عنده فأغَذّا السير ، وجعلاً يسألان عن صالح بن مسرّح فيقال لهما : إنّه توجّه نحو آمدَ ، فأتبعاه حتى انتهيا إليه ، وقد نزل على أهل آمد فنزلا ليلا، فَخندقا وانتهياً إليه وهما متساندان كلّ واحد منهما فى أصحابه على حدته ، فوجّه صالح شَبيباً إلى الحارث بنِ جَعْونة العامرىّ فى شطر أصحابه ، وتوجّه هو نحو خالد بن جَزْءُ السُّلَمَىّ. قال أبو مخنف: فحدّثنى المُحَلّمىّ، قال: انتهوا إلينا فى أوّل وقت العصر، فصلّى بنا صالح العصر، ثمّ عبّانا لهم فاقتتلْنا كأشدّ قتال اقتتله قومٌ قطّ، وجعلنا والله نرى الظفر يحمل الرجل منّا على العشرة منهم فيهزمهم، وعلى العشرِين فكذلك، وجَعَلتْ خيلهُم لا تثبت الخيلنا . ٢٢٢ سنة ٧٦ فلما رأى أميراهُم ذلك ترجّلا وأمرا جُلّ من معهما فترجّل ، فعند ذلك جعلنا لا نقدر منهم على الذى نريد، إذا حَمَلْنا عليهم استقبلتْنا رَجّالَّتَهم بالرّماح، ونضحتنا رماتُهم بالنَّبل، وخيلُهم تُطاردنا فى خلال ذلك ، فقاتلناهم إلى المَساء (١) حتى حالَ الليلُ بيننا وبينهم ، وقد أفشَوْا فينا الجراحة، وأفشْناها فيهم، وقد قَتّلوا منا ٨٩٠/٢ نحواً من ثلاثين رجُلاً، وقتلْنا منهم أكثرَ من سبعين، وواللّه ما أمسينا حتى كرهناهم وكرهونا ، فوقفْنا مُقابِلَهم ما يَقْدمون علينا وما تَقْدُم عليهم ، فلما أمسوا رجعوا إلى عسكرهم، ورجعْنا إلى عسكرنا فصلّينا وتروّحْنا وأكلنا من الكِسَرَ . ثمّ إنّ صالحًا دعا شبيباً ورومس أصحابه فقال: يا أخلاّتى، ماذا ترون؟ فقال شبيب: أُرَى أنَّا قد لقينا هؤلاء القومَ فقاتلناهم، وقد اعتصموا بخندقهم ، فلا أرى أن نقيم عليهم ، فقال صالح : وأنا أرى ذلك ، فخرجوا من تحت ليلتِهم سائرين ، فمضوا حتى قطعوا أرض الجزيرة، ثمّ دخلوا أرضَ المَوَصِل فساروا فيها حتى قطعوها ومضوا حتى قطعوا الدّسكرة . فلما بلغ ذلك الحجّاج سرّح إليهم الحارث بنَ عميرة بن ذى المشعار الهَمْدانىّ فى ثلاثة آلاف رجل من أهل الكوفة ، ألف من المقاتلة الأولى ، وألفتين من الفَرْض الذى فرض لهم الحجّاج. فسار حتى إذا دنا من الدَّسْكرة خرج صالح بن مسرّح نحو جلولاءَ وخانِقِين، وأتبعه الحارثُ ابن عميرةَ حتى انتهى إلى قرية يقال لها المدبّج من أرض الموصِل على تُخوم. ما بينها وبين أرض جُوخَى ، وصالح يومئذ فى تسعين رجلا ، فعبّ الحارث ابن عميرةٍ يومئذ أصحابه، وجعل على ميمنته أبا الرّوّاغ (٢) الشاكرىّ، وعلى ميسرَتَه الزّبير بن الأروَح التميمىّ، ثمّ شدّ عليهم - وذلك بعد العصر - وقد جعل أصحابه ثلاثة كراديس؛ فهو فى كُرْدوس، وشبيب فى كُرْدوس فى ٨٩١/٢ میمنته،وسويدبن سليم فی کرْدوس فى الميسرة، فی کل کُرْدوس منهمثلاثون رجلا. فلما شدّ عليهم الحارثُ بن عميرة فى جماعة أصحابهِ انكشف سُويَد (١) ب، ف: ((المسى)). (٢) ط: ((الرداع)) تحريف. سنة ٧٦ ٢٢٣ ابن سليم ، وثبت صالح بنُ مسرّح فقُتِل ، وضارب شبيبٌ حتى صُرع، فوقع فى رجّالة ، فشدّ عليهم فانكشفوا، فجاء حتى انتهى إلى موقف صالح ابن مسرّح فأصابه قتيلا ، فنادى: إلىّ يا معشر المسلمين؛ فلاذُوا به، فقال لأصحابه : ليَعَجِّل كلّ واحد منكم ظهره إلى ظهر صاحبه، وليطاعِنِ عدوّه إذا أقدَم عليه حتى ندخل هذا الحِصن ، ونرى رأينا ؛ ففعلوا ذلك حتى دخلوا الحصن وهم سبعون رجلا بشَبيب، وأحاط بهم الحارثُ بنُ عميرة مُمْسِياً، وقال لأصحابه: احرقوا الباب ، فإذا صار جَمْرًا فدعوه فإنهم لا يقدرون على أن يخرجوا منه حتّى نصبحهم فنقتلهم . ففعلوا ذلك بالباب ، ثمّ انصرفوا إلى عسكرهم ، فأشرَف شبيب عليهم وطائفةٌ من أصحابه، فقال بعضُ أولئك الفَرْض: يا بنى الزَّوانى، ألم يُخزِكم الله! فقالوا: يا فُسَّق، نعم تقاتلوننا لقتالِنا إيَّكم إذْ أعماكُم اللّه عن الحقّ الَّذى نحن عليه، فما عُذْركم عند الله فى الفَرْىِ على أمَّهاتِنا! فقال لهم حُكَماؤهم (١): إنَّما هذا من قول شباب فينا سُفهاء ، والله ما يُعجِبنا قولهم ولا نستحلّه. وقال شبيب لأصحابه : يا هؤلاء، ما تنتظرون! فوالله لئن صبَّحكم هؤلاء غُدْوَةٌ إنَّه لَهَلاكُكم ، فقالوا له: مرنا بأمرِك، فقال لهم: إنّ اللَّيل أخَفى للوَيْل، بايعونى ومَنْ شتم (٢ منكم، ثم اخرجوا ٢) بنا حتَّى نشُكَ" عليهم فى عسكرهم، فإنَّهم لذلك منكم آمنون، وأنا أرجو أن ينصُرَ كم الله ٨٩٢/٢ عليهم . قالوا: فابسُطْ يدك فلنُبايعْك، فبايعوه، ثمّ جاءوا ليخرجوا ، وقد صار بابُهم جمرًا، فأتوا بالُّبود فبلّوها بالماء، ثُمَّ القَوْها على الجَمْر ، ثمّ قطعوا عليها، فلمَ يشعرُ الحارث بن عميرة ولا أهلُ العسكر إلاّ وشبيب وأصحابُه يضربونهم (٣) بالسيوف فى جوف عسكرِهم(٤)، فضارب الحارث حتَّى صُرِع، واحتمَلَه أصحابُه وانهزموا، وخلّوْا لهم العسكر وما فيه ، ومضَوا حتى نزلوا المدائن ، فكان ذلك الجيشُ أوّلَ جيش هزّمّه شبيب، وأصيب صالحُ بن مسرّح يومَ الثلاثاء لثلاثَ عشرة بقيتْ من جُمادَى الأولى من سنته . (١) ب، فى: ((علماؤهم)). (٣) ب، ف: ((يضاربوهم)). (٢ - ٢) ب، ف: ((من أصحابكم واخرجوا)). (٤) ب، ف: ((العسكر)). ٢٢٤ سنة ٧٦ [خبر دخول شبيب الكوفة وما كان من