النص المفهرس

صفحات 401-420

سنة ٦١
٤٠١
الحسين لفتيانه : اسقوا القوم وأرووهم من الماء ورشَّفوا الخيل ترشيفاً،
فقام فتيانه فرشّفوا الخيل ترشيفًا، فقام فتية وسقَوا القوم من الماء حتى أرُووهم،
وأقبلوا يملئون القصاع والأثْوار(١) والطِّساس من الماء ثم يُدنونَها من الفَرَس،
فإذا عبَّ فيه ثلاثًا أو أربعًا أو خمسًا عُزلتْ عنه، وسقَوَا آخَرَ حتى سقَوا
الخيل كلّها .
٢٩٧/٢
· قال هشام : حدّثنى لقيط ، عن علىّ بن الطّعان المحاربىّ: كنت مع
الحرّ بن يزيد، فجئت فى آخر مَن جاء من أصحابه، فلما رأى الحسينُ ما بى
وبفرسى من العطش قال : أنخ الرّاوية - والراوية عندى السقاء - ثم قال:
يابن أخٍ ، أنخ الجمل، فأنختُهُ، فقال: اشربْ، فجعلت كلما شربتُ
سال الماء من السقاء ، فقال الحسين : اخنث السقاء - أى اعطفه - قال:
فجعلتُ لا أدرى كيف أفعل ! قال : فقام الحسين فخنَثَه ، فشربتُ
وسَقَتُ فَرَسى . قال: وكان مجىء الخرّ بن يزيد ومسيره إلى الحسين من
القادسيّة ، وذلك أنّ عبيد الله بن زياد لما بلغه إقبالُ الحسين بعث الحصين
ابن تميم التميمىّ - وكان على شُرَطه - فأمَرَه أن ينزل القادسيّة ، وأن يضع
المستَالحَ فينظم ما بين القُطْقطانة إلى خَفّان ، وقدّم اُحرّ بنيزيد بين يديه فى
هذه الألف من القادسيّة ، فيستقبل حسيناً . قال : فلم يزل موافقًا حسيناً حتى
حضرت الصّلاة صلاة الظهر، فأمر الحسين الحجّاج بن مسروق الجعفىّ أن
يؤذّن ، فأذّن ، فلمّا حضرت الإقامة خرج الحسين فى إزار ورداء وذملين،
فحمد اللّهَ وأثنى عليه ثمّ قال: أيّها الناس، إنها معذرة إلى الله عزّ وجلّ
وإليكم؛ إنِّى لم آتكْم حتى أتتْنى كُتُبكم، وقدمتْ علىّ رُسُلكم: أن اقدمْ
علينا ، فإنه ليس لنا إمام، لعلّ اللّه يجمعنا بك على الهدى ؛ فإن كنتم على
ذلك فقد جئتكم ، فإن تُعطونى ما أطمئنُّ إليه من عهودكم ومواثيقكم أقدم
مصركم ، وإن لم تفعلوا وكنتم لمقتْدمى كارهين انصرفتُ عنكم إلى المكان
الذى أقبلتُ منه إليكم . قال: فسكتوا عنه وقالوا للمؤذّن : أقم ، فأقام الصلاة،
فقال الحسين عليه السلام للحُرّ: أتريدُ أن تصلّى بأصحابك؟ قال : لا، بل
٢٩٨/٢
(١) الأتوار : جمع تور؛ وهو إناء من صفر أو حجارة.

٤٠٢
سنة ٦١
تصلّى أنت ونصلّى بصلاتك؛ قال: فصلّى بهم الحسين، ثم إنه دخل واجتمع إليه
أصحابه، وانصرف الحرّإلى مكانه الذى كان به، فدخل خيمةً قدضربت له،
فاجتمع إليه جماعةٌ من أصحابه، وعاد أصحابُه إلى صَفِّهم الذى كانوا فيه ،
فأعادوه، ثم أخذ كلّ رجل منهم بعنان دابّته وجلس فى ظلها ، فلما كان
وقت العصر أمر الحسين أن يتهيئوا للرّحيل. ثم إنه خرج فأمر مناديه فنادى
بالعصر ، وأقام فاستقدم الحسين فصلى بالقوم ثم سلم ، وانصرف إلى القوم
بوجهه فحمد الله وأثنى عليه ثم قال : أما بعد ، أيها الناس ، فإنكم إن تتقوا
وتعرفوا الحقّ لأهله يكن أرضى الله، ونحن أهل البيت أولى بولاية هذا الأمر
عليكم من هؤلاء المدّعين ما ليس لهم ، والسائرين فيكم بالجور والعدوان ،
وإن أنتم كرهتمونا ، وجهلتم حقنا ، وكان رأيُكم غير ما أتتْنى كتبكم ، وقدمتْ
به علىَّ رُسُلُكم، انصرفتُ عنكم، فقال له الخرّ بن يزيد: إنّا والله ما ندرى
ما هذه الكُتُب التى تذكر ! فقال الحسين: يا عقبة بن سمعان ، أخرج
الخرجَيْن اللَّذَين فيهما كتبهم إلىّ، فأخرج خرجين مملوءين صُحُفًا،
فنشرها بين أيديهم ؛ فقال الخرّ : فإنا لسنا من هؤلاء الذين كتبوا إليك ، وقد
أمرنا إذا نحن لقيناك ألّ نفارقَك حتى نُقدمك على عبيد الله بن زياد؛
فقال له الحسين : الموتُ أدنى إليك من ذلك ، ثم قال لأصحابه : قوموا
فاركبوا، فركبوا وانتظروا حتى ركبتْ نساؤهم، فقال لأصحابه : انصرفوا بنا،
فلما ذهبوا لينصرفوا حالَ القومُ بينهم وبين الانصراف، فقال الحسين للحر:
تكلتْك أمُّك! ما تريد؟ قال: أما والله لو غيرُك من العرب يقولها لى وهو
على مثل الحال التى أنت عليها ما تركتُ ذكْر أمه بالثُّكْل أن أقولَه كائنًا
مَن كان، ولكنْ والله ما لى إلى ذكْر أمِّك من سبيل إلاّ بأحسن ما يقدر
عليه ؛ فقال له الحسين: فما تريد ؟ قال الخرّ: أريد واللّه أن أنطلق بك إلى
عُبيد الله بن زياد، قال له الحسين: إذن والله لا أتْبعك؛ فقال له الخرُّ :
إذن والله لا أدَعك؛ فترادّا القولَ ثلاثَ مرّات، ولما كثر الكلامُ بينهما
قال له الحرّ: إنّ لم أومَر بقتالك، وإنما أمرت ألّ أفارقَك حتى أقدمَك
الكُوفة ، فإذا أبيتَ فخذ طريقًا لا تُدخلك الكوفة ، ولا تردّك إلى المدينة،
٢٩٩/٢

