النص المفهرس

صفحات 261-280

٢٦١
سنة ٥١
مذحج وهمدان إلى جبانة کنْدة، ثم لينهضوا إلى حُجْر فليأتونى به،وليسِر
سائر أهل اليمن حتى ينزلوا جبّانة الصائديّين (١) فليمضوا إلى صاحبهم ،
فليأتونى به . فخرجَتِ الأزدُ وبَجيلةُ وخثعم والأنصار وخُزاعة وقضاعة ،
فنزلوا جبّانة الصائديّين، ولم تخرج حضرموت مع أهل اليمن لمكانهم من
كِنْدة، وذلك أنّ دعوة حضرموتَ مع كِنْدة، فكرهوا الخروج فى طلب
حجر (٢) .
قال أبو مخنف: حدّثی یحیی بن سعید بن مخنف، عن محمد بن مخنف،
قال : إنى لمع أهل اليمن فى جبّانة الصائديّين إذ اجتمع رءوس أهلِ اليَمَن
يتشاورون فى أمر حُجْر، فقال لهم عبد الرحمن بن مخنف : أنا مشير عليكم
برأى إن قبلتموه رجوتُ أن تسلموا من اللائمة والإثم، أرى لكم أن (٣ تلبثوا قليلاً
فإنّ سُرْعان شباب هَمْدان ومذحج يكفُونكم ما تكرهون أن تلُوا من مساءة
قومكم فى صاحبكم٣) قال: فأجمع رأيهم على ذلك ، قال : فوالله ما كان
إلاّ كلا ولا (٤) حتى أتينا، فقيل لنا: إن مذحج(٥) وهمْدان قد دخلوا
فأخَذُوا كلّ مَن وجدوا من بنى جَبَلَة (٦). قال: فمرّ أهل اليمن فى نواحى
دور كِنِدة معذّرة(٧)، فبلغ ذلك زياداً، فأثنَى على مذحج وهَمْدان"
وذمّ سائرَ أهل اليمن. وإنّ حُجرا لما انتهى إلى داره فنظر إلى قلّة مَنْ معه
من قومه ، وبلغه(٨ أن" مذحج وهمدان نزلوا٨) جبانة كندة وسائر أهل اليمن
جبّانة الصائديّين قال لأصحابه: انصرفوا فوالله مالكم طاقةٌ بمن قد اجتمع
عليكم من قومكم ، وما أحبّ أن أعرّضكم للهلاك؛ فذهبوا لينصرفوا ، فلحقتْهم
١٢٣/٢
(١) ابن الأثير: ((الصائدين))، الأغانى: ((الصيداويين)).
(٢) الأغانى ١٦: ٤ (ساسى).
(٣ - ٣) الأغانى: ((أن تلبثوا قليلا حتى تكفيكم عجلة فى شباب مذجح وهمدان ما تكرهون
أن یکون من مساءة قویکم فی صاحبكم » .
(٤) أى قصر الوقت الذى يتسع للفظ ((لا))، و((لا)).
(٥) الأغانى: ((شباب مذحج».
(٦) الأغانى: ((فى بنى بجيلة)).
(٧) الأغانى: ((معذرين)).
(٨-٨) س: ((نزل منحج وهمدان)).

٢٦٢
سنة ٥١
أوائلُ خيل مذحج وهَمْدان . فعطف عليهم عمير بن يزيد وقيس بن
يزيد وعبيدة بن عمرو البدىّ وعبد الرحمن بن مُحرز الطّمحىّ وقيس
ابن شمر ، فتقاتلوا معهم ، فقاتلوا عنه ساعة فجرحوا، وأسر قيس بن يزيد،
وأفلت سائر القوم ، فقال لهم حجر: لا أبا لكم! تفرّقوا لا تقاتلوا(١) فإنى
آخُذُ فى بعض السِّكك (٢). ثم آخذ طريقًا نحوَ بنى حرب ، فسار حتى
انتهى إلى دارِ رجل منهم يقال له سليم بن يزيد، فدخل دارَه ، وجاء القومُ
فى طلبه حتى انتهوا إلى تلك الدار ، فأخذ سليم بن يزيد سيفه ، ثم ذهب
ليخرج إليهم ، فبكتْ بناتُه؛ فقال له حُجْر: ما تريد ؟ قال : أريد والله
أسألهم أن ينصرفوا عنك ، فإن فعلوا وإلا ضاربتُهم بسيفى هذا ما ثبتَ قائمُهُ
فى يدى دونك ؛ فقال حُجر : لا أبا لغيرك ! بئس ما دخلتَ به إذاً على
بناتك! قال: إنّ والله ما أمُونُهنّ، ولا رزقُهنّ إلا على الحىّ الذى لا يموت؛
ولا أشترى العارَ بشىء أبداً، ولا تخرج من دارى أسيراً أبداً وأنا حىّ أملك
قائمَ سيفى، فإنْ قتِلتُ دونك فاصنع ما بدا لك . قال حُجر : أما فى دارك
هذه حائط أقتحمه ، أو خَوْخة(٣) أخرج منها ، عسى أن يسلمنى الله عزّ
١٢٤/٢ وجلّ منهم ويسلّمك، فإذا القوم لم يقدروا علىّ عندك لم يضروك! قال :
بلى هذه خَوْخة تخرجك إلى دور بنى العنبر وإلى غيرهم من قومك ، فخرج
حتى مرّ ببنى ذُهْل، فقالوا له: مَرَّ القومُ آنفًا فى طلبك يقْفُون أثرَك.
فقال : منهم أهرُب ؛ قال : فخرج ومعه فِتْية منهم يتقصّوْن(٤) به الطريق ،
ويسلكون به الأزقّة حتى أفضى إلى النَّخَع ، فقال لهم عند ذلك : اِنصرِ فوا
رحمكم الله! فانصرفوا عنه، وأقبل إلى دار عبد الله بن الحارث أخى الأشتر
فدخلها، فإنّه لكذلك قد ألقى له الفُرُشَ عبدُ اللّه، وبسط له البُسُط، وتلقّاه
بيَسْط الوجه ، وحُسن البِشْر، إذ أتى فقيل له : إنّ الشُّرَط تسأل عنك فى
النَّخَع - وذلك أنّ أمة سوداء يقال لها: أدماء، لقيتْهم، فقالت: مَنْ تطلبون؟
(١) الأغانى: ((لا تقتلوا)).
(٢) الأغانى: ((الطرق)).
(٣) الخوخة : باب صغير فى باب كبير .
(٤) الأغانى: ((يقصون)).