أمره مع الحجّاج ] وفى هذه السنة دخل شبيب الكوفةَ ومعه زوجتُهُ غزَّالة . * ذكر الخبر عن دخولِه الكوفة وما كان من أمرِهِ وأمرِ الحجَّاج بها والسبب الَّذى دعا شبيبًا إلى ذلك : وكان السبب فى ذلك - فيما ذكر هشامٌ، عن أبى مِخنّف، عن عبد الله ابنِ علقمة، عن قبيصة بنِ عبد الرحمن الخَشْعمىّ - أنّ شبيبًا لمَّا قُتِل صالحُ بنُ مسرّح بالمديَّج وبايعه أصحابُ صالح ، ارتفع إلى أرض الموصل ٨٩٣/٢ فلقىَ سلامة بن سيَّار بن المضاء التَّيْمىّ تَيْم شيبان، فدعاه إلى الخروج معه، وكان يعرفه قبل ذلك إذ كانا(١) فى الدّيوان والمغازى، فاشترط عليه سلامةُ أن ينتخِب ثلاثين فارسًا ، ثم لا يغيب عنه إلّ ثلاث ليال عددًا. ففعل ، فانتَخب ثلاثين فارسًا، فانطلق بهم نحو عنّزة، وإنَّما أرادهم ليشفى نفسَه منهم لقتلهم أخاه فتَضالة ، وذلك أنّ فضالة كان خرج قبل ذلك فى ثمانية عشر نَفْسًا حتَّى نزل ماءً يقال له الشَّجَرَة من أرضِ الجبال ، عليه أثَلة عظيمة ، وعليه عَشَّزة ، فلمَّا رأتْه عَنَزة قال بعضهم لبعض : نقتلهم ثمّ نغدو بهم إلى الأمير فنُعطَى ونُحَى، فأجمعوا على ذلك، فقال بنو نصر أخوالُه: لَعَمر الله لا نساعدكم على قتل ولَدنا . فنهضتْ عَنَزَةُ إليهم فقاتلوهم فقتلوهم ، وأتَّوا برءوسهم عبدَ الملك بنَ مروان ، فلذلك أنْزلهم بانقيًا ، وفرض لهم ، ولم تكن لهم فرائضُ قبلَ ذلك إلّا قليلة ، فقال سلامة بنُ سيّار، أخو فضالة يذكر قتل أخيه وخذلان أخواله إيّاه : ومَا خِلْتُ أَخْوَالَ الفَتَى يُسلمونَهُ لِوَقْع السلاح قبلَ ما فَعَلتْ نَصْرُ قال : وكان خروج أخيه فَضالةَ قبل خروج صالح بنِ مسرّح وشسبیب . (١) كذا فى ا، وفى ط: ((كان)). ٢٢٥ سنة ٧٦ فلمَّا بايع سلامةُ شبيباً اشترط عليه هذا الشرط ، فخرج فى ثلاثين فارسًا حتَّى انتهى إلى عنزة، فجعل يقتل المحلَّة منهم بعد المحلة حتى انتهى ٨٩٤/٢ إلى فريق منهم فيهم خالته ، وقد أكبَّت على ابنٍ لها وهو غلام حين احتلم، فقالت وأخرجتْ ثديتَها إليه : أنشدك برَحم هذا يا سلامة ! فقال : لا واللّه، ما رأيتُ فضالة مذ أناخ بعُمْر الشَّجرة - يعنى أخاه - لتقومِنّ عنه، أو لأجْمَعَنّ حافَّتكِ بالرّمح، فقامت عن ابنها عند ذلك فقتّله . قال أبو مخنف : فحدثنى المفضّل بن بكر من بنى تَتِم بنٍ شيبان أنّ شبيباً أقبل فى أصحابه نحو رَاذانَ، فلمَّا سمعتْ به طائفة من بنى تيم ابنِ شيبانَ خرجوا هُرّاباً منه، ومعهم ناس من غيرهم قليل ، فأقبلوا حتى نزلوا دير خرّزاد إلى جنب حَوْلايا، وهم نحو من ثلاثة آلاف ، وشبيب فى نحو من سبعين رجلا أو يزيدون قليلا ، فنزل بهم ؛ فهابوه وتحصّنوا منه. ثمّ إنّ شبيباً سَرَى فى اثنى عشرَ فارسًا من أصحابه إلى أمه، وكانت فى سَفْحِ ساتيدَمَا نازِلةً فى مَظلّة من مظالّ الأعراب: فقال: لآتينّ بأمّى فلأجعلنّها فى عسكرى فلا تفارقنى أبداً حتَّى أموتَ أو نموت. وخرج رجلان من بنى تيم بن شيبانَ تخوَّفاً على أنفسِهما فنزلا من الدّير ، فلَحِقا بجماعة من قومهما وهم نُزول بالجالِ منهم على مسيرة ساعة من النهار ، وخرج شبيبٌ، فى أولئك الرّهط فى أوّلهم وهم اثنا عشر، يريد أمَّه بالسفح، فإذا ٨٩٥/٢ هو بجماعة من بنى تَيْم بن شيبان غارّين فى أموالهم مقيمين ، لا يرَوْن أنّ شبيبًا يمرّ بهم لمكانِهم الَّذى هم به ، ولا يشعر بهم ، فحمل عليهم فى فَرْسانه تلك، فقتل منهم ثلاثين شيخًا؛ فيهم حَوْثرةُ بنُ أسد ووَبرة بن عاصم اللَّذان كانا نَزَلا من الدَّير، فلحقا بالجبال ، ومَضى شبيب إلى أمه فحملتها من السَّفَح ، فأقبل بها ، وأشرف رجلٌ من أصحاب الدّير من بكر بن وائل على أصحابٍ شبيب ، وقد استَخلف شبيب أخاه على أصحابه مصاد بن يزيد، ويقال لذلك الرّجل الَّذى أشرف عليهم سلاّمُ بن حيان ، فقال لهم: يا قوم، القرآن بيننا وبينكم، ألم تسمعوا قول الله: ﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ المُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلاَمَ اللّهِ ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ﴾ . ٢٢٦ سنة ٧٦ قالوا : بلى ، قال لهم: فكفّوا عنَّا حتَّى نُصبح، ثمّ نخرج إليكم على أمان لنا منكم ، لكيلا تعرضوا لنا بشىء نكرهه حتَّى تعرضوا علينا أمركم هذا، فإن نحن قَبلناه حرُمتْ عليكم أموالنا ودماؤنا ، وَكنَّا لكم إخوانًا ، وإن نحن لم نقبلْه ردد تمونا إلى مأمننا، ثمّ رأيتم رأيكم فيما بيننا وبينكم؛ قالوا لهم: فهذا لكم . فلما أصبحوا خرجوا إليهم ، فَعَرض عليهم أصحابُ شبيب قولتهم ، ووصفوا لهم أمرهم ، فقَبِلوا ذلك كلَّه ، وخالطوهم، ٨٩٦/٢ ونزلوا إليهم، فدخل بعضُهم إلى بعض ، وجاء شبيب وقد اصطلحوا ، فأخبرَه أصحابُه خبرَهم ، فقال: أصَبتم ووُفّقتم وأحستم . ثمّ إن شبيبًا ارتحل فخرجت معه طائفة وأقامتْ طائفةٌ جانحة، وخرج يومئذ معه إبراهيمُ بنَ حَجَرَ المحلَّمىّ أبو الصُّقير كان مع بنى تَّم بن شيبان نازلاً فيهم ، ومضى شبيب فى أدانى أرض المَوْصل وتخُوم أرض جُوخَى ، ثمّ ارتفع نحو أذربيجانَ، وأقبل سفيان بن أبى العالية الخَشْعمىّ فى خيل قد كان أمر أن