النص المفهرس

صفحات 1-20

ذ خائر العربـ
٣٠
تاريخ الكبرى
تاريخ الرّسل والملوك
لأبىِ جَعْفِ مَّد بْن جَرِيرُ الطَّبَرَىّ
٢٢٤ - ٢١٠ هـ
الجزء السادس
تحقیق
محمد أبو الفضل إبراهيمْ
الطبعة الثانية ( طبعة منقحة ومعدلة )
دار المعارف بمصر

الناشر: دار المعارف بمصر - ١١١٩ كورنيش النيل - القاهرة ج. ع. م.

تاريخ الطبرى

-

..
بیان
من الأصول الخطيّة التى اعتمدت عليها فى تحقيق هذا الكتاب ، أجزاء
متفرّقة ، مختلفة الخطوط ، من نسخة مصوّرة عن النسخة المحفوظة بمكتبة
أحمد الثالث بإستانبول برقم ٢٩٢٩ ، وقد رجعتُ إلى جزء منها فى تحقيق
الجزء الأول ، ومن هذه النسخة جزء يشتمل على ذكر حوادث سنة ٦٥ إلى
آخر حوادث سنة ٨٠ هـ ؛ رجعت إليه فيما يقابله من هذا الجزء ، وأثبتّ الفروق
فى الحواشى مع بعض فروق النسخ التى رجع إليها مصححو طبعة ليدن ؛
ورمزت إلى نسخة أحمد الثالث بالحرف ((١))، كما مرّ ذكره فى مقدمة
الجزء الأول ، وقد وقعت فيها على تصويبات هامة ، وتوجيهات مفيدة .
وضع هذا الجزء على أساس تجزئة خاصة للناسخ ، وعلى صفحة العنوان:
(( الجزء التاسع من كتاب تاريخ الملوك وأخبارهم ومواليد الرسل وأنباتهم والكائن
كان فى زمن كل واحد منهم ، تأليف أبى جعفر محمد بن جرير بن يزيد الطبرى
رحمة الله عليه)) وآخره: ((تمّ الجزء التاسع بعون الله تعالى وتوفيقه من التاريخ
يتلوه فى الجزء العاشر: ثم دخلت سنة إحدى وثمانين . والحمد لله وحده،
وصلى الله على خير خلقه سيدنا محمد نبيه وعلى آله الطاهرين وصحبه الأكرمين
وسلم وحسبنا الله ونعم الوكيل)). كتب بخط نسخىّ جلّ واضح، يميل إلى
الجودة والإتقان ، وضبطت بعضُ كلماته ضبطاً صحيحاً فى الغالب، وفيه علامات
الوقف والمراجعة، ويبدو أنه كتب فى القرن السادس الهجرى. وعدد أوراقه ٢٢٤
ورقة ، وعدد الأسطر ١٩ سطراً لكل صفحة ، فى كل سطر ١٠ كلمات تقريباً .
:

٦
وقد عنیت عناية تامة بإثبات جمیع التصویبات والاستدرا کات والكثير من
التعليقات التى وضعها مصححو طبعة لیدن فى مجلد خاص ؛ وهى فى مجموعها
تحقّق كثيراً من أعلام الأشخاص والبلدان ونصوص الشعر ؛ وذلك مما لم
يثبته ناشرو هذا الكتاب فى الطبعتين المصريتين .
أما باقى التعليقات فقد جرى الأمر فيها على نحوما جرى فى الأجزاء السابقة
من الرّجوع إلى أمهات كتب التاريخ واللغة والأدب ودواوين الشعر؛ مما أرجو
أن يوضع فى ثبت خاص مع البيانات الكافية فى آخر الكتاب إن شاء الله .
والله الموفق والمعين.
محمد أبو الفضل إبراهيم
المحرم سنة ١٣٨٤
مايو سنة ١٩٦٤

بم بد الرحمن الرحيم
ثم دخلت سنة ست وستين
ذكر الخبر عن الكائن الذى كان فيها من الأُمور الجليلة
فممّاً كان فيها من ذلك وثوب المختار بن أبى عُبيد بالكوفة طالبًا بدم
الحُسين بن على بن أبى طالب وإخراجه منها عاملَ ابن الزَّبير عبدَ الله بن
مُطيع العدَوىّ .
* ذكر الخبر عمّا كان من أمرهما فى ذلك وظهور المختار للدعوة إلى ما دعا إليه
الشيعة بالكوفة :
ذكر هشام بن محمد ، عن أبى مخنف ، أن فُضَيل بن خديج ، حد ◌ّثه
عن عُبيدة بن عمرو وإسماعيل بن كثير من بنى هند ؛ أنّ أصحاب سليمان بن
صُرّدَ لمَّاً قدموا كتب إليهم المختار:
أمَّا بعد ؛ فإنّ اللّه أعظم لكم الأجر، وحطّ عنكم الوِزْر، بمفارقة
القاسطين، وجهاد المُحلّين؛ إنَّكم لم تنفقوا نفقة، ولم تقطعوا عقبة(١)، ولم ٥٩٩/٢
تخطوا خَطْوة إلا رفع الله لكم بها درجة، وكتب لكم بها حسنة، إلى ما لا
يحصيه (٢) إلا اللّه من التضعيف؛ فأبشروا فإنّى لو قد خرجت إليكم قد (٣) جرّدت
فيما بين المشرق والمغرب فى عدوكم السيف (٤) بإذن الله، فجعلتُهم(٥) بإذن الله
رُكَامَا؛ وقتلتُهم فذًّا وتؤَاماً؛ فرَّحب الله بمن قارب منكم واهتدى ؛ ولا يبعد
اللّه إلا مَنْ عصى وأبى ؛ والسلام يا أهل الهدى.
فجاءهم بهذا الكتاب سَيحان بن عمرو، من بنى ليث من عبد القيس
قد أدخله فى قلنسوته فيما بين الظّهارة والبطانة (٦)؛ فأتى بالكتاب رفاعة بن شدّاد
(١) ف: ((واديًّا)).
(٣) ف: ((لقد)).
(٥) !: ((يجعلهم)).
(٢) ف: ((لم يحصه)).
(٤) ا: ((من عدوكم))، ف: ((السيف فى عدوكم)).
(٦) ا: ((الظاهرة والباطنة)).

