النص المفهرس
صفحات 581-600
٥٨١
سنة ٦٤
عليكم من سليمان بن صُرَد، إن سليمان إنما خرج يقاتل عدوّكم ، ويذللهم
لكم، وقد خرج عن بلاد كم ؛ وإنّ المختار إنما يريد أن يثب عليكم فى مصركم،
فسيروا إليه فأوثقوه فى الحديد، وخلِّدوه(١) فى السجن حتى يستقيم أمرُ الناس،
فخرجوا إليه فى الناس ، فما شعر بشيء حتى أحاطوا به وبداره فاستخرجوه ،
فلما رأى جماعتهم قال: ما بالكم! فوالله بُعدَ ما ظفِرِتْ أكفّكم! قال :
فقال إبراهيم بن محمد بن طلحة بن عبيدالله لعبد الله بن يزيد: شُدّه كتافاً، ومشّه
حافياً ؛ فقال له عبد الله بن يزيد: سبحان الله! ماكنت لأمشيه ولا لأحفيه (٢) ٥٣٦/٢
ولا كنت لأفعلَ هذا برجل لم يُظهر لنا عداوةً ولا حربًا، وإنما أخذناه على
الظنّ. فقال له إبراهيم بن محمد: ليس بعُشِّكِ فادْرُجى (٣)، ما أنت وما
يبلغنا عنك يابن أبى عبيد! فقال له : ما الذى بلغك عنى إلا باطلٌ ، وأعوذ
بالله من غشِّ كغِشّ أبيك وجدّك!
قال : قال فُضَيل : فوالله إنى لأنظرُ إليه حين أخرج وأسمع هذا القول
حين قال له ، غير أنّ لا أدرى أسمعه منه إبراهيم أم لم يسمعه ؛ فسكت حين
تكلم به ؛ قال : وأتى المختار ببغلة دهماءَ يركبها ، فقال إبراهيم لعبد الله بن
يزيد : ألا تشدّ عليه القيود ؟ فقال : كفى له بالسجن قيداً .
قال أبو مخنف : وأما يحيى بن أبى عيسى فحدثنى أنه قال : دخلت إليه
مع حميد بن مسلم الأزدىّ نزوره ونتعاهده، فرأيته مقيّداً ؛ قال : فسمعتُه
يقول: أما وربّ البحار ، والنخيل والأشجار، والمتهامه والقفار، والملائكة
الأبرار، والمصطفين الأخيار، لأقتلنّ كلَّ جبّار، بكلّ لَدْن خطّار،
ومهنَّدٍ بَتّار، فى جُموع (٤) من الأنصار، ليسوا بِميل (٥) أغمار (٦)، ولا بُعْزل
أشرار ، حتى إذا أقمتُ مَمودَ الدين، ورأبْتُ شَعْب صَدْع المسلمين، وشفيتُ
(١) ف: ((وخلفوه))، ابن الأثير: ((واسجنوه)).
(٢) ف: ((أمشيه حافياً)).
(٣) ابن الأثير: ((هذا يغشك فأدرنى)).
(٤) ف: ((وجموع))، ابن الاثير: ((بجموع)).
(٥) ميل: جمع أميل ؛ وهو الذى لارمح معه .
(٦) الأغمار: جمع غمر، بضم فكون ؛ وهو الذى لا تجربة له بالأمور .
٥٨٢
سنة ٦٤
غليلَ صدور المؤمنين ، وأدركتُ بثأر النبيِّين، ولم يكبُر علىّ زوال الدنيا
ولم أحفل بالموت إذا أتى .
قال : فكان إذا أتيناه وهو فى السجن ردّد علينا هذا القول حتى خرج
٥٣٧/٢
منه ؛ قال : وكان يتشجَّع لأصحابه بعد ما خرج ابن صُرّد .
[ ذكر الخبر عن هدم ابن الزبير الكعبة ]
قال أبو جعفر : وفى هذه السنة هدم ابن الزبير الكعبة ، وكانت قد مال
حيطانُها مما رُميَت به من حجارة المجانيق، فذكر محمد بن عمر الواقديّ أنّ
إبراهيم بن موسى حدّثه عن عكرمة بن خالد، قال: هدم ابن الزبير البيت حتى
سوّاه بالأرض ، وحفر أساسه، وأدخل الحِجْرفيه ، وكان الناس يطوفون من
وراء الأساس ، ويصلُّون إلى موضعه ، وجعل الرّكن الأسود عنده فى تابوت
فى سَرَقة (١) من حرير، وجعل ما كان من حُلىّ البيت وما وجد فيه من ثياب
أو طيب عند الحَجَبَة فى خزانة البيت ، حتى أعادها لمّا أعاد بناءَه.
قال محمد بن عمر: وحدثنى معقل بن عبد الله، عن عطاء، قال: رأيت
ابنَ الزّبير هدم البيت كله حتى وضعه بالأرض .
وحجّ بالناس فى هذه السنة عبد الله بن الزبير .
وكان عامله على المدينة (٢) فيها أخوه عبيدة بن الزبير، وعلى الكوفة عبد اللّه
ابن يزيد الخطمىّ، وعلى قضائها سعيد (٣) بن نِمْران.
وأبتى شُرَيح أن يقضى فيها، وقال فيماذكر عنه: أنا لا أقضى فى الفتنة .
وعلى البصرة عمر بن عبيدالله بن مَعَمَر التيمى، وعلى قضائها هشامُ بن هُبيرة،
وعلى خُراسان عبد الله ابن خازم .
(٢) ط: ((مدينة)).
(١) السرق : شقائق الحرير، واحده سرقة .
(٣) ط: ((سعد)) وانظر الفهرس.
٥٣٨/٢
ثم دخلت سنة خمس وستين
ذكر الخبرعماً كان فيها من الأحداث الجليلة
فمن ذلك ما كان من أمر التوَّابين وشخوصهم للطلب بدم الحسين بن علىّ
إلی عبيد الله بن زياد .
قال هشام : قال أبو مخنف : حدثنى أبو يوسف، عن عبد الله بن عوف
الأحمرىّ، قال : بعث سلمان بن صُرَّد إلى وجوه أصحابه حين أراد الشخوص
وذلك فى سنة خمس وستين، فأتوه ، فلما استهل" الهلال هلالُ شهر ربيع
الآخر، خرج فى وجوه أصحابه ، وقد كان واعتدَ أصحابه عامّة للخروج
فى تلك الليلة للمعسكر بالشُّخيلة فخرج حتى أتى عسكره ، فدار فى الناس
ووجوه أصحابه ، فلم يعجبه عدّة الناس ، فبعث حكيم بن مُنقِذ الكندىّ
فى خيل ، وبعث الوليد بن غُصَيْن الكنانىّ فى خيل ، وقال : اذهبا حتى
تدخلا الكوفة فناديا : يا لثاراتِ الحسين ! وابلُغا المسجد الأعظم فناديا
بذلك، فخرجا، وكانا أوّل خلق الله دعوا: يا لثارات الحسين! قال: فأقبل (١)
حكيم بن منقذ الكندىّ فى خيل(٢) والوليد بن غُصَين فى خيل، حتى مرّا
ببنى كثير ، وإنّ رجلاً من بنى كثير من الأزْد يقال له عبد الله بن خازم
مع امرأته سَهْلة بنت سبرة بن عمرو من بنى كثير ، وكانتْ من أجمل الناس
وأحبِّهم إليه ، سمع الصوت : يالثارات الحسین ! وما هو ممن کان یأتیھم ،
ولا استجابَ لهم . فوثب إلى ثيابه فليسها ، ودعا بسلاحه، وأمر بإسراج
فَرَسِهِ، فقالت له امرأته: ويحك! أجُنِنت! قال: لا والله، ولكنّى
سمعتُ داعىَ اللّه، فأنا ◌ُجيبه، أنا طالبٌ بدم هذا الرجل حتّى (٣) أموت،
أو يقضىَ اللّه من أمرى ما هو أحبّ إليه، فقالت له: إلى مَن تدعُ بُنَّك
هذا ؟ قال : إلى الله وحده لا شريك له؛ اللهم إنى أستودعُك أهلى ووادى،
٥٣٩/٢
(١) ف: ((أقبل)).
