النص المفهرس

صفحات 201-220

سنة ٤٣
٢٠١
اللّه ثم نرجع ؟ فقال خالد بن مَعْدان وَبيهس الجَرْمىّ: لا والله، لا نفعل،
إنما أقبلْنا نحوهم لننفيهم عن أرضنا، ونمنعتهم من دخولها ، فإنْ كفانا
اللّه متوفّتهم فإنا منصَرٍ فون إلى مِصْرِنا ، وفى أهل الكوفة من يمنعون بلادهم
من هؤلاء الأكلب ؛ فقال لهم: وَيْحَكم ! أطيعونى فيهم، فإنهم قوم
سُوء، لكم فى قتالِهِم أجرٌ وحُظْوة عند السلطان ، فقال له بَيْهس الجَرمىّ:
نحن واللّه إذاً كما قال أخو بنى كنانة(١):
كَمُرْضِعَةٍ أَوْلادَ أُخْرَى وضيّعتْ بَنِيها فَلَمْ تَرْقَعْ بِذَلك مَرْقَعَا
أما بلغك أنّ الأكراد قد كفروا بجبال فارسَ ! قال: قد بلغنى، قال:
فتأمرنا أن ننطلق معك نحمى(٢) بلادَ أهل الكوفة، ونقاتل عدّوهم، ونترك
بلادنا ، فقال له : وما الأكراد ! إنما يكفيهم طائفة منكم ؛ فقال له : وهذا
العدوّ الذى تَندُبنا إليه إنما يكفيه طائفة من أهل الكوفة، إنهم لعمرى
لو اضطُرّوا إلى نُصْرتنا لكان علينا نُصرَتَهُم، ولكنهم لم يحتاجوا إلينا بعد،
وفى بلادنا فتقٌ مثل الفَتْق الذى فى بلادهم، فليُغنوا ما قِبلهم، وعلينا أن
نغنى ما قبلنا ، ولعمرى لو أنا أطعناك فى اتباعهم فاتبعتهم كنتَ قد
اجترأت على أميرك، وفعلت ما كان ينبغى لك أن تطلع فيه رأيه، ما كان ليحتملها(٣)
لك . فلما رأى ذلك قال لأصحابه : سيروا فارتخلوا ، وجاء حتى لقى معقلا -
وكانا متحابَّيْن على رأى الشيعة متوادّين عليه - فقال: أما والله لقد جهَدت
بمن معى أن يتبعونى حتى أسير معكم إلى عدوكم فغلبونى ، فقال له معقل :
جزاك الله من أخ خيرًا(٤) ! إنا لم نحتجْ إلى ذلك، أما واللهِ إنّ أرجو أن لو
قد جهدوا لا يُقلت (٥) منهم مُخبر .
٠٢/٢
قال أبو مخنف : حدّثنى الصَّفْعَب بن زُهير ، عن أبى أمامة عُبيد الله
(١) هو ابن جذل الطعان الكنانى، الحيوان: ١٩٧١، حماسة البحترى: ١٧٠، شرح
ديوان الحماسة المرزوق: ٧٣٦ .
(٢) س: ((ونحمى)).
(٣) ف: ((يحتملها)).
(٤) س: ((جزاك الله خيراً من أخ)).
(٥) س: ((لو قد اجتهدوا لا ينفلت)).

٢٠٢
سنة ٤٣
ابن جُنادة ، عن شريك بن الأعور ، قال : حدّثنا بهذا الحديث شَرِيك
ابن الأعور. قال : فلمّا قال: والله إنى لأرجو أن لو جهدوا لا يُفلت منهم
مَخِبر (١)، كرهتُها واللّه له ، وأشفقتُ عليه ، وحسبت أن يكون شبه كلام
البَغْى ؛ قال : وايمُ اللّهِ ما كان من أهلِ البَغْى.
قال أبو مخنف : حدثنى حُصَيرة بن عبد الله، عن أبيه عبد الله بن
الحارث الأزديّ ، قال: لما أتانا أنّ المستورِدَ بن عُلّفة وأصحابه قد رجعوا
عن (٢) طريقهم سُرِرْنا بذلك ، وقلنا : نتبعهم ونستقبلهم بالمدائن ، وإن دنوا
من الكُوفة كان أهلَكَ لهم ؛ ودَعَا معقلُ بن قيس أبا الروَّاغ فقال له :
اتّبعه فى أصحابك الذين كانوا معك حتى تحبسه علىّ حتى الحَقك؛ فقال
له : زدنى منهم فإنه أقوى لی علیھم إن هم أرادوا مناجزتی(٣) قبل قدومك ،
فإنا كنا قد لقينا منهم بَرْحا (٤)، فزاده ثلثمائة ، فاتّبعهم فى ستمائة ، وأقبلوا
سراعًا حتى نزلوا جَرْ جَرايا، وأقبل أبو الرّواغ فى إثرهم مسرعًا حتى لحقهم
بجَرْ جَرايا، وقد نزلوا ، فنزل بهم عند طلوع الشمس، فلما نظروا إذا هم
بأبى الرّواغ فى المقدَّمة ، فقال بعضهم لبعض: إنّ قتالكم هؤلاء أهونُ من
قتال من يأتى بعد هم .
٥٦/٢
قال: فخرجوا إلينا، فأخذوا يُخرُجون لنا العشرة فرسان منهم والعشرين
فارسًا ، فنخرج لهم مثلهم ، فتطارد الخَيْلان ساعةً ينتصف بعضُنا
من بعض ، فلما رأوا ذلك اجتمعوا فشدّوا علينا شَدَّةً واحدة صَدْقوا فيها
الحملة .
قال : فصَرَفونا حتى تركْنا لهم العَرْصة. ثم إنّ أبا الروّاغ نادى فيهم ،
فقال : يا فُرسان السوء، يا حُماة السوء، بئس ما قاتلتم القوم! إلىّ إلىّ!
(١) س: ((لو اجتهدوا ألا ينفلت)).
(٢) س: ((فى)).
(٣) ف: ((أرادوا منا حربا)).
(٤) ف: ((ترحا)).