٨
سنة ٦٦
والمُثَنَّى بن مُخَرّبة العبدىّ وسعد بن حُذيفة بن اليَمَان ويزيد بن أنس
وأحمرَ بن شُمَيْط الأحمسى وعبد الله بن شدّاد البَجلِىّ وعبد الله بن كامل ؛
فقرأ عليهم الكتاب ؛ فبعثوا إليه ابن كامل ؛ فقالوا : قل له : قد قرأنا
الكتاب (١)؛ ونحن حيث يسرّك ؛ فإن شئت أن نأتيك حتى نخرجك فعلنا.
فأتاه ، فدخل عليه السجن ؛ فأخبره بما أرسل إليه به ؛ فسُرّ باجتماع الشيعة
له ؛ وقال لهم : لا تريدوا هذا؛ فإنى أخرج فى أيَّامى هذه .
قال : وكان المختار قد بعث غلامًا يُدْعى زِربِيًّا إلى عبد الله بن عمر
ابن الخطّاب ، وكتب إليه :
٦٠٠/٢
أمَّا بعد : فإنى قد حُبست مظلومًا، وظنّ بى الولاةُ ظنوناً كاذبة ؟
فاكتب فىّ يرحمك الله إلى هذين الظَّالميْن كتابًا لطيفًا؛ عسى الله أن يخلّصنى
من أيديهما بلطْفك وبركتك ويُمنك (٢)؛ والسلام عليك.
فکتب إليهما عبد الله بن عمر :
أمّا بعد ؛ فقد علمتُما الَّذى بينى وبين المختار بن أبى عبيد من الصُّهر ،
والَّذى بينى وبينكما من الودّ؛ فأقسمت عليكما بحقّ ما بينى وبينكما لما
خَلّيتما سبيله حين تنظران فى كتابى هذا ، والسلام عليكما ورحمة الله .
فلمَّا أتى عبد الله بن يزيد وإبراهيم بن محمد بن طلحة كتابُ عبد الله
ابن عمر دعوّا للمختار بكُفتَلاء يضمنونه بنفسه (٣)، فأتاه أناس من أصحابه
كثير ، فقال يزيد بن الحارث بن يزيد بن رُؤيْم لعبد الله بن يزيد : ما تصنع
بضمان هؤلاء كلّهم! ضمنه عشرة منهم أشرافًا معروفين ، ودْع سائرهم .
ففعل ذلك ، فلما ضمنوه ، دعا به عبد الله بن يزيد وإبراهيم بن محمد بن طلحة
فحلَّفاه باللّه الذى لا إله إلا هو عالم الغيب والشهادة الرحمن الرحيم ؛ لا يبغيهما
غائلة ، ولا يخرج عليهما ما كان لهما سلطان ؛ فإن هو فعل فعليه ألف بدنة
(١) ف: ((کتابك )).
(٢) ط: ((بمنك))، تحريف، صوابه من أ، وفيها: ((بيركتك ويمنك)).
(٣) !: ((فضمنوه بنفسه)).

سنة ٦٦
ينحرها لدى رتاج الكعبة ؛ وماليكُه كلّهم ذكَرُهم وأنثاهم أحرارٌ . فحلف
لهما بذلك ، ثم خرج فجاء داره فنزلها .
قال أبو مخنف : فحدّثنی یحیی بن أبى عيسى ، عن حميد بن مسلم ،
قال : سمعت المختار بعد ذلك يقول (١): قاتلهم الله! ما أحمقهم حين يَرَوْن
أنّى أُفِى لهم بأيمانهم هذه! أمَّا حلفى لهم باللّه؛ فإنه ينبغى لى إذا حلفت على
يمين فرأيت ما هو خير منها أن أدع ما حلفت عليه وآتى الذى هو خير؛ ٦٠١/٢
وأكفّر يمينى ، وخروجى عليهم خير من كفّى عنهم؛ وأكفّر يمينى؛ وأمَّا
هَدْى ألف بَدَنَة فهو أهْوَن علىّ من بصقة؛ وماثمنُ ألف بدنة فيهولستنى!
وأمَّا عتق مماليكى فوالله لوددت أنه قد استتبّ لى أمرى، ثمّ لم أملك مملوكًا
أبداً .
قال : ولمَّا نزل المختار داره عند خروجه من السِّجن، اختلف (٢) إليه
الشيعة واجتمعت عليه؛ واتَّفْق رأيها (٣) على الرضا به، وكان الذى يبايع له الناس
وهو فى السّجن خمسة نفر : السَّائب بن مالك الأشعريّ ، ويزيد بن أنس ،
وأحمر بن شُمَسَيَط، ورفاعة بن شدّاد الفتْيانىّ، وعبد الله بن شداد الجُشَمىّ.
قال : فلم تزل أصحابه يكثُرون ، وأمره يقوى ويشتدُّ حتّى عزل ابنُ الزبير
عبدَ الله بن يزيد وإبراهيم بن محمد بن طلحة، وبعث عبد الله بن مُطيع
على عملهما إلى الكوفة .
قال أبو مخنف : فحدّثنى الصّقْعب بن زهير ، عن عمر بن عبد الرحمن
ابن الحارث بن هشام ، قال : دَعا ابن الزبير عبد الله بن مطيع أخابنى عدى
ابن كعب والحارث بن عبد الله بن أبى ربيعة المخزومىّ؛ فبعث عبد الله بن مطيع
على الكوفة ، وبعث الحارث بن عبد الله بن أبى ربيعة على البصرة. قال:
فبلغ ذلك بَحِيرَ بن رَيْسان الحميرىّ ؛ فلقيهما ، فقال لهما : يا هذان ؛
إن القمر الليلة بالناطح (٤)، فلا تسيرا. فأمَّا ابنُ أبى ربيعة؛ فأطاعه؛ فأقام يسيرا ٢٠٢/٢
(١) ف: ((يقول بعد ذلك)).
(٣) ف: ((رأيهم)). ا: ((رأيهما))
(٢) !: ((اختلفت)).
(٤) الناطح والنطح : من منازل القمر مما يتشاءم به .

