النص المفهرس
صفحات 121-140
١٢١ سنة ٦٨ مِن سوء الرأى والحيرة(١) وقُوعُكم فيما بين هاتَيْن الشَّوْكَتين، انْهضوا بنا إلى عَدُوّنا نَلقَهم من وجه واحد. فسار بهم حتَّى قطع بهم أرضَ جُوخَى، ثمّ أخذ على النَّهْرَوَانات، ثمّ لزم شاطئُ دِجْلة حتى خرج على المدائن وبها كرْدَم بنُ مَرَتَد بن نجبَة الفَزَارِىّ، فَشنّوا الغارَة على أهل المدائن ، يُقتّلون الولدان والنساءَ والرّجال، ويبقَّرون الحَبَالى، وهرب كردم، فأقبلوا إلى ساباطَ فوضعوا أسيافتهم فى النَّاس، فَقَتَلوا أمّ ولد لربيعة ابن ماجد (٢)، وقتلوا بُنانة ابنة أبى يزيد بن عاصم الأزدىّ ، وكانت قد قرأت القرآن ، وكانت من أجملِ النَّاس ، فلمَّا غشوها(٣) بالسيوف قالت: ويْحَكُم!هل سمعتم بأنّ الرجال كانوا يُقتَّلون النساء! ويْحكم ! تقتلون من لا يبسط إليكم يدًا، ولا يريدُ بكم ضَرًّا، ولا يملك لنفسه نفعاً! أتقتلون من يُنْشَّأ فى الحِلْة وهو فى الخِصام غيرُ مُبِين! فقال بعضُهم : اقتلُوها ، وقال رجل منهم : لو أنكم تركتموها ! فقال بعضُهم : أعتَجَبَك جمالُها يا عدوّ اللّه! قد كفرت وافتَتَنْت، فانصرف الآخرُ عنهم وتركتَهم ، فظننَّا أنَّه فارَقَهم ، وحملوا عليها فقتلوها ، فقالت رَيْطةُ بنتُ يزيدُ : سبحان اللّه! أترَوْن اللّهَ يَرضى بما تَصْنَعُون! تقتُلُون النساء والصّبيان ومَن لم يُذنب إليكم ذَنْبًا! ثمّ انصرفتْ وحملوا عليها وبين يديها الرُّواع بنتُ إياسٍ بِنِ شُرَيَح الهَمْدانىّ، وهى ابنة أخيها لأمّها، فحَمَلُوا عليها فَضَرَبُوها على رأسِها بالسيف ، ويصيب ذُبابُ السيفِ رأسَ الرّوَاع فسقطتنا جميعًا إلى الأرضَ، وقاتلهم إياسُ بنُ شُرَيَح ساعةٌ، ثمّ صُرِعٍ فَوَقع بين القَّلى، فنَزَعوا عنه وهم يَرَون أنَّهِم قد قَخَلَوه، وصُرِع منهم رجل من بكر ابنِ وائل يقال له : رَزِين بن المتوكّل . ٧٥٦/٢ فلمَّا انصَرَفوا عنهم لم يَمت غيرُ بُنَانة بنت أبى يزيد، وأمّ ولد ربيعة ابن ناجد، وأفاقَ سائرُهم، فسقَ بعضُهم بعضًا من الماء ، وعصبوا جراحاتهم ثم استأجرُوا دوابٌ، ثمّ أقبلوا نحوَ الكوفة. قال أبو مِخْتَف : فحدّثَتْنى الرّواع ابنةُ إياس، قالت : ما رأيتُ (١) س: ((والحين)). (٢) ف: ((ناحد))، ص: ((ناجز)). (٣) ف: ((أن غشوها)). ٧٥٧/٢ ١٢٢ سنة ٦٨ رجلاً قطّ كان أجبن من رجل كان معنا وكانت معه ابنتُه، فلمَّا غُشِينا ألقاها إلينا وهرب عنها وعنّا(١) ولا رأينا رجلا قطُّ كانَ أكرم من رجل كان معنا، ما نعرِفِه ولا يَعرِفنا، لمَّا غُشِينا قاتَل دونَنَا حتَّى صُرِعٍ بيننا، وهو رُزِينِ بنُ المتوكّل البَكْرِىّ. وكان بعد ذلك يزورُنا ويُواصِلنا. ثمّ إنَّه هلك فى إمارة الحَجَّاج، فكانت وَرَثَتَه الأعرابُ، وكان من العباد الصالحين . قال هشام بنُ محمَّد - وذكره عن أبى مخنَف - قال : حدثنى أبى، عن عمِّه أنّ مُصعَب بنَ الزّبير كان بعث أبا بكر بن مخنّف على إسْتان العال، فلمَّا قَدِم الحارثُ بنُ أبى ربيعة أقصاه، ثم أقرَّه بعد ذلك على عملِه السَّنَة الثانية، فلمَّا قَدِ مت الخوارجُ المدائِنَ سرَّحوا إليه عصابةً منهم، عليها صالحُ بنُ مِخراق، فلِقِيَه (٢) بالكرخ فقاتله ساعةً، ثم تتنازلوا فنزل أبو بكر ونَزّلت الخَوارج، فقُتل أبو بكر ويسار مولاه وعبدُ الرّحمن بنُ أبى جِعال ، ورجل من قومِهِ، وانْهَزَم سائرُ أصحابِهِ، فقال سُرَاقةُ بنُ مِرْداس البارقىّ فى بطنٍ مِنَ الأزْد : وللحَدَث الجائِى بإِحدَى الصَّفائق(٣) أَلا يالقَومى للهُمومِ الطَّارِقِ ٧٥٨/٢ من المُقْدِمِينِ الذّائدِينِ الأُصادِقِ(٤) ومَقْتَل غِطْريفٍ كريمٍ نِجارُهُ وقد غَوَّرَتْ أُولى النُّجومِ الخَوافِ أَتانى دُوَيْنِ الخَيْف قتلُ ابن مِخْتَفٍ وصلَّى عليكَ اللهُ ربُّ المَشارِقِ فقُلتُ : تَلَقَّاكَ الإِلهُ برحمةٍ لحا اللّهُ قوماً عَرَّدُوا عنكَ بُكرةً تولَّوْا فأَجْلَوْا بالضُّحَى عن زَعِيمِنا فأَنت مَتى ما جِئتَنا فى بُيوتنَا ولم يَصبرُوا لِلاَمِعاتِ البَوارقِ وسَيِّدِنا فى المأُرِقِ المُتضايق سمِعْتَ عَوِيلاً مِنْ عَوَانٍ وعَائِقٍ (٢) ف: ((فلقيهم)). (١) ف: ((عنا وعنها)). (٣) ديوانه ٥٣ - ٥٦، مع اختلاف فى الرواية. (٤) ا: ((المقدمين الباسلين)). ٠ ١٢٣ سنة ٦٨ صَبورًا لدَى الْهَيْجاءِ عندَ الحقائق يُبَكِّينَ محمودَ الضَّرِيبة ماجدًا وشابتْ لِمَا حمّلتُ منه مفارِقِى لقد أَصْبَحِتْ نفسِى لذاكَ حَزِينَةٌ قال أبو مخنف : فحدّثْنى حَدْرة بن عبد الله الأزْدىّ، والنَّضر ابنُ صالح العَبْسىّ، وفضيل بن خديج، كلهم أخبرنيه(١) أن الحارث بن أبى ربيعة [ الملقب بالقُباع](٢) أتاه أهلُ الكوفة ، فصاحوا إليه وقالوا له : اخرُج فإنّ هذا عدوّ لنا قد أَظَلّ علينا (٣) ليست له تقيَّة، فخرج وهو يكدّ كدًّا (٤) حتَّى نزل النُّخيلة، فأقَمَ بها أيَّامًا، فَوَئب إليه إبراهيمُ بنُ الأشتر، فحَد اللّهَ وأثنى عليه ثمّ قال: أمَّا