يدخل بها طَبَرَسْتان ، فأمِر بالقُقولِ ، فأقبلَ راجعًا فى نحو من ألف فارس ، فصالح صاحب طَبرستانَ . قال أبو مخنف: فحدّثّنى عبدُ اللّه بنُ علقمة عن سفيان بن أبى العالية الخثعمىّ أنّ كتاب الحجّاجِ أتاه: أما بعد، فسرْ حتّى تنزل الدّسكرة فيمن معك ، ثمّ أقِم حتَّى يأتيَك جيشُ الحارث بن عميرة الهَمْدانىّ بن ذى المشعار، وهو الَّذى قََّل صالحَ بن مسرّح وخيل المناظر، ثمّ سِرْ إلى شبيب حتَّى تُناجزَه . فلمَّ أتاه الكتابُ أقبَل حتَّى نزل الدّسكرة ، ونُودِىَ فى جيشِ الحارثِ بنِ عميرة بالكوفة والمدائن: أنْ بَرِئت الذّمَّة من رجل من جيش الحارث بن عميرة لم يُواف سُفيان بن أبى العالية بالدّسْكرة. قال : فخرجوا حتَّى أتوه ، وأتته خيلُ المناظر ، وكانوا خمسمائة ، عليهم سَوْرة بن أبْجَرَ التميمىّ من بنى أبتَان بنِ دارم ، فوافَوْه إلا نحوًا من خمسين رجلا تخلَّفوا عنه، وبعث إلى سُفيان بن أبى العالية ألّ تبرح العسكر حتَّى آتيك. فعجل سفيانُ فارتحل فى طلب شبيب، فلَحِقه ٨٩٧/٢ بخانِقِين فى سَفْح جبل على ميمنته خازمُ بن سُفيان الخثعمىّ من بنى ٢٢٧ سنة ٧٦ عمرو بن شَهْران، وعلى ميسرته عدىّ بن عميرة الشَّيبانىّ، وأَصَحَر لهم شبيب، ثم ارتفع عنهم حتَّى كأنَّه يكره لقاءه، وقد أكمن له أخاه مصادًا معه خمسون فى هَزْم(١) من الأرض . فلمَّا رأوْه جَمَعَ أصحابَه ثُمَّ مضى فى سفح الجبل مُشرّقًا فقالوا: هرب عدوّ اللّه فاتَّبعوه، فقال لهم عدىّ بن عميرة الشَّيانىّ: أيّها الناس ، لا تعجلوا عليهم حتَّى نَضرب فى الأرض ونسير بها ، فإن يكونوا قد أكمنوا لنا كمينًا كنّا قد حَذَ رْناه، وإلّ فإنّ طلبهم لن يفوتنا. فلم يسمع منه الناس، وأسرعوا فى آثارهم. فلمَّا رأى شبيب أنَّهم قد جازوا الكَمِينَ عَطَف عليهم. ولما رأى الكمينُ أن قد جاوَزُوهم خرجوا إليهم ، فحمل عليهم شبيب من أمامهم ، وصاح بهم الكمين من ورائهم ، فلم يقاتلهم أحد ، وكانت الهزيمة ، فثبت ابنُ أبي العالية فى نحو من مائتى رجل ، فقاتلهم قتالا شديدا حسنًا؛ حتَّى ظنّ أنَّه انتصف من شبيب وأصحابه . فقال سُويد بن سُليم لأصحابه: أمِنْكم أحد يَعرف أميرَ القوم ابن أبى العالية؟ فوالله لئن عَرَفْتُهُ لأجهدَنّ نفسى فى قتْلِهِ ، فقال شبيبٌ: أنا مِن أعرَف الناس به، أما تسَرَى صاحب الفرس الأغرّ الَّذى دونَه المُرامية! فإنَّه ذلك، فإن كنت تريدُه ٨٩٨/٢ فأمهِلْه قليلاً. ثمّ قال: يا قعنب، اخرج فى عشرين فأتهم من ورائهم ، فخرج قعنب فى عشرين فارتفع عليهم . فلمّا رأوه يريدُ أن يأتيتَهم من ورائهم جعلوا يتنقّضون ويتسلَّلون، وحمل سُوَيَد بنُ سُليم على سُفيان بن أبى العالية فطاعنه، فلم تصنع رُمْحاهما شيئًا ، ثم اضطربا بِسَيْفيهما ثُمَّ اعتنق كل منهما صاحبه ، فوقعا إلى الأرض يعتركان ؛ ثم تحاجزوا وحمل عليهم شبيب فانكشفوا ، وأتى سُفْيان غلامٌ له يقال له غَزْوان، فنزل عن بِرْذَونه، وقال: اركبْ يا مولاى، فَرَكب سفيان، وأحاط به أصحاب شبيب، فقاتَل دونَه غَزْوان فقُتل ، وكانت معه رايتُه. وأقبل سُفيانُ بن أبى العالية حتَّى انتهى إلى بابل مَهْرُوذ، (١) الهزم: ما اطمأن من الأرض. ٢٢٨ سنة ٧٦ فنزل بها ، وكتب إلى الحجّاج : أمَّا بعد، فإنى أخبر الأميرَ أصلحه الله أنى اتّعت هذه المارقةَ حتَّى لحِقِتُهُم بخانِقِين فقاتلتهم ، فضرَبَ اللّه وجوههم ، ونصرنا عليهم ، فبينا نحن كذلك إذْ أتاهم قوم كانوا غُيِّبًا عنهم ، فَحملوا على الناس فهزموهم ، فنزلتُ فى رجال من أهل الدّين والصّبر فقاتلتهم ، حتَّى خررتُ بين القتلى ، فَحُمِلت مرتشًّا، فأتى بى بابل مهروذ، فهأنذا بها والجند الَّذين وجَّههم إلىّ الأمير وافَوا إلا سَوْرَةَ بن أبْجَر فإنه لم يأتى ولم يشهد معى حتّى إذا ما نزلت بابل مَهْروذ أتانى يقول ما لا أعرف (١)، ويعتذر بغير العُدْر. والسلام. فلمَّا قرأ الحجَّاجُ الكتاب قال: مَنْ صنع كما صنع هذا، وأبلى كما أبلى فقد أحسن . ثم كتب إليه : ٨٩٩/٢ أمَّا بعد ، فقد أحسَنْتَ البلاء، وقضيتَ الَّذى عليك، فإذا خَفّ عنك الوجع فأقبيل مأجورًا إلى أهْلِك . والسلام. وكتب إلى سَوْرة بن أبيجَر : أمَّا بعد فيابن أمّ سَوْرَة ، ما كنتَ خليقاً أن تجترئ على ترك عهدی وخذلان جُندى، فإذا أتاك كتابى فابعث رَجُلًا ممَّن معك صَليبًا إلى الخيل الَّتِى بالمدائن، فلينتخب منهم خمسمائة رجل، ثمّ ليُقدم بهم عليك، ثمّ سِرْ بهم حتَّى تَلقى هذه المارقة، واحزمْ فى أمرك، وكدْ عدوّك، فإنّ أفضل أمر الحرب حسن المكيدة . والسلام . فلمَّا أتَى سَوْرةَ كتابُ الحجّاجِ بعث عدىّ بن عميرة إلى المدائن، وكان بها ألفُ فارس، فانتَخب منهم خمسمائة، ثمّ دخل على عبد الله بن أبى عُصَيْفِير - وهو أميرُ المدائن فى إمارته الأولى - فسلّم عليه، فأجازه بألف درهم، وحمله على فرس، وكساه أثوابًا. ثم إنَّه خرج من عنده ، فأقبل بأصحابه حتّى قدم بهم على سَورة بن أبجر ببابل متَهْروذ ، فخرج فى طلب شبيب، وشبيب(٢) (١) ب، ف: ((أعرفه)). (٢) ا: ((وخرج شبيب)). ٢٢٩ سنة ٧٦ يَجُول فى جُوختى وسَوْرة فى طَلبه، فجاء شبيب