١٠
سنة ٦٦
ثم شخص إلى عمله فسلم ؛ وأمَّا عبد الله بن مطيع فقال له : وهل نطلب
إلا النّطح!قال: فلفى واللّه نطحاً وبَطْحاً، قال: يقول عمر: والبلاء موكَّل بالقول.
قال عمر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام : بلغ عبد الملك بن
مروان أنّ ابن الزبير بعث عمالا على البلاد ؛ فقال: مَنْ بعث على البصرة؟
فقيل : بعث عليها الحارث بن عبد الله بن أبى ربيعة؛ قال: لا حُرَّ بوادى
عوف، بعث عوفاً وجلس!ثم قال : مَن بعث على الكوفة ؟ قالوا: عبد الله بن
مطيع ، قال: حازم وكثيرًا ما يسقط، وشجاع وما يكره أن يفرّ، قال: مَنْ
بعث على المدينة ؟ قالوا : بعث أخاه مصعب بن الزبير ، قال : ذاك الليث
النَّهْد ، وهو رجل أهل بيته .
قال هشام : قال أبو مخنف : وقدم عبد الله بن مُطيع الكوفة فى رمضان
سنة خمس وستين يوم الخميس لخمس بقين من شهر رمضان ، فقال لعبد الله
ابن يزيد: إنْ أحببت أن تقيم معى أحسنتُ صحبتك ، وأكرمت مثواك ؛
وإن لحقتَ بأمير المؤمنين عبد الله بن الزبير فبك عليه كرامة، وعلى مَنْ قبله
من المسلمين . وقال لإبراهيم بن محمد بن طلحة : الحقْ بأمير المؤمنين ؛
فخرج إبراهيم حتى قدم المدينة، وكسر على ابن الزبير الخراج ؛ وقال: إنَّما
کانت فتنة ؛ فکفّ عنه ابن الزبير .
قال: وأقام ابن مطيع على الكوفة على الصّلاة والخراج ؛ وبعث على
شُرطته إياس بن مضارب العجلى، وأمره أن يُحسن السيرة والشدّة على المريب.
قال أبو مخنف : فحدّثنى حَصيرة بن عبد الله بن الحارث بن دريد
الأزدى" - وكان قد أدرك ذلك الزمان، وشهد قتل مُصْعب بن الزبير - قال:
إنى لشاهد المسجد حيث قدم عبد الله بن مطيع، فصعد المنبر، فحمد الله
وأثنى عليه ، وقال: أمَّا بعد؛ فإنّ أمير المؤمنين عبد الله بن الزبير بعثنى على
مصركم وثغوركم ، وأمرنى بجباية فيئكم ؛ وألّ أحمل فضل فيئكم عنكم إلا
برضًا منكم، ووصيّةٍ عمر بن الخطاب التى أوصى بها عند وفاته، وبسيرة عثمان
ابن عفان التى سار بها فى المسلمين ؛ فاتقوا الله واستقيموولا تختلفوا ، وخذوا
٦٠٣/٢

١١
سنة ٦.٦
على أيدى سفهائكم؛ وإلا تفعلوا فلوموا أنفسكم ولا تلومونى؛ فوالله لأوقعن"
بالسقيم العاصى؛ ولأقيمنّ دَرْءٍ (١) الأصعر المرتاب. فقام إليه السائب بن مالك
الأشعرىّ، فقال: أمَّا أمر ابن الزبير إيّاك ألّ تُحمل فضل فيئنا عنَّا إلّا
برضانا فإنا نشهدك(١) أنَّا لا نرضى أن تحمل (٢) فضل فيئناعنّا؛ وألّ يقسم
إلا فينا ؛ وألّا يُسار فینا إلا بسیرة على بن أبى طالب التى سار بها فى بلادنا
هذه حتى هلك رحمة الله عليه، ولا حاجةَ لنا فى سيرة عثمان فى فيئنا ولا فى
أنفسنا؛ فإنها إنما كانت أثَرةً وهوَّى، ولا فى سيرة عمر بن الخطاب فى فيئنا ؛
وإن كانت أهون السيرتين علينا ضرًّا؛ وقد كان لا يألو النَّاس خيرًا. فقال يزيد
ابن أنس : صدق السائب بن مالك وبَرَّ، رأيُنا مثل رأيه ، وقولنا مثل قوله .
فقال ابن مطيع : نسير فيكم بكلّ سيرة أحببتموها وهو يتموها ثم نزل . فقال :
يزيد بن أنس الأسدىّ : ذهبتَ بفضلها يا سائب ؛ لا يعدمْك المسلمون!
أما والله لقد قمتُ وإنى لأريد أن أقوم فأقول له نحواً من مقالتك، وما أحبّ
أن الله ولى الردّ عليه رجلاً من أهل المِصْرليس من شيعتنا .
٦٠٤/٢
وجاء إياس بن مضارب إلى ابن مُطيع ، فقال له : إنّ السائب بن مالك
من رءوس أصحاب المختار ، ولست آمنُ المختار ؛ فابعث إليه فليأتك ؛ فإذا
جاءك فاحبْسه فى سجنك حتى يستقيم أمر الناس؛ فإن عيونى قد أتتنى فخبَّرَ تْنى
أنّ أمره قد استجمع له ؛ وكأنه قد وثب بالمِصْر . قال : فبعث إليه ابن مُطيع
زائدةَ بن قُدامة وحُسين بن عبد الله البُرْسُمىّ من هَمْدان ، فدخلا عليه ،
فقالا: أجب الأمير، فدعا بثيابه وأمر بإسراج دابَّته، وتحشخش (٣) للذهاب
معهما ؛ فلما رأى زائدةُ بن قدامة ذلك قرأ قول الله تبارك وتعالى :
﴿وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُذُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ وَيَمْكُرُونَ
وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ) (٤)، ففهمها المختار، فجلس ثم ألقى ثيابه
عنه، ثمّ قال: ألقواعلىّ القطيفة؛ ما أرانى إلّا قد وُعِكت؛ إنى لأجد قفقفة"
(١) الدره: الميل والعوج.
(٢) فى: ((نشهد ))
(٣) التحشحش: الحركة، وفى ط: ((تخشخش))، والصواب ما أثبته من ا.
(٤) سورة الأنفال: ٣٠.
٠