(٣) ف: ((أو)).
(٢) ف: ((الخيل)).
٥٨٣
٥٨٤
سنة ٦٥
اللهم احفظنى فيهم ؛ وكان ابنه ذلك يُدعى عَزْرة ، فبقى حتى قتل بعدُ
مع مصعب بن الزبير ؛ وخرج حتى لحق بهم ، فقعدت (١) امرأته تبكيه
واجتمع إليها نساؤها ، ومضى مع القوم ، وطافت تلك الليلة الخيل بالكوفة ،
حتى جاءوا المسجدَ بعد العتمة، وفيه ناس كثير يصلُّون، فنادوا: يالثارات
الحسين! وفيهم أبو عزَّة القابضىّ (٢) وكرب بن نِمْران يصلّى، فقال:
يالثارات الحسين ! أين جماعة القوم ؟ قيل : بالنُّخيلة ، فخرج حتى أنى
أهله ، فأخذ سلاحه ، ودعا بفرسه ليركبه ، فجاءته ابنتُه الرُّواع - وكانت
تحت ثُبَيت بن مرثد القابضىّ. فقالت : يا أبتِ ، مالى أراك قد تقلدت
سيفك، ولبستَ سلاحك! فقال لها : يا بنيّة، إن أباك يفرّ من ذنبه إلى
ربّه ، فأخذتْ تنتحِبْ وتبكى، وجاءه أصهارُه وبنو عمه ، فودَّعهم ،
ثم خرج (٣) فلحق بالقوم؛ قال: فلم يصبح سليمان بن صرّد حتى أتاه نحوٌ
٥٤٠/٢ ممّن (٤) كان فى عسكره حين دخله؛ قال: ثمّ دعا بديوانه لينظر فيه إلى عدّة
من بايعه (٥) حين أصبح ، فوجدهم ستة عشر ألفًا ، فقال : سبحان الله !
ما وافانا إلا أربعة آلاف من ستة عشر ألفًا .
قال أبو مخنف : عن عطية بن الحارث ، عن حميد بن مسلم، قال: قلت
لسليمان بن صُرَّد: إنّ المختار واللّه يثبّط الناسَ عنك، إنّى كنت عنده أوَّل
ثلاث ، فسمعتُ نفراً من أصحابه يقولون: قد كمُلنا ألفى (٦) رجل؛ فقال:
وهسَبْ أنّ ذلك كان؛ فأقام عنّا عشرة آلاف، أما هؤلاء بمؤمنين ! أما
يخافون الله! أما يذكرون الله، وما أعطَوْنا من أنفسهم من العهود والمواثيق
ليُجاهدُنَ وليُنصرُنَ! فأقام بالنُّخَيْلة ثلاثاً يبعث ثِقاتهِ من أصحابه إلى
مَنْ تخلّف عنه يذكِّرهم اللّهَ وما أعطَوْه من أنفسهم، فخرج إليه نحوٌ من
ألف رجل ، فقام المسَيّب بن نجبة إلى سليمان بن صُرّد، فقال : رحمك
(١) ف: ((وقعدت)).
(٢) ف: ((القاضى)).
(٤) ابن الأثير: (مما)).
(٣) ف ((وخرج).
(٥) ابن الأثير: ((تابعه)).
(٦). ف: ((ألفين)).
٥٨٥
سنة ٦٥
اللّه، إنه لا ينفعك الكارهُ، ولا يقاتل معك إلا من أخرجَتْهُ النيّة، فلا
ننتظرنّ(١) أحداً، واكمُشْ(٢) فى أمرك. قال: فإنك واللّه لنعمًا رأيت!
فقام سليمان بن صُرّد فى الناس متوكِّثاً على قوس له عربيّة . فقال : أيها
الناس ، مَنْ كان إنما أخرجتْه إرادةُ وجه الله وثواب الآخرة فذلك منّاونحن
منه، فرحمة الله عليه حيًّاً وميتاً، ومَنْ كان إنما يريد الدنيا وحَرَنْتَها فوالله
ما نأتى فيئًا نستفيئه، ولا غنيمةً نغنّمُها ، ما خلا رضوان اللّه رَبّ العالمين،
وما معنا من ذهب ولا فضّة، ولا خَزّ ولا حرير(٣)، وما هى إلا سيوفنا فى
عواتقنا، ورماحنا فى أكفّنا، وزادٌ قدر البُلْغة إلى لقاء عدوّنا، فمن كان غير
هذا ينوى فلا يصحبْنا .
فقام صُختَير بن حذيفة بن هلال بن مالك المُزّنىّ، فقال: آتاك الله رشدك،
ولقّاك حُجَّتَك؛ والله الذى لا إله غيره ما لنا خيرٌ فى صحبةِ مَنِ الدنيا ٥٤١/٢
همَّتُهُ(٤) ونيَّته. أيّها الناس، إنما أخرجتْنا التوبةُ من ذنبنا، والطلَب بدم
من نبيِّنًا، صلى الله عليه وسلم ليس معنا دينارٌ ولا درهم ، إنما نقدمُ على حدّ
السيوف وأطراف الرّماح ؛ فتنادى الناسُ من كلّ جانب : إنَّا لا نطلب
الدنيا ، وليس لها خرجْنا .
قال أبو مخنف: عن إسماعيل بن يزيد الأزدىّ، عن السّرىّ بن كعب
الأزدىّ، قال : أتينا صاحبنا عبد الله بن سعد بن نفيل نود عه، قال : فقام
فقمنا معه ، فدخل على سليمان ودخلنا معه ، وقد أجمع سليمان بالمسير ، فأشار
عليه عبد الله بن سعد بن نُفيل أن يسيرَ إلى عبيد الله بن زياد، فقال هو
ورءوس أصحابه: الرّأى ما أشار به عبد الله بن سعد بن نُفيل أن نسير إلى
عبيد الله بن زياد قاتِل صاحبنا، ومِن قِبِلِه أُتِينا، فقال له عبد الله بن سعد
وعنده رءوس أصحابه جلوس حوله: إنّ قد رأيت رأيًا إن يكُن صوابًا فالله
(١) ابن الأثير: ((فلا تنتظر)).
(٢) كش الرجل فى أمره: مضى وأسرع وفى ابن الأثير: ((جد)).
(٣) ابن الأثير: ((ولا متاع)).
(٤) ابن الأثير: ((شمه)).
