النص المفهرس

صفحات 461-480

٤٦١
سنة ٦١
قال : فضرب يزيدُ بن معاوية فى صدر يحيى بن الحكم وقال : اسكت .
قال : ولِمَّا جلس يزيد بن معاوية دعا أشراف أهل الشأم فأجلسهم حوله،
ثم دعا بعلىّ بن الحسين وصبيان الحسين ونسائه، فأدخلوا عليه والناس ينظرون،
فقال يزيد لعلىّ: يا علىّ، أبوك الذى قطع رَحمى، وجَهل حتى،
ونازعنى سلطانى، فصنع اللّه به ما قد رأيتَ! قال: فقال علىّ :
﴿مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِى الْأَرْضِ وَلاَ فِى أَنْفُسِكُمْ إِلاَّ فِى كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ
أَنْ نَبْرَأَهَا﴾(١)، فقال يزيد لابنه خالد: اردْد عليه؛ قال: فما دَرَى خالد
ما يردّ عليه؛ فقال له يزيد: قل: ﴿ وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصيبةٍ فَبِمَا
كَسَبَتْ أَيْدِيكُمُ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ﴾(٢)، ثم سَكَت عنه؛ قال : ثمّ
دعا بالنساء والصبيان فأجلسوا بين يديه، فرأى هيئةً قبيحة، فقال: قبح الله
ابنَ مَرْجانة! لو كانت بينه وبينكم رَحِمٍ أو قرابةٌ ما فعل هذا بكم ، ولا
بعث بكم هكذا .
٣٧٧/٢
قال أبو مخنف، عن الحارث بن كعب، عن فاطمة بنت علىّ، قالت :
لما أجلِسْنا بين يدىْ يزيدَ بنِ معاوية رقّ لنا، وأمَرّ لنا بشىء، وألطفنا؛
قالت: ثمّ إنّ رجلاً من أهل الشأم أحمرَ قام إلى يزيدَ فقال: يا أمير المؤمنين،
هبْ لى هذه - يعنينى، وكنتُ جاريةٌ وَضيئةً- فأرعِدْتُ وفَرِقْتُ ،
وظَنَنتُ أنّ ذلك جائز لهم ، وأخذتُ بثياب أختى زينب ؛ قالت : وكانت
أختى زينب أكبرَ مّىّ وأعقلَ، وكانت تعلم أنّ ذلك لا يكون ، فقالت :
كذبتَ واللّهِ ولؤُمتَ! ما ذلك لك وله (٣) ، فغضب يزيد، فقال: كذبتِ
واللّهِ، إنّ ذلك لى، ولو شئتُ أن أفعلَه لفعلتُ ؛ قالت: كلاّ واللّه، ما
جعل الله ذلك لك إلا أن تخرج من ملَّتنا ، وتدينَ بغير ديننا ؛ قالت: فغضب
يزيد واستطار ، ثم قال: إيََّى تستقبلين بهذا ! إنما خرج من الدّين أبوكٍ
(١) سورة الحديد: ٢٢ .
(٢) سورة الشورى: ٣٠.
(٣) ابن الأثير: ((ولا له)).

٤٦٢
٣٧٨/٢
٣٧٩/٢
سنة ٦١
وأخوك ؛ فقالت زينب : بدين اللّه ودين أبى ودين أخى وجدى اهتديتَ أنتّ
وأبوك وجدّك، قال : كذبتِ يا عدّة اللّه؛ قالت: أنت أميرٌ مسلَّط، تشتم
ظالمًا ، وتقهر بسلطانك ؛ قالت : فوالله لكأنه استحيا ؛ فسكتَ ، ثم عاد
الشامىّ فقال: يا أميرَ المؤمنين، هبْ لى هذه الجارية؛ قال: اعزُبْ؛ وهَب
الله لك حَتْفًا قاضيًا! قالت: ثمّ قال يزيدُ بنُ معاوية: يانعمان بن بشير:
جهّزْهم بما يُصلِحهم، وابعث معهم رجلاً من أهل الشأم أمينًا صالحًا، وابعث
معه خيلاً وأعواناً فيسير بهم إلى المدينة، ثمّ أمر بالنسوة أن يُنْزلن فى دارٍ على
حِدَة، معهنّ ما يصلحهنّ، وأخوهنّ معهنّ علىّ بن الحسين، فى الدار التىّ هنّ
فيها . قال : فخرجن حتى دخلن دار يزيدَ فلم تبق من آل معاوية امرأةٌ
إلا استقبلتْهنّ تبكى وتنوح على الحسين، فأقاموا عليه المناحةَ ثلاثًا ، وكان
يزيد لا يتغدّى ولا يتعشى إلا دعا علىّ بن الحسين إليه ؛ قال: فدعاه ذاتَ
يوم ، ودعا عمر بن الحسن بن علىّ (١) وهو غلام صغير ، فقال لعمر بن
الحسن : أتقاتل هذا الفتى ؟ يعنى خالداً ابنه ، قال : لا ، ولكنْ أعطِى
سكينًا وأعطه سكينًا ، ثم أقاتله، فقال له يزيد ؛ وأخذه فضمه إليه ثمّ
قال: ((شِنْشِنةٌ أعْرِفُها مِن أخْزَم))؛ هل تكِد الحيّة إلاّ حيّة! قال: ولما
أرادوا أن يخرجوا دعا يزيدُ علىّ بن الحسين ثمّ قال: لعن الله ابنَ مرجانة،
أما والله لو أنى صاحبُه ما سألنى خَصلةً أبداً إلا أعطيتُها إياه، ولدفعتُ
الخَتْف عنه بكلّ ما استطعتُ ولو بهلاك بعض وَلَدى، ولكنّ اللّه قضى
ما رأيت ، كاتِبْنى وأنْهِ كلّ حاجة تكون لك ؛ قال: وكساهم وأوْضَى بهم
ذلك الرسول ؛ قال : فخرج بهم وكان يسايرهم بالليل فيكونون أمامه حيث
لا يفوتون طرفه، فإذا نزلوا تنحّى عنهم وتفرّق هو وأصحابُه حولتهم كهيئة الحَرَس
لهم، وينزل منهم بحيث إذا أراد إنسان منهم وضوءاً أو قضاءَ حاجة لم يحتشم، فلم
يزل يُنازلهم فى الطريق هكذا، ويسألهم عن حوائجهم، ويُلطفهم حتى دخلوا المدينة.
وقال الحارث بن كعب : فقالت لى فاطمة بنت علىّ : قلت لأختى
زينب : يا أخَيَّة، لقد أحسنَ هذا الرجل الشأمىّ إلينا فى صحبتنا، فهل .
لكِ أن نصِلَه ؟ فقالت: واللهِ ما معنا شىء نصِلُه به إلاّ حُليّنا ؛ قالت
(١) ط: ((عمرو بن الحسن))، وانظر الفهرس.