١٢
سنة ٦٦
شديدة ، ثم تمثّل قول عبد العُزَّى بن صُهَل الأزدىّ :
ولم يأتوا الكريهة لم يُهَابُوا
إِذا مَا مَعْشَرٌ تَرِكُوا نَدَاهُمْ
ارجعا إلى ابن مطيع ، فأعلماه حالى التى أنا عليها . فقال له زائدة بن
٦٠٥/٢ قدامة: أمَّا أنا ففاعل؛ [فقال:](١) وأنت يا أخاهمدانفاعذرنى عنده فإنه خير لك.
قال أبو مخنف : فحدثنى إسماعيل بن نُعيم الهمْدانىّ ، عن حسين بن
عبد الله، قال: قلت فى نفسى: والله إن أنا لم أبلغ عن هذا ما يُرضيه ما أنا
بآمن من أن يظهر غدًا فيهلكنى. قال: فقلت له ، نعم، أنا أضع (٢) عند ابن
مطيع عذرك ، وأبلغه كلّ ما تحبّ؛ فخرجنا من عنده ؛ فإذا أصحابه على
بابه ، وفى داره منهم جماعة كثيرة . قال : فأقبلنا نحو ابن مطيع ، فقلت
الزائدة بن قدامة: أما إنى قد فهمت قولك حين قرأتَ تلك الآية؛ وعلمت
ما أردتَ بها ، وقد علمت أنها هى ثَبّطته عن الخروج معنا بعد ما كان
قد لبس ثيابه ، وأسرج دابّته ؛ وعلمتُ حين تمثّل البيت الذى تمشَّل أنما أراد
يخبرك أنه قد فهم عنك ما أردت أن تُفهمه ، وأنه لن يأتيه . قال : فجاحدنى
أن يكون أراد شيئًا من ذلك ؛ فقلت له : لا تحلف ؛ فوالله ما كنت لأبلِّغ
عنك ولاعنه شيئًا تكرهانه ؛ ولقد علمت أنَّك مشفق عليه، تجد له ما يجد المرء
لابن عمه . فأقبلنا إلى ابن مطيع ؛ فأخبرناه بعلَّته وشكواه؛ فصدَّقَنا ولها عنه.
قال : وبعث المختار إلى أصحابه ؛ فأخذ يجمعهم فى الدُّورحوله ، وأراد أن
يثِب بالكوفة فى المحرّم ؛ فجاء رجل من أصحابه من شِبَام(٣) - وكان عظيمَ
الشرف يقال له عبد الرحمن بن شريح - فلقى سعيد بن منقذ الشَّوريّ وسعر
ابن أبى سعر الحنفىّ والأسود بن جَرَاد الكندىّ وقدامة بن مالك الجشمىّ؛
٦٠٦/٢ فاجتمعوا فى منزل سِعْر الحنفىّ، فحمد الله وأثنى عليه ثم قال:
أمَّا بعد ؛ فإنَّ المختار يريد أن يخرج بنا ، وقد بايعناه ولاندرى أرسله
إلينا ابن الحنفية أم لا؛ فانهضوا بنا إلى ابن الحنفيَّة فلنخبره بما قدم علينا به
(١) تكملة من !.
(٢) كذا فى ا، س، وفى ط: ((أصنع)).
(٣) ابن الأثير: ((وشبام: حى من همدان)).

١٣
سنة ٦٦
وبما دَعانا إليه؛ فإنْ رخّص لنا فى اتباعه اتبعناه؛ وإن نهانا عنه اجتنبناه؛
فوالله ما ينبغى أن يكون شيءٌ من أمر الدنيا آثرَ عندنا من سلامة ديننا .
فقالوا (١) له : أرشدك الله! فقد أصبت ووفُّقت؛ اخرج بنا إذا شئت.
فأجمع رأيهم على أن يخرجوا من أيَّامهم، فخرجوا ، فلحقوا بابن الحنفيّة ؛
وكان إمامَهم عبدُ الرحمن بن شريح ، فلمَّا قدموا عليه سألهم عن حال النَّاس
فخبَّروه عن حالهم وما هم عليه .
قال أبو مخنف : فحدّثّنى خليفة بن ورقاء ، عن الأسود بن جراد الكندىّ
قال : قلنا لابن الحنفيَّة؛ إنّ لنا إليك حاجةً؛ قال: فسرّ (٢) هى أم علانية؟
قال : قلنا : لا؛ بل سرّ، قال: فرويدًا إذًا؛ قال: فمكث قليلا، ثم تنحتَّى
جانبًا فدعانا فقمنا إليه ، فبدأ عبد الرحمن بن شُريح ، فتكلّم ، فحمد الله
وأثنى عليه ، ثمّ قال: أمّا بعد ؛ فإنكم أهل بيت خصَّكم اللّه بالفضيلة ،
وشرّفكم بالنبوّة ، وعظّم حقكم على هذه الأمة ؛ فلا يجهل حقكم إلا
مغبون الرأى ، محسوس النصيب؛ قد أصبتم بحسين رحمة الله عليه. عظمت
مصيبة اختُصصتم (٣) بها ، بعد (٤) ما عم بها المسلمون ، وقد قدم علينا
المختار بن أبى عبيد يزعم لنا أنه قد جاءنا من تلقائكم، وقد دعانا إلى
كتاب الله وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم؛ والطلب بدماء(٥) أهل البيت،
والدفع عن الضعفاء ؛ فبايعناه على ذلك . ثم إنَّا رأينا أن نأتِيَك فنذكر لك
٦٠٧/٢
ما دعانا إليه ، وندبنا له ؛ فإن أمرتَنا باتباعه اتبعناه ، وإن نهيتنا عنه اجتنبناه .
ثم تكلمنا واحدًا واحدًاً بنحو مما تكلم به صاحبنا ؛ وهو يسمع، حتى إذا
فرغنا حمد الله وأثنى عليه، وصلَّى على النبى صلى الله عليه وسلَّم ، ثم قال :
أمَّا بعد ؛ فأما ما ذكرتم مما خصّصنا اللّه (٦) به من فضل ؛
فإن الله يؤتيه من يشاء والله ذو الفضل العظيم ؛ فلله الحمد !
وأمَّا ما ذكرتم من مصيبتنا بحُسين ؛ فإنّ ذلك كان فى الذكر الحكيم
(١) فى: ((قالوا)).
(٢) أ، ف: ((أفسر)).
(٣) كذا فى ف، وفى ط: ((ما قد خصكم)). (٤) كذا فى ا، وفى ط: ((فقد عم))
(٦) ف: ((خصنا)).
(٥) ف: ((بدم)).

