النص المفهرس
صفحات 141-160
١٤١ سنة ٦٩ رجع الحديث إلى حديث هشام ، عن عوانة ، قال : ولمَّا غلب عمرو على دمشق طلب عبدَ الرحمن بنَ أمّ الحَكَم فلم يُصِبه ، فأمر بداره فهُدِمِت واجتمع الناسُ، وصعِدَ المنبرَ فحَمِدِ اللّهَ وأثنَى عليه، ثم قال: أيها الناس، إنَّه لم يقُم أحد من قريش قبلى على هذا المنبر إلّا زعم أنّ له جنةً ونارًا، يُدخِل الجنَّة من أطاعه، والنارَ من عصاه ، وإنى أخبركم أنّ الجنة والنارَ بيد الله، وأنَّه ليس إلىّ من ذلك شىءٌ، غير أن لكم على حُسنَ المؤاساة والعطيَّة . ونزل. وأصبح عبد الملك، ففقد عمروسعيد ، فسأل عنه، فأخبر خبره ، فرجع عبدُ الملك إلى دمَشق، فإذا عمرو قد جلَّل دمَشق المُسوحَ فقاتَلَه بها أيَّامًا، وكان عمرو بنُ سعيد إذا أخرَج حميد بنَ حُرَيث الكلبىّ على الخَيْل أخرَج إليه عبدُ الملك سُفْيانَ بن الأبردِ الكَلْبِىّ ، وإذا أخرج عمرو بنَ سعيد زهيرَ بن الأبرد الكلبىّ أخرَج إليه عبد الملك حسَّانَّ بن مالك بنَ بتَحْدل الكلبِىّ . ٧٨٥/٢ قال هشام حدّثنى عوانة ، أنّ الخيلين تواقفتا ذاتَ يوم ، وكان مع عَمرو بنِ سعيد رجلٌ من كَلْب يقال له رَجاء بن سرّاج، فقال رجاء : يا عبدَ الرّحمن بنَ سليم، ابرُز - وكان عبدُ الرحمن مع عبدِ الملك - فقال عبدُ الرحمن : قد أنْصف القَارَةَ من رامَاها، وبَرز له ، فاطّعّنا وانقَطَعَ ركابُ عبدِ الرحمن ، فَنَجَا منه ابنُ سراج، فقال عبدُ الرحمن: واللّهِ لولا انقطاع الرّكاب لرميت بما فى بطنِك من تبْن ، وما اصطلح عمرو وعبدُ الملك أبدًا، فلمَّأَ طالقِتالُهم جاءَ نساءُ كتَلْب وصِبْيانُهم فبكتَيْن وقُلْن لسُهيانَ بن الأبرد ولابن بَحْدل الكلبىّ: عَلام تقتُلُون أنفسكم لسلطانِ قُرَيَش! فَحْلَف كلّ واحد منهما ألّ يرجع حتَّى يرجع صاحبُه ، فلمَّا أجمعوا على الرّجوع نظروا فوجدوا سُفيان أكبرَ من حُريث، فطلبوا إلى حُرَيث، فرجع. ثمّ إنّ عبدَ الملك وعمرًا اصطلحا، وكَتَبا بينهما كتابًا، وآمَنَه عبدُ الملك وذلك عشيّة الخميس. قال هشام: فحدّثْنِى عَوانة أنّ عمرو بنَ سعيد خرج فى الخَيْل ٢٨٦/٢ ١٤٢ ٠ سنة ٦٩ متقدّدًا قوسًا سوداء ، فأقْبَل حتَّى أوطأ فرسه أطناب سُرادق عبد الملك، فانقطعتْ الأطنابُ وسقط السرادق، ونزل عمرُو فجلس وعبدُ الملك مُنْضَب، فقال لعمرو: يا أبا أميَّة ، كأنَّكِ تَشَبَّهُ بتقلُّدك هذه القوسَ بهذا الحِىّ من قيس! قال : لا ، ولكنى أتشبَّه بمن هو خيرٌ منهم ؛ العاص بن أميّة. ثمّ قام مغضباً والخيلُ معه حتَّى دخل دمشق، ودخل عبدُ الملك دمشق يومَ الخميس، فبعث إلى عمرو أن أعطِ النّاس أرزاقهم، فأرسل إليه عَمرو: إنّ هذا لك ليسَ بيلد فاشخص عنه . فلمَّا كان يوم الاثنين وذلك بعد دخولِ عبد الملك دمَشق بأربع بعث إلى عمرو أن اثتِى - وهو عند امرأته الكلبية ، وقد كان عبدُ الملك دعا كُريب بنَ أبرهة بنَ الصَّاحِ الحميرىّ" فاستشاره فى أمر عمرو بن سعيد، فقال له: فى هذا هلكت حِمْرٌ، لا أرَى لك (١) ذلك، لا ناقَتِى فى ذَا ولا جملى- فلَّما أتى رسولُ عبد الملك عمرًاً يدعوه صادف الرسولُ عبدَ اللّه بن يزيد بن معاوية عند عمرو ، فقال عبد الله لعمرو بن سعيد: يا أبا أميَّة، واللّه لأنت أحبُّ إلىّ مِن سَمْعِى وبصرى ، وقد أرى هذا الرّجل قد بعث إليك أن تأتيه، وأنا أرَى لك ألاّ تفعل ، فقال له عمرو: ولم ؟ قال: لأنّ تُبيع ابن امرأةٍ كتَعْب الأحبار قال: إنّ عظيمًا من عظماءٍ ولد إسماعيل يتَرجع فيُغلق أبواب دمشق، ثمّ يَخرج منها، فلا يلبث أن يُقتل؛ فقال له عمرو: والله لو كنتُ نائمًا ما تخوّفت أن ينبّهنى ابنُ الزّرقاء ، ولا كان ليجترئُ على ذلك منى، مع أنّ عمّانَ بنَ عفَّان أتانى البارحة فى المنام فألبسنى قميصه - وكان عبدُ الله بنُ يزيدَ زوج أم موسى بنت عمر وبن سعيد - فقال عمرو للرسول : أبلغه السلام، وقل له: أنا رائح إليك العشيَّةَ إن شاء الله. فلمَّا كان العشىّ لبس عمرو دِرْعًاً حَصينة بين قباء قُوهىّ (٢) وقميص قُوهىّ، وتنقلَّد سيفَه وعندَه امرأتهُ الكلْبِيّة، وحُميد بن حُرّيث بن بَحْدل الكلبىّ، فلمَّا نهض متوجهاً، عثر بالبساط ، فقال له حميد: أما والله لئن (٣) أطعْتَى لم تأته ، وقالت له امرأتهُ تلك المقالةَ ، فلم يلتفتْ إلى قولهم ، ومضى فى مائة رجل من مَواليه ، وقد بعث عبدُ الملك إلى بنى مَرْوان فاجتَمَعَوا عندَه، فلمَّا بلغ عبد الملك ٧٨٧/٢ (١) ف: ((لارأى لى فى ذلك)). (٣) ف: ((لو)). (٢) قوهى : نسبة إلى قوهستان. ١٤٣ سنة ٦٩ أنّه بالباب أمر أن يُحبَس مَن كان معه، وأذن له فدخل ، ولم تَزّل أصحابُه يُحْبَسون عند كلّ باب حتى دخل عمرٌو قاعةَ الدّار، وما معه إلاّ وصيف له ، فَرضَى عمرٌو ببصره نحوَ عبد الملك، فإذا حوله بنو مروان، وفيهم حسَّان ابنُ مالِك بن يَحْدل الكلبىّ وقبيصة بن ذُ ؤيب الخُزاعى، فلما رأى جماعتهم أحسَّ بالشرّ؛ فالتفت إلى وصيفه فقال : انطلِقٍ ويْحَك إلى يَحيى بنٍ سعيد، فقل له يأتينى. فقال له الوصيف ولم يتفهم ما قال له : لبّيك! فقال له : اغْرُب عنّى فى حرقِ اللّه ونارِه. وقال عبدُ الملك لحسَّان وقبيصة: إذا شئما فقُومَا فالتَقِيا وعمرًا فى الدار ، فقال عبدُ الملك لهما كالمازح ليطمئنّ عمرو بن سعيد : أيّكما أطولُ ؟ فقال حسَّان: قَبيصةُ يا أمير المؤمنين أطولُ منى بالإمرة ، وكان قبيصةُ على الخاتم. ثمّ التفت عمرو إلى وصِيفه فقال: انطلِقْ إلى يحيى فمُرْه أن يأتيَى ، فقال له : لَبَّك، ولم يفهم عنه، فقال له عمرو : اغْرُب عنى ، فلمَّا خرج حسَّان وقبيصة أمر بالأبراب فغلِّقَتْ، ودخل عمرو فرّحب به عبدُ الملك ، وقال : ها هنا يا أبا أميّة ، يرحمك الله! فأجلسَه معه على السّرير، وجعل يحدّثه (١) طويلا، ثم قال : يا غلام، خذِ السَّيف عنه، فقال عمرو: إنَّا لله يا أميرَ المؤمنين! فقال عبدُ الملك: أَوَ تطْمع أن تجلس معى متقلّدًا سيفك! فأخذ السيف عنه، ثمّ تحدَّثَا ما شاء اللّه، ثمّ قال له عبدُ الملك: يا أبا أميّة؛ قال : لَبَّك يا أمير المؤمنين؛ فقال: إنَّك حيث خلعتَنى آليتُ بيمين إنْ أنا ملأتُ عينى منك وأنا مالِكٌ لك أن أجمعتك فى جامعة، فقال له بنو مَرْوان: ثمّ تُطلِقِه يا أمير المؤمنين؟ قال: ثمّ أطلقه، وما عسيتُ أن أُصنَعَ بأبى أميَّة! فقال بنو مسَرْوان: أبِرّ قَسم أمير المؤمنين، فقال عمرو : قد أبرّ اللّه قسمك يا أمير المؤمين ، فأخرج من تحت فراشه جامعةً فطرحها إليه ، ثمّ قال: يا غلام، قم فاجمعْه فيها؛ فقام الغلام فَجَمَعه فيها ، فقال عمرو: أذكّرك الله يا أميرَ المؤمنين أن تُخِرِجنى فيها على رءوس الناس! فقال عبدُ الملك: أمَكْرًا أبا أميّة عند الموت! لا ها اللّه إذًا! ما كنَّا ٧٨٨/٢ (١) ف: ((يحادثه)). ١٤٤ سنة ٦٩ ٧٨٩/٢ لُخرِجَك فى جامعة على رءوس الناس ، ولما نخرجها منك إلا صُعدًا. ثمّ اجتبذه اجتباذةً أصاب فمَه السريرُ فَكَسَرَ ثَنِيَّه(١)، فقال عمرو: أُذكِّرك الله يا أمير المؤمنين أن يدعوك إلى كسر عظم منّى أن تركب(٢) ما هو أعظم من ذلك. فقال له عبدُ الملك: واللهِ لو أعلم أنك تُبْقى علىّ إن أبقِىَ عليك وتصلح قريش لأطلقتُك، ولكن ما اجتمع رجلان قطّ فى بكدة على مثل ما نحن عليه إلّ أخرج أحدُهما صاحبه. فلمَّا رأى عمرو أنّ ثنيَّته قد اندقَّت(٣) وعرف الَّذى يريد عبدالملك، قال: أغدْرًا يا بن الزّرقاء! وقيل : إنّ عبد الملك لمَّا جَذب عمراً فسقطتْ ثَنيَّته جعل عمرو يمسّها ، فقال عبدُ الملك له: أرى ثنيَّتَك قد وقعتْ(٤) منك موقعاً لا تطيب نفسُك بعدَها . فأمر به فضُرِبَ عنقه . رجع الحديث إلى حديثِ عَوانة. وأذّن المؤذّنُ العصرَ، فخرج عبدُ الملك يصلِّى بالناس ، وأمر عبدَ العزيز بنَ مروان أن يقتله ، فقام إليه عبدُ العزيز بالسَّيف، فقال له عمرو: أذكِّرْكُ اللّهَ والرّحِمَ أن تلىّ أنتَ قَتْلى، وليتولّ ذلك مَنْ هو أبْعَد رحِمًا منك! فألقى عبد العزيز السيفَ وجلس، وصلّى عبدُ الملك صلاة خفيفة، ودخل، وغُلّقت الأبواب ورأى الناسُ عبدَ الملك حيث خرج وليس عمرٌو معه ، فذكروا ذلك ليحيى بن سعيد فأقبَل فى النَّاس حتَّى حَلَّ بباب عبد الملك ومعه ألفُ عبدٍ لعمرو ، وأناس بعدُ مِن أصحابِه كثير، فجعل من كان معه يصيحون: أسمعْنا صوْتَك يا أبا أميَّة! وأقبل مع يحيى بن سعيد حُميد بن حُرَيَت وزُهَير بن الأبْرد فكسروا بابَ المقصورة ، وضربوا الناسَ بالسيوف، وضرب عبدٌ لعَمْرو بنٍ ١٩ سعيد يقال له مصْقلة الوليد بن عبد الملك ضربةً على رأسه، واحتمله إبراهيم ابنُ عربىّ صاحبُ الديوان فأدخله بيت القراطيس، ودخل عبدُ الملك حين صلّى فوجد عمرًا حيًّاً، فقال لعبد العزيز: ما منعك من أن تقتُلُه! قال : ٠٠ ٧٩٠/٢ (١) ف: ((ثنيتيه)). (٣) ف: ((أن ثنيتيه اندقتا)). (٢) بغدها فى ف: ((منى)). (٤) ف: ((أرى أن ثنيتيك اندقتا)). ١٤٥ سنة ٦٩ مَنَعنى أنَّه ناشدنى اللّهَ والرّحِمَ فرقَقْتُ له. فقال له عبدُ الملك: أخزى اللّه أمَّكَ البَوَالة على عَقِبِيْها، فإنَّك لم تُشبه غيرَها - وأمّ عبدالملك عائشةُ بنتُ معاوية بنِ المغيرة بن أبى العاص بن أميَّة ، وكانت أمّ عبد العزيز ليلى ، وذلك قول ابن الرُّقَيّات : بِلْيون تَغْدُو جِفَانُهُ رُذُمَا (١) ذاك ابنُ لَيَلَى عبدُ العزيزِ ببا ثم إنّ عبد الملك قال: يا غلام، ائتِى بالحَرْبة. فأتاه بالحَرْبة فهزّها، ثمّ طعنه بها فلم تَجُزْ، ثمّ ثَنَّى فلم تَجُز، فضرب بيده إلى عَضُد عمرو، فَوَجَد مسّ الدِّرْع، فضحك، ثمّ قال: ودارِعٌ أيضًا يا أبا أميَّة! إن كنت لمعدًّا! يا غلام، انتنى بالصَّمصامة، فأتاه بسيفه، ثمّ أمر