النص المفهرس
صفحات 361-380
٣٦١ سنة ٦٠ غَدِيرَتَيْه، فلمَّا صلَّى عُبيد الله، قال: يا هانئ، فتَبِعه، ودخل فسلَّم ، فقال عبيد اللّه: يا هانئ ، أما تعلم أنّ أبى قَدِمِ هذا البلد فلم يترك أحداً من هذه الشّيعة إلا قتله غير أبيك وغير حُجر، وكان من حُجْر ما قد علمتَ ، ثمّ لم يزل يُحسنُ صُحْبتَك، ثم كتب إلى أمير الكوفة: إن حاجتى قبلَك هانئ؟ قال : نعم ، قال : فكان جزائى أن خبأتَ فى بيتك رجلاً ليقتلنى! قال : ما فعلت ، فأخرج التميمىَّ الذى كان عينًاً عليهم، فلمّاً رآه هانئ علم أن قد أخبره الخبر ، فقال : أيّها الأمير ، قد كان الذى بلغك، ولن أضيّع يدك عنّى، فأنت آمنٌ وأهلك ، فسرْ حيثُ شئت . فكَبَا عبيد اللّه عندها، ومهْران قائم على رأسه فى يده معكّزة، فقال : واذلّه ! هذا العبد الحائك يؤمِّنَّك فى سلطانك ! فقال : خذه؛ فطرح المعكزة ، وأخذ بضفيرتيْ هانى ، ثم أقنع بوجهه ، ثم أخذ عبيد اللّه المعكزة فضرب بها وجهَ هانى، وندَرَ الزُّجّ، فارتزَ(١) فى الجدار، ثم ضرب وجهَه حتى كسر أنفَه وجبينَه، وسمع الناسُ الهيْعة، وبلغ الخبر مَذْحُج ، فأقبلوا، فأطافوا بالدار ، وأمر عبيدالله بهافى فألقى فى بيت ، وصيَّح المذحجيوّن ، وأمر عبيد اللّه مهران أن يُدخل عليه شُريْحًا، فخرج ، فأدخله عليه ، ودخلت الشُّرَط معه ، فقال: ياشريح ، قد ترى ما يصنع بى ! قال : أراك حيًّاً ؛ قال : وحىٌّ أنا مع ما ترى ! أخبرْ قومى أنهم إن انصرفوا قتلنى؛ فخرج إلى عبيد الله فقال: قد رأيتُه حيًّا، ورأيت أثراً سيئاً؛ قال: وتُنْكر أن يعاقب الوالى رعيَّه! اخرج إلى هؤلاء فأخبرهم، فخرج، وأمر عبيد اللّه الرجل فخرج معه ، فقال لهم شريح: ما هذه الرّعة السيّئة (٢)! الرجل حىٌّ، وقد عاتبه سلطانُه بضرب لم يبلغ نفسه، فانصرفوا ولا تُحِلُوا بأنفسكم ولا بصاحبكم. فانصرفوا . ٢٤٦/٢ وذكر هشام ، عن أبى مخنف، عن المعلَّى بن كليب ، عن أبى الودّاك ، قال : نزل شريك بن الأعور على هانئ بن عُرْوة المرادىّ ، وكان شريك شيعيّاً، وقد شهد صِفِّن مع عمَّر . (١) ارتز : ثبت . (٢) الرعة: الحمق. ٣٦٢ سنة ٦٠ وسمع مسلم بن عقيل بمجىء عبيد اللّه ومقالته التى قالها ، وما أخذ به العُرَفاء والناس، فخرج من دار المختار - وقد عُلِيمٍ به - حتى انتهى إلى دار هانئ بن عُروة المرادىّ ، فدخل بابه ، وأرسل إليه أن اخرج ، فخرج إليه هانئ ، فكره هانئ مكانه حين رآه ، فقال له مسلم : أتيتك لتجيرتى وتُضِيفنى ؛ فقال: رحمك اللّه! لقد كلفْتَنِى شطَطا، ولولا دخولُك دارى وثقتُك لأحببتُ ولسألتُك أن تخرج عنى ، غير أنه يأخذنى من ذلك ذِمامٌ ، وليس مردود مثلى على مثلك عن جَهل ؛ ادخُل . فَآواه ، وأخذتِ الشيعةُ تختلف إليه فى دار هانئ بن عروة ، ودعا ابن زياد مؤلّى له يقال له معقل، فقال له: خذ ثلاثةَ آلاف درهم ، ثم اطلب مسلم ابن عقيل ، واطلب لنا أصحابه، ثم أعطهم هذه الثلاثة آلاف ؛ فقل لهم : استعينوا بها على حرب عدوّكم، وأعلِمهم أنك منهم، فإنّك لو قد أعطيتها ٣٤٧/٢ إياهم اطمأنوا إليك ، ووثقوا بك، ولم يكتموك شيئاً من أخبارهم ؛ ثم اغدُ عليهم ورُحْ . ففعل ذلك ، فجاء حتى أتى إلى مسلم بن عَوْسجة الأسدىّ من بنى سعد بن ثعلبة فى المسجد الأعظم وهو يصلّى، وسمع الناسَ يقولون : إنّ هذا يبايع للحسين، فجاء فجلس حتى فرغ من صلاته ثم قال : يا عبد الله، إنى امرؤ من أهل الشأم، مولّى لذى الكَلاع، أنعم الله علىّ بحُبّ أهل هذا البيت وحبُّ مَن أحبَّهم، فهذه ثلاثة آلاف درهم أردتُ بها لقاءَ رجلٍ منهم بلغنى أنه قدم الكوفة يبايع لابن بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وكنت أريد لقاءه فلم أجد أحداً يدلّنى عليه ولا يعرف مكانه ، فإنّ لجالسٌ آنفًا فى المسجد إذ سمعتُ نفراً من المسلمين يقولون: هذا رجلٌ له علم بأهل هذا البيت ؛ وإنّ أتيتك لتقبض هذا المال وتدخلنى على صاحبك فأبايعه ، وإن شئت أخذت بيعتى له قبل لقائه، فقال: احمد الله على لقائك إيّاى، فقد سرّنى ذلك لتنال ما تحبّ، ولينصر الله بك أهلَ بيت نبيّه، ولقد ساءنى معرفتك إيّاى بهذا الأمر من قبل أن يَنْمى مخافة هذا الطاغية وسطوته . فأخذ بيعته قبل أن يبرح ، وأخذ عليه المواثيقَ المغلَّظة ليناصحنّ ٣٦٣ سنة ٦٠ وليكتُمنّ ، فأعطاه من ذلك ما رَضِىَ به ، ثم قال له : اختلف إلىّ أيّاماً فى منزلى ، فأنا طالبٌ لك الإذنَ على صاحبك . فأخذ يختلف مع الناس ، فطلب له الإذن . فمرض هانئ بن عروة ، فجاء عبيد اللّه عائداً له ، فقال له ◌ُمارة بن عُبيد السَّلولىّ: إنما جماعتنا وكيدُنا قتل هذا الطاغية ، فقد أمكنك الله منه فاقتله؛ قال هانى: ما أحبّ أن يُقْتَلَ فى دارى ، فخرج فما مكث إلا جمعةً حتى مرض شريك بن الأعور - وكان كريمًا على ابن زياد وعلى غيره من الأمراء، وكان شديدَ التشيّع - فأرسل إليه عُبيد الله: إنى رائحٌ إليك العشيّة ؛ فقال لمسلم: إن هذا الفاجر عائدى العشيّة ، فإذا جلس فالخرج إليه فاقتله، ثم اقعد فى القصر، ليس أحدٌ يُحُول بينك وبينه ، فإن برئتُ من وَجَعَى هذا أيامى هذه سرْتُ إلى البصرة وكفَيَتُك أمرَها . ٢٤٨/٢ فلما كان من العشىِّ أقبل عُبيد الله لعيادة شريك، فقام مسلم بن عقيل ليدخل، وقال له شريك: لا يفوتنّك إذا جلس؛ فقام هانئ بنُ عروة إليه فقال: إنى لا أحبّ أن يُقتَل فى دارى - كأنه استقبح ذلك - فجاء عبيد اللّه ابن زياد فدخل فجلس، فسأل شريكًا عن وجعه ، وقال : ما الذى تجدُ ؟ ومتى أشكيت(١)؟ فلمّا طال سؤالُه إياه، ورأى أن الآخَر لا يخرج، خشى أن يفوته ، فأخذ يقول : * ما تنتظرون بسَلمَى أن تُحيُّوها اسقنيها وإن كانت فيها نفسى ، فقال ذلك مرتين أو ثلاثًا ؛ فقال عبيد اللّه، ولا يتفطن ما شأنُه: أتروْنه يهجُر (٢)؟ فقال له هانئ: نعم أصلحك اللّه! ما زال هذا دَيدنه قبيل عَماية الصبح حتى ساعته هذه . ثم إنه قام فانصرف ، فخرج مسلم ، فقال له شريك : ما منعك من قتله ؟ فقال : خَصْلتان: أما إحداهما فكراهة هانى أن يُقتَل فى داره ، وأما الأخرى فحديثٌ حدثه الناسُ عن النبيّ صلّى اللّه عليه وسلم: ((إنّ الإيمان قَيّد الفَتْك، ولا يفتَّك مؤمن))؛ فقال هانئ: أما والله لو قتلتَه لقتلتَ فاسقًا فاجراً كافراً غادراً ، ولكن كرهتُ أن يُقتَل فى دارى . ولبث شريك بن الأعور بعد ٢٤٩/٢ (١). أشكيت واشتكيت: كلاهما بمعنى واحد .. (٢) يهجر، أى يهذى ٣٦٤ سنة ٦٠ ذلك ثلاثًا ثم مات ، فخرج ابن زياد فصلّى عليه ، وبلغ عُبيد اللّه بعد ما قَتَل مسلمًا وهانئًا أن ذلك الذى كنتَ سمعت من شريك فى مرضه إنما كان يُحرّضُ مسلماً، ويأمره بالخروج إليك ليقتلك؛ فقال عبيد الله: والله لا أصلّى على جنازة رجل من أهلِ العراق أبداً، ووالله لولا أنّ قبر زياد فيهم لنَّبَشْتُ شريكاً ، ثم إن معقلاً مولى ابن زياد الذى دسّه بالمال إلى ابن عقيل وأصحابه، اختلف إلى مسلم بن عَوْسجة أيامًا ليدخله على ابن عقيل ، فأقبل به حتى أدخله عليه بعد موت شريك بن الأعور ، فأخبره خبره كلَّه ، فأخذ ابن عَقِيل بيعته، وأمَرَ أبا ثمامة الصائدىّ، فقبض مالَه الَّذى جاء به - وهو الذى كان يقبض أموالهم ، وما يعين به بعضهم بعضًا، يشترى لهم السلاح ، وكان به بصيراً ، وكان من فُرسان العرب ووجوهِ الشيعة - وأقبل ذلك الرجل يختلف إليهم ، فهو أول داخل وآخر خارج ، يَسمع أخبارهم ، ويتعلم أسرارَهم، ثم ينطلِقٍ بها حتّى يُقرّها فى أذن ابن زياد(١). قال: وكان هانئ يغدو ويَروح إلى عُبيد الله ، فلما نزل به مسلم انقطع من الاختلاف وتَمارَض ، فجعل لا يَخرُج ، فقال ابن زياد لجلسائه: ما لى لا أرى هانئًا ! ٢٥٠/٢ فقالوا: هو شاك، فقال: لو علمتُ بمرضه لعدْتُه! قال أبو مخنف: فحدّثّنى المجالد بن سعيد ، قال: دعا عبيد اللّه محمد بن الأشعث وأسماء بن خارجة . قال أبو مخنف : حدثنى الحسن بن عُقبة المرادىّ أنه بعث معهما عمرو بن الحجّاج الزبيدىّ. قال أبو مخنف: وحدثنى نُمَر (٢) بن وعلة، عن أبى الودّاك، قال: كانت رَوْعة أخت عمرو بن الحجاج تحت هانئ بن عروة ، وهى أمّ يحيى بن هانئ. فقال لهم : ما يمنع هانئ بن عروة من إتياننا ؟ قالوا : ما ندرى أصلحك الله ! (١) ابن الأثير: ((ينقلها إلى عبيد اللّه)). (٢) ط: ((نمر))، وانظر الفهرس. ٣٦٥ سنة ٦٠ وإنه ليتشكّى ؛ قال : قد بلغنى أنه قد برأ، وهو يجلس على باب دارِه ، فالقَوْه، فمُروه ألّ يدَعَ ما عليه فى ذلك من الحقّ، فإنّى لا أحبّ أن يفسُد عندى مثلُه من أشراف العرب . فأتتَوه حتى وقفوا عليه عشيّةً وهو جالسٌ على بابه ، فقالوا : ما يمنعك من لقاء الأمير؛ فإنه قد ذكرك، وقد قال: لو أعلمُ أنه شاك لعُدْتُه ؟ فقال لهم: الشكوى تمنعُنى، فقالوا له: يبلُغه أنك تجلس كلّ عشيّة على باب دارك، وقد استبطأك، والإبطاء والجفاء لا يحتملُه السلطان، أقسَمْنا عليك لمّا ركبتَ معنا! فدعا بثيابه فلبسها ، ثم دعا ببغلة فركبها حتى إذا دنا من القصر؛ كأنّ نفسه أحسّت ببعض الذى كان ، فقال لحسَّان ابن أسماء بن خارجة : يابنَ أخى، إنّى واللّه لهذا الرجل لخَائف، فما ترى ؟ قال : أىْ عمّ، والله ما أتخوف عليك شيئًا، ولِمّ تجعل على نفسك سبيلاً وأنت برىء"؟ وزعموا أن أسماءَ لم يتعلم فى أىّ شىء بعث إليه عُبيد اللّه؛ فأما محمد فقد عليم به ؛ فدخل القوم على ابن زياد ، ودخل معهم ، فلما طلع قال عُبيد اللّهُ: أتتْك بجائنٍ رِجْلاه! وقد عرَّس عُبيد اللّه إذ ذاك بأمّ نافع ابنة ◌ُمارة بن عُقبة ؛ فلما دنا من ابن زياد وعنده شُريح القاضى التّفت نحوّه ، فقال : ٢٥١/٢ أريدُ حِباءَهُ ويريُد قَتْلى عذِيرَكَمن خليلِك من مُرادٍ(١) وقد كان له أوّل ما قدم مُكْرِمًا مُلْطِفًا ، فقال له هانى: وما ذاك أيها الأمير؟ قال : إيه يا هانئ بن عروة ! ما هذه الأمور التى تَرَبَّصُ فى دُورك لأمير المؤمنين وعامة المسلمين ! جئتَ بمسلم بن عَقِيل فأدخلته دارك، وجمعتَ له السلاح والرجال فى الدّور حولَك، وظننتَ أنّ ذلك يخفى علىّلك! قال: ما فعلت ، وما مسلم عندى ، قال: بلى قد فعلت ؛ قال : مافعلت؛ قال: بلى، فلما كثُر ذلك بينهما ، وأبى هانئٌ إلا مجاحدته ومناكترته ، دعا ابنُ زياد معقلاً ذلك العين، فجاء حتى وقف بين يديه فقال : أتعرف هذا ؟ قال : نعم، وعَلِيمٍ هانئٌ عند ذلك أنه كان عيناً عليهم، وأنه قد أتاه بأخبارهم ، (١) لعمرو بن معدى يكرب، اللآلى ١٣٨، وفى ابن الأثير: ((أريد حياته)). ٣٦٦ سنة ٦٠ فسُقِط فى خَلَدَه(١) ساعةً. ثم إنّ نفسَه راجعْته، فقال له: اسمع منّى، وصدّق مقالتى، فوالله لا أكذبك، والله الذى لا إله غيرُهُ ما دعوتُه إلى منزلى ، ولا علمتُ بشىء من أمره ، حتى رأيته جالسًا على بابى ، فسألى النزولَ علىّ ، فاستحييتُ من رّده ، ودَخَلَى من ذلك ذمام ، فأدخلتُه ٢٥٢/٢ دارى وضفْتُه وآويته، وقد كان من أمره الذى بلغت ، فإن شئتَ أعطيتُ الآن موثقًا مغلَّظًا وما تطمئنّ (٢) إليه ألاّ أبغيك سوءًا، وإن شئت أعطيتُك رهينةً تكون فى يدك حتى آتيك ، وأنطلق إليه فأمره أن يخرج من دارى إلى حيث شاء من الأرض ، فأخرج من ذمامه وجواره ؛ فقال : لا والله لا تفارقنى أبداً حتى تأتينى به ؛ فقال: لا، والله لا أجيئك أبداً، أنا أجيئك بضيفى تَقتلُه! قال: واللّه لتأتينّى به، قال: والله لا آتيك به . فلما كثر الكلام بينهما قام مسلم بن عَمرو الباهلىّ - وليس بالكوفة شامى ولا بصْری غيره ۔ فقال: أصلح الله الأمير! خلّی وإياه حتى أكلمه ، لمّا رأى لجَاجته وتأبيه على ابن زياد أن يدفع إليه مسلماً، فقال لهانى: قم إلىّ ها هنا حتى أكلمك؛ فقام فخلا به ناحيّةً من ابن زياد، وهما منه على ذلك قريب حيث يراهما؛ إذا رَفَعا أصواتهما سمع ما يقولان ، وإذا خَفَضا خفى عليه ما يقولان ؛ فقال له مسلم : يا هانى» إنى أنشدُك اللّهَ أن تقتلَ نفسَك، وتُدخل البلاء على قومك وعشيرتك ! فوالله إنى لأنفَس بك عن القتل ، وهو يرى أنّ عشيرته ستحرّك فى شأنه أنّ هذا الرجل ابن عمّ القوم ، وليسوا قاتليه ولا ضائريه ، فادفعه إليه فإنه ليس عليك بذلك مَخزاة ولا منقصة ، إنما تدفعه إلى السلطان، قال: بلى، واللّه إنْ علىَّ فى ذلك للخزْىُ والعارُ، أنا أُدفع جارى وضيفى وأنا حتىٍّ صحيح أسمَعُ وأرى، شديد الساعد ، كثير الأعوان! والله لو لم أكن إلا واحداً ليس لى ناصرٌ لم أدفعْه حتى أموت دونه . فأخذ يناشده وهو يقول : والله لا أدفعه إليه أبداً ؛ فسمع ابن زياد ذلك ، فقال: أدنُوه منّى، فأدنَوْه منه، فقال: واللّه لتأتينَّى به أو لأضربنّ عنقك ؛ (١) ابن الأثير: ((فى يده)). (٢) ابن الأثير: ((تطمئن به)). ٣٦٧ سنة ٦٠ ٢٥٣/٢ قال : إذاً تكثر البارقة(١) حولَ دارك؛ فقال: والهفا عليك! أبالبارقة تخوّفى ! وهو يظنّ أنّ عشيرته سيمنعونه ؛ فقال ابن زياد : أدنُوه منى ، فأدنِىَ ، فاستَعرض وجهَه بالقضيب ، فلم يزل يضرب أنفَه وجبينَه وخدَّه حتى كسر أنفته ، وسيّل الدماءَ على ثيابه ، ونثر لحم خدّيه وجبينه على لحيته حتى كسر القضيب ، وضرب هانئ بيده إلى قائم سيف شُرطىّ من تلك الرّجال، وجابَذه(٢) الرجلُ ومنع، فقال عبيد اللّه: أحرورىّ سائر اليوم! أحللَت بنفسك، قد حلّ لنا قتلُك ، خذوه فألقوه فى بيت من بيوت الدار، وأغلقوا عليه بابه ، واجعلوا عليه حَرَسًا ، ففُعِلَ ذلك به ، فقام إليه أسماء ابن خارجة فقال: أَرُسُل غَدْر سائر اليوم ! أمرْتَنا أن نجيئك بالرّجل حتى إذا جئناك به وأدخلناه عليك هشمْتَ وجهَه ، وسيّلت دمه على لحيته ، وزعمَت أنك تقتله ! فقال له عبيد اللّه: وإنك لهاهنا! فأمر به فَلُهِزَ وتُعْتِعَ(٣) به ، ثم تُرِك فحبس . وأما محمد بن الأشعث فقال : قد رضينا بما رأى الأمير؛ لنا كان أم علينا، إنما الأمير مؤدّب . وبلغ عمرو بن الحجاج أن هانئًا قد قُتل ، فأقبَل فى مذحج حتى أحاط بالقصر ومعه جمعٌ عظيم، ثمّ نادى: أنا عَمرو بن الحجّاج، هذه فُرْسان مذحج ووُجُوهُها، لم تخلع طاعةً ، ولم تفارق جماعة، وقد بلغهم أنّ صاحبهم يُقتل ، فأعظموا ذلك ؛ فقيل لعبيد اللّه: هذه مذحج بالباب ، فقال لشُريح القاضى: ادخل على صاحبهم فانظر إليه ، ثم اخرج فأعلمْهم أنه حىّ لم يُقتل، وأنك قد رأيتَه ، فدخل إليه شريح فنَظَر إليه . فقال أبو مخنف : فحدّثّنى الصّقْعب بن زهير ، عن عبد الرحمن بن شَرَيَح ، قال : سمعته يحدّث إسماعيل بن طلحة، قال : دخلت على هانئ ، فلما رآنى قال : يا للّه يا للْمسلمين! أهلكتْ عشيرتى ؟ فأين أهل الدين ! وأين أهل المِصْر! تفاقدوا! يُخلُّونى، وعدوّهم وابنَ عدوّهم! والدماء (١) البارقة : السيوف على التشبيه. (٢) ابن الأثير ((وجذبه)). (٣) لهزه يلهزه لهزاً: ضربه بجمعه فى لهازمه. والتعتعة: الحركة العنيفة. ٢٥٤/٢ ٣٦٨ سنة ٦٠ تسيل على لحيته ، إذ سمع الرّجة على باب القصر ، وخرجت واتّبغنى، فقال: يا شريح ، إنى لأظنُّها أصواتُ مذحِج وشيعتى من المسلمين، إن دخل على عشرة نفر أنقذونى؛ قال: فخرجتُ إليهم ومعى حُميد بن بكير(١) الأحمرىّ - أرسله معى ابن زياد، وكان من شُرَطه ممن يقوم على رأسه - وإيمُ اللّه لولا مكانُه معى لكنتُ أبلغتُ أصحابَه ما أمَرَنى به ؛ فلما خرجتُ إليهم قلت : إنّ الأمير لما بلغه مكانكم ومقالتُكم فى صاحبكم أمرنى بالدخول إليه ، فأتيتُه فنظرتُ إليه ، فأمرنى أن ألقاكم ، وأن أعلِمكم أنه حىّ ، وأن الذى بلغكم من قتله كان باطلاً . فقال عمرو وأصحابه: فأمّا إذْ لم يُقتَل فالحمدُ لله؛ ثم انصرفوا . قال أبو مخنف: حدّثنى الحجّاج بن علىّ، عن محمد بن بِشْر(٢) الهمْدانىّ، قال : لما ضرب عُبيد الله هانئًا وحَبَسه خشىَ أن يَثبَ الناسُ به ، فخرج فصَعِد المنبَر ومعه أشراف الناس وشُرَطُه وحشمه ، فحمد الله وأثنىَ عليه ثم قال : أمّا بعد، أيها الناس، فاعتصموا بطاعة الله وطاعة أمتكم، ولا تختلفوا ولا تفرّقوا فتهلكوا وتَذِّوا وتقتلوا وتُجْفَوَا وتحرموا، إنّ أخاك مَن صدَقَك، وقد أعْذَرَ مَنْ أنذر. قال : ثم ذهب لينزل، فما نزل عن المنبَر حتى دخلت النّظارة المسجد من قبل التَّمّارين يشتدّون ويقولون: قد جاء ابن عقيل !