١٤
سنة ٦٦
وهى ملحمة كُتبت عليه ، وكرامة أهداها اللّه له ، رفع بما كان منها درجات
قوم عنده، ووضع بها آخرين، وكان أمر الله مفعولا ، وكان أمر الله قدرًا مقدورًا.
وأمَّا ما ذكرتم من دعاء من دعاكم إلى الطَّب بدمائنا؛ فوالله لوددت أنّ اللّه
انتصر لنا من عدوّنا بمن شاء من خلقه؛ أقول قولى هذا وأستغفر الله لى ولكم.
٦٠٨/٢
قال : فخرجنا من عنده ، ونحن نقول : قد أذن لنا ؛ قد قال : لوددت
أنّ الله انتصر لنا من عدوّنا بمن شاء من خلْقه، ولو كره لقال: لا تفعلوا.
قال: فجئنا وأناس من الشيعة ينتظرون مقدمنا (١) ممَّن كنّا قد أعلمناه بمخرجنا
وأطلعناه على ذات أنفسنا ؛ ممن كان على رأينا من إخواننا ؛ وقد كان بلغ المختار
مخرجنا ، فشقّ ذلك عليه، وخشى أن نأتيه بأمر يُخذَّل الشيعة عنه ؛
فكان قد أرادهم على أن ينهض بهم قبل قدومنا(٢)؛ فلم يتهيّأ ذلك له (٣)؛ فكان
المختار يقول: إن نُفيرًا منكم ارتابوا وتحَّروا وخابوا ؛ فإن هم أصابوا أقبلوا
وأنابوا؛ وإنهم كبُوا(٤) وهابوا، واعترضوا وانجابوا، فقد ثّبروا وخابوا؛ فلم يكن
إلا شهرًا(*) وزيادة شىء ؛ حتى أقبل القوم على رواحلهم ؛ حتى دخلوا
على المختار قبل دخولهم إلى رحالهم، فقال لهم: ما وراءكم؟ فقد فُتِنْتُم وارتبتم ،
فقالوا له : قد أمرنا بنصرتك فقال: الله أكبر! أنا أبو إسحاق، اجمعوا إلى
الشيعة، فجمع له منهم مَنْ كان منه قريبًا فقال: يا معشَر الشيعة؛ إنّ
نفراً منكم أحبّوا أن يعلموا مصداق ما جئت به، فرحلوا إلى إمام الهدى، والنجيب
المرتضى أبن خير من طشى(١) ومشى ؛ حاشا النبى المجتبى ؛ فسألوه عماً قدمت
به عليكم ؛ فنبأهم أنى وزيره وظهيره. ورسوله وخليله؛ وأمركم باتباعى وطاعتى فيما
دعوتكم إليه من قتال المحدِّين، والطلب بدماء أهل بيت (٧) نبيكم المصطفين.
فقام عبد الرحمن بن شريح ، فحمد الله وأثنى عليه ، ثم قال : أمَّا بعد
يا معشر الشيعة ؛ فإنا قد كنا أحببنا أن نستثبت لأنفسنا خاصة ولجميع
إخواننا عامة ؛ فقدمنا على المهدىّ بن علىّ ، فسألناه عن حربنا هذه ، وعمّا
دعانا إليه المختار منها ، فأمرنا بمظاهرته ومؤازرته وإجابته إلى ما دعانا إليه،
(١) كذا فى ا، وفى ط: ((لقدومنا)). (٢) ف: مقدمنا)). (٣) ف: له ذلك ..
(٥) ف: ((غير شهر)).
(٤) ف: ((نكصوا)).
(٦) كذا فى ط، وفى اللسان: ((تطشى المريض، برئً)). (٧) ف: ((بدم أهل البيت)).