بعمرو فصُرِع، وجَلَس على صدرِه فذَحه وهو يقول : ٧٩١/٢ ياعمرُو إِن لا تَدَعْ شَتْمِى وَمَنْقَصَى أَضرِبْك حيثُ تقولُ الهَامَةُ أُسِقُونِى(٢) وانَتَفَض عبدُ الملك رِعْدَةَ - وكذلك الرجلُ زعموا يُصيبُه إذا قَتَل ذا قَرَابة له - فحُمل عبدُ الملك عن صدرِهِ فُوضع على سريره ، فقال : ما رأيتُ مثلَ هذا قطّ، قَتَلَه صاحبُ دُنْيا ولا طالبُ آخرة . ودخل يحيى ابنُ سعيد ومن معه على بنى مروان الدارّ فجرّحوهم ومن كان معهم من موالِهم ، فقاتَلَوا يحيى وأصحابتَه ، وجاء عبدُ الرحمن بنُ أمّ الحكم الشَّقْسَفى فدَفَعَ إليه الرأس، فألقاه إلى النَّاس، وقامَ عبدُ العزيز بنُ مَروان فأخَذَ المال فى البدور ، فجعل يُلقِيها إلى الناس ، فلمَّا نظر الناسُ إلى الأموال ورأوا الرأسَ انتَهَبُوا الأموالَ وتفرّقوا. وقد قيل: إنّ عبد الملك ابن مروانَ لمَّا خرج إلى الصّلاة أمر غلامَه أبا الزُّعَيْزِعَةِ بقتلٍ عَمرو ، فَقَتَّلَه وألقى رأسَه إلى النَّاس وإلى أصحابه . ٧٩٢/٢ قال هشام : قال عَوانةُ : فحدّثْتُ أنّ عبد الملك أمرَ بتلك الأموال التى طُرحتْ إلى الناس فجُبِيَتْ حتَّى عادت كلّها إلى بيت المال ، ورُمِى يحيى بنُ سعيد يومئذ فى رأسه بصخرة، وأمر عبدُ الملكِ بسريرِه فأبرز إلى (١) ديوانه ١٥٢. رذما: ملاء. وبابليون: اسم لموضع الفسطاط. (٢) لذى الإصبع، من المفضّلية ٣١. - - ١٤٦ سنة ٦٩ المسجد ، وخرج فجلس عليه ، وفُقِد الوليد بن عبد الملك فجعل يقول : ويَحْكِم! أين الوليد؟ وأبيهمْ لئن كانوا قتلوه لقد أدر كوا ثأرَهم ، فأتاه إبراهيمُ بنُ عربىّ الكنانىّ فقال : هذا الوليد عندى ، قد أصابتْه جراحة ، وليس عليه بأس ، فأتِىَ عبدُ الملك بيحيى بن سعيد، فأمر به أن يُقْتّل، فقام إليه عبدُ العزيز، فقال: جَعلَى اللّه فِداك يا أميرَ المؤمنين! أتُراك قائلاً بنى أميَّة فى يوم واحد! فأمر بيحيى فحُبِس، ثم أتى بعنبسة بن سعيد، فأمربه أن يقتّل، فقام إليه عبد العزيز فقال: أذكرك الله يا أمير المؤمنين فى استئصال بنى أميَّة وهلاكها ! فأمر بعنبسة فحبس، ثم أتى بعنبسة بن سعيد فأمر به أن يقتل ، فقام إليه عبد العزيز بن مروان ، فقال : اذكرك الله يا أمير المؤمنين فى استئصال بنى أمية وهلاكها! فأمر بعَنْبسة فحُبِس، ثمّ أتِىَ بعامر بنِ الأسود الكلبىّ فضرب رأسه عبدُ الملك بقضيب خَيْزُران كان معه، ثم قال: أتقاتلنى مع عمرو وتكون معه علىّ! قال : نعم ، لأنّ عَمَرًاً أكرَمَنى وأهنتَنِى، وأدنانى وأقصيتى، وقرّبنى وأبعدْتنى، وأحسن إلىّ وأسأتَ إلىّ ، فكنتُ معه عليك. فأمر به عبدُ الملك أن يُقْتَّل ، فقام عبدُ العزيز فقال: أذكركَ اللّه يا أميرَ المؤمنين فى خالى! فوهبه له . وأمر يبنى سعيد فحُبسوا، ومكث يحيى فى الحَبْس شهرًا أو أكثر. ثمّ إنّ عبد الملك صَعِد المنبر، فحَمَد اللّهَ وأثنى عليه ، ثم استشار الناسِ فى قتلهٍ ، فقام بعضُ خطباء الناس فقال: يا أميرَ المؤمنين، هل تلد الحيَّةُ إلاّ حيَّة! نرى والله أن تَقَتُلُه فإنَّه منافق عدوّ. ثمّ قام عبدُ اللّه بن مَعَدَةَ الفَزاريّ، فقال : يا أميرَ المؤمنين ، إنّ يحيى ابنُ عمِّك، وقرابتُه ما قد علمت ، وقد صنعوا ما صنعوا، وصنعتَ بهم ما قد صنعتَ ، ولست لهم بآمِن ، ولا أرَى لك قتلهم ، ولكن سيِّرِهم إلى عدوّك، فإن هم قُتِلوا كنتَ قد كُفيت أمرهم بيدٍ غيرك ، وإن هم سكِموا ورجعوا رأيتَ فيهم رأيك . فأخذ برأيه، وأخرَجَ آلَ سعيد فألحقَهم بمُصعسَب بن الزبير ، فلمَّا قد موا عليه دخل يحيى بنُ سعيد ، فقال له ابن الزبير : انفلتَّ وانحصّ الذََّب، فقال: والله إن الذَب لَبِهُلْبِهِ. ثمّ إنّ عبد الملك بعث إلى امرأة عمرٍو الكلبيَّة: ابعثى إلىّ بالصّلح الَّذى كنتُ كتبته ٧٩٣/٢ ١٤٧ سنة ٦٩ لعمرو ، فقالت لرسولهِ: ارجع إليه فأعلِمْه أنى قد لففتُ ذلك الصلحَ معه فى أكفانِهِ ليُخاصِمك به عند ربِّه، وكان عمرو بنُ سعيد وعبدُ الملك يلتقيان فى النَّسب إلى أميَّة، وكانت أمّ عمرو أمّ البنين ابنةُ الحَكَم ابنِ أبى العاص عمَّةَ عبد الملك . ٧٩٤/٢ قال هشام : فحدّثنا عَوَانة أنّ الَّذى كان بين عبد الملك وعمرو كان". شرًّا قديمًا، وكان ابنًا سعيد أمّهُما أمّ البنين ، وكان عبدُ الملك ومعاويةُ ابنى مَرْوان، فكانوا وهم غِلْمان لا يزالون يأتون أمَّ مَرْوان بن الحكم الكنانيَّة يتحدّثون عندها ، فكان ينطلق مع عبد الملك ومعاوية غلام لهم أسود، وكانت أمّ مروانَ إذا أتَوْها هيَّأْتْ لهم طعامًا، ثمّ تأتيهم به فتضع بين يدىْ كلّ رجل صَحفةً على حدّة، وكانت لا تزال تؤرّش بين معاوية" ابن مروان ومحمَّد بن سعيد، وبين عبد الملك وعمرو بن سعيد، فيقتتلون ويتصارمون الحين، لا يكلِّم بعضُهم بعضًا ، وكانت تقول : إن لم يكن عند هذين عقل فعند هذين ، فكان ذلك دأبها كلَّما أتَوْها حتَّى أثبتت الشَّحْناء فى صدورهم . وذكر أنّ عبدَ الله بن يزيد القَسْرىّ أبا خالد كان مع يحيى ابن سعيد حيث دخل المسجد فكسر بابَ المقصورة ، فقاتل بنى مَرْوان ، فلمَّا قتِل عمرو وأخرج رأسه إلى النَّاس رَكب عبدُ اللّه وأخوه خالد فَلحقوا بالعراق، فأقام مع وُلد سعيد وهم مع مُصعَب حتَّى اجتمعت الجماعةُ على عبد الملك ، وقد كانت عينُ عبد الله بن يزيد فُقِئت يوم المَرْج ، وكان مع ابن الزبير يُقاتِل بنى أميَّة ، وإنه دخل على عبد الملك بعد الجماعة ، فقال: كيف أنتم آلَ يزيدَ ؟ فقال عبد الله: حُرباء حُرباء، فقال عبد الملك: ذلك بما قدّمتْ أيديكم، وما اللّهُ بظلام للعبيد. قال هشام عن عوانة: إنّ وُلْد عمرو بن سعيد دَخَلوا على عبد الملك بعد الجماعة وهم أربعة: أميّة ، وسعيد ، وإسماعيل ، ومحمَّد ، فلمَّا نظر إليهم عبدُ الملك قال لهم: إنَّكم أهل بَيْت لم تزالوا تَرَوْن لكم على جميع قومِكم فَضْلًا لم يَجعَلْه اللّه لكم، وإنّ الَّذى كان بينى وبين أبيكم لم ٧٩٥/٢ ١٤٨ سنة ٦٩ يكن حديثًا، بل كان قديمًا فى أنفُس أوّلِيكم على أوَّلِينا فى الجاهليَّة. فأقطع بأميَّة بن عمرو- وكان أكبرهم - فلم يقدر أن يتكلّم ، وكان أنبلتهم وأعقلَهم ، فقام سعيدُ بنُ عمرو وكان الأوسطَ فقال : يا أميرَ المؤمنين ، ما تَنّعى علينا أمرًا كان فى الجاهليّة، وقد جاء الله بالإسلام فتهدم ذلك، فوعَدَنا جنَّة، وحذَّرنا نارًا! وأمَّا الَّذى كان بينك وبين عمرو فإنّ عَمَرًا ابن عمك، وأنت أعلَم وما صنعت، وقد وَصَل عَمَرٌو إلى اللّه، وكَفَى بالله حسيباً، ولعمرى لئن أخذتتنا بما كان بينك وبينَه لبطن الأرض خيرٌ لنا من ظَهرها. فرق لهم عبدُ الملك رقَّةٌ شديدة، وقال: إنّ أباكم خيرنى بين أن يقتلنى أو أقتله ، فاخترتُ قتله على قتلى ، وأمَّا أنتم فما أرغبنى فيكم ، وأوصلنى لقرابتكم ، وأرعانى لحقكم ! فأحسن جائزتتَهم ، ووصَلهم وقرّبهم . وذكر أنّ خالد بنَ يزيدَ بنَ معاوية قال لعبد الملك ذات يوم : عجبٌ منك ومِن عمرو بن سعيد، كيف أصبت غِرّته فقتلته ! فقال عبد الملك: فَأَصُولَ صَولَةَ حازِمٍ مُسْتَمکنٍ دَانَيَتُهُ مِنِّى لِيَسكنَ رُوعُه ليسَ المُسِىءُ سبيلُه كالمُحسِن غَضَباً ومحمِيةً لدِينِى إِنَّه. ٧٩٦/٢ قال عَوَانة: لقىَ رجلٌ سعيدَ بن عمرو بن سعيد بمكنَّة، فقال له: وربّ هذه البَنِيَّة، ما كان فى القوم مثل أبيك، ولكنَّه نازع القومَ ما فى أيديهم فعتطب . وكان الواقدىّ يقول : إنَّما كان فى سنة تسع وستّين بين عبد الملك ابن مروانَ وعمرو بن سعيد الحصار، وذلك أنّ عمرو بنَ سعيد تحصّن بدمَشق فرجَعَ عبدُ الملك إليه من بُطنان حبيب، فحاصَرَه فيها؛ وأمَّاً قتلُهُ إِيَّاه فإنَّه كان فى سنة سبعين . وفى هذه السَّنَةِ(١) حَكَّم محكم من الخوارج بالخَيْف من مِنَّى فَقُتِل عند الجمرة ، ذكر محمَّد بنُ عمر أن يحيى بن سعيد بن دینار حدثه عن (١) قبلها فى ١: ((قال أبو جعفر)). ١٤٩ سنة ٦٩ أبيه، قال: رأيته عند الجمرة سكَل سيفه، وكانوا جماعةٌ فأمسك اللّهُ بأيديهم، وبَدَرَ هو من بينهم ، فحكم ، فمال الناسُ عليه فَقَتَلوه . وأقام الحجَّ للناس فى هذه السنة عبدُ اللّه بنُ الزبير . وكان عاملَه فيها على المصرين: الكوفة والبَّصْرة (١) أخوه مصعب بن الزّبير(٢. وكان على قضاء الكوفة شُرَيح ٢) وعلى قضاء البَصْرة هِشام بنُ هُبيرة، وعلى خُراسانَ عبدُ اللّه بنُ خازم . (١) ب، ف: ((البصرة والكوفة)). (٢ - ٢) ب،: ((وعلى الكوفة شريح يتولى قضاءها)». ثم دخلت سنة سبعين ذكر ما كان فيها من الأحداث ففى هذه السَّنَّة ثارت الرّوم ، واستجاشوا على مَن بالشأم من ذلك من المسلمين ؛ فصالح عبدُ الملك ملك الروم ، على أن يؤدّى إليه فى كلّ جمعة ألف دينار خوفًا منه على المسلمين . وفيها شخص- فيما ذكر (١) محمّدُ بن عمرَ - مصعبُ بن الزبير إلى مكَّة فقدمها بأموال عظيمة ، فقسمها فى قومه وغيرهم ، وقدم بدوابً كثيرة وظَهْر وأثقال، فأرسل إلى عبد اللّه بن صَفْوانَ وجُبير بن شَيْبة، وعبد الله بن مطيع مالاً كثيرًا ، ونحر بُدْنًا كثيرة . ٧٩٧/٢ وحجّ بالنَّاس فى هذه السَّنَة عبدُ الله بن الزّبير . وكان عُمَّاله على الأمصار فى هذه السنة عمَّاله فى السنة الَّتى قبلها على المعاون والقضاء . (١) ب، ف: ((زعم)). ١٥٠ ثم دخلت سنة إحدى وسبعين ذكر ما كان فيها من الأحداث فمن ذلك مسيرُ عبد الملك بن مسَرْوان فيها إلى العراق لحرب مُصعب بن الزبير، وكان عبد الملك - فيما قيل - لا يزال يقرب من مُصعب، حتَّى يبلغ بُطنان حَبيب، ويخرج مصعب إلى بَاجُمَّرًا، ثم تهجُم الشتاء فيرجع كلّ واحد منهما إلى موضعه ، ثم يعودان ؛ فقال عدىّ بن زيد بن عدى بن الرّقاع العاملىّ : بأَكْناف دِجْلةَ للمُصعَبِ (١) لعمْرى لقدْ أَصحرَتْ خيلُنا قِ عُوتب ثُمّتَ لم يُعْتَبِ (٢) إِذا ما مُنافق أَهل العِرَا قليل النَّفَقُّدِ للغُيَّب (٣) دَلفَنْا إِليهِ بذى تُدْرَإِ ةِ مُلْتَئِمِ النَّصْلِ والثَّعْلَبِ(٤) يهِزُّون كلَّ طويل القَنا ضجيجُ قَطَا بلدٍ مُخصبٍ كأنَّ وعَاهُمْ إِذا ما غَدُوْا كريم الضّرائب والمنْصِبِ فقدَّمنا واضحٌ وَجْهُهُ ومن يَنْصُر الله لم يُغْلَبِ(٥) أُعِينَ بِنَا ونُصِرْنا بِهِ ٧٩٨/٢ (١) الأغانى ٩ : ٣٠٥، ٣٠٦. (٣) ذو تدرأ. مدافع ذو عز ومتعة. وفى المسعودى: ((لدى موقف)). (٤) الثعلب هنا: رأس الرمح . وما قُلتُها رَهْبةً إِنما إِذا شِئْتُ نازلت مستقتلا فمن يكُ مِنّا يبت آمناً (٢) هذا البيت والذى يليه لم يرد فى رواية الأغانى. (٥ ) الأبيات برواية الأغانى: بأَكناف دِجْلةَ للمُصْعبِ لعمرِى لقد أَصحرتْ خيلُنَا يهزُون كلَّ طَوِيل القنا ةِ لدْنٍ ومعتدِلِ الثعلَبِ وإن شئتَ زدت عليها أبى فداؤُك أَمّى وأبناؤُها يحلّ العِقَابِ على المذنب أَزاحم كالجمل الأَجرَبِ ومن يكُ من غيرنا يهِرُب ١٥١ ١٥٢ سنة ٧١ فحدّثنى عمر بن شَبّة، قال : حدثنى علىّ بن محمد ، قال : أقبل عبدُ الملك من الشأم يريد مُصعباً - وذلك قبل هذه السنة ، فى سنة سبعين - ومعه خالد بن عبد الله بن خالد بن أسيد ، فقال خالد لعبد الملك : إن وجَّهتَنى إلى البصرة وأتْبعْتسنى خيلا يسيرة رجوتُ أن أغلب لك عليها . فوجَّهه عبد الملك ، فقد مها مستخفيًا فى مواليه وخاصّته ، حتى نزل على عمرو بن أصمع الباهلىّ . قال عمر : قال أبو الحسن : قال مسلمة بن محارب: أجار عمرو بن أصمع خالدًا، وأرسل إلى عبّاد بن الحُصين وهو على شُرطة ابن معمر - وكان مُصعب إذا شخص عن البصرة استخلّف عليها عبيدَ اللّه بن عبيد الله بن معمر - ورجا عمرو بن أصمع أن يبايعه عبّاد بن الحُصين - بأنّى قد أجَرْتُ خالدًا فأحببت أن تعلم ذلك لتكون لى ظهراً. فوافاه رسولُه حين نزل عن فرسه ، فقال له عبّاد: "قل له: والله لا أضع لبدَ فرسى حتى آتيَك" فى الخيل. فقال عمرو لخالد: إنى لا أغرّك، هذا عبَّاد يأتينا الساعة، ولا والله ما أقدر على منعك ؛ ولكن عليك بمالك بن مسْمَعَ . قال أبو زيد : قال أبو الحسن : ويقال إنَّه نزل على علىّ بن أصمع ، فبلغ ذلك عبّادًا(١) فأرسل إليه عبّاد: إنى سائر إليك. ٧٩٩/٢ حدّثّى عُمر [بن شبَّة](٢)، قال: حدثنى علىّ بن محمد، عن مسلمة وعَوانة(٣) أنّ خالدًا خرج من عند ابن أصمع يركض ، عليه قميص قُوهىّ رقيق، قد حسَرَه عن فخذيه، وأخرَج رجليه من الرّكابين؛ حتى أتى مالكًا ، فقال : إنى قد اضطررتُ إليك، فأجرْنى ، قال: نعم ، وخرج هو وابنه ، وأرسل إلى بكر بن وائل والأزد ؛ فكانت أوّل راية أنته رايةُ بنى يشكرُ . وأقبل عبَّاد فى الخيل، فتواقتَفُوا، ولم يكن بينهم ، فلما كان من الغد غدوا إلى حُفْرة نافع بن الحارث التى نُسبت بعدُ إلى خالد، ومع خالد رجال من بني تميم قد أتوْه ؛ منهم صعصعة بن معاوية ، وعبد العزيز بن (١) ب، ف: ((فقال)). (٣) ب، ف: ((عن عوانة)). (٢) من ب ، ف . ١٥٣ سنة ٧١ بشْر، ومرّة بن مِحْكَان ، فى عدد منهم ؛ وكان أصحاب خالد جُفْريَّة ينسبون إلى الجُفْرة، وأصحاب ابن معمر زُبَيْريّة؛ فكان من الجُفْريَّة عبيد الله بن أبى بكْرة وحُمْران والمغيرة بن المهلّب، ومن الزبيريّة قيس بن الهيثمِ السُّلَمَىّ؛ وكان يستأجر الرجال يقاتلون معه، فتقاضاه رجل أجرةً فقال : غدًا أعطيكها ، فقال غَطَفان بن أنيف ، أحد بنى كعب بن عمرو : لِبِئْس ما حكَمتَ يا جلاجِلُ النَّقْدُ دَيْنٌ والطِّعانُ عاجِلُ ء * وَأَنْتَ بالبابِ سميرٌ آجِلَ # وكان قيس يعلّق(١) فى عنق فرسه جلاجل، وكان علىخيل بنى حنظلة عمرو بن وبرة القحيفى"(٢)؛ وكان له عبيد يؤاجرهم بثلاثين ثلاثين كلّ يوم، فيعطيهم عشرة عشرة ، فقيل له : ٨٠٠/٢ لبئس ما حكمت يا بنَ وَبَرَهْ تُعطَى ثلاثينَ وتُعْطِى عَشَرهْ ووجَّه المصعب زَحْر بن قيس الجُعْفِىّ مَدَدًا لابن مَعَمَر فى ألف، ووجَّه عبدُ الملك عُبيدَ اللّه بنَ زياد بن ظَبْيانَ مددًا لخالد، فكره أن يدخلَ البَصرة، وأرسل مطرَ بنَ التّوعم فرجع إليه فأخبره بتفرّق الناس ، فَلحق بعبد الملك . قال أبو زيد : قال أبو الحسن : فحدثنى شيخٌ من بنى عرين، عن السكن بن قتادة، قال : اقتتلوا أربعةٌ عشرين يوماً، وأصيبتْ عين مالك ، فضجر من الحرب، ومشت السفراء ، بينهم يوسف بنُ عبد الله بن عثمان بن أبى العاص ، فصالحه، على أن يُخرج خالدًا وهو آمن ، فأخرج خالدًاً من البصرة ، وخاف ألا يجيز المُصعبُ أمانَ عُبيد اللّه، فتلحق مالك بنأج ، فقال الفرزدق يتذكر مالكًا ولُحوقَ التميميَّة به وبخالد : عجِبْتُ لِأَّقُوامِ تميمٌ أَبُوهُمُ وهُمْ فى بنى سعدٍ عِظامُ المَبَارِكِ (٣) (١) كذا فى ا، س، وفى ط: ((يعلم)). (٢) ب: ((الجعينى))، س: ((العجين)). (٣) ديوانه ٦٠٠. 