سنة ٦١
٤٦٣
لها : فنعطيه حُليَّنًا؛ قالت: فأخذتُ سوارى وُدُمْلُجى (١) وأخذتْ أختى
سوارَها وُدملجتها ، فبعثنا بذلك إليه ، واعتذرْنا إليه، وقلنا له : هذا جزاؤك
بصحبتك إيّانا بالحسَن من الفعل ؛ قال : فقال : لو كان الذى صنعتُ إنما
هو للدنيا كان فى حليّكنّ ما يرضينى ودونَه، ولكنْ والله ما فعلتُه إلا الله،
ولقرابتكم من رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم.
٣٨٠/٢
قال هشام : وأما عوانة بن الحكم الكلبىّ فإنه قال: لما قُتل الحسين
وجىء بالأثقال والأسارى حتى وردوا بهم الكوفة إلى عُبيد اللّه ، فبينا القوم.
محتبسون (٢) إذ وقع حجر فى السجن ، معه كتاب مربوط ، وفى الكتاب خرج
البريد بأمركم فى يوم كذا وكذا إلى يزيد بن معاوية ، وهو سائر كذا وكذا
يوماً، وراجع فى كذا وكذا ، فإن سمعتم التكبيرَ فأيقنوا بالقتل ، وإن لم
تَسمعوا تكبيراً فهو الأمان إن شاء اللّه ؛ قال : فلما كان قبل قدوم البريد
بيومين أو ثلاثة إذا حجر قد أُلقيَ فى السجن ، ومعه كتاب مربوط ومُوسَى ،
وفى الكتاب: أوصُوا واعهَدُوا فإنما يُنتظر البريد يوم كذا وكذا . فجاء البريد
ولم يُسمع التكبير، وجاء كتاب بأن سرّح الأسارى إلىّ. قال: فدعا عبيد الله
ابن زياد محفّز بن ثعلبة وشمر بن ذي الجَوْشن، فقال: انطلقوا بالثقل والرأس
إلى أمير المؤمنين يزيد بن معاوية ؛ قال : فخرجوا حتى قدموا على يزيدَ ، فقام
مُحفّز بن ثعلبة فنادى بأعلى صوته : جئنا برأس أحمَقِ الناس وألأمهم ؛
فقال يزيد : ما ولدتْ أمّ ◌ُمُحفّز ألأمُ وأحمقُ، ولكنه قاطعٌ ظالم؛ قال: فلما
نظر يزيد إلى رأس الحسين ، قال :
علينا وهم كانوا أَعقَّ وأَظلما
يفلِّقن هاماً من رجالِ أَعزَّةِ
ثم قال : أتدرون من أين أُتِى هذا ؟ قال: أبى علىّ خيرٌ من أبيه، وأمِّى
فاطمة خيرٌ من أمه، وجدّى رسولُ الله خيرٌ من جدّه، وأنا خيرٌ منه وأحقّ
(١) الدملج : ما يوضع على العضد من الحلىّ.
(٢) ابن الأثير: ((فى الحبس)).
........
٠ ١٠٠% .

٤٦٤
سنة ٦١
بهذا الأمرمنه؛ فأما قوله: ((أبوه خيرٌ من أبى))، فقد حاجّ أبى أباه ، وعلم الناسُ
أيُّهما حكمٍ له ؛ وأما قولُه: ((أمَّى خير من أمّه))، فلَعْمرى فاطمةُ ابنة رسول
اللّه صلى الله عليه وسلم خيرٌ من أمىّ؛ وأما قوله: ((جدّی خیرٌمِن جدّه))،
فلعمرى ما أحدٌ يؤمن بالله واليوم الآخر يَرَى لرسول الله فينا عِدْلا ولا ندًّاً،
ولكنه إنما أتِيَ من قبَل فقهه، ولم يقرأ: ﴿قُلْ اللَّهُمَّ مَالِكَ المُلْكِ
تُؤْتِى الَّكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنْزِعُ المُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ وَتُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ وَتُذِلُّ
مَنْ تَشَاءُ بِيَدِكَ الخَيْرُ إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ﴾(١). ثم أدخِل نساء
الحسين على يزيد ، فصاح نساء آل يزيد وبنات معاوية وأهله ووَلْوَلَن.
ثم إنهنّ أدخلن على يزيد، فقالت فاطمة بنت الحسين - وكانت أكبرَ من
سُكينةَ : أبنات رسول الله سبايا يا يزيد! فقال يزيد: يا ابنة أخى ، أنا لهذا
كنت أكره ؛ قالت: والله ما ترك لنا خُرْص (٢)، قال: يا ابنة أخى ما آت
إليكِ أعظَ مما أخِذَ منكِ ، ثُم أخرجن فأُدخلن دَارَ يزيد بن معاوية ، فلم
تبق امرأةٌ من آل يزيدَ إلا أنتهنّ، وأقمن المأتم ، وأرسل يزيد إلى كلّ
امرأة : ماذا أخذ لك ؟ وليس منْهنّ امرأة تدَّعى شيئًا بالغًا ما بلغ إلا قد
أضعفه لها ، فكانت سكينة تقول : ما رأيتُ رجلا كافراً باللّه خيراً من يزيد
ابنِ معاوية. ثم أدخل الأسارى إليه وفيهم علىّ بنُ الحسين ، فقال له يزيد :
إيه يا علىّ! فقال علىّ: ﴿ مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبٍ فِ الْأَرْضِ وَلَّا فِى
أَنْفُسِكُمْ إِلَّ فِى كِتَاب مِنْ قَبْل أَنَ نِبْرَأَها إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللّهِ يَسِيرٌ »
لِكَيْلَا تَأْسَوْا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلَا تَفْرَحُوا بِمَا آتَاكُمْ وَاللهُ لَا يُحِبُّ كُلَّ
مُخْتَالٍ فَخَورٍ﴾(٣) فقال يزيد: ﴿ وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبٍ فَبِمَا كَسَبَتْ
أَيْدِيكُمُ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ﴾(٤) ثم جهزه وأعطاه مالاً، وسرّحه إلى المدينة.
٣٨١/٢
٣٨٢/٢
(١) سورة آل عمران:٢٦ .
(٢) الخرص : حلقة القرط .
(٣) سورة الحديد: ٢٢ ، ٢٣ .
( ٤) سورة الشورى: ٣٠ .

سنة ٦١
٤٦٥
قال هشام، عن أبى مخنف ، قال: حدّنى أبو حمزة الثُّمالىُّ ، عن
عبد الله الثُّمالىّ، عن القاسم بن بُخَيْت، قال: لما أقبل وفدُ أهلِ الكوفة برأس
الحسين دخلوا مسجد دمشق ، فقال لهم مروان بن الحكم : كيف صنعتم ؟
قالوا : ورد علينا منهم ثمانية عشر رجلاً ، فأتينا واللّه على آخرهم ، وهذه
الرءوس والسَّبايا ، فوثب مروان فانصرف ، وأتاهم أخوه يحيى بن الحكم، فقال:
ما صنعتم؟ فأعادوا عليه الكلام ، فقال : حُجِبتم عن محمد يومَ القيامة ؛ لن
أجامعتكم على(١) أمر أبداً ثم قام فانصرف، ودخلوا على يزيدَ فوضعوا الرأس"
بين يديه ، وحدّثوه الحديث . قال : فسمعتْ دَوْرَ الحديث هند بنت عبد الله
ابن عامر بن كُرّيز - وكانت تحت يزيد بن معاوية - فتقنّعَت بثوبها ،
وخرجت فقالت : يا أمير المؤمنين ، أرأس الحسين بن فاطمةَ بنت رسول اللّه !
قال : نعم فأعْوِلى عليه ، وحُدّى على ابن بنت رسول الله صلى الله عليه
وسلم وصريحة قريش؛ عجّلَ عليه ابن زياد فقتله قتله اللّه! ثم أذن للناس
فدخلوا والرأس بين يديه، ومع يزيد قضيبٌ فهو يَنكُت به فى ثغره ، ثم قال :
إنّ هذا وإيّانا كما قال الْخُصَّين بنُ الحمام المُرّىّ:
إِلينا وهم كانوا أَعقَّ وَأَظلما
يفلِّقن هاماً من رجالٍ أَحبةٍ
٦
قال : فقال رجل من أصحاب رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم يقال له
أبو برزة الأسلمىّ : أتنكت بقضيبك فى ثغر الحسين ! أما لقد أخذ قضيبُك
مِن ثغره مأخذًا، لرّبما رأيتُ رسولَ اللّه صلى الله عليه وسلم يَرشِفِه، أما إنك
يا يزيد تجىء يومَ القيامة وابن زياد شفيعك، ويجىء هذا يومَ القيامة ومحمد
صلى الله عليه وسلم شفيعه؛ ثم قام فولتى.
٣٨٣/٢
قال هشام : حدّثنى عتَوَانة بن الحكم ، قال: لما قتل عبيد الله بن زياد
الحسينَ بن علىّ وجىء برأسه إليه، دعا عبد الملك بن أبى الحارث السُّلَمِيّ
فقال : انطلقْ حتى تقدم المدينة على عمرو بن سعيد بن العاص فبشِّره بقتْل
الحسين - وكان عمرو بن سعيد بن العاص أمير المدينة يومئذ - قال: فذهب
(١) ف: ((فى)).