١٥
سنة ٦٦
فأقبلنا طيّبة أنفُسنا، منشرحة صدورنا، قد أذهب الله منها الشكّ والغِلّ"
والرّيب، واستقامت لنا بصيرتنا فى قتال عدوّنا؛ فليبلِّغ ذلك شاهدُ كم، ٦٠٩/٢
غائبتكم، واستعدّوا وتأهَّبوا. ثمّ جلس وقمنا رجلا فرجلا(١)؛ فتكلَّمنا بنحو
من كلامه ؛ فاستجمعت له الشيعة (٢) وحد بت عليه .
قال أبو مخنف: فحدّثّى نُمَر بن وَعْلة والمَشرِفِىّ، عن عامر الشَّعْبِىّ،
قال : كنت أنا وأبى أوّلَ من أجاب المختار . قال : فلما تهيّاً
أمرُهُ ودنا خروجه ؛ قال له أحمر بن شُميط ويزيد بن أنس وعبد الله بن
كامل وعبد الله بن شدّاد: إنّ أشراف أهل الكوفة مجتمعون على قتالك مع ابن
مطيع؛ فإن جامعتنا على أمرنا إبراهيمُ بن الأشتر رجوْنا بإذن الله القُوَّة على
عدوّنا ، وألّا يضرّنا خلافُ مَنْ خالفنا، فإنه فتى بئيس ، وابن رجل شريف
بعيد الصّيت ؛ وله عشيرة ذات عزّ وعدد. قال لهم المختار: فالقَوْه فادعوه ،
وأعلموه الذى أمِرنا به من الطَّسَب بدم الحسين وأهل بيته .
قال الشعبي : فخرجوا إلیه وأنا فیھم ، وأ بى، فتكلّم یزیدبن أنس، فقالله:
إنَّا قد أتيناك فى أمر نعرضه عليك ، وندعوك إليه ؛ فإن قبلته كان خيرًا لك ،
وإن تركته فقد أدّينا إليك فيه النصيحة؛ ونحن نحبّ أن يكون عندك مستورًا .
فقال لهم إبراهيم بن الأشتر : وإنّ مثلى لا تُخاف غائلته ولا سعايته ؛ ولا
التقرّب إلى سلطانه باغتياب الناس، إنما أولئك الصغارُ الأخطار الدّقاق همماً.
فقال له : إنَّما ندعوك إلى أمر قد أجمع عليه رأى الملا من الشيعة؛
إلى كتاب الله وسنّة نبيّه صلى اللّه عليه، والطَّب بدماء أهل البيت، وقتال
المحلّين، والدفع عن الضعفاء. قال: ثم تكلم أحمر بن شميط، فقال له: إنى ٦١٠/٢
لك ناصح، ولحظّك محبة، وإنّ أباك قد هلك وهو سيّد [الناس] (٣ )موفيك منه إن
رعيتَ حقّ اللّه خَلَفٌ؛ قد دعوناك إلى أمر إن أجبْتَنا إليه عادت لك منزلة
أبيك فى النَّاس ، وأحييت من ذلك أمرًا قد مات؛ إنما يكفى مثلكَ اليسيرُ حتى
تبلغ الغاية التى لا مذهب وراءها، إنه قد بنى لك أوّلك مفتخرًا (٤) . وأقبل القوم
(١) ف: ((رجلا رجلا)).
(٣) تكملة من ا.
(٢) ف: ((لنا الشيعة وله)).
(٤) ط: ((فتحرى))، والصواب ما أثبته من ا.

١٦
سنة ٦٦
كلّهم عليه (١) يدعونه إلى أمرهم ويرغبونه فيه. فقال لهم إبراهيم بن الأشتر :
فإنى قد أجبتكم إلى ما دعوتمونى إليه من الطلب بدم الحسين وأهل بيته، على
أن تولّونى الأمر، فقالوا : أنت لذلك أهل ؛ ولكن ليس إلى ذلك سبيل ؛ هذا
المختار قد جاءنا من قِبَل المهدىّ ؛ وهو الرسول والمأمور بالقتال ؛ وقد أمرنا
بطاعته . فسكت عنهم ابن الأشتر ولم يجبْهم . فانصرفنا من عنده إلى المختار
فأخبرناه بما ردّ علينا؛ قال: فغبَر ثلاثاً؛ ثم إنّ المختار دعا بضعة عشر
رجلا من وجوه أصحابه - قال الشعبىّ: أنا وأبى فيهم- قال: فسار بنا ومضى أمامنا
يقُدَ بنا بيوت الكوفة قدًّا لَا ندرى أين يريد؛ حتى وقف على باب إبراهيم بن
الأشتر ؛ فاستأذنًّا عليه فأذن لنا ، وألقيت لنا وسائدُ ؛ فجلسناعليها وجلس المختار
معه على فراشه ؛ فقال المختار :
٦١١/٢
الحمد لله، وأشهد أن لا إله إلا الله، وصلَّى اللّه على محمّد، والسَّلام
عليه ، أمَّا بعد ، فإنّ هذا كتاب إليك من المهدىّ محمد بن أمير المؤمنين
الوصىّ ؛ وهو خير أهل الأرض اليوم، وابن خير أهل الأرض كلّها قبل اليوم
بعد أنبياء الله ورسله ؛ وهو يسألك أن تنصرنا وتؤازرنا ، فإن فعلت اغتبطت ،
وإن لم تفعل فهذا الكتاب حجَّة عليك، وسيغنى اللّه المهدىّ محمدًا وأولياءه عنك.
قال الشعبي : وكان المختار قد دفع الكتاب إلىّ حين خرج من منزله ؛
فلما قضى كلامه قال لى: ادفع الكتاب إليه، فدفعته إليه ، فدعا بالمصباح وفض
خاتمه ، وقرأه فإذا هو :
بسم الله الرحمن الرحيم . من محمد المهدىّ إلى إبراهيم بن مالك
الأشتر ، سلامٌ عليك؛ فإنى أحمد إليك اللّه الذى لا إله إلا هو ؛ أما بعد
فإنى قد بعثت إليكم بوزيرى وأمينى ونجِيِى الذى ارتضيته لنفسى ، وقد
أمرته (٢) بقتال عدوّى والطلب بدماء أهل بيتى؛ فانهضْ معه بنفسك
وعشیرتك ومسن° أطاعك ؛ فإنك إن نصرتی وأجبت دعوتی وساعدت وزیری
كانت لك عندى بذلك (٣) فضيلة؛ ولك بذلك أعنَّة الخيل وكلّ جيش
غازِ ، وكلّ مصر ومنبر وثغر ظهْرتَ عليه فيما بين الكوفة وأقصى بلاد أهل
(١) ف: ((عليه كلهم)).
(٣) ف: ((بذلك عندى)).
(٢) ف: ((وأمرته)).