٢٦٣
سنة ٥١
قالوا : نطلب حُجْراً؛ قالت: ها هو ذا قد رأيتُه فى النَّخَع، فانصرفوا نحو
النَّخَع .- فخرج من عند عبد الله متنكِّراً، وركِب معه عبدُاللّه بنُ الحارث
ليلا حتى أتى دارَ ربيعة بن ناجد الأزدىّ فى الأزْد، فنزلها يومًا وليلة ، فلما
أعجزهم أن يقدروا عليه دعا زياد بمحمد بن الأشعث فقال له : يا أبا مَيْثاء،
أما واللّه لتأتينّى بحُجْر أو لا أدَع لك نخلةً إلا قطعتُها، ولا داراً إلا هدمتها
ثم لا تسلمَ منى حتى أقطِّعَك إِرْبًا إِرْبًا؛ قال: أمهلنى حتى أطلبه ؛ قال :
قد أمهلتك ثلاثًا ، فإن جئتَ به وإلا عُدّ نفسك مع الهَلْكَى . وأخرِج
محمد نحو السجن منتقع اللون يُثَلّ تلاًّ عنيفًا (١)، فقال حُجر بن يزيد
الكندىّ لزياد: ضَمّنِّه وخل سبيله يطلب صاحبه؛ فإنه مخلَّى سَرْبُه-أحْرى
أن يقدر عليه منه إذا كان محبوساً . فقال أتضْمنه ؟ قال : نعم ؛ قال : أما
والله لئن حاصَ عنك لأزيرنّك شعوب (٢)، وإن كنت الآن علىَّ كريمًا .
قال : إنه لا يفعل ، فخلى سبيله .
١٢٥/٢٠
ثمّ إن حُجر بن يزيد كلمه فى قيس بن يزيد، وقد أَتِىَ به أسيراً ،
فقال لهم: ما على قيس بأس ، قد عرفْنا رأيته فى عثمان، وبلاءَه يومَ صِفّين
مع أمير المؤمنين ، ثم أرسل إليه فأتنِىَ به ، فقال له : إنى قد علمتُ أنك لم
تقاتل مع حُجْر؛ أنك ترى رأيته ، ولكن قاتلتَ معه حميّة قد غفرتُها لك
لما أعلَمَ من حُسن رأيك، وحُسن بلائك؛ ولكن لن أدعَك حتى تأتينى
بأخيك عمير ؛ قال : أجيئك به إن شاء اللّه؛ قال : فهاتٍ من يضْمَنُه لى
معك ، قال : هذا حُجر بن يزيد يضْمنه لك معى ؛ قال حُجْر بن يزيد :
نعم أضمنه لك ، على أن تؤمّنه على ماله ودمه ، قال: ذلك لك ، فانطلقًا
فأتيا به وهو جريح ، فأمَرَ به فأوقِر حديداً ، ثم أخذتْه الرجال ترفعه ، حتى
إذا بلغ سُرَرَها ألقَوْه ، فوقع على الأرض ، ثم رفعوه وألقوه ، ففعلوا به ذلك
مراراً ، فقام إليه حُجر بن يزيدَ فقال : ألم تؤمّنه على ماله ودمه أصلحك
اللّه! قال : بلى ، قد آمنته على ماله ودمه ، ولست أهريق له دمًا ، ولا آخذ
(١) يتل: يشد.
(٢) حاص : عدل وعاد، وشعوب اسم المنية .

٢٦٤
سنة ٥١
له مالاً. قال : أصلحك الله! يُشفى به على الموت؛ ودنا منه وقامَ من
١٢٦/٢ كان عنده من أهل اليمن، فدنَوا منه وكلَّموه، فقال: أتضمنونه لى بنفسه،
فتى ما أحدث(١) حدثًا أتيتمونى به؟ قالوا: نعم؛ قال: وتضمنون لى أرْش(٢)
ضربة المسلىّ ، قالوا : ونضمنها ؛ فخلّى سبيله.
ومكث حجر بن عديّ فى منزل ربيعة بن ناجد الأزدىّ يوماً وليلة ،
ثم بعث حُجر إلى محمد بن الأشعث غلامًا له يدعى رشيداً من أهل إصبهان:
إنه قد بلغنى ما استقبلك به هذا الجبّار العنيد ، فلا يهولنّك شىء من أمره ،
فإنّى خارج إليك، أجمع نفراً من قومك ثم أدخل عليه فأسأله أن يُؤمِّنَنى حتى
یبعث بی إلى معاوية فيرى فى رأيه .
فخرج ابن الأشعث إلى حُجْر بن يزيد وإلى جرير بن عبد الله وإلى
عبد الله بن الحارث أخى الأشتر، فأتاهم فدخلوا إلى زياد فكلّموه وطلبوا إليه
أن يؤمّنه حتى يبعث به إلى معاوية فيرى فيه رأيه ، ففعل ، فبعثوا إليه رسوله
ذلك يعلمونه أن قد أخذْنا الذى تسأل ، وأمروه أن يأتى ؛ فأقبل حتى دخل
على زياد فقال زياد : مرحباً بك أبا عبد الرحمن ! حرب فى أيام الحرب ،
وحربٌ وقد سالم الناس! على أهلها تَجِى بَرَاقِش (٣). قال: ما خالعت (٤)
طاعة ، ولا فارقت جماعة ، وإنىلعلى بيعتى ؛ فقال : هيهاتهيهات یا حُجر!
تَشُجّ بيد وتأسو بأخرى، وتريد إذ أمكن اللّه منك أن نرضى ! كلاً والله.
قال : ألم تؤمّنّى حتى آتى معاوية فيرى فىّ رأيه ! قال : بلى قد فعلْنا ،
انطلقوا به إلى السجن، فلما قُفَّىَ به من عنده قال زياد: أما والله لولا
أمانُه(٥) ما برح أو يلفظ مهجة نفسه (٦).
١٢٧/٢
قال هشام بنُ عروة : حدّثنى عوانة ، قال: قال زياد: والله لأحرِ صنّ
على قطع خيط رقبته .
قال هشام بن محمد ؛ عن أبى مخنف ، وحدثنى المجالد بن سعيد ، عن
(١) الأغانى: ((متى أحدث)).
(٢) الأرش : دية الجراحات.
(٣) براقش: اسم كلبة دلت بنباحها قوماً على أربابها فهلكوا .
(٥) فى الأغانى: ((الأمانة)).
(٤) الأغانى: ((خالعت)).
(٦) الأغانى: ((ما برح حتى يلقى عصبه))؛ والخبر فى ١٦: ٤، ٥ (ساسى).

٢٦٥
سنة ٥١
الشعبىّ وزكرياء بن أبى زائدة، عن أبى إسحاق؛ أنّ حُجرًا لما قُفَّىَ به من
عند زياد نادَى بأعلى صوته: اللهمّ إنّى على بيْعتى، لا أقيلُها ولا أستقيلُها،
سماعَ اللّهِ والناس . وكان عليه بُرنُس فى غداة باردة ، فحبس عشر ليال ،
وزيادٌ ليس له عمل (١) إلا طلب رؤساء أصحاب حُجر ، فخرج عمرو بن
الحَمَق ورفاعة بن شدّاد حتى نزلا المدائن ، ثم ارتحلا حتى أتيا أرض"
الموصل، فأتيا جبلا فكمنا فيه ، وبلغ عاملَ ذلك الرّستاق(٢) أنّ رجلين
قد كمنا فى جانب الجبل ، فاستنكر شأنهما - وهو رجل من هَمْدان يقال
له عبد الله بن أبى بَكْتعة - فسار إليهما فى الخيل نحو الجبل ومعه أهل البلد،
فلما انتهى إليهما خرجا ، فأما عمرو بن الحَمِقِ فكان مريضًا، وكان بطنُه
قد سَقَى (٣) ، فلم يكن عنده امتناع؛ وأما رفاعة بن شدّادـوكان شابًّا قويًّا ..
فوثب على فرس له جواد ، فقال له : أقاتل عنك ؟ قال : وما ينفعنى أن تقاتل!
انجُ بنفسك إن استطعتَ ، فحمل عليهم ، فأفرجوا له ، فخرج تنفِرِ (٤) به
فرسُهُ، وخرجت الخيلُ فى طلبه - وكان رامياً - فأخذ لا يلحقه فارسٌ إلا
رماه فجرحه أو عَقَرَه ، فانصرفوا عنه، وأخذ عمرو بن الحَمِقِ ، فسألوه :
من أنت ؟ فقال : مَن إن تركتموه كان أسلتم لكم ، وإن قتلتموه كان أضرّ
لكم ؛ فسألوه : فأبى أن يخبرهم ، فبعث به ابن أبى بَلْتعة إلى عامل الموصل -
وهو عبد الرحمن بن عبد الله بن عثمان الثقفى - فلما رأى عَمَرو بن الحَمِقِ
عَرَفَه، وكتب إلى معاوية بخبره ، فكتب إليه معاوية : إنه زعم أنه طعن عثمانَ
ابن عفّان تسع طَعَنَات بمشاقصَ كانت معه ، وإنا لا نريد أن نعتدى
عليه، فاطعنه تسعَ طَعَنَات كما طعن عثمان، فأُخرِج فطُعِنِ تسعَ طَعَنَات،
فمات فى الأولى منهنّ أو الثانية (٥).
١٢٨/٢
(١) الأغانى: ((ما له عمل))
(٢) الرستاق ؛ يعنون به كل موضع فيه مزارع وقرى، ولا يقال ذلك المدن .
(٣) الأغانى: ((استسقى))، والسقى والاستسقاء: ماء أصفر يقع فى البطن عن مرض.
(٤) س: ((تنقر)).
(٥) الأغانى ٥:١٦؛ وزاد فى آخره: ((وبعث برأسه إلى معاوية؛ فكان رأسه أول رأس
حمل فى الإسلام .

