النص المفهرس

صفحات 181-200

ثم دخلت سنة ثلاث وأربعين
ذكر الخبر عمَّا كان فيها من الأحداث
فمن ذلك غَزْوة بُسر بن أبى أرطاةَ الرّوم ومشتاه بأرضهم حتى بلغ
القُسْطَنْطينيّة - فيما زعم الواقدىّ - وقد أنكر ذاك قومٌ من أهل الأخبار،
فقالوا : لم يكن لبُسْر بأرض الروم مَشتَّى قطّ .
٢٨/٢
وفيها مات عمرو بن العاص بمصرَ يومَ الفِطْر، وقبْلُ كان عمل عليها لعمرّ
ابن الخطاب رضى الله عنه أربعَ سنينَ ، ولعثمان أربعَ سنين إلا شهرين ،
ولمعاوية سنتين إلا شهراً .
وفيها ولّى معاويةُ عبد الله بن عمرو بن العاص مصرَ بعد موت أبيه ،
فوليها له - فيما زعم الواقدىّ - نحواً من سنتين .
وفيها مات محمد بن مسلمة فى صفر بالمدينة، وصلّ عليه مروانُ بن
الحكم .
[خبر قتل المستورد بن علّقة الخارجى" ]
وفيها قُتِل المستورِد بن عُلفة الخارجىّ، فيما زعم هشام بن محمد . وقد زعم
بعضهم أنه قتل فى سنة اثنتين وأربعين .
ذكر الخبر عن مقتله :
قد ذكرْنا ما كان من اجتماع بقايا الخوارج الذين كانوا ارتُثّوا يومَ النّهر،
ومن كان منهم انحاز إلى الرّىّ وغيرهم إلى النفر الثلاثة الذين سمّيت قبلُ ، الذين
أحدُ هم المستورِد بن عُلّفة، وذكرْنا بيعتهم المستورد، واجتماعهم على الخروج
فى غرّة هلال شعبان من سنة ثلاث وأربعين .
فذكر هشام ، عن أبى مِخْنف ؛ أنّ جعفر بنَ حذيفة الطائىّ حد ◌ّثه
عن المحلّ بن خليفة، أنّ قبيصة بن الدّمّون أتى المغيرة بن شعبة ــ وكان
على شُرطته - فقال: إن شمّر بن جَعْوَنة الكلابىّ جاءنى فخبّ نى أنّ الخوارج
قد اجتمعوا فى منزل حيّان بن ظَبيان السُّلَمِىّ، وقد اتّعدوا أن يخرجوا إليك
١٨١
--

١٨٢
سنة ٤٣
فى غرة شعبان ، فقال المغيرة بن شعبة لقبيصة بن الدمّون - وهو حليف
لثقيف، وزعموا أنّ أصله كان من حضرَمَوْت من الصّدِف: سِرْ
٢٩/٢ بالشُّرْطة حتى تحيط بدارِ حيّان بن ظَبيان فأتِنى به، وهم لا يَرَوْن إلا
أنه أمير تلك الخوارج. فسار قبيصة فى الشُّرْطة وفى كثير من الناس ، فلم
يشعر حيّان بن ظَبيان إلا والرّجال معه فى دارِه نصفَ النهار، وإذا معه
معاذ بن جُوَيَن ونحوٌ من عشرين رجلاً من أصحابهما ، وثارت امرأته؛
أمُّ ولد (١) له ، فأخذتْ سيوفًا كانت لهم، فألقتْها تحتَ الفِراش، وفَزِع
بعضُ القوم إلى سيوفهم فلم يجدوها ، فاستسلموا ، فانطلق بهم إلى المُغيرة
ابن شعبة ، فقال لهم المغيرة: ما حَمَلكم على ما أردتم من شَقّ عصا المسلمين؟
فقالوا : ما أَرْدنا من ذلك شيئًا ؛ قال : بلى ، قد بلغنى ذلك عنكم ، ثم قد
صدّق ذلك عندى جماعتكم؛ قالوا له: أمّا اجتماعنا (٢) فى هذا المنزل فإنّ حيّان
ابن ظَبيان أقرأنا القرآن، فنحن نجتمع عندَه فى منزله فنقرأ القرآنَ عليه .
فقال: اذهبوا بهمْ إلى السجن، فلم يزالوا فيه نحواً من سنة، وسمع إخوانُهم بأخذهم
فَحذِروا، وخرج صاحبهم المستورِد بن عُلَّفة فنزل داراً بالخيرة إلى جنب
قصر العدسیین من كلب ، فبعث إلى إخوانه، و کانوا یختلفون إلیه ويتجهّزون،
فلما كثر اختلاف أصحابه إليه قال لهم صاحبهم المستورِدِ بنُ عُلَّفة التيمىّ :
تحوّلُوا بنا عن هذا المكان ، فإنّى لا آمَن أن يُطَّلِع عليكم. فإنهم فى ذلك"
يقول بعضهم لبعض : نأتى مكان كذا وكذا ، ويقول بعضهم: نأتى مكان
كذا وكذا ؛ إذْ أشرف عليهم حجّاربن أبْجَر من دار كان هو فيها وطائفة
من أهله ، فإذا هم بفارِسَيْن قد أقبّلا حتى دخلا تلك الدار التى فيها القوم ،
ثم لم يكن بأسرعَ من أن جاء آخران فدَخَلا ، ثمّ لم يكن إلا قليل حتى جاء
آخر فدخل ، ثم آخرُ فدخل ، و کان(٣) ذلك یعنیه ، و کان خروجُهم قد
اقترب ، فقال حجّار لصاحبة الدار التى كان فيها نازلاً وهى تُرْضِع صبًا
لها : وَيْحكِ! ما هذه الخيل التى أراها تتَدخُل هذه الدار؟ قالت: والله
٣٠/٢
(١) س: ((وأم ولد)).
(٣) س: ((وكل)).
(٢) ف: ((أما جماعتنا)).

١٨٣
سنة ٤٣
ما أدرى ما همْ! إلاّ أنّ الرجال يختلفون إلى هذه الدار رُجّالا وفُرسانًا
لا ينقطعون، ولقد أنكرْنا ذلك منذ أيام ، ولا ندرى من هم! فركب حجّار
فرستَه ، وخرج معه غلام له ، فأقبل حتى انتهى إلى باب دارِهم ، فإذا عليه
رجلٌ منهم ، فكلّما أتى إنسان منهم إلى الباب دخل إلى صاحبه فأعلمه ،
فأذن له ، فإن جاءه رجل من معروفيهم دَخَل ولم يستأذن ، فلمّا انتهى إليه
حجّار لم يعرفه الرجل ، فقال : مَن أنت رحمك اللّه ؟ وما تريد ؟ قال :
أردت لقاءَ صاحبى ، قال له : وما اسمك ؟ قال له : حجّار بن أبجر؛ قال :
فكما أنت حتى أوذِنهم بك. ثم أخرج إليك. فقال له حَجّار: ادخُل
راشدًا! فدخل الرجل، واتّبعه حجار مسرعًا ، فانتهى إلى باب صُفّة عظيمة
هم فيها ، وقد دخل إليهم الرّجل فقال: هذا رجل يستأذن عليك أنكرتُه
فقلت له : من أنت؟ فقال : أنا حجّار بن أبجر، فسمعهم يتفزّعون ويقولون:
حَجّار بنُ أبجر! والله ما جاء حجّار بن أبجر بخير . فلما سمع القول منهم
أراد أن ينصرف ويكتفى بذلك من الاسترابة بأمرهم ، ثم أبت نفسُه أن ينصرف
حتى يعاينّهم، فتقدّم حتى قام بين سِجْفِىْ باب الصُّفّة وقال: السلام عليكم،
فنظر فإذا هو بجماعة كثيرة ، وإذا سلاحٌ ظاهر ودروع ، فقال حَجّار :
اللهمّ اجمعْهم على خير، مَن أنتم عافاكم الله؟ فعرفه علىّ بن أبى شمر
ابن الحصين ، من تيم الرّباب - وكان أحدَ الثمانية الذين انهزموا من الخوارج
يومَ النهر ، وكان من فُرسان العرب ونُسّا كهم وخيارهم - فقال له: يا حجّار
ابن أيجر ، إن كنتَ إنما جاء بك التماس الخبر فقد وجدتَه ، وإن كنتَ إنما
جاء بك أمرٌ غير ذلك فادخل ، وأخبرنا ما أتى بك ؛ فقال : لا حاجة لى فى
الدخول ، فانصرف ، فقال بعضهم لبعض : أدرِ كوا هذا فاحبسوه ، فإنه
مؤذنٌ بكم ، فخرجتْ منهم جماعةٌ فى أثره ـ وذلك عند تطفيل الشمس
للإياب- فانتهَوْا إليه وقد ركب فرسه، فقالوا له : أخبرنا خبَرك، وما جاء
بك ؟ قال : لم آت لشىء يروعُكم ولا يَهُولكم ، فقالوا له : انتظر حتى
ندنوَ منك ونكلّمَك، أو تدنُوَ منا ؛ أخبرنا فنعلمك أمرنا ، ونذكر حاجتنا،
فقال لهم : ما أنا بدانٍ منكم ، ولا أريد أن يدنوَ منى منكم أحد ؛ فقال له
٣١/٢