٥٨٦
سنة ٦٥
وفَّق ، وإن يكن ليس بصواب (١) فمِن قِبَلَى، فإنى ما آلوكم ونفسى نصحًا؛
خطأ كان أم صوابًا ، إنما خرجنا نطلب بدم الحسين ، وقتّلة الحسين كلهم
بالكوفة ، منهم عمر بن سعد بن أبى وقاص، ورءوس الأرباع وأشراف
القبائل ، فأنّى نذهب هاهنا وندع الأقتال والأوتار! فقال سليمان بن صُرَد :
فماذا ترون؟ فقالوا: والله لقد جاء برأى، وإنّ ماذكر لكما ذكر ، والله ما
٥٤٢/٢ نلقى من قتّلة الحسين إن نحن مضينا نحو الشام غير ابن زياد(٢)، وما
طلبَتُنا إلا هاهنا بالمِصْر؛ فقال سليمان بن صُرّد: لكن أنا ما أرى ذلك
لكم ، إنّ الذى قتل صاحبكم، وعَبّأ الجنودَ إليه، وقال: لا أمانَ له عندى
دون أن يستسلم فأمضى فيه حُكمى هذا الفاسق ابن الفاسق ابن مَرْجانة ،
عبيد الله بن زياد؛ فسيروا إلى عدوّكم على اسم الله (٣)؛ فإن يُظهركم الله عليه
رجَوْنا أن يكون من بعده أهونَ شوكةً منه ، ورجونا أن يدين لكم من وراء كم
من أهل مِصْركم فى عافية، فتنظرون (٤) إلى كل من شرك فى دم الحسين
فتقاتلونه ولا تغشموا (٥)، وإن (٦) تُستشهدُوا فإنما قاتلتم المحلِّين، وما عندَ الله
خيرٌ لِلأبْرارِ والصدّيّقين؛ إنى لأحبّ أن تجعلوا حدّكم (٧) وشوكتكم بأوّل
المحلِّين القاسطين. والله لو قاتلتم غداً أهل مصركم ما عدم رجلٌ أن يرى رجلاً
قد قتل أخاه وأباه وحميمه ، أو رجلًا لم يكن يريد قتله ؛ فاستخيروا الله
وسيروا . فتهيَأ الناس للشخوص . قال : وبلغ عبد الله بن يزيد وإبراهيم بن
محمد بن طلحة خروجُ ابن صُرَد وأصحابه، فنظرا فى أمرهما ، فرأيا أن يأتياهم
فيعرِضا عليهم الإقامة، وأن تكون أيديهم واحدةً، فإن أبوً إلا الشخوص
سألوهم النّظِرِةَ حتى يعبّوا معهم جيشًا فيقاتلوا عدّوهم بكثفٍ وحدًّ؛ فبعث
٥٤٣/٢ عبد الله بن يزيد وإبراهيم بن محمد بن طلحة سويد بن عبد الرحمن إلى سلمان
ابن صُرّد، فقال له : إنّ عبد الله وإبراهيم يقولان: إنَّا نريد أن نجيئك
(١) ابن الأثير: ((صواباً)).
(٣) ابن الأثير: ((بركة الله)).
(٥) ابن الأثير: ((ولا يفشوا)).
(٧) ابن الأثير: ((جدكم)).
(٢) ف: ((إلا ابن زياد)).
(٤) ابن الأثير: ((فينظرون)).
(٦) ابن الأثير: ((فإن)).
٥٨٧
سنة ٦٥
الآن لأمر عسى الله أن يجعل لنا ولك فيه صلاحًا ؛ فقال: قل لهما فليأتيانا ،
وقال سليمان لرِفَاعة بن شدّاد البَجَلَىّ: قمْ أنت فأحسِنِ تتعبئةَ الناس ؛
فإنّ هذين الرجلين قد بعثا بكيتَ وكتَيتَ ، فدعا رءوس أصحابه فجلسوا حوله
فلم يمكثوا إلا ساعةً حتى جاء عبد الله بن يزيدَ فى أشراف أهل الكوفة والشُّرَط
وكثير من المقاتلة ، وإبراهيم بن محمد بن طلحة فى جماعة من أصحابه، فقال
عبد الله بن يزيد لكلّ رجل معروف قد علم أنه قد شَرّك فى دم الحسين :
لا تصحبنّى إليهم مخافة أن ينظروا إليه فيعدُّوا عليه ؛ وكان عمر بن سعد
تلك الأيام التى كان سليمان معسكراً فيها بالنُّخيلة لا يبيت إلا فى قصر الإمارة
مع عبد الله بن يزيد مخافة أن يأتيه القوم فى داره ، ويذمُرُوا عليه فى بيته
وهو فاعل لا يعلم فيقتل . وقال عبد الله بن يزيد : ياعمرو بن حريث ، إن
أنا أبطأتُ عنك فصلِّ بالناس الظهر .
فلما انتھی عبد الله بن یزید وإبراهيم بن محمد إلی سلمان بن صُرَد دخلا
عليه ، فحمد الله عبد الله بن يزيد وأثنى عليه ثمّ قال: إن المسلم أخو المسلم
لا يخونه، ولا يغشّهُ، وأنتم إخوانُنا، وأهلُ بلدنا، وأحبّ أهلِ مصْر خلَقَهُ
الله إلينا، فلا تفجعونا بأنفسكم ، ولا تستبدّوا علينا برأيكم ، ولا تنقصوا
عددنا بخروجكم من جماعتنا ؛ أقيموا معنا حتى نتيسّر ونتهياً ، فإذا علمنا
أن عدونا قد شارف بلدنا خرجْنا إليهم بجماعتنا فقاتلناهم. وتكلم إبراهيم بن ٥٤٤/٢
محمد بنحو من هذا الكلام. قال: فحمد الله سليمانُ بن صُرّد وأثنى عليه
ثم قال لهما : إنّى قد علمت أنكما قد مَحَضْما فى النصيحة ، واجتهدتما فى
المشورة ، فنحن باللّه وله، وقد خرجنا لأمر ، ونحن نسأل الله العزيمة على
الرشد والتسديد لأصوَبَه، ولا نرانا إلا شاخصين (١) إن شاء اللّه ذلك.
فقال عبد الله بن يزيد: فأقيموا حتى نُعبِّئَ معكم جيشًا كثيفًا، فتلقوا
عدوكم بكثف وجمع وحدُ. فقال سليمان: تنصرفون، ونرى فيما بيننا ، وسيأتيكم
إن شاء الله رأىٌ .
(١) ابن الأثير: ((سائرين)).
٦
١
٥٨٨
سنة ٦٥
قال أبو مخنف: عن عبد الجبّار - يعنى ابن عباس الهمدانىّ- عن عتَوْن
ابن أبى جُحَيفة السُّوَائِىّ، قال: ثمّ إنّ عبد الله بن يزيد وإبراهيم بن محمد
ابن طلحة عَرَضا على سليمان أن يقيم معهما حتى يلقوا جموعَ أهل الشأم على
أن يخصّاه وأصحابه بخراج جُوخَى خاصّة لهم دون الناس ، فقال لهما
سليمان : إنَّا ليس للدّنيا خرجنا ؛ وإنما فعلا ذلك لما قد كان بلغهما من إقبال
عُبيد الله بن زياد نحوَ العراق. وانصرف إبراهيم بن محمد وعبد الله بن يزيد
إلى الكوفة ، وأجمع القوم على الشخوص واستقبال ابن زياد ، ونظروا فإذا
شيعتُهم من أهل البصرة لم يوافوهم لميعادهم ولا أهل المدائن ، فأقبل ناس
من أصحابه يلزمونهم ، فقال سليمان: لا تلزموهم فإنى لا أراهم إلا سيُسرعون
٥٤٥/٢ إليكم، لو قد انتهى إليهم خبركم وحينُ مسيركم، ولا أراهم خلّفْهم ولا أقعد هم
إلا قلّةُ النفقة وسوءُ العُدَّة، فأقيموا ليتيسّروا ويتجهزوا ويلحقوا بكم وبهم
قوّة، وما أسرعَ القومَ فى آثاركم. قال: ثمّ إنّ سليمان بن صُرَد قام فى
الناس خطيبًا ، فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال :
أما بعد أيّها الناس، فإنّ اللّه قد علم ما تنوُون، وما خرجتم تَطلُبون،
وإن الدّنيا تجاراً، وللآ خرة تجاراً، فأما تاجر الآخرة فساع إليها، متنصّب
بِتَطْلابها، لا يشترى بها ثمنًا، لا يُرى إلا قائمًا وقاعداً، وراكعاً وساجداً، لا
يطلب ذهبًا ولا فضّة، ولا دنيا ولا لذّة، وأمّا تاجر الدّنيا فمُكبٌّ عليها، راتع
فيها، لا يبتغى بها بدلاً؛ فعليكم يرحمكم الله فى وجهكم هذا بطول الصلاة فى
جوف الليل، وبذكر الله كثيراً على كلّ حال، وتقرّبوا إلى اللّه جلّ ذكره
بكل خير قدرتم عليه ، حتى تلقوا هذا العدوّ والصُحلّ القاسط فتجاهدوه ،
فإنّ تتوسّلوا إلى ربّكم بشىء هو أعظم عنده ثوابًا من الجهاد والصلاة؛ فإنّ
الجهاد سَنَامُ العمل . جعلتَنا الله وإيّاكم من العباد الصالحين ، المجاهدين
الصابرين على الَّلأواء! وإنا مُدْ لجون الليلة من منزلنا هذا إن شاء الله
فادّ لجوا .
