النص المفهرس

صفحات 161-180

١٦١
سنة ٤٠
الموسم ، فعجل الحجّ من أجل ذلك .
٠ ٠ ٠
وفى هذه السنة بويع لمعاوية بالخلافة بإيلياء ؛ حدّثّى بذلك موسى بن
عبد الرحمن ، قال : حدّثنا عثمان بن عبد الرحمن ، قال : أخبرنا إسماعيل
ابن راشد - وكان قبل يدعى بالشأم أميراً - وحُد ◌ّثت عن أبى مسهر ، عن
سعيد بن عبد العزيز، قال : كان علىّ عليه السلام يُدعى بالعراق
أميرَ المؤمنين، وكان معاوية يدعى بالشأم: الأمير، فلما قُتل علىّ ٥/٢
عليه السلام دُعِيَ معاوية : أمير المؤمنين .

ثم دخلت سنة إحدى وأربعين
ذكر الخبر عمّا كان فيها من الأحداث
فمما كان فيها من ذلك تسليم الحسن بن على عليه السلام الأمر إلى معاوية
ودخول معاويةَ الكوفة ، وبيعة أهل الكوفة معاويةً بالخلافة .
ذكر الخبر بذلك :
حدّثنى عبد الله بن أحمد المروزىّ ، قال : أخبرنى أبى، قال : حدّثنا
سليمان، قال: حدثنى عبد اللّه، عن يونس ، عن الزُّهرىّ، قال: بايع
أهلُ العراق الحسنَ بنَ علىّ بالخلافة (١)، فطفِقٍ يشترط عليهم الحسن :
إنكم سامعون مطيعون، تُسالِمون مَنْ سالمْت، وتحارِبون مَن حاربت ،
فارتاب أهلُ العراق فى أمرٍهم حين اشترط عليهم هذا الشرط ، وقالوا: ما هذا
لكم بصاحب ، وما يريد هذا القتال ؛ فلم يلبث الحسنُ عليه السلام بعدّ
ما بايعوه إلا قليلا حتى طُعِن طعنةٌ أَشْوَتْه(٢)، فازداد لهم بُغْضًا، وازداد
منهم ذُعْراً، فكاتب معاوية ، وأرسل إليه بشروط ، قال : إن أعطيتنى
هذا فأنا سامع مطيع ، وعليك أن تفىَ لى به . ووقَعت صحيفةُ الحسن فى يد
معاوية، وقد أرسل معاوية قبل هذا إلى الحسن بصحيفة بيضاء ، مختوم على
أسفلها ، وكتب إليه أن اشترط فى هذه الصحيفة التى ختمتُ أسفلها ما شئت
فهو لك .
٦/٢
فلما أتت الحسنَ اشترط أضعاف الشروط التى سأل معاوية قبل ذلك ،
وأمسكها عنده ، وأمسك معاويةُ صحيفةَ الحسن عليه السلام التى كتب إليه
يسأله ما فيها ، فلما التقى معاويةُ والحسن عليه السلام، سأله الحسن أن يعطيه
الشروط التى شَرَط فى السجلّ الذى ختم معاوية فى أسفله، فأبى معاوية أن
يعطيَه ذلك، فقال: لك ما كنتَ كتبت إلىّ أوّ لا تسألنى أن أعطيكه(٣)،
فإنى قد أعطيتُك حين جاءنى كتابك . قال الحسن عليه السلام : وأنا قد
(١) س: ((على الخلافة)).
(٢) أشوته : نالت منه ولم تصب مقتله .
(٣) س: ((أعطيك)).
١٦٢

١٦٣
سنة ٤١
اشترطتُ حين جاءفى كتابُك ، وأعطيتنى العهد على الوفاء بما فيه . فاختلفا
فى ذلك ، فلم يُنفِذ للحسن عليه السلام من الشروط شيئًا، وكان عَمرو بنُ
العاص حين اجتمعوا بالكوفة قد كلّم معاوية ، وأمره أن يأمر الحسن أن يقوم
ويخطب الناس ، فكره ذلك معاوية، وقال: ما تريد إلى أن يَخْطُب (١) الناس!
فقال عمرو : لكنى أريد أن يَبَدُوَ عِيُّه للناس ؛ فلم يزل عمرو بمعاوية حتى
أطاعه ، فخرج معاوية فخطب الناس ، ثم أمر رجلاً فنادى الحسن بن على
عليه السلام؛ فقال: قم يا حَسَن فكلّم الناس، فتَشهّد فى بديهةِ أمرِلم يروّ فيه،
ثم قال: أما بعد، يأيّها الناس، فإن الله قد هداكم بأوّلنا، وحَقَن دماء كم
بآخرنا ، وإن لهذا الأمر مدّة ، والدنيا دُوّل ، وإن الله تعالى قال لنبيه صلى
اللّه عليه وسلم: ﴿وَ إِنْ أَدْرِى لَعَلَّهُ فِتْنَةٌ لَكُمْ وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ)، (٢)
فلمّاً قالها قال معاوية : اجلس ، فلم يزل ضَرِماً على عَمرو ، وقال: هذا من
رأيك . ولحق الحسن عليه السلام بالمدينة .
٧/٢
حدّثنى عمر، قال: حدّثنا علىّ بن محمد، قال: سلّم الحسن بن على
عليه السلام إلى معاوية الكوفة ، ودخلها معاويةُ لخمس بقين من ربيع الأوّل،
ويقال من جمادى الأولى سنة إحدى وأربعين .
[ ذكر خبر الصلح بين معاوية وقيس بن سعد]
وفى هذه السنة جری الصّلحُ بین معاوية وقیس بن سعد بعد امتناع قيس
من بيعته .
١
ذكر الخبر بذلك :
حدّثنى عبد الله بن أحمد، قال : حدثنى أبى ، قال : حدثنى سليمان
ابن الفَضْل ، قال : حدثنى عبد الله، عن يونس ، عن الزُّهرىّ، قال: لما
كتب عبيدُ اللّه بنُ عباس حين علم ما يريد الحسن من معاوية من طلب الأمان
لنفسه (٣) إلى معاوية يسأله الأمان، ويشترط لنفسه على الأموال التى قد أصاب،
(١) كذا فى س، وفى ط: ((أخطب)).
(٣) ف: ((من طلب الأمان من معاوية)).
(٢) سورة الأنبياء: ١١١.