١٧
سنة ٦٦
الشأم، علىّ الوفاء بذلك على عهد اللّه؛ فإن فعلت ذلك نلتَ به عند الله أفضل
الكرامة ، وإن أبيت هلكت هلاكًا لا تستقيله أبدًا، والسلام عليك .
فلما قضى إبراهيمُ قراءة الكتاب، قال : لقد كتب إلىّ ابنُ الحنفيَّة؟
وقد كتبتُ(١) إليه قبل اليوم ؛ فما كان يكتب إلىّ إلا باسمه واسم أبيه، قال له ٦١٢/٢
المختار: إنّ ذلك زمان وهذا زمان، قال إبراهيم: فمَنْ يعلم أن هذا كتاب
ابن الحنفيّة إلىّ ؟ فقال له : يزيد بن أنس وأحمر بن شميط وعبد الله بن کامل
وجماعتهم - قال الشعبىّ: إلاّ أنا وأبى - فقالوا: نشهد أنّ هذا كتاب محمد
ابن علىّ إليك ، فتأخر إبراهيم عند ذلك عن صدر الفراش فأجلس المختار
عليه ، فقال : ابسط يدك أبايعْك ؛ فبسط المختار يده فبايعه إبراهيم ، ودعا لنا
بفاكهة ، فأصبنا منها؛ ودعا لنا بشراب من عسل فشربنا ثم نهضنا ؛ وخرج
معنا ابنُ الأشتر ؛ فركب مع المختار حتى دخل رحله ؛ فلما رجع إبراهيم
منصرفًا أخذ بيدى ، فقال : انصرف بنا يا شعبىّ، قال : فانصرفت معه ومضى
بى حتى دخل بى رحله ، فقال : يا شعبىّ، إنى قد حفظت أنَّك لم تشهد أنت
ولا أبوك ؛ أفترَى هؤلاء شهدوا على حقّ؟ قال: قلت له : قد شهدوا على ما رأيت
وهم سادة القرّاء ومشيخة المصْر وفرسان العرب ، ولا أرى مثل هؤلاء يقولون
إلا حقًّاً . قال : فقلت له هذه المقالة؛ وأنا واللّه لهم على شهادتهم متّهَم"؛
غيرَ أنى يعجبنى الخروج وأنا أرى رأى القوم ؛ وأحبّ تمام ذلك الأمر (٢)؛
فلم أطلعه على ما فى نفسى من ذلك؛ فقال لى ابن الأشتر : اكتبْ لى أسماءهم
فإنى ليس كلَّهم أعرف . ودعا بصحيفة ودواة ، وكتب فيها :
بسم الله الرحمن الرحيم ؛ هذا ما شهد عليه السائب بن مالك الأشعرىّ ،
ويزيد بن أنس الأسدىّ وأحمر بن شميط الأحمسىّ ومالك بن عمرو النهدىّ؛
حتى أتى على أسماء القوم ؛ ثم كتب: شهدوا أن محمد بن علىّ كتب إلى إبراهيم بن ٦١٣/٢
الأشتر يأمره بموازرة المختار ومظاهرته على قتال المحلّين ، والطلب بدماء أهل
البيت ، وشهد على هؤلاء النَّفر الذين شهدوا على هذه الشهادة شراحيل
ابن عبد - وهو أبو عامر الشعبيّ الفقيه - وعبد الرحمن بن عبد الله النَّخعىّ،
(١) ف: ((وكتبت)).
(٢) بعدها فى ف: ((لم)).

١٨
سنة ٦٦
وعامر بن شَراحِيل الشعبىّ . فقلت له : ما تصنع بهذا رحمك الله ؟ فقال :
دعْه يكون. قال: ودعا إبراهيم عشيرته وإخوانه ومَنْ أطاعه، وأقبل يختلف إلى
المختار .
قال هشام بن محمد : قال أبو مخنف: حدثنى يحيى بن أبى عيسى الأزدىّ،
قال : كان حُميد بن مسلم الأزدى صديقًا لإبراهيم بن الأشتر ؛ وكان
يختلف إليه ؛ ويذهب به معه؛ وكان إبراهيم يروح فى كلّ عشية عند المساء ،
فيأتى المختار ، فيمكث عنده حتى تصوّب النجوم ، ثم ينصرف ؛ فمكثوا بذلك
يدبّرون أمورهم ؛ حتى اجتمع رأيهم على أن يخرجوا ليلة الخميس لأربع
عشرة من ربيع الأول سنة ست وستين ، ووطَّن على ذلك شيعتهم ومن أجابهم .
فلما كان عند غروب الشمس، قام إبراهيم بن الأشتر ؛ فأذّن ؛ ثمّ إنه
استقدم، فصلَّى بنا المغرب ، ثم خرج بنا بعد المغرب حين قُلت : أخوك أو
٦١٤/٢ الذئبُ(١) - وهو يريد المختار، فأقبلنا علينا السلاحُ، وقد أتى إياس بن مضارب
عبدَ الله بن مطيع فقال: إنّ المختار خارج عليك إحدى الليلتين ؛ قال :
فخرج إياس فى الشَّرّط (٢)، فبعث ابنه راشدًا إلى الكُنَاسة ، وأقبل يسير
حولَ السوق فى الشُّرَط .
ثم إنّ إياس بن مضارب دخل على ابن مطيع، فقال له : إنى قد بعثت
ابنى إلى الكناسة، فلو بعثتَ فى كل جبَّانة بالكوفة عظيمةٍ رجلاً من
أصحابك فى جماعة من أهل الطاعة ؛ هاب المريبُ الخروج عليك. قال :
فبعث ابن مطيع عبد الرحمن بن سعيد بن قيس إلى جَّانة السَّبيع ، وقال :
اكفنى قومك، لا أوتَينّ من قبلك، وأحكم أمر الجبَّانة التى وجهتك إليها،
لا يحدُثُنّ بها حَدَث؛ فأوليك العجز والوهن . وبعث كعب بن أبى كعب
الخثعمىّ إلى جَّانة بشر، وبعث زحْر بن قيس إلى جبَّانة كنْدة، وبعث
شمربن ذي الجوشن إلى جبّانة سالم، وبعثَ عبد الرحمن بن مخنف بن سُليم إلى
جبَّانة الصائديّين، وبعث يزيدبن الحارث بن رُؤيم أبا حَوْشب إلى جبّانة مراد،
(١) يقال: أخوك أو الذئب؛ إذا اشتد الظلام. (٢) ف: ((الشرطة)).