٤٠٣
سنة ٦١
تكون بينى وبينك نصفًا حتى أكتب إلى ابن زياد ، وتكتب أنتَ إلى يزيد
ابن معاوية إن أردتَ أن تكتب إليه ، أو إلى عبيد الله بن زياد إن شئتَ ،
فلعلّ اللّه إلى ذلك أن يأتى بأمر يرزقنى فيه العافية من أن ابتلَى بشىء من ٣٠٠/٢
أمرك ؛ قال : فخذ هاهنا فتياسرْ عن طريق العُدَيْب والقادسيّة ، وبينه وبين
العُذَيب ثمانية وثلاثون ميلا. ثمّ إنّ الحسين سار فى أصحابه والخرّ يسايره.
قال أبو مخنف : عن عقبة بن أبى العَيزار ، إنّ الحسين خطب أصحابه
وأصحاب الحرّ بالبِيضَة، فحمد الله وأثنَى عليه ثمّ قال: أيها الناس، إنّ
رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ((من رأى سلطانًا جائراً مستحلاًّ ◌ُخرَم
اللّه، ناكثًا لعَهْد اللّه، مخالفًا لسنة رسول الله، يعملُ فى عباد اللّه
بالإثم والعدوان ، فلم يغيّر عليه بفعل ولا قول، كان حقًّا على الله أن
يُدخله مُدخله. )) ألا وإنّ هؤلاء قد لزمواطاعة الشيطان، وتركوا طاعة
الرّحمن، وأظهروا الفساد، وعطلوا الحدود، واستأثروا بالفىء، وأحلوا حرام
اللّه، وحرّموا حلالَه، وأنا أحقّ من غَيْر، قد أتتْنِى كتبكم، وقدمتْ علىّ
رُسُلكم ببيعتكم؛ أنكم لا تُسلمونى ولا تَخذُونى، فإنْ تممتم على بيعتكم
تصيبُوا رشد كم، فأنا الحسين بنُ علىّ، وابن فاطمةَ بنتِ رسول الله صلى
الله عليه وسلم، نفسى مع أنفسكم، وأهلى مع أهليكم، فلكم فىَّ أسْوة ، وإن
لم تفعلوا ونقضتم عهدكم ، وخلعتُم بيعنى من أعناقكم، فلَعَمْرى ما هى لكم
بنُكْر (١)، لقد فعلتموها بأبى وأخى وابن عمى مسلم ، والمغرور من اغترّ بكم،
فحظّكم أخطأتم، ونصيبكم ضيعتم ، ومَن نكث فإنما يَنكُث على نفسه ،
وسيُغنى اللّه عنكم، والسلام عليكم ورحمةُ الله وبركاته .
وقال عقبة بن أبى العَيزار: قام حسينٌ عليه السلام بذى حُسُم، فحَمِد
اللّهَ وأثنى عليه ثمّ قال: إنه قد نزل من الأمر ما قد ترون ، وإنّ الدنيا قد
تغيّرت وتنكرت ، وأدبر معروفُها واستمرّت جدًّا، فلم يَبقَ منها إلا صُبابة
(١) ابن الأثير: ((بنكير)).
٣٠١/٢

٤٠٤
سنة ٦١
كصُبابة الإناء، وخسيسُ عيشِ كالمَرعَى الوَبيل . ألا ترون أنّ الحق
لا يُعْمَل به، وأنّ الباطل لا يُتناهى عنه! ليرغب المؤمن فى لقاء اللّه مُحقًّا،
فإنى لا أرى الموت إلا شهادة ، ولا الحياة مع الظالمين إلا بَرَمًا.
قال : فقام زهير بن القَيْن البَجَلَىّ فقال لأصحابه: تكلّمون أم
أتكلم ؟ قالوا: لا، بل تكلم ؛ فَحمِدِ اللّهَ فأثنى عليه ثم قال: قد سمعنا
هداك الله يابنَ رسول اللّه مقالتَك، والله لو كانت الدنيا لنا باقية ، وكنا
فيها مخلّدين، إلا أنّ فراقها فى نصرك ومواساتك، لآثرْنا الخروجَ معك على
الإقامة فيها .
قال : فدعا له الحسين ثم قال له خيراً ؛ وأقبل الحرّ يسايره وهو يقول له:
ياحسين، إنى أذكّرك اللّهَ فى نفسك، فإنَّى أشهد لْن قاتلتَ لتُقتلنّ، ولْن
قوتلتَ لتهلكنّ فيما أرى؛ فقال له الحسين : أفبالموت تخوّفنى! وهل يعدو بكم
الخَطْب أن تقتلونى! ما أدرى ما أقول لك! ولكن أقول كما قال أخو الأوْس
لابن عمه، ولقيَه وهو يريد نُصرةَ رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال له:
أين تذهب ؟ فإنك مقتول ؛ فقال :
إِذا ما نَوَى حقًّا وجاهدَ مسلمًا
سأَمضِى وما بالموتِ عارٌ على الفتَى
٣٠٢/٢
وفارق مثبورًا يَغُثُّ ويُرْغما(١)
وآسى الرجالَ الصالِحِينَ بنفسِه
قال : فلما سمع ذلك منه الخرّ تنحّى عنه ، وكان يسير بأصحابه فى ناحية
وحسین فی ناحية أخرى ، حتى انتھوا إلى عُذیب الهجانات، وكان بها هجائن
النعمان ترعى هنالك ، فإذا هم بأربعة نفر قد أقبلوا من الكوفة على رواحلهم ،
يجنبُون فرسًا لنافع بن هلال يقال له الكامل، ومعهم دليلُهم الطّرِمّاح بن
عدىّ على فرسه ، وهو يقول :
ر
(١) كذا فى ط ، وقبل البيت فى ابن الأثير:
وخالف مَثْبُورًا وفَارَق مجْرِما
وواسَى رِجالا صَالِحِين بِنَفْسهِ
وذكر بعده :
كَفَی بك ذُلاَّ أَن یعیش وترغَما
فإن عِشْتُ لمْ أَنْدِمْ وإِن ◌ِمِتّ لِمْ أَنَمْ

سنة ٦١
٤٠٥
/وشمّرى قبلَ طلوعِ الفَجْرِ
یاذاقتِی لا تُذعَرِی من زَجْرِی
حتَّى تَحِّى بكرِيم النَّجْرِ
بخير رُكْبانٍ وخير سَفْرٍ
أَتَى به اللهُ لخيرٍ أَمْرِ
الماجدِ الحَرِّ رَحيبِ الصدرِ
* ثُمّتَ أبقاه بقاءَ الدَّهرِ.
٣٠٣/٢
قال : فلما انتهَوا إلى الحسين أنشدوه هذه الأبيات ، فقال : أما والله
إنى لأرجو أن يكون خيراً ما أراد الله بنا، قُتلنا أم ظفرنا؛ قال: وأقبل إليهم
الحرّ بن يزيدَ فقال: إن هؤلاء النفر الذين من أهل الكوفة ليسوا ممن أقبل
معك ، وأنا حابسهم أو رادّهم ، فقال له الحسين : لأمنعنّهم مما أمنع منه
نفسى ، إنما هؤلاء أنصارى وأعوانى ، وقد كنتَ أعطيتنى ألّ تعرض لى
بشىء حتى يأتيَك كتاب من ابن زياد ، فقال : أجلْ ، لكن لم يأتوا معك ؛
قال : هم أصحابى، وهم بمنزلة مَن جاءَ معى، فإن تممتَ على ما كان بينى
وبينك وإلا ناجزتُك ؛ قال: فكفَّ عنهم الحرّ؛ قال: ثمّ قال لهم الحسين:
أخبرونى خبرَ الناس وراءكم ، فقال له مجمّع بن عبد الله العائذىّ، وهو أحد
النََّر الأربعة الذين جاءوه : أما أشراف الناس فقد أعظِمِتْ رِشوَتُهم ،
ومُلئت غَرَائِرُهم، يُسمّال ودّهم، ويستخلص به نصيحتهم ، فهم ألْبٌ
واحدٌ عليك، وأما سائر الناس بعد، فإنّ أفئدتهم تنَهوِى إليك، وسيوفَهم
غداً مشهورةٌ عليك ؛ قال : أخبرُونى ، فهل لكم برسولى إليكم ؟ قالوا : من
هو ؟ قال : قيس بن مُسْهر الصيْداوىّ ؛ فقالوا : نعم ، أخذه الحصين
ابن تميم فبعث به إلى ابن زياد ، فأمره ابنُ زياد أن يلعنك ويلعنَ أباك ،
فصلى عليك وعلى أبيك، ولَعَن ابن زياد وأباه، ودعا إلى نُصْرتك ، وأخبرهم
بقدومك ، فأمر به ابن زياد فأُلقىَ من طَمارِ القصر ؛ فترقرقتْ عينا حُسين
عليه السلام ولم يملك دمعته، ثم قال: ﴿مِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَيِنْهُمْ مَنْ
يُنْتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا﴾. اللهمّ اجعل لنا ولهم الجنة نُزُلًا، واجمع بيننا وبينهم
فى مستقرّ من رحمتك ، ورغائب مذخور ثوابك !
٣٠٤/٢

