النص المفهرس
صفحات 201-220
٢٠١ سنة ٧٤ على طريق قريب لألقَى الأميرَ قبل قدومه، ولك كذا وكذا، وأجزِل لك العطية؛ وكان عالماً بالطريق ، فخرج به فسار من السِّنج إلى أرض سَرَخْسَ فى ليلة ، ثمّ مضى به إلى نيسابورَ فوَافَى أميّة حين قدم أبرَشَهْر، فلقيه فأخبره عن خُراسان وما يُصلح أهلَها وتَحسُن به طاعتُهم، ويخف على الوالى مئونتهم، ورفع عن (١) بُكتير أموالاً أصابها، وحَذّره غدرَه . قال: وسار معه حتى قدم مَرْو، وكان أمية سيّدًا كريمًا، فلم يتعرِض لبُكَير ولا لعماله، وعرض عليه أن يوليه شُرطته، فأبى بُكتير، فولآها بَخَير بن وَرْقَاء، فلام بُكيرًا رجالٌ من قومه ، فقالوا: أبيتَ أن تِلِى، فولَّى بَحيرًا وقد عرفتُ ما بينكما! قال: كنتُ أمس وإلىَ خُراسانَ تُحمَل الحرابُ بين يدىّ ، فأصير اليوم على الشرطة أحمل الحربة ! وقال أمية لبُكتَير : اختَر ما شئت من عمل خُراسانَ ، قال: طُخارِسْتان، قال : هى لك. قال: فتجهزَ بُكتير وأنفَق مالا كثيرًا ، فقال بحِير لأمية: إنْ أتى بُكَير طُخارِسْتَانَ خلعك، فلم يزل يحذّره حتى حذر ، فأمَرَه بالمُقام عندَه . وحجَّ بالناس فى هذه السنة الحجّاج بنُ يوسفَ . وكان وَلى قضاءَ المدينة عبدَ الله بنَ قيس بن مَخرَمة قبل شخُوصِه إلى المدينة كذلك ، ذُكِرِ ذلك عن محمّد بن عمر . وكان على المدينة ومكّةَ الحجّاحُ بنُ يوسف، وعلى الكوفة والبصرة يشْرُ بنُ مَرْوان، وعلى خُراسانَ أميّة بن عبد الله بن خالد بن أسيد، وعلى قضاء الكُوفة شُرَيَح بن الحارث، وعلى قضاء البصرة هشامُ بنُ هُبَيرة، ٨٦٣/٢ وقد ذُكِر أنّ عبد الملك بن مروانَ اعتمر فى هذه السنة ، ولا نتَعلَم صحّةَ ذلك . (١) ط: ((على)). ثمّ دخلت سنة خمس وسبعين ذكرُ الخبر عمَّا كان فيها من الأحداث فمن ذلك غزوة محمد بن مروان الصائفة حين خرجت الروم من قِبل مَرْعش . وفى هذه السنة ولى عبدُ الملك يحيى بن الحكم بن أبى العاص المدينة . وفى هذه السنة وَلّى عبدُ الملك الحَجّاجَ بنَ يوسفَ العراقَ دون خُراسان وسجِسْتان . [ولاية الحجاج على الكوفة وخطبته فى أهلها ] وفيها قدم الحجّاج الكوفة . فحدّثنى أبو زيد، قال : حدّثنى محمد ابنُ يحيى أبو غَسّان ، عن عبد الله بن أبى عبيدة بن محمّد بن عمّار ابن ياسر ، قال (١): خرج الحجّاج بن يوسف من المدينة حين أتاه كتاب عبد الملك بن مروانَ بولاية العراق بعد وفاة بشر بن مَرْوان فى اثنى عشر راكبًا على النّجائب حتى دخل الكوفة حين انتَشَر النهار فجاءةً(٢)، وقد كان بشْر بعث المهلّب إلى الحرورية، فبدأ بالمسجد فدخله، ثمّ صعد المنبرَ وهو متلثّم بعمامة خَزّ حمراء ، فقال: علىَّ بالناس، فحسبوه وأصحابه ٨٦٤/٢ خارجة(٣)، فهَمّوا به، حتى إذا اجتمع إليه الناسُ قام فكشف عن وجهه وقال : مَتَّى أَضَعِ العِمامَة تَعْرفونى(٤) أَنا ابنُ جَلَا وطَلَّعُ الثَّنَايا (١) الخبر وما تضمنه من خطبة الحجاج أورده الجاحظ فى البيان والتبيين ٢: ٣٠٧ - ٣١٠ بهذا السند أيضاً، والخطبة أيضاً فى الكامل ١: ٣٨٠ - ٣٨٢، والعقد ٤: ١١٩، وعيون الأخبار ٢ : ٢٤٣ ٠ (٢) البيان: ((فجأة)). (٣) البيان: ((خوارج)). (٤) من قصيدة لسحيم بن وثيل الرياحى، رواها الأصمعى فى الأصمعيات ٧٣ (ليبسك). ٠ ٢٠٢ ٢٠٣ سنة ٧٥ أما والله إنّى (١ لأحمل١) الشرَّ محملَه، وأحذُوه بنعله، وأجزيه بمثله، وإنى لأرى رءوسًا قد أيْنَعْت وحانَ قِطافُها، وإنى لأنظر إلى الدّماء بين العمائم واللّحَى. * قد شَمَّرَتْ عن ساقِهَا تَشْمِيرا(٢) # قد لَفَّها الليلُ بِسَوَّاقِ حُطَمْ(٣) هذا أَوان الشَّد فاشتدِّی زِیَمْ ولا بجزَّارٍ على ظهرٍ وَضَمْ (٤) ليسَ براعِى إِلٍ ولا غَنَمْ قد لَفَّها الليْلُ بعصْلَبِىِّ(٥) أَرْوَعَ خَرّاجٍ من الدّوِّىِّ مُهَاجِرٍ لَيْسَ بِأَغْرَائِىٌ. ليس أوان يكْره الخِلاطُ جاءت به والقُلُصِ الأَعلاطُ * تَهِوى هُويَّ سابقِ الغَطاطِ * وإنى والله يا أهل العراق ما أغمَزَ كتَغْماز التّين (٦)، ولا يقَعْقَعُ لى بالشّنان ولقد فُرِرْت عن ذكاء(٧)، وجَرَيْت إلى الغاية القصوى(٨). إن أمير المؤمنين، عبدَ الملك نَشَر كنانتَه ثمّ عَجَم عيدانتها فوجدنى أمَرَّها عُودً، وأصلبها ٨٦٥/٢ متكسراً، فوجّهنى إليكم؛ فإنكم طالما أوضَعْم (٩) فى الفتَن، وسنَنتُم سنن الغىّ. أما واللّهِ لألحُوَنّكم لَحْوَ العود، والأعصبفكم عَصْب السلَمة، (١ - ١) البيان: ((لأحتمل الشر بحمله)). (٢) البيان: ((فشمرا))، العقد: ((فشمرى)). (٣) الرجز لر ويشد بن رميض العنبرى؛ كما فى حواشى الكامل واللسان (حطم) ؛ والأغانى ١٥: ٢٥٥، ٢٥٦، قال: ((الشعر لرشيد بن رميض العنزى يقوله فى الحطم، وهو شريح بن ضبيعة. وكان شريح قد غزا اليمن ، فغنم وسبى ، ثم أخذ على طريق مفازة فضل بهم