١٩
سنة ٦٦
وأوصى كلَّ رجل أن يكفيَه قومه ، وألّا يؤتى من قبله ، وأن يحكم الوجه
الذى وجّهه فيه؛ وبعث شَبَت بن رِبْعِىّ إلى السََّخَة، وقال: إذا سمعت
صوت القوم فوجّه نحوهم ؛ فكان هؤلاء قد خرجوا يوم الاثنين ؛ فنزلوا هذه
الجبابين ، وخرج إبراهيم بن الأشتر من رحله بعد المغرب يريد إتيان المختار ؛ ٦١٥/٢
وقد بلغه أن الجبابين قد حُشيتْ رجالا ، وأن الشّرَط قد أحاطت بالسوق
والقصر .
قال أبو مخنف : فحدثنى يحيى بن أبى عيسى ، عن حُميد بن مسلم .
قال : خرجت مع إبراهيم من منزله بعد المغرب ليلة الثلاثاء حتى مررنا بدار
عمرو بن حُريث ، ونحن مع ابن الاشتر كتيبةٌ نحوٌ من مائة، علينا الدروع ،
قد كفرنا(١) عليها بالأقبية، ونحو متقلّدو السيوف؛ ليس معنا سلاحٌ إلّا
السيوف فى عواتقنا ، والدّروع قد سترناها بأقبيتنا ؛ فلمَّا مررنا بدار سعيد بن
قيس فجُزْناها إلى دار أسامة ، قلنا: مُرَّ بنا على دار خالد بن عُرْفُطة ، ثم
امض بنا إلى بَجِيلة ، فلنمرّ فى دورهم حتى نخرج إلى دار المختار - وكان
إبراهيم فتّ حَدَا شجاعًا؛ فكان لا يكره أن يلقاهم - فقال: والله لأمرّن"
على دار عمرو بن حريث إلى جانب القصر وسط السوق ، ولأرعينّ به عدوّنا
ولأرِينَّهم هواتهم علينا. قال: فأخذنا على باب الفيل على دار ابن هبَّار(٢)؛ ثم
أخذ ذات اليمين على دار عمرو بن حريث ؛ حتى إذا جاوزها ألفينا
إياس بن مضارب فى الشُّرَط مظهرين السلاح، فقال لنا: مَنْ أنتم؟ ما أنتم ؟
فقال له إبراهيم: أنا إبراهيم بن الأشتر، فقال له ابن مضارب: ما هذا الجمع معك؟
وما تريد؟ والله إنّ أمرك لمريب! وقد بلغنى أنك تمرّ كلّ عشية ها هنا، وما أنا
بتاركك حتى آتى بك الأمير فيرى فيك رأيه . فقال إبراهيم : لا أبا لغيرك!
خلّ سبيلَنَا ، فقال : كلاّ واللّه لا أفعل - ومع إياس بن مضارب رجل من
هَمْدان، يقال له أبو قطن، كان يكون مع إمرة الشّرطة فهم يكر مونه ٦١٦/٢
ويؤثرونه ، وكان لابن الأشتر صديقًا - فقال له ابن الأشتر : يا أبا قَطن ،
ادنُ منى - ومع أبى قَطَن رمح له طويل-؛ فدنا منه أبو قَطَن؛ ومعه الرمح؛
(١) كفرنا، أى سترنا .
(٢) ط: ((هبار))، وانظر الجزء الرابع ص ٢٧٣.
1

٢٠
سنة ٦٦
وهو يرى أن ابن الأشتر يطلب إليه أن يشفع له إلى ابن مضارب ليخلَِّّ
سبيله؛ فقال إبراهيم - وتناول الرّمح من يده (١): إنّ رمحتك هذا لطويل ؛
فحمل به إبراهيم على ابن مضارب، فطعنه فى ثُغْرة نحره فصرعه، وقال لرجل
من قومه: انزل [عليه](٢)، فاحتزّ رأسه، فنزل إليه فاحتزّ رأسه، وتفرّق أصحابه
ورجعوا إلى ابن مطيع. فبعث ابن مطيع ابنَه راشد بن إياس مكان أبيه (٣)
على الشّرْطة ، وبعث مكان راشد بن إياس إلى الكُنَاسة تلك الليلة سُوَيَد بن
عبد الرحمن المِنْقَرِىّ أبا القعقاع بن سُويد. وأقبل إبراهيم بن الأشتر إلى
المختار ليلةَ الأربعاء ، فدخل عليه فقال له إبراهيم : إنَّا اتّعدنا للخروج للمقابلة
ليلة الخميس ، وقد حدث أمرٌ لا بدّ من الخروج الليلة ، قال المختار: ما هو؟
قال : عرض لى إياس بن مضارب فى الطريق ليحبسنى بزعمه ، فقتلته ؛
وهذا رأسه مع أصحابى على الباب. فقال المختار : فبشّرك اللّه بخير! فهذا
طير صالح، وهذا أوّل الفتح إن شاء اللّه . ثم قال (٤) المختار: قم يا سعيد بن
منقذ ، فأشعل فى الهرادىّ(٥) النيران ثم ارفعها للمسلمين، وقم أنت يا عبد الله بن
شدّاد؛ فناد: (يا منصور أمتْ))؛ وقم أنت يا سفيان بن ليل، وأنت يا قدامة
ابن مالك، فناد : يا لتأرات الحسين! ثم قال المختار : علىّ بدرعى وسلاحی،
فأتِیَ به ؛ فأخذ يلبس سلاحه ويقول :
واضِحَة الخَدَّينِ عَجْزَاءُ الكَفَلْ
٦١٧/٢ قَدْ عَلِمَتْ بَيْضاءُ حَسناءُ الطََّلْ
* أَنِى غِدَاةَ الرَّوْعِ مِقْدَامٌ بَطَلْ »
ثم إنّ إبراهيم قال للمختار: إنّ هؤلاء الرءوس الَّذين وضعهم ابن مطيع
فى الجبابين يمنعون إخواننا أن يأتونا ، ويضيِّقون عليهم ؛ فلو أنى خرجت بمن
معی من أصحابى حتى آتىَ قومى ؛ فيأتينى كلّ مَنْ قد بايعنى من قومى ، ثم
سرت بهم فى نواحى الكوفة ، ودعوت بشعارنا ؛ فخرج إلىّ مَن أراد الخروج
إلينا، ومَنْ قدر على إتيانك من الناس ؛ فمن أتاك حبسته عندك إلى مَنْ
(٢) من ف .
(١) ف: ((بيده)).
(٤) كذا فى ف: وفى ط: ((فقال)).
(٣) ف ((راشداً مكان أبيه إياس)).
(٥) فى اللسان: ((الهردية: قصبات تضم ملوية بطاقات الكرم، تحمل عليها قضبانه)).