١٨٤
سنة ٤٣
٣٢/٢
علىّ بن أبى شمر بن الحصين: أفمؤمِّننا (١) أنت من الإذن بنا هذه الليلة وأنت
مُحِسن؛ فإنّ لنا قرابةً وحَقًّا؟ قال: نعم ، أنتم آمنون من قبلى هذه الليلة
وليالِى الدهر كلِّها ؛ ثم انطلق حتى دخل الكوفة وأدخل أهله معه . وقال
الآخرون بعضهم لبعض : إنا لا نأمن أن يؤذن بنا هذا، فاخرجوا بنا من هذا
الموضع ساعتنا هذه ؛ قال: فصلَّوا المغرب، ثمّ خرجوا من الحيرة متفرّقين،
فقال لهم صاحبُهم : الحقوا بى فى دار سُلَيْمِ بن محدوج العبدىّ من بنى
سَكِمة ، فخرج من الحيرة ، فمضى حتى أتى عبد القيس ، فأتى بنى سلمة،
فبعث إلى سُلَم بن محدوج وكان له صهراً - فأتاه ، فأدخله وأصحابًا له
خمسةً أوستّة، ورجع حَجّار بن أبجر إلى رَحْله ، فأخذوا ينتظرون منه أن
يبلغهم منه ذكرٌ لهم عند السلطان أو الناس ، فما ذكرهم عند أحد منهم ،
ولا بلغهم عنه فى ذلك شىء يكرهونه .
فبلغ الخبرُ المغيرةَ بن شُعْبة أنّ الخوارج خارجةٌ عليه فى أيامه تلك ،
وأنهم قد اجتمعوا على رجل منهم ، فقام المغيرة بن شعبة فى الناس ، فحمد الله
وأثنى عليه ثم قال: أمّا بعد، فقد علمتم أيّها الناس أنى لم أزل أحبّ لجماعتكم
العافية، وأكفّ عنكم الأذى، وأنّى والله لقد خشيتُ أن يكون ذلك أدب سوء
لسفهائكم، فأمّا الحلماء الأتقياء فلا، وإيمُ اللّه لقد خشيتُ ألا أجد بدًّا
من أن يُعْصَب الحليم التّىّ بذنْب السفيه الجاهل ، فكفُّوا أيُّها الناس سفهاء كم
قبلَ أن يشمَل البلاءُ عوامَّكم. وقد ذُكر لى أنّ رجالا منكم يريدون أن
يَظهَروا فى المصر بالشقاق والخلاف، وإيمُ اللّه لا يخرجون فى حىٌّ من أحياء
العرب فى هذا المصْر إلا أبَدْتهم وجعلْتُهم نكالا لمن بعدهم، فنظر قومٌ
لأنفسهم قبل الندم ، فقد قمت هذا المقامَ إرادةَ الحجّة والإعذار.
فقام إليه مَعقِل بن قيس الرّياحىّ فقال: أيُّها الأمير، هل ◌ُسمّىَ
لك أحدٌ من هؤلاء القوم (٢)؟ فإن كانوا ◌ُّوا لك فأعلِمْنَا مَن هم ؟ فإن
كانوا منا كَفْناكَهم ، وإن كانوا من غيرنا أمرتَ أهل الطاعة من أهل
٣٣/٢
(١) س: ((أفتؤمننا)).
(٢) س: ((منهم)).

١٨٥
سنة ٤٣
مصرِنا ، فأتتْك كلّ قبيلة بسفهائها، فقال: ما سُمَّىَ لى أحد منهم ، ولكن
قد قيل لى : إنّ جماعةً يريدون أن يخرجوا بالمصر؛ فقال له معقل: أصلحك
اللّه! فإنى أسير فى قومى ، وأكفيك ما هم فيه ، فليكفِك كلّ امرئُ من
الرؤساء قومه . فنزل المغيرةُ بنُ شعبة، وبعث إلى رؤساء الناس فدعاهم ، ثم
قال لهم : إنه قد کان من الأمر ما قد علمتم ، وقد قلت ما قد سمعتم ، فلیکفی
كلّ امرئُ من الرؤساء قومه، وإلاّ فوالذى لا إله غيره لأتحوّلَنّ عما كنتم
تَعرِفون إلى ما تُنكِرون، وعمّا تحبّون إلى ما تكرّهون، فلا يَكُم لائمٌ إلا
نفسَه ، وقد أعذر من أنذر . فخرجت الرؤساء إلى عشائرهم ، فناشَدوهم اللّهَ
والإسلامَ إلا دلُّوهم على مَن يرون أنه يريد أن يهيج فتنةٌ (١)، أو يفارِق
جماعةً ؛ وجاء صَعْصعة بن صُوحان فقام فى عبد القيس .
قال هشام : قال أبو مخنف : فحدثنى الأسود بن قيس العبدىّ ، عن
مرّة بن النعمان، قال: قام فينا صَعْصعة بن صُوحان وقد واللّه جاءه من الخبر
بمنزل التّيمى وأصحابه فى دار سليم بن محدوج، ولكنه كره على فراقه إياهم
وبغضِه لرأيهم ، أن يؤخذوا (٢) فى عشيرته ، وكره مساءة أهل بيت من قومه ،
فقال: قَوْلاً حسنًا، ونحن يومئذ كثيرٌ أشرافنا، حسنٌ عددُنَا ، قال :
فقام فينا بعد ما صلَّى العصر، فقال: يا معشرَ عباد الله، إنّ اللّه - وله الحمد
كثيراً - لمّا قسم الفضلَ بين المسلمين خصّكم منه بأحسن القِسْم ، فأجبتم
إلى دين الله الذى اختاره الله لنفسه، وارتضاه لملائكته ورُسله ، ثم أقمتم عليه
حتى قبض الله رسوله صلى الله عليه وسلم، ثم اختلف الناس بعده فثبتت طائفة،
وارتدّت طائفة ، وأدهنَتْ طائفة، وتربّصت طائفة، فلزمتم دينَ اللّه إيمانًا
به وبرسوله ، وقاتلتم المرتدّين حتى قام الدّين ، وأهلَك الله الظالمين ، فلم يزل
اللّه يزيدكم بذلك خيراً فى كلّ شيء، وعلى كلّ حال ، حتى اختلفتْ
الأمّة بينها ، فقالت طائفة : نريد طلحة والزبير وعائشة ، وقالت طائفة :
٢٤/٢
(١) ف: ((الفتنة)).
(٢) ف: ((أن يوجدوا)).