1 ١٥٤ سنة ٧١ إِلى الأَزْد مُصْفَرًا لِحاها ومالكٍ وكانوا أَعزَّ الناسِ قبل مَسيرِهِمْ إِذا افتَرّ عن أنيابهِ غيْرَ ضاحِكِ ٨٠١/٢ فما ظَنُّكُم بابن الحَوَارِيِّ مُصْعَبٍ ونحن فَقَأْنَا عَيْنَهُ بِالنَّيَازِكِ ونحنُ نفَيْنا مالكاً عن بِلادِهِ قال أبو زيد: (١قال أبو الحسن: حدثنى مسلمة١) أنّ المُصعب لمَّا انصَرَف عبدُ الملك إلى دمشق لم يكن (٢) له همَّة إلّا البصرة، وطَمِع أن يُدرك بها خالدًا، فوجده عد خرج، وأمّن ابنُ مَعَمَرَ النَّاس، فأقام أكثرهم، وخاف بعضهم مُصعباً فشخص، فغضب مُصعسَب على ابن مَعَمَرَ، وحَلَف ألّ يوليه ، وأرسل إلى الجُفرّيّة فسبَّهم وأنّبهم . قال أبو زيد: فزعم المدائىّ وغيرُهُ مِن رُواة أهل البَصْرة أنَّه أرسَل إليهم فأتِىَ بهم، فأقبل على عُبيد الله بن أبى بكرة، فقال: يابنَ مَسْروح، إنَّما أنت ابنُ كَلْبة تعاوَرُها الكلاب، فجاءت بأحمر وأسود وأصفرَ من كلّ كلب بما يُشبهه، وإنَّما كان أبوك عبدًا نَزل إلى رسول الله صلَّى اللّه عليه وسلم من حصن الطائف ، ثم أقمْم البيِّنة تدّعون أن أبا سُفْيَانَ زنى بأمّكم، أما والله لئن بقيتُ لألحقنَّكُم بنَسبكم. ثمّ دعا بحُمْران فقال : يابن اليهوديَّة، إنَّما أنت عليْج نَبَطَىّ سُبيت من عَيْن التَّمر. ثمّ قال للحكم بن المنذر بن الجارود: يابنَ الخَبيث ، أتدرى من أنت ومن الجارودُ! إنَّما كان الجارودَ علْجاً بجزيرة ابن كاوَان فارسيًّا، فقطع إلى ساحل البحر ، فانتمى إلى عبد القيس، ولا والله ما أعرف حَيًّا أكثرَ اشتمالا على سَوْءة منهم. ثمّ أنكتح أختَه المُكعبر الفارسىّ فلم يُصب شرفاً قط أعظم منه، فهؤلاء ولدُها يابن قُباذ. ثمّ أتِىَ بعبد الله بن فضالة الزهرانىّ فقال: ألستَ من أهل هَجَر، ثمّ من أهل سماهيج! أما والله لأرُدّنَّك إلى نَسَبَك. ثمّ أتِى بعلىّ بن أصمع، فقال: أعَبْد لبنى تميم مرّةٌ وعَزْىٌّ من باهلة ! ثمّ أتِىَ بعبد العزيز بن بشْر بن حسَنَّط فقال: يا بن المشتور ، ألم يسرق عمُّك عنزًاً فى عهد عمرَ ؛ فأمر به فسيِّر ليقطعه! أما والله ما أعنتَ إلّا ٨٠٢/٢ (١-١) ب، ف: ((عمر بن شبة عن أبى الحسن المدائى عن مسلمة)). (٢) ب، ف: ((لم تكن)). ١٥٥ سنة ٧١ من ينكح أختَك- وكانت أختُهُ تحت مقاتل بن مسمعَ - ثم أتِىَ بأبى حاضر الأسدّى فقال: يابن الإِصْطَخرينَّة، ما أنتَ والأشراف! وإنما أنت من أهل قطَر دَعِىٌّ فى بنى أسد، ليس لك فيهم قريب ولا نسيب. ثم أتِىَ بزياد بن عمرو فقال: يابن الكَرْمانىّ، إنَّما أنت علْج من أهل كَرْمان قطعت إلى فارسَ فصرتَ مَاّحًا، مَا لَكَ وللحَرْب! لأنْتَ بَجرّ القَلْس(١) أحذْقُ. ثمّ أتِىَ بعبد الله بن عثمانَ بن أبى العاص فقال: أُعَلَىّ تُكَثِّر وأنتَ عْج من أهل هَجَر، لحق أبوك بالطَّائف وهم يضمّون من تأشَّب إليهم يتعزَّزون به! أما والله لأُردَ نَّك إلى أصلك. ثمّ أتِىَ بشَيْخ بن الثُّعْمان فقال: يابن الخبيث، إذَّما أنت علْج من أهل زَنْدَوَرْد، هَرَبَت أمك وقُتل أبوك، فتزوّج أختَه رجلٌ من بنى يشكر، فجاءت بغلامين، فألحقنَاك بنسبتهما ، ثم ضربهم مائةً مائةً، وحلَّق رءوسهم ولحاهم ، وهدمَ دُورهم ، وصَهرَهم فى الشَّمس ثلاثًا، وحملهم على طلاق نسائهم ، وجمتر أولادَهم فى البُعوث، وطاف بهم فى أقطار البصرة ، وأحلفهم ألّ ينكحوا الحرائر. وبعث مُصعبٌ خداشَ بنَ يزيدَ (٢) الأسَدِىّ فى طلب من هَرَّب من أصحاب خالد، فأدرَك سُرّة بن مَحْكانَ فأخذه ، فقال مُرَّةُ: ٨٠٣/٢ تميماً إِذا الحرب العَوَانُ اشمَعَلَّتِ بنى أَسَدٍ إِن تَقْتلونى تُحاربُوا فَتَعْفُونَ إِنْ كانَتْ بِىَ النَّعلُ زَلَّتِ بنى أَسد هَلْ فِيكُمُ من هَوَادَةٍ وأُورِيتُ مَعْناً أَنَّ حربىَ كلَّت فلا تَحْسَبِ الأَعْدَاءُ إِذغبتُ عَنْهُمُ وقد نَهَلَتْ مِنِّى الرِّمَاحُ وَعَلَّتِ تَمَثِّى خِدَاتٌ فى الأَسِكَّةَ آمِناً فقربه خداش فقتله - وكان خِدَاش على شُرْطة مُصعب يومئذ - وأمر مصعب سنانَ بن ذهل أحد بنى عمرو بن مَرْتَد بدار مالك بن (١) القلس : حبل غليظ من حبال السفن. (٢) ب، ف: ((مرثد)). ١٥٦ ٨٠٤/٢ سنة ٧١ مسمعَ فهدَمها ، وأخذ مُصعب ما كان فى دار مالك ، فكان فيما أخذ جارية ولدتْ له عمرَ بن مُصعَب. قال: وأقام مُصعَب بالبصرة حتى (١) شخص إلى الكوفة ، ثم لم(٢) يزل بالكوفة حتى خرج(٣) لحرب عبد الملك، ونزل عبدُ الملك مسكّن ، وكتب عبدُ الملك إلى المَرْوانِيَّة من أهل العراق ، فأجابه كلُّهم وشرطُوا عليه ولاية أصبهان، فأنهتم بها لهم كلّهم، منهم حنَجَّار ابنُ أبجَر، والغَضْبان بن القبَعْرَى، وعتَّب بن ورقاء، وقَطَن بنُ عبد الله الحارثىّ، ومحمَّدُ بن عبدالرحمن بن سعيد بن قيس، وزّحْر بن قيس، ومحمَّد ابنُ عُمَير، وعلى مقدّمته محمَّد بن مروان، وعلى ميمنته عبدُ الله بنُ يزيد بن معاوية، وعلى ميسرته خالدُ بن يزيدَ، وسار إليه مصعب وقد خذله أهل الكوفة. قال عروة بن المغيرة بن شُعْبة: فخرج يسيرُ متكئا على معرفة دابَّته، ثمّ تتصفّح(٤) الناس يمينًا وشمالا فوقعت عينُه على"، فقال: يا عُرْوة، إلىّ، فدنوتُ منه ، فقال : أخبرنى عن الحسين بن علىّ ، كيف صَنَعَ بإبائه النزول على حُكم ابن زياد وعزمه على الحرب ؟ فقال : إِنَّ الأُلَى بالطَّف من آلِ هاشِم تأَّسَّوْا فسَنُّوا للكرَامِ التَأَسِّيَا (٥) قال: فعلمتُ أنه لا يَرِيمُ حتَّى يُقْتَل، وكان عبدُ الملك - فما ذكر محمَّد بنُ عمر عن عبد اللّه بن محمَّد بن عبد الله بن أبى قرّة، عن إسحاقَ ٨٠٥/٢ ابن عبد الله بن أبى فَرْوة، عن رَجَاء بنَ حَْوَة - قال: لمَّا قتَل عمرو بن سعيد وضع السيف فقتل من خالفه ، فلمَّا أجمع بالمسير إلى مُصعب وقد صفت له الشأمُ وأهلها خَطَب الناسَ وأمرهم بالتهُّيؤ إلى مصعب، فاختلف عليه رؤساء أهل الشأم من غير خلاف لما يريده، ولكنهم أحَبُّوا أن يقيمَ ويقدّم الجيوش ، فإن ظفروا فذاك، وإن لم يظفروا أمدَّهم بالجيوش خشيةً على الناس إن أصيب فى لقائه مصعبًا لم يكن وراءه ملك، فقالوا : يا أميرَ المؤمنين ، لو أقمتَ مكانَك وبعثتَ على هؤلاء الجيوش رجلاً من أهل بيتك، ثمّ (١) ب، ف: ((ثم)). (٢) ب، ف: ((ولم)). (٣) ب، ف: ((شخص)). (٤) ب، ف: (يتصفح)). (٥) اللسان (أسى) من غير نسبة، وروايته: ((التآسيا)). 1 ١٥٧ سنة ٧١ سرّحتَه إلى مصعب! فقال عبدُ الملك: إنَّه لا يقوم بهذا الأمر إلاّ قرشىّ له رأى، ولعلّى أبعث من له شجاعة ولا رأى له ، وإنى أجد فى نفسى أنى بصيرٌ بالحرب، شجاعٌ بالسَّيف إنْ ألجِئْتُ إلى ذلك ، ومصعب فى بيت شجاعة ، أبوه أشجع قريش، وهو شجاع ولا علم له بالحرب ، يُحبّ الخفض، ومعه من يُخالفه ، ومعى من ينصح لى. فسار عبد الملك حتَّى نزل مَسْكِن، وسار مصعب إلى باجُمَيْرًا، وكتب عبدُ الملك إلى شيعته من أهل العراق، فأقبل إبراهيمُ بنُ الأشتر بكتاب عبد الملك مختومًا لم يقرأه ، فدفعه إلى مصعب ، فقال : ما فيه ؟ فقال : ما قرأته ، فقرأه مصعب فإذا هو يدعوه إلى نفسه، ويجعل له ولاية العراق، فقال لمصعب: إنّه والله ما كان من أحد آيس(١) منه منى، ولقد كتب إلى أصحابك كلّهم بمثل الَّذى كتب إلىّ، فأطعْنى فيهم فاضربْ أعناقهم. قال: إذا لا تُناصحُنا عشائرُهم . قال: فأوقرْهم حديدًا وأبعث بهم إلى أبيض كسرَى فاحبسْهم(٢) هنالك، ووَكِّل بهم من إن غُلِبْتَ ضرب أعنقهم، وإن غَلبت مَنتَ بهم على عشائرهم. فقال: يا أبا النعمان، إنى لَفى شغل عن ذلك، يرحَم اللّهُ أبا بَحْر، إنْ كان ليَحذّرنى غدرَ أهل العراق، كأنَّه كان يَنظُر إلى ما نحن فيه ! ٨٠٦/٢ 1 حدّثّنى عمر، قال: حدّثنا محمَّد بنُ سَلاّم، عن عبد القاهر بن السَّرىّ، قال : همَّ أهلُ العراق بالغَدْرِ بمُصعَب ، فقال قيسُ بنُ الهيثم : ويحكَم ! لا تُدخلوا أهلَ الشأم عليكم، فوالله لئن تَطعَّموا بعيشكم لَيُصْفِينَ" عليكم منازلكم، والله لقد رأيتُ سيّدَ أهل الشأم على باب الخليفة يفرح إن أرسَلَه فى حاجة، ولقد رأيتُنا فى الصّرائف وأحدُنا على ألف بعير ، وإنّ الرجلَ من وجوههمْ لِيَغْزُو على فرَسَه وزادُهُ خَلْفَه. قال : ولمَّا تدانى العسكران بدَيْر الجائليق من مَسْكِنَ ، تتقدّم إبراهيمُ بنُ الأشتر فحمَل على محمَّد بن مَرْوان فأزالَه عن موضعه ، فرجه عبدُ الملك بن مروانَ عبدَ اللّه بنَ يزيد بن معاوية، فقرب من محمد بن (١) ب، ف: ((آنس)). (٢) ب، ف: ((واحبسهم)). ١٥٨ سنة ٧١ مروان. والتقى القومُ فَقُتِلِ مُسلم بن عَمرو الباهلىَّ، وقتِلِ يَحَبِى ابن مبشِّر، أحد بنى ثعلبة بن يَرْبوع، وقتل إبراهيم بن الأشتر، فهرب عتَّاب ابنُ وَرْقَاء - وكان على الخيل مع مصعَب - فقال مصعب لقطَن بن ٨٠٧/٢ عبد الله الحارثيّ: أبا عثمان، قَدّم خيلك، قال: ما أرى ذلك، قال: ولمَّ؟ قال: أكرَه أن تُقْتَّل مدْحجٌ فى غير شىء، فقال لحجَّار بن أبجر: أبا أسيد ، قدّم رايتَك؛ قال: إلى هذه العَذرة! قال: ما تتأخَّر إليه والله أنتن وألأم؛ فقال لمحصَّد بنِ عبد الرّحمن بنِ سعيد بنِ قَيْس مثل ذلك ، فقال: ما أرَى أحدًا فَعَل ذلك فأفْعله، فقال مصعب : يا إبراهيم ولا إبراهيمَ لى اليوم! حدّثنى أبو زيد، قال: حدثنى محمَّد بنُ سَلام، قال: أخبِر ابنُ خازم بمسير مُصعب إلى عبد الملك، فقال: أمَعَه عمر بنُ عُبيد الله بن معمر ؟ قيل: لا، استعمله على فارس، قال : أفمعَه المهلَّبِ بنُ أبى صفرة ؟ قيل : لا ، استعمله على الموصل، قال : أفمعَه عبَّاد بن الحصين ؟ قيل : لا ، استخلفه على البصرة ، فقال: وأنا بخُراسان! خُذِينِى فِجُرِّينِى جَعَارِ وَأَبْشِرِى بلَحْمٍ أَمِرِئٍ لم يَشْهَدِ اليَوْمَ ناصِرُهْ فقال مصعب لابنه عيسى بنِ مُصَعب: يا بُنىّ، ارَكَب أنتَ ومن معك إلى عمَّك بمكنَّةٍ فأخبره ما صنع أهلُ العراق ، ودَعنى فإنى مَقْتول . فقال ابنُه: والله لا أخبر قريشًا عنك أبدًا، ولكن إن أردت ذلك فالحقْ بالبصرة فهم على الجماعة ، أو الحَقْ بأمير المؤمنين . قال مصعب: والله لا تتحدّث قريش أنى فررت بما صنعتْ ربيعةُ من خذلانها حتى أدخُل ٨٠٨/٢ الحرمَ مُنهزمًا، ولكن (١) أقاتل، فإنْ (٢) قُتلت فلعَمْرى ما السَّف بعار، وما القرار لى بعادة ولا خُلُق، ولكن إن أردت أن تَرَجع فارجع فقاتلْ. فرجع فقاتل حتَّى قتل . قال علىّ بنُ محمَّد عن يحيى بن سعيد بن أبى المُهاجر ، عن أبيه (١) ب، ف: ((ولكنى)). (٢) ب، ف: ((فلْن)). ١٥٩ سنة ٧١ إن عبد الملك أرسل إلى مصعب مع أخيه محمد بن مروان: إنّ ابنَ عمِّك يعطيك الأمان، فقال مصعب : إنّ مثلى لا ينصرف عن مثلِ هذا الموقف إلاّ غالبًا أو مغلوباً . وقال الهيْم بنُ عَدِىّ: حدثنا عبدُ الله بنُ عَيَّاش، عن أبيه، قال : إِنَّا لُوُقُوفٌ مع عبد الملك بن مروان وهو يُحارب مصعبًا إِذْ دنا زياد بن عمرو، فقال: يا أمير المؤمنين، إنّ إسماعيلَ بنَ طَلْحَة كان لى جارَ صدق، قَّما أرادَنى مُصَعَب بسوء إلّا دَفَعُه عنى، فإن رأيتَ أن تؤمنَه على جرمه! قال: هو آمن، فمضى زياد - وكان ضخمًا على ضخم- حتَّى صار بين الصّفَّين، فصاح: أين أبو البخْتَرَىّ إسماعيلُ بنُ طَلْحة؟ فخرج إليه، فقال : إنى أريد أن أذكرَ لك شيئًا، فَدَنا حتَّى اختلفت أعناق دوابِّهما - وكان الناسُ ينتَطقون بالحَوَاشِى المحشوّة - فوضع زياد يده فى منطقة إسماعيلَ، ثمّ اقتَلَعَه عن سَرْجه - وكان نحيفاً - فقال: أنشدك الله يا أبا المغيرة، إنّ هذا ليس بالوفاء لمصعب، فقال: هذا أحبّ إلىّ من أن أراك غَدًا مقتولا . ولمَّا أبى مصعب قبول الأمان نادَى محمَّد بنُ مروان عيسى بن مصعب وقال له : يا بن أخى ، لا تقتل نفسك ، لك الأمان ، فقال له مُصعب : قد آمَنَك عَمُّك فامض إليه ، قال : لا تتحدّث نساءُ قريش أنى أسْلمتك للقتل؛ قال : فتقدّم بين يدىَّ أحتَسِبْك، فقاتل بين يديه حتَّى قتل ، وأثخِن مصعب بالرّمْى ، ونظر إليه زائدة بن قدامةَ فشدّ عليه فطعنه ، وقال: يا لثارات المختار! فصرعه، ونزل إليه عُبيد اللّه ابنُ زياد بنِ ظَبْيَانَ ، فاحتزّ رأسَه، وقال: إنَّه قَتَل أخى النابى بن زياد. فأتِىَ به عبد الملك بن مروان فأثابَه ألف دينار ، فأبى أن يأخذها ، وقال : إنى لم أقتله على طاعتك، إنما قتلتُهُ على وِتْرٍ صَّنَعَه بِى، ولا آخذٌ فى حَمْل رأس مالاً . فتَرَكه عند عبد الملك . وكان الوِتْر الذى ذَكرَه عُبيد الله بن زياد بن ظبيان أنه قتل عليه مصعبًا أنّ مصعباً كان ولى فى بعضٍ ولايتهِ شرطه مطرّف بن سيدان الباهلى ثم أحدبنى جاوة. ٨٠٩/٢ ١٦٠ سنة ٧١ فحدّثّنى عمرُ بنُ شَبَّة، قال: حدثنى أبو الحسن المداثنىّ ومَخلد بنُ يحيى بن حاضر، أنّ مطرّفاً أقسىَ بالنابى بن زياد بن ظَبْيان ورجل من بنى نُمَير قد قطعا الطريق ، فقتل النابئ ، وضرب النميرىّ بالسياط فتركه ، فجمع له عبيدُ اللّه بنُ زياد بن ظَبْيان جَمْعاً بعد أن عزله مُصعب عن البصرة وولآه الأهواز، فخرج يريده، فالتّقسيا فَتواقفا وبينهما نهر، فعبر مطرف ٨١٠/٢ إليه الشَّهرَ، وعاجله ابنُ ظَبْيانَ فطعنه فقتله، فبعث مصعبٌ مكرم بن مطرّف فى طَلَب ابن ظبْيانَ، فسار حتَّى بلغ عسكرَ مُكرَم ، فنُسِب إليه، ولم يلقَ ابنَ ظَبْيان. ولحق ابن ظَبْيان بعبد الملك لمَّا قُتِل أخوه، فقال البَعَيثُ اليَشْكُرىّ بعد قتْل مُصعب يتذكُر ذلك : وهمّ الهَوَادِى أَنْ تكُنَّ توالِيا(١) ولما رأينا الأَمرَ نكْساً صُدُورُهُ ولم نَرْضَ إِلاَّ مِنْ أُمَيَّةَ واليا صَبَرْنا لأمر الله حتَّى يُقيمَهُ أَخَا أَسدٍ والنَّخَعِىَّ اليانِيَا ونحْنُ قَتَلنا مُصْعَباً وأبنَ مُصْعبٍ فَأَهْوَتْ له ناباً فَأَصبَحَ ثَاوِيَا ومرّتْ عُقَابُ الموتِ مِنَّا بمسِلم. كَفَتَنْا ، وخيرُ الأمر ما کان کافیا سقَيْنا ابن سيدانٍ بكأسٍ روِيَّةٍ حدثنى أبو زيد، قال: حدّثنى علىّ بنُ محمد، قال: مَرّ ابنُ ظَبْيَانَ بابنة مطرِّف بالبصرة ، فقيل لها: هذا قاتلُ أبيك، فقالت: فى سبيل اللّه أبى، فقال ابنُ ظَبْيان: فلا فى سبيلِ اللهِ لاقَى حِمَامَهُ أَبُوكِ ولكنْ فى سبيلِ الدَّرَاهِمِ فلمَّا قُتل مُصعب دعا عبدُ الملك بن مروان أهلَ العراق إلى البيعة ، فبايعوه، وكان مُصعَب قُتل على نهر يقال له الدُجَيْل عند دَيْر الجائَليق ٨١١/٢. فلمَّا قُتل أمَّرَ به عبدُ الملك وبابنه عيسى فدُفِنا. ذكر الواقديّ عن عثمان بن محمَّد، عن أبى بكر بن عُمَرَ ، عن عروة (١) !: (( أن تكون)).