٢٦٦
سنة ٥١
قال أبو مخنف : وحدّثنى المجالد ، عن الشعبىّ وزكرياء بن أبى زائدة ،
عن أبى إسحاق(١). قال: وجّه زياد فى طلب أصحاب حُجر، فأخذوا يَهرُبُون
منه ، ويأخذ من قَدَرَ عليه منهم، فبعث إلى قبيصة بن ضُبيعة بن حَرْملة
العبسىّ صاحب الشُّرْطة - وهو شدّاد بن الهيثم - فدعا قبيصة فى قومه، وأخذ
سيفَه ، فأتاه رِبعىّ بن خِراش بن جَحْش العبسىّ ورجال من قومه ليسوا
بالكثير، فأراد أن يقاتل ، فقال له صاحب الشُّرْطة : أنت آمن على دمك
ومالك ، فلِمَ تقتل نفسك؟ فقال له أصحابُه : قد أومنتَ ، فعلام تقتل
نفسَك وتقتلنا معك! قال: ويحكم! إنّ هذا الدَّعىَّ ابنَ العاهرة، والله لئن
وقعتُ فى يده لا أفلت منه أبداً أو يقتلنى ؛ قالوا : كلاً ، فوضع يده فى
أيديهم، فأقبلوا به إلى زياد، فلما دخلوا عليه قال زياد : وحىّ عَبْسٍ تُعِزّونى
على الدّين، أما والله لأجعلنّ لك شاغلاً عن(٢) تلقيح الفِتن، والتوثُّب
على الأمراء ؛ قال: إنى لم آتك إلا على الأمان؛ قال : انطلقوا به إلى
السجن ، وجاء قيس بن عباد الشيبانىّ إلى زياد فقال له : إنّ امرأً منّا من
بنى همام يقال له : صيفىّ بن فَسيل(٣) من رءوس أصحاب حُجْر، وهو
أشدّ الناس عليك، فبعث إليه زياد ، فأتِىَ به، فقال له زياد: يا عدوّ اللّه،
ما تقول فى أبى تراب ؟ قال : ما أعرف أبا تراب ؛ قال : ما أعرفَك به !
قال : ما أعرفه ، قال: أما تعرف علىّ بن أبى طالب؟ قال: بلى، قال: فذاك
أبو تراب ، قال: كلاّ، ذاك أبو الحسن والحسين، فقال له صاحب الشُّرْطة:
يقول لك الأمير: هو أبو تُراب، وتقول أنتَ: لا! قال: وإن كذب الأمير أتريد
أن أكذب وأشهد له على باطل كما شهد! قال له زياد: وهذا أيضًا مع ذنبك!
علىَّ بالعصا، فأتِى بها ، فقال: ما قولك[فى على"؟] (٤)، قال: أحسن قول
أنا قائله فى عبد من عباد(٥) اللّه [ أقوله فى] المؤمنين، قال: اِضربوا عاتِقه بالعصا
١٢٩/٢
(١) ط: ((ابن إسحاق))
(٢) س، ف: ((من)).
(٣) س، ف: ((فسل)).
(٤) من الأغانى .
(٥) الأغانى: ((عبيد)).

٢٦٧
سنة ٥١
حتى يلصق بالأرض ، فضرب حتى لزمَ الأرض . ثمّ قال : أقلعوا عنه ،
إيه، ما قولُك فى على٣(١)؟ قال: والله لو شرَّحْتَنى بالموَاسى (٢) والمُدَى
ما قلتُ إلا ما سمعتَ (٣) منّى؛ قال لتلعَننّه أو لأضربنّ عنقكَ؛ قال :
إذاً تضربها واللّه قبل ذلك ، (٤ فإن أبيتُ إلا أن تضربها رضيتُ بالله،
وشقيتَ أنت٤)؛ قال: ادفعوا فى رقبته، ثم قال: أوقِروه حديداً، وألقُوه فى
السجن .
ثم بعث إلى عبد الله بن خليفة الطائىّ - وكان شهد مع حُجْر وقاتلهم
قتالاً شديداً - فبعث إليه زيادٌ بُكَيرَ بن حُمران الأحمرىّ - وكان تبيع
العمّال ـ فبعثه فى أناسمن أصحابه، فأقبلوا فىطلبه فوجدوه فىمسجد على بن
حاتم ، فأخرجوه ، فلما أرادوا أن يذهبوا به - وكان عزيز النفس - امتنع منهم
فحارَبَهَم وقاتلهم ، فشجّوه ورَمَوْه بالحجارة حتى سقط، فنادتْ ميثاء أخته :
يامعشرَ طيِّئَ، أتسلُّمون ابنَ خليفةٍ لِسانكم وسنانكم (٥)!
١٣٠/٢
فلما سمع الأحمرىّ نداءها خشى أن تجتمع طيّئ فيهلك ، فهرب وخرج
نسوةٌ من طيّئ فأدخلنَه داراً، وينطلق الأحمرىّ حتى أتى زياداً، فقال: إنّ
طیّئًا اجتمعتْ إلىّ فلم أطقهم، فأتیتك، فبعث زیادٌ إلى عدىّ -و کان فى
المسجد -فحبسه وقال: جثنى به - وقد أخبر عدىّ بخبر عبد الله - فقال عدىّ:
كيف آتيك برجل قد قتله القوم ؟قال: جثْنى حتى أرى أن قد قتلوه، فاعتل"
له وقال: لا أدرى أين هو ، ولا ما فعل! فحبسه، فلم يبق رجلٌ من أهل المِصْر
من أهل اليمن وربيعة ومضرإلا فزع لعدىّ، فأتوا زيادًا فكلّموه فيه، وأخرج
عبد الله فتغيَّب فى بُحْتر، فأرسل إلى عدىّ: إن شئتَ أن أخرجَ حتى أضع
يَدى فى يدك فعلتُ؛ فبعث إليه عدىّ: والله لو كنت تحتَ قدمىّ ما
رفعتُهما عنك . فدعا زياد عديًّا، فقال له: إنى أخلى سبيلك على أن تجعل
(١) الأغانى: ((فيه)).
(٢) الأغانى: ((بالمدى والمراس)).
(٣) الأغانى: ((ما زلت عما سمعت)).
(٤ - ٤) الأغانى: ((فأسعد وتشقى إن شاء الله)).
(٥) الخبر إلى هنا فى الأغانى ١٦: ٦ مع اختلاف فى الرواية.