٢٠٣
سنة ٤٣
فعالجَ نحواً من مائةٍ فارس ، فعطف عليهم ، وهو يقول :
إِذا الجَبانُ حادَ عنِ وَفْعِ الأَسَلْ
إِنَّ الفَتى كلّ الفَى من لم يُهَلْ
أَرَوَعُ يَومَ الهَيْجِ مِقِدامٌ بَطَلْ
قد عَلِمَتْ أَنِّى إِذا البأُّسُ نزلْ
ثم عطفعلیھم فقاتلھم طويلا ، ثم عطف أصحابه من كلّ جانب،
فصدقوهم القتال حتى ردّوهم إلى مكانهم الذى كانوا فيه ، فلما رأى ذلك
المستورد وأصحابه ظنوا أنّ معقلا إن جاءهم على تفئة (١) ذلك لم يكن دون" قتله
لهم شىء؛ فمضى هو وأصحابُه حتى قَطَعوا دجلة، ووقعوا فى أرض بَهُر سیر ،
وقطع أبو الروّاغ فى آثارهم فاتّبَعهم، وجاء معقل بن قيس فاتّبع إِثْرَ أبى
الروّاغ ، فقطع فى إثره دِجْلة، ومضى المستورد نحو المدينة العتيقة ، وبلغ
ذلك سماك بن عُبيد ، فخرج حتى عبر إليها ، ثم خرج بأصحابه وبأهل
المدائن ، فصفّ على بابها، وأجلس رجالاً رُماةٌ على السُّور، فبلغهم ذلك ،
فانصرفوا حتى نزلوا سابَاطَ ، وأقبل أبو الرّوّاغ فى طلبِ القوم حتى مرّ بسماك
ابن عبيد بالمدائن ، فخبّره بوَجْههم(٢) الذى أخذوا فيه ، فاتبعهم حتى نزل
بهم ساباط .
٠٧/٢
قال أبو مخنف: حدّثّنى عبد الرحمن بن جندب ، عن عبد الله بن عُقْبة
الغَنَوىّ ، قال : لمّا نزل بنا أبو الروّاغ دعا المستورد أصحابه، فقال :
إنّ هؤلاء الذين نزلوا بكم مع أبى الروّاغ هم حُرّ أصحاب معقل، ولا واللّه
ما قَدِمِ إليكم إلا حُماتُهُ وفُرسائُه، والله لو أعلم أنى إذا بادرت أصحابه
هؤلاء إليه أدركته قبل أن يفارقوه بساعة لبادرتهم إليه ، فليخرج منكم خارج
فيسأل عن معقل أين هو ؟ وأين بلغ ؟ قال : فخرجتُ أنا فاستقبلت عُلُوجاً
أقبلوا من المدائن ، فقلت لهم : ما بلغكم عن معقل بن قيس ؟ قالوا : جاء
فَيْج(٣) لسماك بن عبيد من قبله كان سرّحه ليستقبلَ معقلاً فينظر أين انتهى ؟
وأين يريد أن ينزل ؟ فجاءه فقال : تر کته نزل ديلمایا - وهى قرية من قرى
(١) على تفئة ذلك ، أى على حينه .
(٢) س: ((توجههم)).
(٣) الفيج : الرسول.

٢٠٤
سنة ٤٣
إسْتان بَهُرَسير إلى جانب دِجْلة ، كانت لقُدامة بن العجلان الأزدىّ -
٥٨/٢ قال : له : : كم بيننا وبينهم من هذا المكان؟ قالوا: ثلاثة فراسخ، (١) أو نحو
ذلك .
قال : فرجعتُ إلى صاحبى فأخبرتُهُ(٢) الخبر، فقال لأصحابه: اركبوا،
فرَكِبوا ، فأقبل حتى انتهى بهم إلى جسر ساباط - وهو جسر نهرِ الملك ،
وهو من جانبه الذى يلى الكوفة - وأبو الروّاغ وأصحابه مما يلى المدائن ، قال :
فجئْنا حتى وقفنا على الجسر، قال: ثم قال لنا: لتنزل طائفةٌ منكم (٣): قال:
فنزل منا نحوٌّمن خمسين رجلاً، فقال: اقطعوا هذا الجسر، فنزَلْنا فقطعناه، قال:
فلما رأوْنا وُقُوفًا على الخيل ظنّوا أنا نريد أن نَعبُر إليهم؛ قال: فصفّوا لنا ،
وتعبّوْا، واشتغلوا بذلك عنا فى قَطْعنا الجسر. ثمّ إنا أخَذْنا من أهل ساباط
دليلاً فقلنا له : احضُر بین أیدینا حتى ننتھی إلی دیلمایا ، فخرج بين أيدينا
يسعى، وخرجنا تلمع بنا خيلنًا(٤)، فكان الخَبَب والوَجيف، فما كان إلا
ساعة حتى أطللنا على معقل وأصحابه وهم يتحمّلون ، فما هو إلا أن بَصُر بنا
وقد تفرّق أصحابُه عنه ، ومقدّمته ليست عنده ، وأصحابه قد استقدم
طائفةً منهم ، وطائفة تَزَحَل ، وهم غارّون لا يَشعُرون. فلما رآنا نَصَب
رايَتَّه، ونزل ونادى: يا عباد الله، الأرض الأرض ! فنزل معه نحو من
مائتى رجل ؛ قال : فأخَذْنا نحمل عليهم فيستقبلونا بأطراف الرّماح جُثاةً
على الرُّكَب فلا نَقدر عليهم . فقال لنا المستورد : دَعُوا هؤلاء إذا نزلوا
وشُدّوا على خَيْلهم حتى تَحُولوا بينها وبينهم (٥) ، فإنكم إن أصبتم خيلتهم
فإنهم لكم عن ساعة جُزْرٌ؛ قال: فشَدْدنا على خيلهم ، فحُلْنَا بينهم
وبينها ، وقطعْنا أعنّتها ، وقد كانوا قرنوها ، فذهبتْ فى كلّ جانب؛ قال:
ثمّ مِلْنا على الناس المتزحّلين(٦) والمتقدّمين، فَحمَلْنا عليهم حتى فرقنا
٥٩/٢
(١) س: ((فراسخ ثلاثة)).
(٢) ف: ((فخبرته)).
(٣) س: ((لينزل طائفة منكم)).
(٤) س: ((حتى بلغ بنا خيلنا
(٥) ف: ((تحولوا بيهم)).
(٦) ف: ((المترجلين)).

سنة ٤٣
٢٠٥
بينهم، ثم أقبلْنا إلى معقل بن قيس وأصحابه جُثاة على الرُّكب على حالهم
التى كانوا عليها ، فحَمَلْنا عليهم، فلم يتحلحلوا، ثم حَمَلْنا عليهم
أخرى ، ففعلوا مثلها ، فقال لنا المستورد : نازلوهم، لينزل إليهم نصفُكم،
فنزل نصفُنا ، وبقى نصفُنا معه على الخيل ، وكنتُ فى أصحاب الخيل .
قال: فلما نزل إليهم رجّالتنا قاتلتْهم، وأخذنا نتحمل عليهم بالخيل، وطمعنا
واللّهِ فيهم. قال: فوالله إنا لنقاتلهم ونحن نُرَى أن قد عَلَوناهم إذْ طلعتْ
علينا مقدّمة أصحاب أبى الرّوّاغ ، وهم حُرّ أصحابه وفُرسانُهم ، فلما دنوا
منّا حملوا علينا ، فعند ذلك نزلنا بأجمعنا فقاتلناهم حتى أصيب صاحبنا
وصاحبُهم . قال : فما علمتُه نجا منهم يومئذ أحدٌّ غیری . قال : وإنى
أُحدَثُهم رَجُلا فيما أرى .
قال أبو مخنف : حدّثنى عبد الرحمن بن جندب، عن عبد الله بن عُقْبة
الغَنَوىّ، قال : وحدثنا بهذا الحديث مرّتين من الزمن ، مرّة فى إمارة مصعب
ابن الزبير بباجُمَيْرًا ، ومرّةً ونحن مع عبد الرحمن بن محمد بن الأشعث
بَدَيْر الجماجم. قال: فَقُتِل واللّه يومئذ بَديْر الجماجم (١) يومَ الهزيمة ،
وإنه لمقْبل عليهم يضاربهم بسيفه وأنا أراه ؛ قال : فقلت له بدير الجماجم :
إنك قد حدثنى بهذا الحديث بباجميرا مع مصعب بن الزبير ، فلم أسألك
كيف نجوتَ من بين أصحابك ؟ قال: أحدّثك، واللّه إنّ صاحبنا لما أصيب
قُتِل أصحابُه إلا خمسة نفر أو ستة ؛ قال : فشَدَدْنا على جماعة من
أصحابه نحو من عشرين رجلاً ، فانكشفوا .
٦٠/٢
قال : وانتهيت إلى فرس واقف عليه سَرْجُه ولحامه، وما أدرى ما قصّة
صاحِبه أقُتِل أم نَزل عنه صاحبُه يقاتل وتركه ! قال : فأقبلتُ حتى
أخذتُ بلِجامه ، وأضع رجلى فى الرّكاب وأستوى عليه. قال: وشدّ وَاللّه
أصحابُه علىّ، فانتَهَوْا إلىّ، وغمزتُ فى جَنْب (٢) الفرس، فإذا هو والله
أجود ما سُخِّرِ، وركض منهم ناس فى أثرى فلم يعلَقُوا (٣) بى، فأقبلتً
(١) ف: ((يوم الجماجم)).
(٢) ف: ((جانب)).
(٣) س: ((يتعلقوا)).