حتَى انتهى إلى المدائن، فتحصَّن منه أهلُ المدائن وتحرّزوا ، ووهى أبْنية المدائن الأولى ، فدخل المدائن، فأصاب بها دوابَّ جندٍ كثيرة(١)، فقتل مَنْ ظهر له ولم يدخلُوا البيوت، فأتِىَ فقيل له : هذا سَوْرة بنُ أيجر قد أقبَل إليك، فخرج فى أصحابه ٩٠٠/٢ حتَّى انتهى إلى النَّهرَوان، فنزلوا به وتوضّئِوا وصدُّوا، ثمّ أَتَوْا مصارعَ إخوانهم الذين قَتَّلَهم علىّ بنُ أبى طالب عليه السلام، فاستغفروا لإخوانهِم، وتبرّءُوا من علىّ وأصحابِهِ، وبكوْا فأطالوا البكاءَ ، ثم خرجوا فقطعوا جِسْرَ النَّهرَوان ، فنزلوا من جانِبِه الشرقىّ، وجاء سَوْرة حتَّى نزل بقطرانا، وجاءته عُيُونه فأخبرتْه بمنزل شبيب بالنَّهروان ، فدعا رءوس أصحابِهِ فقال: إنَّهم قدَّمَا يُلْقَون مُصحِرين أو على ظَهر إلّا انتصفوا منكم ، وظهروا عليكم ، وقد حُدَّتْت أنَّهم لا يزيدون على مائة رجل إلّا قليلا، وقد رأيتُ أن أنتخبكم فأسيرَ فى ثلثمائة رجل منكم من أقويائكم وشُجْعانكم فآتِيهم الآن إذْ هم آمنون لبسَياتِكم ؛ فوالله إنى لأرجو أن يصرعهم الله مصارع إخوانهم الَّذين صُرْعوا منهم بالنَّهروان مِن قبلُ . فقالوا: اصْنع ما أحببتَ . فاستعمل على عسكره حازم بنَ قُدامة الخثعمىّ ، وانتخب من أصحابه ثلثمائة رجل من أهل القوّة والجَلَد والشَّجاعة، ثمّ أقبَل بهم نحو النَّهروان، وبات شبيب وقد أذكى الحَرَس، فلمَّا دنا أصحابُ سَوْرة منهم نَذِروا بهم، فاستمَووا على خُيوهم وتعبَّوا تعبيتهم . فلمَّا انتهى إليهمْ سَوْرة وأصحابُه أصابوهم قد حذروا واستعدّوا ، فحمل عليهم سورة وأصحابه فثبتوا لهم، وضَارَبوهم حتَّى صدّ عنهم سَوْرة وأصحابه ، ثمّ صاح شبيب بأصحابه ، فحمل عليهم حتَّى تركوا له العرصة ، وحملوا عليهم معه، وجعل شبيب يتضرب ويقول : ٩٠١/٢ من يَنْكِ العَيْرَ يَنِكْ نَيَّاكَا جَنْدَتَانِ اصْطَكَّتَا أَصِكَاكَا فَرجِع سَوْرة إلى عسكره وقد هُزم الفُرْسان وأهلُ القُوّة، فتحمَّل بهِم حتَّى أقبل بهم نحوَ المدائن ، فدفع إليهم وقد تَحمّل وتعدّى الطريق الذى (١) !: ((فأصاب دواب من دواب الجند)). ! ٢٣٠ سنة ٧٦ فيه شبيب ، واتبعه شبيب وهو يرجو أن يلحقه فيُصيب عسكره ، ويصيب بهزيمته أهل العسكر، فأغَذَّ السير فى طلبهم، فانتهوا إلى المدائن فَدخلوها، وجاء شبيب حتَّى انتهى إلى بيُوت المدائن ، فدفع إليهم وقد دخل الناس ، وخرج ابنُ أبى عُصَيْغِير فى أهل المدائن فرماهم الناس بالنَّبْل، ورُمُوا من فوق البيوت بالحجارة ، فارتفع شبيب بأصحابه عن المدائن ، فمرّ على كِلِوَاذَا فأصاب بها دواب كثيرةً للحجاج فأخذ ها، ثمّ خرج يسيرُ فى أرض جُوختى، ثم مضى نحو تَكْريت، فبينا ذلك الْجُنْد فى المدائن إذ أرجفَ الناسُ بينهم ، فقالوا : هذا شبيب قد دنا، وهو يريد أن يبيِّت أهلَ المدائن اللَّيلة ، فارتّحَل عامَّة الجُنْد. فَلَحِقوا بالكوفة. قال أبو مخنف: وحدّنى عبدُ اللّه بنُ عَلْقمة الخَشْعمىّ، قال: والله ٩٠٢/٢ لقد هربوا من المدائن وقالوا: نُبيَّّتُ اللَّيلة، وإنّ شبيبًا لَبتكبريتَ، قال: ولمَّا قَدَمِ الفَلّ على الحَجَّاج سرَّح الجنَزْل بن سعيد بن شُرَحبيل بن عمرو الكندىّ. قال أبو مخنف: حدّثنا النَّضر بنُ صالح العَبْسىّ وفُضيلُ بنُ خَذَيج الكندى" أنّ الحجّاجِ لمَّا أتاه الفَلَ" قال: قبح اللّه سَوْرة! ضَيِّح العسكر والجُنْد، وخرج يبيِّت الخَوارِج، أمَّا والله لأسُوءنَّه، وكان بعدُ قد(١) حَيَسَةَ ثمّ عفا عنه. قال أبو مخنف : وحدثنى فضيل بن خديج أنّ الحجّاج دعا الجزل - وهو عثمان بنُ سعيد - فقال له: تيسّر للخروج إلى هذه المارقة، فإذا لقيتتَهم فلا تعجلْ عجلةَ الخَرِق، ولا تُحجِمِ إحجامَ الوانى الفَرِق، هل فهمتَ ؟ للّه أنتَ يا أخا بنى عمرو بن معاوية! فقال: نعم أصلح الله الأمير قد فهمت ؛ قال له : فاخرج فعسكِر بديْر عبد الرحمن حتى يخرج إليك الناس ، فقال: أصلَحَ اللّه الأمير! لا تبعثنَّ معى أحداً من أهل هذا الجُنْد المفلول المهزوم ، فإنَّ الرعب قد دخل قلوبتهم ، وقد خشيتُ أَلّ ينفعك والمسلمين منهم أحد؛ قال له : فإنّ ذلك لك، ولا أراك إلاّ قد أحسنْتَ الرأى ووُفَّقْتَ . ثمّ دعا أصحابَ الدّواوين فقال: اضربوا على ٤ (١) أ: ((بعده )). ٢٣١ سنة ٧٦ الناس البَعْث، فأخرجوا أربعة آلاف من الناس ، من كلّ رُبع ألف رجل ، وعجِّلوا ذلك، فجُمِعت العُرفاء، وجلس أصحابُ الدّواوين ، وضربوا البعث فأخرجوا أربعةَ آلاف، فأمرهم بالعسكر فمَسْكروا، ثمَّ نودى ٩٠٣/٢ فيهم بالرّحيل، ثم ارتحلوا ونادى منادى الحَجَّاج: أن بَرئت الذّة من رجل أصبْناه من هذا البعث متخلَّفاً؛ قال: فمضى الجَزْل بنُ سعيد، وقد قدم بين يديه عياض بن أبى لينة الكندىّ على مُقُدّمّته، فخرج حتَّى أتى المدائنَ ، فأقام بها ثلاثًا، وبعث إليه ابنُ أبي عُصَيْفير بفرس وبِرْذَوْن وبغلين وألفىْ درهم ، ووضع للناس من الجزر والعلف ما كفاهم ثلاثة أيام حتى ارتحلوا ، فأصاب الناس ما شاءوا من تلك الجزر والعَلف الَّذى وَضَعَ لهم ابْنُ أبى عُصيْفير. ثمَّ إِنّ الجزل بنَ سعيد خرج بالناس فى أثر شبيب، فطَلَبه