قد جاء ابن عقيل! فدخل عُبيد اللّه القصرَ مسرعًا ، وأغلق أبوابه . ٢٥٥/٢ قال أبو مخنف: حدّثنى يوسف بن يزيد، عن عبد الله بن خازم، قال : أنا والله رسول ابن عقيل إلى القصر لأنظر إلى ما صار أمرُ هانئ؛ قال : فلما ضُرُب وحُبس ركبتُ فرسى وكنت أوَّل أهل الدار دخل على مسلم بن عقيل بالخبر ، وإذا نسوةٌ لمراد مجتمعات ينادين : يا عَشْرتاه! يا ثُكلاه! فدخلت على مسلم بن عقيل بالخبر ، فأمرنى أن أنادى فى أصحابه وقد ملأمنهم الدُّورَحوله ، وقد بايعه ثمانية عشر ألفًا، وفى الدور أربعة آلاف رجل، فقال لى: نادٍ : يا منصور أمتْ؛ فناديتُ: يا منصور أمتْ؛ وتنادَى أهلُ الكوفة 7 (١) ط ((بكر))، وانظر الفهرس. (٢) ط: ((بشير)) وانظر الفهرس. ٣٦٩ سنة ٦٠ فاجتمعوا إليه ، فعقد مسلم لعبيد الله بن عمرو بن عزير الكندىّ على رُبْع كندة وربيعة ، وقال : سرْ أمامى فى الخيل ، ثم عقد لمسلم بن عَوْسجة الأسدىّ على رُبْعْ مَدْحج وأسَد، وقال : انزِل فى الرّجال فأنت عليهم ؛ وعقد لأبى تمامة(١) الصائدىّ على رُبَع تميم وهَمْدان، وعقد لعباس بن جَعْدة الجدلىّ على رُبْع المدينة، ثم أقبل نحو القصر، فلما بلغ ابنَ زياد إقبالُه تحرّز فى القصر، وغَلَّقَ الأبواب . قال أبو مخنف : وحدثنى يونس بن أبى إسحاق ، عن عبّاس الجَدلىّ قال: خرجنا مع ابن عقيل أربعة آلاف ، فما بلغنا القصرَ إلا ونحن ثلثمائة. قال : وأقبل مسلم يسيرُ فى الناس من مراد حتى أحاط بالقصر ، ثم إنّ الناس تداعَوْا إلينا واجتَمَعَوا، فوالله ما لبثْنا إلا قليلاً حتى امتلأ المسجد من الناس والسوق ، وما زالوا يثَوِّبون حتى المساء، فضاق بعبيد اللّه ذَرْعه، وكان كُبْر أمرِه أن يتمسّك بباب القصر، وليس معه إلا ثلاثون رجلاً من الشُّرّط وعشرون رجلاً من أشراف الناس وأهل بيته ومواليه ، وأقبل أشراف الناس يأتون ابنَ زياد من قبل الباب الذى يلى دارَ الروميِّين، وجعل منَ بالقصر مع ابن زياد يُشرِفون عليهم ، فينظرون إليهم فيتَّقُون أن يرمُوهم بالحجارة ، وأن يشتموهم وهم لا يفترون على عبيد اللّه وعلى أبيه . ودعا عبيد الله كثير بن شهاب ابن الحصين الحارثيّ فأمره أن يخرج فيمن أطاعه من مذحج ، فيسير بالكوفة ، ويخذّل الناس عن ابن عقيل ويخوّفهم الحرب ، ويحذّرهم عقوبةَ السلطان ، وأمر محمّد بن الأشعث أن يخرج فيمن أطاعه من كنْدة وحَضْرَمَوْت ، فيرفع راية أمان لمن جاءه من الناس، وقال مثلَ ذلك القعقاع بن شَوْر الذهلىّ وشَبَت بن رِبْعىّ التميمىّ وحَجّار بن أبجر العجْلىّ وشَمر بن ذي الجَوْشن العامرىّ، وحبس سائرَ وجوه الناس عنده استيحاشاً إليهم لقلة عدد من معه من الناس ، وخرج كثير بن شهاب يُخذَّل الناس عن ابن عَقِيل. ٢٥٦/٢ قال أبو مخنف : فحدّثنى ابوجناب الكلبىّ أن كثيرًا ألفى رجلا من (١) ط: ((ابن ثمامة))، وانظر ص ٣٦٤ س ١٠ من هذا الجزء. ٣٧٠ سنة ٦٠ کلب یقال له عبد الأعلى بن یزید، قد لبس سلاحه يريد ابنَ عقيل فى بنى فِتْيان ، فأخذه حتى أدخله على ابن زياد ، فأخبره خبرَه، فقال لابن زياد : إنما أردتك ؛ قال : وكنتَ وعد تنى ذلك من نفسك ؛ فأمر به فحبس ، وخرج محمد بن الأشعث حتى وقف عند دُور بنى عمارة ، وجاءه عمارة بن صَلْخب الأزْدىّ وهو يريد ابن عقيل، عليه سلاحه، فأخذه فبعث به إلى ابن ٢٥٧/٢ زياد فحبسه، فبعث ابن عقيل إلى محمد بن الأشعث من المسجد عبد الرحمن ابن شُريح الشِّبامىّ، فلما رأى محمد بن الأشعث كثرةَ من أتاه، أخذ يتنحّى ويتأخر، وأرسل القعقاع بن شوْر الذّهلىّ إلى محمد بن الأشعث: قد جُلْتُ على ابن عقيل من العرارِ ، فتأخّرْ عن موقفه ، فأقبل حتى دخل على ابن زياد من قبَل دار الرُوميين ، فلما اجتمع عند عبيد اللّه كثير بن شهاب ومحمد والقعقاع فيمن أطاعهم من قومهم ، قال له كثير - وكانوا مناصحين لابن زياد: أصلَحَ اللّهُ الأمير! معك فى القصر ناسٌ كثير من أشراف الناس ومن شُرَّطَك وأهل بيتك ومَواليك ، فاخرج بنا إليهم ، فأبى عبيد اللّه ، وعقد لشَبَت بن رِبْعِىّ لواءً، فأخرجه، وأقام الناسُ مع ابن عقيل يكبّرون ويثوّبون حتى المساء، وأمْرُهم شديد ، فبعث عبيد اللّه إلى الأشراف فجمعهم إليه ، ثم قال: أشرِفوا على الناس فمنُّوا أهلَ الطاعة الزّيادةَ والكرامة، وخوّفوا أهلَ المعصية الحرمانَ والعقوبة، وأعلموهم فُصول (١) الجنود من الشأم إليهم. قال أبو مخنف : حدثنى سُليمان بن أبى راشد ، عن عبد الله بن خازم الكثيرىّ(٢) من الأزْد، من بنى كثير، قال: أشرف علينا الأشراف، فتكلم كثير بن شهاب أوّل الناس حتى كادت الشمس أن تَجِب ، فقال : أيّها الناس ، الحقوا بأهاليكم ، ولا تعجّلوا الشرّ، ولا تعرّضوا أنفسكم للقتل ، فإنّ هذه جنود أمير المؤمنين يزيدُ قد أقبلتْ، وقد أعطى اللّهَ الأميرُ عهداً: لئن أتممتم على حربه ولم تنصرفوا من عشيّتكم أن يُحرِمِ ذرّيتكم العطاء ، ويفرّق مُقاتلتِكم فى مغازى أهل الشأم على غير طمع، وأن يأخذ البرىء بالسقيم ، والشاهد بالغائب ، حتى لا يبقى له فيكم بقيَّة من أهل المعصية إلا أذاقها وبالَ ٢٥٨/٢ (١) فصول الجنود : خروجهم. (٢) ط: ((الكبرى))، تحريف . ٣٧١ سنة ٦٠ ما جرّت