٢٠٦
سنة ١٣
أركُض الفرسَ، وذلك عند المساء، فلما علمتُ أنى قد فتُّهم وأمنت، أخذت
أسيرُ عليه خَبَبًا وتقريباً (١). ثمّ إنى سرتُ عليه بذلك من سيره، ولقيت عِلْجًا
فقلت له : اسعَ بين يدىّ حتى تُخرِجِى الطريق الأعظم ، طريقَ الكوفة ؛
ففعل ، فوالله ما كانت إلاّ ساعة حتى انتهيت إلى كُوثَى ، فجئت حتى
انتهيت إلى مكان من النّهر واسع عريض ، فأقحمتُ الفرسَ فيه ، فعبَرْتُه،
ثم أقبلتُ عليه حتى آتى ديرَ كعب ، فنزلتُ فعقلتُ فرسى وأرحتُه وهوَّمت
تهويمة ، ثم إنى هببت سريعًا، فحُلْت فى ظهر الفرس ، ثم سِرِتْ فى قِطْع
من الليل فاتخذت بقيّة الليل جَمَلًا، فصدّيت الغداةَ بالمزاحميّة على رأس
فرسخين من قُبِّين، ثمّ أقبلتُ حتى أدخلَ الكوفة حينَ متَع الضّحى(٢)،
٦١/٢ فآتى من ساعتى شريك بن نملة المحاربىّ ، فأخبرته خبرى وخبرَ أصحابه ،
وسألته أن يتلقى المغيرةَ بن شُعبة فيأخذَ لى منه أمانًا، فقال لى : قد أصبتَ
الأمان إن شاء الله، وقد جئتَ ببشارة، واللّه لقد بتّ الليلة وإنّ أمر الناس
ليهمنى .
قال : فخرج شريك بن نملة المحاربىّ حتى أتى المُغيرة مسرعًاً فاستأذَن
عليه ، فأذن له ، فقال: إن عندى بُشرى، ولى حاجة، فاقض حاجتى حتّى
أبشّرك ببشارتى، فقال له : قُضِيتْ حاجتُك، فهاتٍ بُشْراك ؛ قال : تؤمِّن
عبد الله بن عُقبة الغَنَّوِىّ، فإنه كان مع القوم، قال: قد آمنته، والله
توددْت أنك أتيتنى بهم كلهم فآمنتهم . قال: فأبشِرِ، فإنّ القوم كلهم
قد قُتلوا، كان صاحبى مع القوم ، ولم ينجُ منهم فيما حدّثنى غيره . قال :
فما فعل معقل بن قيس ؟ قال : أصلحك الله! ليس له بأصحابنا علم.
قال : فما فرغ من منطقة حتى قدم عليه أبو الروّاغ ومسكين بن عامر بن
أنيف مبشّريْن بالفَتْح، فأخبروا أن معقل بن قيس والمستورد بن عُلّفة مَشَى
كلّ واحد منهما إلى صاحبه، بيد المستورد الرّمح وبيد معقل السيف،
فالتّقَيَا، فأشرَع المستورد الرّمح فى صدرٍ معقل حتى خرج السنان من
(١) الخبب والتقريب : ضربان من العدو .
(٢) متع الضحى ، أى كان فى أوله .

٢٠٧
سنة ٤٣
ظهره، فضربه معقل بالسيف على رأسه حتى خالط السيفُ أمّ الدماغ ، فخرًا
ميتين .
٦٢/٢
قال أبو مخنف : حدّثنى حُصّيرة بن عبد الله، عن أبيه ، قال : لما
رأينا المستورد بن عُلّفة وقد نزلْنا به ساباط أقبل إلى الجِسْر فقطعه ، كنا نظنّ
أنه يريد أن يعبُر إلينا. قال: فارتَفَعْنا عن مظلم ساباط إلى الصَّحْراء
التى بين المدائن وساباط فتعبأنا وتهيأنا ، فطال علينا أن نراهم يخرجون إلينا .
قال : فقال أبو الروّاغ: إن لهؤلاء لشأنً ، ألا رجل يتعلّ لنا عِلِمَ هؤلاء؟
فقلت: أنا ووهيب بن أبى أشاءة الأزدىّ: نحن نَعلَمُ لك علمّ ذلك ،
ونأتيك بخبرهم ، فقربنا على فرَسيْنا إلى الجسر فوجدناه مقطوعًا ، فظننا
القوَم لم يقطعوه إلا هيبةً لنا ورُعْبًا منا، فرجَعْنا نَرَكُض سراعًا حتى
انتهينا إلى صاحبنا ، فأخبرناه بما رأينا، فقال : ما ظنّكم ؟ قال : فقلنا : لم
يَقْطَعوا الجسرّ إلا لهييتنا ولمَا أدخل اللّهُ فى قلوبهم من الرّعب منّا.
قال : لعمری ما خرج القومُ وهم يريدون الفرار ، ولکن القوم قد کادوکم،
أتسمعون! والله ما أراهم إلا قالوا: إنّ معقلا لم يبعث إليكم أبا الروّاغ إلا فى
حرّ أصحابه ، فإن استطعتم فاتركوا هؤلاء بمكانهم هذا ، وجدوا فى (١) السير
نحو معقل وأصحابه، فإنكم تجدُونهم غارِّينِ آمنين إن تأتوهم؛ فقطعوا الجسرّ
لكما يشغلوكم به عن لتحاقكم إياهم حتى يأتوا أميركم على غرّة ، النّجاءَ
النّجاء فى الطلب! قال: فوقع فى أنفسنا أنّ الذى قال لنا كما قال . قال :
فصحْنا بأهل القرية ؛ قال : فجاءوا سراعًا : فقلنا لهم : عجلوا عقد الجسر،
واستحَثْناهم فما لبثوا أن فرغوا منه ، ثم عَبْرنا عليه، فاتّبعناهم سراعًا
ما نلوِى على شىء ، فلزمنا آثارَهم، فوالله ما زلنا نسأل عنهم ، فيقال: هم الآن
أمامكم ، لحقتموهم ، ما أقربكم منهم ، فوالله ما زلنا فى طلبهم حِرْصا
على لحاقهم حتى كان أوّل من استقبلنا من الناس فلّهم وهم منهزمون لا
يلوى أحدٌ على أحد. فاستقبلهم أبو الرّواغ، ثمّ صاح بالناس : إلىّ إلىّ؛
فأقبل الناس إليه، فلاذوا به، فقال : ويلكم! ما وراء كم ؟ فقالوا: لا ندرى،
لم يَرُّعْنا إلاّ والقوم معنا فى عسكرنا ونحن متفرّقون، فشدّوا علينا ،
٦٣/٢
(١) س: ((وخذوا السير)».