دليلهم ثم هرب منهم ، وهلك منهم ناس كثير بالعطش ، وجعل الحطم يسوق بأصحابه سوقاً عنيفاً حتى نجوا ووردوا الماء ، فقال فيه رشيد الرجز مادحاً ، فلقب الخطم بذلك الرجز )). (٤) الوضم : كل ما قطع عليه اللحم . (٥) الرجز فى اللسان (عصلب). والعصلبى: الشديد القادر على المشى والعمل. (٦) البيان: ((تغماز التين)). (٧) فر الدابة : كشف عن أسنانه ليعرف بذلك عمره . والذكاء ؛ نهاية الشباب وتمام السن. (٨) الغاية: قصبة تنصب فى الموضع الذى تكون المسابقة إليه ليأخذها السابق . وفى العقد : (٩) الإيضاع : ضرب من السير . ((وأجريت إلى الغاية القصوى)). ٢٠٤ سنة ٧٥ والأضرِ بنكم ضربَ غرائب(١) الإبلِ. إنى والله لا أعِد إلّا وَفَيْت، ولا أخلُق إلّ فَرَيْت. فإيّاى وهذه الجماعات وقيلاً وقالا، وما يقول(٢)، [و(٣)] فيمّ أنتم وذاكَ؟ واللّهِ لتَسْتَقيمُنَّ على سُبُلِ الحق أو لأدَ عَنّ لكلّ رجل منكم شُغْلًا فى جَسَدَه. مَن وَجَدَتُ بعد ثالثة من بَعْثِ المهلب سَفَكْتُ دَمَه، وأنهبْتُ مالَه . ثم دخل منزله ولم يزدْ على ذلك. قال: ويقال : إنه لما طال سكوتُهُ تَناوَل محمد بنُ عُمَر حَصّى فأراد أن يَحصبه بها، وقال: قاتله الله! ما أعسياه وأدمه! والله إنّ لأحسَب خبرَه كرُوَائه . فلما تكلم الحجاج جَعَل الحَصَّى يَنثر من بدِهِ ولا يعقل به ، وأنّ الحجاج قال فى خُطْبته : شاهت الوجوه ! إنّ اللّه ضَرَبَ ﴿مَثَلاَ قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً مُطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَدًا مِنْ كُلّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللهِ، فَأَذَاقَهَا اللهُ لِبَاسَ الجُوعِ وَالْخَوْفِ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُون﴾ (٤)، وأنتم أولئك وأشباه أولئك، فاستوثقوا واستقيموا. فوالله لأُذيقنّكم الهَوَان حتَّى تَدِرُوا (٥)، ولأعصبَّكم عَصْب السََّمة حتَّى تنقادوا، أقسم بالله لتقبِلُنّ على الإنصاف، ولتَدَعُنّ الإرجاف، وكان وكان ، وأخبرنى فلان عن فلان ، والهبْروما الهبْر! أو لأهْبُرنكم(٦) ٨٦٦/٢ بالسَّيف هبْراً يدَع النساءَ أيامَى، والولدان يتامى، وحتَّى تمشوا السُّمَّهَى، وتقلعوا عَن هَاوها. إيََّى وهذه الزّرافاتِ، لا يركتَبَنَ ◌ّالرجلُ منكم إلّ وحدَه. ألا إنَّه لو ساغ لأهل المعصية معصيتُهم ماجُبِى فىءٌ ولا قُوتل عدوّ، ولعُطِّلت الثغور، ولولا أنَّهم يُغزَون كَرْهاً ما غزوا طَوْعًا، وقد بَلَغَنى رَفْضكم المهلب ، وإقبالُكم على مصركم عصاةً مخالفين، وإنى أقسم لكم باللّه لا أجد أحداً بعد ثالثة إلاَّ ضربتُ عنقه . ١ (١) الإبل إذا وردت الماء ودخل فيها غريبة من غيرها ضربت وطردت . (٣) من البيان. (٢) البيان ((ما يقولون)). (٤) سورة النحل: ١١٢. (٦) س، ف: ((ولأ هبرنكم)). (٥) ب، ف: ((تذروا العصيان)). ٢٠٥ سنة ٧٥ ثمّ دعا العُرَفَاءَ فقال: ألحقُوا الناس بالمَهَلَّب، وأتُونى بالبراءات بمُوافاتهم ولا تُغلقنّ أبوابَ الجسْر ليلاً ولا نهارًا حتَّى تنقضِىَ هذه المدّة . تفسير الخُطْبة: قولُه: ((أنا ابنُ جَلاَ))، فابنُ جلا الصُّبْح لأنَّه يجلو الظُلمة. والثنايا: ما صَغُر من الجبال ونَتَأ. وأيضَعَ الثَّمر: بلغ إدراكه . وقولُه: ((فاشتدّ ى زِيَمْ))، فهى اسمٌ الحَرْب. والحُطَم: الَّذى يَحطم كلَّ شيء يَمُرّ به. والوَضَمُ: ما وُفى به اللَّحم من الأرض. والعَصْلَبىّ: الشديد. والدَّوَ يَّة: الأرض الفضاء الَّتِى يُسمَعَ فيها دَوَىُّ أخفاف الإبل. والأعلاط : الإبلُ الَّى لا أرسانَ عليها. أنشَدَ أبو زيد الأصمعىَّ: واعرَوْرَت العُلُطُ الْعُرْضِىُّ تركضُهُ أُمُّ الفوارس بالدِّيدَاءِ وَالرَّبَعَهْ والشَّنَّان، جمعَ شَنَّة : القِرْبة الباليَة اليابسة ، قال الشاعر: يُقَعْقَعُ خَلْفَ رِجِلَيْه بِشَنِّ كأَنَّك مِنْ جِمالِ بَنِى أُقَيْشِ وقولُه: ((فعَجَم عيدانَها))، أى عَضَّها، والعجم بفتح الجيم: حسب ٨٦٧/٢ الزبيب ، قال الأعشى : " وملفوظُها كلَقيط العَجَمْ . وقوله: ((أمَرّها عُودًا))، أى أصلَبها، يقال: حبْل مُمَرّ، إذا كان شديدَ الفَتْل. وقولُهُ: ((لأعصِبِنَّكم عَصْب السَلَمَة))، فالعَصْب القَطْعْ، والسلَمَة؛ شجرةٌ من العِضاه. وقولُه: ((لا أخلُق إلاّ فَرَيْت))، فالخَلْق: التَّقدير، قال الله تعالى: ﴿مَنْ مُضْغَةٍ مُخَلَّقَةٍ وغير مُخَلَّقَةٍ﴾(١)، أى مقدَّرة وغير مقدّرة، يعنى ما يتمّ وما يكون سقطاً، قال الكُمّيت يصف قرْبة : لم تَجْشَمِ الخالقاتُ فِرْيتَها ولم يَفِضْ مِن نِطاقِها السَّرَبُ (١) سورة الحج: ٥، وفى الأصول: ((من نطفة))، وهو خطأ. ٢٠٦ سنة ٧٥ وإنَّما وصف حواصل الطَّيْر، يقول: ليست كهذه. وصَخْرة خَلْقَاء، أى مَكْساء ، قال