٢٦٨
سنة ٥١
لى لِتنفِيَة من الكوفة ، ولتسيرَ به إلى الجبلين ؛ قال: نعم ، فرجع وأرسل
إلی عبد الله بن خليفة : اخرج ، فلو قد سکن غضبه لكلّمته فيك حتى ترجع
إن شاء اللّه ؛ فخرج إلى الجبلين .
وأتِىَ زياد بكريم بن عفيف الخثعميّ فقال: ما اسمك ؟ قال : أنا كريم
ابن عفيف ؛ قال : وَيَحْك، أو وَيَلك! ما أحسن اسمك واسمَ أبيك، وأسوأ
١٢١/٢ عَمَلَك ورأيتك! قال: أما والله إنّ عهدك برأبى لمنذ قريب (١)، ثم بعث
زيادٌ إلى أصحاب حُجْر حتى جمع اثنى عشر رجلاً فى السجن . ثم إنه
دعا رءوسَ الأرباع، فقال: اِشِهَدوا على حُجْر بما رأيتم منه - وكان رءوس
الأرباع يومئذ: عَمرو بن حُرَيث على رُبْع أهل المدينة ، وخالد بن عُرْفطة
على رُبْعْ تميم وهَمْدان ، وقيس بن الوليد بن عبد شمس بن المغيرة على رُبع ربيعة
وكنْدة ، وأبو بُرْدة بن أبى موسى على مَذْحج وأسد - فشهِد هؤلاء
الأربعةُ أنّ حُجْرًا جمع إليه الجموع، وأظهر شتمَ الخليفة ، ودعا إلى حرب
أمير المؤمنين ؛ وزعم أن هذا الأمر لا يصلح إلا فى آل أبى طالب ، ووثب
بالمصْر وأخرج عاملَ أمير المؤمنين، وأظهر عذرَ أبى تراب والترحُم عليه،
والبراءة من عدوّه وأهل حربه، وأنّ هؤلاء النفر الذين معه هم رءوس أصحابه ،
وعلى مثل رأيه وأمره . ثم أمر بهم ليخرجوا ، فأتاه قيس بن الوليد فقال : إنه
قد بلغنى أنّ هؤلاء إذا خُرِج بهم عَرَض لهم. فبعث زياد إلى الكُناسة فابتاع
إيلاً صِعاباً ، فشدّ عليها المحَامِل، ثم حملهم عليها فى الرّحَبة أوّل النهار ،
حتى إذا كان العشاء قال زياد: مَن شاء فليعرِض ، فلم يتحرّك من الناس
أحد ، ونظر زياد فى شهادة الشهود فقال: ما أظنّ هذه الشهادةَ قاطعة ،
وإنى لأحبّ أن يكون الشهود أكثرَ من أربعة (٢).
قال أبو مخنف: فحدّثنى الحارث بن حُصَيرة، عن أبى الكتَنُود .. وهو
١٢٢/٢ عبد الرحمن بن عبيد- وأبو مخنف ، عن عبد الرحمن بن جندب وسليمان بن
أبی راشد ، عن أبى الکنود بأسماء هؤلاء الشهود :
(١) س: ((لقريب)).
(٢) الأغانى ١٦: ٧ (ساسى).

٢٦٩
سنة ٥١
بسمِ الله الرّحمن الرّحيم. هذا ما شَهِد عليه أبو بُرْدة بن أبى موسى الله
ربّ العالمين؛ شهد أنّ حُجْرَ بنَ عدىّ خلعَ الطاعة ، وفارق الجماعة ،
ولعن الخليفة، ودعا إلى الحرب والفتنة، وجمع إليه الجموعَ يدعوهم إلى نَكْث
البيعة وخَلْعِ أمير المؤمنين معاوية، وكفرَ بالله عزّ وجلّ كَفْرَةٌ صَلْعاء .
فقال زياد : على مثل هذه الشهادة فاشهدوا ، أما والله لأجْهَدنّ
على قطع خيط عنق الخائن الأحمق ، فشَهِد رءوس الأرباع [ الثلاثة
الآخرون ] (١) على مثل شهادته - وكانوا أربعة - ثم إنّ زياداً دعا
الناس فقال : اشهدوا على مثل شهادة رءوس الأرباع . فقرأ عليهم
الكتاب، فقام أوّل الناس عناق بن شُرْحبيل بن أبى دَهم التيمىّ تيم الله بن
ثعلبة ، فقال : بينوا اسمى، فقال زياد: ابدءوا بأسامى قريش ، ثم اكتبوا
اسمَ عناق فى الشهود، ومَنْ نعرفه ويعرفه أمير المؤمنين بالنّصيحة والاستقامة.
فشهد إسحاق بن طلحة بن عبيد الله ، وموسى بن طلحة ، وإسماعيل بن طلحة
ابن عبيد اللّه، والمنذر بن الزبير، وُمارة بن عُقْبة بن أبى مُعَبْط، وعبدالرحمن
ابن هنَّاد ، وعمر بن سعد بن أبى وقاص، وعامر بن مسعود بن أمية بن خلف ،
ومحرِزٍ بن جارية بن ربيعة بن عبد العزّى بن عبد شمس ، وعبيد الله بن مسلم
ابن شعبة الحضرىّ، وعناق بن شُرحبيل بن أبى دَهْم، ووائل بن حُجْرُ
الحضرمىّ، وكَثِير بن شهاب بن حصين الحارثىّ، وقَطَن بن عبد اللّه بن
حُصین ، والسرئ بن وقّاص الحارثىّ۔۔ و کتب شهاد ته وهو غائب فى عمله ۔۔
والسائب بن الأقرع الثقفىّ، وشَبت (٢) بن رِبْعىّ، وعبد الله بن أبى عقيل
الثقفىّ، ومصقلة بن هبيرة الشيبانىّ، والقعقاع بن شور الذهلىّ، وشدّاد بن
المنذر بن الحارث بن وَعْلة الذّهلىّ - وكان يدعى ابن بُزّيعة، فقال:
ما لهذا أبٌ ينسب إليه! ألقوا هذا من الشهود ، فقيل له : إنه أخو الحضَين،
وهو ابن المنذر ؛ قال : فانسبوه إلى أبيه ، فنُسب إلى أبيه ، فبلغتْ شدّاداً ،
فقال: وَيْلى على ابن الزانية! أوَليست أمُّه أعَرَفَ من أبيه! واللّه
١٣٣/٢
(١) من الأغانى.
(٢٠) كذا فى الأغانى، وفى ط: ((شبيب)).

٢٧٠
سنة ٥١
ما ينسب إلاّ إلى أمّه سميّة. وحَجّار بن أبجر العجلىّ فغضبتْ ربيعة على هؤلاء
الشهود الذين شهدوا من ربيعة وقالوا لهم : شهدتم على أوليائنا وحلفائنا ! فقالوا :
ما نحن إلا من الناس ، وقد شهد علیھم ناس من قومھم کثیر - وعمرو بن
الحجاج الزّبيديّ ولبيد بن عُطارد التميمىّ، ومحمد بن ◌ُمَير بن عطارد التّميمىّ،
وسُوَيَد بن عبد الرحمن التميمىّ من بنى سعد ، وأسماء بن خارجة الفزارىّ -
كان يعتذر من أمره - وشمر بن ذي الجَوْشن العامرىّ، وشدّاد ومَرْوان
ابنا الهيثم الهلاليّان ، ومحفّز بن ثعلبة من عائذة قريش ، والهيثم بن الأسود
النخعىّ - وكان يعتذر إليهم - وعبد الرحمن بن قيس الأسدىّ، والحارث وشداد
ابنا الأزمع الهَمْدانيّان، ثم الوادعيّان، وكُرَيب بن سلمة بن يزيد الجعفىّ،
وعبد الرحمن بن أبى سَبْرة الجُعْفِىّ، وزَحْر بن قيس الجُعْفِىّ، وقُدامة بن
العَجْلان الأزْدىّ وعَزْرة بن عَزْرة الأحمسىّ - ودعا المختار بن أبى عُبيد
وعُرْوة بن المغيرة بن شعبة ليشهدوا عليه، فراغًا - وعمر بن قيس ذى اللحية
وهانئ بن أبى حية الوادعيّان .
فشهد عليه سبعون رجلاً ، فقال زياد: ألقُوهم إلا من قد عُرف
بحسَب وصَلاح فى دينه، فألقُوا حتى صُيّرُوا إلى هذه العدّة، وألقيتْ
شهادة عبد الله بن الحجّاج الثعلَىّ، وكتبتْ شهادة هؤلاء الشهود فى
صحيفة ، ثم دفعها إلى وائل بن حُجْر الحضرمىّ وكثير بن شهاب الحارثىّ ،
وبعثهما عليهم ، وأمرهما أن يخرجا بهم . وكتب فى الشهود شُريح
ابن الحارث القاضى وشُريح بن هانئ الحارثيّ؛ فأما شريح فقال : سألنى
عنه ، فأخبرتُه أنه كان صوّامًا قوّامًا، وأما شريح بن هانى الحارثيّ فكان
يقول : ما شهدتُ ، ولقد بلغنى أن قد كتبتْ شهادتى، فأكذبته ولُمْتُه،
وجاء وائل بن حُجْر وكثير بن شهاب فأخرج القوم عشيّة ، وسار معهم
صاحبُ الشرطة حتى أخرجهم من الكوفة
فلما انتهوا إلى جبّانة عَرْزَم نظر قبيصة بن ضُبيعة العبسىّ إلىداره وهى
فى جبّانةِ عِرْزم، فإذا بناتُه مشرفات، فقال لوائل وكثير: اثْذنَا لى
فأوصى أهلى، فأذِنا له، فلمّا دنا منهنّ وهنّ يبكين، سكت عنهنّ ساعة ثم
(١) الأغانى ١٧: ١٤٥: ((عزرم)).
١٣٤/٢