١٦٤
سنة ٤١
فشَرَط ذلك له معاوية ، بعث إليه معاوية ابنَ عامر فى خيلٍ عظيمة ، فخرج
إليهم عبيد اللّه ليلا حتى لحِق بهم ، ونزل وترك جنده الذى هو عليه(١) لا أمير
لهم ، فيهم قيسُ بن سعد ، واشترط الحسنُ عليه السلام لنفسه ، ثم بايع
معاوية، وأمرت شُرْطةُ الخميس قيسَ بنَ سعد على أنفسهم، وتعاهدوا هو وهم
على قتالِ معاوية حتى يشترط الشيعة علىّ عليه السلام ولمن كان اتّبعه على
أموالهم ودمائهم . وما أصابوا فى الفتنة ؛ فَخلَص معاويةُ حين فرغ من عبيد الله
ابن عباس والحسن عليه السلام إلى مكايدة رجل هو أهمّ الناس عنده مكايدةً،
٨/٢ ومعه أربعون ألفًا، وقد نزل معاوية بهم وعمرو وأهل الشام ، وأرسل معاوية
إلى قيس بن سعد يذكّره الله ويقول: على طاعة من تقاتل، وقد بايتعنى
الذى أعطيتَه طاعتك ؟ فأبى قيس أن يلينَ له، حتى أرسل إليه معاوية بسِجِل
قد ختم عليه فى أسفله، فقال: اكتب فى هذا السجلّ ما شئتَ ، فهو لك.
قال عمرو لمعاوية : لا تُعطِه هذا، وقاتِلْه، فقال معاوية : على رِسْلِكَ!
فإنا لا نَخلُص إلى قتل هؤلاء حتى يقتلوا أعداد هم من أهل الشام ، فما خيرُ
العيش بعد ذلك ! وإنى واللّه لا أقاتله أبداً حتى لا أجد من قتاله بدًّا . فلما
بعث إليه معاوية بذلك السجل اشترط قيس فيه له ولشيعة علىّ الأمان على
ما أصابوا من الدّماء والأموال، ولم يسأل معاوية فى سجله ذلك مالاً (٢)،
وأعطاه معاوية ما سأل ، فدخل قيس ومَن معه فى طاعته ، وكانوا يعُدّون
دهاة الناس حين ثارت الفتنة خمسة رهط، فقالوا : ذوو رأیالعرب ومکیدتهم:
معاوية بن أبى سُفْيان ، وعمرو بن العاص ، والمغيرة بن شعبة ، وقيس بن
سعد؛ ومن المهاجرين عبد الله بن بُدَيل الخزاعىّ؛ وكان قيس وابن بُدَيل
مع علىّ عليه السلام ، وكان المغيرة بن شعبة وعمرو مع معاوية ، إلا أنّ المغيرة
كان معتزلا بالطائف حتى حُكم الحكمان ، فاجتمعوا بأذرُح .
وقيل : إنّ الصلح ثمّ بين الحسن عليه السلام ومعاوية فى هذه السنة فى
٩/٢ شهر ربيع الآخر ، ودخل معاوية الكوفة فى غرّة جمادى الأولى من هذه
(١) ف: ((عليهم)).
(٢ - ٢) س: ((شيئاً إلا أعطاه من مال)).

سنة ٤١
١٦٥
السنة ، وقيل : دَخَلَها فى شهر ربيع الآخر ، وهذا قول الواقدىّ .
[دخول الحسن والحسين المدينة منصرفين من الكوفة ]
وفى هذه السنة دخل الحسنُ والحسين ابنا علىّ عليه السلام منصرٍ فَين
من الكوفة إلى المدينة .
ذكر الخبر بذلك :
ولما وقع الصلح بين الحسن عليه السلام وبين معاوية بمسكن ، قام
- فيما حُدَّثت عن زياد البكتائىّ، عن عوانة - خطيبًا فى الناس فقال :
يا أهل العراق، إنه سَخَّى بنفسى عنكم ثلاث: قتلُكم أبى، وطعنُكم إيّاى،
وانتهابُكم مَتّاعى . قال : ثم إن الحسن والحسين وعبد الله بن جعفر خرجوا
بحَشَمهم (١) وأثقالهم حتى أتوا الكوفة، فلما قَدِمها الحسن وَبَرأ من
جِراحته، خرج إلى مسجد الكوفة فقال : يا أهل الكوفة ، اتقوا الله فى جيرانكم
وضِيفانكم ، وفى أهل بيتِ نبيكم صلى الله عليه وسلم الذين أذهبَ الله عنهم
الرجس وطهرهم تطهيراً. فجعل الناسُ يَبكون، ثم تحمَّلوا إلى المدينة . قال:
وحال أهلُ البصرة بينه وبين خَرَاج دارا بجرد ؛ وقالوا : فيئنا ، فلما خرج إلى
المدينة تلقّاه ناسٌ بالقادسية فقالوا: يا مُذِلّ العَرَب!
:
[ ذكر خروج الخوارج على معاوية ]
وفيها خرجت الخوارجُ (٢) التى اعتزلتْ أيام علىّ عليه السلام بشَهْرَزور
على معاوية .
* ذكر خبرهم :
حدّثّت عن زياد ، عن عوانة ، قال : قدم معاوية قبل أن يَبرّح الحسن
من الكوفة حتى نزل السُّخيلة ، فقالت الحرُوريّة الخمسمائة التى كانت اعتزلتْ
(١) س: ((بجيشهم)).
(٢) س: ((الخارجة)).
١٠/٢