الشاعر : وبَهَوْ هَوَاءٌ فوقَ مورٍ كأَنَّه من الصَّخْرةِ الخَلْقاءِ زُحْلوقُ مَلَعَبٍ ويقال: فَريتُ الأديم إذا أصلحتَه، وأفرَيْت، بالألف إذا أنتَ فكْته. والسُّمَّهَى: الباطل، قال أبو عمرو الشَّيْبانىّ: وأصله ما تُسمِّه العامةُ مُخاطَ الشّيطان، وهو لُعاب الشَّمس عند الظَّهيرة، قال أبو النَّجم العجْلىّ : وَذَابَ للشَّمْسِ لُعَابٌ فنزَلْ وقامَ مِزانُ الزَّمان فاعتدَلْ والزَّرافات : الجماعات . تمّ التفسير . ٨٦٨ قال أبو جعفر: قال عمر: فحدَّثَنى محمَّد بن يحيى ، عن عبد الله بن أبى عُبِيدَة ، قال : : فلمَّا كان اليومُ الثالث سمع تكبيراً فى السُّوق، فخرج حتَّى جلس على المنبر ، فقال : يا أهلَ العراق، وأهلَ الشِّقاق والنفاق، ومساوئ الأخلاق ، إنى سمعتُ تكبيرًا ليس بالتّكبير الَّذى يراد اللّهُ به فى التَّرغيب، ولكنَّه التكبيرُ الَّذى يُراد به التَّرهيب، وقد عرفتُ أنَّها عَجاجةٌ تحتَهَا قَصْف. يا بنى اللَّكيعة وعَبيد العصا، وأبناء الأيَّامَى، ألا يتَربَعَ رجلٌ منكم على ظَلْعُه، ويُحْسنِ حَقْن دمه، ويبصر موضعَ قدمه! فأقسم بالله لأوشكُ أن أوقعَ بكم وقعةً تكون نكالا لما قَبْلها، وأدبًا لما بعدَها . قولُهُ: ((تحتَهَا قَصْف))، فهو شدّة الرّيح. واللَّكعاء: الوَرْهاء، وهى الحَمْقاء من الإماء . والظّع : الضّعْف والوَهن من شدّة السير . وقوله : (تَهوى هُوىّ سابق الغُطاط))، فالغُطاط بضم الغين: ضربٌ من الطير. قال الأصمعىّ: الغَطَاط بفتح الغين: ضربٌ من الطَّير، وأنشد لحسّان ابن ثابت(١): (١) ديوانه ٣٠٩. ٢٠٧ سنة ٧٥ لا يَسأَلُون عن الغَطَاطِ المُقْبِل(١) يُغْشَوْن حتى ما تَهُّ كلابُهُمْ بفتح الغين. قال: والغُطاط بضم الغين: اختلاط الضوء بالظلمة من آخر ٨٦٩/٢ الليل ، قال الراجز : الفُسطاطِ قائِم يَمْشِى بِمِثْلٍ قامَ إِلى أَدْمَاءَ فِى الْغُطَاطِ تمّ التفسير. قال : فقام إليه عُمَيَر بنُ ضائى التَّميمىّ ثمّ الحنظَلَىّ فقال: أصلح اللّهُ الأمير! أنا فى هذا البعث ، وأنا شيخٌ كبير عليل ، وهذا ابنى، وهو أشَبّ منى ؛ قال: ومَنْ أنت ؟ قال: عُمَيَر بنُ ضائى التَّميمىّ، قال : أسمعتَ كلامنا بالأمس ؟ قال : نعم ، قال : ألستَ الَّذى غزا أميرَ المؤمنين عثمانَ ؟ قال : بلى؛ قال : وما حملك على ذلك ؟ قال : كان حَبَس أبى ، وكان شيخًا كبيرًا ، قال : أوَليس يقول : حَمَمْتُ وَلَمْ أَفْعَلْ وَكِدْتُ وَلَيْتِنِى تَرَكْتُ على عثمانَ تَبكى حَلَائِلُهْ إنى لأحسَب فى قتلك صلاح المِصرَيْن ، قم إليه يا حرَسىّ فاضرب عنقتَه؛ فقام إليه رجلٌ فضرب عنقه، وأنهتَب (٢) ماله. ويقال : إنّ عَنَبَة بنَ سعيد قال للحجَّاج: أتعرف هذا ؟ قال : لا، قال : هذا أحدُ قَتَّلة أمير المؤمنين عثمان؛ فقال الحجاج: يا عدوًّ اللّه، أفلا إلى أمير المؤمنين بعثتَ بديلا! ثمّ أمر بضرب عنقه، وأمر مناديًا ٨٧٠/٢ فنادى: ألا إنّ عُمَير بنَ ضائى أتّى بعد ثالثة؛ وقد كان سمع النداء ، فأمرنا بَقْتله. ألا فإنَّ ذمّة اللّه بريئةٌ مَّن بات الليلة من جُنْد المهلَّب. فخرج الناسُ فازَدَ حموا على الجِسْر، وخرجت العُرَفاء إلى المهلَّب وهو برَامَهُرْمُز فأخذوا كتُبْتَه بالمُوافاة، فقال المهلَّب : قدم العراقَ اليومَ رجل ذَكَر : اليومَ قُوتِل العدوّ . قال ابن أبى عبيدة فى حديثه: فعبر الجِسْر تلك الليلة أربعةُ آلاف من مَذْحج؛ فقال المهلَّب: قدم العراقَ رجل ذَكَر . (١) الديوان: ((السواد المقبل)). (٢) أنهب ماله : جعله نهبأ لغيره. ٢٠٨ سنة ٧٥ قال عمر عن أبى الحسن ، قال : لمَّا قرأ عليهم كتابَ عبد الملك قال القارئ: أمَّا بعد، سلامٌ عليكم فإنى أحمد إليكم الله. فقال له : اقطع ، يا عبيد العصا ، أيسلّم عليكم أميرُ المؤمنين فلا يَردّ رادٌّ منكم السَّلام! هذا أدبُ ابن نِهِية (١)، أما والله لأؤدبنَّكم غير هذا الأدب، ابدأ بالكتاب، فلمَّا بلغ إلى قوله: ((أما بعد، سلامٌ عليكم ))، لم يَبق منهم أحدٌ إلاّ قال : وعلى أمير المؤمنين السَّلام ورحمة اللّه . قال عمر : حدّثّنى عبدُ الملك بنُ شيبان بن عبد الملك بن مِسِمَحَ ، قال : حدّثّنى عمرو بن سعيد، قال: لمَّا قدم الحجَّاجُ الكوفة خطبهم فقال: إنَّكم قد أخللتم بعسكر المهلَّب، فلا يُصبحنّ بعد ثالثة من جُنْده أحدٌ، فامَّا كان بعد ثالثة أتى رجلٌ يستدمى، فقال: مَن بك ؟ قال : عمير بنُ ٨٧١/٢ ضائى البُرْجُمىّ، أمرتُه بالخروج إلى معسكرَه فضربنى - وَكَذَب عليه. فأرسل الحجَّاج إلى عمير بن ضائى، فأتِىَ به شيخًا كبيرًا، فقال (٢) له: ما خلَّفَك عن مُعسكرك؟ قال : أنا شيخ كبيرٌ لا حراك بى ، فأرسلتُ ابنى بديلا فهو أجلد منّى جَلَدًا، وأحدث منى سنًّا، فسلْ عما أقول لك، فإن كنتُ صادقًا وإلّا فعاقبنى. قال: فقال عتَنْسة بنُ سعيد : هذا الَّذى أتى عثمان قتيلا ؛ فلطم وجهه ووثب عليه فكسر ضلعين من أضلاعه ، فأمر به الحجّاجُ فضربتْ عنقه. قال عمرو بنُ سعيد: فوالله إنى لأسير بينَ الكوفة والحيرة إذ سمعتُ رَجَزًا مُضَرِيًّا، فعدلْت إليهم فقلت : ما الخبر ؟ فقالوا : قَدم علينا رجل مِن شرّ أحياء العَرَب من هذا الحىّ من ثمود ، أسْقف الساقين (٣)، مَمْسُوح الجاعِرَتين (٤) أخفَش العينين (٥)، فقدّم سيّد الحىّ عميرَ بن ضابىّ فضرَبَ عنقَه . (١) فى زيادات الكامل ١: ٣٨٢: ((زعم أبو العباس أن ابن بهية رجل كان على الشرطة (٢) ب، ف: ((قال)). بالبصرة قبل الحجاج )) . (٣) فى اللسان: ((السقف: أن تميل الرجل على وحشيتها) ووحشى الرّجل: جانبها. (٤) الجاعرتان: حرفا الوركين المشرفان على الفخذين، وفى اللسان: ((وفى كتاب عبد الملك إلى الحجاج : قاتلك الله ، أسود الجاعرتين ! قيل : هما اللذان يبتدئان الذنب . (٥) الخفش : ضعف فى البصر مع ضيق فى العين. ٢٠٩ سنة ٧٥ ولما قَتَّل الحجاج عمير بنَ ضابىُ لقى إبراهيمُ بنُ عامر أحد بنى غاضرَةَ من بنى أسَد عبدَ الله بن الزَّبير فى السوق فسأله عن الخبر ، فقال ابن الزَّبير : أَرَى الأَمر أَمْسَى مُنْصِباً متشَعِّبًا (١) أَقُولُ لإِبراهِيمَ لَمَّا لِقِيتُهُ ◌ِوَى الجيْش إِلَّا فِى المَهَالِك مَذْهَبًا تجَهَّزْ وَأَسْرِعْ والحق الجَيْشَ لا أَرى عُمَيْرًا وإِمَّا أَن تزور المهَلَّبا تَخَيَّرْ فإما أن تزور ابنَ ضانىٌ رُكُوبُك حَوْليًّا من الثَّلج أَشْهَبَا (٣) ٨٧٢/٢ هما خُطَّتا كرِهِ نَجَاؤُكَ مِنْهُمَا (٢) رآها مَكان السّوقِ أَوْ هِىَ أَقْربا فحالَ ولو كانت خُراسان دونَه تحَمّمَ حِنْوَ السَّرْج حتَّى تحنَّبَا(٥) فكائنْ تَرَى مِن مُكْرِهِالعَدْوِمُسْمنِ(٤) وكان قُدومُ الحجاج الكوفة - فيما قيل - فى شهر رمضانَ من هذه السنة، فوجّه الحكم بن أيوب الثّقَفىّ على البَّصْرة أميرًا، وأمره أن يشتدّ على خالد بن عبد الله، فلما بلغ خالدًا الخبرُ خرج من البَصْرة قبل أن يدخُلَها الحَكَمَ، فنزل الجَلْحاءَ وشيَّعه أهلُ البصرة، فلم يَبْرَح مُصَلاَّه حتى قسّم فيهم ألف ألف . وحجَّ بالناس فى هذه السنة عبد الملك بنُ مَرْوان، حدثنى بذلك أحمد ٨٧٣/٢ ابنُ ثابت عمّن حدّثه، عن إسحاقَ بن عيسى ، عن أبى معشر. ووَقَد يحيى بن الحتكَم فى هذه السنة على عبد الملك بن مروان ، واستخلف على عمله بالمدينة أبان بنَ عثمان، وأمر عبدُ الملك يحيى بنَ الحكم أن يقرّ على عمله على ما كان عليه بالمدينة. وعلى الكوفة والبصرة الحجّاج بن يوسف. وعلى خُراسانَ (١) الكامل ١ : ٣٨٣ مع اختلاف فى الرواية. (٢) الكامل: ((هما خطتا خسف)). (٣) الحولى": المهر أتى عليه الحول. وقوله: ((من الثلج أشهبا))، يريد أن لونه أشد شهبة من (٥) ا: ((يحمم)). (٤) !: ((وكائن)). الثلج . ٢١٠ سنة ٧٥ . أميّة بن عبد الله. وعلى قضاء الكوفة شُرَيح، وعلى قضاء البَصْرة زرارة ابن أوْقى . وفى هذه السنة خرج الحجّاجُ من الكوفة إلى البَصْرة، واستخْلَفَ على الكوفة أبا يَعْفُور عُروَة بن المغيرة بن شُعْبة، فلم يزل عليها حتى رَجَعَ إليها بعد وَقْعة رُستقْباذ . [ذكر الخبر عن ثورة الناس بالحجّاج بالبصرة] وفى هذه السنة ثار الناسُ بالحجّاج بالبَصْرة. * ذكر الخبر عن سبب وثوبهم به : ذكر هشام، عن أبى مخنف، عن أبى زهير العَبْسىّ ، قال : خرج الحجّاج بنُ يوسفَ من الكوفة بعد ما قدمها ، وقتل ابن ضابئ من فوره ذلك حتّى قدم البصرة ، فقام فيها بخُطْبة مثل التى قام بها فى أهْل الكوفة، وتوعدهم مِثْل وعيده إياهم، فأتِىَ برجل من بنى يَشْكرَ فقيل : هذا عاصٍ، فقال: إنّ بى فتْقاً، وقد رآه بشر فعذَرَنى، وهذا عطائى ٨٧٤/٢ مَرْدود فى بيت المال، فلم يقبل منه وقتله، ففزع لذلك أهل البَصْرة ، فخرجوا حتى تداكثوا (١) على العارض بقنْطرة رامتَهُرْمز، فقال المهلب: جاء الناسَ رجلٌ ذَكَر. وخرج الحجّاج حتى نزل رُسْتَقْباذَ فى أوّل شعبان سنة خمس وسبعين فثارَ الناسُ بالحجاج، عليهم عبد اللّه بنُ الجارود، فقتل عبد اللّه بن الجارود ، وبعث بثمانية عشر رأساً(٢) فنُصبتْ برامَهُرْمُز للناس، فاشتدّت ظهورُ المسلمين ، وساء ذلك الخوارج ، وقد كانوا رَجوْا أن يكونَ من الناس فُرقة واختلاف ، فانصرف الحجاج إلى البَصْرة . وكان سبب أمر عبد اللّه بن الجارود أنّ الحجاج لما ندب الناس إلى (١) س: ((تداركوا))، والمداكأة: التزاحم على المكان، وفى ١: ((تذاكروا))، (٢) ب، ف: ((وبعث الحجاج ثمانية)). وفى ط (( تداكوا)) تصحيف . ٢١١ سنة ٧٥ اللحاق بالمهلسب بالبصرة فشخصوا سار(١) الحجاج حتى نزل رستقْباذ قريبًا مِن دَسْتَوَى فى آخِرِ شعبانَ ومعه وجوهُ أهل البصرة ، وكان