٤٦٦
سنة ٦١
ليعتلّ له ، فزجره - وكان عبيد اللّه لا يُصطلَى بنارِه - فقال: انطلق حتى
تأتىَ المدينة، ولا يسبقك الخبر؛ وأعطاه دنانير، وقال: لا تعتلّ، وإن قامت
بك راحلتُك فاشتر راحلة ؛ قال عبد الملك : فقدمتُ المدينة ، فلقيسَى رجل
من قريش ، فقال : ما الخبر ؟ فقلت : الخبر عند الأمير ، فقال: إنا لله
وإنا إليه راجعون! قُتِل الحسين بن علىّ؛ فدخلتُ على عمرو بن سعيد فقال:
ما وراءك ؟ فقلت : ما سَرَّ الأمير ، قُتِل الحسين بن علىّ؛ فقال: ناد
بقَتْلُه، فنادَيْت بقتله ، فلم أسمع واللّه واعيةً قطّ (١) مثل واعية نساء بنى هاشم
فى دُورهنّ على الحسين ، فقال عمرو بن سعيد وضحك :
عجَّت نساءُ بنى زياد عجّةً كَعجيجٍ نِسْوتنا غَدَاةَ الأَرْنِبِ (٢)
٣٨٤/٢
والأرنب : وقعةٌ كانت لبنی زُبيد على بنى زياد من بنى الحارث بن كعب،
من رهط عبد المدان ، وهذا البيتُ لعمرو بن معديكرب ، ثم قال عمرو :
هذه واعية بواعية عثمانَ بن عفَّان، ثم صعد المنبر فأعْلَمَ الناسَ قتله.
قال هشام ، عن أبى مخنف ، عن سلمان بن أبى راشد ، عن عبد الرحمن
ابن عبيد أبى الكتنود ، قال : لما بلغ عبدَ الله بن جعفر بن أبى طالب مقتل
ابنيه مع الحسين ، دخل عليه بعضُ مواليه والناس يعزّونه - قال: ولا أظنّ
مولاه ذلك إلا أبا اللَّسلاس - فقال : هذا ما لقينا ودخل علينا من الحسين !
قال : فَحذَفه عبدُ الله بن جعفر بنعله، ثم قال: يابن اللَّخناء ، أللحسين
تقول هذا! والله لو شهدتُه لأحببتُ ألّ أفارقَهُ حتى أقتلَ معه، واللّه إنه
لمما يسخِّى بنفسى عنهما، ويهوّن علىّ المصابَ بهما ، أنهما أصيبا مع أخى
وابن عمّى مواسيَيْن له، صابرَيْن معه . ثم أقبل على جلسائه فقال : الحمد
اللّه عزّ وجلّ على مَصرَع الحسين، إلا تكن آستْ حسينًا يدى، فقد آساه
وَلَدَى. قال: ولَمَّا أتى أهلَ المدينة مقتلُ الحسين خرجتْ ابنة عقيل بن
أبى طالب ومعها نساؤها وهى حاسرة تلوى بثوبها وهى تقول :
(١) الواعية: التى تصرخ على الميت.
(٢) اللسان ١: ٤١٩، ونسبه إلى عمروبن معديكرب، وروايته: ((بنى زبيد)).
٠

٤٦٧
سنة ٦١
ماذا فعلتمْ وأَنْتمْ آخِرُ الأُمَمِ
ماذَا تقولونَ إِنْ قال النبيِّ لكُمْ
٣٨٥/٢
منهمْ أُسارَى ومنهمْ ضُرّجوا بدم!
بعِتْرتى وبأَهلى بعدَ مُفتَقَدِی
قال هشام : عن عوانة، قال: قال عبيد الله بن زياد لعمر بن سعد
بعد قتله الحسين : يا عمر ، أين الكتاب الذى كتبتُ به إليك فى قتل الحسين ؟
قال : مضيتُ لأمرك وضاع الكتاب ؛ قال : لتجيئنّ به ؛ قال : ضاع ؛
قال : والله لتجيئنّ به؛ قال: تُرك واللّه يُقرأ على عجائزٍ قريش اعتذارًا
إليهنّ بالمدينة، أما والله لقد نصحتُك فى حسين نصيحةً لونصحتُها أبى سعد
ابن أبى وقاص كنت قد أدّيت حقه ، قال عثمان بن زياد أخو عبيد الله:
صدق واللّه، لَوددتُ أنه ليس من بنى زياد رجلٌ إلا وفى أنفه خِزامةٌ إلى
يوم القيامة وأنّ حسيناً لم يُقتل؛ قال: فوالله ما أنكر ذلك عليه عبيد الله.
قال هشام : حدّثّنى بعض أصحابنا ، عن عمرو بن أبى المقدام، قال :
حدّثنى عمرو بن عكرمة، قال : أصبحنا صبيحةَ قتل الحسين بالمدينة ، فإذا
مولَى لنا يحدثنا ، قال : سمعتُ البارحة مناديًا ينادى وهو يقول :
أَبشِروا بالعذابِ والتَّنْكِيل
أَيّها القاتلون جَهْلًا حُسيناً
من نبيِّ وَمَلْأٍَّ وَقبيل (١)
كلُّ أَهل السماءِ يدعو عليكمْ
قد لُعِنْتمْ على لسان ابن داو دَ وموسى وحامِل الإِنجيل (٢)
قال هشام : حدثنى عمر بن حيزوم الكلبىّ، عن أبيه، قال: سمعتُ
هذا الصوت .
ذكر أسماء من قتل من بنى هاشم مع الحسين عليه السلام
١
وعدد من قُتل من كلّ قبيلة من القبائل التى قاتلته
قال هشام : قال أبو مخنف: ولما قتل الحسين بن علىّ عليه السلام جىء
٣٨٦/٢
(١) ط: ((وملك وقبيل)).
(٢) ابن الأثير: ((وصاحب الإنجيل)).