بعد، فإنَّه سار إلينا عدوّ ليست له تَقِيَّةً(٥)، يقتل الرجل والمرأة والمولود، ويُخِيف السَّبيل، ويُخرّب البلادَ، فانْهض بنا إليه، فأمُر بالرّحيل. فخرَج فنزل (٦) دَير عبد الرحمن، فأقام فيه حتَّى دخل إليه شَبَث بن رِبْعِىّ، فكلَّمه بنحو ممَّا كلَّمه به ابنُ الأشتر، فارتحل ولم يكدّ، فلمَّا رأى الناسُ بُطْء سَيْرُه رَجزوا به فقالوا : ٧٥٩/٢ سَار بنا القُبَاعُ سَيْرًا نُكْرَا يَسِيرُ يوماً ويُقِيمُ شَهْرَا فأشخصوه من ذلك المكان ، فكلَّما نزل بهم منزلا أقامَ بهم حتَّى يضجَ الناسُ به من ذلك، ويصيحوا به حولَ فُسْطاطه، فلم يَبلُغ الصَّرَاةَ إِلَا فى بضعةَ عشرَ يومًا، فأتى الصّراةَ وقد انتهى إليها طَلَائعُ العَدُوّ وأوائلُ الخُول، فلما أتْهم العيونُ بأنَّه قد أتاهم جماعةُ أهلِ المِصر قَطَعوا الجِسْر بينهم وبينَ النَّاس، وأخذ الناسُ يَرتَجزون: إِنَّ القُباعَ سَارَ سَيْرًا مَلْسَا بينَ دَبِيرَى وَدَبَاهَا خَمْسَا قال أبو مخنف : وحدثنى يونسُ بنُ أبى إسحاق، عن أبيه، أنّ رجلاً من السَّبيع كان به لَمَم، وكان بقرية يقال لها جَوْبَرَ (٧) عند الحرّارة ، ٧٦٠/٢ (١) ف: ((وأخير وا جميعاً)). (٣) س: ((أقبل الينا))، ف: ((أظلنا)). (٥) ط: ((بقية)). (٦) ف: (( حتى نزل. (٢) من ف . (٤) ف: ((بكذا وكذا)). (٧) س: ((جوبن)). ١٢٤ سنة ٦٨ وكان يُدعَى سِمَاكَ بنَ يزيد، فأتت الخوارجُ قريتَهُ فأخَذ وه وأخذُوا ابنتَه، فقدّموا ابنتَه فقتلوها، وزعم لى أبو الرّبيع السَّلولىّ أنّ اسم ابنته أُمّ يزيد، وأنَّها كانت تقول لهم: يا أهلَ الإسلام، إنّ أبى مُصاب فلا تقتُلُوه، وأمَّا أنا فإنَّما أنا جارية، والله ما أتيتُ فاحشةً قطّ، ولا آذَيتُ جارة لى قطّ، ولا تطلّعتُ ولا تشرّفْتُ قطّ. فقدَّموها ليقتلوها، فأخذتْ تُنادى: ما ذَنْبِى ما ذَنْبِى !ثمّ سقطتْ مَغشيًّا عليها أو مَيّتة، ثُمّ قَطَّعوها، بأسيافهم . قال أبو الرّبيع: حدّثتْنى بهذا الحديث ظهْرُلها نَصْرانيَّةٌ من أهلِ الخَوَرْنَق كانت معها حين قُتلتْ . قال أبو مخنف : حدثنى يونسُ بنُ أبى إسحاق، عن أبيه ، أنّ الأزارقة جاءت بسماكٍ بن يزيد معهم حتَّى أشرفوا على الصَّراة . قال : فاستقبل عسكرنا ، فرأى جماعة الناس وكثرتهم ، فأخَذ ينادينا ويَرفَعَ صوتَه: اعبرُوا إليهم فإنَّهم فَلٌّ خبيث، فضربوا عند ذلك عُنقَه وصلبوه ونحن نَنظُر إليه . قال: فلمَّا كان الليلُ عبرتُ إليه وأنا رجل من الحىّ. فَأَنزَلْنَاه فدَفَنَّه . ٧٦١/٢ قال أبو مخنف : حدثنى أبى أنّ إبراهيمَ بنَ الأشتر قال للحارث بنِ أبى ربيعة : اندب معى الناسَ حتَّى أعبر إلى هؤلاء الأكلُب ، فأجيئَك برءوسِهِم الساعة ؛ فقال شَبث بن رِبْعىّ وأسماءُ بنُ خارجة ويزيدُ ابن الحارث ومحمَّد بن الحارث ومحمَّد بن عُمَير: أصلحَ اللّه الأمير! دَعْهم فليذهبوا ، لا تبدأهم ؛ قال: وكأنَّهم حَسَدوا إبراهيم ابنَ الأشتر . قال أبو مخنف: وحدثنى حَصِيرةُ بن عبد اللّه وأبو زهير العَبْسىّ أنّ الأزارقةَ لما انتهوا إلى جِسْر الصّراة فرأوْا أنّ جماعة أهل المصر قد خرجوا إليهم، قطعوا الجِسرَ، واغتنم ذلك الحارث، فتحبّس. ثم إنَّه جلس للناس فَحَمِدِ اللّهَ وأثنى عليه، ثمّ قال: أمَّا بعد، فإنّ أوّل القِتال الرّمِيًّا بالنّبل، ثمّ إشراع الرّماح، ثمّ الطعن بها شَزْرًا؛ ثمّ السَّلّة آخر ذلك كله. ١ ١٢٥ سنة ٦٨ قال: فقام إليه رجل فقال، قد أحسن الأمير أصلحه اللّه الصّفة، ولكنْ حتَّامِ نتَصْنع هذا وهذا البحر بينناوبين عدوّنا! مُرْ بهذا الجسْر فليُعَدْ (١) كما كان، ثم اعبُرْ بنا إليهم، فإنّ اللّه سيريك فيهم ما تُحبّه، فأمر بالجسر فأعيدَ ، ثم عبر الناسُ إليهم فطاروا حتَّى انتَهوْا إلى المدائن ، وجاء المسلمون حتَى انتَهوْا إلى المدائن ، وجاءت خيل لهم فطاردت خيلاً للمسلمين طَرْدًا ضَعِيفًا عند الجِسْر. ثمّ إنَّهم خرجوا منها فأتبعهم (٢) الحارثُ بنُ أبى رَبيعةَ عبدَ الرّحمن بنَ مِخَف فى سنَّة آلاف ليُخرجهم من أرض الكوفة، فإذا وَقَعوا فى أرضِ البصرة خلاّهم(٣) فأتبعهم حتَّى إذا خَرَجُوا من أرضِ الكوفة ووقعوا إلى أصبهان انصرف (٤)عنهم ولم يقاتلهم ، ولم يكن بينه وبينهم قِتال، ومضوا حتَّى نزلوا بعَّب بنِ وَرْقاء بِحتىّ ، فأقاموا عليه وحاصروه ، فخرج إليهم فقاتلهم فلم يُطِقهم ، وشَدّوا على أصحابه حتّى دخلوا المدينة، وكانت أصبهان يومئذ طُعْمةً لإسماعيل بن طلحة من (٥) مُصعتَب بن الزبير ، فبعث عليها عتَّابًا، فَصَبَر لهم عتَّب، وأخَذ يخرج إليهم فى كلّ يومٌ فيُقاتِلِهم على باب المدينة ، ويَرْمُون من السور بالنَّبْل والنشَّاب والحِجَارة، وكان مع عتَّب رجل من حَضْرَمَوْت يقال له أبو هُرَيرة بنُ شريح، فكان يَخرُج مع عتَّب ، وكان شجاعًا، فكان يَحمِل عليهم ويقول : ٧٦٢/٢ شَدَّ أَبِى هُرَيْرةَ الْهَرَّارِ كيف ترَوْن ياكِلاَبَ النَّارِ يابن أَبِى الماحوزِ والأشرارِ بالدَّيلِ والنهارِ بهُکم : كيف تُرَى جَىَّ على المِضْمارِ ! » فلمَّا طال ذلك على الخوارج من قوله كمن له رجل من الخوارج يظنون أنَّه عَبيدة بن هلال ، فخرج ذات يوم فصنع كما كان يصنع ، ويقول كما كان يقول ، إذ حَمَل عليه عَبيدة بنُ هِلال فضَرَبَه بالسيف ضربةً على حبل عاتقه فصرعه، وحَمَل أصحابُه عليه فاحتملوه فأدخلوه (٢) ف: ((وأتبعهم)). (٣) ف: ((جلالهم)). (١) ف: ((فليعقد)). (٤) ف: ((فانصرف)). (٥) !