١٦٦
سنة ٤١
بِشَهْرَزور مع فَرْوة بن نوفل الأشجعىّ: قد جاء الآن ما لا شكّ(١) فيه ،
فسيروا إلى معاوية فجاهدوه . فأقبلوا وعليهم فروة بن نوفل حتى دخلوا الكوفة،
فأرسل إليهم معاويةُ خيلاً من خيل أهل الشأم ، فكشفوا أهل الشأم ، فقال
معاوية لأهل الكوفة : لا أمانَ لكم والله عندى حتى تكفّوا بوائقتكم؛ فخرج
أهلُ الكوفة إلى الخوارج فقاتلوهم، فقالت لهم الخوارج: ويلكم! ما تَبْغُون
منّا! أليس معاوية عدوّنا وعدوّ كم! دعُونا حتى نُقاتِله ، وإن أصبْناه كنا
قد کفینا کم عدۆ کم ، وإن أصابنا کنتم قد کفیتمونا ، قالوا : لا والله حتى
نقائِلكم؛ فقالوا (٢): رحم (٣) اللّهُ إخواننا من أهل النّهر، هم كانوا أعلمَ بكم
يا أهل الكوفة . وأخذتْ أشجعُ صاحبَهم فَرْوة بن نوفل-وكان سيد القوم-
واستعملوا عليهم عبد الله بن أبى الخرّ - رجلا من طيّئ ــ فقاتلوهم، فقتِلوا ،
واستعمل معاوية عبد الله بن عمرو بن العاص على الكُوفة، فأتاه المغيرةُ بن
شُعبة وقال لمعاوية : استعملتَ عبد اللّه بن عمرو على الكوفة وعمرًا على مصر،
فتكون أنت بين لحيَىِ الأسَد! فعزلَ عبد الله (٤)، واستعمَلَ المغيرة بن شعبة
على الكوفة ، وبلغ عمراً ما قال المغيرة لمعاوية ، فدخل عمرو على معاوية فقال :
استعملتَ المغيرةَ على الكوفة ؟ فقال : نعم؛ فقال : أجَعَلتَه على الخراج ؟
فقال: نعم ؛ قال : تستعمل المغيرةَ على الخراج فيغتال المالَ ، فيذهب فلا
تستطيع أن تأخذ منه شيئًا ؛ استعمل على الخراج مَن يَخافك ويهابُك(٥)
ويتّقيك. فعزل المغيرةَ عن الخراج، واستعمله على الصّلاة، فلفىَ المغيرةُ عَمراً
فقال : أنت المشيرُ على أمير المؤمنين بما أشرتَ به فى عبد اللّه ؟ قال : نعم ؛
قال : هذه بتلك ؛ ولم يكن عبدُ الله بنُ عمرو بن العاص مضى فيما بلغنى إلى
الكوفة ولا أتاها .
١١/٢
(١) س: ((يشك)).
(٣) س: ((يرحم)).
(٥) س: ((رجلا يهابك ويخافك)).
(٢) ف: ((قالوا)).
(٤) كذا فى س، وفى ط: ((فعزله عنها)).

سنة ٤١
١٦٧
[ ذكر ولاية بسر بن أبى أرطاة على البصرة ]
وفى هذه السنة (١) غلب حُمران بن أبان على البَصْرة ، فوجّه إليه معاوية
بُسراً ، أمره بقتل بنى زياد .
* ذكر الخبر عمّا كان من أمره فى ذلك (٢):
حدّثنى عمربن شبّة ، قال : حدثنى علىّ بن محمد، قال: لما صالح
الحسن بن علىّ عليه السلام معاوية أوّل سنة إحدى وأربعين، وَتَّب حُمران
ابن أبان على البصرة فأخذها ، وغلب عليها ، فأراد معاوية أن يبعث رجلا
من بنى القَيْن إليها، فكلّمه عبيدُ الله بن عباس ألّا يفعل ويبعث غيره، فبعث
بُسر بن أبى أرطاة ، وزعم أنه أمرَه بقتل بنى زياد .
فحدثنى مَسلمة بن مُحارب ، قال : أخذ بعض بنى زياد فحبسه - وزياد
يومئذ بفارس ، كان علىّ عليه السلام بعثَه إليها إلى أكراد خرجوا بها ،
فظَفربهم زياد ، وأقام بإصْطَخْر - قال: فركب أبو بكرة إلى معاوية وهو
بالكوفة، فاستأجَل بُسرًا، فأجّله أسبوعًا ذاهبًا وراجعًا، فسارسبعة أيام ،
فقتل تحته دابّتين ، فكلّمه ، فكتب معاوية بالكفّ عنهم .
١٢/٢
قال : وحدّثّنى بعضُ علمائنا؛ أنّ أبا بكرة أقبل فى اليوم السابع وقد
طلعت الشمس ، وأخرج بُسْر بنى زياد ينتظر بهم غروبَ الشمس ليقتلّهم
إذا وجبتْ، فاجتمع الناس لذلك وأعينُهم طامحة ينتظرون أبا بكْرة ، إذ رُ فع
علم علىْ نَجِيب أو برْذَون يكُده ويجهده، فقام عليه، فنزل عنه، وألاح
بثوبه ، وكبّروكبّر الناسُ، فأقبل يسعى على رجليه (٣) حتى أدرك بُسْرًا قبل
أن يقتلَهم ، فدفع إليه كتابَ معاوية ، فأطلقهم .
حدثنى عمر، قال: حدثنا علىّ بن محمد، قال: خطب بُسْر على مِنبرِ
(١) س: ((وفيها)).
(٢) س: ((ذكر الخبر عن الكائن من أمرهم)).
(٣) ف: ((يسير على راحلته)).

١٦٨
سنة ٤١
البَصرة، فَشتَمَ عليًّا عليه السلام، ثم قال: نشدْتُ (١) اللّه رجلا علم أنى
صادق إلا صَدَّقنى، أو كاذب إلا كذّبنى! قال : فقال أبو بكْرة :
اللهم إنا لا نعلمك إلا كاذباً؛ قال: فأمر به فخُنِقِ، قال: فقام أبو لؤلؤة
الضّبِىّ فرمى بنفسه عليه، فمنعه، فأقطعه أبو بكْرة بعد ذلك مائةَ جَريب.
قال: وقيل لأبى بكثرة: ما أردتَ إلى ما صنعت! قال: أيُناشِدُنَا بالله ثم
لا نصدقه! قال: فأقام بُسْر بالبصرة ستّة أشهر، ثم شَخَص لا نَعلَمه
ولَّى شرطته أحداً .
حدّثنى أحمد بن زهير ، قال : حدثنا علىّ بن محمد ، قال : أخبرنى
سليمان بن بلال ، عن الجارود بن أبى سَبْرة ، قال : صالح الحسنُ عليه
السلام معاوية ، وشَخَص إلى المدينة ، فبعث معاوية بُسْربن أبى أرطاةَ إلى
البصرة فى رجب سنة إحدى وأربعين وزياد متحصّن بفارسَ ، فكتب معاوية
إلى زياد: إنّ فى يديْك مالاً من مال الله، وقد ولِّيت ولاية فأدٌّ ما عندك من
المال . فكتب إليه زياد : إنه لم يَبقَ عندى شىء من المال ، وقد صرفتُ
ما كان عندى فى وجهه، واستودعتُ بعضَه قومًا لنازلة إنْ نزلت، وحملتُ
ما فَضَل إلى أمير المؤمنين رحمةُ اللّه عليه. فكتب إليه معاوية : أن أقبِل
إلىّ ننظر فيما ولُيت، وجرى على يديْك ، فإن استقام بيننا أمرٌ فهو ذاك،
١٣/٢ وإلا رجعتَ إلى مأمَنِك؛ فلم يأته زياد، فأخذ بُسْر بنى زياد الأكابر منهم ،
فحبسهم : عبد الرحمن ، وعبيد الله، وعبّادًا، وكتب إلى زياد: لتقدمنّ على
أمير المؤمنين أو لأقتلنّ بنيك. فكتب إليه زياد: لستُ بارحًا من مكانى الذى
أنا به حتى يحكم الله بينى وبين صاحبك ، فإن قتلت من فى يديك من ولدی
فالمصير إلى اللّه سبحانه، ومن ورائناوورائكم الحساب، ﴿وَسَعْلَمُ الَّذِينَ
ظَلَمُوا أَىَّمُنْقَطَبِ يَنْقَلِبُونَ﴾. فهم بقتلهم، فأتاه أبو بَكْرة فقال: أخذتَ
ولدى وولد أخى غلمانًا بلا ذَنْب ، وقد صالح الحسن معاوية على أمان أصحاب
علىّ حيث كانوا ، فليس لك على هؤلاء ولا على أبيهم سبيل؛ قال: إنّ
على أخيك أموالاً قد أخذها فامتنع من أدائها ؛ قال : ما عليه شىء ، فاكفف
(١) ف: ((أنشد)).