٢٧١
سنة ٥١
١٣٥/٢
قال: اسكتْنَ؛ فسكَتْن، فقال: اتَّقين اللّهَ عزّ وجلّ ، واصبرْن، فإنى
أرجو من ربىّ فى وجهى هذا إحدى الحُسْنَيَين: إمّا الشهادة ، وهى السعادة ؛
وإما الانصراف إليكنّ فى عافية، وإن الذى كان يرزُقُكُنّ ويكفينى مُؤنتكُنّ"
هو الله تعالی۔ وهو حىّ لا يموت ۔۔ أرجو ألا يضيعكُنّ وأن يحفظنی فیکنّ
ثم انصرف فمرّ بقومه، فجعل القومُ يدعون اللّهَ له بالعافية، فقال: إنه لمما
يعدل عندى خطرَ ما أنا فيه هلاكُ قومى. يقول: حيث لا ينصرونى ، وكان
رجا أن يتخلّصوه .
قال أبو مخنف : فحدّثّنى النضر بن صالح العبسىّ ، عن عبيد الله بن
الحرّ الجعفى، قال: والله إنى لواقف عند باب السرىّ بن أبى وقّاص حين
مرّوا بحُجر وأصحابه ، قال: فقلتُ: ألاعشرة رَهْط أستنقذ بهم هؤلاء!
ألاَ خمسة! قال: فجعل يتلهّف، قال: فلم يجبنى أحدٌ من الناس ؛ قال:
فضَوا بهم حتى انتهوا بهم إلى الغَرِيّيْنِ، فَلَحِقِهم شُريح بن هانئ معه
كتاب ، فقال لكثير : بلّغ كتابى هذا إلى أمير المؤمنين ، قال : ما فيه ؟
قال : لا تسألنى فيه حاجتى ؛ فأبى كثير وقال: ما أحبّ أن آتىّ
أميرَ المؤمنين بكتاب لا أدرى ما فيه، وعسى ألّ يوافقه! فأتى به وائلَ بن حُجْر
فقَله منه. ثم مَضَوا بهم حتى انتهَوا بهم إلى مَرْج عَذْراء ، وبينها وبين
دمشقَ اثنا عشر مِيلاً .
تسمية الذين بعث بهم إلى معاوية
حُجر بن عدىّ بن جبلة الكندىّ، والأرقم بن عبد اللّه الكندىّ من ١٣٦/٢
بنى الأرقم ، وشريك بن شدّاد الحضرمىّ، وصيفىّ بن فسيل ، وقَبِيصة بن
ضبيعة بن حرملة العبسىّ، وكريم بن عفيف الخثعمىّ، من بنى عامر بن
شهران ثم من قحافة، وعاصم بن عوف البَجَلىّ، وورقاء بن سُمَىّ
البَجَلىّ، وكدام بن حيّان، وعبد الرحمن بن حَسّان العَنَزِيّان من بنى هُمَم،
ومحرز بن شهاب التميمىّ من بنى مِنْقَر ، وعبد الله بن حَوّية السعدىّ من

٢٧٢
سنة ٥١
بنى تميم ؛ فمضوا بهم حتى نزلوا مرْجَ عذراء ، فحُبسوا بها. ثم إنّ زياداً أتبعهم
برجلين آخرين مع عامر بن الأسود العِجْلىّ ؛ بعتبة بن الأخنس من بنى
سعد بن بكر بنِ هوازن ، وسعيد بن نمران الهمدانىّ ثم الناعطىّ ، فتموا أربعة
عشر رجلاً ، فبعث معاوية إلى وائل بن حجر وكثير بن شهاب فأدخلهما ،
وفضّ كتابهما، فقرأه على أهل الشام ، فإذا فيه :
١٣٧/٢
بسم الله الرحمن الرحيم. لعبد الله معاوية" أمير المؤمنين من زياد بن
أبى سُفْيان. أمّا بعد، فإنّ اللّه قد أحسن عند أمير المؤمنين البلاء، فكاد
له عدوّه، وكفاه مؤنة من بَغَى عليه. إن طواغيتَ من هذه التُّرابيّة(١)
السبئيّة، رأسهم حُجْر بن عدىّ خالفوا أميرَ المؤمنين، وفارقوا جماعة"
المسلمين ، ونصبوا لنا الحرب ، فأظهر نا الله عليهم، وأمكننا منهم، وقد دعوتُ
خيار أهل المِصر وأشرافهم وذوى السنّ والدين منهم ، فشهدوا عليهم بما رأوا
وعملوا، وقد بعثتُ بهم إلى أمير المؤمنين ، وكتبت شهادةً صلحاء أهلٍ
المِصْر وخيارهم فى أسفل كتابى هذا .
فلما قرأ الكتابَ وشهادةَ الشهود عليهم، قال: ماذا تَرَوْن فى هؤلاء النّفر
الذين شهد عليهم قومُهم بما تستمعون؟ فقال له يزيد بن أسد البَجَلىّ: أرَى
أن تفرّقهم فى قُرَى الشام فيكفيكَهم طواغيتُها .
ودفَعَ وائل بن حجر كتابَ شُريح بن هانئ إلى معاوية ، فقرأه فإذا فيه :
بسم الله الرّحمن الرحيم، لعبد الله معاوية أمير المؤمنين من شُريح بن هانئ
أما بعد ؛ فإنه بلغنى أنّ زياداً كتب إليك بشهادتى على حُجْر بن عدّى ،
وأن شهادتى على حُجْر أنه ممن يقيم الصلاة ، ويؤتى الزكاة ، ويديم الحجّ
والعمرة ، ويأمر بالمعروف ، وينهى عن المنكر ، حرام الدّم والمال، فإن شئتَ
فاقتله ، وإن شئت فدَعْه. فقرأ كتابَه على وائل بن حُجْر وكَثِير، فقال:
ما أرى هذا إلا قد أخرج نفسه من شهادتكم .
فحبس القوم بمَرْج عذراء ، وكتب معاوية إلى زياد : أما بعد ،
فقد فهمتُ ما اقتصصتَ به من أمرحُجر وأصحابه ، وشهادة من قبلك
عليهم ، فنظرتُ فى ذلك ، فأحيانًا أرى قتلهم أفضل من تركهم ،
(١) الترابية، أى المنتسبون إلى أبى تراب، كنية أمير المؤمنين على بن أبى طالب.
هـ