، ط: ((بن))، وانظر الفهرس. (٦) ط: ((أيام)). ٧٦٣/٢ ١٢٦ سنة ٦٨ وداوَوْه، وأخذَت الأزارقةُ بعد ذلك تُناديهم يقولون(١): يا أعداءَ اللّه، ما فتَعَل أبو هريرة الهرّار (٢)؟ فينادونهم: يا أعداء الله، والله ما عليه من بأس، ولم يَكْبَث أبو هُرِّيرة أن بَرِئَ، ثمّ خرج عليهم بعدُ ، فأخذوا يقولون : يا عدوَّ اللّه، أما والله لقد رجونا أن نكون قد أزَرْناكَ أمَّك، فقال لهم: يا فسَّاق، ما ذكركم أمىّ ! فأخذوا يقولون: إنه ليغضب لأمّه، وهو آتيها عاجلا. فقال له أصحابهُ: وَيَبْحك! إنَّما يَعْنُونِ النَّارَ ، فَفطِن فقال: يا أعداء الله، ما أعقَّكم بأمكم حين تنتفون منها ! إنَّما تلك أمكم ، وإليها مَصيرُكم . ثمّ إنّ الخوارجَ أقامت عليهم أشهراً حتى هلك كُراعُهم، ونفِدَت أطعِمُتُهم، واشتدّ عليهم الحِصار ، وأصابهم الجَهْد الشديد، فدعاهم عتَّاب بنُ ورقاء فحمد الله وأثنى عليه ثمّ قال: أمَّا بعد أيّها الناس ، فإنه قد أصابكم من الجَهْد ما قد تَرَون، فوالله إن بقى إلا أن يموتَ أحدُكم على فِراشه فيجىءَ أخوه فيدفنه إن استطاع؛ وبالحرَى أن يَضعُف عن ذلك، ثم يموت هو فلا يجد من يدفنه، ولا يصلّى عليه، فاتَّقُوا اللّه، فوالله ما أنتم بالقليل الَّذين تهُون شوكتُهم على عدوّهم، وإنّ فيكم لتَفُرْسانُ أهلِ المِصْر، وإنّكم لصُلَحاءُ. من أنتم منه! اخرجوا بنا إلى هؤلاء القومِ وبكم حَيَاة وقُوَّةٌ قبلَ ألّ يستطيعَ رجلٌ منكم أن يمشى إلى عدوّه من الجَهْد ، وقبلَ ألّ يستطيعَ رجلٌ أن يمتنع من امرأة لو جاءتْه، فقاتلَ رجلٌ عن نفسه وصبر وصدق، فوالله إنى لأرجو إنْ صَدقتموه أن يُظفركم الله بهم، وأن يُظهِركم عليهم . فناداه الناسُ من كل جانب: وُفِّقْتَ وأصبتَ، اخرُج بنا إليهم ، فجمع إليه الناس من الليل ، فأمرَ لهم بعشاء كثير ، فعَشِىَ الناس عنده ؛ ثم إنَّه خرج بهم حين أصبح على راياتهم ، فصبّحهم فى عسكرهم (٣) وهم آمِنِون من أن يُؤتَوا فى عسكرهم ، فشَدّوا عليهم فى جانِبِه ، فضارَبوهم فأخلوا عن وجه العسكر حتَّى انتَهوا إلى الزّبير بن الماحوز ، فنزل فى عِصابة من أصحابه فقاتَل حتى قُتِل، وانحازت الأزارقةُ إلى قَطَرَىّ، فبايعوه ، ٧٦٤/٢ (١) ف: ((ويقولون)). (٢) ف: ((الفرار)). (٣) ف: ((وهم فى عسكرهم)). ١٢٧ سنة ٦٨ وجاء عَّب حتَّى دخل مدينته، وقد أصاب من عسكرهم ماشاء ، وجاء قَطَرَىّ فى أثره كأنَّه يريد أن يقاتله، فجاء حتى نزل فى عسكر الزّبير بن الماحُوز، فتزعم الخواررجُ أنّ عيْنًا لقَطَرَىّ جاءه فقال: سمعتُ عتَاباً يقول: إنّ هؤلاء القومَ إنْ رِكِبوا بَنَاتٍ شَحَّاج، وقادُوا بَناتِ صهَّل، ونزلوا اليومَ أرضًا وغدًا أخرى، فبالحَرِىّ أن يبقوا؛ فلمَّا بلغ ذلك قتَطَريًّا خرج فذهب وخلاّهم . قال أبو مخنف : قال أبو زهير العبْسِىّ وكان معهم: خرجْنا إلى قَطَرىّ من الغد مُشاةً مُصْلتين بالسيوف ؛ قال: فارتحلوا واللّه فكان آخر العهد بهم. قال: ثمّ ذهب قَطَرَىّ حتَّى أنّى ناحيةً كرْمان فأقام بها حتَّى اجتمعت إليه جموعٌ كثيرة، وأكل الأرض واجتبى المال وقوىَ ، ثم أقبَل حتَّى أخذ فى أرض أصبهان . ثم إنَّه خرج من شِعْب ناشط إلى أيذَج ، فأقام بأرضِ الأهواز والحارث بن أبى ربيعة عامل المُصعَب بن الزبير على البصرة، فكتب إلى مصعب يُخبره أنّ الخوارجَ قد تحدّرَتْ إلى الأهْواز ، وأنَّه ليس لهم إلا المهلَّب، فبعث إلى المهلَّب وهو على المتَوْصِل والجزيرة . فأمره بقتال الخوارج والمتسير إليهم، وبعث إلى عمله إبراهيم بنَ الأشتر ، وجاء المهلَّب حتَّى قَدِمِ البصرة، وانتَخَب الناس، وسار بمن أحَبّ ، ثمّ توجَّه نحو الخوارج، وأقبلوا إليه حتَّى التّقَوا بسُولاَفَ ، فاقتتلوا بها ثمانيةَ أشهُر أشدّ قِتال رآه الناس ، لا يُنقع بعضهم لبعض من الطَّعن والضَّرَب ما يَصُدّ بعضهم عن بعض. ٧٦٥/٢ # قال أبو جعفر : وفى هذه السَّنَة كان القَحْطُ الشديدُ بالشأم حتَّى لم يَقدِروا من شِدّته على الغَزْو . وفيها عَسكر عبدُ الملك بنُ مروانَ بِيبُطنانٍ حَبِيب من أرضٍ قِنَّسْرين، فمُطِروا بها، فَكَثُر الوحل فسَّوْها بُطْنان الطّين، وشًَّا بِهَا عبدُ الملك، ثمّ انصرَفَ منها إلى دِمَشق . وفيها قتل عبيد الله بن الحرّ . ١٢٨ سنة ٦٨ [ذكر الخبر عن مقتل عبد الله بن الحرّ ] ذكر الخبر عن مقتله والسبب الذى جرّ ذلك عليه : ٧٦٦/٢ رَوَى أحمدُ بنُ زهير، عن علىّ بنِ محمَّد، عن علىّ بن مجاهد، أنّ عُبِيدَ اللّه بن الحُرّ كان رجلاً من خيار قومِهِ صَلاحًا وفضلاً، وصلاةً واجتهادًا، فلمَّا قُتل عثمانُ وهاجَ الهيْجُ بين علىّ ومعاوية، قال: أما إن اللّه ليعلم أنى أحبّ عثمانَ، ولأنصُرنَّه ميًّا. فيخرج إلى الشأم ، فكان مع معاوية، وخرج مالكُ بنُ مِسمع إلى معاوية على مثل ذلك الرأى فى العثمانيَّة، فأقام عُبيدُ اللّه عندَ معاوية، وشهد معه صِفّين، ولم يزل معه حتَّى قُتل علىّ عليه السلام، فلمَّا قُتِل علىّ قَدِم الكوفةَ فأنى إخوانَه ومن قد خفّ فى الفتْنة، فقال لهم : يا هؤلاء، ما أرَى أحدًا ينفَعَه اعتزالُه، كنّا بالشأم، فكان من أمرٍ معاوية كَيْتَ وَكَيْت. فقال له القوم: وكان من أمرٍ علىّ كَيْت وَكَيْت، فقال: يا هؤلاء، إنْ تُمكننا الأشياء فاخلعوا عُذْرَكم ، واملكوا (١) أمركم ؛ قالوا: سنلتِقِى، فكانوا يلتقون على ذلك . فلما مات معاوية هاج ذلك الهيْج فى فتنة ابن الزبير ، قال : ما أرى قريشًا تنصف، أين أبناءُ الحرائر! فأتاه خَطِيعُ كلّ قبيلة، فكان معه سبعمائة فارس ، فقالوا : مُرْنا بأمرِك، فلمَّا هرَب عُبِيدُ اللّه بنُ زياد وماتَ يَزيدُ بنُ معاوية، قال عُبيدُ اللّه بن الحرّ لِفِتْيانه: قد بيَّن الصّبْحُ لِذِى عَيْنَيْن، فإذا شئتم! فخرج إلى المدائن فلم يَدع مالاً قُدّم من الجََّل للسلطان إلا أخذه ، فأخذ منه عطاءَه وأعطية أصحابِه ، ثم قال: إنّ لكم شركاءَ بالكوفة فى هذا المال قد استوجَبُوه، ولكن تعجّلوا عطاء قابلِ سَكَفًا، ثم كتب لصاحِبِ المال براءةً بما قبض من المال، ثمّ جعل يتقصَّى الكُوَرَ على مثل ذلك. قال : قلت : فهل كان يتناول أموال الناس والتّجار؟قال لى: إنَّك لغيرُ عالِم بأبى الأشْرس(٢)، والله ما كان فى الأرض (٢) ف: ((الأشوس)). (١) ف: ((فاملكوا)). ١٢٩ سنة ٦٨ عَرَبِىُّ أَغْيَرَ عَنْ حُرَّةً ولا أكفَّ عن قبيح وعن شَرَاب منه ، ولكن إنَّما وضعه عند الناس شِعْرُه، وهو من أشعر الفتيان(١). فلم يَزّل على ذلك من الأمر حتَّى ظهر المُختار، وبَلَغه(٢) ما يَصنَعَ بالسَّواد، فأمر (٣) بامرأته أمّ سَكَمَة الجُعفيّة فحُبست، وقال: والله لأقتُلنَّه أو لأقتلنّ أصحابه، فلمَّا بلغ ذلك عُبيدَ اللّه بنَ الحُرّ أقبلَ فى فِتْانه حتَّى دخل الكوفة لَيْلًا، فَكَسَر بابَ السجن، وأخرج امرأته وكلَّ امرأة ورجلٍ كان فيه ، فبعث إليه المختار مَن يقاتله ، فقاتلهم حتَّى خرج من المِصْرِ ، فقال حينَ أخرج امرأته من السجن : ٧٦٧/٢ أُلم تَعْلَمِى يا أُمَّ توبَةَ أَنَّنِى وأَنّى صَبَحتُ السِّجْنَ فِى سوْرة الضُّحَى فما إِنْ بَرِحْنَ السجن حتى بدا لنا وخدٌّ أَسِيل عن فَتَاةٍ حَيَيَّة فما العيش إِلا أَن أَزُورَكِ آمِنًا وما أَنْتِ إِلا همَّةُ النفس والهوى وما زلتُ مَحْبوساً لحبسكِ وَاجِماً فبالله هَلْ أَبْصَرْتِ مِثِلِىَ فارِساً ومثلى يُحامى دون مِثلِكِ إِنَّنى أضارِبهم بالسيف عَنْكِ لتَرجعِى إذا ما أَحاطوا بِى كررتُ عليْهِمُ دعوتُ إِلىّ الشاكرىَّ ابنَ كامل وإِن هَتَفُوا باسمى عَطَفْتُ عَلَيْهِمُ فلا غَرْوَ إِلّا قولَ سَلْمَى ظَعِينَتِى : أَنَا الْفَارِسُ الحَامِى حَقَائِقَ مَذْحِج بكلِّ فَتِى حامى الذِّمار مُدَجِّجٍ جَبِينٌ كَقَرْنِ الشمس غَيْرُ مُثَنَّجِ إِلَينا سقاها كل دانٍ مُثَجّجٍ كعادتِنا من قبْل حَرْبِى ومُخْرَجی عَلَيْكِ السلامُ من خليط مُسَحّجٍ وإِى بما تَلْقَيْن من بَعْدِهِ شَجِ وقد وَلِجُوا فى السجن من كُلّ مُوْلِجٍ! أَشُدُّ إِذا ما غَمْرَة لم تفرَّجِ إلى الأَمن والعيش الرفيعِ المُخَرفَجِ كَكرِّأَبِى شِبْلين فى الخِيس مُحْرَج فوََّى حَتِيْئاً رَكْضُهُ لم يُعَرِّجِ خُيُولَ كِرَامِ الضرب أكثرُهَا الوَجى أَما أَنْتَ يابن الحُرِّ بالمُتَحرِّجِ! ٧٦٨/٢ (١) ف: ((القبيل)). (٢) ف: ((فبلغ المختار)). (٣) س: ((أمر)). ١٣٠ سنة ٦٨ وشَمّرْ هَدَاك اللهُ بالخَيل فاخرُج دَعِ القَوْمَ لا تَقْتُلُهُمُ وانجُ سالمً . وإنى لأَرجُو يابنة الخَيرِ أَن أُرَى على خير أَحْوَال المُؤَمّلِ فارتجى أَلا حبَّذا قولى لأَحْمَر طَيِّئُ ٧٦٩/٢ ولا بن خُبَیْب قد دنا الصبح فادلج وقولى لهذا ◌ِرْ وقَولى لذا ارتحِلْ وقولى لذا من بعد ذلك أَسرج وجعل يعبث بعُمَّالِ المختارِ وأصحابِهِ، ووَتَبتْ هَمْدان مع المختار فأحرقوا دارَه، وانتهبوا ضيْعته بالجُبّةِ والبُداة، فلما بلغه ذلك سار إلى مَاه إلى ضياع عبد الرحمن بنِ سعيدِ بنِ قيس ، فأنهبها وأنهب ما كان لهمْدانَ بها، ثمّ أقبل إلى السَّواد فلم يدع مالا لهَمْدانىّ إلا أخَذَه، ففى ذلك يقول : ولا الزرقُ من ھمدَانَ غيْرَ شریدٍ وما ترَكَ الكذَّابُ مِنْ جُلِّ مالِذَا وتأُمنَ عندى ضَيْعَة ابنِ سَعيدٍ ! أَفى الحَقِ أَن تَنْهِبْ ضياعِىَشاكرٌ(١) على حدثان الدهر غَيْرُ بَليدِ أَلم تَعْلَمى يا أُمَّ توبَةً أَنَّنِى وإِنى على ما ناب جدُّ جَديدٍ فعالجتُ بالكفَّين غُلَّ حَدِيدٍ أَشُدُّ حبازِيمى لكلّ كرِيهَةٍ فإِن لم أُصَبِّحْ شاكرًا بكتيبَةٍ هُمُ هدموا دارى وقادوا حليلتى إِلى سِجْنِهِمْ والمسلمون شهودى أَعجلوها أَن تَشُدَّ خمارَها فياعجباً هلٍ الزمان مقيدى ! بِخَيلٍ تعادى بالكماةِ أُسُودٍ فما أَنا بابن الحُرّ إن لم أَرُعْهُمُ وما جَبُنَتْ خيلى ولكن حَملتُها ٧٧٠ وهم على جَحْفلِ ذى عُدّةٍ وعَدِيدٍ وهى طويلة. قال : وكان يأتى المدائنَ فيمرّ بَعمَّال جُوخَى فيأخذ ما معهم من الأموال، ثمّ يميل إلى الجَبَل، فلم يَزّل على ذلك حتَّى قُتِل المختار، فلما قُتِل المختار قال الناس لمصعب فى ولايته الثانية : إن ابن الحُرّشاق ابنَ زياد والمختار، ولا نأمَنُه أن يثب بالسواد كما كان يفعل، فحبسه مُصعَب فقال ابن الحُرّ : (١) فى الأخبار الطوال ٢٩٧: ((أفى الحق أن يجتاح مالى كله)). ١٣١ سنة ٦٨ أَتَى دونَهُ بابٌ شَدِيدٌ وحاجبُهْ من مُبُلِغُ الفِتْيَانِ أَنَّ أَخَاهُمُ بمنزلة ما كان يرْضى بمثلِهَا على الساق فوق الكعب أَسْوَدُ صامتٌ وما كان ذا من عُظم جُرْمٍ جَنِيْتُهُ وقد كان فى الأَرْض العِرِيضَةِ مسلكٌ وفى الدهر والأَّيّام للمرءِ عِبْرَةٌ إِذا قام عنَّتْه كبولٌ تجاوبُهْ شديدٌ يُدانى خَطْوَهُ ويُقَارِبُهْ ولكن سَعى الساعى بما هُوَ كاذِبُهْ وَأَىُّ امرئُ ضاقَتْ عليه مذاهِبُهْ! وفيما مضى إن ناب يَوْماً نوائبُهْ فكلَّم عُبيدُ اللّه قومًا من مذحجَ أن يأتوا مُصعبًافى أمرِهِ ، وأرسل إلى وجوههم ، فقال: ائتوا مصعباً فكلّموه فى أمرى ذاته ، فإنَّه حبسَسَى على غير جُرْم، سعى بى قومٌكذَبَةٌ وخَوّفُوه ما لم أكن لأفعله، وما لم يكن من شأنى . وأرسل إلى فتيان من مَدْحج وقال: البَسوا السلاح، وخُذُوا عدّة القتال، فقد أرسلتُ قومًا إلى مُصعب يكلمونه فى أمرى، فأقيموا بالباب، فإن خرج القومُ وقد شفّعهم فلا تَعرِضوا لأحد، ولْيَكُنْ سلاحُكم مكفّرًا بالثياب ، فجاء قوم(١) من مَذ جح فدخلوا على مُصعب فكلموه ، فشفعهم ، فأطلَقَه . وكان ابنُ الحُرّ قال لأصحابه : إن خرجوا ولم يشفعهم فكابروا السجن فإنى أعينكم من داخل ، فلما خرج ابنُ الحُرّ قال لهم : أظهِروا السلاح، فأظهروه ، ومضى لم يَعرِض له أحد، فأتَى منزلته ، وندم مصعب على إخراجِه، فأظهر ابنُ الحُرّ الخلاف، وأتاه الناسُ يهنِّئونه ، فقال : هذا الأمر لا يصلح إلا لِمثل خُلفائكم الماضين، وما نَرَى لهم فينا نِدًّا ولا شَبيهاً فنُلقِى إليه أزمَّتنا، ونمحّضه نصيحتنا، فإن كان إنَّما هو مَنْ عَزَّ بَزّ، فَعَلامَ: نَعقد لهم فى أعناقنا بَيعةً، وليسوا بأشجَعَ منَّا لقاءً، ولا أعظمَ منَّا غناء(٢)! وقد عهد إلينا رسول اللّه صلَّى اللّه عليه وسلم: ألّا طاعة لمخلوق فى معصية الخالق، وما رأيْنَا بعدَ الأربعةِ الماضِين إمامًا صالحًا ، ولا وزيرًا تقيًّا، كلهم عاصٍ مخالِفٍ ، قوىّ الدنيا، ضعيفُ ٧٧١/٢ ٧٧٢/٢ (١) ف: ((فجاءوا)). (٢) كذا فى ا، وفى ط ((غنى)). ٠ ١٣٢ سنة ٦٨ الآخرة ، فعلام تُستحَلّ حرمتنا، ونحن أصحاب النُّخيلة والقادسيَّة وجلولاء ونِهاوَند! نتلقى الأسنَّة بسُحورنا والسيوفَ بِجباهِنا، ثم لا يعرف لناحقنا وفضلنا ؛ فقاتلوا عن حرِيمكم، فأىّ الأمرِ ما كان فلَكُم فيه الفضل، وإنى قد قلبت ظهر المِجَنّ، وأظهرتُ لهم العداوة، ولا قُوّة إلاّ بالله . وحاربهم فأغار فأرسل إليه مصعبٌ سيفَ بن هانئ المُرادىّ، فقال له: إنّ مصعبًا يُعطِيتْ خراج بادوريا على أن تُبايع وتدخل فى طاعته ؛ قال: أوَليسَ لى خَرَاجٌ بادوريا وغيرها! لست قابلاً شيئًا، ولا آمَنُهم على شىء ، ولكنى أراك يا فتى - وسيفٌ يومئذ حدَثٌ - حدثًا، فهل لك أن تَتْبَعنى وأمولك! فأبى عليه ، فقال ابن الحُرّ حين خرج من الحَبْس: لا كُوِفَةٌ أُمِى ولا بَصْرَةٌ أَبِى ولا أَذَا يَثْنِينِى عن الرحْلَةِ الكَسَلْ - قال أبو الحسن: يُروَى هذا البيتُ لسُحَيْم بن وثيل الرَّياحىّ - إِذا حَلَّ أَغْفَى أَو يقال لَهُ أَرْتحِلْ فلا تحْسَبَنَّى ابنَ الزُّبَيْرِ كَنَاعِسِ بفُرْسانِها لا أُدْعَ بالحازِمِ البَطَلْ فإِنْ لم أُزِرْك الخَيَلَ تَردِى عوابِساً عليك فَتَنْدَمْ عاجلاً أَيُّها الرّجلْ وإِن لم تَرَ الغارَاتِ مِنْ كُلِّ جانبٍ ٧٧٣/٢ ولا عِشْتُ إِلّ بالأَمانِّ والعِلَلْ فلا وضعَتْ عندى حصَانٌ قنَاعهَا وهى طويلة . فبعث إليه مُصعَب الأبردَ بن قرة الرياحىّ فى نفر، فَقاتله فهزَمَه ابنُ الحُرّ، وضَرَبَه ضربةً على وجهه، فبعث إليه مصعبٌ حُرَيْثَ ابنَ زَيْد -أو يزيدَ- فبارَزَه، فقَتَّلَه عُبيدُ اللّه بنُ الحُرّ، فبعث إليه مصعب الحجّاج بن جارية(١) الخثعمىّ ومُسلِم بن عمرو ، فَلقياه بنهر صرْصر، فقاتلهم فهَزَمَهم، فأرسل إليه مصعب قومًا يدعونه إلى أن يؤمّنه ويصله، ويولّيه أىَّ بلد شاء، فَلَم يَقبَل، وأتى نَرْسَى ففرّ دِمْقَانُها ظيز جشْنَس بمالِ الفَلُّوجة، فتَبعه ابنُ الحُرّ حتَّى مرّ بعَين التّمر وعليها