٤٦٨
سنة ٦١
برءوس من قتل معه من أهل بيته وشيعته وأنصاره إلى عُبيد اللّه بن زياد ،
فجاءت كِنْدة بثلاثة عشر رأساً ، وصاحبهم قيس بن الأشعث ، وجاءت
هَوَازنُ بعشرين رأسًا وصاحبهم شمر بن ذي الجوشن، وجاءت تميم بسبعة
عشر رأسًا ، وجاءت بنو أسد بستة أرؤس، وجاءت مَذْحُج بسبعة أرؤس ،
وجاء سائرُ الجيش بسبعة أرؤس ، فذلك سبعون رأساً .
قال: وقُتل الحسين - وأمّه فاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم -
قَتَلَه سنان بن أنس النَّخعىّ ثم الأصبحىّ وجاء برأسه . خَوْلىّ بن يزيد،
وقُتل العباس بن على بن أبى طالب - وأمه أمّ البنين ابنة حزام بن خالد بن
ربيعة بن الوحيد، قتله زيد بن رُقاد الجَنبِىّ(١) - وحكيم بن الطفيل السُّنْبِسِىّ،
وقتل جعفربن علىّ بن أبى طالب - وأمه أمّ البنين أيضاً - وقُتل عبد الله بن علىّ
ابن أبى طالب - وأمه أمّ البنين أيضًا- وقتل عثمان بن على بن أبى طالب - وأمه
أمّ البنين أيضًا - رماه خولىّ بن يزيدَ بسهم فقتله، وقتل محمد بن على بن
أبى طالب - وأمه أم ولد قتله رجل من بنى أبان بن دارم، وقتل أبو بكر بن
علىّ بن أبى طالب - وأمه ليلى ابنة مسعود بن خالد بن مالك بن رِبْعىّ بن
سُلْمَى بن جندل بن نَهْشَل بن دارم، وقد شُكْ فى قتله - وقُتل علىّ
ابن الحسين بن علىّ - وأمه ليلى ابنة أبى مرّة بن عروة بن مسعود بن معتِّب
الثقفىّ ، وأمها ميمونة ابنة أبى سفيان بن حرب - قتله مرّة بن مُنقذ بن
النعمان العبدىّ، وقتل عبد الله بن الحسين بن علىّ- وأمه الرّباب ابنة امرئ القيس
ابن عدىّ بن أوس بن جابر بن كعب بن عُليم من كلْب - قتله هانئ
ابن ثُبيت الحضرمىّ، واستصغر علىّ بن الحسين بن علىّ فلم يُقتل، وقُتل
أبو بكر بن الحسن بن علىّ بن أبى طالب - وأمه أمّ ولد - قتله عبدُ اللّه بن
عقبة الغَنَّوَىّ(٢)، وقُتل عبد الله بن الحسن بن علىّ بن أبى طالب - وأمه أمّ
ولد - قتله حرملة بن الكاهن ، رماه بسهم ؛ وقتل القاسم بن الحسن بن علىّ .-
وأمّه أمّ ولد -، قتله سعد بن عمرو بن نُفَيَل الأزدىّ، وقتل عون بن عبد الله
٣٨٧/٢
(١) ابن الأثير: ((زيد بن داود)).
(٢) فى ابن الأثير: ((قتله حرملة الكاهن)).
۵

٤٦٩
سنة ٦١
ابن جعفر(١) بن أبى طالب-وأمه جمانة ابنة المسيِّب بن نَجَبة بن ربيعة بن
رياح من بنى فزارة - قتله عبد الله بن قُطْبَة الطائىّ ثمّ النَّبْهانىّ، وقتِل محمد
ابن عبد الله بن جعفر بن أبى طالب - وأمّه الخوصاء ابنة خَصّفة بن ثقيف بن
ربيعة بن عائذ بن الحارث بن قيم اللّه بن ثعلبة من بكر بن وائل - قَتلَه عامر
ابن نَهْشل التيمىّ ، وقُتل جعفر بن عقيل بن أبى طالب - وأمه أمّ البنين
ابنة الشقر بن الهضاب - قتله بشر بن حَوْط (٢) الهمدانىّ، وقُتِل عبدالرحمن
ابن عقيل - وأمه أمّ ولد - قتله عثمان بن خالد بن أسير الجُهنىّ، وقتل
عبد اللّه بن عقيل بن أبى طالب - وأمه أمّ ولد- رماه عمرو بن صُبَيَح الصدائىّ (٣)
فقتله؛ وقتل مسلم بن عقيل بن أبى طالب - وأمه أمّ ولد، وُلد بالكوفة -
وقتل عبد الله بن مسلم بن عقيل بن أبى طالب - وأمّه رُقيّة ابنة علىّ بن أبى طالب
وأمها أمّ ولد - قتله عمرو بن صبيح الصدائىّ؛ وقيل : قتله أسيد بن مالك
الحضرمىّ، وقتل محمد بن أبى سعيد بن عقيل - وأمه أمّ ولد - قتله لقيط بن
ياسر الجهنىّ، واستُصغر الحسن بن الحسن بن علىّ، وأمه خولة ابنة منظور بن
زبّان بن سيار الفَزَارَى، واستصغر عمر بن الحسن بن علىّ فتُرِك فلم يُقتل -
وأمه أمّ ولد - وقُتِل من الموالى سليمان مولى الحسين بن علىّ ، قتله سليمان بن
عوف الحضرمىّ، وقتل مُنْجِح مولى الحسين بن علىّ، وقتل عبد الله بن بُقْطُر
وضيع الحسين بن علىّ .
٣٨٨/٢
قال أبو مخنف : حدّثنى عبد الرحمن بن جندب الأزدىّ ، أن عبيد اللّه
ابن زياد بعد قتل الحسين تفقّد أشراف أهل الكوفة، فلم ير عبيد الله بن الخُرّ ،
ثم جاءه بعد أيام حتى دخل عليه ، فقال: أين كنت يابن الحرّ ؟ قال :
كنت مريضاً ؛ قال : مريض القلب ، أو مريض البدن ! قال : أما قلبى
فلم يمرض ، وأما بدنى فقد منَّ اللّه علىَّ بالعافية ، فقال له ابن زياد: كذبتَ؛
ولكنك كنت مع عدوّنا ؛ قال : لو كنت مع عدّوك لُرْىَ مكانى ، وما كان
مثل مكانى يخفى ؛ قال: وغفل عنه ابن زياد غفلةٌ، فخرج ابن الحرّ فقعد
(١) ابن الأثير: ((وقتل عون بن أبى جعفر)).
(٢) ويقال ((بشر بن سوط))، وانظر ص ٤٤٧ س ٩
(٣) ابن الأثير: ((الصيداوى)).

٤٧٠
سنة ٦١
على فرسه ، فقال ابن زياد : أين ابن الحرّ ؟ قالوا : خرج الساعة ؛ قال :
علىَّ به ؛ فأحضِرَت الشُّرَط فقالوا له : أجب الأميرَ ؛ فدفع فرسه ثم قال :
أبلغوه أنّى لا آتيه والله طائعاً أبداً؛ ثم خرج حتى أتى منزل أحمر بن زياد
الطائىّ فاجتمع إليه فى منزله أصحابه ، ثم خرج حتى أتى كربلاء فنظر
إلى مصارع القوم ، فاستغفر لهم هو وأصحابه ، ثم مضى حتى نزل المدائن ،
وقال فى ذلك :
أَلَا كنتَ قاتَلْتَ الشهيد ابنَ فاطِمَهْ!
يقولُ أَميرُ غادرٌ حقّ غادرٍ :
أَلا كلُّ نفس لا تُسدّد نادِمَهْ
فيا نَدمى أَلَّا أَكونَ نصرتُهُ
وَإِنِّى لِأَنِّى لم أَكْنَ من حُماتِهِ
سَقَى الله أَرواحَ الذين تأَزّروا
وقفتُ على أَجْدائِهِمْ ومجالِهِمْ
لَعَمْرى لقد كانوا مصَالِيتَ فى الوَغی
تآسَوْا على نَصْر ابن بنتِ نبيِّهمْ
فإِن يُقتلوا فكلُّ نفس تقيَّةٍ
وما إِن رأَى الرَّاءُونَ أَفضل منهُمُ
أَتقتلهمْ ظُلماً وترجو ودادَنا
لعمرى لقد راغَمْتُمونا بقتلهمْ
أَهٌُ مِرارًا أَن أَسِيرَ بجَحْفَلٍ
لِذُو حسرةٍ ما إِن تفارقُ لازِمَه
على نصرهِ سُقْيَا من الغيْثِ دائمةْ
فكاد الحَشَا ينفَضُّ والعينُ ساجمَه
◌ِراعاً إِلى الهَيجا حُماةً خَضارمَهْ
بأَسيافهمْ آسادَ غِيلٍ ضَرَاغِمَةْ
على الأَرض قد أَضْحَت لذلك واجمَهْ
لدى الموتِ ساداتٍ وزُهْرًا قماقِمَهْ
فَدَعْ خُطَّةٌ ليست لنا علائمه !
فكم ناقِمٍ مِنَّا عليكم وناقِمَهْ
إلى فئةٍ زاغَتْ عن الحقِّ ظالِمهْ
أَشَدَّ عليكمْ من زُحُوفِ الديالِمَةْ
فَكُفُّوا وإِلاَّ ذُدْتُكُمْ فِى كَنَائبٍ
٣٩٠/٢
[ ذكر خبر مقتل مرداس بن عمرو بن حُدَير ]
وفى هذه السنة قتل أبو بلال مرداس بن عمرو بن حُدّير ، من ربيعة بن
حنظلة .
٣٨٩/٢