فادّلج عشية الجمعة لخمس مضَيْن من شهر ربيع الآخر سنة
خمس وستين للهجرة .
٥٨٩
سنة ٦٥
قال: فلما خرج سليمان وأصحابُه من النُّخيلة دعا سليمان بن صُرّد حكيم
ابن منقذ فنادى فى الناس: ألا لا يبيتَنّ رجل منكم دون دَيْر الأعور (١).
فبات الناس بدیر الأعور ، وتخلّف عنه ناسٌ کثیر، ثمّ سار حتى نزل
الأقساس ؛ أقساس مالك على شاطئ الفرات ، فعرض الناس ، فسقط منهم
نحوٌّ من ألف رجل ، فقال ابن صُرد : ما أحبّ أن من تخلّف عنكم معكم،
ولو خرجوا معكم (٢) ما زادوكم إلا خبالا؛ إنّ اللّه عزّ وجلّ كره انبعاثهم
فئبطهم ، وخصّكم بفضلِ ذلك ، فاحمدوا ربكم . ثم خرج من منزله ذلك
دُلْجَةَ، فصبحواقبرَ الحسين، فأقاموابه ليلةً ويومًا يصلّون عليه ، ويستغفرون
له؛ قال : فلما انتهى الناسُ إلى قبر الحسين صاحوا صيحةً واحدة، وبكوا؛
فما رُتی یومٌ كان أكثرَ باكياً منه .
٥٤٦/٢
قال أبو مخنف : وقد حدّث عبد الرحمن بن جندب ، عن عبد الرحمن
ابن غزّية ، قال : لما انتهينا إلى قبر الحسين عليه السلام بكى الناس بأجمعهم،
وسمعتُ جُلّ الناس يتمنَّون أنهم كانوا أصيبوا معه ؛ فقال سليمان : اللهم
ارحم حسينًا الشهيدَ ابن الشهيد، المهدىّ ابنَ المهدىّ، الصدّيقَ ابن الصدّيق،
اللهم" إنا نُشهدك أنا على دينهم وسبيلهم، وأعداء قاتليهم (٣)، وأولياء
محبِّهم . ثمّ انصرف ونزل، ونزل أصحابُه .
قال أبو مخنف : حدثنا الأعمش ، قال : حدثنا سلمة بن كُهَْل ،
عن أبى صادق، قال: لما انتهى سليمان بن صُرّد وأصحابه إلى قبر الحسين نادَوْا
صيحةً واحدةً: يا ربّ إنا قد خَذَلْنا ابْنَ بنت نبيّنا، فاغفر لنا ما مضى
منّا ، وتب علينا إنك أنت التوّاب الرّحيم ، وارْحم حسينًا وأصحابه الشهداء
الصدِّيقين، وإنا نُشهدك يا ربّ أنا على مثل ما قُتلوا عليه ، فإن لم تَغفِر لنا
وترحمْنا لنكونن من الخاسرين؛ قال: فأقاموا عنده يومًا وليلة يصلّون عليه
وييكون ويتضرّعون؛ فما انفكّ الناسُ من يومهم ذلك يترحّمون عليه وعلى ٥٤٧/٢
(١) ابن الأثير: ((دار الأهواز)).
(٢) ابن الأثير: ((فيكم)).
(٣) ابن الأثير: ((قاتلهم)).
٥٩٠
سنة ٦٥
أصحابه ، حتى صلّوا الغداةَ من الغد عند قبره، وزادهم ذلك حنقا. ثمّ
ركبوا ، فأمر سليمانُ الناسَ بالمسير ، فجعل الرجل لا يمضى حتى يأتىَ قبر
الحسين فيقوم عليه ، فيترحّم عليه، ويستغفر له، قال: فوالله لرأيتهم ازدحموا
على قبره أكثر من ازدحام الناس على الحجر الأسود.
قال : ووقف سليمان عند قبره، فكلّما دعا له قوم وترحّموا عليه قال لهم
المسيّب بن نَجبة وسليمان بن صُرّد: الحقوا بإخوانِكم رحمكم الله! فما زال
كذلك حتى بقىَ نحو من ثلاثين من أصحابه ، فأحاط سليمانُ بالقبر هو
وأصحابُه، فقال سلمان: الحمد لله الذى لو شاء أكرمنَّا بالشهادة مع الحسين ،
اللهم إذ حرمتناها معه فلا تحرِمْناها فيه بعدَه.
وقال عبد الله بن وال: أما والله إنى لأظنّ حسينًا وأباه وأخاه أفضلَ أمة
محمد صلى الله عليه وسلم وسيلةً عند الله يوم القيامة، أما عجبتم لما ابتليتْ به
هذه الأمة منهم! إنهم قتلوا اثنين، وأشفَوْا بالثالث على القتل ؛ قال : يقول
المسيب بن نَجَبة: فأنا مِن قَتَلتِهم ومَن كان على رأيهم برىءٌ، إيّاهم أعادى
وأقاتل. قال : فأحسن الرءوس كلُّهم المنطق، وكان المثنَّى بن مخرّبة صاحب
أحد الرءوس والأشراف ، فساءنى حيث لم أسمعه تكلّم مع القوم بنحو ما تكلموا
به؛ قال: فوالله ما لبث أن تكلّم بكلمات ما كنّ بدون كلام أحد من القوم ،
فقال: إنّ اللّه جعل هؤلاء الذين ذكرتم بمكانهم من نبيهم صلى الله عليه وسلم
أفضل ممن هودون نبيِّهم ، وقد قتلهم قوم نحن لهم أعداء، ومنهم براء، وقد خرجنا
٥٤٨/٢ من الديار والأهلين والأموال إرادة استئصال من قتلهم؛ فوالله لو أنّ القتال
فيهم بمَغرِب الشمس أو بمنقَطع التراب يحقّ علينا طلبُه حتى نناله، فإنّ
ذلك هو الغُنْ، وهى الشهادة(١) التى ثوابها الجنّة، فقلنا له : صدقتَ
وأصبتَ ووُفِّقْتْ .
قال : ثمّ إنّ سليمان بن صُرَد سار من موضع قبر الحسين وسرْنا معه ،
فأخذنا على الخصّاصة، ثمّ على الأنبار، ثمّ على الصدود، ثمّ على القيّرة.
قال أبو مخنف : عن الحارث بن حَصِيرة وغيره : إنّ سليمان بعث على
(١) ف: ((والشهادة)).
٥٩١
سنة ٦٥
مقدّمّته كتُريْبَ بن يزيد الحميرىّ .
قال أبو مخنف : حدّثنى الحصين بن يزيد ، عن السرىّ بن كعب ،
قال : خرجْنا مع رجال الحىّ نشيِّعهم، فلما انتهينا إلى قبر الحسين وانصرف
سليمان بن صُرَد وأصحابه عن القبر، ولزموا الطريقَ ، استقدَمَهم عبدُ اللّه
ابن عوف بن الأحمر على فرس له مهلوب كُمَيْت مربوع، يتأكّل تأكلا(١)،
وهو يرتجز ويقول :
عوابِساً يَحْمِلنَنَا أَبْطَالًا
خرجْنَ يَلْمَعْنَ بِنَا أَرْسَالا
القَاسِطِينَ الغُدُرَ الضُّلَّالَا
نُرِيدُ أَنْ نَلق به الأَقْتَالًا
والخَفِرَاتِ البِيضَ والحِجالا
وقد رَفَضْنا الأَهْلَ والأَّمْوَالًا
* نُرْضِى به ذا النِّعَم المِفْضَالًا *
قال أبو مخنف: عن سعد بن مجاهد الطائىّ، عن المُحلّ بن خليفة
الطائىّ ، أنّ عبد الله بن يزيد كتب إلى سليمان بن صُرّد، أحسبه قال: بعثنى ٥٤٩/٢
به، فلحقتُه بالقيّارة، واستقدم أصحابه حتى ظنّ أنْ قد سبقهم؛ قال:
فوقف وأشار إلى الناس، فوقفوا عليه، ثم أقرأهم (٢) كتابه ، فإذا فيه :
بسم اللهالرّحمن الرّحيم. من عبدالله بن يزيدَ إلى سليمان بن صُرَّدٍ ومَنْ
معه من المسلمین . سلامٌ علیکم ، أما بعد فإنّ کتابیھذا إلیکم کتابُ ناصح
ذى إرعاء ، وكم من ناصح مستغشّ، وكم من غاشّ مستَنَصَح ◌ُحَبّ، إنه
بلغنى أنكم تريدون المسير بالعدد اليسير إلى الجمع الكثير، وإنه مَن يُرد
أن ينقل الجبال عن مراتبها تكلّ مَعَاوِلُه، وينزع وهو مذمومُ العقل والفعل.