١٦٩
سنة ٤١
عن بنى أخى حتى آتِيَك بكتاب من معاويةَ بتخلِيتَهم . فأجّله أيامًا،
قال له : إن أتيتَنى بكتاب معاوية بتخلِيَتَهم وإلا قتلتُهم أو يُقبل زيادٌ
إلى أمير المؤمنين؛ قال : فأتى أبو بكرة معاوية فکلمه فی زیاد و بنیه، و کتب
معاوية إلى بُسر بالكفّ عنه وتَخلية سبيلهم ، فخلاّهم .
حدثنى أحمد بن زهير (١) ، قال: حدّثنا علىّ، قال: أخبرنى شيخٌ من
ثقيف، عن بُسر بن عُبيد الله ، قال: خرج أبو بَكْرة إلى معاوية بالكوفة
فقال له معاوية: يا أبا بَكْرة، أزائراً جئتَ أم دعتْك إلينا حاجة ؟ قال:
لا أقول باطلا ، ما أتيتُ إلا فى حاجة! قال: تُشَفَّع يا أبا بَكْرة ونرى
لك بذلك فضلاً ، وأنت لذلك أهل ، فما هو ؟ قال : تؤمّن أخى زياداً ،
وتكتب إلى بُسر بتَخْلية ولده وبترك التعرّض لهم ؛ فقال : أما بنو زياد
فتكتب لك فيهم ما سألت ؛ وأما زياد ففى يده مالٌ للمسلمين ، فإذا أدّاه
فلا سبيل لنا عليه ؛ قال : يا أميرَ المؤمنين ، إن يكن عنده شىء فليس يحيسه
عنك إن شاء الله. فكتب معاوية لأبى بكْرة إلى بُسْر ألّا يتعرّض لأحد من
ولد زياد ، فقال معاوية لأبى بَكْرة : أتعهد إلينا عهداً يا أبا بكرة ؟ قال :
نعم ، أعهد إليك يا أميرَ المؤمنين أن تنظر لنفسك ورعيتك، وتعمل صالحاً
فإنك قد تقلدت عظيماً، خلافةَ الله فى خلقه، فاتّق اللّهَ فإنّ لك غاية لا تعدوها،
ومن ورائك طالب حثيث، فأوشك أن تبلغ المدى، فيلحق الطالب ، فتصير
إلى من يسألك عمّا كنتَ فيه، وهو أعلم به منك، وإنما هى محاسبة وتوقيف ،
فلا تؤثرن" على رضا الله عزّ وجلّ شيئًا.
١٤/٢
حدثنى أحمد، قال: حدّثنا علىّ، عن سلمة بن عثمان، قال: كتب
بُسر إلى زياد : لئن لم تُقدِم لأصلبنّ بَنيك. فكتب إليه : إن تفعل فأهل
ذلك أنتَ ، إنما بعث بك ابنُ آ كلة الأكباد . فركب أبو بكرة إلى معاوية ،
فقال : يا معاوية ، إنّ الناس لم يُعطوك بيعتهم على قتل الأطفال، قال :
وما ذاك يا أبا بكرة؟ قال: بُسريريد قتلَ أولاد زياد، فكتب معاوية إلى
(١) ط: ((على))؛ وانظر الصفحة السابقة س ٨

١٧٠
سنة ٤١
بُسر: أن خلّ مَن بيدك من ولد زياد .
١٥/٢
وكان معاوية قد كتب إلى زياد بعد قتل علىّ عليه السلام يتوعّده .
فحدّثّنى عمر بن شبّة، قال: حدثنى علىّ ، عن حبّان بن موسى ،
عن المجالد ، عن الشعبىّ، قال : كَتب معاوية حين قتِل علىّ عليه السلام
إلى زياد يتهدده ، فقام خطيباً فقال : العجبُ من ابن آ كِلة الأكباد ،
وکهف النفاق ، ورئیس الأحزاب؛ کتب إلى يتهددنى وبينى وبينه ابنا عم
رسول الله صلى الله عليه وسلم - يعنى ابن عباس والحسنَ بن علىّ - فى تسعين
ألفًا، واضعى سيوفَهم على عوائقهم، لا ينتنون، لئن خَلَص إلىّ الأمرُ
ليجدنّى أحمزَ(١) ضَرّابًا بالسيف. فلم يزل زياد بفارس واليًا حتى صالح
الحسن عليه السلام معاوية ، وقدم معاويةُ الكوفة ، فتحصّن زيادٌ فى القلعة
التى يقال لها قلعةُ زياد .
[ولاية عبد الله بن عامر البصرة وحرب سِجِستان وخُراسان]
وفى هذه السنة ولَى معاويةُ عبد الله بنَ عامر البصرة وحربَ سجستان
وخُراسان .
ذكر الخبر عن سبب ولاية ذلك وبعض الكائن
فى أيام عمله لمعاوية بها:
حدّثنى أبو زيد ، قال : حدثنا علىّ قال : أراد معاوية توجيهَ عتبة
ابن أبى سُفيان على البصرة، فكلمه ابن عامر وقال : إنّ لى بها أموالاً
وودائع ، فإنْ لم توجّهنى عليها ذهبتْ. فولّاه البصرة ، فقدمها فى آخر
سنة إحدى وأربعين وإليه خُراسان وسجستان ، فأراد زيدَ بن جبلة على
ولاية شرطته فأبى ، فولتی حبيب بن شهاب الشامىّ شُرْطته - وقد قيل : قیس
ابن الهيثم السُّلمىّ - واستقضى عميرة بن سٹربىّ الضّبىّ، أخا عمرو بن يثربىّ
الضّبى .
حدّثّنى أبو زيد ، قال : حدّثنا علىّ بن محمد ، قال : خرج فى ولاية
(١) الأحمز: الشديد .