٤٧١
سنة ٦١
« ذكر سبب مقتله :
قال أبو جعفر الطبرىّ : قد تقدّم ذكر سبب خروجه ، وما كان من
توجيه عبيد الله بن زياد إليه أسلم بن زُرعة الكلابىّ فى ألفَىْ رجل ، والتقائهم
باسك وهزيمة أسلم وجيشه منه ومن أصحابه فيما مضى من كتابنا هذا .
٣٩١/٢
ولما هزم مرداس أبو بلال أسلمَ بن زرعة ، وبلغ عبيد الله بن زياد ،
سرَّح إلیه - فیما حدثتُ عن هشام بن محمد ، عن أبىمخنف، قال : حدّثنی
أبو المخارق الراسبيىّ - ثلاثة آلاف، عليهم عبّاد بن الأخضر التميمى، فأتبعه
عبّاد يطلبه حتى لحقه بتَوَّج، فصفّ له ، فحمل عليهم أبو بلال وأصحابه ،
فثبتوا ، وتعطّف الناس عليهم فلم يكونوا شيئًا . وقال أبو بلال لأصحابه : مَنْ
كان منكم إنما خرج للدنيا فليذهب ، ومن كان منكم إنما أراد الآخرة ولقاء
رَبّه فقد سبق ذلك إليه، وقرأ: ﴿ مَنْ كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الآخِرَةِ
نَزِدْ لَهُ فِى حَرْثِهِ وَمَنْ كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا وَمَا لَهُ فِى الْآخِرَةِ
مِنْ نَصِيبٍ﴾(١)، فنزل ونزل أصحابه معه لم يفارقه منهم إنسان ،
فقُتلوا من عند آخرهم ، ورجع عبّاد بن الأخضر، وذلك الجيش الذى كان
معه إلى البصرة ، وأقبل عبيدة بن هلال معه ثلاثة نفر هو رابعهم ، فرصد
عبّاد بن الأخضر، فأقبل يريد قصر الإمارة وهو مردف ابناً له غلاماً، صغيراً ،
فقالوا : يا عبد الله، قف حتى نستفتيك؛ فوقف ، فقالوا: نحن إخوةٌ أربعة،
قُتل أخونا، فما تَرَى ؟ قال: استَعْدُوا الأميرَ ، قالوا: قد استعدَيناه فلم
يُعْدِنا : قال : فاقتلوه، قثله اللّه! فوثبَوا عليه فحكَّموا، وألقى ابنتَه فقتلوه .
[ ذكر خبر ولاية سَلم بن زياد على خراسان وسجستان ]
وفى هذه السنة وَلَّى يزيد بن معاوية سَلْمَ بن زياد سجستانَ وخُراسان.
. ذكر سبب توليته إياه :
٣٩٢/٢٠
حدّثنى عمر ، قال : حدّثنى علىّ بن محمد، قال: حدّثنا مسلمة بن
(١) سورة الشورى: ٢٠.

٤٧٢
سنة ٦١
مُحارب بن سلم بن زياد ، قال : وفد سَلْمُ بن زياد على يزيد بن معاوية
وهو ابن أربع وعشرين سنة ، فقال له يزيد : يا أبا حرب ، أولّيك عمل
أخوَيَك: عبد الرحمن وعبّاد؟ فقال: ما أحَبَّ أميرُ المؤمنين؛ فولّاه خُراسان
وسجِستان ، فوجَّه سَلْم الحارثَ بن معاوية الحارثيّ جدّ عيسى بن شبيب
من الشأم إلى خُراسان ، وقَدِم سلم البصرة ، فتجهز وسار إلى خُراسان ،
فأخذ الحارثَ بن قيس بن الهيثم السُّلْمِىّ فحبسه ، وضرب ابنه شبيبًا ، وأقامه
فى سراويل، ووّجه أخاه يزيد بن زياد إلى سجستان. فكتب عبيد الله بن زياد
إلى عبّاد أخيه - وكان له صديقًا ... يخبره بولاية سَلْ، فقسم عبّاد ما فى بيت
المال فى عبيده ، وفَضَلَ فضلٌ فنادَى مناديه : من أراد سلفًا فليأخذ ،
فأسلف كلّ من أتاه ، وخرج عبّاد عن سِجِسْتان. فلمّا كان يجِيرَفْت
بلغه مكانُ سَلْم - وكان بينهما جبل - فعدل عنه، فذهب لعبّاد تلك الليلة
ألف مملوك، أقلُّ ما مع أحدهم عشرة آلاف . قال: فأخذ عبّاد على فارس،
ثمّ قدم على يزيد، فقال له يزيد: أين المال ؟ قال كنتُ صاحبَ ثغر،
فقسمتُ ما أصبتُ بين الناس. قال: ولما شَخَص سَلْم إلى خُراسانَ شخص
معه عمران بن الفَصِيل البرجمىّ ، وعبد الله بن خازم السلمىّ ، وطلحة بن
عبد الله بن خَلَف الخُزَاعِىّ، والمهلَّب بن أبى صُفْرَةَ، وحنظلة بن عَرَادة،
وأبو حُزّابة الوليد بن نَهيك أحد بنى ربيعة بن حنظلة ، ويحيى بن يَعْمَر
العَدْ وانىّ حليف هُذَيَل، وخلْق كثير من فُرسان البصرة وأشرافِهم ، فقدِم
سَلْ بن زياد بكتاب يزيد بن معاوية إلى عبيد الله بن زياد بنُخْبَةِ ألفَىْ
رجل ينتخبهم . وقال غيره: بل نُخبة ستة آلافـ قال: فكان سلْ ينتخب الوجوه
والفُرسان . ورغب قوم فى الجهاد فطلبوا إليه أن يُخرجهم، فكان أوّل من أخرجه
سلم حنظلة بن عَرَادة ، فقال له عُبيد الله بن زياد: دعه لى ؛ قال : هو بينى
وبينك ، فإن اختارك فهو لك ، وإن اختارنى فهو لى، قال : فاختار سَلْماً؛
وكان الناس يكلّمون سلماً ويطلبون إليه أن يكتبهم معه، وكان صِلة بن أشْيَم
العَدَوِىّ يأتى الديوان فيقول له الكاتب: يا أبا الصّهباء، ألا أثبتُ اسمك، فإنه
وجهٌ فيه جهادٌ وفَضْل؟ فيقول له: أستخير اللّه وأنظرُ ؛ فلم يزل يدافع حتى
٣٩٣/٢