بِسْطام بنُ مَصقتلة بن هُبيرة الشَّيبانىّ، فتعوّذ بهم الدّهقان، فخرجوا إليه فقاتَلُوه - وكانت خيلُ بِسطام خَمْسين ومائةَ فارس - فقال يونس بن (١) ط: ((حارثة)) وانظر الفهرس. ١٣٣ سنة ٦٨ ماعان الهَمْدانىّ من خَيْوان، ودعاه ابنُ الحُرّ إلى المُبَارَزة: شَرُّ دهر آخره، ما كنتُ أحسَتنى أعيش حتى يدعونى إنسانٌ إلى المُبَارزة! فبارَزَه فضَرَبَه ابنُ الحُرّضربةَ أثْخَنَتْه، ثمّ اعْتَنقا فَخرًّا جميعًاً عن فرسيْهما، وأخذابنُ الحُرّ عِمامةَ يونسَ وَكتَّه بها ثمّ ركب، ووافاهم الحجّاج بن حارثة الخَشْعَمِىّ، فحَمَل عليه الحجّاجِ فأسره أيضًا عُبيد الله (١)، وبارز بِسطام بن مصقلة المجشِّرَ، فاضطربا حتَّى كرِه كلُّ واحد منهما صاحبه ، وعلاه بِسطام، فلمَّا رأى ذلك ابن الحُرّ حَمَل على بِسْطام واعتنقه بسطامٌ، فَقَطَا إلى الأرض، وسقَطَ ابنُ الحرّ على صدر بِسطام فأسره، وأسر يومئذ ناسًا كثيرًا، فكان الرجل يقول : أنا صاحبُك يوم كذا، ويقول الآخر : أنا نازلٌ فيكم، ويَمُتّ كلّ واحد منهم بما يَرَى أنَّه يَنفعه، فيخلى سبيله، وبعثَ فوارسَ من أصحابه عليهم دَلْهَم" المُرادِىّ يَطلُبُون الدّهقان، فأصابوه، فأخذوا المالَ قبلَ القتال، فقال ابنُ الحُرّ: ٧٧٤/٢ صبحْتُ بَيْت المالِ حتى أَجْمَعَهْ لوْ أَنَّ لِى مِثلَ جَرِيرٍ أَرْبَعَهْ ولم يُهلِى مُصْعبٌ ومِنْ مَعَةْ نِعْمَ الفَتَى ذُلكُمُ ابن مَشْجَعَهُ ثم إن عُبيدَ اللّه أتى تَكْرِيتَ، فهرَب عاملُ المهلَّب عن تكريتَ ، فأقام عُبيد اللّه يجبى الخراج، فوجّه إليه مصعبٌ الأبردَ بن قرّة الرّياحىّ والجَوْن بنَ كَعْب الهَمْدانىّ فى ألف، وأمدّهُما المهلَّب بيزيد بن المغفَّل فى خمسمائة ، فقال رجلٌ من جُعْفىّ لعبيد اللّه: قد أتّاكَ عددٌ كثير، فلا تُقَاتِلْهم ، فقال : أَمُوتُ إِذا جاءَ الكتابُ المؤَجَّلُ يَخَوِّفُنِى بالقتْل قومى وإنَّما فنحْيَا كِرَاماً أَو نَكُرُّ فنقْتَلُ لَعَلَّ القنا تُدْنى بأَطرافِها الغِنَى فقال للمجشِّر ودَفَعَ إليه رايتَه، وقدّم معه دَلهَماً المرادىّ ، فقاتلهم يومين وهو فى ثلثمائة، فخرج جرير بنُ كريب، وقُتِل عَمرو بن جُنْدَب الأزدىّ وفُرْسان كثير من فُرْسانه، وتحاجَزَوا عندَ المساء، (١) بعدها فى ف: ((ابن الحر)). ٧٧٥/٢ ١٣٤ سنة ٦٨ وخرج عُبيدُ اللّه من تكريتَ فقال لأصحابه: إنى سائرٌ بكم إلى عبد الملك ابن مَرْوان، فتهيّوا، وقال: إنى أخاف (١) أنَ أفارقَ الحياةَ ولم أذعرْ مُصعْبًا وأصحابه، فارجعوا بنا إلى الكوفة. قال: فسار إلى كسْكَرَ فَنفتى عاملها، وأخذ بيت مالِهَا ، ثمّ أتى الكوفة فنزل لحّام جرير، فبعث إليه مُصعبٌ عمرَ بن عُبيد الله بن معمر ، فقاتَلَه، فخرج إلى ديْر الأعور ، فبعث إليه مُصْعَبٌ حجَّار بن أبجر، فانهزم حجَّار، فَشتَمه مصعبٌ وردّه، وضمَ إليه الجوْن بن كعب الهَمْدانىّ وعمر بن عُبيد الله بن معمر، فقاتلُوه بأجمعهم ، وكثرت الجراحات فى أصحاب ابن الحُرّ وعُقِرِتْ خُيولهم، وجُرح المجشِّر، وكان معه لواءُ ابن الحُرّ، فدَفَعَه إلى أحْمَرَ طيّئ، فانهَزَم حجَّار بن أبجر ثم كرّ، فاقتتلوا قتالاً شديدًا حتَّى أمسَوْا ، فقال ابن الحُرّ : ثلاثةً بَيْتُّهُمْ لَا أَمْتَرِى لو أَنَّ لِ مِثلَ الفتى المُجَثِّرِ بالطَّعن والضَّربِ وعندَ المَعْبَرِ ساعَدنى لَيْلةَ دَيْرِ الأَعوَرِ * لَطاحَ فيها عُمر بنُ مَعمر . وخرج ابنُ الحُرّ من الكوفة، فكَتَب مصعبٌ إلى يزيدَ بن الحارث بن رُؤيمِ الشَّيْبانىّ - وهو بالمدائن - يأمره بقتال ابن الحُرّ ، فقدّم ابنه حَوْشباً فَلْقِيَه بباجِسْرى، فهزَمَهَ عُبيدُ اللّه وقُتِل فيهم، وأقبل ابنُ الحُرّ فدخل المدائن، فتحصّنوا، فخرج عبيدُ اللّه فوجَّه إليه الجون بن كَعْب الهَمْدانىّ وبِشْر بن عبد الله الأسدىّ، فنزل الجون حَوْلاَيَا، وقَدَم بِشر إلى تنَامَرًّا فلقِىَ ابنَ الحُرّ، فَقَتله ابنُ الحُرّ، وهزم أصحابه، ثمّ لتفى الجون بن كعب بَحْولايا، فخرج إليه عبدُ الرحمن بنُ عبد اللّه، فَحَمل عليه ابنُ الحُرّ فَطعنه فقَّله وهزم أصحابَه، وتتبعهم، فخرج إليه بشير بنُ عبد الرّحمن بن بشير العِجْلىّ، فالتّقوا بُسوراً فاقتتلوا قتالا شديدًا، فانحاز بشير عنه ، فرجع إلى عمله ، وقال: قد هزمتُ ابنَ الحُرّ ، ٧٧٦/٢ (١) ف: ((خائف)). ١٣٥ سنة ٦٨ فبلغ قولُه مُصعباً، فقال : هذا من الذين يُحبّون أن يُحمَدُوا بما لم يَفْعلوا. وأقامَ عُبيد اللّه فى السَّواد(١) يُغيرُ ويجبى الخراج، فقال ابنُ الحُرّ فى ذلك : بإِيوانِ كسرى لا أُولِّيهمُ ظَهْرِى سِلُوا ابن رُؤَّيم عن جِلاَدِى وموْقِفِى کمِعْزَى تحَنَّی خَشیةَالذئب بالصَّخْرِ أَكُرُّ عليهمْ مُعْلِمِاً وَتَرَاهُمُ بِمِشْحوذةٍ بِيضٍ وخَطِّيّةٍ سُمْر وبَيتُّهُمْ فِى حِصنِ كِسرَى بنِ هُرْمُزٍ يَلوُذُون منا مَوْهِناً بِذُرَا القَصْر(٢) فأَجزيتُهُم طعناً وضرباً تراهُمُ يَلُوذون