١٧١
سنة ٤١
ابن عامر لمعاوية يزيدُ مالك الباهلىّ، وهو الخَطيم - وإنما سمّى الخطيم لضربة ١٦/٢
أصابتْه على وجهه - فخرج هو وسهمُ بن غالب الهجيمىّ فأصبحوا عند
الجسر، فوجدوا عبادة بن قرص الليثىّ أحد بنى بُجير - وكانت له صحبة -
يصلى عند الجسر، فأنكروه فقتلوه ، ثم سألوه الأمان بعد ذلك ، فآمنهم ابنُ
عامر، وكتب إلى معاوية : قد جعلت لهم ذمّتك . فكتب إليه معاوية : تلك
ذمّةٌ لو أخفرتتها لا سئلتَ عنها ، فلم يزالوا آمنين حتى عُزل ابن عامر .
وفى هذه السنة ولد علىّ بن عبد الله بن عباس - وقيل: وُلد فى سنة أربعين
قبل أن يُقتل علىّ عليه السلام، وهذا قول الواقدىّ.
وحجّ بالناس فى هذه السنة عتبة بن أبى سفيان فى قول أبى معشر ،
حدّثنى بذلك أحمد بن ثابت عمّن حدّثه ، عن إسحاق بن عيسى ، عنه .
وأما الواقدىّ فإنه ذ کر عنه أنه کان یقول : حج بالناس فىهذه السنة - أعنى
سنة إحدى وأربعين - عَنْبَسة بن أبى سُفْان .

ثم دخلت سنة اثنتين وأربعين
ذكر ما كان فيها من الأحداث
ففيها غزا المسلمون اللّن، وغزَوْا أيضًا الرّوم، فهزموهم هزيمة منكرة -
فيما ذكروا - وقتلوا جماعةً من بطارقتهم .
وقيل: فى هذه السنة وُلد الحجّاج بن يوسف.
وولَّى معاوية فى هذه السنة مَرْوانَ بن الحكم المدينة، فاستقضَى مَرْوانُ
عبد الله بن الحارث بن نوفل. وعلى مكّة خالد بن العاص بن هشام، وكان
على الكوفة من قبَلَه المغيرةُ بن شُعبة، وعلى القضاء شُريح، وعلى البَصْرة
عبد الله بن عامر ، وعلى قضائها (١) عمرو بن یثر بىّ ، وعلى خُراسان قيس بن
الهيثم من قِبَل عبدِ الله بن عامر .
١٧/٢
وذكر علىّ بن محمد ، عن محمد بن الفضل العبسىّ ، عن أبيه ،
قال : بعث عبد الله بن عامر قيسَ بن الهيثم على خُراسان حين ولّه
معاوية البصرة وخُراسان ، فأقام قيس بخُراسان سنتين.
وقد قيل فى أمر ولاية قيس ما ذكره حمزة بن أبى (٢) صالح السُّلَمِىّ،
عن زياد بن صالح ، قال : بعث معاوية حين استقامت له الأمور قيسَ
ابنَ الهيثم إلى خُراسان ، ثم ضمّها إلى ابن عامر، فترك (٣) قيسًا عليها.
[ ذكر الخبر عن تحرّك الخوارج ]
وفى هذه السنة تحرّكت الخوارجُ الذين انحازوا عمّن قُتل منهم بالنَّهرَوَان
ومن كان ارتُتّ من جَرْحاهم بالنَّهروان ، فبرَعوا ، وعفا عنهم علىّ بن
أبى طالب رضى الله عنه .
(١) س: ((القضاء بها)).
(٢) ساقطة من ط .
(٣) س: ((فأثبت)).
١٧٢

١٧٣
سنة ٤٢
ذكر الخبر عمّا كان منهم فى هذه السنة :
*
ذكر هشام بن محمد ، عن أبى مِخْنف، قال : حدثنى النَّضْربن صالح
ابن حبيب ، عن جرير بن مالك بن زهير بن جذيمة العبسىّ ، عن أبيّ بن
عُمارة العبسىّ، أن حيّان بن ظَبيان السُّلَمى" كان يرى رأىَ الخوارج ،
وكان ممن ارتُثَ يومَ النّهروان ، فعفا عنه علىّ عليه السلام فى الأربعمائة
الذين كان عفا عنهم من المرتشِّين يوم النّهر، فكان فى أهله وعشيرته ، فلبث(١)
شهراً أو نحوه . ثم إنه خرج إلى الرّىّ فى رجال كانوا يرون ذلك الرأى ، فلم
يزالوا مقيمين بالرّىّ حتى بلغهم قتلُ علىّ كرّم الله وجهه ، فدعا أصحابه
أولئك - وكانوا بضعةَ عشررجلاً ، أحدهم سالم بن ربيعة العبسىّ - فأتَوْه ،
فحمِدَ اللّه وأثنى عليه ثم قال: أيّها الإخوان من المسلمين ، إنه قد بلغنى
أنّ أخاكم ابن ملجم أخا مُراد قَعد لقتل على بن أبى طالب عند أغباش(٢)
الصُّبح مقابل السُّدّة التى فى المسجد مسجد الجماعة، فلم يبرح راكداً ينتظر
خروجَه حتى خرج عليه حين أقام المقيمُ الصّلاة صلاة الصبح ، فشدّ عليه
فضرب رأسه بالسيف ، فلم يتبق إلاّ ليلتين حتى مات ، فقال سالم بن ربيعة
العبسىّ: لا يقطع اللّه يمينًا علتْ قَذالَه بالسَّيف؛ قال: فأخذ(٣) القومُ يحمدون
اللّه على قتله عليه السلام ورضى الله عنه ولا رضىَ عنهم ولا رحمهم !
١٨/٢
قال النّضْر بن صالح : فسألت بعد ذلك سالم بن ربيعة فى إمارة مُصعب
ابن الزبير عن قوله ذلك فى علىّ عليه السلام، فأقرّ لى به ، وقال : كنت أرى
رأيهم حينًا ، ولكن قد تركتُه ؛ قال : فكان فى أنفسنا أنه قد تركه ؛ قال :
فكان إذا ذكروا له ذلك يُرْمضه. قال: ثمّ إنّ حيّان بن ظَبيان قال
لأصحابه : إنه والله ما يَبقى على الدّهر باقٍ، وما تَلبث الليالى والأيام
والسنُون والشهور على ابن آدم حتى تُذيقَه الموت ، فيفارق الإخوان الصالحين،
ويدَع الدّنيا التى لا يبكى عليها إلا العجزة، ولم تزل ضارّةً لمن كانت
(١) س: ((فكث)).
(٢) الأغباش : جمع غبش ؛ وهو بقية الظلمة يخالطها بياض الفجر.
(٣) سل: ((وأخذ)).

١٧٤
سنة ٤٢
له همَّ وشجنا؛ فانصرِ فوا بنا رحمكم الله إلى مصرِنا، فلنأتِ إخواننا فلندْعُهم
١٩/٢ إلى الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر، وإلى جهاد الأحزاب، فإنه لا عذرَ
لنا فى القعود، ووُلاتُنا ظَمة، وسنّة الهدى متروكة ، وثأرنا الّذين قتلوا
إخواننا فى المجالس آمنون، فإن يُظفرنا الله بهمْ نعميد بعد إلى التى هى
أُهدَى وأرضى وأقوم، ويشفى الله بذلك صدورَ قوم مؤمنين، وإن نُقتل
فإنّ فى مفارقة الظالمين راحةً لنا، ولنا بأسلافنا أسوة . فقالوا له : كلّنا قائل
ما ذكرتَ، وحامدٌ رأيك الذى رأيت، فرِدْ بنا المِصرَ فإنا معك راضون بهُداك
وأمرك؛ فخرج وخرجوا معه مقبِلين إلى الكُوفة ، فذلك حين يقول :
ولا إِرْبَةٍ بعد المُصابِينَ بِالنَّهْرِ
خليلَّ ما بى من عَزَاءٍ ولا صَبْرٍ
إلى الله ما تَدْعُو وفى الله ما تَغْرِى
سِوَى نَهَضاتٍ فى كتائِبَ جَمَّةٍ
فلستُ بسارٍ نحْوَها آخِرَ الدَّهرِ
إِذا جاوزَتْ قُسْطَانَةَ الرَّيِّ بَغْلَتى
قريباً فلا أُخزِيكما مَعَ مَنْ يَسْرِى
ولكنَّنِى سارٍ وإِنْ قلّ ناصِرِى
قال : وأقبل حتى نزل الكوفة ، فلم يزل بها حتى قَدِم معاوية ، وبعث
المغيرة بن شعبة واليًا على الكوفة ، فأحبّ العافية، وأحسن فى الناس السيرة ،
. ولم يفتِّش أهل الأهواء عن أهوائهم، وكان يؤتى فيقال له: إنّ فلانًا يَرَى
رأىَ الشِّيّعة، وإنّ فلانًا يرى رأىَ الخوارج. وكان يقول: قضى الله ألّ
تزالون مختلفین ، وسیحكم الله بینعباده فيما كانوا فيه يختلفون . فأمنه الناس،
وكانت الخوارج يتلقى بعضهم بعضًا، ويتذاكرون مكانَ إخوانهم بالنَّهْروان
ويرون أن فى الإقامة الغَبْن والوكف، وأنّ فى جهاد أهل القبلة الفضل
والأجر .
قال أبو مخنف : فحدثنى النَّضْر بن صالح ، عن أبىّ بن مُمارة، أنّ
الخوارج فى أيام المُغيرة بن شعبة فَزِعوا إلى ثلاثةِ نفر ؛ منهم المستورد بن
عُلّفة، فخرج فى ثلاثة رجل مقبلاً نحو جَرْ جَرَايا على شاطئ دِجْلة .
قال أبو مخنف: وحدثنى جعفر بن حُذيفة الطائىّ من آل عامر بن
٢٠/٢

١٧٥
سنة ٤٢
جُوَيَن ، عن المحلّ بن خليفة ، أنّ الخوارج فى أيام المغيرة بن شعبة فزعوا إلى
ثلاثة نفر ؛ منهم المستورد بن عُلّفة التّيمىّ من تَيْ الرِّباب، وإلى حيّان بن
ظَبيان السُّلمىّ، وإلى معاذ بن جُوَيَن بن حُصين الطائىّ السِّنْبِسِىّ - وهو
ابن عمّ زيد بن حُصَين، وكان زيد ممن قتله علىّ عليه السلام يوم النَّهْروان ،
وكان معاذ بن جُوَيَن هذا فى الأربعمائة الذين ارتُثُّوا من قَتَلَى الخوارج ،
فعفا عنهم علىّ عليه السلام - فاجتمعوا فى منزل حيّان بن ظَبيان السُّلمِىّ،
فتشاوروا فيمن يولُّون عليهم . قال: فقال لهم المستورد: يأيُّها المسلمون والمؤمنون،
أراكم الله ما تحبّون، وعزل عنكم ما تكرّهون، ولُّوا عليكم مَنْ أحببتم ،
فوالّذى يَعلَمَ خائنةَ الأعين وما تُخفِى الصّدور ما أبالى مَن كان
الوالى علىّ منكم! وما شرفَ الدنيا نريد ، وما إلى البقاء فيها من سبيل ، وما
نريد إلا الخلود فى دار الخلود. فقال حيّان بن ظَبْيان: أمّا أنا فلاحاجة لى فيها
وأنا بك وبكل امرئٍ من إخوانى راضٍ، فانظروا مَن شئتم منكم فسمتوه ،
فأنا أوّل من يُبايعه . فقال لهم معاذ بن جُوَّين بن حصين: إذا قلتما أنما هذا وأنتما
سیِّدا المسلمین وذ وا أنسابهم فى صلاحکما ودینکما وقدر کما ، فمن یرئس
المسلمين، وليس كلّكم يصلح لهذا الأمر! وإنما ينبغى أن يلى على المسلمين إذا
كانوا سواء فى الفضل أبصرهم بالحرب، وأفقَهُهم فى الدين، وأشدُّهم اضطلاعًا
بما حُمّل، وأنتما بحمد الله ممن يرضى بهذا الأمر، فليتولّه أحد كما . قالا:
فتولّه أنت ، فقد رضيناك، فأنتَ والحمدُ لله الكامل فى دينك ورأيك، فقال
لهما: أنما أسنّ منى ، فليتولّه أحد كما، فقال حينئذ جماعة من حضرهما
من الخوارج: قد رضينا بكم أيّها الثلاثة ، فولوا أيَّكم أحببتم؛ فليس فى الثلاثة
رجل إلا قال لصاحبه: تولّها أنت ، فإنى بك راضٍ، وإنى فيها غيرُ ذى رغبة.
فلما كثر ذلك بينهم قال حيّان بن ظَبيان، فإنّ معاذ بن جُوّين قال: إنّى
لا ألى عليكما وأنتما أسنّ منى، وأنا أقول لك مثلَ ما قال لى ولك ، لا ألى
عليك وأنت أسنّ منى ، ابسط يدك أبايعْك. فبسط يده فبايعه ، ثم
بايعه معاذ بن جوين ، ثم بايعه القومُ جميعًا ، وذلك فى جُمادى الآخرة .
فاتّعد القوم أن يتجّهزوا ويتيسرُوا ويستعدّوا، ثم يخرجوا فى غرّة الهلال هلال
٢١/٢

١٧٦
سنة ٤٣
شعبانَ سنة ثلاث وأربعين ، فكانوا فى جهازهم وعدّتهم .
٢٢/٢
*
وقيل : فى هذه السنة سار بُسر بن أبى أرطاة العامرىّ إلى المدينة ومكة
واليمن ، وقتل من قَتله فى مسيره ذلك من المسلمين .
وذلك قول الواقدىّ، وقد ذكرتُ مَن خالفه فى وقت مسيره هذا السير .
وزعم الواقديّ أن داودَ بن حيّان حدّثه ، عن عطاء بن أبى مروان ،
قال: أقام بسر بن أبى أرطاةَ بالمدينة شهراً يستعرض الناسَ، ليس أحدٌ
ممن يقال هذا أعان على عمان إلا قَتّله .
وقال عطاء بن أبى مَرْ وان: أخبرنى حَنْظلة بن علىّ الأسلمىّ، قال :
وجد قومًا من بنى كعب وغلمانهم على بئرٍ لهم فألقاهم فى البئر .
[ ذكر قدوم زياد على معاوية ]
وفى هذه السنة قَدِم زيادٌ - فيما حدثنى عمر- قال: حدّثنا أبو الحسن،
عن سليمان بن أرقم ، قدم على معاوية من فارسَ ، فصالحه على مال يحمله
إليه .
و کان سبب قدومه بعد امتناعه بقلعة من قلاع فارس، ما حدّثنی عمر
قال: حدثنا أبو الحسن، عن مسلمة بن محارب، قال : كان عبد الرحمن بن
أبى بكرة يلِى ما كان لزياد بالبصْرة ، فبلغ معاوية أنّ لزياد أموالاً عند
عبد الرحمن ، وخاف زيادٌ على أشياء كانت فى يد عبد الرحمن لزياد ، فكتب
إليه يأمره بإحرازها ، وبعث معاوية إلى المغيرة بن شُعبة لينظر فى أموال زياد ،
فقدم المغيرة ، فأخذ عبد الرحمن ، فقال : لئن كان أساء إلى" أبوك لقد أحسن
زياد. وكتب إلى معاوية: إنى لم أصب فى يد عبد الرحمن شيئًا يَحِلّ لى
أخْذُه. فكتب معاويةُ إلى المغيرة أنْ عَذّ به. قال: وقال بعض المشيخة :
إنه عَذّب عبد الرحمن بن أبى بكرة إذْ كتب إليه معاوية، وأراد أن يُعْذِر
ويبلغَ معاوية ذلك ، فقال : احتفظ بما أمرك به عمُّك ، فألقى على وجهه
حريرةً ونضَحتَها بالماء ، فكانت تكتزِق بوجهه ، فغُشى عليه ، ففعل ذلك
٢٣/٢

١٧٧
سنة ٤٢
ثلاث مرّات ، ثم خلّه ، وكتب إلى معاوية : إنى عذّبته ، فلم أصب عنده
شيئًا ، فحفظ لزياد يدَه عنده .
حدثنى عمر ، قال : حدثنا أبو الحسن ، عن عبد الملك بن عبد الله
الثَّقَفىّ ، عن أشياخ من ثقيف ، قالوا: دخل المغيرة بنُ شُعبة على معاوية،
فقال معاوية حين نظر إليه :
باحَ بالسِّرّ أَخوه لمُنْتَصِحْ
إِنَّمَا موضعُ سِرّ المرءِ إِن
ناصحٍ يَستُرُهُ أَوْ لا تَبُحْ
فإِذا بُحْتَ بِسِرَّ فـإِلى
فقال : يا أمير المؤمنين، إن تستودعْتى تستودعْ ناصحًا شفيقًا(١)
ورِ عًا وثيقًا ، فما ذاك يا أمير المؤمنين ؟ قال: ذكرتُ زياداً واعتصامہ بأرض
فارسَ ، وامتناعتَه بها ، فلم أنم ليلتى؛ فأراد المغيرة أن يطأطئ من زياد ،
فقال: ما زياد هناك يا أمير المؤمنين! فقال معاوية: بئس الوطْءُ العجْزُ، داهية
العرب معه الأموال ، متحصّن بقلاع فارسَ ، يدبِّر ويربّص الحِيَل ، ما
يؤمنى أن يبايع لرجل من أهل هذا البيت، فإذا هو قد أعاد علىّ الحرب خُدَعة.
فقال المغيرة : أتأذن لى يا أمير المؤمنين فى إتيانه ! قال : نعم ، فأته وتلطف
له ، فأتى المغيرة زياداً ، فقال زياد حين بلغه قدوم المغيرة: ما قَدِم إلا
الأمر، ثم أذن له ، فدخل عليه وهو فى بَهْوِ له مستقبل الشمس ، فقال زياد :
أفلح رائد! فقال: إليك ينتهى الخبَر أبا المغيرةُ، إنّ معاوية استخفّه الوَجَل
حتى بعثنى إليك ، ولم يكن يعلم أحداً يمدّ يده إلى هذا الأمر غير الحسن ،
وقد بايع معاوية، فخذْ لنفسك قبل التَّوطِين ، فيستغنى عنك معاوية ، قال :
أشِرْ علىّ، وارمِ الغرضَ الأقصى، ودعْ عنك الفُضول، فإنّ المستشارَ
مؤتمن ؛ فقال المغيرة: فى مَحْض الرأىِ بَشاعة، ولا خيرَ فى المَذيق(٣)،
أرى أن تصلَ حبلتك بحبله ، وتشخَص إليه ؛ قال : أرَى ويقضى اللّه .
حدّثنى عمر، قال: حدّثنا علىّ، عن مَسلمة بن محارب ، قال :
٢٤/٢
(٢) أبو المغيرة، كنية زياد، وانظر الاستيعاب.
(١) ف: ((مشفقا)).
(٣) المذيق : اللبن الممزوج بالماء. والمحض: الخالص؛ والكلام على الاستعارة .