سنة ٦١
٤٧٣
فرغ من أمر الناس ، فقالت له امرأته مُعاذة ابنة عبد الله العَدَويّة: ألّا
تكتب نفسك ؟ قال : حتى أنظر ، ثم صلى واستخار اللّه؛ قال : فرأى فى
منامه آتياً أتاه، فقال له: اخرج فإنك تَرْبَح وتُفْلِح وتُنجح؛ فأتى الكاتب
فقال له : أثبتنى؛ قال : قد فرغْنا ولن أَدَعَك ، فأثبته وابنه ، فخرج
سلْم فصيَّره سلم مع يزيد بن زياد فسار إلى سِجِستان .
قال : وخرج سلم وأخرج معه أمّ محمد ابنة عبد الله بن عثمان بن أبى العاص
الثقَفىّ ، وهى أوّل امرأة من العرب قُطِع بها النهر.
٢٩٤/٢
قال : وذکر مسلمة بن محارب وأبو حفص الأزدیّ عن عثمان بن حفص
الكرمانيّ أن عُمّال خُراسان كانوا يَغْزُون، فإذا دخل الشتاءُ قفلوا من مغازيهم
إلى مَرْو الشاهِجان ، فإذا انصرف المسلمون اجتمع ملوك خُراسان فى مدينة
من مدائن خُراسان ممّا يلى خارَزْم ، فيتعاقدون ألّ يغزُوَ بعضهم بعضًا ،
ولا يهيجَ أحد أحداً ، ويتشاورون فى أمورهم ، فكان المسلمون يطلبون إلى
أمرائهم فى غزو تلك المدينة فيأبون عليهم ، فلما قَدم خُراسان غزا فشتا
فى بعض مغازيه ؛ قال: فألحّ عليه المهلب ، وسأله أن يوجّهه إلى تلك المدينة،
فوجّهه فى ستة آلاف - ويقال أربعة آلاف - فحاصرهم ، فسألهم أن
يُذعِنوا له بالطاعة ، فطلبوا إليه أن يصالحهم على أن يفدوا أنفسهم ، فأجابهم
إلى ذلك ، فصالحوه على نيف وعشرين ألف ألف؛ قال : وكان فى صلحهم
أن يأخذ منهم عروضًا ، فكان يأخذ الرأسَ بنصف ثمنه ، والدابة بنصف
ثمنها ، والكتَيْمُخت بنصف ثمنه ، فبلغت قيمة ما أخذ منهم خمسين ألف
ألف ، فحظى بها المهلب عند سلم، واصطفى سلم من ذلك ما أعجبه، وبعث
به إلى يزيدَ مع مَرَزُبان مرْو ، وأوفد فى ذلك وفداً .
قال مسلمة وإسحاق بن أيوب : غزا سلم سمرقند بامرأته أمّ محمد ابنة
عبد اللّه، فولدتْ لسلم ابنًا، فسماه صُغْدى.
قال علىّ بن محمد: ذكر الحسن بن رشيد الجوز جاني، عن شيخ من ٣٩٥/٢
خُزاعة ، عن أبيه ، عن جدّه ، قال : غزوت مع سلم بن زياد خُوارَزْم ،

٤٧٤
سنة ٦١
فصالحوه على مال كثير ، ثم عبر إلى سمرقند فصالحه أهلُها ، وكانت معه
امرأته أمّ محمد ، فولدتْ له فى غزاته تلك ابناً ، وأرسلتْ إلى امرأة صاحب
الصُّغْد تستعير منها حليًّا ، فبعثتْ إليها بتاجها ؛ وقفلوا ، فذهبتْ بالتاج .
#
#
وفى هذه السنة عَزَلَ يزيدُ عمرو بن سعيد عن المدينة وولا ها الوليد بن
عتبة ، حد ◌ّثی بذلك أحمد بن ثابت ، عمّن حد ثه ، عن إسحاق بن عيسى ،
عن أبى معشر، قال: نزع يزيد بن معاوية عمرو بن سعيد ، لهلال ذي الحجة،
وأمَّر الوليدَ بنَ عتبة على المدينة ، فحجّ بالناس حجّتين سنة إحدى وستين
وسنة اثنتين وستين .
وكان عامل يزيد بن معاوية فى هذه السنة على البصرة والكوفة عبيد الله بن
زياد، وعلى المدينة فى آخرها الوليد بن عتبة، وعلى خُراسان وسجستان سَلْم بن
زياد، وعلى قضاء البَصْرة هشام بن هُبيرة، وعلى قضاء الكُوفة شُريح .
وفيها أظهر ابن الزبير الخلافَ على يزيدَ وخلَعَه . وفيها بويع له .
ذكر سبب عزل يزيد عمرو بن سعيد عن المدينة
وتولیته علیها الوليد بن عتبة
وكان السبب فى ذلك وسبب إظهار عبد الله بن الزّبير الدعاءَ إلى نفسه .-
فيما ذكر هشام ، عن أبى مخنف ، عن عبد الملك بن نوفل- قال: حدّثنى
أبى، قال: لما قُتل الحسين عليه السلام قام ابن الزُّبير فى أهل مكة وعظّم مقتله،
وعاب على أهل الكوفة خاصّة، ولامَ أهل العراق عامة، فقال بعد أن حمد الله
وأثْنَى عليه وصَلى على محمد صلى الله عليه وسلم: إنّ أهل العراق غُدُرٌ
فُجُرٌ إلا قليلاً، وإنّ أهل الكوفة شِرارُ أهل العراق؛ وإنهم دَعَوَا حُسينًا
لينصروه ويولّه عليهم ، فلما قدم عليهم ثاروا إليه (١)، فقالوا له: إمّا أن
تضع يدك فى أيد ينا فنبعثَ بك إلى ابن زياد بن سميّة سِلْمًا فيُمضىَ فيك
حكمه ، وإما أن تحارب ؛ فرأى واللّه أنه هو وأصحابه قليل فى كثير ، وإن
٣٩٦/٢
(١) ابن الأثير: ((عليه)).

٤٧٥
سنة ٦١
كان اللّه عزّ وجلّ لم يُطلع على الغيب أحداً أنه مقتول ، ولكنّه اختار الميتة
الكريمة على الحياة الذميمة، فرحم الله حسينًا، وأخزَى قاتلَ حسين !
لَعَمرى لقد كان من خلافهم (١) إيّاه وعصيانهم ما كان فى مثله واعظ وناه
عنهم، ولكنه ما حُمَّ نازل، وإذا أراد الله أمراً لن يُدْفَع. أفبعد الحسين
نطمئنّ إلى هؤلاء القوم ونصدّق قولهم ونقبل لهم عهداً! لا، ولا (٢) نراهم
لذلك أهلاً؛ أما والله لقد قتلوه طويلا بالليل قيامه ، كثيراً فى النهار صيامه ،
أحقَّ بما هم فيه منهم وأوْلى به فى الدّين والفضل، أما والله ما كان يبدّل
بالقرآن الغناء ، ولا بالبكاء من خشية الله الحداء ، ولا بالصّيام شرب الحرام ،
ولا بالمجالس فى حلق الذكر الرّكض فى تطلاب الصيد - يعرّض بيزيد -
فسوف يلقون غَيًّا(٣).
فثارَ إليه أصحابه فقالوا له : أيّها الرجل أظهر بيعتك، فإنه لم يَبقَ
أحد إذْ هَلَك حسين ينازعك هذا الأمر . وقد كان يبايع الناس
سرًّا، ويُظهر أنه عائذ بالبيت ، فقال لهم: لا تعجلوا ـ- وعمرو بن سعيد بن
العاص يومئذ عامل مكة ، وقد كان أشدّ شىء عليه وعلى أصحابه ، وكان
مع شدّته عليهم يدارى ويرفق - فلما استقرّ عند يزيد بن معاوية ما قد
جمع ابن الزبير من الجُموع بمكة ، أعطى الله عهداً لَهُوثِقَنَّه فى سلسلة ،
فبعث بسلسلة من فضّة، فمرّ بها البريد على مروان بن الحكم بالمدينة، فأخبر
خبر ما قدم له وبالسلسلة التى معه ، فقال مروان :
وفيها مقالٌ لِامرئٍ مُتَضَعفٍ
خُذْها فليستْ للعزيز بخُطَّةِ
٣٩٧/٢
ثمّ مضى من عنده حتى قدم على ابن الزبير، فأتى ابن الزبير فأخبره
بممرّ البريد على مروان، وتمثُّل مروانَ بهذا البيت ، فقال ابن الزبير: لا والله
لا أكون أنا ذلك المتضعّف ؛ وردّ ذلك البريد ردًّا رقيقًا.
وعلا أمر ابن الزبير بمكة ، وكاتَبَه أهلُ المدينة ، وقال الناس : أمّا
إذْ هَلَكَ الحسين عليه السلام فليس أحدٌ ينازع ابن الزبير .
(٢) ابن الأثير: ((والله لا نراهم)).
(١) ف: ((فی خلافهم ".
(٣) يلقون غيَّاً، أى شرًّا وخسراناً؛ وكل شر عند الغرب غى .