١٨٦
سنة ٤٣
نريد أهل المغرب، وقالت طائفة: نريد عبد اللّه بنَ وهب الراسبىّ ، راسب
الأزْد، وقلتم أنتم: لا نريد إلا أهل البيت الذين ابتدأنا الله من قبلهم بالكرامة،
تسديداً من الله لكم وتوفيقًا، فلم تزالوا على الحق" لازمين له، آخذين
به ، حتى أهلك الله بكم وبمن كان على مثل هداكم ورأيكم الناكثين يوم
الجمل ، والمارِقِين يومَ النّهر - وسكت عن ذكر أهل الشام، لأن السلطان
كان حينئذ سلطانهم - ولا قومَ أعدَى اللّه ولكم ولأهل بيت نبيكم والجماعة
المسلمين من هذه المارقة الخاطئة ، الذين فارقوا إمامنا ، واستحلُّوا دماء نا ،
وشهدوا علينا بالكُفْر ؛ فإياكم أن تُؤْووهم فى دُوركم ، أو تكتموا عليهم ،
فإنه ليس ينبغى لحىّ من أحياء العرب أن يكون أعدَى لهذه المارقة منكم ، وقد
٣٥/٢ واللّه ذُكِرِ لى أنّ بعضهم فى جانب من الحىّ، وأنا باحثٌ عن ذلك وسائل ،
فإن كان حُكى لى ذلك حقًّا تقرّبت إلى اللّه تعالى بدمائهم، فإنّ دماءهم
حلال. ثم قال: يا معشرَ عبد القيس، إنّ وُلاتنا هؤلاء هم أعترف شىء
بكم وبرأيكم ، فلا تجعلوا لهم عليكم سبيلا ، فإنهم أسرع شيء إليكم وإلى
أمثالكم (١). ثم تنحتى فجلس، فكل" قومه قال: لَعنَهم الله! وقال: برئ
الله منهم، فلا واللّه (٢) فلا نُؤْويهم، ولئن عَلِمِنا بمكانهم لنطلعنّك عليهم؛ غير
سُليم بن محمدوج ، فإنه لم يقل شيئًا، فرجع (٣) إلى قومه كئيباً واجماً،
يكرّه(٤) أن يخرجَ أصحابه من منزله فَيَلُومُوه، وقد كانت بينهم مصاهرة ،
وكان لهم ثقة ، ويكره أن يُطلَبوا فى داره فيَهلِكوا وَيَهلِك. وجاء فدخل
رحلَه، وأقبل أصحابُ المستورِد يأتونه ، فليس منهم رجلٌ إلا يخبره بما قام
به المغيرة بنُ شُعبة فى الناس وبما جاءهم رؤساؤهم ، وقاموا فيهم ، وقالوا له :
اخرُج بنا ، فوالله ما نأمن أن نؤخذ فى عشائرنا . قال : فقال لهم : أما تروْن
رأسَ عبد القيس قام فيهم كما قامت رؤساءُ العشائر فى عشائرهم ؟ قالوا :
(١) س: ((قتلكم).
(٢) س: ((فوالله)).
(٣) ف: ((ورجع)).
(٤) ف: ((فكره)).

١٨٧
سنة ٤٣
بلى والله نرى. قال: فإنّ صاحب منزلى لم يذكر لى شيئًا؛ قالوا: نرى والله
أنه استحيا منك ، فدعاه فأتاه ، فقال : يابن محدوج ؛ إنه قد بلغنى أن
رؤساء العشائر قاموا إليهم ، وتقدّموا إليهم فىّ وفى أصحابى ، فهل قام فيكم
أحدٌ يَذكر لكم شيئًا من ذلك ؟ قال : فقال : نعم ؛ قد قام فينا صعصعة
ابن صُوحان ، فتقدّم إلينا فى ألّا نؤوِىَ أحداً من طِيْبتهم، وقالوا أقاويلَ
كثيرةً كرهتُ أن أذكرَها لكم فتحسَبَوا أنه ثَقُل علىّ شىء من أمركم ؛
فقال له المستورد: قد أكرمْتَ المثوى، وأحسنت الفعل، ونحن إن شاء اللّه ٢٦/٢
مُرتحلون عنك(١)؛ ثم قال: أما والله لو أرادوك فى رَحْلى ما وَصلوا إليك
ولا إلى أحد من أصحابك حتى أموتَ دونَكم ، قال : أعاذك الله من ذلك !
وبلغ الذين فى محبس المغيرة ما أجمع عليه أهلُ المِصر من الرأى فى نفىٍ
من كان بينهم من الخوارج وأخذِ هم ، فقال معاذ بن جُوَين بن حصين
فى ذلك :
شَرَى نفسَه الله أَن يَتَرَحَّلاَ
أَلا أَیّها الشارُون قد حان لامرئ .
وكلُّ امرئُ منكم بُصادُ لِيُقْتَلَا
أَقَمْتُمْ بدار الخاطئِينِ جَهالةً
أَقَامَتْكُمُ للذبْح رأِيًّا مُضَلَّلَا
فشُدُّوا على القومِ العُداةِ فإِنَّما
إذا ذُكِرَتْ كانت أَبَرَّ وَأَعْدَلَا
أَلا فاقصِدُوا يا قومٍ للغايةِ التى
فياليتنى فيكم على ظهر سابِحٍ
وياليتنى فيكم أَعادى عدوَّكُمْ
.
يعزّ علىَّ أَن تُخافوا وتظْرَدُوا
ولما يُفرّقْ جَمْعَهم كلُّ ماجِدٍ
مُشِيحًا بنَصْلِ السيفِ فِى حَمَس الوَغَى
وعزَّ عِلىّ أَن تُضاموا وتُنْقَصوا
شديدِ القُصَيْرَى دارِعاً غيرَ أَعْزَلا
فَيَسقيَّتِى كَأْسَ المَنِيَّة أَوَّلا
ولما أُجَرِّدْ فِى المُحِلِّينِ مُنْصُلا
إِذا قلتَ قد وَلَّى وأَدْبَرَ أَقبَلَا
يرى الصبْرَ فى بعض المواطِنِ أَمْثَلا
وأَصْبحَ ذا بثِّ أَسيرًا مُكَبَّلا
(١) س: ((عنكم)).
٦

١٨٨
سنة ٤٣
٣٧/٢
أَثَرْتُ إِذَّا بين الفريقيْنِ قَسْطَلا
ولو أننی فیکمْ وقد قصدوا لكمْ
شَهِدْتُ وقِرْنِ قد تركْتُ مُجَدَّلا
فيارُبٌ جَمْعٍ قد فَللتُ وغارةٍ
فبعث المستورد إلى أصحابه فقال لهم : اخرجوا من هذه القبيلة لا يُصِب
امرأ(١) مسلمًا فى سبينا بغير علم معرّةٌ . وكان فيهم بعضُ من يرى رأيهم ،
فاتّعدوا سورًا ، فخرجوا إليها متقطعين من أربعة وخمسة وعشرة، فتتامّوا بها
ثلثمائة رجل ، ثم ساروا إلى الصَّراة ، فباتوا بها ليلةً .
ثم إنّ المغيرة بن شُعبة أخبر خبرَهم، فدعا رؤساء الناس، فقال :
إنّ هؤلاء الأشقياء قد أخرجهم الحيْن وسوءُ الرأى، فمن تَرَوْن أبعثُ إليهم ؟
قال: فقام إليه عدىّ بن حاتم، فقال: كلُّنا لهم عدوّ، ولرأيهم مسفِّه(٢)،
وبطاعتك مستمسك، فأيَّنا شئت سار إليهم .
فقام معقل بن قيس، فقال : إنك لا تبعث إليهم أحداً ممن ترى حولك
من أشراف المصر إلا وجدتَه سامعًا مطيعاً ، ولهم مفارقًا، ولهلاكهم محبًا،
ولا أرى أصلحك الله أن تبعث إليهم أحداً من الناس أعدَى لهم ولا أشدّ
عليهم منّى ، فابعثْنى إليهم فإنى أكفيكَهم بإذن الله ؛ فقال : اخرج
على اسم اللّه ؛ فجهّز معه ثلاثة آلاف رجل .
وقال المغيرة لقَبِيصة بن الدمُّون : الصق لى بشيعة علىّ، فأخرجهم مع
مَعَقِل بن قيس ، فإنه كان من رءوس أصحابه ، فإذا بعثت بشيعته الذين
كانوا يعرفون فاجتمعوا جميعاً، استأنس بعضهُم ببعض وتنَاصَحوا، وهم
أشدّ استحلالا لدماءِ هذه المارِقة ، وأجرأ عليهم من غيرهم ، وقد قاتلوا قبل
هذه المرّة .
قال أبو مخنف : فحدّثّنى الأسود بن قيس ، عن مرّة بن منقذ بن
النعمان، قال : كنتُ أنا فيمن نُدب معه يومئذ ؛ قال : لقد كان صعصعة
ابن صُوحان قامَ بعد معقل بن قيس وقال : ابعثْنى إليهم أيّها الأمير ،
٣٨/٢
(١) س: ((لا يهلك امرؤ.)).
(٢) س: ((مبغض)).