فى أرض جُوخَى، فجعل شبيب يُريه الهيبة ، فيخرج من رُسْتاق إلى رُسْتاق، ومن طَسّوج إلى طَسْوج، ولا يقيم له إرادة أن يفرّق الجزل أصحابه، ويتعجّل إليه فيلقاه فى يسير من الناس على غير تعبية، فجعل الجنَزْل لا يسير إلّا على تعبية ، ولا ينزل إلّا خندق على نفسه خندقاً، فلمَّا طال ذلك على شبيب أمرَ أصحابه ذاتَ ليلة فسرَوْا . قال أبو مخنف : فحدّثْنى فروة بنُ لقيط أنّ شبيبًا دعانا ونحن بدير بيرما ستون ومائة رجل ، فجعل على كلّ أربعين من أصحابه رجلا، وهو فى أربعين، وجعل أخاه مصادًاً فى أربعين ، وبعث سُوَيَد بن سُليم فى أربعين، وبعث المحلّل بن وائل فى أربعين، وقد أتتْه عيونُه فأخبرتْه أنّ الجزل بن ٩٠٤/٢ سعيد قد نزل ديرَيَزْدَ جِرْد، قال: فدعانا عند ذلك فعبًانا هذه التعبية، وأمرنا فعلَّقْنا على دوابنا، وقال لنا : تيسَّروا فإذا قضمتْ دوابُكم فاركبوا، ولْسر كلّ امرئُ منكم مع أميره الَّذى أمَّرناه عليه ، ولْينظر كل امرئ منكم ما يأمرُه أميرُه فليتَّبعه. ودعا أمراءنا فقال لهم: إنى أريد أن أبيت هذا العسكرَ اللَّيلة، ثم قال لأخيه مصاد: إيتهم فارتفعْ من فوقهم حتَّى تأتيتهم من ورائهم من قِبَل حُلوان ، وسآتيهم أنا من أمامى من قِبَل الكوفة ، وأتِهم أنتَ يا سُوَيَد من قِبَل المشرق، وأتيهم أنتَ يا محلّل من قِبَل المعرب، ولْتَلِج ٢٣٢ سنة ٧٦ كلّ امرئ منكم على الجانب الَّذى يحمل عليه ، ولا تُقلِعوا عنهم، تحملون وتكرّون عليهم، وتصيحون بهم حتَّى يأتيكم أمری . فلم نزل على تلك التعبية، وكنتُ أنا فى الأربعين الَّذين كانوا معه ، حتى إذا قَضِمتْ دوابتنا - وذلك أوّل اللَّيل أوّل ماهدأت العيون - خرجْنا حتى انتهينا إلى دَيْر الحرّارة، فإذا للقوم مَسلّحة ، عليهم عِياض بنُ أبى لينة ، فما هو إلا أن انتهينا إليهم، فحَمَل عليهم مصاد أخو شبيب فى أربعين رجلا ، وكان أمام شبيب ، وقد كان أراد أن يَسبِقِ شبيبًا حتَّى يرتفع عليهم ويأتيهم من ورائهم كما أمره ، فلمَّا لفىَ هؤلاء قاتلهم فصبروا ساعةً ، وقاتلوهم ، ثم إنَّا دفعنا إليهم جميعاً، فَحَمَلْنا عليهم فهزمناهم ، وأخذوا الطريق ٩٠٥/٢ الأعظم، وليس بينهم وبين عسكرهم بدَيْر يَزْدَ جرد إلا قريب من ميل. فقال لنا شبيب : اركبوا معاشر المسلمين أكتافهم حتَّى تدخلوا معهم عسكرهم إن استطعتم؛ فاتّبعناهم واللّه مُلِظُّين(١) بهم، ملحِين عليهم، ما نرفّه عنهم وهم منهزمون، ما لهم همّة إلّا عسكرهم، فانتهوا إلى عسكرهم، ومنعهم أصحابُهم أن يدخلُوا عليهم، ورَشَقونا بالنَّبْل، وكانت عيون لهم قد أتتْهم فأخبرتْهم مكاننا ، وكان الجنَزْل قد خندق عليه ، وتحرّز ووضع هذه المسلحة الَّذين لقِيناهم بدَيْر الخرّارة، ووَضَع مسلحةً أخرى ممَّا يلى حُلوان على الطريق، فلمَّا أن دفعنا إلى هذه المسلحة التى كانت بدير الحرّارة فألحقْناهم بعسكر جماعتهم ورجعت المسالح الأخر حتى اجتمعت ، منعها أهل العسكر دخول العسكر وقالوا لهم : قاتِلوا، وانضحوا عنكم بالنّبل. قال أبو مخنف : وحدثنى جَرير بن الحسين الكندىّ، قال : كان على المسلحَتَيْنِ الأخْريَيْن عاصمُ بنُ حجر على الَّتِى تلى حُلْان، وواصلُ ابنُ الحارث السَّكونىّ على الأخرى. فلمَّا أن اجتمعتْ المَسالحُ جَعل شبيبٌ يَحْمل عليها حتَّى اضطرّها إلى الخندق، ورَشَقتَهم أهلُ العسكر بالنَّبل حتَّى ردّوهم عنهم . فلمَّا رأى شبيب أنَّه لا يصل إليهم قال لأصحابه : سِيروا وَدَعُوهم، فمضى على الطريق نحو حُلْوان حتّى إذا كان قريباً (١) ملظّين، بمعنى ملحين. - سنة ٧٦ ٢٣٣ من موضع قِباب حسين بن زُفَر من بنى بَدْر بن فزارة - وإنَّما كانت قبابُ حُسين بن زُفَر بعد ذلك - قال: لأصحابه: انزلوا فاقضِموا وأصلحوا ٩٠٦/٢ نَبَلتَكم وتروّحوا وَصَلّوا ركعتين، ثمّ اركبوا؛ فنزلوا ففعلوا ذلك. ثمّ إنَّه أقبل بهم راجعًا إلى عسكر أهل الكوفة أيضًا ، وقال: سيروا على تعبيتِكم الَّتِى عبَّأتكم عليها بديربِيرما أوّل الليل ، ثمّ أطيفوا بعسكرهم كما أمرتُكم ، فأقبلوا . قال: فأقبَلْنا معه وقد أدخل أهلُ العسكر مَسَالِحهم إليهم ، وقد أمَّنونا فما شعروا حتى سمعوا وَقع حَوَافِر خيولنا قريبًا منهم ، فانتهينا إليهم قُبيلَ الصّبح فأحتَطْنا بعسكرهم، ثم صيّحنا (١) بهم من كلّ جانب، فإذا هم يُقاتلوننا من كلّ جانب، ويرموننا بالنَّبل. ثم إنّ شبيباً بعث إلى أخيه مصاد وهو يقاتلهم من نحو الكوفة أنْ أقبِل إلينا وخلَّ لهم سبيل الطريق إلى الكُوفة ، فأقبل إليه ، وترك ذلك الوجه ، وجعلنا نقاتلهم من تلك الوجوه الثلاثة ؛ حتَّى أصبحْنا ، فأصبحنا ولم نستفل منهم شيئًا ، فسرنا وتركناهم ، فجعلو يصيحون بنا: أين يا كلاب النار ! أينَ أيَّتها العصابة المارقة! أصبحوا نخرجْ إليكم ، فارتفعنا عنهم نحواً من ميل ونصف، ثم نزلْنا فصلّينا الغداةَ، ثمّ أخذْنا الطريق على براز الرُّوذ، ثمّ مَضينا إلى جَرجَرايا وما يليها، فأقبلوا فى طلبنا. قال أبو مخنف: فحدّثنى مولى لنا يُدعى غاضرة أو قيصر، قال: كنت مع الناس تاجرًا وهم فى طلب الحرورية، وعلينا الجَزْل بنُ سعيد، فجعل ٩٠٧/٢ يتبعهم فلا يسير إلّا على تعبية، ولا ينزل إلا على خندق ، وكان شبيبٌ يبدعه ويضرب فى أرض جُوختى وغيرها يكسر الخَراج، وطال ذلك على الحجَّاج ، فكتب إليه كتابًا ، فقرئ على الناس : أما بعد ، فإنى بعثتُك فى فرسان أهل المِصر ووجوه الناس ، وأمرتُك بإتباع هذه المارقة الضّالة المُضلَّة حتَى تلقاها، فلا تُقلِيح عنها حتَّى تقتلها وتُفنيها؛ فوجدتَ التعريسَ فى القُرَى والتَّخيمَ فى الخنادق أهوَن عليك من المُضىّ لما أمرتك به من مناهضتهم ومناجزتِهم. والسَّلام. فقرىُ الكتابُ علينا ونحن بقطرانا ودَيْر أبى مَسَرْيم، فشَقّ ذلك على (١) : ((صنا» ٢٣٤ سنة ٧٦ الجَزْل، وأمر الناسَ بالسِّير، فخرجوا فى طلب الخوارج جادّين، وأرجَقنا بأميرنا وقلنا : يُعزّل . قال أبو مخنف : فحد ◌ّثّنى إسماعيلُ بنُ نعيم الهَمْدانىّ ثمّ البُرُسمِىّ أنّ الحجّاج بعثَ سعيد بن المجالد على ذلك الجيش، وعتَهِد إليه إن لقيتَ المارقة فازحفْ إليهم ولا تُناظرْهم ولا تُطاولْهم وواقِفِيْهم واستَعِن باللّه عليهم ، ٩٠٨/٢ ولا تصنع صنيع الجَزْل، واطلبهم طلبَ السَّبِعِ، وحِدْ عنهم حَيَّدَان الضَّبع. وأقبلَ الجَزْل فى طلب شبيب حتَّى انتهوا إلى النَّهْرَوَان فأدركوه فلزم عسكرَه ، وخندق عليه. وجاء إليه سعيدُ بن المجالد حتَّى دخل عسكرَ أهل الكوفة أميرًا، فقام فيهم خطيبًا فحمد الله وأثْنَى عليه ثمّ قال : يا أهلَ الكوفة، إنَّكم قد عجزتم ووَهَنَّمْ وأغضَبتم عليكم أميركم . أنتم فى طلب هذه الأعاريب العُجْف منذ شهرين ، وهم قد خرّبوا بلادكم، وكسروا خراجكم ، وأنتم حاذرون فى جَوْف هذه الخنادق لا تزايلونها إلا أن يبلغکم أنهم قد ارتحلوا عنكم، ونزلوا بلدًا سوى بلدكم،فاخرجوا على اسم الله إليهم . فخرج وأخرج الناس معه ، وجمع إليه خيول أهل العسكر ، فقال له الجزل : ما تريد أن تصنع ؟ قال : أريد أن أقدم على شبيب فى هذه الخيل ، فقال له الجنَزْل: أقمْ أنت فى جماعة الجيش؛ فارسهم وراجلهم، وأصحِرْ له؛ فوالله ليقدمنّ عليك، فلا تُفرّق أصحابك؛ فإنّ ذلك شرّ لهم وخيرٌ ك. فقال له : قف أنت فى الصّفّ ، فقال : يا سعيد بن مجالد ، ليس لى فيما صنعتَ رأى، أنا بريءٌ من رأيك هذا، سَمِع اللّهُ ومَن حضر من المسلمين. فقال: هو رأيى إن أصبتُ؛ فاللّه وفَّقنى له، وإن يكن غيرَ صواب فأنتم منه براء ، قال : فوقف الجنزّل فى صفّ أهل الكوفة وقد أخرجهم من الخندق، وجعل على ميمنتهم(٢) عياض بن أبى لينة الكندىّ، وعلى ميسرتهم عبد الرحمن بن عوف أبا حُميد الرّواسيّ ، ووقف الجزل فى جماعتهم (١) ب، ف: ((كصنيع)). (٢) ا: ((ميمنته)). ٢٣٥ سنة ٧٦ واستقدم سعيد بن مجالد، فخرج وأخرج الناسَ معه، وقد أخذ شبيبٌ إلى ٩٠٩/٢ بَرَاز الرُّوز، فنزل قَطُقْتا (١)، وأمر دهْقَانَها أن يشترَى لهم ما يُصلحهم، ويتّخذ لهم غداءَ، ففعل، ودخل مدينة قَطُفتا (١) وأمر بالباب فأغلِقِ ، فلم يفرغ من الغداء حتى أتاه سعيد بنُ مجالد فى أهل ذلك العسكر ، فصعد الدّهقان السور فنظر إلى الجُنْد مقبلين قد دفَوا من حِصْنه ، فنزل وقد تغيّر لوفُه، فقال له شبيب: ما لى أراك متغيّر اللون! فقال له الدّهقان: قد جاءتك الجنود من كلّ ناحية ، قال: لا بأس ، هل أدرَك غداؤنا ؟ قال: نعم ، قال : فقرّبْه، وقد أغلَق الباب، وأنِىَ بالغداء، فتغدَّى وتوضأ وصلَّى ركعتين ، ثم دعا ببغل له فركبه . ثمّ إنَّهم اجتمعوا على باب المدينة، فأمر بالباب فَفُتح، ثمّ خرج على بغله فحمل عليهم. وقال: لا حكمَ إلّا لِلحَكَم الحكيم، أنا أبو مدلّه ، أثبتوا إن شئتم. وجعل سعيد يجمَعَ قومه وخيلَه، ويُزْلِفِها (٢) فى أثره، ويقول: ما هؤلاء! إنَّما هم أكلَةُ رأس ، فلمَّا رآهم شبيب قد تقطعوا وانتشروا لفَّ خيله كلَّها، ثمّ جمعها، ثم قال(٣): استعرضوهم استعراضًا، وانظروا ٩١٠/٢ إلى أميرهم، فوالله لأقتلنّه أو يقتلنى. وحمل عليهم مستعرضًا لهم، فهَزَمهم وثبت سعيد بن المجالد ، ثمّ نادى أصحابه: إلىّ إلىّ، أنا ابن ذى مُرّان! وأخذ قَتْسُوَتَه فوضعها على قَرَبَوس سَرْجُه، وحَمَل عليه شبيب فعمَّمه بالسيف ، فخالط دماغَه ، فخرّ ميتًا ، وانهزم ذلك الجيش ، وقتلوا كلّ قِتْلة، حتَّى انتهوا إلى الجَزْل، ونزل الجزل ونادى: أيها الناس، إلىّ . وناداهم عياضُ بن أبى لينة : أيها الناس ، إن كان أميركم القادم قد هَك فأميركم الميمونُ النَّقيبة المبارك حىّ (٤) لم يتمت، فقاتل الجزل قتالا شديداً حتَّى حُمِل من بين القتلى، فحُمل إلى المدائن مرْتشًا، وقنَدم فلّ أهل ذلك العسكر الكوفة، وكان من أشدّ الناس بلاءً يومئذ خالدُ بن (١) كذا فى ابن أبى الحديد ٤: ٢٤١، وهو الصواب، وانظر مراصد الاطلاع. (٣) ب، ف: ((فقال)). (٢) ا: ((يدلفها)). (٤) ب، ف: ((حى وهو الأمير المبارك)». ٢٣٦ سنة ٧٦ نَهيك من بنى ذُهْل بن معاوية وعياض بن أبى لينة ، حتى استنقذاه وهو مرتَتَ. هذا حديثُ طائفة من الناس ، والحديث الآخرُ قتالهم فيما بين دَيْر أبى مريم إلى براز الرّوز. ثمّ إنّ الجَزْل كتب إلى الحجاج. قال: وأقبَل شبيب حتَّى قطع دجْلة عند الكَرْخ ، وبعث إلى سوق بغداد فآمنهم، وذلك اليوم