يا قومنا لا تُطمِعوا(٣) عدوّكم فى أهل بلادكم، فإنكم خيارٌ كلكم، ومتى
ما يُصِبْكم عدوكم يعلموا أنكم أعلامُ مصركم ، فيُطمعهم ذلك فيمن وراءكم
(١) فرسمهلوب: مستأصل شعر الذنب. والكمتة في الخيل: لون بين السواد والحمرة.
والمرابيع من الخيل : المجتمعة الخلق . والمتأكل : الهائج .
(٢) ف: ((وأقرأمٍ)).
(٣) ف وابن الأثير: ((لا تطيعوا)).
:
٥٩٢
سنة ٦٥
يا قومنا، ( إنَّهُمْ إِنْ يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ يَرَجُمُوكُمْأَوْ يُعِدُوكُمْفِي مِلَّتِهِمْ وَلَنْ
تُفْلِحُوا إِذاً أَبَداً)(١)، يا قوم، إن أيدينا وأيديكم اليوم واحدة، وإن عدوّنا
وعدوَّ كم واحد، ومتى تجتمع كلمتُنَا نَظهَر على عدوّنا، ومتى تختلف تهُنْ
شوكتُنا على من خالفنا ؛ يا قومنا لا تستغشّوا نصحى، ولا تخالفوا أمری،
وأقبلوا حين يُقرأ عليكم كتابى، أقبل الله بكم إلى طاعته،وأدبر بكم عن معصيته،
والسلام .
قال : فلما قرئ الكتاب على ابن صرد وأصحابه قال للناس: ماترون؟
قالوا : ماذا ترى ؟ قد أبيْنا هذا عليكم وعليهم ، ونحن فى مصرنا وأهلنا ،
٥٠٠/٢ فالآن خرجنا ووطّنّا (٢) أنفسنا على الجهاد، ودنونا من أرض عدوّنا! ماهذا
برأى. ثمّ نادوه أن أخبرنا برأيك، قال: رأبى واللّه أنكم لم تكونوا قطّ أقرب
من إحدى الحسنَيَيْن منكم يومكم هذا؛ الشهادة والفتح، ولا أرى أن تنصرفوا
عما جَمَعَكم اللّه عليه من الحقّ، وأردتم به من الفضل؛ إنا وهؤلاء مختلفون؟
إنّ هؤلاء لو ظهروا دعونا إلى الجهاد مع ابن الزبير ، ولا أرى الجهاد مع
ابن الزبير إلا ضلالا، وإنا إن نحن ظهَرنا ردَدْنا هذا الأمر إلى أهله، وإن
أُصِبْنا فعلى نيّاتنا ، تائبين من ذنوبنا ، إنّ لنا شكلا، وإن لابن الزبير شكلا؛
إنا وإيّاهم كما قال أخو بنى كنانة :
عَنِ اللَّوْمِ إِذْبُدّلتِ واختلاف الشكلُ
أُرِى لكِ شَكْلا غيرَ شَكِلی فَأُقْصِرِی
قال : فانصرف الناس معه حتى نزل هِيتَ ، فكتب سليمان :
بسم الله الرحمن الرحيم. للأمير عبد الله بن يزيد ، من سليمان بن صُرّد
ومن معه من المؤمنين ، سلامٌ عليك ، أما بعد ، فقد قرأنا كتابك ، وفهمنا
ما نويتَ ، فنعم واللّه الوالى ، ونعم الأمير، ونعم أخو العشيرة ، أنت والله من
نأمنه بالغيب ، ونستنصحه فى المشورة ، ونحمده على كلّ حال ؛ إنا سمعنا الله
عزّ وجلّ يقول فى كتابه: ﴿إِنَّ اللهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوالَهُمْ
بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ﴾ إِلى قوله: {وَبَثِّرِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ (٣). إن القوم قد استبشروا بيعتهم
(٢) ابن الأثير: ((ووطأنا)).
(١) سورة الكهف: ٢٠.
(٢) سورة التوبة: ١١١، ١١٢.
٥٩٣
سنة ٦٥
التى بايعوا، إنهم قد تابوا من عظيم جُرْمهم، وقد توجّهوا إلى اللّه، وتوكّلوا عليه ٥٥١/٢
ورَضُوا بما قضى اللّه، ﴿رَبَّنَا عَلَيْكَ تَوَكَّلْاَ وَإِلَيْكَ أَنَبْنَا وَإِلَيْكَ الْصِيرُ﴾ (١)،
والسلام عليك .
فلما أتاه هذا الكتاب قال : استمات القومُ ، أوّل خبر يأتيكم عنهم
قتْلُهم ، وإيم اللّه لُيقتلُنّ كرامًا مسلمين، ولا والذى هو ربّهم لا يقتلهم عدوّهم
حتى تشتدّ شوكتُهم ، وتكثرَ القتلى فيما بينهم .
قال أبو مخنف : فحدثی یوسف بن یزید ، عن عبد الله بن عوف بن
الأحمر ، وعبد الرحمن بن جندب ، عن عبد الرحمن بن غزّية، قالا : خرجنا
من هيتَ حتى انتهينا إلى قَرَقِيسيا، فلما دنونا منها وقف سليمان بن صرد فعبّانا
تعبيةً حسنة حتى مررنا بجانب قرقيسيا ، فنزلْنا قريبًا منها ، وبها زُفَر بن
الحارث الكلابىّ قد تحصّن بها من القوم ، ولم يخرج إليهم ، فبعث سلمان
المسيّب بن نَجَّبة، فقال: انت ابن عمك هذا فقل له: فليخرج إلينا سَوْقًا،
فإنا لسنا إياه نريد، إنما صَمْدُنا لهؤلاء المُحِلّين. فخرج المسيّب بن نَجبة حتى
انتهى إلى باب قرقيسيا، فقال: افتّحوا، ممن تحصَّنون ؟ فقالوا: من أنت ؟
قال: أنا المسيّب بن نَجبة، فأتى الهذيلُ بن زفر أباه فقال: هذا رجلٌ حسنُ
الهيئة ، يستأذن عليك ، وسألناه من هو ؟ فقال : المسيّب بن نجبة - قال:
وأنا إذ ذاك لا علمَ لى بالناس ، ولا أعلم أىّ الناس هو - فقال لى أبى: أمّا
تدرى أى بُنىّ مَن هذا؟ هذا فارسُ مُضَر الحمراء كلها ، وإذا عُدّ من
أشرافها عشرة كان أحدَهم، وهو بعدُ رجلٌ ناسكٌ له دين، ائذن له. ٥٥٢/٢
فأذنتُ له ، فأجلَسَه أبى إلى جانبه، وساءلتَه وألطفه فى المسألة، فقال المسيّب
ابن نَجَبَة: ممن تتحصّن؟ إنا والله ما إياكم نريد، وما اعترينا إلى شىء إلا أن
تُعينّنا على هؤلاء القوم الظَّمَة المُحِلين ، فاخرج لنا سوقاً ، فإنا لا نقيم
بساحتكم إلا يومًا أو بعض يوم : فقال له زُفَر بن الحارث: إنا لم تُغلق
أبوابَ هذه المدينة إلا لنعلم إيانا اعتريتم أم غيرنا! إنَّا واللهِ ما بنا عجزٌ عن
الناس ما لم تدهَمْنا حيلة ، وما نحبّ أنا بُلينا بقتالكم ؛ وقد بلغتنا عنكم
(١) سورة الممتحنة : ٤
٥٩٤
سنة ٦٥
صلاح ، وسِيرةٌ حسنة جميلة .