بينه وبين المهلّب ثمانيةَ عشرَ فَرْسَخًا، فقام فى الناس، فقال: إنّ الزيادة التى زادكم ابنُ الزبير فى أعطِیاتكم زيادة فاسِقِ منافق، ولستُ أجيزُها . فقام إليه عبدُ الله بن الجارود العَبْدىّ فقال: إنها ليست بزيادة فاسق منافق ، ولكنها زيادة أمير المؤمنين عبد الملك قد أثبتها لنا. فكذً به وتوعّده، فخرج ابنُ الجارود على الحَجّاج وتابَعَتَه وجوهُ الناس، فاقتتلوا قتالا شديداً، فقتل ابن الجارود وجماعة من أصحابه، وبعث برأسه ورءوس عشرة من أصحابه إلى المهلسب، وانصرف إلى البَصْرة، وَكَتَسَب إلى المهلب وإلى عبد الرحمن ٨٧٥/٢ ابن مخنف : أما بعد ، إذا أتاكم كتابى هذا فناهِضوا الخوارجَ ؛ والسلام. [ نف المهلَّب وابن مخنف الأزارقة عن رامهرمز ] وفى هذه السنة نفى المهدّب وابنُ محنَّف الأزارقةَ عن رامَهُرْمُز. ذكر الخبر عن ذلك وما كان من أمرهم فى هذه السنة : ذكر هشام عن أبى مخنف ، عن أبى زهير العبسىّ ، قال : ناهض المهلب وابنُ مخنف الأزارقة برَامَهُرْمز بكتاب الحجّاج إليهما لعشر بقين من شعبان يومَ الاثنين سنة خمس وسبعين ، فأجلوهم عن رامَهُرْمُز من غير قتال شديد، ولكنهم زحفوا إليهم حتى أزالوهم ، وخرج القوم كأنهم على حامية، حتى نزلوا سابُورَ بأرض منها يقال لها كازَرُون ، وسار المهلب وعبدُ الرحمن بنُ مختّف حتى نزلوا بهم فى أول رمضانَ ، فخندقَ المهلب عليه ، فذكر أهلُ البصرة أنّ المهلب قال لعبد الرحمن بن مخنف: إنْ رأيتَ أن تُخندق عليك فافعَلْ؛ وإنّ أصحاب عبد الرحمن أبَوْا عليه وقالوا: إنما خندقُنا سُيوفنا. وإن الخوارج زحفوا إلى المهلسب ليلاً ليُبِيِّتُوه ، فوجدوه قد أخذ حِذْره ، فمالُوا نحوَ عبد الرحمن بن مخنف فوجدوه لم يخندق، (١) ب، ف: ((شخصوا فسار)). ٢١٢ سنة ٧٥ فقاتلوه ، فانهزم عنه أصحابُه ، فنزل فقاتل فى أناس من أصحابه فقُتِل ، وقتلوا حوله (١) ، فقال شاعرهم : عِى فَهُمْ بين ميّتٍ وقَتِيلٍ لمن العسْكَرُ المكلَّلُ بالصَّرْ حاصِبَ الرَّمْلِ بَعْدَ جَرِّالذُّيولِ فَتَرَاهُمِ تَسْفِى الرياحُ علیھمْ ٨٧٦/٢ وأما أهل الكوفة فإنهم ذكروا أنّ كتاب الحجاج بن يوسف أتى المهلب وعبد الرحمن بن مخنف ؛ أنْ ناهِضًا الخوارجَ حين يأتيكما كتابى. فناهضاهم يومَ الأربعاء لعشر بقين من رمضانَ سنة خمس وسبعين واقتَتّلوا قتالًا شديدًا لم يكن بينهم فيما مضى قتالٌ كان أشدَّ منه ، وذلك بعد الظهر ، فمالت الخوارجُ بحدّها على المهلب بن أبى صُفْرة فاضطروه إلى عَسْكره ، فسرّح إلى عبد الرحمن رجالا من صلحاء الناس ، فأتَّوْه ، فقالوا: إنّ المهلب يقول لك : إنما عدوُّنا واحد، وقد ترَى ما قد لقىَ المسلمون، فأمدّ إخوانك يرحمك الله. فأخذ يُمِدّه بالخيل بعد الخيل، والرّجال بعد الرّجال، فلما كان بعد العصر ورأت الخوارجُ ما يجىء من عسكر عبد الرحمن من الخيل والرّجال إلى عسكر المهلب ظنوا أنه قد خَفّ أصحابه، فجعلوا خمس كتائبَ أو ستًّا تُجاهَ عَسكر المهلب ، وانصرفوا بحدّهم وجمعِهم إلى عبد الرحمن بن مخنَف ، فلما رآهم قد صمدوا له نزل ونزل معه القُرّاء ، عليهم أبو الأحوص صاحبُ عبد الله بن مسعود، وخُزيمة بن نصر أبو نصر ابن خُزيمة العبسىّ الذى قُتل مع زيد بن علىّ وصُلب معه بالكُوفة ، ونزل معه من خاصَّة قومه أحدٌ وسبعون رجلا، وحملت عليهم الخوارجُ فقاتلتْهم قتالا ٨٧٧/٢ شديدًا. ثمّ إنّ الناس انكشفوا عنه، فبقى فى عصابة من أهل الصّبر ثبتوا معه ، وكان ابنه جعفر بن عبد الرحمن فيمن بعثه إلى المهلب ، فنادى فى الناس ليتْبعوه إلى أبيه، فلم يتْبعه إلاّ ناس (٢) قليل، فجاء حتى إذا دنا من أبيه حالت الخوارجُ بينه وبين أبيه ، فقاتل حتى ارتثّته الخوارج ، وقاتل عبد الرحمن بن مخنف ومن معه على تلّ مُشرف حتى ذهب نحوٌ من ثُلثى الليل ، ثمّ قُتل فى تلك العصابة ، فلما أصبحوا جاء المهلب حتى (١) بعدها فى ب، ف: ((كلهم)). (٢) ب، ف: ((أناس)). : ٢١٣ سنة ٧٥ أتاه ، فدَفَنه وصلّى عليه، وكتب بمُصابه إلى الحجّاج ، فكتب بذلك الحجاج إلى عبد الملك بن مروان، فنعى عبد الرحمن بِمِنَّ، وذمَّ أهلَ الكوفة ، وبعثَ الحجّاجُ على عسكر عبد الرحمن بن مخنف عتّابَ بن وَرَقاء، وأمره إذا ضمّتْهما الحَرْب أن يَسمَعَ للمهلّب ويطيع ، فساءه ذلك، فلم يجدْ بُدّا من طاعة الحجاج ولم يقدر على مراجعته، فجاء حتى أقام فى ذلك العسكر ، وقاتل الخوارج وأمرُه إلى المهلب ، وهو فى ذلك يتقضى أمورَه ، ولا يكاد يستشير المهلب فى شىء. فلما رأى ذلك المهلب اصطنع رجالا من أهل الكوفة فيهم بسطامُ بن مسَصْفَلة بن هُبيرة ، فأغراهم بعتّاب. قال أبو مخنف عن يوسفَ بن يزيد: إن عتَّابا أتى المهلَّب بسأله أن يرزق أصحابه ، فأجلسة المهلَّب معه على مجلسه ، قال : فسأله أن يرزق أصحابه سؤالاً فيه غلظة وتجهُّم، قال: فقال له المهلب: وإنَّك لها هنا ٨٧٨/٢ بابن اللَّخناء! فبنو تميم يزعمون أنَّه رَدَّ عليه، وأمَّا يوسفُ بنُ يزيدَ وغيرُهُ فيَزَعمون أنَّه قال: والله إنَّها لمعمّةٌ مُخْوِلَةٌ، ولوددتُ أن اللّه فرّق بينى وبينك . قال : فجرى بينهما الكلام حتَّى ذهب المهلَّب ليرفع القضيب عليه ، فوثب عليه ابنُه المغيرة، فقَبض على القضيب وقال: أصَلح اللّه الأمير! شيخٌ من أشياخ العرب ، وشريفٌ من أشرافهم، إنْ سمعت منه بعضَ ما تكرهه فاحتملْهُ له ، فإنَّه لذلك منك أهل ، ففعل . وقام عَتَّب فرجع من عنده ، واستقبله بسطامُ بنُ مَصقلة يشتُمه، ويقع فيه . فلما رأى ذلك كَتَّب إلى الحجّاج يشكو إليه المهلَّب ويُخبِرِه أنَّه قد أغرى به سُفهاءَ أهل المصر، ويسأله أن يضمَّه إليه ، فوافق(١) ذلك من الحجّاج حاجةٌ إليه فيما لقى أشرافُ الكوفة من شبيب، فبعث إليه أن اقدَمْ واترك أمر ذلك الجيش إلى المهذَّب، فبعث المهلَّب عليه حبيب بنَ المهلَّب. وقال حُمَيد بنُ مسلم يرثى عبد الرحمن بنَ مخنف : فلقدْ تَشُدُّ وَتَقتُل الأَبطَالًا إن يقتُلوك أَبا حكيم غُدوةً (١) !: ((ووافق)). ٢١٤ سنة ٧٥ أو يُفْكِلُونا سيدًا لُمُسوَّدٍ فَلَمِثل قتلك هَدَّ قومَكَ كلَّهُمْ من كان يَكشِفُ غُرمهم وقتَالَهُم أَقسمتُ ما نِيلَتْ مَقائِلُ نفسِه ٨٧٩/٢ وتناجَزَ الأَبْطالُ تحتَ لوائِه يوماً طويلاً ثمّ آخرَ لِيلِهِم وتكثَّفَتْ عنه الصُّفُوفِ وخَلُهُ وقال سراقة بنُ مِرْداس البارقىّ : أَعَيْنَىَّ جُودَا بالدُّموع السواكبِ على الأَزْدِ لمّا أَن أصِيب سَراتُهُمْ نُرجِّى الخلودَ بعدهمْ وَتَعُوقنا وكنّا بخيرٍ قبلَ قَتل ابنِ مِخْفٍ أَمَارَ دُموعَ الشِّيبِ من أَهل مِصرِهِ وقَاتَل حتى ماتَ أَكرَمَ مِينةٍ وضَارَب عنه المارِقِينَ عصابةٌ فلا ولَدَتْ أُنثَى ولا آبَ غائبٌ. سَمْحَ الخليقةِ ماحِدًا مِفضالًا مَن كان يَحمِلُ عنهمُ الأَثْقالَا يوماً إِذا كان القتالُ نِزالاً ! حتى تَدَرَّعَ من دَمٍ سِرْبالًا بالمَشْرَفيَّةِ فِى الأَكُفّ نِصالا حين استبانوا فى السماء هِلالًا فهناكَ نالَتْهُ الرِّماحُ فمالًا وَكُونَا كَوَاهِى شَنَّةٍ مِعَ راكبٍ (١) فنُوحَا لعيشٍ بعدَ ذلك خائبٍ عوائقُ موتٍ أَو قِرَاعُ الكَتَائِبِ وكلِّ امرئٍ يوماً لبعضٍ المذاهب وعَجَّل فى الشُّبَّان شَيْبِ الذّائبِ وخَرَّ على خَدِّ كَرِيم وحاجبٍ مِنَ الأَزْدِ تمشى بالسّيوفِ القَواضبِ إلى أهلِهِ إِنْ كان ليسَ بآيبٍ ٨٨٠/٢ فياعينُ بَكِّى مِخنفاً وآبنَ مخنفٍ وفُرْسانَ قومِى قُصْرَةً وأَقاربى(٢) وقال سُراقة أيضًا يَربى عبد الرحمن بن مختّف : وَأَزْد عُمانَ رهن رَمْسِ بکازِرِ (٣) ثَوَى سَيِّدُ الأَرْدِيْنِ أَزْدِ شَنُوءَة بأَبيضَ صافٍ كالعقيقة بائرٍ وضارب حتَّى ماتَ أكرم مِيتَةٍ كِرامُ المسَاعى من كِرَام المعاشِر وصُرِّعَ حولَ الثَّلّ تحتَ لوائه (١) ديوانه ٨٥، ٨٦ (٢) قصرة، أى الدوانى فى النسب (٣) ديوانه ٤٣ ٢١٥ سنة ٧٥ وأَدبَر عنه كلُّ ألْوَثَ دَائر قضَى نحبَهُ يومَ اللُّقاء ابنُ مِختفٍ إلى الله لم يَذْهِبْ بأَثواب غَادِرِ أَمدَّ فلم يُمِدَدْ فراحَ مُشَمِّرًا وأقامَ المهلَّب بسابُورَ يقاتِلُهم نحوًا من سنة . وفى هذه السَّنَّة تحرَّك صالح بنُ مُسَرّح أحدُ بنى امرئ القيس ، وكان يرى رأىَ الصُّفْريّة. وقيل : إنَّه أوّل من خرج من الصُّفْرّية . *** ذكر الخبر عن تحرك صالح للخروج وما كان منه فى هذه السنة ذكر أنّ صالح بن مسرّح أحد بنى امرئ القيس حجّ سنة خمس وسبعين ومعه شبيبُ بنُ يزيدَ وسُوَيَد والبَطين وأشباهُهم . ٨٨١/٢ وحجَّ فى هذه السنة عبدُ الملك بنُ مروان ، فهمّ شبيب بالفتْك به ، وبلغه ذَرْءٌ من خبرَهم ، فكتب إلى الحجّاج بعد انصرافه يأمره بطلبهم، وكان صالح يأتى الكوفةَ فيقيم بها الشَّهْرَ ونحوه فيلقى أصحابه ليَعِدَهم ، فنبتْ بصالح الكوفة لكَمَّ طلبه الحجّاج، فتنكَّبتها . ثم دخلت سنة ست وسبعين ذکر الكائن من الأحداث فيها فمن ذلك خروج صالح بن مسرّح . ذكر الخبر عن خروج صالح بن مسرّح وعن سبب خروجه وكان سببُ خروجه - فيما ذَكَر هشام، عن أبى مِخْتف، عن عبد اللّه ابن علقمة، عن قبيصة بن عبد الرّحمن الخَفْعمىّ - أنّ صالح بنّ مسرّح التميمىَّ كان رجلا ناسكًا مُخبِناً مصفرّ الوجه ، صاحب عبادة ، وأنه كان بدَارًا وأرض المَوْصل والجزيرة له أصحابٌ يُقرئهم القرآن فكان قبيصة بنُ عبد الرحمن حدّث ويفقِّهِهُم ويقصّ عليهم . أصحابنا(١) أنّ قصص صالح بن مسرِّح عنده، وكان ممَّن يرى رأيتهم، ٨٨٢/١ فسألوه أن يبعث بالكتاب إليهم ، ففعل . وكان قصصه: ﴿اَلْحَمْدُ لِلّهِ الَّذِى خَلَقَ السَّمْوَاتِ وَالْأَرْضَ وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهم يَعْدِلُونَ﴾(٢). اللهمّ إنَّا لا نَعدل بك، ولا نحْفِد إلّ إِليك، ولا نتَعْبُد إلّ إيَّاك، لك الخَلْقَ والأمر، ومنك النَّفْع والضّرّ، وإليك المصير. ونشهد أنّ محمَّدًا عبدُك الَّذى اصطفيتَه، ورسولُك الَّذى اخْتَرْتَه وارتضَيْتَه لتبليغ رسالاتك، ونصيحة عبادك، ونشهد أنَّه قد بَلَّغَ الرسالة، ونتَصَح للأمَّة، ودعا إلى الحقّ ، وقام بالقِسْط ، ونصر الدّين ، وجاهد المشركين، حتَّى توفَّاه اللّه صلَّى الله عليه وسلم. أوصيكم بتقوى الله والزهد فى الدنيا، والرغبة فى الآخرة، وكثرة ذكر الموت، وفراقِ الفاسقين، وحبّ المؤمنين (٣)، فإنّ الزَّهادة فى الدنيا تُرغِّب العبدَ فيما (١) ب، ف: ((يحدث أصحابه)) (٢) سورة الأنعام : ! (٣) ب، ف: ((وحب المؤمنين وفراق الفاسقين)). ٢١٦ ٢١٧ سنة ٧٦ عند اللّه، وتُفرّغ بدنتَه لطاعة الله، وإنّ كثرةَ ذكر الموت يُخيف العبد من ربُّه حتى يَجَأرَ إليه ، ويستكين له ، وإن فراق الفاسقين حقٌّ على المؤمنين، قال اللّه فى كتابه: ﴿وَلاَ تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا وَلاَ تَقُمْ عَلَى قَبْرِهِ إِنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللهِ وَرَسُولِهِ وَمَاتُوا وَهُمْ فَاسِقُون﴾(١). وإن حُبّ المؤمنين للسّبب (٢) الَّذى تُنال به كرامة الله ورحمته وجنَّتُه، جعلنا اللّه وإيّاكم من الصادقين الصابرين. ألا إنّ مِن نعمة (٣) اللّه على المؤمنين أنْ بعث فيهم رسولاً من أنفسهم، فعلَّمهم الكتاب والحكمة وزكاهم وطَهرهم ٨٨٣/٢ ووفّقهم فى دينهم، وكان بالمؤمنين رءوفًا رحيمًا، حتَّى قبضه الله، صلواتُ اللّه عليه، ثمّ ولىَ الأمر من بعده التقىّ الصدّيق على الرّضا من المسلمين، فاقتدى بهديه ، واستن بسُنّته، حتى لحِقٍ بالله - رحمه اللّه ـ- واستخلف عمرَ، فوَلاَه الله أمر هذه الرعيّة، فعَميل بكتاب الله، وأحيا سُنة رسول اللّه، ولم يُحنِقْ فى الحقّ على جِرّته(٤)، ولم يخفْ فى الله لومة لائم، حتى لتحِقَ به رحمةُ اللّه عليه، وولىَ المسلمينِ مِن بعده عثمان، فاستأثر بالفىء، وعَطّل الحدُود، وجارَ فى الحُكْم، واستَذَلّ المؤمن، وعزّز المجرِم ، فسار إليه المسلمون فقتلوه، فبرى اللّه منه ورسولُه وصالحُ المؤمنين (٥)؛ وولى أمر الناس من بعده علىّ بنُ أبى طالب، فلم ينشب أن حكّمَ فى أمر الله الرّجال، وشَكّ فى أهل الضلال، وركن وأدْهن، فنحن من علىّ وأشياعِه بُراء ، فتيسّروا رحمكم الله الجهاد هذه الأحزاب المتحزّبة، وأئمة الضلال الظَّمة وللخروج من دارٍ الفناء إلى دار البقاء ، واللَّحاق بإخواننا المؤمنبن الموقنين الذين باعوا الدنيا بالآخرة ، وأنفقوا أموالهم التماس رضوان اللّه فى العاقبة ، ولا تجزعوا من القتل فى اللّه، فإنَّ القتل أيْسرُ مِن الموت، والموتُ نازِلٌ بكم غير ما ترجُم الظنون ، فمفرّق بينكم وبين آبائكم وأبنائكم، وحلائلكم ٩٨٤/٢ ودنياكم ، وإن اشتدّ لذلك كُرْهكم وجزءكم. ألاَ فبيعوا اللّهَ أنفسكم (١) سورة التوبة:٨٤. (٢) ب، ف: ((السبب)). (٣) ب، ف: ((نعم)). (٤) س: ((جربه))، ب، ف: ((حزبه)). (٥) ف: ((وصالحو المؤمنين)). ٢١٨ سنة ٧٦ طائعين وأموالكم تدخلوا الجنة آمنين ، وتعانقوا الحُور العين ، جعلنا الله وإيّاكم من الشاكرين الذاكرين ، الذين يَهْدون بالحقّ وبه يعدلون. قال أبو مخنف: فحدثنى عبدُ اللّه بنُ عَلْقمة، قال: بينا أصحابُ صالح يختلفون إليه إذْ قال لهم ذاتَ يوم : ما أدرِى ما تنتظرون! حتّى متى أنتم مقيمون ! هذا الجوْر قد فشا ، وهذا العَدْل قد عفا، ولا تزداد هذه الولاةُ على الناس إلاّ غُلوًّا وعُنُوًّا، وتباعدًا عن الحقّ، وجُرأةً على الرّبّ؛ فاستعدّوا وابعثوا إلى إخوانِكم الذين يريدون مِن إنكار الباطل والدعاء إلى الحقّ مثل الذى تريدون، فيأتوكم فنلتقى وننظر فيما نحن صانعون ، وفى أى وقت إنْ خرجنا نحن خارجون . قال : فتراسل أصحابُ صالح ، وتلاقَوا فى ذلك ، فبَيْناهم فى ذلك إِذْ قَدِيمِ عليهم المحلّل بن وائل اليَشْكُرىّ بكتاب من شَبيب إلى صالح بن مسرّح : A أما بعد ، فقد علمتُ أنَّك كنت أردتَ الشخوص (١)، وقد كنت دعوتسنى إلى ذلك فاستجبْتُ لك ، فإن كان ذلك اليوم من شأنك فأنتَ شيخُ المسلمين ، ولن نتَعَدِل بك منّا أحدًا، وإن أردت تأخيرَ ذلك اليوم أعلَمْتَنى؛ فإنّ ٨٨٥/٢ الآجال غادية ورائحة، ولا آمَن أن تخترمسَى المنيّةُ ولما أجاهد الظالمين. فيالَهَ غَبْنًا، ويالَهَ فَضْلا متروكًا !