مِنّى رَهبةً ومَخافةً لواذًا كما لَاذ الحمائمُ من صَقْرٍ ثم إنّ عُبيدَ اللّه بن الحُرّ- فيما ذكر-لحق بعبد المَلِك بن مَرْوان، فلمَّا صار إليه وجَّهه فى عشرة نفر نحوَ الكُوفة ، وأمره بالمسير نحوها حتَّى تلحقه الجنودُ ، فسار بهم ، فلمَّا بلغ الأنْبار وجَّه إلى الكوفة من يُخبِر أصحابَه بقدومه، ويسألهم أن يخرجوا إليه ، فبلغ ذلك القيسيَّة، فأتوا الحارث بن عبد الله بن أبى ربيعة عامل ابن الزّبير على الكُوفة، فسألوه أن يبعث معهم جيشًا، فوجَّه معهم، فلمَّا لقُوا عُبيد اللّه قَاتَهم ساعة، ثم غَرقَت فرسُه، وركب معبرًاً فَوَئب عليه رجلٌ من الأنباط فأخذ بِعَضُدَيَه وضربَه الباقون بالمَرَادِىّ، وصاحوا: إنّ هذا طلبةُ أمير المؤمنين ، فاعْتَنَقا فغَرَقا، ثمّ استخرَجوه فجَزّوا رأسَه، فَبَعَثوا به إلى الكُوفة ثمّ إلى البَصْرة . قال أبو جعفر: وقد قيل فى مقتله غيرُ ذلك من القول ؛ قيل : كان سببُ مَقَتَلَ عُبيد الله بن الحُرّ أنَّه كان يغشَى بالكوفة مُصعسَبًا، فرآه يُقدّم عليه أهلَ البصرة، فكتب إلى عبد الله بنِ الزّبير- فيما ذُكر- قصيدة" يعاتِب بها مُصعباً ويخوّفُهُ مَسيرَه إلى عبد الملك بنِ مَروان ، يقول فيها : (١) ف: ((بالسواد)). (٢) ف: ((يلوذون منا يومنا)). ۔ ٧٧٧/٢ 1 ١٣٦ سنة ٦٨ ٧٧٨/٢ أَبْلِغْ أَمِيرَ المومنينَ رِسالةً أَفى الحقّ أَن أُجْفَى ويَجعَل مُصْعَبٌ فكيفَ وقد أَبليتُكْم حقَّ بَيْعتى وأَبلِيتُكُمْ مَالاَ يُضَيَّعُ مِثْلُهُ فلمّا استنار الملكُ وأنقادَتِ العِدَا جَها مُصعَبٌ عنّى ولو كان غيرَهُ لقد رابَنى من مُصعب أَنَّ مُصْعَبًاً وما أَنَا إِنْ حَلَّأْتِمُونِى بِوارِدٍ وما لاِمِئٍ إِلَّا الَّذِى الله سائقٌ إذا قمتُ عند الباب أدْخِلَ مُسْلِمٌ فلَسْتُ على رأَىٍ قبيحٍ أَوَارِبُهْ وَزِيرَيْهِ مَن قد كنتُ فِيهِ أَحَارِبُهْ! وحقّىَ يُلَوى عندكُمْ وَأَطالِبُهْ وَآسيْتُكم والأَمِرُ صَعْبٌ مَرَاتِبُهْ وَأُدْرِكَ مِن مال العراقِ رغائبُهْ لأَصْبَحَ فيما بيننا لا أُعَاتِبُهْ أَرَى كُلَّ ذِى غِشِّر لنا هو صاحبُه على كَدرِ قد غُصّ بالصَّفْو شارِبُهْ إليه وما قد خَطَّ. فى الزَّبْر كاتِبُهْ ويمنعُنِى أَن أَدخُلَ البابَ حاجبُهْ وهى طويلة . وقال لمُصعسَب وهو فى حسَبْسه، وكان قد حُبس معه عطيّة بنُ عَمرو البَكْرِىّ، فخرج عطيّة ، فقال عُبيد اللّه : هو السجن حتَّى يَجعلَ اللهُ مَخْرجا أَقولُ له صبرًا عَطِىُّ فِإِنَّما شَرِيدًا ويوماً فى المُلوك مُتَوَّجًا أَرَى الدّهرَ لى يومين يوماً مطرَّدًا وللدّن تُدْنى الباهلىَّ وحَشْرَجَا ! أَتَطْعَنُ فى دِينِى غَدَاةَ أَتَيْتُكُمْ ٧٧٩/٢ ونَبْعُ بلادِ الله قدصارَ عَوْسَجًا ! أَلَمْ تر أَنَّ الملكَ قد شِينَ وَجهُهُ وهى طويلة . وقال أيضًا يُعاقب مُصعباً فى ذلك، وَيَذكُر له تقريَه سُويد ابن مَنْجوف ، وكان سُوَيَد خفيفَ اللحية: بأَىّ بلاءٍ أَمْ بِأَيةِ نعمة. تَقدَّمُ قَبْلِى مُسلمٌ والمهلَّبُ ٠٠ ١٣٧ سنة ٦٨ خصىُّ أَنى للماءِ والعَيْرِ يَسُبُ ويُدعَى ابن منْجوف إِمامى كأَنْه وعَيْلان عنَّا خائفٌ مُتْرَقّبُ وشيخُ تَمِيمٍ كالثَّغَامَةِ رَأْسُهُ جَعلتُ قُصور الأَزْدِ ما بينَ منْبِجٍ إلى الغافِ من وادِى عُمانَ تصوّبُ وصُفرةُ عنها نازحُ الدّار أَجْنبُ بلادٌ نَفَى عنها العدوَّ سُیوفنا وقال قصيدةً يهجو فيها قيس عَيْلان ، يقول فيها : بقيسٍ تَجِدْهُم ذروَةً فى القبائل ٧٨٠/٢ أنا ابنُ بنى قَيْس فإِنْ كنتَ سائلا لِحاها وباعتْ نَبْلَها بالمغَازِلِ ! أَلم تَر قيساً قيس عَيلان بَرَقَعَتْ تُقَصِّرُ عن بُنْيانِها المتطاولِ وما زِلتُ أَرجو الأَزْدَ حتَّى رأَيتُها فكتب زُفتَر بنُ الحارث إلى مُصعَب: قد كَفَتك قتَل ابن الزّرقاء وابن الحُرّ يهجو قيسًا. ثمّ إنّ نفرًا من بنى سُلَيم أخذوا ابنَ الحُرّ فأستروه ، فقال : إنى إنَّما قلت : ألم تر قَيْساً قيسَ عَيلانَ أَقبَلتْ إِلينا وسارتْ بالقَنا والقنابلِ فقتله رجلٌ منهم يقال له عَيَّاش فقال زُفَربن الحارث: تكلَّمَ عنَّا مَشْيُنا بسيوفِنا فلو يَسأَلُ ابنُ الحرّ أُخْبِرَ أَنَّها وأُخْبِرَ أَنَّا ذَاتُ عِلمٍ سُيوفُنا وقال عبدُ اللّه بنُ هَمَّام : تَرَّمْتَ يا بنَ الحُرِّ وحدَكَ خَالِيًا أَتذكُرُ قوماً أَوْجَعَتْكَ رِماحُهُمْ وتَبَكى لِمَا لَقَت ربيعةُ منهمُ فهلَّا بِجُعْفِىِّ طَلَبْتَ ذُحُولَها تَركناهُمُ يومَ الثَّرِىّ أَذَلَّةً وأَغرق فينا نَزْغةً كُلُّ قائلٍ لما رأَيتُ الناسَ أَولاد عَلَّة إلى الموتِ واستِنْشاط. حَبْل المَرِاكِل يمانيّة لا تُشْتَرَى بالمغَازِل بأَعناقِ ما بينَ الظُّلَى والكواهِل ٧٨١/٢ بقولِ امرئٍ نَشوانَ أَو قولِ ساقِطٍ وذَبُوا عَنِ الأَحسابِ عندَ الْمَاقِطِ وما أَنتَ فى أَحسابِ بكرٍ بواسطٍ! ورهْطك دُنْيا فى السّنين الفَوارِط! يلوذُون من أَسيافِنا بالعَرَافِطِ ٠٠ ١٣٨ سنة ٦٨ عُمَيْرٌ فما