ثم دعا ابنه فأمره أن يضع لهم سوقًا ، وأمر للمسيّب بألف درهم وفرسٍ ،
فقال له المسيّب : أما المال فلا حاجةَ لى فيه ، واللّه ما له خرجْنا، ولا إياه
طلبْنا، وأما الفرس فإنى أقبله لعلى أحتاج إليه إنْ ظَلَعَ فرسى، أو غَمَزّ
تحتى . فخرج به حتى أنتى أصحابَه وأخرِجتْ لهم السوقُ ، فتسوّقوا ، وبعث
زُفَر بن الحارث إلى المسيّب بن نَجَبَة بعد إخراج الأسواق والأعلاف والطعام
الكثير بعشرين جزورًا، وبعث إلى سليمان بن صُرَد مِثلَ ذلك ، وقد كان
زُفتر أمر ابنه أن يسأل عنوجوه أهل العسکر، فسُمی له عبد الله بن سعد بن
نُفَيَل وعبد الله بن وال ورفاعة بن شدّاد، وُسمّى له أمراء الأرباع .
فبعث إلى هؤلاء الرءوس الثلاثة بعشر جزائر عشر جزائر ، وعلف كثير وطعام ،
وأخرج للعسكر عِيراً عظيمةً وشعيراً كثيراً، فقال غلمان زُفَر: هذه عير
فاجتّزِروا منها ما أحببتم ، وهذا شعير فاحتملوا منه ما أردتم ، وهذا دقيق
فتزوّدوا منه ما أطقم ، فظلّ القومُ يومَهم ذلك مخصِبين لم يحتاجوا إلى شراء
شىء من هذه الأسواق التى وضعت، وقد كُفُوا اللحم والدقيق والشعير إلا أن
يشترىّ الرجلُ ثوباً أو سوطاً . ثمّ ارتحلوا من الغد، وبعث إليهم زُفَر: إنى
خارج إليكم فمشيعكم؛ فأتاهم وقد خرجوا على تعبيةٍ حسنة، فسايَرَهم ، فقال
زفر لسلمان: إنه قد بعث خمسة أمراء قد فصلوا من الرّقّة فيهم الحصين بن
نمير السَّكُونى، وشُرَحْبِيل بن ذى كَلاع ، وأدهم بن محرز الباهلى
وأبو مالك بن أدهم، وربيعة بن المخارق الغنَّوىّ، وجبلة بن عبد الله الخثعمىّ؛
وقد جاءوكم فى مثل الشوك والشجر ، أتاكم عدد كثير ، وحدّ حديد ، وايم الله
لقلّ ما رأيتُ رجالاً هم أحسن هيئةً ولا عُدّةً، ولا أخلق لكلّ خير من رجال
أراهم معك ؛ ولكنه قد بلغنى أنه قد أقبلتْ إليكم عدّة لا تحصى ؛ فقال ابن
صُرَّد: على اللّه توكّلْنا، وعليه فليتوكّل المتوكلون ، ثم قال زفر: فهل لكم فى
أمر أعرضه عليكم؛ لعلّ الله أن يجعل لنا ولكم فيه خيرًا؟ إن شئتم فتحْنا
لكم مدينتنا فدخلتموها فكان أمرُنا واحداً وأيدينا واحدةً ، وإن شئتم نزلتم
على باب مدينتنا ، وخرجنا فعسكرْنا إلى جانبكم ؛ فإذا جاءنا هذا العدو
٥٥٣/٢
٥٩٥
سنة ٦٥
قاتلْناهم جميعًا. فقال سليمان لزفتر: قد أرادنا أهل مصرنا على مثل ما ٥٥٤/٢
أردتنا عليه، وذكروا مثل الذى ذكرت ، وكتبوا إلينا به بعد ما فصّلْنا ، فلم يوافقنا
ذلك ، فلسنا فاعلين ؛ فقال زفر : فانظروا ما أشير به عليكم فاقبلوه ، وخذوا
به، فإنَّى للقوم عدوّ، وأحبُّ أن يجعل الله عليهم الدائرة"، وأنا لكم وادٍّ،
أحبّ أن يحوطكم الله بالعافية؛ إنّ القوم قد فصلوا من الرّفّة، فبادٍ روهم إلى
عين الوَرْدَة، فاجعلوا (١) المدينةَ فى ظهوركم، ويكون الرّستاق والماء والمادّ
فى أيديكم ، وما بين مدينتنا ومدينتكم فأنتم له آمنون ، والله لو أن خيولى
كرجالى لأمددتُكم ، اطوُوا المنازلَ الساعة إلى عين الوردة ؛ فإنّ القوم يسيرون
سيرَ العساكر، وأنتم على خيول، واللّه لقلّ ما رأيتُ جماعةَ خيل قطّ أكرمَ
منها ؛ تأهبوا لها من يومكم هذا فإنى أرجو أن تسبقوهم إليها ، وإن بدرتموهم إلى
عين الوردة فلا تقاتلوهم فى فضاء ترامونهم وتُطاعنونهم ، فإنهم أكثر منكم
فلا آمن أن يحيطوا بكم ، فلا تقفوا لهم ترامونهم وتُطاعنُونهم ، فإنه ليس لكم
مثل عددهم، فإن استهدفتم لهم لم يُلبثوكم أن يصر عوكم ، ولا تصفّوا لهم حین
تلقونهم، فإنى لا أرى معكم رجَّالةً، ولا أراكم كلكم إلا فرسانًا، والقومُ
لا قُوکم بالرجال والفُرسان ؛فالفرسان تحمی رجالها، والرجال تحمی فرسانها،
وأنتم ليس لكم رجال تحمى فرسانكم ، فالقوهم فى الكتائب والمقانب ، ثمّ
بتوها ما بین (٢) میمنتهم ومیسرتهم ، واجعلوا مع کلّ کتیبة کتیبةً إلى جانبها
فإن حُمل على إحدى الكتيبتَيْن ترجََّت الأخرى فنفستْ عنها الخيل ٠٥٥/٢
والرجال ، ومتى ما شاءت كتيبة ارتفعت ، ومتى ما شاءت كتيبة انحطَّت ،
ولو كنتم فى صفّ واحد (٣) فزحفتْ إليكم الرجال فدفعتم عن الصفّ انتقض
وكانت الهزيمة؛ ثم وقف فودَّعهم ، وسأل الله أن يصحبهم وينصرهم. فأثنى
الناسُ عليه، ودَعتَوا له ، فقال له سلمان بن صرد: نعم المَنْزول به أنت !
أكرمت النزول ، وأحسنتَ الضيافة، ونصحتَ فى المنشورة. ثمّ إنّ القوم
جدّوا فى المسير، فجعلوا يجعلون كلّ مرحلتين مرحلة؛ قال: فمررنا بالمدن حتى
(١) ف: ((واجعلوا))
(٣) ف وابن الأثير: ((صفا واحداً،
(٢) ابن الأثير: ((فيما بين)).
٥٩٦
سنة ٦٥
بلغنا ساعا . ثمّ إنّ سليمان بن صُرَد عبّى الكتائبَ كما أمره زُفَر، ثمّ أقبل
حتى انتهى إلى عين الوردة فنزل فى غربيّها ، وسبق القومَ إليها ، فعسكروا ،
وأقام بها خمسًا لا يبرح ، واستراحوا واطمأنّوا ، وأراحوا خيلتَهم .