٢٧٣
سنة ٥١
وأحيانًا أرَى العفو عنهم أفضل من قتلهم . والسلام .
فكتب إليه زيادٌ مع يزيد بن حُجيّة بن ربيعة التيمىّ : أما بعد ، فقد
قرأت كتابك ، وفهمتِ رأيك فى حُجْر وأصحابه ، فعجبت لاشتباه الأمر
عليك فيهم، وقد شهد عليهم بما قد سمعت مَن هو أعلم بهم، فإن كانت لك
حاجةٌ فى هذا المِصْر فلا تدرُدن" حجراً وأصحابه إلىّ .
فأقبل يزيد بن حُجَيّة حتى مرّ بهم بعذراء. فقال: يا هؤلاء، أما والله ١٣٨/٢
ما أرى براء تَكم ، ولقد جئتُ بكتاب فيه الذّبح، فمرُونى بما أحببتم مما ترون
أنه لكم نافع أعمل به لكم وأنطِقٍ به . فقال حُجر: أبلغ معاوية أنّا على
بيعتنا ، لا نستقيلها ولا نُقيّلها ، وأنه إنما شهد علينا الأعداء والأظنّاء.
فقدم يزيدُ بالكتاب إلى معاويةَ فقرأه ، وبلَّغه يزيد مقالةَ حُجْر؛
فقال معاوية : زياد أصدق عندنا من حُجْر ؛ فقال عبد الرحمن بن
أمّ الحكم الثقفىّ- ويقال: عثمان بن عمير الثقفى": جُذاذها جُذاذها(١)؛ فقال
له معاوية: لا تَعَنَّ أَبْراً(٢). فخرج أهلُ الشأم ولا يدرون ما قال معاوية
وعبد الرحمن ، فأتّوا النعمان بن بشير فقالوا له مقالة ابنِ أمّ الحكم ، فقال
النّعمان: قتل القوم، وأقبل عامر بن الأسود العجلىّ وهو بعذراء يريد معاوية
ليُعْلِمِه عِلِمَ الرجلين اللّذَين بَعَث بهما زياد، فلما ولى ليمضى قام إليه
حُجر بن عدىّ يَرْسُف فى القيود، فقال: يا عامر ، اسمع منى ، أبلغْ
معاويةَ أنّ دماءنا عليه حرام، وأخبره أنا قد أومِنّا وصالحناه ، فليتق الله ،
ولينظر فى أمرنا . فقال له نحواً من هذا الكلام، فأعاد عليه حُجْر مراراً ،
فكان الآخر عرّض، فقال قد فهمت لك - أكثرت، فقال له حُجْر: إنّى
ما سمعْت بعيب، وعلى أيّةٍ تلوم! إنك واللّه تُحبَى وتُعْطَى، وإن حُجًا
يُقَدّمُ ويقتل ، فلا ألومك أن تستثقل كلامى ، اذهب عنك ، فكأنه
استحيا ، فقال: لا والله ما ذلك بى، ولأبلغن" ولأجهدن" ، وكأنه يزعم أنه
قد فعل ، وأنّ الآخر أبى .
١٣٩/٢
(١) الجذاذ بالفتح: فصل الشىء عن الشىء. والجذاذ بالضمّ: المقطّع والمكسّر. قال
تعالى : ( فجعلهم جُذاذاً إلا كبيراً لهم) .
(٢) يريد: لا تتجثم إصلاحاً. والأبر: إصلاح النخل. (٣) ط: ((على أنه يلوم)).

٢٧٤
سنة ٥١
فدخل عامر على معاوية فأخبره بأمر الرّجلین . قال : وقام یزید بن أسد
البحعلىّ فقال: يا أمير المؤمنين، ھب لی انی عمی ۔ وقد كان جرير بن
عبد الله كتب فيهما: إنّ امرَأيْن من قومى من أهل الجماعة والرأى الحسن ،
سَعَى بهما ساعٍ ظَنِين إلى زياد ، فبعث بهما فى النّفر الكوفيّين الذين وجه
بهم زياد إلى أمير المؤمنين وهما ممن لا يُحدث حدثًا فى الإسلام ولا بغيًا على
الخليفة ، فلينفعهما ذلك عند أمير المؤمنين - فلما سألهما يزيدُ ذكرَ معاوية
كتاب جرير، فقال: قد كتب إلىّ ابنُ عمّك فيهما جرير، محسناً عليهما الثناء،
وهو أهلٌ أن يصدَّق قولُه، وتُقُبل نصيحتُه، وقد سألتَى ابنَىْ عمك ،
فهُما لك. وطلب وائل بن حُجْر فى الأرقم فتركه له ، وطلب أبو الأعور السُّلمىّ
فى عُتْبة بن الأخنس فوهبه له ، وطلب حُمرة(١) بن مالك الهمدانىّ فى سعيد
ابن نمران الهمدانىّ فوهبه له، وكلّمه حبيب بن مسلمة فى ابن حَويّة، فخلّى
سبيله .
وقام مالك بن هُبيرة السّكونىّ ، فقال لمعاوية: يا أمير المؤمنين، دَعْ لى
ابنَ عمِّى حُجْرا، فقال: إنّ ابنابن عمّك حُجْرًا رأس القوم، وأخاف إنْ
خلّيت سبيله أن يُفسد علىّ مِصْرِى، فيضطرنا غداً إلى أن نُشخصك
وأصحابك إليه بالعراق. فقال له: والله ما أنصفتتنى يا معاوية، قاتلتُ معك
١٤٠/٢ ابن عمك فتلقّانى منهم يومٌ كيومِ صِفِّين، حتى ظفرتْ كفّك، وعلا كعبُك
ولم تُخَف الدوائر، ثم سألتُك ابنَ عمى فسطوتَ وبسطت(٢) من القول بما (٣)
لا أنتفع به ؛ وتخوّفت فيما زعمت عاقبة الدوائر ! ثم انصرف فجلس فى بيته ،
فبعث معاويةُ هُديةَ بنَ فيّاض القُضاعىّ من بنى سَلامان بن سعد والحصين
ابن عبد الله الكلابىّ وأبا شريف البدّىّ، فأتوهم عند المساء، فقال الخثعمىّ
حين رأى الأعور مقبلاً: يُقتَل نصفُنا وينجو نصفُنا؛ فقال سعيد بن تمران :
اللهمّ اجعلنى ممن ينجو وأنت عنى راضٍ ؛ فقال عبد الرحمن بن حسان
العَنَزَىّ: اللهمّ اجعلنى ممّنْ يُكْرَمُ بهوانِهِم وأنت عنّى راضٍ ؛ فطالما
(١) الأغانى: ((حمزة)).
(٢) س: ((ونشطت)).
(٣) س: ((فيما)».

٢٧٥
سنة ٥١
عرّضتُ نفسى للقتل، فأبى اللّهُ إلا ما أراه!
فجاء رسول معاوية إليهم بتخلية ستّة وبقتل ثمانية، فقال لهم رسول
معاوية : إنّا قد أمرنا أن نعرض عليكم البراءة من علىّ واللعنَ له، فإن فعلتم
تركناكم ، وإن أبيتم قتلنا كم ،وإنّ أمیر المؤمنین یزعم أنّ دماء كم قد حلّت
له بشهادة أهلِ مصْركم عليكم ، غير أنه قد عفا عن ذلك ، فابر عوا من هذا
الرجل نُخَلّ سبيلكم. قالوا: اللهمّ إنّا لسنا فاعِلِى (١) ذلك. فأمر بقبورهم
فحفرتْ، وأدنيتْ أكفانُهم، وقاموا الليلَ كلَّه يصلّون، فلما أصبحوا قال
أصحاب معاوية: يا هؤلاء ، لقد رأيناكم البارحة قد أطلتم الصلاة ، وأحسنم
الدعاء ، فأخبرونا ما قولكم فى عثمان ؟ قالوا: هو أوّل مَن جار فى الحكم ،
وتعمل بغير الحقّ ؛ فقال أصحاب معاوية : أميرُ المؤمنين كان أعلم بكم ؛
ثم قاموا إليهم فقالوا : تبرءون من هذا الرجل! قالوا : بل نتولاه ونتبراً ممن
تبرّأ منه ؛ فأخذ كلّ رجل منهم رجلا ليقتله، ووقع قَبِيصة بن ضبيعة فى
يدى أبى شريف البدّى، فقال له قبيصة: إنّ الشرّ بين قَومى وقومك(٢)
أمنٌ، فليقتلنى سواك ؛ فقال له : برّتك رَحيم! فأخذ الحضرمىّ فقتله ،
وقتل القضاعىّ قَبِيصة بن ضُبَيْعة .
١٤١/٢
قال : ثم إنّ حُجراً قال لهم : دعونى أتوضأ ، قالوا له : توضأ ، فلما أن
توضأ قال لهم: دعونى أصلّ ركعتين فأَيْمُنُ اللّه ما توضّأت قطّ إلا صلّيت
ركعتين؛ قالُوا: لتُصلّ؛ فصلَّى، ثم انصرف فقال: والله ما صليت صلاةً
قطّ أقصرَ منها ، ولولا أن تروا أن ما بى جزع من الموت لأحببتُ أن أستكثُرَ
منها . ثم قال: اللهم إنا نستعديك على أمّتنا، فإنّ أهل الكوفة شهدوا علينا،
وإن أهل الشأم يقتلوننا ، أما والله لئن قتلتمونى بها إنى لأوّل فارس من المسلمين
هَلَك فى واديها، وأوّل رجل من المسلمين نبحَتْه كلابها. فمشى إليه الأعو(٣)
هُدْبة بن فيّاض بالسيف، فأرعِدت خَصائله(٣)، فقال: كلا ، زعمتَ
(٢) كذا فى س؛ وفى ط: ((وبين قومك)).
(١) س: ((فاعلين)).
(٣) انظر الأغانى ١٧ : ١٥١ .
(٤) الخصائل: جمع خصيلة؛ وهى كل عصبة فيها لحم غليظ . قال جرير:
يَرْهَزُ رَهْزًا بُرعِدُ الخَصَائِلا .