٤٧٦
سنة ٦١
حدّثنا نوح بن حبيب القومسىّ ، قال : حدّثنا هشام بن يوسف .
وحدّثنا عبيد الله بن عبد الكريم، قال: حدّثنا عبد الله بن جعفر المدينىّ
قال : حدثنا هشام بن يوسف - واللفظ لحديث عبيد اللّه - قال: أخبرنى
عبد الله بن مصعب ، قال : أخبَرَنى موسى بن عُقْبة، عن ابن شهاب ،
قال : أخبرنى عبد العزيزبن مروان، قال: لما بعث يزيد بن معاوية بن عضاء
الأشعرىّ ومسْعدةَ وأصحابهما إلى عبد الله بن الزبير بمكة ليُؤْتَى به فى
جامعة لتبَرّ يمين يزيد ، بعث معهم بجامعة من ورق وبُرنُس خَزّ ، فأرسلنى
أبى وأخى معهم وقال: إذا بَّغَتْه رُسلُ يزيد الرسالة فتعرَّضا له، ثم ليتمثّلْ
أحد كما :
٣٩٨/٢
وفيها مقالٌ لامرئ متذلِّلٍ (١)
فخُذُها فليست للعزيز بخُطَّة
وذلك فى الجيران غَزْل بمِغزل
أَعامِرَ إِنّ القومَ سامُوك خُطَّةً
يُقالُ له بالدَّلو أَدْبرْ وأقبل
أَراكَ إِذا ماكنتَ للقومِ ناصِحاً
قال : فلما بلغته الرسلُ الرسالةَ تعرّضنا، فقال لى أخى : إِكفنيها ،
فَسَمِعَنى، فقال : أى ابنىْ مروان، قد سمعتُ ما قلما، وعلمتُ ما ستقولانه،
فأخبرا أبا كما :
إذا تَناوَحَتِ القَصْبَاءُ والْعُشَرُ
إِنِّی لَمِنْ نَبْعةٍ مُمِّ مكاسِرُها
حتى يلين لِضِرس الماضِغ الحَجَرُ
فلا أَلينُ لغير الحقّ أَسأَلَهُ
قال : فما أدرى أيّهما كان أعجب !
زاد عبد الله فى حديثه، عن أبى علىّ ، قال : فذاكرت بهذا الحديث
مُصعب بن عبد الله بن مصعب بن ثابت بن عبد الله بن الزّبير ، فقال :
قد سمعتُه من أبى علىّ نحوَ الذى ذكرت له، ولم أحفظ إسناده.
قال هشام، عن خالد بن سعيد ، عن أبيه سعيد بن عمرو بن سعيد: إن
عمرو بن سعيد لما رأى الناس قد اشرأبُّوا إلى ابن الزُّبَير ومَدُّوا إليه أعناقهم،
ظَنّ أنّ تلك الأمور تامّةٌ له، فبعث إلى عبد اللّه بن عمرو بن العاص -
٣٩٩/٢
(١) العباس بن مرداس، وانظر الأغانى ١٦ : ٣١١.

٤٧٧
وكانت له صُحبة ، وكان مع أبيه بمِصْر ، وكان قد قرأ كتب دنيال هنالك ،
وكانت قريش إذ ذاك تَعُدّه عالمًا - فقال له عمرو بن سعيد : أخبرنى عن
هذا الرجل ، أتَرَى ما يطلبُ تامًا له؟ وأخبرنى عن صاحبى إلى ما ترى أمرَه
صائراً إليه؟ فقال: لا أرى صاحبَك إلا أحد الملوك الذين تمّ لهم أمورهم
حتى يموتوا وهم ملوك . فلم يزدد عند ذاك إلا شدّةً على ابن الزبير وأصحابه ،
مع الرفق بهم ، والمداراة لهم .
ثمّ إنّ الوليد بن عتبة(١) وناسًا معه من بنى أمية قالوا ليزيد بن معاوية:
لو شاء عمرو بن سعيد لأخذ ابن الزبير وبعث به إليك ، فسرّح الوليد بن
عُتْبة على الحجاز أميراً ، وعزل عَمراً .
وكان عزلُ يزيد ◌َمراً عن الحجاز وتأميرُه عليها الوليد بن عتبة فى هذه
السنة - أعنى سنة إحدى وستين؛ قال أبو جعفر: حدّثت عن محمد بن عمر
قال : نزع يزيدُ عمرو بن سعيد بن العاص لهلال ذى الحجة سنة إحدى
وستين وولّى الوليد بن عتبة، فأقام الحجّة سنة إحدى وستين بالناس ، وأعاد
ابن ربيعة العامرىّ على قضائه .
وحدثنى أحمد بن ثابت، قال : حدّثت عن إسحاق بن عيسى ، عن
أبى معشر، قال : حجّ بالناس فى سنة إحدى وستين الوليدُ بنُ عُتبة ، وهذا
مما لا اختلاف فيه بين أهل السير .
وكان الوالى فى هذه السنة على الكوفة والبصرة عُبيد الله بن زياد ، وعلى
قضاء الكوفة شُريح، وعلى قضاء البصرة هشام بن هُبيرة ، وعلى خُراسانَ
سلم بن زياد .
(١) ط: ((عقبة))، وانظر الفهرس.

٤٠٠/٢
ثم دخلت سنة اثنتين وستين
ذكر الخبر عمّا كان فى هذه السنة من الأحداث
فمن ذلك مَقَدَم (١) وفد أهلِ المدينة على يزيد بن معاوية.
ذكر الخبر عن سبب مقدمهم عليه :
٥
و کان السبب فى ذلك - فما ذکر لوط بن يحيى ، عن عبد الملك بن نوفل
ابن مُساحق، عن عبد الله بن عروة - أنّ يزيد بن معاوية لما سرّح الوليد
ابن عُتْبة على الحجاز أميراً ، وعَزّل عَمرو بن سعيد ، قدم الوليدُ المدينةَ
فأخذ غلمانًا كثيراً لعمرو وموالىَ له ، فحبَسَهم ، فكلّمه فيهم عَمرو، فأبى
أن يخلّيَهم ، وقال له : لا تجزع ياعمرو ؛ فقال أخوه أبان بن سعيد بن
العاص : أعمرٌّو يجزع! والله لو قبضتم على الجَمْرِ وقبض عليه ما تركه
حتى تتركوه ؛ وخرج عمرو سائراً حتى نزل من المدينة على ليلتين ، وكتب
إلى غلمانه ومواليه وهم نحوٌ من ثلثمائة رجل: إنى باعث إلى كلّ رجل منكم
جَمَلًا وحقيبةً وأداته، وتُناخ لكم الإبل فى السوق (٢)، فإذا أتاكم رسولى فاكسروا
بابَ السجن، ثم ليقمْ كلُّ رجل منكم إلى جَمَله فليركبْه، ثمّ أقبلوا علىّ
حتى تأتونى؛ فجاء رسولُه حتى اشترى الإبل، ثمّ جهزها بما ينبغى لها ، ثمّ
أناخها فى السوق ، ثمّ أتاهم حتى أعلمهم ذلك ، فكسروا بابَ السجن ، ثم
خرجوا إلى الإبل فاستوَوْا عليها ، ثمّ أقبلوا حتى انتهوا إلى عمرو بن سعيد
فوجدوه حين قدم على يزيدَ بن معاوية . فلما دخل عليه رحب به وأدنى مجلسه.
ثمّ إنه عاتبه فى تقصيره فى أشياء (٣) كان يأمره بها فى ابن الزّبير، فلا ينفّذ
منها (٤) إلا ما أراد ؛ فقال: يا أمير المؤمنين، الشاهدُ يَرَى ما لا يَرَى
الغائبُ ، وإنّ جُلَّ أهلِ مكة وأهل المدينة قد كانوا مالُوا إليه وهوَوَه وأعطوه
الرّضا ، ودعا بعضهم بعضًا سِرًّا وعلانية ، ولم يكن معى جند أقوى بهم
عليه لو ناهضتُه ، وقد كان يحذَرُنى ويتحرَّز منى ، وكنت أرفُق به وأداريه
٤٠١/٢
(١) ف: ((فما. كان فيها)).
(٢) س: ((بالسوق)).
(٤) س: ((ولا ينفذ منها)).
(٣) ف: ((وأشياء)).
٤٧٨