١٨٩
سنة ٤٣
فأنا واللّه لدمائهم مستحلّ، وبحملها مستقِلّ؛ فقال : اجلس ؛ فإنما أنت
خطيب، فكان أحفَظَه ذلك ، وإنما قال ذلك لأنه بلغه أنّه يعيب عثمانَ بنّ
عفّان رضى الله عنه، ويُكثِر ذكرَ علىّ ويفضّله، وقد كان دعاه ، فقال:
إيّاك أن يبلغنى عنك أنك تعيب عثمانَ عند أحد من الناس، وإيّاك أن يبلغنى
عنك أنك تُظهر شيئًا من فضل علىِّ علانيةً ، فإنك لست بذا کر من فضل
علىّ شيئًا أجهَلُه ، بل أنا أعلم بذلك ، ولكن هذا السلطان قد ظهر، وقد
أخذْنا بإظهار عيبه للناس ، فنحن نَدع كثيراً مما أمرنا به ، ونذكر الشىء
الذى لا نجد منه بدًّا، ندفع به هؤلاء القومَ عن أنفسنا تقيّة ، فإن كنتَ
ذاكراً فضله فاذكره (١) بينك وبين أصحابك وفى منازٍلِكم سرًّا، وأما علانية"
فى المسجد فإنّ هذا لا يحتمله الخليفةُ لنا، ولا يعذرنا به، فكان يقول له :
نعم أفعل ، ثم يَبلُغه أنه قد عاد إلى ما نهاه عنه ، فلما قام إليه وقال له :
ابعثْنى إليهم ، وجد المغيرة قد حَقَد عليه خلافه إياه ، فقال : اجلس فإنما
أنت خطيب ، فأحفَظَه ، فقال له : أوَما أنا إلا خطيب فقط ! أجل
واللّه، إنّى للخطيب الصّليب الرئيس، أما والله لو شهدتى تحت راية
عبد القَيْس يومَ الجمل حيث اختلفت القنا، فشئون تُفْرَى، وهامةٌ تُختلى،
لعلمتَ أنى أنا الليث الهِزَبْر ؛ فقال: حَسْبك الآن، لعمرى لقد أوتيت
لسانًا فصيحاً ، ولم يكبَث قبيصة بن الدمُّون أن أخرج الجيشَ مع معقل ،
وهم ثلاثة آلاف نُقاوة الشيعة وفُرْسانهم .
٣٩/٢
قال أبو مخنف : فحدّثّى النّضربن صالح ، عن سالم بن ربيعة ،
قال: إنى جالس عند المغيرة بن شُعْبة حين أتاه معقل بن قيس يسلّم عليه
ويودّعه، فقال له المغيرة: يا معقِل بن قيس، إنِّى قد بعثت معك فُرْسانَ
أهلِ المصْر ، أمرت بهم فانتُخبوا انتخابًا ، فسرْ إلى هذه العصابة المارقة الذين
فارقوا جماعتنا ، وشهدوا عليها بالكُفْر ، فادعهم إلى التَّوْبة ، وإلى الدّخول
فى الجماعة، فإن فعلوا فاقبل منهم ، واكفُفْ عنهم ، وإن هم لم يفعلوا
فناجِزْهم، واستعن بالله عليهم.
(١) س: ((فاذكر ذلك)).

١٩٠
سنة ٤٣
فقال معقل بن قيس : سندعُوهم ونعذِرِ ، وإيمُ اللّه ما أرى أن يقبلوا ،
ولئن لم يقبلوا الحقّ لا نقبل منهم الباطل، هل بلغَك-أصلحك الله-أين منزل
القوم؟ قال: نعم، كتب إلىّ سماك بن عُبَيَد العبسىّ - وكان عاملاً له على
المدائن - يُخبرنى أنهم ارتحلوا من الصَّراة ، فأقبلوا حتى نزلوا بَهُرَسير ،
وأنهم أرادوا أن يَعْبروا (١) إلى المدينة العتيقة التى بها منازل (٢) كسرى وأبيض
المدائن ، فمنعهم سماك أن يجوزوا ، فنزلوا بمدينة بَهُرَسِير مقيمين، فاخرج
إليهم ، وانكمش (٣) فى آثارهم حتى تلحقَهم، ولا تَدَعهم والإقامة"
فى بلد ينتهى إليهم فيه أكثر من الساعة التى تدعوهم فيها ، فإن قبلوا وإلا
فناهِضْهم ، فإنهم لن يقيموا ببلد يومين إلا أفسدوا كلّ من خالَطَهم .
فخرج من يومه فبات بسورا ، فأمر (٤) المغيرة مولاه ورّادًا، فخرج إلى الناس
فى مسجد الجماعة ، فقال : أيّها الناس، إنّ معقل بن قيس قد سار إلى
هذه المارقة ، وقد بات الليلةَ بسورا، فلا يتخلّفن"(٥) عنه أحد من أصحابه .
ألا وإنّ الأمير يخرج على كلّ رجل من المسلمين منهم، ويعزم عليهم أن
يبيتوا بالكوفة، ألا وأيُّما رجل من هذا البعث وَجَدناه بعد يومنا بالكوفة فقد
أحلّ بنفسه .
٤٠/٢
قال أبو مخنف : وحدثنى عبد الرحمن بن جندب (٦)، عن عبد الله بن
عُقْة الغَنَوَىّ ، قال : كنت فيمن خرج مع المستورد بن عُلّفة، وكنت
أحدثرجل فيهم. قال: فخرجناحتى أتينا الصَّراة، فأقمنابهاحتى تتامّت جماعتُنا،
ثم خرجْنا حتى انتهينا إلى بَهُرُسير، فدخلناها ونذ ربنا سماكبن عبيد العبسىّ،
وكان فى المدينة العتيقة ، فلما ذهبنا لنعبر الجسرَ إليهم قاتلْنا عليه ، ثم قطعه
علينا ، فأقمنا ببَهُرسير . قال: فدعانى المستورد بن عُلّفة، فقال: أتكتب
يابن أخى ؟ قلت : نعم ، فدعا لى برَقُ ودَوَاة ، وقال: اكتب : مِن عبد الله
(١) ف: ((يصيروا)).
(٢) ف: ((منار)).
(٣) س: ((وانكمن)).
(٤) ف: ((وأمر)).
(٥) ف: ((فلا یتخلف )).
(٦) ط: ((حبيب)). وانظر التصويبات.