٤٠٦
سنة ٦١
قال أبو مخنف: حدّثنى جميل بن مَرْتد من بنى مَعْن، عن الطرماح.
ابن عدىّ ، أنه دنا من الحسين فقال له: والله إنى لأنظر فما أرى معك أحداً،
ولو لم يقاتلْك إلا هؤلاء الذين أراهم ملازميك لكان كفى بهم ؛ وقد رأيتُ
قبل خروجى من الكوفة إليك بيوم ظهرَ الكوفة وفيه من الناس ما لم تتر عيناى
فى صعيد واحد جَمْعًا أكثر منه ، فسألت عنهم ، فقيل : اجتمعوا
ليُعرّضوا، ثم يسرَّحون إلى الحسين، فأنشِدُك اللّهَ إن قدرتَ على ألّ تقدم
علیهم شبراً إلاّ فعلت ! فإن أردت أن تنزل بلداً يمنعك الله به حتى ترى من
رأيك، ويستبين لك ما أنت صانع، فسرْ حتى أنزلك مناع جبلنا الذى يُدعى
أجَأ، امتنعنا واللّه به من ملوك غسّانَ وحمير ومن النعمان بن المنذر ،
ومن الأسود والأحمر (١)، والله إن دخل علينا ذلّ قطُّ؛ فأسير معك حتى أنزلك
القُرَيَّة، ثم نبعث إلى الرجال ممن بأجاً وسلمتى من طيّئ، فوالله لا يأتى
عليك عشرة أيام حتى تأتيَك طيّئ رجالاً ورُكبانًا، ثم أقم فينا ما بدا لك ،
فإن هاجك هَيْج فأنا زعيم لك بعشرين ألف طائىّ يضربون بين يديك
بأسيافهم ، واللّه لا يُوصّل إليك أبداً ومنهم عين تَطرف ؛ فقال له :
جزاك الله وقومَك خيراً! إنه قد كان بيننا وبين هؤلاء الفوم قول لسنا نقدر
معه على الانصراف ، ولا ندرى علامَ تنصرف بنا وبهم الأمورُ فى
عاقبه !
قال أبو مخنف : فحدثنى جميل بن مَرْتَد، قال: حدثنى الطِّرِ ماح
٣٠٥/٢ ابن عدىّ، قال: فودّعتُه وقلتُ له: دفع اللّه عنك شرّ الجن والإنس، إنّى
قد امترتُ لأهلى من الكوفة ميرةً ، ومعى نفقة لهم، فآتيهم فأضع ذلك فيهم ،
ثمّ أقبل إليك إن شاء الله، فإن ألحقك فوالله لأكوننَّ من أنصارك؛ قال: فإن
كنتَ فاعلاً فعجِّلْ رحمك الله؛ قال: فعلمتُ أنه مستوحش" إلى الرجال
حتى يسألنى التعجيل ؛ قال : فلما بلغتُ أهلى وضعتُ عندهم ما يصلحهم ،
وأوصيت ، فأخذ أهلى يقولون : إنك لتصنع مَرّتَك هذه شيئًا ما كنتَ
(١) ابن الأثير: ((الأحمر والأبيض)).

٤٠٧
سنة ٦١
تصنعه قبل اليوم ، فأخبرتُهم بما أريد ، وأقبلتُ فى طريق بنى ثُعَل حتى إذا
دنوتُ من عُذَيَب الهجانات ، استقبلسى سماعة بن بدر ، فنعاه إلىّ ،
فرجعت ؛ قال : ومضى الحسين عليه السلام حتى انتهى إلى قصر بنى مقاتل ،
فنزل به ، فإذا هو بفُسطاط مضروب .
قال أبو مخنف : حدّثنى المجالد بن سعيد، عن عامر الشّعبىّ، أنّ
الحسين بن علىّ رضى الله عنه قال: لمن هذا الفسطاط ؟ فقيل: لعبيد الله
ابن الخرّ الجعفىّ؛ قال: ادعوه لى، وبَعَثَ إليه، فلما أتاه الرسول، قال :
هذا الحسين بن علىّ يدعوك؛ فقال عبيد الله بن الحُرّ: إذًّا لله وإنا إليه راجعون!
واللّه ما خرجتُ من الكوفة إلا كراهة أن يدخلها الحسين وأنا بها ، والله ما أريد
أن أراه ولا يرانى، فأتاه الرسولُ فأخبَرَه، فأخذ الحسين نعليْه فانتعل ، ثم
قام فجاءه حتى دخل عليه ، فسَلّم وجلس ، ثمّ دعاه إلى الخروج معه ،
فأعاد إليه ابن الخرّ تلك المقالة، فقال: فإلا تنصرْنا فاتّق الله أن تكونَ ممّن
يقاتلنا، فوالله لا يسمع واعيتنا أحد ثم لا ينصرنا إلا هلك؛ قال: أمّا هذا
فلا يكون أبداً إن شاء الله . ثم قام الحسين عليه السلام من عنده حتى دخل
رَحلَه .
قال أبو مخنف : حدثنى عبد الرحمن بن جُنْدُب ، عن عقبة بن سمعان
قال : لما كان فى آخر الليل أمر الحسين بالاستقاء من الماء ، ثم أمرنا بالرحيل،
ففعلْنا ؛ قال : فلما ارتحلنا من قصر بنى مقاتل وسرْنا ساعةً خفق الحسين
برأسه خَفْقة، ثم انتبه وهو يقول: إنا لله وإنا إليه راجعون، والحمد لله ربّ
العالمين ؛ قال : ففعل ذلك مرّتين أو ثلاثًا، قال : فأقبل إليه ابنُه علىّ بن
الحسين على فرس له فقال: إنا لله وإنا إليه راجعون، والحمد لله ربّ العالمين،
يا أبتِ ، جُعلْت فداك! ممَّ حمدتَ اللّهَ واسترجعتَ؟ قال: يا بنىّ ، إنى
خفَقتُ برأسى خَفْقةً فعنّ لى فارس على فرس فقال : القوم يسيرون والمنايا
تَسرِى(١) إليهم ، فعلمتُ أنها أنفسُنا نُعيَتْ إلينا، قال له : يا أبتِ ،
٢٠٦/٢
(١) ابن الأثير: ((تسير)).

٤٠٨
سنة ٦١
٣٠٧/٢
لا أراك الله سوءاً، ألسْنا على الحقّ ! قال: بلى والذى إليه مرجع العباد؛
قال : يا أبت، إذاً لا نبالى؛ نموت محقِّين؛ فقال له: جزاك الله من وَلَدٍ خيرَ
ما جَزَى وَلَداً عن والده؛ قال: فلما أصبح نزل فصلى الغداة، ثمّ عجّل
الركوب ، فأخذ يتياسر بأصحابه يريد أن يفرّقهم ، فيأتيه الخرّ بن يزيدَ فيردّهم
فيردّه ، فجعل إذا ردّهم إلى الكوفة ردًّاً شديداً امتنعوا عليه فارتفعوا، فلم يزالوا
يتسايرون حتى انتَهوا إلى نِينَوَى؛ المكان الذى نزل به الحسين ؛ قال : فإذا
راكبٌ على نجيب له وعليه السلاح متنكّب قوسًا مُقبلٌ من الكوفة ، فوقفوا
جميعًا ينتظرونه، فلما انتَهى إليهم سلّم على الخرّ بن يزيد وأصحابه ، ولم
يسلّم على الحسين عليه السلام وأصحابه، فدفع إلى الخرّ كتابًا من عبيد الله
ابن زياد فإذا فيه: أما بعد، فجَعْجِعْ(١) بالحسين حين يبلغُك كتابى ،
ويَقدُّم عليك رسولى، فلا تُنزله إلا بالعَراء فى غير حصن وعلى غير ماء ،
وقد أمرتُ رسولى أن يلزمَك ولا يفارقك حتى يأتيسى بإنفاذك أمرى ؛ والسلام .
قال : فلما قرأ الكتاب قال لهم الحرُّ : هذا كتاب الأمير عُبيد الله بنِ
زیاد یأمنی فیہ أن أجعجع بكم فى المكان الذی یأتینی فیہ کتابُه ، وهذا رسوله،
وقد أمره ألّ يفارقنى حتى أنفذ رأيّه وأمْرَه، فنظر إلى رسول عُبيد الله يزيدُ
ابن زياد بن المهاصِر أبو الشعثاء الكندىّ ثم البهدلىّ فعنّ له، فقال:
أمالك بن النُّسير البَدَىّ ؟ قال : نعم - وكان أحد كِنْدة - فقال له يزيد
ابنُ زياد : ثكلتْك أمك! ماذا جئتَ فيه ؟ قال : وما جئتُ فيه! أطعتُ
إمامى، ووفيتُ ببَْعتى ، فقال له أبو الشعثاء : عصيتَ ربَّك، وأطعتَ
إمامك فى هلاك نفسك، كسبت العار والنار، قال الله عزّ وجلّ:
﴿وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ لَا يُنْصَرُونَ﴾(٢) ،
فهو إمامك. قال : وأخذ الحرُّ بن يزيدَ القوم بالنزول فى ذلك المكان على
غير ماء ولا فى قرية، فقالوا: دَعْنا نَنزِلْ فى هذه القرية ، يعنون ذِينَوَى -
(١) أورد الخبر فى اللسان وقال فى شرحه: ((أى أزعجه وأخرجه، وقال الأصمعى: يعنى
أحبسه)).
(٢) سورة القصص: ٣٢.