قال هشام : قال أبو مخنف ، عن عطيَّة بن الحارث ، عن عبد الله بن
غَزِيَّة ، قال : أقبل أهل الشأم فى عساكرهم حتى كانوا من عَيْن الوَرْدة
على مسيرة يوم وليلة، قال عبد الله بن غزّية: فقام فينا سليمان فحمد الله
فأطالَ، وأثنى عليه فأطنَب، ثم ذكر السماء والأرضَ، والجبالَ والبحارَ
وما فيهنٌّ من الآيات، وذكر آلاءَ اللّه ونعمته، وذكر الدنيا فزهَّد فيها،
وذكر الآخرة فرغَّب فيها، فذكر من هذا ما لم أحصه ، ولم أقدر على حفظه،
ثم قال: أما بعد ، فقد أتاكم اللّهُ بعدوكم الذى دأبتم فى المسير إليه (١) آناء
الليل والنهار، تريدون فيما تظهرون التوبة النَّصُوح، ولقاءَ اللّه مُعذرين، فقد
٥٥٦/٢ جاءوكم بل جئتموهم أنتم فى دارهم وحيِّزِهم، فإذا لقيتموهم فاصدُقُوهم ، واصبروا
إن الله مع الصابرين، ولا يولّينّهم امرؤٌ ◌ُدبره إلاّ متحرّفًا لقتال أو متحيّزاً
إلى فئة . لا تقتلوا مدبرًا، ولا تُجهزوا على جريح، ولا تقتلوا أسيرًا من أهل
دعوتكم ، إلا أن يقاتلكم بعد أن تأسروه (٢)، أو يكون من قتلة إخواننا بالطف
رحمة الله عليهم ؛ فإنّ هذه كانت سيرة أمير المؤمنين علىّ بن أبى طالب فى
أهل هذه الدعوة . ثم قال سليمان: إن أنا قُتلتُ فأميرُ الناس المسيّب بن نتَجَبَة
فإن أصيبَ المسيَّب فأميرُ الناس عبدُ اللّه بن سعد بن نفيل، فإن قُتل عبد الله
ابن سعد فأميرُ الناس عبدُ الله بن والٍ، فإن قُتل عبد الله بن وال فأميرُ الناس
رفاعة بن شدّاد، رحم الله امرأً صَدَقَّ ما عاهَدَ اللّه عليه! ثمّ بعث المسيّب
ابن نَجبة فى أربعمائة فارس ، ثم قال: سرْ حتى تلقى أوّل عسكر من عساكرهم
فشُنّ فيهم الغارة ، فإذا رأيت ما تحبُّه وإلا انصرفتَ إلىّ فى أصحابك؛
وإيّاك أن تنزل أو تّدَع أحداً من أصحابك أن ينزل ، أو يستقبل آخر ذلك،
حتى لا تجدّ منه بدًّا .
(١) ف وابن الأثير: ((إليه فى السير)).
(٢) ف: ((تأسر وهم)).
٥٩٧
سنة ٦٥
قال أبو مخنف : فحدَّثْنى أبى عن حُمَيْد بن مسلم أنه قال: أشهد أنى
فى خيل المسيِّب بن نَجبة تلك، إذ أقبلْنا نسير آخر يومنا كلّه وليلتنا ، حتى
إذا كان فى آخر السَّحْر نزلْنا فعلّقنا على دوابناء-خالِيتَها، ثمّ هوّمْنا تهويمةٌ
بمقدار تكون مقدار قيَضْمِها ثم ركبناها ، حتى إذا انبلج لنا الصبح نزلْنا
فصلّينا، ثم ركب فركبنا. فبعث أبا الجُوَيْرية العبدىّ بن الأحمر فى مائة ٠٥٧/٢
من أصحابه ، وعبد الله بن عوف بن الأحمر فى مائة وعشرين ، وحنش بن
ربيعة أبا المعتمر الكنانىّ فى مثلها، وبقىَ هو فى مائة؛ ثم قال: انظُرُوا أوّل
من تلقَون فأتُونى به ، فكان أوَّلَ من لقينا أعرابيّ يطرُد أحمِرةً وهو يقول :
وَأَسرحْ فإِنّك آمِنُ السِّرْبِ
يا مالِ لا تَعجلْ إِلى صحْبِى
قال: يقول عبد الله بن عوف بن الأحمر: يا حمَيْد بن مُسلم ، أبشر
بُشرَى وربّ الكعبة، فقال له ابن عوف بن الأحمر: ممّن (١) أنت يا أعرابيّ؟
قال: أنا من بنى تغْلِب؛ قال: غلبتم وربّ الكعبة إن شاء اللّه . فانتهى إلينا
المسيّب بن نجبة، فأخبرناه بالذى سمعنا من الأعرابىّ وأتيناه به ، فقال المسيّب
ابن نَجَبة . أما لقد سُررتُ بقولك: أبشر، وبقولك: ياحُميد بن مسلم، وإنى
لأرجو (٢) أن تبشّروا بما يسرّكم، وإنّما سركم أن تحمدوا أمرَكم، وأن تَسلّموا
من عدوّ كم، وإنّ هذا الفأل لهو الفأل الحسن، وقد كان رسولُ اللّه صلى
اللّه عليه وسلم يعجبُه الفأل. ثم قال المسيّب بن نجبة للأعرابيّ: كم بيننا وبين
أدنى هؤلاء القوم منّا ؟ قال : أدنى عسكر من عساكرهم منك عسكرُ ابن
ذى الكتلاع ، وكان بينه وبين الحصين اختلاف ، ادَّعى الحصين أنه على
جماعة الناس ، وقال ابن ذى الكلاع: ما كنتَ لتولَّى علىّ، وقد تكاتبا إلى
عبيد الله بن زياد، فهما ينتظران أمره ، فهذا عسكر ابن ذى الكلاع منكم
على رأس ميل ؛ قال : فتركْنا الرجل ، فخرجنا نحوّهم مُسرِعين، فوالله ٥٥٨/٢
ما شعروا حتى أشرفْنا عليهم وهم غارّون ، فحملْنا فى جانب عسكرهم (٣)
فوالله ما قاتلوا كثيرَ قتال حتى انهزموا ، فأصبنا منهم رجالاً، وجَرَحْنا فيهم
(١) ف: ((فمن)).
(٣) ف: ((عسكره)).
(٢) ف: ((أرجو)).
٥٩٨
سنة ٦٥
فأكثَرْنا الجراح ، وأصبنا لهم دوابّ، وخرجوا عن عسكرهم وخلوه لنا ، فأخذنا
منه ماخفّ علينا ، فصاح المسيّب فينا : الرجعة ، إنكم قد نُصِرتم ، وغَتِمتم
وسَكِمتم ، فانصرِفوا ، فانصرفْنا حتى أتينا سلمان .
قال : فأتى الخبرُ عبيد الله بن زياد، فسرّح إلينا الخصّين بن نمير مسرعًا
حتى نزل فى اثنى عشر ألفًا، فخرجنا إليهم يوم الأربعاءلثمان بقين من جُمادَی
الأولى ؛فجعل سلمانُ بن صُرّد عبد الله بن سعد بن نفيل على ميمنته، وعلى میسرته
المسيّب بن نَجَبة، ووقف هو فى القلب ، وجاء حصين بن نمير وقد عبّأ لنا
جُندَه، فجعل على ميمنته جبلة بن عبد اللّه ، وعلى ميسرته ربيعة بن المخارق
الغَنَوىّ، ثم زحفوا إلينا، فلما دَوْا دَعونا إلى الجماعة على عبدالملك بن مروان
وإلى الدخول فى طاعته ، وَدعوْناهم إلى أن يدفعوا إلينا عبيد الله بن زياد فنقتله
ببعض من قتل من إخواننا ، وأن يَخلَعوا عبد الملك بن مروان، وإلى أن يُخْرَجّ
مَن ببلادنا من آل ابن الزبير ، ثم نردّ هذا الأمر إلى أهل بيت نبينا الذين
آتانا الله من قبلهم بالنعمة والكرامة؛ فأبى القومُ وأبينا .