٢٠٨
سنة ٤٣
ففرّقوا (١) بيننا ، قال : فما فعل الأمير ؟ فقائل يقول : نزل وهو يقاتل ؛ وقائل
يقول : ما نراه إلا قُتل؛ فقال لهم: أيّها الناس، ارجِعِوا معى، فإنْ نُدْرِك
أميرَنا حيًّا نقاتل معه، وإن نجده قد هلك قاتلْناهم، فنحن فرسانُ أهلِ
المصْر المنتخَبون لهذا العدوّ، فلا يفسدن فيكم رأى أميركم بالمصْر، ولا رأى
أهل المصْر، وإيمُ اللّه لا ينبغى لكم إن عاينتموه وقد قتلوا معقلا أن تفارقوهم
حتى تُبِيروهم أو تباروا ، سيروا على بركة الله. فساروا وسِرْنا، فأخذ
لا يستقبل أحداً من الناس إلا صاح به وردّه، ونادى وجوه أصحابه وقال:
اضربوا وجوه الناس وردّ وهم. قال: فأقبلْنا نردّ الناس حتى انتَهيْنا إلى
العسكر ، فإذا نحن براية معقل بن قيس منصوبة ، فإذا معه مائتا رجل أو
أكثر فُرسان الناس ووجوههم ليس فيهم إلا راجل ، وإذا هم يقتتلون أشدّ
قتال سمع الناس به ، فلما طلعنا علیھم إذا نحن بالخوارج قد كادوا يعلُون
أصحابنا، وإذا أصحابُنا على ذلك صابرون يجالدونهم (٢)، فلما رأوْنا كرّوا
٦٤/٢ ثم شدّوا على الخوارج، فارتفعتْ الخوارج عنهم غير بعيد، وانتهينا إليهم ،
فنظر أبو الروّاغ إلى معقل فإذا هو مستقدم يذمّر أصحابه ويحرّضهم ، فقال
له : أحىٌّ أنت فداك عمىّ وخالى! قال : نعم ؛ فشدّ القوم ، فنادى
أبو الرّواغ أصحابه: ألا تَرَون أمير كم حيًّا،! شُدّوا على القوم، قال: فَحمل
وحملْنا (٣) على القوم بأجمعنا؛ قال : فصدَمْنا خيلَهم صدمةٌ منكرة ،
وشدّ عليهم معقل وأصحابه ، فنزل المستورد ، وصاح بأصحابه : يا معشر
الشُّراة، الأرضَ الأرضَ، فإنها واللّه الجنّة! والذى لا إله غيره لمن قتل
صادق النيّة فى جهاد هؤلاء الظَّلّمة وجلاحِهم(٤) ، فتنازلوا من عند آخرهم ،
فنزلنا من عند آخرنا، ثم مضَيْنا إليه منصلتين بالسيوف ، فاضطرَبْنا بها طويلا
من النهار كأشدّ قتال اقتَتْلَه الناس قطّ ، غير أن المستورد نادى معقلا
(١) ف: ((فتفرقوا)).
(٢) ف: ((يجالدون)).
(٣) س: ((وحملنا معه)).
(٤) جلاحهم : مكاشفتهم بالعداوة .

٢٠٩
سنة ٤٣
فقال: يا معقل، ابرُز لى، فخرج إليه معقل، فقلنا له : نَنشُدك(١) أن
تَخرُج إلى هذا الكلب الذى قد آيَسه اللّه من نفسِه(٢)! قال: لا والله
لا يدعونى رجل إلى مبارزة أبداً فأكون أنا النّاكل؛ فمشى إليه بالسيف، وخرج
الآخَرَ إليه بالرمح، فناديناه أنْ الْقه برمح مثل رمحه ، فأبى ، وأقبل عليه
المستورد فطعنه حتى خرج سنان الرمح من ظهره ، وضربه معقلٌ بالسيف حتى
خالط سيفُه أمّ الدّماغ، فوقع ميًّا ، وقتل معقل، وقال لنا حين برز إليه :
إن هلكتُ فأميرُكم عمرو بن محرز بن شهاب السعدىّ ثم المِنْقَرَىّ: قال :
فلما هلك معقل أخذ الراية عمرو بن محرز، وقال عمرو : إن قتِلت فعليكم
أبو الرّوائح، فإن قتل أبو الرّواغ فأميرُكم مسكين بن عامر بن أنيف، وإنه
يومئذ لفتَى حَدَث، ثم شدّ برايته، وأمر الناس أن يشدّوا عليهم ، فما لبثوهم ٦٥/٢
أن قتلوهم .
[ ذكر ولاية عبد الله بن خازم خراسان ]
ومما كان فى هذه السنة(٣ تولية عبد الله بن عامر عبد الله بن خازم٣) بن ظَبْيان
خُراسان وانصراف قيس بن الهيثم عنه ، وكان السبب فى ذلك - فيما ذكر
أبو مخنف عن مقاتل بن حيّان- أن ابنَ عامر استبطأ قيس بن الهيثم بالخراج،
فأراد أن يَعزِله، فقال له ابن خازم: ولنى خُراسانَ فَأكفيكتها وأكفيك
قيسَ بن الهيثم. فكتب له عهَدَه أو همَّ بذلك ، فبلغ قيسًا أن ابن عامر
وَجَد عليه لاستخفافه به، وإمساكه عن الهديّة ، وأنه قد ولّ ابن خازم ،
فخاف ابن خازم أن يشاغبه و يحاسبه ، فترك خُراسان، وأقبل فازداد عليه ابن
عامر غضبًا، وقال : ضيَّعت الثَّغْر ! فضَرَبَه وحبسه ، وبعث رجلا من
بنى يَشكُرَ على خُراسان .
قال أبو مخنف: بعث ابن عامر أسلم بن زُرْعة الكلابىّ حین عَزّل قیس"
(١) ف: ((فقلت له: نشدتك)).
(٢) س: ((رحمته)).
(٣ - ٣) س: ((تمام الخبر عن الكائن من الأحداث الجليلة فى سنة ثلاث وأربعين)).