٤٠٩
سنة ٦١
٣٠٨/٢
أو هذه القرية - يعنون الغاضريّة - أو هذه الأخرى - يعنون شُفْسَيّة.
فقال: لا والله ما أستطيع ذلك، هذا رجل قد بُعث إلىّ عينًا ، فقال له
زهير بن القيْن: يابن رسول اللّه، إنّ قتال هؤلاء أهون من قتال من يأتينا
من بعدِهِم ، فلَعَمرى ليأتينا من بَعَدُ مَن ترى ما لا قبَل لنا به ؛ فقال
له الحسين : ما كنتُ لأبدأهم بالقتال ؛ فقال له زهير بن القين : سرْ بنا إلى
هذه القرية حتى تنزلها فإنها حصينة، وهى على شاطئ الفرات، فإنْ منعونا
قاتلْناهم، فقتالُهم أهوَنُ علينا من قتال من يجىء من بعدهم ؛ فقال له
الحسين: وأية قرية هى؟ قال : هى العَقْر ، فقال الحسين : اللهم إنى
أعوذ بك من العَقْر ، ثم نزل ، وذلك يوم الخميس ، وهو اليوم الثانى من
المحرّم سنة إحدى وستين . فلما كان من الغد قدم عليهم عمرُ بن سعد بن
أبى وقّاص من الكوفة فى أربعة آلاف . قال : وكان سبب خروج ابن سعد
إلى الحسين عليه السلام أن عبيد الله بن زياد بعثه على أربعة آلاف من أهل
الكُوفة يسير بهم إلى كَسْتَبَى ، وكانت الديلم قد خرجوا إليها وغلبوا عليها ،
فكتب إليه ابنُ زياد عهدَه على الرَّىّ ، وأمَرَه بالخروج .
فخرج معسكراً بالناس بحمّام أعين ، فلمّا كان من أمر الحسين ما كان
وأقبل إلى الكوفة دعا ابنُ زياد عمرَ بن سعد، فقال: سرْ إلى الحسين، فإذا فرغنا
مما بيننا وبينه سرتَ إلى عملك؛ فقال له عمر بن سعد: إنْ رأيتَ رحمك الله
أن تُعفيَى فافعل ؛ فقال له عبيد اللّه: نعم، على أن تردّ لنا عهدَنا ؛ قال :
فلما قال له ذلك قال عمر بن سعد : أمهلْنى اليومَ حتى أنظرَ ؛ قال : فانصرف
عمر يستشير نُصَحاءه ، فلم يكن يستشير أحداً إلا نهاه ؛ قال : وجاء حمزة
ابن المغيرة بن شعبة - وهو ابن أخته ـ فقال: أنشُدكَ اللّه يا خال أن تسير إلى
الحسين فتأثم بربِّك، وتقطعَ رحِمَك! فوالله لأن تخرج من دنياك ومالك
وسلطان الأرض كلِّها لو كان لك، خيرٌ لك من أن تلقّى اللّهَ بدم الحسين!
فقال له عمر بن سعد : فإنى أفعل إن شاء الله .
٣٠٩/٢
قال هشام : حدثنى عَوانة بن الحكم ، عن عمّار بن عبد الله بن يسار

٤١٠
سنة ٦١
الجُهَىّ، عن أبيه، قال: دخلتُ على عمَر بن سعد، وقد أُمِر بالمسير إلى
الحسين ، فقال لى : إن الأمير أمرنى بالمسير إلى الحسين ، فأبيتُ ذلك عليه ،
فقلتُ له : أصاب اللّه بك، أرشَدَك اللّه، أحِلْ فلا تفعل ولا تَسِرْ إليه .
قال : فخرجتُ من عنده ، فأتانى آت وقال : هذا عمر بن سعد يَندُب
الناسَ إلى الحسين ؛ قال : فأتيتُه فإذا هو جالس ، فلما رآنى أعرَض بوجهِهِ
فعرفتُ أنه قد عزم على المسير إليه ، فخرجتُ من عنده ؛ قال : فأقبل عمر
ابن سعد إلى ابن زياد فقال : أصلحك الله! إنك ولّيتَنى هذا العمل، وكتبت
لىَ العهد، وسَمع به الناسُ، فإن رأيتَ أن تنفذ لى ذلك فافعلْ وابعثْ إلى
الحسين فى هذا الجيش من أشراف الكوفة مَن لستُ بأغنى ولا أجزأ عنك
فى الحرب منه ؛ فسمى له أناسًا، فقال له ابن زياد: لا تُعدِمنى بأشراف
أهل الكُوفة ، ولست أستأمرك فيمن أريد أن أبعث . إن سرتَ بجندنا ، وإلا
فابعث إلينا بعهدنا ، فلما رآه قد لجّ قال : فإنى سائر ؛ قال : فأقبل فى أربعة
آلاف حتى نزل بالحسين من الغد من يوم نزل الحسين نينوى .
قال : فبعث ◌ُمر بن سعد إلى الحسين عليه السلام عَزْرة بن قيس الأحمَسىّ،
فقال : انته فسَلْه ما الّذى جاء به ؟ وماذا يريد ؟ وكان عزرة ممن كتب إلى
الحسين فاستحيا منه أن يأتيه . قال : فعرض ذلك على الرؤساء الذين كاتبوه ،
فكلُّهم أبى وكرهه . قال: وقام إليه كثير بن عبد اللّه الشعبىّ - وكان فارساً
شجاعًا ليسَ يرُدّ وجهَه شىءٌ - فقال: أنا أذهب إليه، والله لئن شئتَ
لأفتكّن به ، فقال له عمر بن سعد : ما أريد أن يُفتك به ، ولكن انته فسَلْه
ما الذى جاء به ؟ قال : فأقبل اليه ، فلما رآه أبو ثمامة الصائدىّ قال للحسين:
أصلحك الله أبا عبد الله! قد جاءك شرُّ أهل الأرض وأجرؤه على دم وأفتكه ،
فقام إليه ، فقال : ضَعْ سيفَك؛ قال : لا والله ولا كرامة، إنما أنا رسول،
فإن سمعتم منى أبلغتُكم ما أرسِلتُ به إليكم ، وإن أبيَمَ انصرفتُ عنكم ؛ فقال
له : فإنى آخذٌ بقائِمٍ سيفك، ثم تكلمُ بحاجتك، قال: لا والله، لا تمسّه
فقال له : أخبرنى ما جئتَ به وأنا أبلغه عنك ، ولا أدعُك تدذو منه ، فإنك
فاجر ؛ قال : فاستبّاً ، ثم انصرف إلى عمر بن سعد فأخبره الخبر ؛ قال :
٣١٠/٢