يوم سُوقهم، وكان بلغه أنَّهم يخافونه، فأحسَبّ أن يؤمّنهم، وكان أصحابُهُ يريدون أن يشتروا من السوق دوابٌ وثياباً وأشياءَ ليس لهم منها بُدّ، ثمّ أخذ بهم نحو الكوفة، وساروا أول الليل حتَّى نزلوا عُقْرِ المَلِكِ الَّذى يلى قصر ابن هُبَيْرة. ثمّ أَغَذَّ السَّيْرَ من الغد، ٩١١/٢ فبات بين حمّام عمر بن سعد وبين قُبِّينّ. فلمَّا بلغ الحجَّاج مكانه بعث إلى سُوَيَد بن عبد الرحمن السعديّ، فبعثه فى ألفىْ فارس نقاوة ، وقال له: اخرْج إلى شبيب فالقه، واجعل ميمنةٌ ومَيَسَرَة، ثمَّ انزل إليه فى الرّجال فإن استطرد ذلك فدعه ولا تتبعه. فخرج فعسكر بالسَّبَخة ، فبلغه أنّ شبيبً قد أقبل ، فأقبل نحوه وكأنَّما يساقُون إلى الموت، وأمر الحجّاج عثمان ابنَ قَطن فعسكَر بالناس بالسَّبَخة(١)، ونادى: ألا بَرئت الذَّمَّة من رجل من هذا الجند باتَ اللَّيلة بالكوفة لم يَخرُج إلى عثمانَ بن قَطَن بالسَّبَخة! وأمر سُوَيَد بن عبد الرحمن أن يسيرَ فى الألفين اللَّذين معه حتَّى يلقى شبيبًا فعَبَر بأصحابه إلى زُرَارة وهو يعبِّئُّهم ويحرّضهم إذ قيل له : قد غشيك شبيب، فنزل ونزل معه جُلُّ أصحابه، وقَدَّم رايته ومضى إلى أقصى زُرارة ، فأخبر أن شبيبًا قد أخبر بمكانك فتركك ، ووجد مخاضةً فعبر الفُرات وهو يريد الكوفة من غير الوجه الَّذى أنت به. ثم قيل له : أما تراهم ! فنادى : فى أصحابه ، فركبوا فى آثارهم . وإنّ شبيبًا أتى دارَ الرّزق(٢)، فنزلها، فقيل: إن أهل الكوفة بأجمعهم معسكرون بالسَّبَخة ، فلمَّا بلغهم مكانُ شبيب صاح (٣) بعضهم ببعض (١) ب، ف: ((فى السيخة)): (٢). ف: ((الزرق)) .. (٣) !: ((ماج)). ٢٣٧ سنة ٧٦ وجالوا، وهَمّوا أن يدخلوا الكوفة حتَّى قيل لهم: إنّ سويد بن عبد الرحمن فى آثارهم قد لحقهم وهو يقاتِلُهم فى الخيل . قال هشام: وأخبرَنى عمرُ بنُ بشير، قال: لمَّا نزل شبيب الدّير أمر ٩١٢/٢ بغَمْ تُهيّأ له، فصَعِدِ الدّ هقان، ثمّ نزل وقد تغيّر لوفُه، فقال : ما لك! قال: قد والله جاءك جمعٌ كثير ؛ قال: أبلَغَ الشّواءُ بعدُ؟ قال: لا، قال: دَعْه. قال: ثمّ أشرف إشرافةً أخرى، فقال: قد والله أحاطُوا بالجَوْسق، قال: هات شواءَك، فجعل يأكل غير مكترث لهم ، فلما فرغ توضّا وصلَّى بأصحابه الأولى، ثمّ تقلّد سَيفين بعدما لبس درْعه، وأخذ عمود حديد ثمّ قال : أسرجوا لى البغلة، فقال أخوه مصاد : أفى هذا اليوم تُسرَج بغلة ! قال : نعم أسرٍجوها ، فركبها ، ثم قال: يا فلان، أنت على المَيْمَنة وأنت يا فلان على الميسرة ، وقال لمصاد : أنت فى القلب ، وأمر الدّ هْقان ففتح الباب فى وجوههم . قال : فخرج إليهم وهو يحكّم ، فجعل سعيد وأصحابه يرجِعون القَهقَرَى حتَّى صار بينهم وبين الدَّير نحوٌ من مِيل. قال: وجعل سعيد يقول: يا معشر هَمْدان، أنا ابن ذى مُرّان، إلىّ إلىّ. ووجَّهُ سِرْباً مع ابنه وقد أحسّ أنَّها تكون عليه ، فنظَر شبيب إلى مصاد فقال: أَنْكَلَنِيك الله إنْ لم أثكله ولده. قال: ثمّ علاه بالعمود، فَسَقَطَ ميتاً، وانهزم أصحابهُ وما قُتِل بينهم يومئذ إلّا قتيل واحد . قال: وانكشف أصحابُ سعيد بن مجالد حتَّى أتوا الجَزْل ، فناداهم الجزل : أيها الناس، إلىّ إلىّ. وناداهم عياض بنُ أبى لينة: أيها الناس، إنْ يكن أميرُكم هذا القادمُ قد هلك فهذا أميرُكم الميمون النقيبة ، أقبلوا إليه ، ٩١٣/٢ وقاتِلوا معه ؛ فمنهم من أقبل إليه ، ومنهم من ركب رأسَه منهزمًا ، وقاتل الجَزْلُ قتالا شديداً حتَى صُرع ، وقاتل عنه خالد بن نهيك وعياض ابن أبى لِينة حتَّى استنقَذَاه وهو مُرْتَثّ، وأقبَل الناسُ منهزمين حتَّى دخلوا الكوفة ، فأتِى بالجَزْل حتى أدخِلِ المدائن، وَكُتب إلى الحجَّاج بن يوسف . قال أبو مخنف : حدّثنى بذلك ثابتٌ مولى زُهير: ٢٣٨ سنة ٧٦ أمَّا بعد، فإنى أخبر الأمير أصلّحه الله أنى خرجت فيمن قبَلى من الجند الَّذى وجَّهنى إلى عدوّه، وقد كنت حفظتُ عهدَ الأمير إلىّ فيهم ورأيتَه ، فكنتُ أخرجُ إليهم إذا رأيت الفُرْصة، وأحبيس الناس عنهم إذا خشيت الوَرْطة ، فلم أزل (١) كذلك، ولقد أرادنى العدوّ بكلّ رِيدة(٢) فلم يُصِب منِ غِرّةً، حتَّى قدم علىّ سعيدُ بن مجالد رحمة الله عليه، ولقد أمرته بالتؤدّة ، ونهيته عن العجلة، وأمرتُه ألّ يقاتلهم إلّ فى جماعة الناس عامَّةٌ فعصانى، وتعجَّل إليهم فى الخيل ، فأشهدتُ عليه أهل المِصْرَيْن أنّى برىءمن رأيه الَّذى رأى، وأنى لا أهوى ما صنع . فمضى فأصيب تجاوز اللّه عنه، ودُفِع الناسُ إلىّ، فنزلتُ ودعوتُهم إلىّ، ورفعتُ لهم رايسَى ، وقاتلتُ حتَّى صُرعتُ ، فحملنى أصحابى من بين القتلى، فما أفقت إلا وأنا على أيديهم على رأسٍ مِيل من المعركة ، فأنا اليومَ بالمدائن فى جراحة قد يموت ٩١٤/٢ الرجلُ من دونها ویعافی من مثلها . فليسأل الأمیر أصلحه الله عن نصيحتی له ولجنده ، وعن مكايدتى عدوّه، وعن موقفى يومَ البأس ، فإنه يستبين له عند ذلك أنى قد صدقتهُ ونصحتُ له . والسلام . فكتب إليه الحجاج : أمَّا بعد ، فقد أتانى كتابُك وقرأته، وفهمتُ كلَّ ما ذكرتَ فيه ، وقد صدّقَتُك فى كلّ ما