٢١٠
سنة ٤٣
ابن الهيثم ؛ قال علىّ بن محمد: أخبرنا أبو عبد الرحمن الثَّقَفىّ، عن
أشياخه ، أنّ ابن عامر استعمل قيسَ بنَ الهيثم على خُراسان أيام معاوية ،
فقال له ابن خازم: إنك وجهت إلى خُراسانَ رجلاً ضعيفًا، وإنى أخاف
إِنْ لقىَ حربًا أن ينهزم بالناس ، فَتَهْلك خُراسان، وتفتضح أخوالك .
قال ابن عامر: فما الرأى؟ قال : تكتب لى عهداً : إن هو انصرف عن عدّوك
٦٦/٢ قمت مقامه. فكتب له، فجاشت جماعة" من طُخَارِستان ، فشاور قيس
ابن الهيثم فأشارَ عليه اين خازم أن ينصرفَ حتى يجتمع إليه أطرافه ؛ فانصرف،
فلما سار من مكانه مرحلةٌ أو مرحلتين أخرج ابنُ خازم عهدَه، وقام بأمر
الناس ، ولقى العدوّ فهزمهم، وبلغ الخبر المصرَيْن والشأم فغضب القيسيّة (١)
وقالوا : خدع قيسًاً وابن عامر؛ فأكثروا فى ذلك حتى شكَوْا إلى معاوية ،
فبعث إليه فقَدم ، فاعتذر مما قيل فيه ؛ فقال له معاوية : قم فاعتذر إلى
الناس غداً ؛ فرجع ابن خازم إلى أصحابه فقال : إنى قد أمرت بالخطبة ،
ولست بصاحب كلام ، فاجلسوا حولَ المنبر ، فإذا تكلّمت فصدّقونى،
فقام مِن الغد، فحمد الله وأثنى عليه، ثمّ قال: إنما يتكلّف الخُطبة إمامٌ
لا يجد منها بدًّا، أو أحمقُ يهمر (٢) من رأسه لا يبالى ما خرج منه، ولست
بواحد منهما؛ وقد علم من عرفى أنى بصير بالفُرّص ، وثّاب عليها ، وقّاف
عند المهالك، أنفَذُ بالسرِيّة، وأقسّم بالسوّية؛ أنشُدكم باللّمَن كان يعرف ذلك
منّى لما صدقنى! قال أصحابه حولَ المنبر: صدقت؛ فقال: يا أمير المؤمنين ،
إنك ممّن نشدتُ فقل بما تعلم ؛ قال : صدقت .
قال علىّ : أخبَرَنا شيخٌ من بني تميم يقال له معمر ، عن بعض أهل
العلم أن قيس بن الهيثم قَدِم على ابن عامر من خُراسان مراغمًا لابن خازم ،
قال: فضربه ابن عامر مائةً وحَلَقه وحبسه ، قال : فطلبتْ إليه أمُّه ،
فأخرجه .
(١) س: ((القيسيون)).
(٢) يقال: همر الكلام يهمره ؛ إذا أكثر فيه .

٢١١
سنة ٤٣
وحجَّ بالناس فى هذه السنة فيما قيل- مروان بن الحكم، وكان على المدينة، ٦٧/٢
وكان على مكّة خالدُ بن العاص بن هشام، وعلى الكوفة المغيرةُ بن شُعبة ،
وعلى قضائها شُريح، وعلى البصرة وفارسَ وسِجِسْتان وخُراسانَ عبد الله بن
عامر ، وعلى قضائها(١) مُمتير بن يثربىّ .
(١) س: ((قضاء البصرة)).
-- - --- - -
1
-

ثم دخلت سنة أربع وأربعين
ذكر الخبر عمَّا كان فيها من الأحداث
فممّا كان فيها من ذلك دخولُ المسلمين مع عبد الرحمن بن خالد بن(١)
الوليد بلادَ الرّوم ومَشتاهم (٢) بها ، وغزو بُسْر بن أبى أرطاةَ البحر.
[ عزل عبد الله بن عامر عن البصرة ]
وفى هذه السنة عَزّل معاويةُ عبدَ الله بن عامر عن البصرة.
ذكر الخبر عن سبب عزله :
كان سبب ذلك أن ابن عامر كان رجلا ليّنًا كريمًا ، لا يأخذ على
أيدى السفهاء ، ففَسَدت البصرةُ بسبب ذلك أيّامَ عمله بها لمعاوية فحدّثنى
مُمر بن شبّة، قال: أخبرنا يزيد الباهلىّ، قال: شكا ابنُ
عامر إلى زياد فسادَ الناس وظهور الحُبث ، فقال: جرَّد فيهم السيف ،
فقال : إنى أكره أن أصلحهم بفسادٍ نفسى .
حدّثنى عمر، قال : قال أبو الحسن : كان ابن عامر ليّنًا سهلا ، سهلَ
الولاية ، لا يعاقِب فى سلطانه ، ولا يقطع لصًّا ، فقيل له فى ذلك ؛ فقال :
أنا أتألّف الناس ، فكيف أنظر إلى رجل قد قطعتُ أباه وأخاه !
حدّثنى عمر، قال: حدّثنا علىّ، قال: حدّثنا مَسلمة بن محارب، قال :
٦٨/٢ وفد ابن الكوّاء، واسم ابن الكوّاء عبد اللّه بن أبى(١) أوفى إلى معاوية، فسأله
عن الناس ، فقال ابن الكَوّاء: أمّا أهل البصرة فقد غلب عليها سُفُهاؤها ،
وعاملُها ضعيف، فبلغ (٣) ابن عامر قولُ ابن الكتوّاء ، فاستعمل طُفيل
(١) ساقط من ط .
(٢) ف: ((مشاتيهم)).
(٣) س: ((وبلغ)).
٢١٢
أ