٤١١
سنة ٦١
فدعا عمر قرّة بن قيس الحنظلىّ فقال له : وَيَحْك يا قرّة! القَ حسيناً فسَلْه
ما جاء به ؟ وماذا يريد ؟ قال : فأتاه قرّة بن قيس ، فلما رآه الحسين مقبلا
قال : أتعرفون هذا ؟ فقال حبيب بن مُظاهر : نعم ، هذا رجل من حنظلة
تميمىّ ، وهو ابن أختنا ، ولقد كنتُ أعرفه بحسُن الرأى ، وما كنتُ أراه يشهد
هذا المشهد ؛ قال : فجاءَ حتى سلَّم على الحسين ، وأبلغه رسالةً عمر بن سعد
إليه له ، فقال الحسين : كتب إلىّ أهلُ مصركم هذا أنْ اقدّم ، فأما إذا
كرهونى فأنا أنصرف عنهم؛ قال: ثم قال له حبيب بن مظاهر : وَيَْحك يا قرة
ابن قيس! أنَّى ترجع إلى القوم الظالمين ! انصرْ هذا الرجل الذى بآبائه أيّدك
اللّه بالكرامة وإيّانا معك ؛ فقال له قرّة : أرجع إلى صاحبی بجواب رسالته ،
وأرَى رأى ؛ قال : فانصرف إلى عمر بن سعد فأخبره الخبر ، فقال له عمر بن
سعد : إنى لأرجو أن يعافيَى اللّه من حربه وقتاله.
٣١١/٢
قال هشام ، عن أبى مخنف ، قال : حدّ ثى النضر بن صالح بن حبيب
ابن زهير العبسىّ، عن حسان بن فائد بن بكير العبسىّ(١)، قال: أشهد أن
كتاب عمر بن سعد جاء إلى عبيد الله بن زياد وأنا عنده فإذا فيه :
بسم الله الرحمن الرحيم. أما بعد ، فإنى حيث نزلتُ بالحسين بعثتُ إليه
رسولى، فسألتُه عما أقدَمَه ، وماذا يطلب ويسأل ، فقال: كتب إلىَّ أهلُ
هذه البلاد وأتتْنى رسُلهم ، فسألونى القدومَ ففعلت ؛ فأما إذ كرهوفى فبدًا لهم
غير ما أتتْنى به رُسُلهم فأنا منصرفٌ عنهم ، فلما قُرئ الكتاب على
ابن زياد قال :
الآنَ إِذْ عَلِقَتْ مَخالِبُنا به يرجو النجاةَ ولاتَ حِينَ مناصٍ!
قال : وكتب إلى عمربن سعد :
بسم الله الرّحمن الرّحيم ؛ أما بعد، فقد بلغنى كتابُك، وفهمتُ ما
ذكرتَ ، فاعرِض على الحسين أن يبايع ليزيدَ بن معاوية هو وجميع أصحابه،
فإذا فعل ذلك رأينا رأينا ، والسلام .
. (١) ط: ((الحنفى))، وانظر الفهرس.
-

٤١٢
سنة (٦
قال : فلما أتى عمَر بن سعد الكتابُ، قال: قد حسبتُ ألّ يقبل ابن
زياد العافية .
قال أبو مخنف : حدّثنى سليمان بن أبى راشد ، عن حميد بن مسلم
الأزدىّ، قال : جاء من عُبيد الله بنِ زياد كتاب إلى عمرَ بن سعد : أما
٣١٢/٢ بعد، فُحلْ بين الحسين وأصحابه وبين الماء، ولا يذوقوا منه قطرة، كما صُنع
بالتّفىّ الزّكىّ المظلوم أمير المؤمنين عثمان بن عفان . قال : فبعث عمر بن سعد
عمروبن الحجَّاج على خمسمائة فارس، فنزلوا على الشريعة ، وحالوا بين حسين
وأصحابه وبين الماء أن يُسقَوا منه قطرة ، وذلك قبل قتل الحسين بثلاث .
قال: ونازَلَه عبد الله بن أبى حُصين الأزدىّ - وعداده فى بجيلة - فقال:
يا حسين ، ألا تنظر إلى الماء كأنه كبد السماء! والله لا تذوق منه قطرة حتى
تموت عَطَشاً؛ فقال حسين : اللهمَّ اقتُله عَطَشً، ولا تَغفِرْ له أبداً.
قال حميد بن مسلم: والله لعُدتُه بعد ذلك فى مرضه، فوالله الذى لا إله إلاّ هو
لقد رأيتُه يَشرَب حتى بَغَر (١)، ثم يقىء، ثم يعود فيَشرَب حتى يبغر فما
يَروَى، فما زال ذلك دأبه حتى لَفَظَ عصبه(٢). يعنى نفسه - قال: ولما
اشتدّ على الحسين وأصحابه العطش دعا العباس بن على بن أبى طالب أخاه ،
فبعثه فى ثلاثين فارسًا وعشرين راجلا ، وبعث معهم بعشرين قِربةً ، فجاءوا
حتى دنتوا من الماء ليلاً واستقدم أمامهم باللواء نافع بن هلال الجملىّ، فقال
٣١٣/٢
عمرو بن الحجاج الزبيدىّ : من الرجل؟ فجىء فقال: ما جاء بك؟ قال: جئنا
نشرب من هذا الماء الذى حلأتمونا(٣) عنه؛ قال: فاشربْ هنيئًا، قال: لا والله،
لا أشرب منه قطرةٌ وحسينٌ عطشان ومن ترى من أصحابه، فطَلَعوا عليه ،
فقال: لا سبيلَ إلى سفى هؤلاء، إنما وُضِعنا بهذا المكان لنمنعهم الماء ، فلما
دنا منه أصحابه قال لرجاله: املئوا قِرَبَكم، فشدّ الرّجالة فملئوا قِرَبهم ،
وثار إليهم عمرو بن الحجاج وأصحابه، فحمل عليهم العباس بن علىّ ونافع بن
هلال فكفـ وهم، ثم انصرفوا إلى رحالهم، فقالوا: امضوا، ووَقتَفوا دونهم ، فعطف
(١) البغر : : الشرب بلا رى .
(٢) فى اللسان: ((لفظ عصبه، أى ريقه)) ..
(٣) يقال: حلاه، عن الماء : طرده ومنعه منه.

٤١٣
سنة ٦١
عليهم عمرو بن الحجّاج وأصحابه واطَّردوا قليلاً. ثم إن رجلا من صُداء
طُعِن من أصحاب عمرو بن الحجاج، طعنه نافع بن هلال، فظنّ أنها ليست
بشىء ، ثم إنها انتقضت بعد ذلك ، فمات منها ، وجاءَ أصحابُ حسين
بالِقِرَب فأدخلوها عليه .
قال أبو مخنف: حدّثنى أبو جَنَاب، عن هانئ بن ثُبَيْت الحضرمىّ-
وكان قد شهد قتلَ الحسين ، قال : بعث الحسينُ عليه السلام إلى عمر بن
سعد عمروبن قرظة بن كعب الأنصارىّ: أن القسنى الليل بين عسكرى وعسكرك.
قال : فخرج عمر بن سعد فى نحو من عشرين فارساً ، وأقبل حسين فى مثلِ
ذلك ، فلما التقوْا أمر حسين أصحابَه أن يتنحوا عنه، وأمر عمر بن سعد
أصحابَه بمثل ذلك ؛ قال : فانكشفنا عنهما بحيث لا نَسمَعَ أصواتَهما
ولا كلامَهما ؛ فتكلّما فأطالاحتى ذهب من الليل هَزِيعٌ ، ثم انصرف كلّ
واحد منهما إلى عسكره بأصحابه، وتحدّث الناس فيما بينهما؛ ظنًّا يظنّونه أنّ
حسينًا قال لعمر بن سعد: اخرج معى إلى يزيد بن معاوية وندع العسکریْن؛
قال عمر : إذن تُهدم داری؛ قال: أنا أبنيها لك ، قال : إذن تؤخذ ضياعی؛
قال : إذن أعطيك خيرًا منها من مالى بالحجاز . قال : فتكرّه ذلك عمر ؛
قال : فتحدَّث الناس بذلك ، وشاع فيهم من غير أن يكونوا سمعوا من ذلك
شيئًا ولا علموه .
٣١٤/٢
قال أبو مخنف: وأمّا ما حدّثنا به المجالد بن سعيد والصَّقْعَب بن زهير
الأزدىّ وغيرهما من المحدّثين، فهو ما عليه جماعة المحدّثين ، قالوا: إنه قال :
اختاروا منّى خصالا ثلاثاً : إمّا أن أرجع إلى المكان الذى أقبلتُ منه ، وإمّا
أن أضع يدى فى يد يزيد بن معاوية فيرى فيما بينى وبينه رأيه، وإما أن تسيّرونى
إلى أىّ ثغر من ثغور المسلمين شئّم، فأكونَ رجلامن أهلِهِ، لى ما لَهم وعلىّ
ما عليهم .
قال أبو مخنف : فأما عبد الرحمن بن جندب فحدّثّى عن عقبة بن
سِمْعَانَ قال: صحبتُ حسيناً فخرجتُ معه من المدينة إلى مكة، ومن مكّة إلى