٢٧٦
سنة ٥١
أنك لا تجزع من الموت؛ فأنا أدّعك فابرأ من صاحبك، فقال: ما لى لا أجزعُ
وأنا أرى قبراً محفوراً، وكفناً منشوراً، وسيفًا مشهوراً؛ وإنى والله إنْ جزعتُ
من القتل لا أقول ما يُسخط الرّب. فقَتّله ؛ وأقبلوا يقتلونهم واحداً واحداً
حتى قتلوا ستة. فقال عبد الرحمن بن حسّان العَنّزى وكريم بن عفيف
الخثعمىّ: ابعثَوا بنا إلى أمير المؤمنين، فنحن نقول فى هذا الرّجل مِثلَ
١٤٢/٢ مقالته؛ فبعثوا إلى معاوية يخبرونه بمقالتهما، فبعث إليهم أن آئتونى بهما(١).
فلما دخلا عليه قال الخثعمىّ: اللّهَ اللّهَ يا معاوية، فإنك منقول من هذه
الدار الزائلة إلى الدار الآخرة الدائمة ، ثم مسئول عمّا أردت بقتلنا ، وفيمَ سفكت
دماءَنا ؛ فقال معاوية: ما تقول فى علىّ؟ قال: أقول فيه قولك ، قال: أتبرأ
من دين علىّ الذى كان يَدِينُ اللّهَ به؟ فسكت، وكَرِه معاوية أن يجيبه.
وقام شَمِر بن عبد اللّه من بنى قحافة ، فقال : يا أميرَ المؤمنين ، هب
لى ابن عمّى؛ قال : هو لك ؛ غير أنى حابسُه شَهْراً ، فكان يرسل إليه بين
كلّ يومين فيكلمه، وقال له: إنى لأْنفسَ بك على العراق أن يكون فيهم مثلك.
ثمّ إنّ شَمِيرًا عاوده فيه الكلام؛ فقال: نُمِرُّك على هبة ابن عمك، فدعاه
فخلى سبيله على ألّ يدخل إلى الكوفة ما كان له سلطان ، فقال : تخيّر أىّ
بلاد العرب أحبّ إليك أن أسيّرك إليها ؛ فاختار المَوْصلَ ، فكان يقول :
لو قد مات معاوية قدمتُ المِصْر ، فمات قبل معاوية بشهر .
ثم أقبل على عبد الرحمن العَنّزىّ فقال: إيه يا أخا ربيعة ! ما قولك
فى علىّ؟ قال؛ دَعْنى ولا تسألنى فإنه خيرٌ لك؛ قال: والله لا أدّعك
حتى تخبرنى عنه ؛ قال : أشهد أنه كان من الذّاكرين اللّهَ كثيرًا، ومن
الآمرين بالحقّ، والقائمين بالقسط ، والعافين عن الناس؛ قال : فما قولك
(١) بعدها فى الأغانى: ((فالتفت إلى حجر ؛ فقال له العنزى: لا تبعد يا حجر، ولا يبعد
مثواك ؛ فنعم أخو الإسلام كنت ! وقال الخثعمى نحو ذلك ، ثم مضى بهما ، فالتفت العنزى فقال
متمثلا :
وبالْموتِ قَطّاعًا لحبْل القرائن
كَفَى بشفاةِ القَبْرِ بُعْدًا لهالكٍ

٢٧٧
سنة ٥١
١٤٣/٢
فى عثمان؟ قال: هو أوّل مَن فتح باب الظلم، وأرْتجَ أبواب الحقّ ؛ قال:
قتلتَ نفسَك؛ قال: بل إيّاك قتلتُ؛ ولا ربيعة بالوادى - يقول حين كلّم
شَمِر الختعمىّ فى كريم بن عفيف الخثعمىّ، ولم يكن له أحدٌ من قومه
يكلّمه فيه - فبعث به معاوية إلى زياد ، وكتب إليه : أما بعد ، فإنّ هذا
العَنَزَىَّ شرّ مَن بَعَثْت ، فعاقبْه عقُوبته التى هو أهلها ، واقتلْه شرّ قتلة .
فلما قُدم به على زياد بعث به زياد إلى قُسّ الناطف ، فدُفِن به حيًّا.
قال: ولما حُمِل العَنَزَىّ والخثعمىّ إلى معاوية قال العنزى لحجْر:
يا حُجْر ، لا يبعدَنْك اللّه، فنعم أخو الإسلام كنتَ ! وقال الخثعمىّ:
لا تَبْعَدْ ولا تُفْقَد، فقد كنتَ تأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر. ثم ذهب
بهما وأتبعتَهُما بصرَه، وقال : كتفى بالموت قطّاعًا لحبل القرائن ! فذهب
بعُتبة بن الأخنس وسعيد بن تمِران بعد حُجْر بأيام، فخلَّى سبيلهما(١).
تسمية من قتل من أصحاب حُجْر رحمه الله
حُجُر بن عدىّ، وشريك بن شدّاد الحضرمىّ، وصَيْفَىّ بن فسيل
الشيبانىّ، وقبيصة بن ضبيعة العبسىّ، ومُحرِز بن شهاب السعدىّ ثم
المِنْقَرَىّ، وكدام بن حيّان العَنّزىّ، وعبد الرحمن بن حسنّان العنزىّ؛
فبعث به إلى زياد فدُفن حيًّا بقسّ الناطف، فهم سبعة قُتلوا وكُفنوا وصُلى
عليهم .
قال : فزعموا أن الحسن لما بلغه قتلُ حُجْر وأصحابه، قال: صدُّوا عليهم ،
وكفتنوهم، واستقبلوا بهم القبلة ، قالوا: نعم؛ قال: حُجّوهم وربّ الكعبة !
تسمية من نجا منهم
كريم بن عفيف الخثعمىّ، وعبد الله بن حويّة التميمىّ، وعاصم بن ١٤٤/٢
(١) الأغانى ١٦: ٩ (ساسى).