قال حميد بن مسلم : فحملتْ ميمنتُنا على ميسرتهم وهزمتهم ، وحملتْ
ميسرتنا على ميمنتهم ، وحمل سليمان فى القلب على جماعتهم ، فهزَمْناهٍم
حتى اضطررناهم إلى عسكرهم ، فما زال الظفر لنا عليهم حتى حجز الليل
بيننا وبينهم ، ثمّ انصرفنا عنهم وقد حجزناهم فى عسكرهم ، فلما كان
الغد صبحهم ابن ذى الكلاع فى ثمانية آلاف ، أمدّهم بهم عبيد اللّه
ابن زياد، وبعث إليه يشتمه ، ويقع فيه ، ويقول: إنما عملتَ عَمَل
الأغمار ، تُضيع عسكرك ومسالحكَ ! سر إلى الحصين بن نمير حتى توافيه
وهو على الناس ، فجاءَه ، فغدَوا علينا وغاد يناهم، فقاتلناهم قتالًا لم يَرّ
الشِّبُ والمُرْدُ مثلَه قطّ يومَنا كلَّه، لا يحجز بيننا وبين القتال إلا الصلاة
حتى أمسَيْنا فتحاجزنا، وقد واللّه أكثروا فينا الجراح، وأفشيناها فيهم ؛
قال: وكان فينا قُصّاصٌ ثلاثة: رفاعة بن شدّاد البَجَلَىّ، وصُحتير بن
حذيفة بن هلال بن مالك المرّىّ ، وأبو الجُوَيْرِية العبدىّ ، فكان رفاعة
يقصّ ويُحَضّض الناس فى الميمنة، لا يبرَحُها، وجُرح أبو الجويرية
اليوم الثانى فى أوَّل النهار ، فلزم الرّحال، وكان صُحَير ليلتَه كلها يدور
٥٥٩/٢
٥٩٩
سنة ٦٥
فينا ويقول: أبشروا عبادَ الله بكرامة الله ورضوانه، فحقّ واللّه لمَنْ ليس
بينه وبين لقاء الأحبّة ودخول الجنة والراحة من إبرام الدنيا وأذاها إلا
فراق هذه النفس الأمارة بالسوء أن يكون بفراقها سَخِيًّا ، وبلقاء ربه
مسروراً . فمكثنا كذلك حتى أصبحنا ، وأصبح ابن نمير وأدهم بن محرز الباهلىّ
فى نحو من عشرة آلاف ، فخرجوا إلينا ، فاقتتلنا اليوم الثالثَ يومَ الجمعة
قتالاً شديداً إلى ارتفاع الضّحى. ثمّ إنّ أهل الشأم كثرونا وتعطّفوا علينا ٥٦٠/٢
من كلّ جانب ، ورأى سليمانُ بنُ صُرَد ما لقى أصحابُه ، فنزل فنادى :
عبادَ الله، منْ أراد البُكُورَ إلى ربه، والتوبة من ذنبه، والوفاء بعهده ، فإلىّ؛
ثم كسر جفنَ سيفِه ، ونزل معه ناسٌ كثير ، فكسروا جفونَ سيوفهم ،
ومشَوْا معه ، وانزوت خيلُهم حتى اختلطت مع الرّجال ، فقاتلوهم حتى نزلت
الرجال تشتدّ مُصلتةٌ بالسيوف ، وقد كسروا الجفون ، فحمل الفرسانُ على
الخيل ولا يثبتون ، فقاتلوهم وقتلوا من أهل الشأم مقتلةً عظيمة ، وجرحوا فيهم
فأكثروا الجراح . فلما رأى الحصين بن نمير صَبْرَ القوم وبأستَهم ، بعث
الرجالَ ترميهم بالنّبل، واكتنفتْهم الخيل والرجال ، فقُتِل سليمان بن صُرّد
رحمه الله، رماه يزيد بن الحصين بسهم فوقع، ثمّ وثب ثم وقع؛ قال: فلما قتل
سليمان بن صُرّد أخذ الراية المسيّب بن نَجَبَة، وقال لسلمان بن صُرّد: رحمك
الله يا أخى! فقد صدقت ووفيت بما عليك، وبقى ما علينا، ثمّأخذ الراية فشدَّ
بها ، فقاتل ساعةً ثمّ رجع، ثم شدَّ بها فقاتل ثمّ رجع، ففعل ذلك مرارًا
يشدّ ثم يرجع، ثمّ قُتل رحمه الله .
قال أبو مخنف: وحدَّثنا فروة بن لقيط، عن مولّ للمسيّب بن نجَبَة
الفزارىّ ، قال : لقيته بالمدائن وهو مع شبيب بن يزيد الخارجىّ، فجرى
الحديثُ حتى ذكرْنا أهلَ عين الوردة .
قال هشام عن أبى مخنف؛ قال : حدّثنا هذا الشيخ ، عن المسيّب بن
نَجَبَة ، قال: والله ما رأيت أشجعَ منه إنسانًا قطّ، ولا من العصابة التى
كان فيهم، ولقد رأيتُهُ يومَ عين الوردة يقاتل قتالاً شديداً، ما ظننتُ أنّ ٥٦١/٢
٦٠٠
سنة ٦٥
رجلاً واحداً يقدر أن يُبلَى مِثلَ ما أبلمى، ولا ينكأ فى عدوّه (١) مثلَ
ما ذَكَأ، لقد قتل رجالا؛ قال: وسمعتُه يقول قبل أن يُقتَل وهو يقاتلهم (٢):
واضِحة اللَّبَاتِ والتَّرائبِ
قد علمتْ مَيالةُ الذَّائِبِ
أَشْجَعُ مِنْ ذِى لِبَدٍ مُوَائِبٍ
أَنِّى غَدَاةَ الرَّوْعِ والتَّغَالُبِ
قَطَّعُ أَقْرانِ مَخُوفُ الجانِبِ *
#
قال أبو مخنف : حدثنى أبى وخالى، عن حُميد بن مسلم وعبد الله بن
غزّية . قال أبو مخنف : وحدثنى يوسف بنُ يزيدَ ، عن عبد الله بن عوف،
قال: لما قتل المسيّب بن نتجسبة أخذ الراية عبدُ الله بن سعد بن نُفيْل، ثم
قال رحمه الله: أخَوَىَّ منهمْ منْ قَضى نحبه ، ومنهم من ينتظر وما
بَدَّلُوا تبديلاً. وأقبل بمن كان معه من الأزْد، فحَقّوا برايته، فوالله إنا لكذلك
إذ جاءنا فرسان ثلاثة : عبد الله بن الخضل الطائىّ، وكثير بن عمرو المُزّنىّ،
وسعر بن أبى سعر الحنَّفىّ ، كانوا خرجوا مع سعد بن حذيفة بن اليمان فى
سبعين ومائة من أهل المدائن ، فسرّحهم يومَ خرج فى آثارنا على خيول
متلّمة مقدّحة، فقال لهم: اطوُوا المنازلَ حتى تلحقوا بإخواننا فتبشّروهم (٣)
بخروجنا إليهم لتشتدّ بذلك ظهورُهم، وتخبر وهم بمجىء أهلِ البصرة أيضًا ،
كان المثنى بن مخرّبة العبدىّ أقبل فى ثلثمائة من أهل البصرة ، فجاء حتى
٥٦٢/٢ نزل مدينة بهرسير بعد خروج سعد بن حُذيفة من المدائن لخمس ليال،
وكان خروجُه من البصرة قبل ذلك قد بلغ سعد بنَ حذيفة قبل أن يخرج من
المدائن ، فلما انتهوا الينا قالوا : أبشروا فقد جاءكم إخوانكم من أهل المدائن
وأهل البصرة ؛ فقال عبد الله بن سعد بن نُفَيل: ذلك لو جاءونا ونحن أحياء ؛
قال: فنظروا إلينا، فلما رأوا مصارعٌ إخوانهم وما بنا من الجراح، بكى القومُ
وقالوا: وقد بلغ منكم ما نَرَى! إنّا لله وإنا إليه راجعون! قال: فنظروا والله
(١) ف: ((العدو)).
(٣) ف: ((فبشروهم)).
(٢) ف: ((يقاتل)).