٤١٤
سنة ٦١
العراق ، ولم أفارقه حتى قتل، وليس من مخاطبته الناس كلمة بالمدينة ولا بمكة
ولا فى الطريق ولا بالعراق ولا فى عسكر إلى يوم مقتله إلا وقد سمعتُها. ألا والله
ما أعطاهم ما یتذا کر الناس وما يزعمون ؛ من أن يضع يده فی ید یزید بن
معاوية ، ولا أن يسيّروه إلى ثغر من ثغور المسلمين ، ولكنه قال : دعونى
فلأذْهَبْ فى هذه الأرض العريضة حتى ننظرَ ما يصير أمرُ الناس .
٣١٥/٢
قال أبو مخنف : حدّثّنى المجالد بن سعيد الهمدانىّ والصّقعب بن زهير ،
أنهما كانا التقیا مراراً ثلاثًا أو أربعاً؛ حسین وعمر بن سعد؛ قال : فکتب عمر
ابن سعد إلى عُبيد الله بن زياد: أما بعد، فإن الله قد أطفأ النائرة، وجمع
الكلمة ، وأصلَحَ أمر الأمة ، هذا حسين قد أعطانى أن يرجع إلى المكان الذى
منه أنتى ، أو أن نسيّره إلى أىّ ثغر من ثغور المسلمين شئنا، فيكونَ رجلاً
من المسلمين له ما لَهم ، وعليه ما عليهم ، أو أن يأتى يزيد أمير المؤمنين
فيضع يده فى يده ، فيرى فيما بينه وبينه رأيه ، وفى هذا لكم رضًا ، وللأمة
صلاحٌ . قال : فلما قرأ عبيد الله الكتاب قال : هذا كتاب رجل ناصح
الأميرِهِ ، مشفِقِ على قومِهِ ، نعمْ قد قبلتُ . قال : فقام إليه شمر بن
ذى الجوشن، فقال: أتقبل هذا منه وقد نزل بأرضك إلى جنبك! والله لئن
رحل من بلدك، ولم يضع يده فى يدك ، ليكوننّ أولى بالقوّة والعزّة ولتكونن"
أولى بالضَّعف والعجز، فلا تُعطِه هذه المنزلة فإنها من الوَهَن ، ولكن لينزل
على حكمك هو وأصحابه ، فإن عاقبتَ فأنت ولىّ العقوبة ، وإن غفرتَ كان
ذلك لك ، والله لقد بلغنى أنّ حسيناً وعمر بن سعد يجلسان بين العسكرين
فيتحدّثان عامّة الليل، فقال له ابن زياد: نِعْمَ ما رأيتَ! الرأىُ رأيُك .
قال أبو مخنف: فحدثنى سليمان بن أبى راشد، عن حميد بن مسلم، قال:
ثمّ إنّ عبيد الله بن زياد دعا شَمِر بنَ ذى الجَوْشن فقال له: اخرجْ بهذا
الكتاب إلى مُمَرَ بن سعد فلْيعرض على الحسين وأصحابه النزولَ على حُكمِى،
فإن فعلوا فليبعث بهم إلىّ سلمًا ، وإن هم أبوا فليقاتلْهم، فإن فعل فاسمع
له وأطع، وإن هو أبى فقاتلهم ، فأنت أمير الناس ، وثِبْ عليه فاضرب
عنقه ، وابعث إلىَّ برأسه .
٣١٦/٢

٤١٥
سنة ٦١
قال أبو مخنف: حدثنى أبو جناب الكلبىّ، قال: ثم كتب عبيد اللّه
ابن زياد إلى عمر بن سعد : أما بعد ، فإنى لم أبعثك إلى حسين لتكفّ عنه
ولا لتطاوٍلَه ، ولا لتمنِّه السلامةَ والبقاء ، ولا لتقعدَ له عندى شافعًا .. انظر،
فإن نزل حسين وأصحابه على الحكم واستسلموا ، فابعث بهم إلىّ سلمًا ،
وإن أبوْا فازحف إليهم حتى تقتُلَهم وتمثِّل بهم، فإنهم لذلك مستحقون، فإن
قتِل حسين فأوْطئ الخيلَ صدره وظهرَه، فإنه عاقّ" مشاق" ، قاطع ظلوم ،
وليس دهرى فى هذا أن يُضَرّ بعد الموت شيئًا، ولكن علىَّ قول لو قد قتلتُه
فعلتُ هذا به. إن أنتَ مضيتَ لأمرِنا فيه جَزَيناك جزاءَ السامع المطيع، وإن
أبيتَ فاعتِزِلْ عَمَلَنَا وجندنا، وخلّ بين شمر بن ذي الجوشن وبين العسكر،
فإنا قد أمرناه بأمرنا ؛ والسلام .
قال أبو مخنف : عن الحارث بن حصيرة ، عن عبد الله بن شريك
العامرىّ، قال: لماّ قبض شمر بن ذي الجوشن الكتاب قام هو وعبد الله بن
أبى المحلّ - وكانت عمته أمّ البنين ابنة حزام عند علىّ بن أبى طالب عليه
السلام ، فولدتْ له العبّاسَ وعبدَ اللّه وجعفرًا وعثمانَ - فقال عبد الله بن
أبى المحلّ بن حزام بن خالد بن ربيعة بن الوحيد بن كعب بن عامر بن كلاب:
أصلح الله الأمير! إن بنى أختنا مع الحسين، فإن رأيتَ أن تكتب لهم أمانًا
فعلت ؛ قال : نعم ونَعمةَ عَيْن . فأمر كاتبه ، فكتب لهم أمانًا ، فبعث
به عبد الله بن أبى المحلّ مع مولّى له يقال له : كُزمان، فلما قدم عليهم
دعاهم، فقال : هذا أمانٌ بعثَ به خالكم؛ فقال له الفتية: أقرِىُّ خالَنا
السلام ، وقل له: أن لا حاجةَ لنا فى أمانكم، أمانُ اللّه خيرٌ من أمان ابن
سميّة. قال: فأقبل شمر بن ذي الجَوْشن بكتاب عبيد الله بن زياد إلى عمر
ابن سعد ، فلما قدم به عليه فقرأه قال له عمر : مالَكَ ويْلَك ! لا قرّب
اللّه دارَك، وقبّح اللّه ما قدمت به علىّ! والله إنى لأظنُّك أنت ثَنَيتَه أن
يَقبَل ما كتبتُ به إليه ، أفسدت علينا أمرا كنا رجونا أن يصلح ، لا يستسلم
واللّه حسين ، إنّ نفسًا أبيَّةً لبَيْن جنبَيْه، فقال له شمر: أخبِرْنى ما
أنت صانع ؟ أتمضى لأمر أميرك وتقتل عدوّه، وإلا فِخلّ بينى وبين الجند
٣١٧/٢