٢١٣
سنة ٤٤
ابن عوف اليشكرىّ على خُراسان، وكان الذى بينه وبين ابن الكوّاء متباعداً،
فقال ابن الكَوّاء: إن ابن دَجاجة(١) لقليلُ العلم فىَّ، أظَنَّ أنّ ولاية طُفَيَل
خُراسانَ تسوءنى! لوددت أنه لم يبق فى الأرض يشكرىٌّ إلا عادانى، وأنه
ولّهم . فعزل معاوية ابن عامر ، وبعث الحارث بن عبد الله الأزدىّ. قال :
وقال القَحذمىّ: قال ابن عامر : أىّ الناس أشدّ عداوةً لابن الكوّاء ؟ قالوا:
عبد الله بن أبى شيخ ، فولآه خُراسان ؛ فقال ابن الكوّاء ما قال .
وذكر عن عمر ، عن أبى الحسن ، عن شيخ من ثقيف وأبى عبد الرحمن
الإصبهانىّ ، أنّ ابن عامر أوفد إلى معاوية وفداً، فوافقوا عنده وفدَ أهل
الكوفة ، وفيهم ابن الكوّاء اليشكرىّ ، فسألهم معاوية عن العراق وعن أهل
البصرة خاصّة ؛ فقال له ابن الكَوّاء : يا أميرَ المؤمنين، إنّ أهل البصرة
أكَلَهم سفهاؤهم ، وضَعُف عنهم سلطانُهم ، وعَجَّزَابنَ عامر وضعَّفه.
فقال له معاوية: تَكلَّمُ عن أهل البصرة وهم حضور! فلما انصرف الوفد إلى
البَصرة بَلّغوا ابنَ عامر ذلك ، فَغضِب، فقال: أىّ أهلِ العراق أشَدّ
عداوةً لابن الكَوّاء! فقيل له: عبد الله بن أبى شيخ اليشكرىّ، فولاه
خُراسان ، وبلغ ابنَ الكوّاء ذلك فقال ما قال .
. حدثنى عمر، قال: حدّثنا علىّ، قال : لما ضعف ابن عامر عن عمله ،
وانتشر الأمر بالبصرة عليه ، كتب إليه معاوية يستزيره ، قال عمر: فحدّثنی
أبو الحسن أن ذلك كان فى سنة أربع وأربعين، وأنه استخلف على البصرةقيس"
ابن الهيثم، فقدم على معاوية، فردّه على عمله، فلما ودّعه قال له معاوية: إنى
سائلك ثلاثًا ، فقل: هنّ لك. قال: هُنَّ لك وأنا ابن أمّ حكيم، قال :
ترّدعلىّ عملى. ولا تَغضَب، قال: قد فعلت؛ قال: وتهب لى مالَكَ بَعَرَفة؛
قال : قد فعلت. قال: وتهب لى دُورَك بمكة ؛ قال: قد فعلتُ ، قال :
وصلَتْك رَحِيمٍ! قال : فقال ابن عامر: يا أميرَ المؤمنين ، إنى سائلك ثلاثاً
فقل: هنّ لك؛ قال: هُنّ لك وأنا ابن هند؛ قال: تردّ علىّ مالى
٦٩/٢
(١) ف: ((الزجاجة))، وانظر أسد الغابة.

٢١٤
سنة ٤٤
بعَرَفة، قال: قد فعلت، قال: ولا تُحاسِب لى عاملاً، ولا تتّبع لى أثراً.
قال : قد فعلت ، قال : وتُنكحنى ابنتك هنداً ؛ قال : قد فعلت .
قال: ويقال: إنّ معاوية قال له: اخترْ بين أن أتتبّع أثركُ وأحاسبَك
بما صار إليك ، وأردّك إلى ◌َمَلك ، وبين أن أسوّغك ما أصبت ، وتعتزل ،
فاختار أن يسوّغه ذلك ويعتزل
[ استلحاق معاوية نسب زياد ابن سمية بأبيه ]
وفى هذه السنة استلحق معاويةُ نسبَ زياد بن سميّة بأبيه أبى سُفيان
فيما قيل .
حدّثنى عمرُ بن شبّة، قال: زعموا أنّ رجلاً من عبد القيس كان مع
زياد لما (١) وفد على (٢) معاوية، فقال لزياد: إنّ لابن عامر عندى يدًا ،
فإن أذنتَ لى أتيتُه ، قال : على أن تحدّثنى ما يجرى بينَك وبينَه ؛ قال :
نعم ، فأذن له فأتاه ، فقال له ابن عامر : هیہ هیہ ! وابن سميّة يقبّحُ آثارى،
ويعرّض بعُمّالى! لقد هممتُ أن آتىَ بقَسَامة(٣) من قريش يحلفون أنّ
أبا سُفْيان لم يرَ سُمية ؛ قال : فلما رجع سأله زياد ، فأبى أن يُخبره ، فلم
يَدَعْه حتى أخبره، فأخبر ذلك زيادٌ معاويةَ، فقال معاوية لحاجبه:
إذا جاء ابن عامر فاضرب وجهَ دابته عن أقصى الأبواب، ففعل ذلك به ،
فآتى ابن عامر يزيد، فشكا إليه ذلك(٤)، فقال له: هل ذكرتَ زيادًا؟قال:
نعم ، فركب معه يزيدُ حتى أدخلَه ، فلما نظر إليه معاوية قام فدخل ، فقال
يزيد لابن عامر : اِجلِس فكم عسى أن تقعُد فى البيت عن مجلسه ! فلما
أطالا خرج معاويةُ وفى (٥) يده قضيبٌ يَضرِب به الأبواب ، ويتمثّل :
٧٠/٢
(١) س: ((حين)).
(٢) س: ((إلى)).
(٣) القسامة : الجماعة يقسمون على الشىء أو يشهدون به .
(٤) س: ((ذلك إليه)).
(٥) ف: ((فى يده )) بدون واو.

سنة ٤٤
٢١٥
لنا يسِياقٌ ولكمْ سِيساقُ قد عَلِمَت ذِلكُمُ الرِّفَاقُ
ثم قعد فقال: يا بن عامر، أنت القائل فى زياد ما قلت ! أما والله لقد
علمَتِ العربُ أنى كنت أعزَّها فى الجاهليَّة، وإنّ الإسلام لم يزدنى إلا عزًّا،
وأنّى لم أتكثُر بزيادٍ من قلّة، ولم أتعزّز به من ذِلّة، ولكن عرفتُ حقًّا له
فوضعتهُ موضعَه ، فقال : يا أمير المؤمنين ، نرجع إلى ما يحبّ زياد ، قال :
إذاً نرجع إلى ما تحبّ ؛ فخرج ابن عامر إلى زياد فترضًّاه .
حدّثنى أحمد بن زهير، قال: حدثنا عبد الرحمن بن صالح ، قال :
حدّثنا عمرو بن هاشم، عن ◌ُمر بن بشير الهمْدانىّ، عن أبى إسحاق، أنّ
زياداً لما قدم الكُوفة ، قال: قد جئتُكم فى أمرٍ ما طلبتُه إلا إليكم، قالوا : ادعنا
إلى ما شئتَ ، قال : تُلحقون نسبى بمعاوية؛ قالوا: أمّا بشهادة الزُّورفلا؛
فأتى البصرة ، فشهد له رجل .
وحجّ بالناس فى هذه السنة معاوية .
وفيها عَمِل مروانُ المقصورةَ، وَتَمِلها - أيضًا فيما ذكر -معاوية بالشأم.
وكانت العمّالُ فى الأمصار فيها العُمَّال الذين ذكرْنا قبلُ أنهم كانوا العمّال
فى سنة ثلاث وأربعين .
٧١/٢