١٩١
سنة ٤٣
المستورد أمير المؤمنين إلى سماك بن عبيد ، أمّا بعد ، فقد نقِمْنا على قومنا
الجَوْر فى الأحكام ، وتعطيلَ الحدود ، والاستئثارَ بالفىء، وإنا ندعوك إلى
كتاب الله عزّ وجل وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم، وولاية أبى بكر وعمر رضوان
الله عليهما، والبراءة من عثمانَ وعلىّ، لإحداثهما فى الدّين ، وتركهما حكمَ
الكتاب، فإنْ تتقبّل فقد أدركت رُشْدَك، وإلا تقبّل فقد بالغنا (١) فى
الإعذار (٢) إليك، وقد آ ذنّاك بحرب، فتَبَذْنا إليك على سواء، إنّ اللّه
لا يحبّ الخائنين . قال : فقال المستورد : انطلق إلى سماك بهذا الكتاب فادفعه
إليه ، واحفظ ما يقول لك ، والقَنِى.
٤١/٢
قال : وكنت فتَّى حَدَثًا حين أدركتَ، لم أجرّب الأمور ، ولا علمَ لى
بكثير منها ، فقلت : أصلحك الله! لو أمرتتنى أن أستعرضَ دجلة فألقِىّ
نفسى فيها ما عصيتُك ، ولكن تأمن علىّ سماكًا أن يتعلق بى، فيحبسنى
عنك ، فإذا أنا قد فاتنى ما أترجّاه من الجهاد ! فتبسم وقال : یابن أخى ،
إنما أنت رسولٌ ، والرسول لا يُعرَض له ، ولو خشيتُ ذلك عليك لم أبعثْك ،
وما أنت على نفسك (٣) بأشفَق منى عليك . قال : فخرجتُ حتی عبرتُ إليهم
فى مَعْبَر ، فأتيت سماك بن عبيد، وإذا الناس حولَه كثير . قال : فلما
أقبلتُ نحوَهم أبَدُّونى أبصارَهم ، فلما دنوتُ منهم ابتدرنى نحوٌ من عشرة ،
وظننتُ واللّه أنّ القومَ يريدون أخذى، وأنّ الأمرّ عندهم ليس كما ذكر لى
صاحبى ، فانتضَيْت سَيْفى، وقلتُ: كلاّ، والذى نفسى بيده، لا تَصِلون
إلىّ حتى أعذرٍ إلى الله فيكم، قالوا لى : يا عبدَ اللّه، من أنت ؟ قلت :
أنا رسولُ أميرِ المؤمنين المستورد بن عُلّفة، ؛ قالوا: فلِمَ انتضيَت سيفَك ؟
قلت : لابتداركم إلىّ، فخفت أن توثقونى وتغدُرُوا بى . قالوا : فأنت آمِن ،
وإنما أتيناك لنقوم إلى جَنْبِك، وتُمسِكَ بقائم سيفك، وننظر ماجئت له،
وما تسأل؛ قال: فقلت لهم: ألست آمِنًا حتى تردّونى إلى أصحابى ؟ قالوا:
بلى ، فشِمْتُ سيفى، ثم أتيت حتى قمت على رأسِ سماك بن عُبَيْد وأصحابُه
٤٢/٢
(١) ط: ((أبلغنا )).
(٢) س: ((الإغدار)).
(٣) س: ((بأشفق على نفسك)).

١٩٢
سنة ٤٣
قد انتشبوا بى (١)، فمنهم مُمسِك بقائمِ سيفى، ومنهم ممسكٌ بعَضُدِى، فدفعتُ
إليه كتابَ صاحبى ، فلما قرأه رفع رأسه إلىّ، فقال: ما كان المستورِد عندى
خليقًا لِما كنت أرَى من إخباته وتَوَاضُعه أن يخرج على المسلمين بسَيْفه،
يَعْرِض على المستورد البراءة من علىّ وعثمان، ويدعونى إلى ولايته ! فبئس"
واللّهِ الشيخ أنا إذًا! قال: ثم نظر إلىّ فقال: يا بُنىّ، اذهبْ إلى صاحبك
فقل له : اتّق اللّهَ وارجع عن رأيك، وادخُل فى جماعة المسلمين ، فإن أردتَ
أن أكتبَ لك فى طلب الأمان إلى المغيرة فعلت ، فإنك ستجده سريعًا إلى
الإصلاح، محبًا للعافية: قال : قلت له ، وإنّ لى فيهم يومئذ بصيرة ،
هيهات ! إنما طلبْنا بهذا الأمر الذى أخافنا فيكم فى عاجل الدنيا الأمن عند
الله يوم القيامة؛ فقال لى: بؤساً لك! كيف أرحمُك! ثم قال لأصحابه :
إنهم خلَوْا بهذا. ثم جعلوا يقرءون عليه القرآن ويتخضّعون ويتباكون، فظنّ بهذا
أنهم على شىء من الحقّ، إن هم إلاّ كالأنعام، بل هم أضلّ سبيلاً، واللّه
ما رأيتُ قومًا كانوا أظهرَ ضلالة ، ولا أبينَ شؤمًا، من هؤلاء الذين ترْون!
قلت : يا هذا إننى لَمْ آتِك لأشاتِمك ولا أسمع حديثك وحديثَ
أصحابك ، حدِّثنى ، أنت تجيبنى إلى ما فى هذا الكتاب أم لا تفعل فأرجع
إلى صاحبي ؟ فنظر إلىّ ثم قال لأصحابه: ألا تعجبون إلى هذا الصبىّ!
والله إنّى لأرانى أكبر من أبيه ، وهو يقول لى: أتجيبنى إلى ما فى هذا الكتاب !
انطلق يا بُنىَّ إلى صاحبك ، إنما تَندَم لو قد اكتنفتْكم الخيلُ، وأشرِعت
فى صدوركم الرَّماح، هناك تتمنَّى لو كنتَ فى بيت أمِّك! قال: فانصرفتُ
من عنده فعبرتُ إلى أصحابى ، فلما دنوتُ من صاحبى قال : ما ردّ عليك ؟
قلت : ما ردّ خيراً؛ قلت له : كذا وقال لى : كذا ، فقصصتُ عليه
القصّة ؛ قال: فقال المستورد: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ
أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ * خَتَمَ اللهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَعَلَى سَمْعِهِمْ وَعَلَى
أَبْصَارِهِمِ غِشَاوَةٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾.(٢)
٤٣/٢
(١) ف: ((أنشبوا بى))، س: ((اكتنفونى))
(٢) سورة البقرة ٦،
-

١٩٣
سنة ٤٣
قال : فلبثنا بمكاننا ذاك يومين أو ثلاثة أيّام ، ثم استبان لنا مسير معقل
ابن قيس إلينا. قال: فجمَعَنا المستورد، فحمد الله وأثنَى عليه ، ثم
قال : أمّا بعدُ ، فإن هذا الخَرِق معقل بن قيس قد وجه إليكم وهو من
السَّبَئِيَّة المفترِين الكاذبين ، وهو اللّه ولكم عدوّ، فأشيروا علىّ برأيكم .
قال : فقال له بعضنا: واللّه ما خرجْنا نريد إلا اللّه، وجهاد مَن عادى اللّه،
وقد جاءونا فأين نذهب عنهم !بل نقيم حتى يحكم الله بيننا وبينهم وهو خير
الحاكمين . وقالت طائفة أخرى: بل نَعتزِل ونَتَنحًى، ندعو الناسَ ونختجٌ
عليهم بالدعاء .
٤٤/٢
فقال : يا معشر المسلمين ، إنى والله ما خرجتُ ألتمس الدنيا ولا ذكرها
ولا فخرَها (١) ولا البقاءَ ، وما أحبّ أنها لى بحذافيرها، وأضعاف ما يُتنافَس
فيه منها بقبالٍ (٢) نعلى! وما خرجتُ إلا الماسَ الشهادة، وأن يهديَنى الله إلى
الكرامة بهوان بعض أهلِ الضّلالة ، وإنى قد نظرت فيما استشرتُكم فيه فرأيت
ألّ أقيمَ لهم حتى يُقْدِموا عَلىّ وهم جامون(٣) متوافِرون، ولكنْ رأيت أن
أسيرً حتى أمعِن، فإنهم إذا بلغهم ذلك خرجوا فى طَلَبِنا، فتقطعوا وتبدّدوا ،
فعَلَى تلك الحال ينبغى لنا قِتالهم، فاخرجوا بنا على اسم الله عزّ وجلّ" .
قال : فخرجنا فمضَينا على شاطئ دِجْلةَ حتى انتهينا إلى جَرْجَرايا ،
فعبَرْنا دِجْلة، فمضينا كما نحن فى أرض جُوخَى حتى بلغنا المذار ، فأقمنا
فيها ، وبلغ عبد الله بن عامر مكاننا الذى كنا فيه ، فسأل عن المغيرة بن
شعبة ، كيف صنع فى الجيش الذى بعث إلى الخوارج ؟ وكم عِدّتهم ؟
فأخبر بعدّتهم ، وقيل له : إنّ المغيرة نظر إلى رجل شريف رئيس قد كان
قاتَلَ الخوارجَ مع علىّ عليه السلام ، وكان من أصحابه ، فبَعثَه وبعث
معه شيعةَ على لعداوتهم لهم ، فقال: أصاب الرأى، فبعث إلى شريك بن
الأعور الحارثىّ - وكان يَرَى رأىَ علىّ عليه السلام - فقال له: اخرج إلى
هذه المارقة فانتخِب ثلاثة آلاف رجل(٤) من الناس، ثم أتْبعهم حتى تُخرجَهم
(١) س: ((فخراً فيها)).
(٣) ط: ((حامون)) تحريف.
(٢) قبال النعل : زمامها .
(٤) س: ((فارس)).
٠