٤١٦
سنة ٦١
والعسكر؛ قال: لا ولا كرامةَ لك، وأنا أتولّى ذلك؛ قال : فدونك ، وكن
أنت على الرّجال؛ قال: فنهض إليه عشّية الخميس لتسعٍ مضَين من المحرّم ؛
قال : وجاء شمسر حتى وقف على أصحاب الحسين، فقال : أين بنو أختنا؟
فخرج إليه العباس وجعفر وعثمان بنو علىّ، فقالوا له: مالَكَ وما تريد ؟ قال :
أنتم يا بنى أختى آمنون ؛ قال له الفتية : لعنك اللّه ولعن أمانك! لئن كنت
خالنا أتؤمّننا وابن رسول الله لا أمانَ له! قال: ثمّ إنّ عمر بن سعد نادى :
يا خيلَ اللّ اركبی وأبشرى ، فركب فى الناس ، ثم زحف نحوَهم بعد
صلاة العصر ، وحسين جالس أمامَ بيته محتبياً بسيفه ، "إذ خفق برأسه على
ركبتَيْه، وسمعتْ أخته زينب الصيحة فدنتْ من أخيها، فقالت : يا أخى،
أما تسمع الأصوات قد اقتربت! قال : فرفع الحسينُ رأسه فقال : إنّ رأيت
رسولَ اللّه صلى اللّه عليه وسلم فى المنام فقال لى: إنك تروح إلينا؛ قال :
فلطمتْ أختُه وجهها وقالت : ياويلتا ! فقال : ليس لكِ الويل يا أخيّة ،
اسكُنى رحمكِ الرّحمن! وقال العباس بن علىّ: يا أخى ، أتاك القومُ ؛
قال : فنهض ؛ ثم قال : يا عباس ، اِركَب بنَفْسى أنت يا أخى حتى
تلقاهم فتقول لهم : ما لتكم ؟ وما بدًا لكم ؟ وتسألهم عما جاء بهم ؟ فأتاهم
العباس ؛ فاستقبلهم فى نحو من عشرين فارسًا فيهم زهير بن القين وحبيب
ابن مظاهر ، فقال لهم العباس : ما بدا لكم ؟ وما تريدون ؟ قالوا : جاء أمر
الأمير بأن نَعرِض عليكم أن تنزلوا على حُكمه أو ننازٍلكم ؛ قال : فلا تعجلوا
حتى أرجع إلى أبى عبد الله فأعرِض عليه ما ذكرتم ؛ قال: فوقفوا ثم قالوا:
القَه فأعلمه ذلك، ثمّ القَنا بما يقول؛ قال: فانصرف العبّاس راجعًا يركض
إلى الحسين يُخبره بالخبر، ووقف أصحابُه يخاطبون القومَ ، فقال حبيب
ابن مظاهر لزهير بن القين : كلِّم القومَ إن شئتَ ، وإن شئتَ كلمتُهم، فقال
له زهير: أنت بدأت بهذا ، فكن أنت تكلّمهم ، فقال له حبيب بن مظاهر :
أما والله لبئسَ القومُ عند الله غداً قومٌ يَقدّمون عليه قد قتلوا ذرّية نبيّه عليه
السلام وعِترتَّه وأهل بيته صلى الله عليه وسلم وعبّاد أهل هذا المصر المجتهدين
٣١٩/٢ بالأسحار، والذاكرين الله كثيراً؛ فقال له عَزْرة بن قيس: إنك لتُزكّى
٣١٨/٢

٤١٧
سنة ٦١
نفسك ما استطعتَ؛ فقال له زهير: ياَ عْزرة، إنّ اللّه قد زكّاها وهداها،
فاتّق الله يا عزرة فإنى لك من الناصحين، أنشُدُك اللّهَ يا عَزْرة أن تكون ممن
يعين الضلال على قتل النفوس الزكيّة! قال : يا زهير، ما كنت عندنا من
شيعة أهل هذا البيت، إنما كنتَ عمانيًّا؛ قال: أفلستَ تستدلّ بموقفى
هذا أنّى منهم! أما والله ما كتبتُ إليه كتابًا قطّ ، ولا أرسلتُ إليه رسولا قطّ ،
ولا وعدتُه نُصرنى قطّ ، ولكن الطريق جمع بينى وبينه ، فلما رأيته ذكرتُ
به رسول الله صلى الله عليه وسلم ومكانه منه، وعرفت ما يقدم عليه من عدوّه
وحزبكم ، فرأيت أن أنصرَه ، وأن أكون فى حزبه ، وأن أجعل نفسى دون"
نفسه، حفظًا لما ضيّعتم من حقّ اللّه وحقّ رسوله عليه السلام. قال: وأقبل
العبّاس بن علىّ يركض حتى انتهى إليهم، فقال: ياهؤلاء، إنّ أبا عبد الله
يسألكم أن تنصرِ فوا(١) هذه العشيّة حتى ينظر فى هذا الأمر، فإنّ هذا أمرٌ
لم يجْربينكم وبينه فيه مَنَطقٌ، فإذا أصبحنا التقينا إن شاء الله، فإمّا رضيناه
فأتينا بالأمر الذى تسألونه وتسومونه ، أو كرهْنا فرددْناه ، وإنما أراد بذلك أن
يردّهم عنه تلك العشيّة حتى يأمر بأمره ، ويوصى أهله ، فلما أتاهم العباس بن
علىّ بذلك قال عمر بن سعد: ما ترى يا شمِر ؟ قال : ما ترى أنت ، أنت
الأمير والرأى رأيك ؛ قال : قد أردت ألّ أكون ؛ ثم أقبل على الناس فقال :
ماذا ترون؟ فقال عمرو بن الحجّاج بن سلمة الزُّبيدىّ: سبحان الله! والله
لو كانوا من الدّيلم ثم سألوك هذه المنزلةَ لكان ينبغى لك أن تجيبهم إليها ؛
وقال قيس بن الأشعث : أجِبْهم إلى ما سألوك، فلَعمرى ليصبُحنّك بالقتال
غُدْوة؛ فقال : والله لو أعلم أن يفعلوا ما أخرجتُهم العشيّة؛ قال: وكان
العباس بن علىّ حين أتى حسيناً بما عرض عليه عمر بن سعد قال : ارجع
إليهم، فإن استطعتَ أن تؤخّرَ هم إلى غُدْوة وتدفعتهم عند العشيّة لعلنا نصلّى
لربنا الليلة وندعوه ونستغفره، فهو يعلم أنى قد كنتُ أحبّ الصلاةَ له وتلاوة
. كتابه وكثرةَ الدعاء والاستغفار!
٣٢٠/٢
قال أبو مخنف : حدّثنى الحارث بن حصيرة ، عن عبد الله بن شريك
(١) ابن الأثير: ((أن تنصرفوا عنا)).

٤١٨
سنة ٦١
العامرىّ، عن علىّ بن الحسين قال: أتانا رسولٌ مِن قِبل عمر بن سعد
فقام مثل حيث يُسمَعَ الصوت فقال: إنا قد أجّلنا كم إلى غد، فإن استسلمتم
سرّحنا بكم إلى أميرنا عُبيد اللّه بن زياد، وإن أبيتم فلسنا تارِكِيكُمْ.
قال أبو مخنف: وحدثنى عبدالله بن عاصم الفائشىّ، عن الضحاك بن عبد اللّه
المشرقى .- بَطْن من هَمْدان أنّ الحسين بن علىّ عليه السلام جمع أصحابه.
قال أبو مخنف: وحدثنى أيضًا الحارث بن حَصيرة، عن عبدالله بن
شريك العامرىّ ، عن علىّ بن الحسين ، قالا : جمع الحسين أصحابَه بعد
ما رجع عمر بن سعد، وذلك عند قرب المساء ، قال على بن الحسين: فدنوتُ
منه لأسمع وأنا مريض، فسمعتُ أبى وهو يقول لأصحابه: أُثنى على الله تبارك
وتعالى أحسن الثناء، وأحمده على السرّاء والضرّاء، اللهمّ إنّى أحمدك على
أن أكرمتنا بالنبوة ، وعلمتنا القرآن، وفقّهتنا فى الدين ، وجعلت لنا أسماعًا
وأبصاراً وأفئدة ، ولم تجعلنا من المشركين ؛ أما بعد ، فإنى لا أعلم أصحابًا
أولى ولاخيراً من أصحابى، ولا أهل بيت أبرّ ولا أوصلَ من أهل بيتى ، فجزاكم
اللّه عنى جميعاً خيراً؛ ألا وإنى أظنّ يومنا من هؤلاء الأعداء غداً، ألا وإنى
قد رأيت (١) لكم فانطلقوا جميعًا فى حلّ، ليس عليكم مِنَّى ذِمام، هذا ليلٌ
قد غشيكم ، فاتخذوه جَمَلا .
قال أبو مخنف: حدّثنا عبد الله بن عاصم الفائشىّ - بطن من همْدان -
عن الضّحاك بن عبد الله المشرقىّ، قال: قدمت ومالك بن النضر الأرحبىّ على
الحسين ، فسلّمنا عليه، ثم جلسنا إليه ، فردّ علينا، ورحّب بنا، وسألنا عما
جئنا له ، فقلنا : جئنا لنسلّم عليك ، وندعو الله لك بالعافية، ونحدثَ بك
عهداً ، ونخبرك خبر الناس ، وإنا نحدثك أنهم قد جمعوا على حربك فرّ
رأيك . فقال الحسين عليه السلام: حسبى الله ونعم الوكيل ! قال: فتذممنا
وسلمنا عليه، ودعَوْنا اللّهَ له ، قال: فما يمنعكما من نُصرقى ؟ فقال مالك
ابن النّضر: علىّ دَين، ولى عيال، فقلتُ له: إنّ علىّ دَينًا، وإنّ لی
لعيالا، ولكنك إن جعلتنى فى حل من الانصراف إذا لم أجد مقاتلاً قاتلت
(١) ابن الأثير: ((أذنت)).
٣٢١/٢