ثم دخلت سنة خمس وأربعين
ذكر الأحداث المذكورة التى كانت فيها
فمن ذلك استعمال معاوية الحارث بن عبد الله الأزدىّ فيها على البصرة.
فحدّثّنى عمرُ ، قال : حدّثّنى علىُّ بن محمد، قال : عزل معاويةُ ابنَ
عامر وولَى الحارثَ بنَ عبد الله الأزدىّ البصرة فى أوّل سنة خمس وأربعين، فأقام
بالبصرة أربعة أشهر ، ثم عَزّله . قال : وقد قيل : هو الحارث بن عمرو
وابن عَبْد عَمْرو ، وكان من أهل الشام، وكان معاوية عزل ابنَ عامر ليولى
زياداً، فولى الحارث كالفرس المخلِّل، فولىّ الحارثُ شُرْطَته عبد الله بن
عمرو بن غيلان الثَّقْتَفِىّ ، ثم عَزَله معاوية وولآها زيادّاً.
ذكر الخبر عن ولاية زياد البصرة
حدّثنى عمر، قال: حدّثنا علىّ، قال: حدثنا بعضُ أهلِ العلم أنّ
زياداً لما قدِم الكوفة ظَنّ المغيرة أنه قدم واليًا على الكوفة ، فأقام زياد فى دار
سَلْمان بن ربيعة الباهلىّ، فأرسل إليه المغيرة وائلَ بنَ حُجر الحضرمىّ
أبا هُنّيدة، وقال له : اعلم لى علمتَه. فأتاه فلم يقدر منه على شىء ، فخرج
من عنده يريد المغيرة ، وكان زاجراً ، فرأى غُرابًا ينعق ، فرجع إلى زياد
فقال: يا أبا المغيرة، هذا الغراب يرحِّلك(١) عن الكوفة. ثم رجع إلى المغيرة،
وقدم(٢) رسولُ معاويةَ على زياد من يومه: أن سِرْ إلى البَصْرة .
٧٢/٢
وأما عبد الله بن أحمد المروزىّ فحدثنى، قال: حدثنى أبى، قال:
حدّثنى سليمان ، قال : حدّثنى عبد الله، عن إسحاق - يعنى ابن يحيى -
(١) ف: ((يرجلك)).
(٢) ف: ((وقد قدم)).
٢١٦

٢١٧
سنة ٤٥
عن معبد بن خالد الجدّلىّ، قال: قَدِم علينا زيادٌ -الذى يقال له ابنُ
أبى سُفْيان- من عند معاوية، فنزل دارَ سلمان بن ربيعة الباهلى ينتظر أمرَ معاوية.
قال: فبلغ المغيرةَ بن شعبة - وهو أميرٌ على الكوفة - أنّ زياداً ينتظر أن تجىءَ
إمارتُه على الكوفة ، فدعا قطَن بن عبد الله الحارثيّ فقال : هل فيك من خير؟
تكفينى الكُوفة حتى آتيَك من عند أمير المؤمنين؛ قال : ما أنا بصاحِب ذا ،
فدعا عتيبة(١) بن النهاس العجْلى"، فعرض عليه فقبيل، فخرج المغيرة إلى معاوية،
فلما قدم عليه سأله أن يَعزِله ، وأن يقطع له منازلَ بقَرْقِيسِيا بين ظهرى
قيس ، فلما سمع بذلك معاوية خاف بائقتَه، وقال: والله لترجعنّ إلى عملك
يا أبا عبد الله. فأبى عليه، فلم يزدْه ذلك إلا تُهمة، فردّه إلى عمله ، فطرقنا
ليلا، وإنى لفَوْق القَصْر أحرُسه ، فلما قرع البابَ أنكرْناه، فلما خاف أن
ندَلِّىَ عليه حجراً تسمّى لنا، فنزلتُ إليه فرحبت له وسلّمت ، فتمثّل :
إذا ما هاجَنى السَّفَرُ النَّعُورُ(٢)
بمثلى فافْزعى يا أُمَّ عَمْرِو
اذهب إلى ابنُسُميّة فرحُله حتى لا يصبح إلا من وراء الجسر، فخرجْنا (٣)
فأتينا زياداً ، فأخرجْناه حتى طرحناه من وراء الجِسر قبل أن يصبح .
٧٣/٢
فحدّثنى عمر، قال: حدّثنا علىّ، قال: حدّثنا مسلمةَ والهُذلىّ
وغيرُهما أنّ معاوية استعمل زياداً على البصرة وخراسان وسجستان ، ثم
جمع له الهند والبحرَيْن وُمان ، وقدم البصرة فى آخر شهر ربيع الآخر -
أو غرّة جُمادَى الأولى - سنة خمس، والفِسْق بالبصرة ظاهر ، فاشٍ ،
فخطب خُطبةً بَتْراءَ(٤) لم يحمد الله فيها، وقيل: بل حمد الله فقال:
(١) ط: ((عينينة))، وانظر الفهرس.
(٢) البيت لطرفة ، ديوانه: ٦٥؛ وروايته فيه :
ومثْلى فاعلمى يا أُمَّ عمرٍو إذا ما اعتادَهُ السّفهُ النّعُورُ
(٣) ت: ((فخرجت)).
(٤) قال الجاحظ فى البيان والتبيين ٢: ٦: ((وعلى أن خطباء السلف الطيب وأهل البيان
والتابعين لهم بإحسان؛ ما زالوا يسمون الخطبة التى لم تبتدأ بالتحميد، وتستفتح بالتمجيد: البتراء=

٢١٨
سنة ٤٥
الحمدُ لله على إفضاله وإحسانه، ونسأله المزيدَ من نعمه، اللهم" كما رزقْتنا
نعماً ، فألهِمْنا شكرًا على نعمتك علينا .
أمّا بعد ، فإنّالجهالة الجَهْلاء، والضّلالة العَمْياء، والفَجْر المُوقِد
لأهله(١) النارَ، الباقىَ عليهم سعيرُها، ما يأتى سفهاؤكم(٢)، ويشتَمِل عليه
حُلَماؤكم ، من الأمور العظام ، ينبت فيها الصغير ، ولا يتحاشى منها(٣)
الكبير، كأن لم تَسمعوا بآى (٤) اللّه، ولم تقرءوا كتابَ الله، ولم تسمعوا
ما أعدّ(٥) اللّهُ من الثواب الكريم لأهل طاعته، والعذاب الأليم لأهل معصيته،
فى الزمن السَّرمد (٦) الذى لا يزول. أتكونون كمن طرفتْ عينه الدنيا ،
وسدّت مسامعه الشهوات ، واختار الفانيةَ على الباقية ، ولا تذكرون أنكم
أحد ثم فى الإسلام الحدث الذى لم تُسَْقوا به(٧)؛(٨ من ترككم هذه المواخِير
المنصوبة ٨) ، والضعيفة المسلوبة ، فى النهار المبصر ، والعدد غير قليل !
ألم تكن منكم نُهاةٌ تَمنع الغُواةَ عن دَلجٍ (٩) الليل وغارةِ النهار! قرّيتم
القرابة، وباعدتم الدّين ، تعتذرون بغير العذر، وتُغَطُّون على المختلس (١٠)،
كلّ امرئ منكم يذبُّ عن سفيهه(١١)، صنيعُ من لا يخاف عقابًا(١٢)،
٧٤/٢
= ويسمون التى لم توشح بالقرآن، وتزين بالصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم: الشوهاء)). وقد أورد
الجاحظ هذه الخطبة فى البيان والتبيين ٢: ٦١ - ٦٦، بروايته عن مسلمة بن محارب وأبى بكر الهذلى
أيضاً ، وكذلك أوردها صاحب العقد فى ٤ : ١١٠ - ١١٣ بهذه الرواية أيضا.
(١) البيان: ((الغى المدنى بأهله على النار)).
(٢) البيان والعقد: ((ما فيه سفهاؤكم)).
(٣) كذا فى الطبرى والعقد، وفى البيان: ((ولا ينحاش عنها الكبير)»؛ وينحاش: ينفر.
(٤) س: ((آيات الله)).
(٥) ط: ((عد)».
(٦) العقد: ((السرمدى)).
(٧) البيان والعقد: ((إليه)).
(٨-٨) البيان: ((من ترككم الضعيف يقهر ويؤخذ ماله، وهذه المواخير المنصوبة)).
(٩) الدلج: السير من أول الليل.
(١٠) البيان والعقد: ((وتغضون على المختلس)).
(١١) ف: ((سفيه)).
(١٢) س والبيان والعقد وابن الأثير: ((عاقبة)) ..