١٩٤
سنة ٤٣
٤٥/٢ من أرض البَصْرة أو تقتلهم. وقال له بينه وبينه: اخرج إلى أعداء اللّه بمن
يستحلّ قتالَهم من أهل البصرة، فظَنّ شريك به إنما يعنى شيعة علىّ عليه
السلام ، ولكنه يكره أن يسمّهم، فانتخب الناس ، وألحّ على فُرسان ربيعة
الذين كان رأيهم فى الشيعة ، وكان تجيبه العظماء منهم . ثمّ إنه خرج فيهم
مقبلاً إلى المستورد بن عُلّفة بالمذار .
قال أبو مخنف : وحدثنى حُصيرة بن عبد الله بن الحارث، عن أبيه
عبد الله بن الحارث ، قال : كنت فى الذين خرجوا مع معقل بن قيس ،
فأقبلتُ معه ، فوالله ما فارقتُه ساعة من نهار منذ خرجتُ ، فكان أوّل منزل
نزلناه سُورا .
قال : فمكثْنا يومًا حتى اجتمع إليه جُلُّ أصحابه ، ثمّ خرجنا مسرِعِين
مبادٍرين لعدوّنا أن يفوتنا، فبعثْنا طليعةً ، فارتحلنا فنزلنا كُوثَى ، فأقمْنا
بها يوماً حتى لحق بنا مَنْ تخلَّف، ثم أدلج بنا من كُوثَى، وقد مَضَّى
من الليل هزيع ، فأقبلْنا حتى دنوْنا من المدائن ، فاستقبَلَنا الناسُ فأخبرونا
أنهم قد ارتحلوا ، فشقّ علينا واللّهِ ذلك، وأيقَنّا بالعَناء وطولِ الطََّب.
قال : وجاء معقلُ بنُ قيس حتى نزل باب مدينة بَهُرَ سير ، ولم يدخلْها،
فخرج إليه سماك بن عبيد ، فسلّم عليه ، وأمر غلمانَه ومواليه فأتّوْه بالجزر
والشعير والقَتّ، فجاءوه من ذلك بكلّ ما كفاه وكفى الجُنْد الذين كانوا معه .
ثم إن معقل بن قيس بعد أن أقام بالمدائن ثلاثًا جمَعَ أصحابَه فقال :
٤٦/٢ إن هؤلاء المارقة الضُّلّل إنما خرجوا فذهبوا على وجوههم إرادة أن تتعجّلوا فى
آثارهم، فتقطعوا وتبدّدوا(١)، ولا تلحقوا بهم إلا وقد تعبِّم ونصبتم،
وأنه ليس شىء يدخل عليكم من ذلك إلا وقد يدخل عليهم مثله ، فخرج
بنا مِن المدائن ، فقدم بين يديه أبو الروّاغ الشاكرىّ فى ثلثمائة فارس ، فأتبع
آثارهم ، فخرج معقل فى أثره ، فأخذ أبو الروّاغ يسأل عنهم ، ويتركب
الوجه الذى أخذوا فيه ، حتى عَبَرُوا جَرْ جرايا فى آثارهم ، ثم سلك الوجه
(١) ف: ((فيتقطعوا ويتبد دوا)).

!
١٩٥
سنة ٤٣
الذى أخذوا فيه ، فاتّبعهم ، فلم يزل ذلك دأبه (١) حتى لحقهم بالمذار مقيمين ،
فلما دنا منهم استشار(٢) أصحابه فى لقائهم وقتالهم قبل قدوم معقل عليه ،
فقال له بعضهم : أقدم بنا عليهم فلنقاتلْهم ، وقال بعضهم: والله ما نرى
أن تَعَجَل إلى قتالهم حتى يأتينا أميرُنا، ونلقاهم بجماعتنا.
قال أبو مخنف : فحدّثنى تليد بن زيد بن راشد الفائشىّ أنّ أباه كان
معه يومئذ . قال: فقال لنا أبو الروّاغ : إنّ معقل بن قيس حين سرّحنى
أمامَه أمرنى أن أتبع آثارَهم، فإذا لحقتُهم لم أعْجَل إلى قتالهم حتى يأتينى.
قال: فقال له جميع أصحابه : فالرأى الآن بيِّن، تنحَّ بنا فلنكن قريباً
منهم حتى يقدم علينا صاحبُنا ، فتنحّينا - وذلك عند المساء - قال: فبتنا
ليلتنا كلها متحارسين حتى أصبحنا، فارتفع الضُّحتى ، وخرجوا علينا ، قال:
فخرجنا إليهم وعدّتهم ثلثمائة ونحن ثلثمائة، فلما اقتربوا (٣) شَدّوا علينا،
فلا والله ما ثبت لهم منا إنسان؛ قال: فانهزمنا ساعة ، ثم إن أبا الرّواغ صاح بنا
وقال : يا فُرسان السوء، قبّحكم اللّه سائر اليوم! الكرّة الكرّة! قال:
فحَمَل وحملْنا معه ، حتى إذا دنوْنا من القوم كرّ بنا ، فانصرفنا وكرّوا
علينا، وكَشَقونا(٤) طويلاً، ونحن على خيل مُعَلمة جيادٍ، ولم يُصَب
منا أحد ، وقد كانت جراحات (٥) يسيرة ، فقال لنا أبو الرّواغ: ثَكلِتْكم
أمهاتكم! انصرِفِوا بنا فلنكرّ قريبًا منهم ، لا نزايلهم حتى يقدَم علينا أمیرُنًا ،
فما أقبح بنا أن نرجع إلى الجيش، وقد انهزمنا من عدوّنا ولم نصبر لهم حتى يشتد
القتال وتكرّ القتلى. قال: فقال رجل منا يجيبه: إنّ الله لا يستحي من
الحقّ، قد والله هزمونا، قال أبو الروّاغ: لا أكثر اللّه فينا ضربك! إنّا ما لم
ندع المعركةَ فلم نهزم(٦)، وإنا متى عطفنا عليهم وكنا قريبًا منهم فنحن على
حال حسنة حتى يقدم علينا الجيش ، ولم نرجع عن وَجْهنا ، إنه والله لو
كان يقال : انهزم أبو حمران حُمَيِّر بن بجيْر الهمْدانىّ، ما باليت ، إنما
٤٧/٢
(١) س: (( شأتهم)).
(٣) س: ((قربوا)).
(٥) س: ((جراحة)).
(٢) س: ((أشار)).
(٤) س: ((فكشفونا)).
(٦) س: ((فنهزم)).