٤١٩
سنة ٦١
عنك ما كان لك نافعاً، وعنك دافعًاً! قال: قال: فأنت فى حلّ ؛ فأقمتُ
معه ، فلما كان الليل قال: هذا الليل قد غشيكم، فاتَّخِذُوه جَمَلًا ،
ثم ليأخذ كلّ رجل منكم بيد رجل من أهل بيتى، تفرّقوا فى سوادكم ومدائنكم
حتى يفرّج اللّه، فإنّ القوم إنما يطلبونى، ولو قد أصابونى لهوا عن طلب
غيرى ؛ فقال له إخوته وأبناؤه وبنو أخيه وابنا عبد الله بن جعفر: ليمَ نفعل
لنبقى بعدك، لا أرانا اللّه ذلك أبداً؛ بدأهم بهذا القول العباس بن علىّ. ثم
إنهم تكلّموا بهذا ونحوه"، فقال الحسين عليه السلام: يا بنى عقيل ، حسبكم
من القتل بمسلم ، اذهبوا قد أذنتُ لكم ؛ قالوا : فما يقول الناس(١)! يقولون
إنا تركنا شيخنا وسيدنا وبنى عمومتنا خير الأعمام ، ولم نرْم معهم بسهم ، ولم
نطعن معهم برُّمح ، ولم نضربْ معهم بسيف ، ولا ندرى ما صنعوا ! لا والله
لا نفعل، ولكن تقدِيك(٢) أنفسنا وأموالنا وأهلُونا، ونقاتل معك حتى نَرِدَ
مَورِدِك، فقبح اللّه العيش بعدك!
قال أبو مخنف : حدّثنى عبد الله بن عاصم ، عن الضّحاك بن عبد الله
المِشرقىّ، قال: فقام إليه مسلم بن عَوْسجة الأسدىّ فقال: أنحنُ نخلّى
عنك ولمّا نُعذِير إلى اللّه فى أداء حقك! أما والله حتى أكسرَ فى صدورهم
رُمْحَى، وأضربَهم بسيفى ما ثبت قائمهُ فى يدى، ولا أفارقك ؛ ولو لم يكن
معى سلاح أقاتلُهم به لقذفتُهم بالحجارة دونَك حتى أموت معك .
قال: وقال سعيد (٣) بن عبد اللّه الحنفى": والله لا نخليك حتى يعلم الله أنا حفظنا.
غيبةَ رسولِ اللّه صلى اللّه عليه وسلم فيك، والله لو علمتُ أنى أقتل ثم أحيَاً ثمّ
أُحُرَّق حيًّا ثم أذرّ؛ يُفعَلُ ذلك بى سبعين مرّة ما فارقتُك حتى ألقتى حِمامى
دونّك ، فكيف لا أفعل ذلك ! وإنما هى قَتْلة واحدة ، ثم هى الكرامة التى
لا انقضاء لها أبداً .
٣٢٣/٢
قال: وقال زهير بن القَيْن: والله لوددتُ أنّ قُتِلِت ثم نشرت ثم قتِلت
حتى أقتلَ كذا ألف قتلة ، وأن اللّه يدفع بذلك القتل عن نفسك وعن أنفس
(١) ابن الأثير: ((فا نقول الناس)).
(٢) ابن الأثير: ((نفديك)).
(٣) ط: ((سعد)» تحريف.
٣٢٢/٢

٤٢٠
سنة ٦١
هؤلاء الفتية من أهل بيتك . قال : وتكلم جماعة أصحابه بكلام يشبه بعضُه
بعضًا فى وجه واحد، فقالوا: والله لا نفارِقُك، ولكنّ أنفسنا لك الفداء، نقيك
بنحورنا وجباهنا وأيدينا ، فإذا نحن قُتِلِنا كّا وَفّينا ، وقَضَينا ما علينا .
قال أبو مخنف : حدثنى الحارث بن كعب وأبو الضّحاك، عن علىّ
ابن الحسين بن علىّ قال : إنى جالس فى تلك العشيّة التى قُتِل أبى صبيحتها،
وعمتى زينب عندى تمرّضنى، إذ اعتزل أبى بأصحابه فى خباء له ، وعنده
حُوَىّ، مولى أبي ذَرّ الغِفارىّ، وهو يعالج سيفته ويصلِحُه وأبى يقول:
كم لك بالإِشراقِ والأصيل
يا دهرُ أُفِّ لك من خليلٍ
والدَّهرُ لا يقنعُ بالبَدِيل
مِن صاحبٍ أَو طالبٍ قَتيل
وكلُّ حىِّ سَالكُ السّبيل
وإِنما الأمرُ إلى الجليلِ
قال : فأعادها مرّتين أو ثلاثا حتى فهمتُها، فعرفتُ ما أراد ، فخنقتْتى
عَبَرتى، فرددتُ دمعى ولزمت السكون، فعلمتُ أنّ البلاء قد نزل ؛ فأما
عمّى فإنها سمعتْ ما سمعتُ، وهى امرأة، وفى النساء الرُّقَّة والجَزَع، فلم
تملك نفسها أن وثبتْ تجرّ ثوبها، وإنها لخاسرة حتى انتهت إليه ؛ فقالت:
وائكْلاه! ليت الموتَ أعدَمَنى الحياة! اليوم ماتت فاطمة أمى وعلىّ أبى
٣٢٤/٢ وحسن أخى، يا خليفة الماضى، وثمال الباقى؛ قال: فنظر (١) إليها الحسين
عليه السلام فقال: يا أُخَيّة، لا يُذهبَنَّ حلمك الشيطان؛ قالت : بأبى
أنت وأمى يا أبا عبد اللّه! استقتلَت نفسى فداك؛ فرد" غُصّته، وترقرقتْ
عيناه ، وقال: لو ترِك القَطَا لَيْلاً لنام؛ قالت: يا ويلى، أفتغصب
نفسك اغتصابًا ، فذلك أقْرَح لقلبى، وأشدُّ على نفسى! ولطمتْ وجهتها ،
وأهوَتْ إلى جَيْبها وشقته، وخرَّت مغشيًّا عليها ، فقام إليها الحسين فصب
على وجهها الماء ، وقال لها: يا أُخيّة، اتَّقَى اللّه وتعزَّى بعزاء اللّه،، واعلمى
أنّ أهلَ الأرض يموتون، وأنّ أهل السماء لا يَبَقوْن، وأنّ كلّ شيء هالك"
(١) ابن الأثير: ((فذهب فنظر إليها)).
- -