أيديها؛ وتكلّم الأشراف بنحو من كلامِ هذا ؛ فلما سمع مقالتهم الناسُ أخذوا يتفرّقون ، وأخذوا ينصرفون . قال أبو مخنف: فحدّثّنى المجالد بن سعيد، أنّ المرأة كانت تأتى ابنتها أو أخاها فتقول : انصرِف ؛ الناسُ يكفُونك ؛ ويجىء الرّجُل إلى ابنه أو أخيه فيقول : غداً يأتيك أهلُ الشأم ، فما تصنع بالحرب والشرّ ! انصرف . فيذهب به ؛ فما زالوا يتفر قون ويتصدّعون حتى أمسی ابن عقيل وما معه ثلاثون نفساً فى المسجد، حتى صُلِّيَّتِ المغرب، فما صلّى مع ابن عقيل إلا ثلاثون نفساً . فلما رأى أنه قد أمسى وليس معه إلا أولئك النَّفْر خرج متوجّهاً نحو أبواب كنْدة ، وبلغ الأبواب ومعه منهم عشرة ، ثم خرج من الباب وإذا ليس معه إنسانٌ ، والتفت فإذا هو لا يحسّ أحداً يدلّه على الطريق، ولا يدُلّه على منزل ولا يواسيه بنفسه إنْ عرض له عدوّ، فمضى على وجهه يتلدّ دفى أزقَّةالكُوفة لا يدرى أين يذهب !حتى خرج إلى دور بنی جبلة من کندة،فمشی حتى انتهى إلى باب امرأة يقال لها طَوْعة-أم ولد كانت للأشعث بن قيس، فأعتَقها، فتزوّجها أسید الحضرمىفولدتْ له بلالا، وكان بلالٌ قد خرج مع الناس وأمه قائمة تنتظره .. فسلَّم عليها ابن عقيل، فردّت عليه، فقال لها: يا أمة الله، اسقينى ماءً، فدخلت فسقته، فجلس وأدخلت الإناء ، ثم خرجت فقالت: يا عبد الله ألم تشرب ! قال : بلى ، قالت: فاذهب إلى أهلك؛ فسكت؛ ثم عادت فقالت مثل ذلك، فسكت؛ ثم قالت له: فىّ اللّه (١)، سبحان الله يا عبد الله! فمرّ إلى أهلك عافاك الله؛ فإنه لا يصلح لك الجلوسُ على بابى، ولا أحلّه لك ؛ فقام فقال: يا أمَة اللّه، مالى فى هذا المصر منزلٌ ولا عشيرة؛ فهل لك إلى أجر ومعروف ، ولعلّى مكافئك به بعد اليوم ! فقالت : يا عبد الله، وما ذاك ؟ قال : أنا مسلم بن عقيل ، كَذَبنى هؤلاء القوم وغَرّونى ؛ قالت : أنت مسلم ! قال : نعم . قالت : ادخُل ، فأدخلتْه بيتًا فى دارها غير البيت الذى تكون فيه ، وفرشتْ له ، وعرضتْ عليه العَشاء فلم يتعشَّ ، ولم يكن بأسرعَ من أن جاء ابنها فرآها تُكثر الدخولَ فى البيت والخروجَ منه، فقال: والله إنه ٢٥٩/٢ (١) فىّ اللّه، أى اتق الله فى". ٣٧٢ سنة ٦٠ ليَرينى كثرةُ دخولك هذا البيتَ منذ الليلة وخروجك منه! إن لك لشأناً ؛ قالت: يا بنىّ ، الْهُ عن هذا؛ قال لها: واللّه لتخبرتى: قالت: أقبلْ علَى شأنك ولا تسألنى عن شىء ، فألحّ عليها ، فقالت: يا بنىّ، لا تحدّثَنّ أحداً من الناس بما أخبرك به ؛ وأخذتْ عليه الأيمان، فحلف لها ، فأخبرتْه، فاضطجع وسكت - وزَعَموا أنه قد كان شريداً من الناس . وقال بعضهم : كان يشرب مع أصحاب له - ولما طال على ابن زياد، وأخذ لا يسمع لأصحاب ابن عقيل صوتًا كما كان يسمعه قبل ذلك قال لأصحابه: أشرفوا فانظروا هَلْ تَروْن منهم أحداً ! فأشرَفوا فلم يَرَوْا أحداً ؛ قال : فانظروا لعلَّهم تحت الظلال قد كَمَنوا لكم؛ فَفَرَعوا بحابح (١) المسجد، وجعلوا يخفضون شُعَلَ النار فى أيديهم ، ثم ينظرون: هل فى الظلال أحدٌ؟ وكانت أحيانًا تُضىء لهم ، وأحيانًا لا تُضىء لهم كما يريدون، فدلّوا القناديل وأنصاف الطِّان تشْدَ بالحبال ، ثم تُجعل فيها النيران ، ثم تُدَلَّى، حتى تنتهى إلى الأرض ، ففعلوا ذلك فى أقصى الظلال وأدناها وأوسطها حتى فعلوا ذلك بالظُّلّة التى فيها المنبر، فلما لم يروْا شيئًا أعلموا ابنَ زياد ، ففتح باب السُّدّة التى فى المسجد . ثم خرج فصعد المنبرَ ، وخرج أصحابُه معه ، فأمرهم فجلسوا حوله قبيْل العَتَمة ، وأمر عمرو بن نافع فنادى: ألا بَرِئت الذّمة من رجل من الشّرْطة والعُرفاء أو المناكب أو المقاتلة صلَّى العَّمَة إلا فى المسجد ؛ فلم يكن له إلا ساعة حتى امتلأ المسجد من الناس ؛ ثم أمر مناديَّه فأقام الصلاةً ، فقال الخصّين بن تميم: إن شئتَ صليتَ بالناس، أو يصلِّى بهم غيرُك، ودخلتَ أَنت فصلَّيتَ فى القصر، فإنى لا آمن أن يغتالَك بعضُ أعدائك! فقال: مُرْ حَرَسى فلْيقوموا ورائى كما كانوا يقفون، ودُرْ فيهم فإنى لست بداخل إذاً. فصلَّى بالناس، ثم قام فحمد اللهَ وأثنَى عليه ثم قال: أما بعد ، فإنّ ابن عقيل السفيه الجاهل ، قد أتى ما قد رأيتم من الخلاف والشقاق ، فبرِئت ذمّة اللّه من رجل وجدْناه فى داره، ومَنْ جاء به فله دِيَتُه. اتقوا اللّه عباد الله، والزَموا طاعتكم وبَيعتكم، ولا تجعلوا على أنفسكم سبيلاً. يا حُصين (١) بحابح: جمع بحبوحة، وهى الساحة أو الفناء. ٢٦٠/٢ ٣٧٣ سنة ٦٠ ابن تميم ، ثَكلتْك أمّك إنْ صاح بابُ سكّة من سكك الكُوفة، أوخرج هذا الرجل ولم تأتنى به ؛ وقد سلَّطتُك على دُور أهل الكوفة ، فابعث مُراصِدةً على أفواه السكّك، وأصِبْح غدًا واستَبْرِ الدُّور وجُسْ خلالها حتى تأتينى بهذا الرجل - وكان الحصين على شُرَطه ، وهو من بني تميم - ثم نزل ابن زياد فدخل وقد عقد لعمرو بن حُرَيْث رايةً وأمَّره على الناس ، فلما أصبح جلس مجلسه وأذن للناس فدخلوا عليه ، وأقبل محمد بن الأشعث فقال: مرحباً بمن لا يُسْتَغَشّ ولايُنَّهَم! ثم أقعده إلى جنبه ، وأصبح ابن تلك العجوز وهو بلال بن أسيد الذى آوت أمه ابنَ عقيل ، فغدا إلى عبد الرحمن بن محمد ابن الأشعث فأخبَرَه بمكان ابن عقيل عند أمه ؛ قال : فأقبل عبد الرحمن حتى أتى أباه وهو عند ابن زياد ، فسارّه ، فقال له ابن زياد : ما قال لك ؟ قال : : أخبرنى أنّ ابن عقيل فى دار من دورنا، فنَخَسَ بالقضيب فى جَنْبه ثم قال : قم فأتنى به الساعة . ٢٦١/٢ قال أبو مخنف : فحدّثنى قُدامة بن سعيد بن زائدة بن قدامة الثقفىّ ، أنّ ابن الأشعث حين قام ليأتيه بابن عقيل بعث إلى عمرو بن حُرَّيْث وهو فى المسجد خليفته على الناس ؛ أن ابعَثْ مع ابن الأشعث ستين أو سبعين رجلاً كلهم من قَيْس - وإنما كره أن يبعث معه قومه لأنه قد علم أنّ كلّ قوم يكرهون آن يُصادَفَ فيهم مثل ابن عقيل- فبعث معه عمرو بن عبيد الله بن عبَّاس السُلَمَىّ فى ستين أو سبعين من قتَيْس، حتى أتوا الدارَ التى فيها ابن عَقِيل، فلما سمع وقعَ حَوافر الخيل وأصواتَ الرجال عَرَف أنه قد أتِىَّ ، فخرج إليهم بسيفه ، واقتحموا عليه الدار ، فشدّ عليهم يضربهم بسيفه حتى أخرجهم من الدار ، ثم عادوا إليه ، فشدّ عليهم كذلك ، فاختلف هو وبُكِيْر بن حُمْان الأحْصَرَىّ ضربتين ، فضرب بُكييْرِ فَ مسلم فقطع شفَتَهَ العُلْا، وأَشْرَعَ السيف فى السّفْلى ، ونصلتْ لها ثنيّتاه ، فضربه مسلم ضربةً فى رأسه مُنكّة ، وثتى بأخرى على حبل العائق كادت تَطلُع على جَوْفه . فلما رأوا ذلك أشرفوا عليه من فوق ظهر البيت ، فأخذوا يرمُونه بالحجارة ، ويُلْهبون النارَ فى أطنان القصب، ثمّ يَقْلبونها عليه من فوق ٢٦٢/٢ ٣٧٤ سنة ٦٠ البيت ، فلما رأى ذلك خرج عليهم مصْلتًا بسيفه فى السكة فقاتلهم ، فأقبل عليه محمد بن الأشعث فقال : يا فتى ، لك الأمان ، لا تَقْتُلْ نفسَك ؛ فأقبل يقاتلُهم ، وهو يقول : وإِن رأَيتُ المَوت شيئاً نُكْرَا أَفْسَمْتُ لا أُقْتُلُ إِلَّ حُرَّا ويُخلط. البارد سُخْناً مُرًّا(١) كُلُّ امرِئٌ يوماً مُلاقٍ شَرّاً أَخافُ أَنْ أُكْذَبَ أَو أُغَرا رُد شُعاع الشمس فاستقرا فقال له محمد بن الأشعث : إنك لا تُكْذَب ولا تُخْدَع ولا تُغرّ ، إنّ القوم بنوعمُّك، وليسوا بقاتليك ولا ضارِبيك، وقد أثْخِن بالحجارة ، وعجز عن القتال وانْبَهَر ، فأسند ظهره إلى جنب تلك الدار ؛ فدنا محمد ابن الأشعث فقال: لك الأمان ، فقال: آمن" أنا؟قال: نعم ؛ وقال القوم: أنت آمنٌ؛ غير عمرو بن عبيد الله بن العباس السلَمىّ فإنه قال: . لا ناقةَ لى فى هذا ولا جَمَل، وتنحَى. ٢٦٣/٢ وقال ابن عقيل: أما لو لم تؤمّنونى ما وضعتُ يدى فى أيديكم. وأتِىَ ببغلة فحُمل عليها ، واجتمعوا حولَه ، وانتزعوا سيفَه من عنقه ، فكأنه عند ذلك آيسٌ من نفسه ، فدمَعَت عيناه ، ثم قال : هذا أوّل الغدر ؛ قال محمد ابن الأشعث: أرجو ألّ يكون عليك بأس ؛ قال: ما هو إلا الرّجاء ؛ أين أمانُكم! إنا لله وإنا إليه راجعون! وبكى ؛ فقال له عمرو بن عُبيد الله بن عباس : إنّ من يطلب مثلَ الذى تطلب إذا نزل به مثْلُ الذى نزل بك لم يَبكِ، قال: إنّى والله ما لنفسى أبكى، ولا لها من القتل أرْئى، وإن كنت لم أحبّ لها طُرْفة عين تلفًا، ولكن أبكى لأهلى المُقْبلين إلىّ ، أبكى الحسين وآلٍ حسين ! ثم أقبل على محمد بن الأشعث فقال : يا عبد الله، إنى أراك والله ستعجز عن أمانى ، فهل عندك خير ! تستطيع أن تبعث من عندك رجلاً على لسانى يبلغ حسينًا ، فإنى لا أراه إلا قد خرج إليكم اليوم مقبلا، أو هو خرج غداً هو وأهلُ بيته ، وإنّ ما ترى من جزعى لذلك ، (١) فى ابن الأثير : أَو يخلِط. الباردَ سُخْنًا مُرَّا رَدّ شعاعَ الشمس فاستقرّا ٣٧٥ سنة ٦٠ فيقول: إنّ ابن عقيل بعثى إليك، وهو فى أيدى القوم أسير لا يَرَى أن تمشىَ حتى تُقتل ، وهو يقول : ارجعْ بأهل بيتك ، ولا يغرّك أهلُ الكوفة فإنهم أصحاب أبيك الذى كان يتمنّى فراقتهم بالموت أو القتل ؛ إنّ أهلَ الكوفة قد كذ بوك وكذبونى، وليس لمكذّب رأى؛ فقال ابن الأشعث: واللّه لأفعلنّ، ولأعلمنّ ابنَ زياد أنى قد أمَّتُك. قال أبو مخنف: فحدثنى جعفر بن حُذيفة الطائىّ - وقد عرف سعيد ٢٦٤/٢ ابن شيبان الحديث قال: دعامحمد بن الأشعث إياس بن العثل الطائىّ من بنى مالك ابن عمرو بن ثمامة ، وكان شاعراً ، وكان لمحمد زَوّاراً ، فقال له: الْقَ حسيناً فأبلغه هذا الكتاب ، وكتب فيه الذى أمره ابن عقيل، وقال له : هذا زادُك وجهازُك، ومُتْعة لعيالك ؛ فقال: من أين لى براحلة، فإنّ راحلتى قد أنضيْتُها ؟ قال : هذه راحلة فاركْبها برَحلها . ثم خرج فاستقبله بزُبالةَ لأربع ليال ، فأخبره الخبر، وبلَّغْه الرسالة ، فقال له حسين : كلّ ما حُمّ نازل ، وعند الله نحتسب أنفسنا وفساد أمَّتنا . وقد كان مسلم بن عقيل حيث تحوَّل إلى دار هانئ بن عروة وبايعه ثمانية عشر ألفًا، قدّم كتابًا إلى حسين مع عابس بن أبى شبيب الشاكرىّ : أما بعد ، فإن الرائد لا يكذب أهله، وقد بايعنى من أهل الكوفة ثمانية عشر ألفًا، فعجّلِ الإقبالَ حين يأتيك كتابى ، فإنّ الناس كلهم معك، ليس لهم فى آل معاوية رأى ولا هَوَى ؛ والسلام. وأقبل محمد بن الأشعث بابن عقيل إلى باب القصر ، فاستأذن فأذن له، فأخبر عبيد اللّه خبر ابن عقيل وضرب بُكيْر إياه، فقال: بُعْداً له! فأخبره محمد بن الأشعث بما كان منه وما كان من أمانه إيَّاه ، فقال عبيد اللّه: ما أنت والأمان ! كأنا أرسلناك تؤمِّنُه! إنما أرسلناك لتأتينا به ؛ فسكت . وانتهى ابن عَقِيل إلى باب القصر وهو عطشان، وعلى باب القصر ناسٌ جلوس ينتظرون الإذنَ، منهم عمارة بن عُقبة بن أبى مُعَيْطَ ، وعمرو بن حُريث ، ومسلم بن عمرو، وكثير بن شهاب . قال أبو مخنف: فحدّثّنى قدامة بن سعد أنّ مسلم بن عقيل حين ٢٦٥/٢ ٣٧٦ سنة ٦٠ انتهى إلى باب القصر فإذا قُلَّة باردة موضوعة على الباب، فقال ابن عَقِيل : اسقُونى من هذا الماء ، فقال له مسلم بن عَمرو: أتراها ما أبرَدها ! لا والله لا تذوق منها قطرةً أبداً حتى تذوق الحميم فى نار جهنّم ! قال له ابن عقيل: وَيْحك! مَنْ أنت؟ قال: أنا ابن مَن عرفَ الحقّ إذ أنكرته، ونصحَ الإمامه إذْ غششتَه ، وسمع وأطاع إذ عصيتَه وخالفتَ ، أنا مسلم بن عمرو الباهلىّ ؛ فقال ابن عقيل: لأمّك الثكْلُ! ما أجفاك، وما أفظَّكُ؛ وأقسَى قلبَك وأغلَظك ! أنت يابن باهلة أوْلى بالحميم والخلود فى نار جهنم منى ؛ ثم جلس متسانداً إلى حائط . قال أبو مخنف : فحدثنى قُدامة بن سعد أنّ عمرو بن حُريث بعث غلامًا يُدعَى سليمان، فجاءَه بماء فى قُلَّة فسقاه. قال أبو مخنف : وحدثنى سعيد بن مدرك بن ◌ُمارة، أن ◌ُمارة بن عُقبة بعث غلامًا له يُدعى قيْسًا، فجاءه بقُلَّة عليها منديل ومعه قَدَح فصب فيه ماءً ، ثم سقاه ، فأخذ كلَّما شرب امتلأ القدح دمًا ، فلما ملأ القدح المرّة الثالثة ذهب ليشرب فسقطتْ ثنيَتَاه فيه، فقال: الحمد للّه! لو كان لى من الرزق المقسوم شربتُه. وأدخِل مسلمٌ على ابن زياد فلم يسلِّم عليه بالإمْرة، فقال له الخَرَسّ: ألا تسلّم على الأمير! فقال له : إن كان يريد قتلى فما سَلامى عليه! وإن كان لا يريد قتلى فلَعمرى ليكثُرنَ سلامى عليه ؛ فقال له ابن زياد: لَعَمَرى لتُقْتَكن"؛ قال : كذلك؟ قال : نعم ؛ قال : فد عنى أوصٍ إلى بعض قومى، فنظر إلى جلساء عبيد اللّه وفيهم عمر بن سعد، فقال : يا عمر ، إنّ بينى وبينك قرابةً، ولى إليك حاجة، وقد يجب لى عليك نُجْحُ حاجتى ، وهو سرّ ، فأبى أن يمكّنه من ذكرها ، فقال له عبيد اللّه : لا تمتنع أن تنظر فى حاجة ابن عمّك ، فقام معه فجلس حیث ینظر إليه ابن زياد، فقال له: إنّ علىّ بالكوفة دَيْناً استدنتُه منذ قدمتُ الكوفةَ، سبعمائة درهم ، فاقضها عنى ، وانظر جُثّى فاستوهبْها من ابن زياد ، فوارِها ، وابعثْ إلى حسين مَنّ يردّه، فإنى قد كتبتُ إليه أعلمه أن الناس معه ، ولا ٢٦٦/٢ ٣٧٧ سنة ٦٠ أراه إلا مقبلاً ؛ فقال عمر لابن زياد : أتدرى ما قال لى ؟ إنه ذكر كذا وكذا ؛ قال له ابن زياد: إنه لا يخونُك الأمينُ، ولكن قد يُؤتَمن الخائن ، أمَّا مالُكَ فهو لك ، ولسنا نمنعك أن تصنع فيه ما أحببتَ ؛ وأما حسين فإنه إن لم يُرِدْنا لم نُرِدْه، وإن أرادنا لم نكفَّ عنه، وأما جُنَّته فإنا لن نشفّعك فيها ، إنه ليس بأهل منًّاً لذلك، قد جاهدنا وخالفنا، وجهد على هلاكنا. وزعموا أنه قال: أما جُنَّته فإنّا لا نبالى إذ قتلناه ما صُنع بها. ثم إنّ ابن زياد قال: إيه يابنَ عَقيل! أتيتَ الناس وأمرُهم جميع، وكلِمتُهم واحدة، لتُشْتََّهم، وتُفرّق كلمتَهم، وتحمل بعضهم على بعض! قال: كلاً، لستُ أتيتُ، ولكنّ أهل المِصْر زعموا أنّ أباك قَتَلَ خيارهم، وسفك دماءَ هم، وتعمل فيهم أعمالَ كسرى وقيصرَ ، فأتيناهم لنأمُر بالعدل وندعوَ إلى حكم الكتاب ، قال : وما أنت وذاك يا فاسقُ! أولم نكن نعمل بذاك فيهم إذ أنت بالمدينة تشرب الخمر! قال: أنا أشرب الخمر! واللهِ إنّ اللّه ليعلم أنك غيرُ صادق ، وأنك قلتَ بغير علم، وأنى لستُ كما ذكرتَ. وإنّ أحقّ بشرب الخمر منى وأوْلى بها مَن يَكَغُ فى دماء المسلمين ولْغًا ، فيقتل النفس التى حرّم اللّه قتلتَها، ويقتُل النفسَ بغير النفس، ويَسفك الدّم الحرام، ويقتل على الغضَب والعداوة وسوء الظنّ، وهو يلهو ويلعب كأنْ لم يصنع شيئًا. فقال له ابن زياد: يا فاسق، إنّ نفسك تمنِّك ما حالَ اللّهُ دونه، ولم يَرَك أهلَه ؛ قال : فمن أهلُه يابن زياد ؟ قال : أمير المؤمنين يزيد فقال: الحمد لله على كلّ حال، رضِينا باللّه حَكَمًا بيننا وبينكم ؛ قال : كأنك تظنّ أنّ لكم فى الأمر شيئًا! قال: والله ما هو بالظن"، ولكنه اليقين؛ قال: قتلنى اللّهُ إن لم أقتلك قتلةً لم يُقْتَلها أحدٌ فى الإسلام! قال: أما إنك أحقّ مَنْ أحدث فى الإسلام ما لم يكن فيه، أما إنك لا تَدَعُ سوءَ القِتْلة ، وقبح المُثْلة، وحُبتَ السيرة ، ولؤم الغلبة، ولا أحَدَ من الناس أحقّ بها منك. وأقبل ابن سُمية يَشتمه ويشتم حسينًا وعليًّا وعَقيلا، وأخد مسلم لا يكلّمه . وزعم أهلُ العلم أنّ عبيد اللّه أمر له بماء فُسمىَ بخَزفة ، ثم قال له : إنه لم يمنعْنا أن نسقيك فيها إلا كراهة أن تحرَّم بالشرب فيها ، ٢٦٧/٢ ٣٧٨ سنة ٦٠ ثم نقتلك ، ولذلك سقيناك فى هذا ، ثم قال : اصْعدوا به فوق القصر فاضربوا عنقه، ثم أتبعوا جسدَه رأسَه، فقال: يابن الأشعث، أما والله لولا أنك آمنتَى ما استسلمت ؛ قمْ بسيفك دونى فقد أخفِرَتْ ذمّتُك، ثم قال : يابن زياد ، أما والله لو كانت بيني وبينك قرابة ما قتلتنى ؛ ثم قال ابن زياد : أين هذا الذى ضرب ابنُ عقيل رأسه بالسيف وعاتقه ؟ فدُعىَ ، فقال : اصعدْ فكن أنت الذی تضرب عنقه،فصُعد به وهو یکبِّر ويستغفر ويصلّی على ملائكة الله ورسله وهو يقول: اللهم احكم بيننا وبين قوم غرّونا وكَذَ بونا وأَذَلّونا . وأشرف به على موضع الجزّارين اليوم ، فضُربت عُنُقُه ، وأتبع جسده رأسه . قال أبو مخنف: حدّثنى الصقعب بن زهير، عن عون بن أبى جُحَيْفة قال: نزل الأحمَرىّ بُكتَيْر بن حُمران الذى قتل مسلماً، فقال له ابن زياد : ٢٦٨/٢ قتلتَه؟ قال : نعم ، قال : فما كان يقول وأنتم تصعدون به ؟ قال : كان يكبِّرِّ ويسبّح ويستغفر ، فلمّا أدنيتُه لأقتلَه قال: اللهمّ احكم بيننا وبين قوم كذبونا وغَرُّونا وخذلونا وقتلونا؛ فقلت له: ادنُ منّى، الحمد لله الذى أقادنى منك ، فضربته ضربة لم تغن شيئاً ؛ فقال أما ترى فى خدش تَخد شُنيه وفاءً من دمك أيها العبد ! فقال ابن زياد: أوَ فخراً عند الموت! قال : ثمّ ضربتُه الثانية فقتلتُه . قال : وقام محمّد بن الأشعت إلى عبيد الله بن زياد فكلّمه فى هانئ بن عُروة، وقال : إنك قد عرفتَ منزلةَ هانئ بن عروة فى المصْر، وبيْتَه فى العشيرة، وقد علم قومُهُ أنى وصاحبى سُقْناه إليك، فأنشدك اللّهَ لمّا وهبتَه لى، فإنَّى أكره عداوةَ قومه، هم أعزّ أهل المِصْر، وعُدَدُ أهل اليمن! قال : فوعده أن يفعل ، فلما كان من أمر مسلم بن عقيل ما كان ، بدا له فيه ، وأبى أن يفىَ له بما قال . قال : فأمر بهانئ بن عُروة حين قُتِل مسلم بن عقيل فقال: أخرجوه إلى السوق فاضربوا عنقه ، قال: فأخرج بهانئ حتى انتهى إلى مكان من ٣٧٩ سنة ٦٠ السوق كان يُباع فيه الغنّمَ وهو مكتوف ، فجعل يقول : وامَذْ حجاه ! ولا مذحجَ لى اليوم! وامَذْ حجاه؛ وأين منى مَدْحج! فلما رأى أنّ أحداً لا ينصره جذّبَ يدَه فنزعها من الكتاف ، ثم قال : أما من عصًا أو سكتّين أو حجر أو عظم يُجاحش(١) به رجلٌ عن نفسه! قال : ووثبوا إليه فشدُّوه وثاقًا، ثم قيل له : امُدْد عنقك ، فقال : ما أنا بها مُجْدٍ سَخىّ ، وما أنا بمعينِكم على نفسى . قال : فضربه مولّ لعُبيد الله بن زياد - تركى يقال له رشيد-بالسيف، فلم يصنع سيفُه شيئًا، فقال هانى: إلى اللّه المعاد! اللهمّ إلى رحمتك ٢٦٩/٢ ورضوانِك ! ثم ضربه أخرى فقَتلَه . قال: فبَصُربه عبد الرحمن بن الحصين المرادىّ بخازِرَ، وهو مع عبيدالله بنزياد؛ فقال الناس : هذا قاتلُ هانئ بن عروة ؛ فقال ابن الحصين : قتلنى الله إنْ لم أقتلْه أو أقتلَ دونَه! فحَمَل عليه بالرُّمح فطعنه فقَتْلَه . ثم إن عُبيد الله بن زياد لما قتل مسلم بن عَقِيل وهانى بن عُروة دعا بعبد الأعلى الكلىّ الذى كان أخذه كَثِير بن شهاب فى بنى فِتْيان، فأتِىَ به، فقال له : أخبرنى بأمرك ؛ فقال : أصلَحَك اللّه! خرجتُ لأنظرَ ما يصنع الناس ، فأخذفى كثير بن شهاب ؛ فقال له : فعليك وعليك، من الأيمان المغلّظة ، إن كان أخرجك إلا ما زعمت! فأبى أن يحلف ، فقال عُبيد اللّه: انطلقوا بهذا إلى جبّانة السَّبيع فاضربوا عنقه بها ؛ قال: فانطلِقَ به فضُربت عنقه ؛ قال : وأخرج عمارة بن صلخب الأزدىّ - وكان ممن يريد أن يأتى مسلم بن . عَقِيل بالنصرة لينصرَهفأتى به أيضًا عبيد الله فقال له: ممن أنت؟ قال: من الأزد . قال: انطلقوا به إلى قومه، فضُربتْ عنقُه فيهم، فقال عبد الله بن الزَّبير الأسدىّ فى قِتِلةِ مُسلمٍ بن عقيل وهانى بن عروة المرادىّ- ويقال: قاله الفرزدق: إن كنت لاتدرينَ ما الموتُ فانظرى إلى هانى فى السّوقِ وأبن عقِيل (١) يجاحش: يدافع. ٣٨٠ سنة ٦٠ إلى بطَل قد هشَّمَ السيفُ وجْهَهُ ٢٧٠/٢ أصابهَما أَمْرُ الأَميرِ فأَصبحا ترىْ جسدًا قد غيَّر الموتُ لوْنَهُ فتّى هو أَحْيا من فَتَاةٍ حَبِيَةٌ وآخر يَهْوِى من طَمار قَتِيلٍ أَحاديثَ من يَسْرِى بكلِّ سبيل ونَضْحَ دمٍ قد سال كلّ مسِيلٍ وأَقطعُ من ذى شَفرتَين صقيل وقد طلبتْهُ مَذْحِجٌ بِذُحول! أَيْكَبُ أَسماءُ الهمالِيج آمِناً على رِقْبة من سائل ومَسُول تُطِيفُ حواليْه مُرادٌ وكلهُم فكونوا بغايَا أُرْضِيَتْ بقليل فإِنْ أَنتُمُ لم تَثَأَرُوا بأَخِيكُمُ قال أبو مخنف : عن أبى جّناب يحيى بن أبى حيّة الكلبىّ، قال : ثم إن عبيد الله بن زياد لما قتل مسلمًا وهانئًا بعث برءوسهما مع هانى بن أبى حيّة (١) الوادعيّ والزبير بن الأروح التميمىّ إلى يزيد بن معاوية، وأمرّ كاتبه عمرو بن نافع أن يكتب إلى يزيد بن معاوية بما كان من مسلم وهانى ، فكتب إليه كتابًا أطال فيه - وكان أولَ مَن أطال فى الكتب - فلما نظر فيه عُبيد الله بن زياد كرهه وقال: ما هذا التطويل وهذه الفضول؟ اكتُب : أمّا بعد، فالحمد لله الذى أخذ لأمير المؤمنين بحقه ، وكفاه مؤنة عدوّه . أخبر ٢٧١/٢ أمير المؤمنين أكرمه الله أن مسلم بن عقيل لجأ إلى دار هانئ بن عروة المُرادىّ، وأنّى جعلت عليهما العيون ، ودسستُ إليهما الرجال ، وكِدْتُهما حتى استخرجتُهما ، وأمكن اللّه منهما، فقدّمتهما فضربتُ أعناقهما ، وقد بعثتُ إليك برءوسهما مع هانئ بن أبى حيّة الهَمْدانىّ والزبير بن الأرْوَح التميمى - وهما من أهل السمع والطاعة والنصيحة - فليسألهما أميرُ المؤمنين عما أحبّ من . أمر ، فإن عندهما علمًا وصدقًا، وفَهْمًا ووَرَعًا؛ والسلام. فكتب إليه يزيد : أما بعد ، فإنك لم تَعْدُ أن كنتَ كما أحبّ ، عملتَ عملَ الحازم ، وصُلتَ صَوْلة الشجاع الرابط الجأش، فقد أغنيتَ وكفيتَ ، وصدَّقَتَ ظنّى بك ، ورأى فيك، وقد دعوتُ رسولَيْك فسألتُهما ، وناجيتُهما (١) ابن الأثير: ((هانى بن جبة)).