٢١٩
سنة ٤٥
ولا يرجو متعاداً. ما أنتم بالخدماء(١)، ولقد اتبعتم السفهاء ، ولم يزل (٢) بهم
ما ترْون من قيامكم دونَهم ، حتى انتهكوا حُرّم(٣) الإسلام، ثم أطرقوا
وراءكم كُنوسً (٤) فى مكانس الرَّيَب. حُرَّم (٥) علىَّ الطعامُ والشرابُ
حتى أسوّيّها بالأرض هَدْمًا وإحراقًا. إنى رأيت آخرَ هذا الأمرِ لا يَصلُح
إلاّ بما صلح [بهٌ] أوّلُه، لينٌ فى غير ضَعْف، وشدّة فى غير جَبريّة
وعُنْف (٧). وإنّى أقسم بالله لآخذن" الولى" بالولى"(٨)، والمقيمَ بالطاعن،
والمقْبِل بالمدير، والصحيحَ منكم بالسقيم ، حتى يلقى الرجلُ منكم أخاه
فيقول: انجُ سَعْد فقد هَلَك سُعيد(٩)، أو تستقيم لى قَنَاتُكُم. إنّ
كذبة المنبر تبقى مشهورة (١٠)، فإذا تعلقتم علىّ بكذبة فقد حلّت لكم معصيتى،
[وإذا سمعتموهامنى فاغتمز وها فىّ واعلموا أن عندى أمثالها] مَنْ(١١) بُيِّت منكم(١٢)
فأنا ضامنٌ لما ذهب له. إيّاى ودَ لَج اللّيل، فإنّى لا أولَى بمدلج إلا سفَكْتُدَّمه ،
وقد أجَّلتكم فى ذلك بقدْر(١٣) ما يأتى الخبر الكُوفة ويرجعُ إلىّ. وإيّاىَ ودعوى (١٤)
(١) ف: ((حلماء)).
(٢) البيان: ((فلم يزال)).
(٣) حرم الإسلام: ما لا يحل انتهاكه؛ وروى الشعبى قال: ((لما خطب زياد خطبته البتراء
بالبصرة ونزل سمع تلك الليلة أصوات الناس يتحارسون ، فقال: ما هذا ؟ ، قالوا : إن البلد مفتون ،
وإن المرأة من أهل المصر لتأخذها الفتيان الفسيّاق ، فيقال لها : نادى ثلاثة أصوات ، فإن أجابك
أحد ، وإلا فلا لوم علينا فيما نصنع)) .
(٤) الكنوس: جمع كانس ؛ أى مستتر ، وأصله من الظبى إذا دخل فى كناسه .
(٥) البيان: ((حرام)).
(٦) البيان ((صلح به أوله)).
(٧) البيان: ((وشدة فى غير عنف)).
(٨) العقد: ((الولى بالمولى)).
(٩) سعد وسعيد: ابنا ضبة بن أد ؛ خرجا فى طلب إبل لأبيهما، فوجدها سعد فردها؛
فكان ضبة إذا رأى سواداً لحق الليل قال : سعد أم سعيد !
(١٠) البيان والعقد: ((بلقاء مشهورة)).
(١١) من البيان والتبيين.
(١٢) البيان: ((من نقب منكم عليه)).
(١٣) البيان: ((المقدار)).
(١٤) فى اللسان: ((وفى الحديث: ما بال دعوى الجاهلية! هى قولهم: يالفلان، كانوا يدعون =

٢٢٠
سنة ٤٥
الجاهليّة، فإنّى لا أجد أحد ادعابها إلا قطعت لسانه(١). وقد أحدثم أحداثًا لم تكن،
وقد أحدثْنا لكلّ ذنب عقوبة، فمن غَرَق قومً غرّقتُه، ومن حرّق (٢) على
قوم حرّقناه، ومن نتَقَب بيتاً نقبتُعن قلبه، ومن نَبَش قبراً دفنتُهُ [فيه](٣)
حيًّا؛ فكفوا عنّى أيديكم وألسنتكم أكفُفْ يدى وأذاى، لا يظهر (٤) من
أحد منكم خلافُ ما عليه عامّتكم إلّ ضِربتُ عنقه.
وقد كانت بينى وبين أقوام إحَن ، فجعلتُ ذلك دَبْرَ أُذُنى وتحتَ
قدمِى ، فمن كان منكم محسنًاً فليزدَدْ إحساناً، ومن كان مسيئًا فلينزِع
عن إساءته. إنى لو علمت أنّ أحدكم قد قتله السُّلّ من بغضى لم أكشف
له قِناعًا ، ولم أهتِك له سترًاً ، حتى يُبدىّ لى صفحتَه ، فإذا فعل لم
أناظرْه ؛ فاستأنفوا أموركم، وأعينوا على أنفسِكِم ، فرّب مبتئسٍ بقدومنا
سيُسَرّ، ومسرورٍ بقدومِنْا سَيْبتئس(٥).
أيّها الناس ، إنا أصبحنا لكم ساسةً ، وعنكم ذادة ، نَسوسُكم بسلطان
الله الذى أعطانا، ونذود (٦) عنكم بنىء الله الذى خوّلنا، فلنا عليكم السمعُ
والطاعة فيما أحببنا ، ولكم علينا العدلُ فيما وُلُينا ، فاستوجِبوا عدلنا وفيئنا
بمناصحتكم. واعلموا أنى مهما قصّرت عنه فإنى لا أقصّر عن ثلاث :
لستُ محتجِباً عن طالبٍ حاجة منكم ولو أتانى طارقًا بليل ؛ ولا حابساً
رِزْقًا ولا عطاءً عن إِبّانه، ولا مجمِّرًا (٧) لكم بعثاً. فادعوا الله بالصّلاح
لامتكم ، ، فإنھم ساستُکم المؤدّبون لكم، و گھفُكم الذى إليه تأوون،ومتى
تَصلحوا يصلحوا. ولا تُشرِبوا قلوبكم بغضّهم، فيشتدَّ لذلك غيظُكم، ويطول
= بعضهم بعضاً ؛ عند الأمر الحادث الشديد ؛ ومنه حديث زيد بن أرقم : فقال قوم: يا للأنصار !
وقال قوم : يا للمهاجرين ! فقال عليه السلام: دعوها فإنها منتنة)).
(١) البيان: ((فإنى لا آخذ داعياً بها إلا قطعت لسانه)).
(٢) البيان: ((ومن أحرق قوماً)).
(٣) من البيان والتبيين .
(٤) ف: ((لا يظهرن)).
(٥) البيان: ((سنسوده).
(٦) س: ((ونذودكم بتقوى الله)).
(٧) تجمير الجند: أن يحبسهم فى أرض العدو ، وأن يمنعهم عن العودة إلى أهليهم.
٧٥/٢