جعلنا الله وإيّاك ممن يريد بعمله اللّهَ(٢) ورضوانَه، والنظر إلى وجهه، ومرافقةَ الصالحين فى دار السلام. والسلام عليك . قال : فلما قديم على صالح المحلّل بن وائل بذلك الكتاب من شبيب کتب إليه صالح : أما بعد ، فقد كان كتابُك وخبرُك أبطاً عنى حتى أهَّى ذلك، ثمّ إنّ امرأً من المسلمين نبأنى بنبل مُخرجِك ومقدمك، فنحمد الله على قضاء ربَّنا. وقد قدم علىَّ رسولُك بكتابك ، فكلّ ما فيهِ قد فهمتُهُ ، ونحن (١) ب، ف: ((الخروج والشخوص)). (٢) !: ((بفعله الله))، وبعدها فى ب، ف: ((والدار الآخرة)). ٢١٩ سنة ٧٦ فى جهاز واستعداد للخروج ، ولم يمنعْنى من الخروج إلّ انتظارك ، فأقبل إلينا ، ثمّ اخرج بنا متى ما أحبَبْت، فإنك ممن لا يُستغنى عن رأيه ، ولا تُقَضَىَ دونَه الأمور . والسلام عليك . فلما قَدِمِ على شبيب كتابُه بعث إلى نفر من أصحابه فجمعهم إليه ؛ منهم أخوه مصاد بن يزيد بن نُعيم ، والمحلل بن وائل اليَشْكُرِىّ ، والصقر ابن حاتم من بنى تيم بن شيبان ، وإبراهيم بن حجر أبو الصَّقير من بنى مُحْتَلّم، والفضل بنُ عامر من بنى ذُهْل بن شَيْبان، ثُمَّ خرج حتى قَدِيمٍ على صالح بن مسرّح بِدارًا ، فلمّا لقّه قال: اخرُج بنا رحمك الله ! فوالله ما تزداد السنَّةَ إلَّ دُرُوسًا، ولا يَزداد المجرمون إلاّ طُغْيَانًا. فبثّ صالحٌ رسله فى أصحابه ، وواعدهم الخروج فى هلال صفر ليلة الأربعاء سنة ستُّ وسبعين. فاجتمع بعضُهم إلى بعض، وتهيَّئوا ، وتيسروا للخروج فى تلك اللَّيلة ، واجتمعوا جميعما عنده فى تلك الليلة لِميعاده . ٨٨٦/٢ قال أبو مخنف: فحدّثّى فَرْوة بن لقيط الأزْدىّ، قال: والله إنى للمَعَ شبيب بالمدائن إذْ حدّثنا عن مخرجهم ، قال: لما هممنا بالخروج اجتمعْنا إلى صالح بنِ مسرّح ليلة خرج ، فكان رأيى استعراضُ الناس لِمَا رأيتُ من المنكر والعدوان والفساد فى الأرض، فقمتُ إليه فقلت : يا أميرَ المؤمنين ، كيف تَرَى فى السيرة فى هؤلاء الظلمة؟ أنقتلهم قبل الدّعاء ، أم ندعوهم قبلَ القتال ؟ وسأخبرك برأيي فيهم قبل أن تُخبرَنى فيهم برأيك؛ أمّا أنا فأرَى أن نَقتُل كلّ من لا يرى رأيتَنَا قريبًاً كان أو بعيدًا ، فإنانخرج على قوم غاوين طاغين باغين قد تركوا أمر الله ، واستحوذ عليهم الشيطان . فقال : لا بل ندعوهم، فلعمْرى لا يُجيبك إلّ منَ يرى رأيَك وليقاتِلنَّك مَنْ يزرِى عليك، والدعاءُ أقطع لحجَّتِهم ، وأبلغ فى الحجة عليهم . قال : فقلت له : فكيف ترى فيمن قاتَلَنَا فظفرْنا به ؟ ما تقول فى دمائهم وأموالهم ؟ فقال: إن قتلنا وغنمنا فلنا، وإن تجاوزنا وعفونا موسّع علينا ولنا . قال : فأحسن القول وأصابَ ، رحمة اللّه عليه وعلينا. قال أبو مخنف : فحدّثّنى رجلٌ من بنى محلّم أنّ صالحَ بنَ مسرح ٢٢٠ سنة ٧٦ قال لأصحابه ليلَة خرج : اتَّقوا الله عبادَ الله، ولا تعجلوا إلى قتال أحد من الناس إلّا أن يكونوا قومًا يريدونكم ، وينصبون لكم ، فإنكم إنَّما خرجتم غَضباً لله حيث انتهكتْ محارمه، وعُصِى فى الأرض ، فسُفكت الدماء بغير ٨٨٧/٢ حلِّها، وأخذتْ الأموال بغير حقّها، فلا تتعيبوا على قوم أعمالا ثمّ تعملوا بها، فإن كلّ ما أنتم عاملون أنتم عنه مسئولون، وإنّ عُظْمَكم رجّالة ، وهذه دوابٌ لمحمّد بن مروان فى هذا الرُّسْتاق، فابدَءَوا بها، فشُدّوا عليها، فاحمِلوا أراجِلَكم(١)، وتقوّوا بها على عدُوّكم . فخرجوا فأخذوا تلك الليلة الدواب فحَمَلُوا رَجّالتهم عليها، وصارت رجّالتُها فُرسانًا، وأقاموا بأرضِ دارا ثلاثَ عَشْرَة ليلة، وتحصَّن منهم أهل دارا وأهلُ نَصِيبِين وأهلُ سِنْجار، وخرج صالحٌ ليلةً خرجَ فى مائة وعشرين - وقيل فى مائة وعشرة - قال : وبلغ مخرجهُم محمد بن مروان وهو يومئذ أميرُ الجزيرة ، فاستخفّ بأمرهم ، وبعث إليهم عدىّ بن عدىّ بن عُميرة من بنى الحارث بن معاوية بن ثور فى خمسمائة، فقال له: أصلح اللّه الأمير! أتبعثنى إلى رأس الخوارج منذ عشرين سنة! قد خرج معه رجالٌ من ربيعة قد سُمُوا لى ، كانوا يعازوننا، الرجلُ منهم خيرٌ من مائة فارس فى خمسمائة رجل . قال له : فإنى أزيدك خمسمائة أخرى ، فسر إليهم فى ألف ، فسار من حرّان فى ألف رجل ، فكان أوّل جيش سار إلى صالح وسار إليه عدىّ ، وكأنَّما يساق إلى الموت ، وكان عدىّ رجلا يتنسّك، فأقبَل حتى إذا نزل دوْغانَ نزل بالنَّاس وسرّح إلى صالح بنِ مسرّح رجلا دَسَّه إليه ٨٨٨/٢ من بنى خالد من بنى الورثة؛ يقال له: زياد بن عبد الله، فقال: إنّ عديًا بَعَشَى إليك يسألُك أن تخرج من هذا البلد وتأتىَ بلداً آخر فتُقاتِلَ أهله، فإِنّ عديًّا للقائك كاره ، فقال له صالح: ارجع إليه ، فقل له: إن كنتَ ترى رأينا(٢) فأرِنا من ذلك ما نتَعرِف (٣)، ثمَّ نحن مُدلجون عنك من هذا البلد إلى غيره ، وإن كنتَ على رأى الجبابرة وأئمة السَّوءِ(٤) رأيْنا رأينا، فإن شئنا (١) ط: ((أرجلكم))، وانظر ابن الأثير. (٢) بعدها فى ب، ف: ((فأنت آمن)). (٤) ب، ف: ((العدوان)). (٣) ب، ف: ((ما نعرفه)).