١٩٦
سنة ٤٣
يقال : انهزم أبو الروّاغ ؛ فقفوا قريباً ، فإن أتَوْكم فعجزتم عن قِتالِهم
فانحازوا(١)، فإن حملوا عليكم فعجزتم عن قتالهم فتأخّروا وانحازوا إلى
حامِيّة ، فإذا رجعوا عنكم فاعطفوا عليهم، وكونوا قريبًا منهم، فإنّ الجيش
آتيكم إلى ساعة. قال : فأخذت الخوارجُ كلّما حملتْ عليهم انحازوا وهم
٤٨/٢ كانوا (٢) حامية، وإذا أخذوا فى الكرّة عليهم فتفرّق جماعتُهم قرب
أبو الرّواغ وأصحابه على خيلهم فى آثارهم ، فلما رأوا أنهم لا يفارقونهم، وقد
طاردوهم هكذا من ارتفاع الضحى إلى الأولى. فلما حضرت صلاةُ الظهر نزل
المستورد للصّلاة ، واعتزل أبو الرّواغ وأصحابه على رأس ميل منهم أو
ميلين، ونزل أصحابُه فصلّوا الظهر، وأقاموا رجلين رَبيئةً ، وأقاموا مكانَهم
حتى صلَّوا العصر. ثم إنّ فَّى جاءهم بكتاب معقل بن قيس إلى أبى الرّواغ،
وكان أهل القرى وعابرو السبيل يمرّون عليهم ويرونهم يقتتلون ، فمن مَضَى
منهم على الطريق نحو الوَجْه الذى يأتى من قبله معقل استقبل معقلا
فأخبره بالتقاء أصحابه والخوارج ، فيقول : كيف رأيتموهم يصنعون ؟
فيقولون : رأينا الحَرُ وريّة تطرد أصحابَك ، فيقول: أما رأيتم أصحابى يتعطفون
عليهم ويقاتلونهم ؟ فيقولون: بلى، يعطفون عليهم وينهزمون : فقال: إن كان
ظنىّ بأبى الروّاغ صادقًا لا يقدم عليكم منهزمًا أبداً . ثم وقف عليهم ،
فدعا مُحرز بن شهاب بن بجير بن سُفْيان بن خالد بن مِنقَر التميمى
فقال له : تخلَّف فى ضَعَفة الناس ، ثم سِرْ بهم على مَهَل ، حتى تقدم
بهم علىّ، ثم نادٍ فى أهل القوّة: ليتعجل كلّ ذى قوّة معى، اعجلوا إلى
إخوانكم، فإنهم قد لاقَوْا عدوهم، وإنى لأرجو (٣) أن يُهلِكَهم الله قبل أن
تصلوا إليهم .
قال: فاستجمَعَ من أهل القوّة والشجاعة وأهلٍ(٤) الخيل الجياد نحو
من سبعمائة ، وسار فأسرع ، فلما دنا من أبى الرّغ قال أبو الرواغ : هذه
٤٩/٢
(١) س: ((فتأخروا)).
(٢) س: ((كأنهم)).
(٣) ف: ((أرجو)).
(٤) ف: ((والخيل)).

١٩٧
سنة ٤٣
غَبَرَة الخيل ، تقدَّموا بنا إلى عدونا حتى يقدم علينا الجند ، ونحن منهم
قريب ، فلا يَرَوْن أننا تنحّينا عنهم ولا هِبْناهم . قال : فاستقدم أبو الرّواغ
حتى وقف مقابل المستورد وأصحابه ، وغشيتهم معقل فى أصحابه ، فلما دنا
منهم غربت الشمس ، فتزل فصلَّى بأصحابه ، ونزل أبو الرّواغ فصلّى
بأصحابه فى جانب آخر، وصلّى الخوارج أيضًا. ثم إنّ معقل بن قيس أقبل
بأصحابه حتى إذا دنا من أبى الرّواغ دعاه فأتاه ، فقال له : أحسنت أبا الرّواغ!
هكذا الظنّ بك، الصبر والمحافظة. فقال: أصلحك الله! إنّ لهم شَدّات منكرات،
فلا تكن أنت تليها بنفسك ، ولكن قَدّم بين يديك من يقاتلهم ، وكن أنت
مِن وراء الناس رِدءاً لهم؛ فقال: نِعِمَ ما رأيت! فواللهِ ما كان إلا رَيْئَما
قالها حتى شدّوا عليه وعلى أصحابه ، فلما غَشوه انجَقَل عنه عامّةُ أصحابه،
وثَبتَ ونزل ، وقال : الأرضَ الأرضَ يا أهلَ الإسلام! ونزل معه أبو الروّاغ
الشاكرىّ وناسٌ كثيرٌ من الفُرْسان وأهلِ الحفاظ نحو مائتى رجل ، فلما
غشيَهم المستورد وأصحابُه استقبَلوهم بالرّماح والسيوف، وانجفلتْ خيلُ
معقل عنه ساعة ، ثم ناداهم مسكين بن عامر بن أنَيْف بن شُريح بن
عمرو بن عُدُس - وكان يومئذ من أشجع الناس وأشدِّهم بأسًا - فقال :
يا أهلَ الإسلام، أين الفرار، وقد نَزّل أميركم! ألا تستحيُون! إنّ الفرار
مَخزاةٌ وعار ولؤم، ثمّ كرّ راجعًا، ورجعتْ معه خيلٌ عظيمة، فشدّوا ٢/ ..
عليهم ومعقل بن قيس يُضارِبهم تحت رايته (١) مع ناس نزلوا معه من
أهل الصّبر ، فضَرَبوهم حتى اضطروهم إلى البيوت، ثمّ لم يلبثوا إلا قليلاً
حتى جاءهم مُحرِز بن شهاب فيمن تخلَّف من الناس ، فلما أتوهم أنزلتهم
ثم صَفّ لهم، وجعل ميمنةً وميسرة ، فجعل أبا الرّواغ على ميمنته ومحرزَ بن
بُجير بن سُفيان على مَيَسرته ومسكينَ بن عامر على الخيل ، ثم قال لهم :
لا تَبَرَحوا مصافّكم حتى تصبحوا، فإذا أصْبَحتم ثُرْنا إليهم فناجَزْناهم،
فوقف الناس مواقفهم على مصافِّهم .
قال أبو مخنف : وحدثنى عبد الرحمن بن جندب ، عن عبد الله بن
(١) ف: ((راياته)) .

١٩٨
سنة ٤٣
عُقْبَة الغَنّوِىّ ، قال : لما انتهى إلينا معقل بن قيس قال لنا المستورد : لا
تَدَعُوا مَعَقِلاً حتى يعبِّىّ لكم الخيل والرَّجْل، شُدّوا عليهم شَدَّةً
صادقةً، لعلّ اللّه يَصرَعه فيها. قال: فشددْنا عليهم شَدّة صادقة ،
فانكشفوا فانفضّوا ثم انجفلوا ووثب مَعِقل عن فرسِه حين رأى إدبارَ أصحابه
عنه ، فرفع رايته ، ونزل معه ناس من أصحابه ، فقاتلوا طويلاً ، فصَبروا
لنا ، ثم إنهم تداعتَوا علينا، فعطفوا علينا من كلّ جانب، فانحزْنا حتى
جعلنا البيوتَ فى ظهورنا ، وقد قاتلْناهم طويلاً ، وكانت بيننا جِراحةٌ وقتلٌ
يسير .
قال أبو مخنف: حدثنى حصيرة بن عبد الله، عن أبيه أنّ مُمّير بن أبى
أشاءة الأزدىّ قُتل يومئذ ، وكان فيمن نزل مع معقل بن قيس ، وكان رئيساً.
قال : وكنتُ أنا فيمن نَزَل معه، فوالله ما أنسى قولَ عُمَيْر بن أبى أشاءة
ونحن نقتتل وهو يضارِبِهُم بسيفه قُدْمًا:
٥١/٢
قد عَلِمَتْ أَنّى إِذا ما أَقْشَعُوا عَنْىَ والتاثَ اللئامُ الْوُضَّحُ (١)
· أَحْوَسُ عند الرَّوْعِ نَذْبُ أَرْوَعُ (٢).
وقاتل قتالاً شديداً ما رأيت أحداً قاتَلَ مثله ، فَجرَح رجالاً كثيراً ،
وقتل وما أدرى أنه قتل، ما عدا واحداً وقد علمت أنه اعتنقه، فخرّ على صدره
فذبحه، فما حزّ رأسَه حتى حمل عليه رجلٌ منهم فطَعنّه بالرمح فى ثُغْرة
فَحرِهِ، فخرً عن صدره، وانجَدَل ميّتًا، وشددْنا عليهم، وحُزْناهم إلى
القَرْية، ثم انصرفْنا إلى معركتنا، فأتيتُه وأنا أرجو أن يكون به رَمَق ، فإذا
هو قد فَاظ (٣)، فرجعتُ إلى أصحابى فوقفتُ فيهم .
قال أبو مخنف : وحدثنى عبد الرحمن بن جندب ، عن عبد الله بن عقبة
(١) س: ((الرضّع)): جمع راضع ؛ وهو الثيم.
(٢) الأحوس: الرجل الجرىء. والندب: الخفيف إلى الأمر. والأروع: الرجل الكريم
ذو الجسم والجهارة .
(٣) فاظت نفسه؛ هلك، مثل ((فاضت)).