سنة ٦٢
٤٧٩
لأستمكر منه فأثبَ عليه، مع أنى قد ضَيَّقَتُ عليه، ومنعتُه من أشياءَ كثيرة
لو تركته وإياها ما كانت له إلا معونةً ، وجعلتُ على مكّة وطُرُقها وشعابها
رجالاً لا يَدَعون أحداً يدخلها حتى يكتبوا إلىّ باسمه واسم أبيه ، ومن أىّ
بلاد اللّه هو، وما جاء به وما يريد ؛ فإنْ كان من أصحابه أو ممن أرى أنه
يريده رددتُه صاغراً، وإن كان ممّن لا أنَّهم، خلّيتُ سبيلَه . وقد بعثتَ
الوليد ، وسيأتيك من عمله وأثره ما لعلك تعرف به فضلَ مبالغتى فى
أمرك ، ومناصَحتى لك إن شاء اللّه ؛ واللّهُ يصنع لك، ويكبت عدوّك
يا أمير المؤمنين .
فقال له يزيد : أنت أصدق ممن رقَى هذه الأشياء عنك ، وحملنى
بها عليك، وأنت ممن أثق به ، وأرجو معونته، وأدّخره لرأبِ الصَّدْع، وكفاية
المُهمّ ، وكشفٍ نوازل الأمور العظام ؛ فقال له عمرو : وما أرى يا أميرَ
المؤمنين أنّ أحداً أولى بالقيام بتشديدٍ سلطانك ، وتوهين عدوّك ، والشدّة
على مَن نابَذَك منّى . وأقام الوليد بن عتبة يريد ابن الزبير فلا يجده إلا
متحذّراً متمنّعًا، وثار نَجْدة بن عامر الحنفىّ باليمامة حين قُتل الحسين ،
وثارابن الزبير، فكان الوليد يُفيض من المُعَرَّف، وتُفيض معه عامة الناس ،
وابن الزبير واقف وأصحابه ، ونجدة واقفٌ فى أصحابه ، ثم يُفيض ابن
الزبير بأصحابه ونجدة بأصحابه ، لا يُفيض واحد منهم بإفاضة صاحبه .
وكان نجدة يلقى ابنَ الزّبير فيكثِّر حتى ظنّ الناس أنه سيبايعه. ثمّ إنّ
ابن الزبير عمل بالمكر فى أمر الوليد بن عتبة ، فكتب إلى يزيد بن معاوية :
إنك بعثتَ إلينا رجلاً أخرَق، لا يَتَّجه لأمر رَشَد، ولا يَرْعَوِى لعظَة
الحكيم، ولو بعثتَ إلينا رجلا سهلَ الْحُلُق، ليِّن الكتف، رجوتُ أن يَسْهُل
من الأمور ما استَوْعَرّ منها ، وأن يجتمع ما تفرّق، فانظر فى ذلك ، فإنّ
فيه صلاح خواصّنا وعوامنا إن شاء اللّه ؛ والسلام .
٤٠٢/٢
فبعث يزيدُ بن معاوية إلى الوليد فعنزّله وبعث عثمان بن محمد بن أبى
سُنْیان - فما ذ کر أبو مخنف، عن عبد الملك ابن نوفل بن مساحق، عن حميد
ابن حمزة؛ مولّى لبنى أمية - قال: فقَدِمِ فتّ غرٌّ حَدَثٌ غَمْرٌ لم يُجرّب

٤٨٠
سنة ٦٢
الأمور، ولم يحنّكه السنّ ، ولم تُضرّسه التجارب ؛ وكان لا يكاد ينظر فى
شىء من سلطانه ولا عمله ، وبعث إلى يزيد وفداً من أهل المدينة فيهم
عبدُ الله بنُ حنظلة الغَسيل الأنصارى" وعبد الله بن أبى عمرو بن
حفص بن المغيرة المخزومىّ ، والمنذر بن الزبير، ورجالاً كثيراً من أشراف أهل
المدينة ، فقدموا على يزيد بن معاوية، فأكرمهم ، وأحسنَ إليهم،
وأعظم جوائزَهم . ثمّ انصرفوا من عنده، وقَدِموا المدينة كلهم إلاّ المنذر
ابن الزبير فإنه قدم على عبيد الله بن زياد بالبصرة -- وكان يزيد قد أجازه
بمائة ألف درهم - فلما قدم أولئك النفر الوفد المدينةَ قاموا فيهم فأظهروا
شَتْمَ يزيدَ وعُتْبة ، وقالوا : إنا قدمْنا من عندِ رجل ليس له دين ، يشرب
الخمر ، ويَعزِف بالطنابير ، ويَضرِب عنده القيان ، ويلعب بالكلاب ،
ويسامر الحُرَّاب والفتيان، وإنا نُشهدكم أنا قد خلعناه؛ فتابَعَهم الناس .
قال لوط بن يحيى: فحدّثنى عبد الملك بن نوفل بن مساحق ، أنّ الناس
أتوا عبد الله بن حنظلة الغسيل فبايعوه وولوه عليهم.
قال لوط : وحدثنى أيضًا محمد بن عبد العزيز بن عبد الرّحمن بن عوف:
ورجع المنذر من عند يزيد بن معاوية ، فقدم على عُبيد الله بن
زياد البصرةَ ، فأكرمه وأحسن ضيافته ، وكان لزياد صديقًا ، إذ سقط
إليه كتابٌ من يزيدَ بن معاوية حيث بلغه أمرُ أصحابه بالمدينة . أن أوثقْ
المنذرَ بنَ الزبير واحبسه عندَك حتى يأتيك فيه أمرى ؛ فكره ذلك عبيد الله
ابن زياد لأنه ضيفه ، فدعاه فأخبره بالكتاب. وأقرأه إياه ، وقال له : إنك
كنت لزياد وُدًّا وقد أصبحتَ لى ضيفًا، وقد آتيتُ إليك معروفًا، فأنا
أحبُّ أن أسدِىَ ذلك كله بإحسان، فإذا اجتمع الناس عندى فقُمْ فَقُلْ:
ائذنْ لى فلأنصرفْ إلى بلادى، فإذا قلتُ: لا بَلْ أقمْ عندى فإنّ لك
الكرامةَ والمواساة والأثَرَةَ، فَقُل: لى ضيعةٌ وشُغْلٌ، لا أجد من الانصراف
بُدَّا فأذنْ لى، فإنى آذنُ لك عند ذلك؛ فالحق بأهلك .
فلما اجتمع الناس عند عُبيد الله قام إليه فاستأذنه فقال : لا بل أقِمْ
عندى فإنى مُكرمُك ومُواسيك ومؤثرُك ؛ فقال له : إنّ لى ضيعةً وشُغْلاً ،
٤٠٤
٤٠٣/٢