استَبَشَرتمُ بالمُخالِطِ. وخالَطكم يوم النّخَيْل بجَمْعِه وليس علينا يومَ ذاكَ بقاسط. ويوم شراحيلٍ جَدَعْنا أَنْوِفَكُمْ وكان حديثاً عهْدُهُ بالمَواشِط. ضَرَبَنا بحدِّ السَّيْف مفرِق رأسِه فرغمًا وسخْطاً للأُنوف السّواخِطِ. فإِن رغمتْ من ذاك آنُفُ مَذْحِجٍ قال أبو جعفر: وفى هذه السَّنَة وافَت عَرَفات أربعةُ ألوية، قال محمَّد بنُ عمر: حدَّثْنِى شُرَ حبيل بنُ أبى عَوْن، عن أبيه، قال: وقفتْ فى سنة ثمان وستين بعرفات أربعةُ ألوية : ابنُ الحنفيَّة فى أصحابه فى لواء قام عند جبل المُشاة، وابنُ الزّبير فى لواء، فقام مَقامَ الإمام اليومَ ، ثُمّ تقدّمَ ابنُ الحنفيّة بأصحابه حتّى وقفوا حذاءَ ابن الزبير، ونجدةُ الحَرورىّ خَلَفتَهما، ولواءُ بنى أميَّة عن يسارهما، فكان أوّل لواء انفضّ لواءُ محمَّد ابن الحنفيّة، ثم تبعه نَجدة، ثمّ لواء بنى أميَّة، ثمّ لواءُ ابن الزّبير، واتبعه الناس . قال محمد : حدّثّى ابن نافع ، عن أبيه ، قال : كان ابنُ عمرّ لم يدفع تلك العشيَّة إلّا بَدْفعة ابنِ الزّبير، فلمَّا أبطأ ابنُ الزّبير وقد مضى ابنُ الحنفيَّة ونَجدة وبنو أميَّة- قال ابن عمر: ينتظر ابنُ الزبير أمر الجاهلية -- ثمّ دَفَعَ ، فَدَفَعَ ابنُ الزّبير على أثره . قال محمَّد: حدّثنى هشامُ بنُ عُمارة، عن سعيد بنِ محمَّد بن جُبير، عن أبيه، قال: خفتُ الفتنة، فمشيت إليهم جميعًا ، فجئت محمَّدَ بن علىّ فى الشِّعْ، فقلتُ: يا أبا القاسم، اتَّقِ اللّه فإنَّا فى مشعر حَرَامٍ، وبلد حرام ، والناس وفدُ اللّه إلى هذا البيت ، فلا تُفسد عليهم حَجّهم ؛ فقال : والله ما أريد ذلك ، وما أحول بين أحد وبين هذا البيت ، ولا يُؤتَى أحدٌ من الحاجّ من قبَلَى، ولكنى رجلٌ أدفَعَ عن نفسى من ابن الزبير ؛ وما يروم منّى ، وما أطلب هذا الأمر إلا ألّا يختلف علىَّ فيه اثنان ! ولكن ائتِ ابنَ الزبير فكلّمه، وعليك بنَجْدة ، قال ٧٨٢/٢ سنة ٦٨ ١٣٩ ٧٨٣/٢ محمَّدٌ: فجئتُ ابنَ الزبير فكلَّمته بنحو ما كلَّمتُ به ابن الحنفيّة ، فقال : أنا رجل قد اجتمع علىّ الناسُ وبأيعونى، وهؤلاء أهلُ خلاف، فقلت : أُرَى خيرًا(١ لك الكتَفَّ؛ قال١): أفعل، ثمّ جئتُ نَجدةَ الحَرورىّ فأجدُه فى أصحابه ، وأجدُ عكرمةَ غلامَ ابنَ عبَّاس عندَه ، فقلت له : استأذن لى على صاحبك ؛ قال: فدخل، فلم يَنشَّب أن أذن لى ، فدخلتُ فعظّمتُ عليه، وكلّمته كما كلَّمت الرّجلين، فقال: أمَّا أَن ابتدئ أحدًاً بقتال فلا، ولكنْ مَن بدأ بقتال قاتلتُه ؛ قلتُ: فإنى رأيتُ الرّجلين لا يُريدان قتالَك، ثمّ جئتُ شيعة بنى أميَّة فكلَّمتهم بنحو ما كلَّمت به القوم ، فقالوا : نحن على ألا نُقاتلَ أحدًا إلّا أن يقاتلنا، فلم أرَ فى تلك الألوية قومًا أسكَنَ(٢) ولا أسلَمَ دفعةً من ابن الحنفيّة. قال أبو جعفر : وكان العاملُ لابن الزّبير فى هذه السنة على المَدينة جابرُ ابنُ الأسوَد بن عوف الزّهْرىّ، وعَلَى البَصرة والكوفة أخوه مُصعسَب ، وعلى قضاءِ البَصْرة هشامُ بنُ هُبيرة ، وعلى قضاء الكوفة عبدُ الله بنُ عتبة بن مسعود، وعلى خُراسانَ عبدُ اللّه بن خازم السُّلَمَىّ، وبالشأم عبدُ الملك ابنُ مَرْوان. (١) ف: ((الكف خير لك، فقال)). (٢) ا: ((أمكن)). ثم دخلت سنة تسع وستین [ذكر خبر قتل عبد الملك سعيد بن عمرو] ففيها كان خروجُ عبد الملك بنِ مَرْوان - فيما زَعَمَ الواقدىّ - إلى عينٍ وَرْدة ، واستَخلف عمرو بنَ سعيد بنِ العاص على دِمَشق فتحصّن بها، فَبَكَغ ذلك عبدَ الملك، فرجع إلى دمشق، فحاصره - قال: ويقال: خرج معه - فلمَّا كان ببُطْنانِ حَبيب، رجع إلى دمَشق فتحصّن فيها ، ورجع عبدُ الملك إلى دمشق. ٧٨٤/٢ وأمَّا عَوَانة بن الحكم فإنَّقال فيما ذكر هشام بنُ مُحمَّد عنه : - إِنّ عبدَ الملك بن مَرْوان لمَّا رجع من بُطْنَانِ حبيبٍ إلى دمشق مَكَث بد مَشق ما شاء اللّه، ثمّ سار يريد قَرَقِيسياءَ، وفيها زُفَر بنُ الحارث الكلابىّ ومعه عمرُو بنُ سعيد، حتَّى إذا كان ببُطنانٍ حَبيب فَتَك عَمَرُوُ بنُ سعيد، فرجع لَيْلا ومعه حُمَيَد بن حُريث بنِ بَحْدل الكلبىّ وزُهَيْر بن الأبرد الكلبىّ، حتَّى أتى دِمَشقَ وعليها عبدُ الرّحمن ابن أمّ الحَكَم الثَّقَفىّ قد استخلفه عبدُ الملك، فلمَّا بلغه رجوعُ عمرو ابن سعيد هَرَب وتَرَك عملَه، ودخَلَها عمرو فَتَغْلَب عليها وعلى خزائنها . وقال غيرُهما: كانت هذه القصّة فى سنة سبعين. وقال : كان(١) مسير عبد الملك من دمَشقَ نحوّ العراق يريد مُصعسَب بنَ الزّبير، فقال له عمرو بنُ سعيد بن العاص: إنَّك تَخرُج إلى العراق، وقد كان أبوك وعَدَنى هذا الأمرَ مِن بعده ، وعلى ذلك جاهدت معه ، وقد كان من بلائى معه ما لم يَخفَ عليك، فاجعل لى هذا الأمر من بعدك، فلم يُجبه عبدُ الملك إلى شىء، فانصرف عنه عمرو راجعًا إلى دمَشقَ، فرجع عبدُ الملك فى أثره حتى انتهى إلى دمشق . ((١) !: ((وكان)». ١٤٠