٢٧٨
سنة ٥١
عوف البَجَلىّ، وورقاء بن سُمىّ البَجَلىّ، والأرقم بن عبد الله الكندىّ،
وعتبة بن الأخنس ، من بنى سعيد بن بكر ، وسعيد بن نمران الهمدانىّ
فهم سبعة .
*
#
*
وقال مالك بن هُبيرة السّكونى حين أبى معاوية أن يهبَ له حُجْراً وقد
اجتمع إليه قومُه من كندةَ والسَّكون وناس من اليمن كثير ، فقال :
واللّه لنحن أغنى عن معاوية من معاوية عنّا، وإنّا لنجد فى قومه منه بدلاً ،
ولا يجد منّا فى الناس خَلَفًا ، سيروا إلى هذا الرجل فلنُخلّه من أيديهم ؛
فأقبلوا يسيرون ولم يشكّوا أنهم بعذْراء لم يُقتلوا ، فاستقبلَتْهم قَتَلَتُهم
قد خرجوا منها ، فلما رأوْه فى الناس ظنّوا أنما جاء بهم ليخلّص حُجْراً من
أيديهم ، فقال لهم: ما وراءكم ؟ قال : تاب القوم ، وجئنا لنخبر معاوية
فسكت عنهم ، ومضى نحو عذراء ، فاستقبله بعضُ من جاء منها فأخبره أنّ
القوم قد قُتلوا، فقال : علىَّ بالقوم! وتبعتْهم الخيلُ وسبَقُوهم حتى دخلوا
على معاوية فأخبروه خبرَ ما أتَى له مالكُ بنُ هبيرة ومن معه من الناس ،
فقال لهم معاوية : اسكنُوا، فإنما هى حرارةٌ يجدها فى نفسه ، وكأنها قد طفئتْ،
ورجع مالك حتى نزل فى منزله ، ولم يأتِ معاوية ، فأرسل إليه معاوية فأبتى
أن يأتيه ، فلما كان الليل بعث إليه بمائة ألف درهم ، وقال له : إنّ
أمير المؤمنين لم يمنعه أن يشفِّعك فى ابن عمّك إلا شفقة عليك وعلى أصحابك أن
يُعيدوا، لكم حَرْبًا أخرى، وإن حُجْر بنَ عنىّ لو قد بقى خشيت أن
يكلِّفك وأصحابك الشخوص إليه ، وأن يكون ذلك من البلاء على المسلمين
ما هو أعظم من قَتْل حُجْر ؛ فقَبِلها ، وطابت نفسُه ، وأقبل إليه من غده
فى جموع قومه حتى دخل عليه ورضىَ عنه .
ے
١٤٥/٢
قال أبو مخنف: وحدثنى عبد الملك بن نوفل بن مساحق، أنّ عائشة
رضى الله عنها بعثتْ عبد الرحمن بن الحارث بن هشام إلى معاوية فى حُجر

٢٧٩
سنة ٥١
وأصحابه ، فقدم عليه وقد قَتلَهم ، فقال له عبد الرحمن : أين غاب عنك
حلمٌ أبى سُفْيان ؟ قال : غاب عنى حين غاب عنى مِثلُك من حُلَماء
قومى ، وحمّلنى ابن ◌ُسُميّة فاحتملت .
قال أبو مخنف : قال عبد الملك بن نوفل : كانت عائشة تقول : لولا
أنا لم تغيّر شيئًا إلا آلت بنا الأمور إلى أشدّ مما كنا فيه لغيّرنا قتل حُجْر ،
أما والله إن كان ما علمتُ لمَسلمًا حَجّاجاً معتمراً.
قال أبو مخنف : وحدثنى عبد الملك بن نوفل ، عن سعيد المقبرىّ(١)،
أنّ معاوية حين حجّ مرّ على عائشة - رِضوانُ اللّه عليها - فاستأذن عليها،
فأذنتْ له ، فلما قعد قالت له : يا معاوية ، أ أُمِنْتَ أن أخبأ لك من يقتلك ؟
قال : بيتَ الأمن دخلت ، قالت : يا معاوية، أما خشيتَ اللّه فى قَتْل حُجْر
وأصحابه ؟ قال : لستُ أنا قتلتُهم ، إنما قَتَلَهم مَن شهد عليهم .
قال أبو مخنف : حدثنى زكرياء بن أبى زائدة ، عن أبى إسحاق ، قال :
أدركتُ الناسَ وهم يقولون: إن أوّل ◌ُذلّ دخل الكوفة موتُ الحسن بن علىّ
وقتلُ حُجْر بن عدىّ ، ودعوةُ زياد .
قال أبو مخنف : وزعموا أنّ معاوية قال عند موته: يومٌ لى من ابن
الأدبَرِ طويلٌ! ثلاثَ مرّات - يعنى حُجراً.
قال أبو مخنف: عن الصقعب بن زهير ، عن الحسن، قال : أربع خصال
كنّ فى معاوية؛ لو لم يكن فيه منهن إلا واحدة لكانت مُوبِقة: انتزاؤُه على
هذه الأمّة بالسفهاء حتى ابْتَزَّها أمرَها بغير مَشُورة منهم وفيهم بقايا
الصّحابة وذو الفضيلة؛ واستخلافُه ابنه بعده سِكِيراً خِميراً ، يلبس
الحرير ويَضرب بالطنابير؛ وادّعاؤه زيادًا؛ وقد قال رسول الله صلى الله
عليه وسلم: ((الولد للفراش، وللعاهِرِ الحَجَرُ))، وقتلهُ حُجْرا، ويُلاً له من
حُجْرٍ ! مرّتين .
(١) هو سعيد بن أبى سعيد؛ وفى ط: ((أبو سعيد))، وانظر الفهرس.
١٤٦/٢

٢٨٠
سنة ٥١
وقالت هند ابنة زيد بن مخرمة الأنصاريّة، وكانت تَشَيَّع تَرَئِى حُجْراً:
تَبَصَّرْ هل ترى حُجْرًا يَسيرُ(١)
تَرفَّعْ أَيّها القمرُ المنِيرُ
لِيُقْتُلَهُ كما زعم الأَميرُ
يسيرُ، إِلى معاويةً بن حرْبٍ
تجَبَّرَتِ الجَبابِرُ بعد حُجْرٍ
وطابَ لها الخَوَرْنَقُ والسَّدِيرُ (٢)
كأَن لم يُحْيِها مُزْنٌ مَطِيرُ
وأَصْبَحَتِ البلادُ بها مُحُولاً
أَلا ياحُجْرَ حجْر بنى عَدِىٌّ
أَخافُ عليك ما أَرْدَى عَدِيَّ(٣)
يَرَى قَتْلَ الخِيارِ عليه حقًّ
تَلِقَّتْكَ السلامةُ والسّرُور
وَشيخاً فى دِمشقَ له زئيرُ
له من شَرِّ أُمَّتِهِ وَزير
ولم يُنحَرْ كما نُحِرَ البعيرُ!
أَلا ياليتَ حُجْرًا مات موْتاً
من الدنيا إلى هُلكٍ يَصِيرُ
فإِن تَهلِكْ فكلُّ زعيمٍ قَومِ
وقالت الكنديّة ترفى حُجرًا - ويقال: بل قائلها هذه الأنصاريّة:
١٤٧/٢
تَبكِى على حُجْرٍ وما تَفْتُرُ
دُموعُ عَيْنِ دِيمٌ تَقِطُرُ
ما حُمِّلَ السيفَ لِه الأَعورُ
لو كانت القوسُ على أَسرِهِ
وقال الشاعر يحرّض بنى هند من بنى شَيْبانَ على قيس بن عُباد حين
سعى بصيفى بن فَسِيل:
ولَا قَى ذبابَ السيف كَفًّا ومِعْصما
دَعا ابنُ فسيل يالَ مُرَّةً دعوةً
وقُلْ لِغِياتٍ وابنِهِ يَتَكلَّما
فحَرِّضْ بنى هِند إِذا ما لَقِيتَهُمْ
بَكَتْ عِرْسُ صَيْفِىٌّ وتبعثُ مأُتْمًا
لِتَبْكِ بنِی هِندٍ قُتَيْلةُ مِثلَ ما
غياث بن عمران بن مرّة بن الحارث بن دُبّ بن مرّة بن ذهل بن شَيْبان،
و کان شریفًا ، وقُتیلةُ أخت قيس بن عباد ، فعاش قيس بن عباد حتى
(١) الأغانى ١٦: ١٠؛ مع اختلاف فى الرواية وعدد الأبيات.
٠
(٢) الأغانى: ((ترفعت الجبابر)). (٣) الأغانى: ((أخاف عليك سطوة آل حرب)).