وصفتَ به نفسَك من نصيحتك الأميرك، وَحَيْطتك على أهلِ مصْرك، وشدّتك على عدوّك، وقد فهمتُ ما ذكرتَ(٣) من أَمر سعيد وعجلته إلى عدوّه، فقد رضيتُ عَجَلَتَه وتُؤَدَتك، فأمَّا عجلته فإِنَّها أفضت به إلى الجنَّة، وأمَّا تُؤَدَ تَبُك فإنَّها لم تَدَع الفرصة إذا أمكنتْ، وترْك الفرصة إذا لم تُمكِنِ حَزْمٌ، وقد أصبتَ وأحسنتَ البلاء، وأُجِرْتَ (٤)، وأنتَ عندى من أهل السمع والطاعة والتَّصيحة ، وقد أشخصتُ إليك حيَّان (١) ب، ف: ((((فإذا لم)). (٢) أى بكل نوع من أنواع الإرادة. وفى ط: ((إرادة)) وأثبت ما فى !. (٣) ب، ف: (ذكرته)). (٤) أجرت ، أى لقيت الأجر. ٢٣٩ سنة ٧٦ ابن أبجر ليداوِيَك ويعالجَ جراحتَك، وبعثتُ إليك بألفَىْ درهم فأنفِقِْها فى حاجتك(١) وما ينويُكَ. والسلام. فقدم عليه حَيّان بنُ أبجر الكنانىّ من بنى فِراس-وهم يعالجون الكتّىَّ وغيره - فكان يداويه، وبعث إليه عبد لله بن أبى عُصَيفير بألف درهم ، وكان يعوده ويتعاهدُه باللَّطَف والهديّة. قال : وأقبل شبيب نحوَ المدائنِ ، فعلم أنّه لا سبيل له إلى أهلها مع المدينة، فأقبل حتَّى انتهى إلى الكرْخ، فعبر دجلة إليه ، وبعث إلى أهل سُوق بَغْداذ وهو بالكَّرْخِ أن اثبتُوا فى سُوقكم فلا بأس عليكم - وكان ذلك يوم سوقهم - وقد كان بلغه أنّهم يخافونه. ٩١٥/٢ قال: ويَخرُج سُويد حتَّى جعل بيوتَ مُزينة وبنى سُلسيم فى ظهره وظهور أصحابه ، وحمل عليهم شبيب حملةً منكرة ، وذلك عند المساء ، فلم يقدر منهم على شىء، فأخذ على بيوت الكُوفة نحو الحيرة ، وأتبعه سُويد لا يفارقه حتَّى قطع بيوتَ الكوفة كلَّها إلى الحيرة ، وأتبعه سُوَيَد حتى انتهى إلى الحيرة ، فيجده قد قَطَعَ قنطرة الحيرة ذاهبًا، فتتركه وأقام حتى أصبح ، وبعث إليه الحجّاج أن أتبعه فأتبعه ، ومَضى شبيب حتَّى أغار فى أسفل الفُرات على من وجد من قَوْمه ، وارتفع فى البرّ من وراء خَفَّان فى أرض يقال لها الغلظة (٢)، فيصيب رجالا من بنى الوِرْثة، فَحمل عليهم ، فاضطرّهم إلى جَدَد من الأرض، فجعلوا يَرْمونه وأصحابه بالحجارة من حجارة الأرحاء كانت حولَهم ، فلَمَّا نَفِدَت وصل إليهم فقتل منهم ثلاثةَ عشر رجلا، منهم حنظلة بن مالك ومالك بن حنظلة وحمران بن مالك ؛ كلّهم من بنى الوِرْثَة . قال أبو مِخَنف: حدّثنى بذلك عطاءُ بنُ عَرْفَجة بن زياد بن عبد الله الوِرثىَّ. ومضى شبيب حتَّى يأتى بنى أبيه على اللصف (ماءٌ لرَهْطه ) وعلى ذلك الماء الفِزْر بنُ الأسود، وهو أحد بنى الصَّلْت، وهو الَّذِى كان يَنهى شبيبًا عن رأيه، وأن يُفسِد بنى عمه وقومِه ، فكان شبيب يقول: والله لئن ملكتُ سبعة أعنَّةَ لأغزُوَنَ الفِزْر. فلمَّا غشيتهم شبيب ٩١٦/٢ (١) ب، ف: ((جراحتك)). (٢) ب، ف: ((العلطة)). ٢٤٠ سنة ٧٦ فى الخيل سأل عن الفِزْر فاتَّقَاه الفِزْر، فخرج على فرس لا تُجارَى من وراء البيوت ، فذهب عليها فى الأرض ، وهرب منه الرجال ، ورجع وقد أخاف أهلَ البادية حتَّى أخذ على القُطقُطانة ؛ ثمّ على قصر مُقَاتِل، ثمّ أخذ على شاطئ الفُرات حتَّى أخذ على الحَصّاصة، ثمّ على الأنبار، ثمّ مضى حتَّى دخلَ دَقُوقاء، ثمّ ارتفع إلى أدانى آذربيجان. فتركه الحجَّاج وخرج إلى البَصْرة، واستَخلَف على الكوفة عروة بن المغيرة بن شعبة ، فما شعر الناس بشىء حتَّى جاء كتابٌ من ماذرواسب دِهْقَان بابل مَهْرُوذ وعظيمها إلى عُروَة بن المغيرة بن شُعْبة أنّ تاجرًا من تجَّر الأنبار من أهل بلادى أتانى فذكَر أنّ شبيبًا يريد أن يدخُل الكوفة فى أوّل هذا الشهر المستقبل ، أحببتُ إعلامَك ذلك لتَرَى رأيك، ثمّ لم ألبث إلّا ساعةً حتَّى جاءنى جابيان من جُباتى فحد ثانى أنَّه قد نزل خانيجار. فأخذ عروة كتابَه فأدْرَجَه وسَرّح به إلى الحجَّاج بالبصرة، فلمَّا قرأه الحجّاج أقبل جوادًا إلى الكُوفة، وأقبَل شبيب يسيرُ حتَّى انتهى إلى قرية يقال لها حَرْبى على شاطئ دِجْلة فعبر منها، فقال: ما اسمُ هذه القرية؟ فقالوا: حربى؛ فقال: حرب يَصْلی بها ٩١٧/٢ عدوّكم، وحرَب تُدخِلونه بُيُوتهم، إنَّما يتطيّر من يَقُوف ويَعِيف، ثم ضرب رايتَه وقال لأصحابه: سيروا؛ فأقبَل (١) حتَّى نزل عَقْقُوفًا، فقال له سُويد بن سُليم: يا أميرَ المؤمنين ، لو تحوّلتَ بنا من هذه القرية المشئومة الاسم ! قال : وقد تطيّرتَ أيضًا! والله لا أتحوّل عنها حتَّى أسيرَ إلى عدوّى منها، إنَّما شؤمُها إن شاء اللّه على عدّوكم تحملون عليهم فيها ، فالعَقْر لهم . ثمّ قال لأصحابه: يا هؤلاء، إنّ الحجّاج ليس بالكوفة ، وليس دون الكوفة إن شاء اللّه شىء"، فسيروا بنا. فخرج يُبادِرِ الحجّاج إلى الكوفة، وكتب عُروةُ إلى الحجَّاج أنّ شبيباً قد أقبل مسرعًا يريد الكوفة ، فالعجل العجلَ . فطوى الحجّاج المنازل ، واستبقا إلى الكوفة ، ونزلها الحجّاج صلاةً الظهر ، ونزل شبيبُ السََّخة صلاةَ المغرب، فصلّى المغرب والعشاء ، ثمّ أصاب هو وأصحابه من الطَّعام شيئًا يسيرًاً، ثمّ ركبوا خيولهم فدخلوا الكوفة ، فجاء شبيبٌ حتَّى انتهى إلى السوق ، ثمّشدّ حتى ضربَ بابَ القصر بعموده . (١) ا: ((وأقبل)). ٠٠٠٠٠ ٠٬٠٠