١٩٩
سنة ٤٣
الغنوىّ، قال: إنا لمتواقِفون (١) أوّلَ الليل إذا أتانا رجل كنا بعثْناه أوّل"
الليل ، وكان بعض من يمرّ الطريق قد أخبرنا أنّ جيشًا قد أقبل إلينا
من البنّصرة ، فلم نكترِث ، وقُلْنا لرجل من أهل الأرض وجعلْنا له
جُعْلًا : اذهبْ فاعلم هل أتانا من قِبل البصرة جيش ؟ فجاء ونحن
مواقفو أهل الكوفة ، وقال لنا : نعم ، قد جاءكم شريكُ بن الأعور ،
وقد استقبلت طائفة على رأس فرسخ عند الأولى ، ولا أرى القومَ إلا
نازلين بكم الليلة ، أو مُصبِّحيكم غُدْوة . فأسقط فى أيدينا .
٠٢/٢
وقال المستورد لأصحابه : ماذا ترون ؟
قلنا : نرى ما رأيت ، قال: فإنى لا أرى أن أقيمَ لهؤلاء جميعًا ،
ولكن (٢) نرجع إلى الوجه الذى جئنا منه، فإنّ أهلَ البَصْرة لا يتبعونا إلى
أرض الكوفة ، ولا يتبعنا حينئذ إلا أهلُ مِصْرنا، فقلنا له : ولِمَ ذاك؟ فقال:
قتال أهلِ مصرٍ واحد أهوَن علينا من قتال أهلِ المِصْرَين ؛ قالوا : سِرْ بنا
حيث أحببتَ ، قال : فانزلوا عن ظهور دوابُكم فأرِيحوا ساعة ، وأقضِموها ،
ثم انظروا ما آمُركم به ؛ قال : فنزلْنا عنها ، فأقضمْنَاها ؛ قال : وبيننا
وبينهم حينئذ ساعة قد ارتفعوا عن القرية مخافة أن نبيِّتُهم؛ قال: فلما أرحْناها
وأَقْضَمْناها أمَرَنا فاستوَيْنا على مُتونها ، ثم قال : ادخُلُوا القرية ، ثم اخرجوا
من ورائها، وانطلقوا معكم بعلْجٍ يأخذ بكم من ورائها، ثم يعود بكم حتى
يردّكم إلى الطريق الذى منه أقبلتم، وَدَعُوا هؤلاء مكانَهم ، فإنهم لم يشعُرُوا
بكم عامة الليل ، أو حتى تصبحوا . قال : فدخلْنا القرية وأخذْنا عِلْجا ،
ثمّ خرجْنا به أمامنا، فقلنا: خذْ بنا من وراء هذا الصّفّ حتى نعودَ إلى
الطريق الذى منه أقبلْنا . ففعل ذلك ، فجاء بنا حتى أقامَنا على الطريق الذى
منه أقبَلْنا ، فلزِمناه راجِعين، ثم أقبلْنا حتى نزلنًا جَرْ جَرَايا .
قال أبو مخنف : حدثنى حُصَيرة(٣) بن عبد اللّه، عن أبيه عبد الله بن
الحارث، قال: إنّ أوّل من فَطِن لذّهابهم (٤)؛ قال: فقلت: أصلحك
(١) ف: ((لمتوقفون))، س: ((لمتوافقون)).
(٣) ف: (حصين)).
(٤) ف: ((لدهاتهم)).
(٢) س: ((ولكنا )).

٢٠٠
سنة ٤٣
٥٣/٢ الله! لقد رابنى أمر هذا العدوّ منذ ساعة طويلة ، إنهم كانوا مواقفین نرى
سوادَ هم ، ثمّ لقد خَفِىَ علىَّ ذلك السوادُ منذ ساعة، وإنى لخائف أن يكونوا
زالوا من مكانهم ليكيدوا الناس ؛ فقال : وما تخاف أن يكونَ من كيدهم ؟
قلت : أخاف أن يبيّتوا الناسَ، قال، واللّه ما آمَن ذلك ؛ قال : فقلتُ
له : فاستعدّ لذلك، قال: كما أنت حتى أنظر. يا عتّاب، انطلق فيمن
أحببتَ حتى تدنوَ من القرية فتنظرَ هل ترى منهم أحداً أو تسمح لهم رِكزا !
وسَلْ أهلَ القرية عنهم .
فخرج فى خُمُس الغُزاة يركض حتى نظر القرية فأخذ لا يرى أحداً
يكلّمه ، وصاح بأهل القرية، فخرج إليه منهم ناسٌ ، فسألهم عنهم ، فقالوا:
خرجوا فلا ندرى كيف ذَهَبوا! فرجع إليه عتّاب فأخبره الخبر، فقال معقِل:
لا آمن البَيَات، فأين مُضَر ؟ فجاءت مضر فقال : قفوا ها هنا ، وقال :
أين ربيعة ؟ فجعل ربيعة فى وجه وتمياً فى وجه وهمْدان فى وجه ، وبقيّة
أهل اليمن فى وجه آخر ، وكان كلّ ربع من هؤلاء فى وجه وظهره مما
يلى ظهر الرّبع الآخر، وجالَ فيهم معقل حتى لم يدع ربعًا إلا وقف عليه ،
وقال: أيّها الناس، لو أتوكم فبدَوْا بغيركم فقاتَلوهم فلا تَبَرَحوا(١) أنتم مكانتكم
أبداً حتى يأتيكم أمرى، وليُغْنِ كلّ رجل منكم الوجه الذى هو فيه ،
حتى نُصبحَ فنرى رأينا . فمكثوا متحارسين يخافون بياتَهم حتى أصبحوا،
فلما أصبحوا نزلوا فصلوا، وأتُوا فأخبِروا أنّ القوم قد رجعوا فى الطريق الذى
أقبلوا منه عودّ هم على بدئهم ، وجاء شَرِيك بن الأعور فى جيش من أهل
البصرة حتى نزلوا بمعقل بن قيس فلقيه، فتساءلًا ساعة، ثم إنّ معقلا
قال لشريك: أنا متَّبع آثارهم حتى ألحقهم لعلّ اللّه أن يُهلِكهم، فإنى
٥٤/٢ لا آمن إن قصّرتُ فى طلبهم أن يكثروا . فقام شريك فجمع رجالاً من وجوه
أصحابه، فيهم خالد بنُ مَعْدان الطائىّ وَبَيْهَس بن صُهَيَب الجَرْمىّ،
فقال لهم : يا هؤلاء ، هل لكم فى خير ؟ هل لكم فى أن تسيروا مع إخواننا
من أهل الكوفة فى طلب هذا العدوّ الذى هو عدّو لنا ولهم حتى يستأصلهم
(١) س: ((تتركوا)).