١٧٨
سنة ٤٢
أقام زياد فى القلعة أكثرَ من سنة ، فكتب إليه معاوية : علامَ تُهلِك نفسَك؟
إلىَ فأعلِمْنى عِلِمَ ما صار إليك مما اجتبيتَ من الأموال ، وما خرج من
يديك ، وما بقى عندك ، وأنت آمِن، فإن أحببتَ المُقام عندنا أقمتَ ، وإن
أحببتَ أن تَرجِع إلى مأمّنك(١) رجعتَ ، فخرج زياد من فارسَ ، وبلغ
المغيرة بن شعبة أن زياداً قد أجمع على إتيان معاوية ، فشَخَص المغيرة إلى
معاوية قبل شخوص زياد من فارسَ ، وأخذ زياد من إصْطَخْرَ إلى أرّجان ،
فأتى ماه بهزاذان، ثم أخذ طريق حُلْوان حتى قدم المدائن، فخرج عبدالرحمن
إلى معاوية يخبره بقدوم زياد ، ثمّ قدم زياد الشأم، وقدم المغيرة بعد شهر ،
فقال له معاوية: يا مغيرة ، زياد أبعدُ منك بمسيرة شهر (٢) ، وخرجتَ قبلَه
وسبَقَك. فقال: يا أميرَ المؤمنين، إنّ الأريب إذا كلَّم الأريب أفحَمَه؛
قال : خذحِذْرَك، واطوٍ عنِى سِرّك، فقال: إنّ زياداً قدم يرجو الزّيادة،
وقدمت أتخوّف النقصان ، فكان سيرنا على حسب ذلك ؛ قال : فسأل معاوية
زياداً عمّا صار إليه من أموال فارسَ، فأخبره بما حمل منها إلى علىّ رضى
الله عنه ، وما أنفق منها فى الوجوه التى يحتاج فيها إلى النفقة ، فصدّقه معاوية
على ما أنفق ، وما بقىَ عنده ، وقبضَه منه ، وقال : قد كنت أمينَ خلفائنا .
حدّثّنى عمر ، قال: حدّثنا علىّ، قال : حدثنا أبو مِخْنف
وأبو عبد الرحمن الأصبهانىّ وسَلَمة بن عثمان وشيخ من بني تميم وغيرهم ممن
يوثق بهم ، قال : كتب معاوية إلى زياد وهو بفارسَ يسأله القدومَ عليه ،
فخرج زيادٌ من فارسَ مع المنجاب بن راشد الضِّىّ وحارثة بن بدر الغُدانىّ،
وسرّح عبد الله بن خازم فى جماعة إلى فارس ، فقال: لعلك تلقى زياداً
فى طريقك فتأخذه . فسار ابنُ خازم إلى فارسَ ، فقال بعضُهم : لقيه
بسوق الأهواز ، وقال بعضهم : لقیه بأرجان ، فأخذ ابن خازم بعنان زياد ،
فقال: انزل يا زياد ، فصاح به المنجاب بن راشد: تنحّ يا بن سَوْداء ،
وإلاّ علَّقتُ يدَك بالعِنان . قال: ويقال : انتهى إليهم ابن خازم وزياد
(١) س: ((مقامك)).
(٢) ف: ((أبعدفا بشهر)).
٢٥/٢

١٧٩
سنة ٤٢
٢٦/٢
جالس ، فأغلظ له ابن خازم ، فشتَّ المنجاب بن خازم ، فقال له زياد :
ما تريد يا بن خازم ؟ قال : أريد أن تجىء إلى البصرة ؛ قال : فإنى آتيها ؛
فانصرف ابن خازم استحياءً من زياد .
وقال بعضهم : التقى زياد وابن خازم بأرّجان، فكانت بينهم منازعة،
فقال زياد لابن خازم قد أتانى أمان مُعاوية ، فأنا أريده ، وهذا كتابه إلىّ .
قال : فإن كنتَ تريد أميرَ المؤمنين فلا سبيل عليك ، فمضى ابن خازم إلى
سابورَ، ومضى زياد إلى ماه بَهْزَاذان ، وقَدِم على معاوية ، فسأله عن
أموال فارسَ ، فقال: دفعتُها يا أميرَ المؤمنين فى أرزاق وأعطيات وحَمَالات،
وبقيتْ بقيّة أودعتها قومًا، فمكث بذلك يردّده، وكتب زياد كتباً إلى قوم
منهم شعبة بن القِلْعم: قد علمتم ما لى عندكم من الأمانة، فتدبّروا كتاب
اللّه عزّ وجلّ؛ ﴿إِنَّا عَرَضْنَا الأَمَانَةَ عَلَى السَّمُوَاتِ وَالأَرْضِ وَالجِبَالِ ... ﴾(١)
الآية ، فاحتفظوا بما قبلكم . وسمّى فى الكتب بالمبلغ الذى أقرّبه لمعاوية ،
ودسّ الكتب مع رسوله، وأمره أن يعرض لبعض من يُبْلغ ذلك معاوية ،
فتعرّض رسوله حتى انتشر ذلك ، وأخذ فأتى به معاوية ، فقال معاوية لزياد :
لئن لم تكنْ مكرتَ بى إنّ هذه الكتب من حاجتى. فقرأها، فإذا هى بمثلٍ
ما أقرّ به ؛ فقال معاوية : أخاف أن تكون قد مكرتَ بى ، فصالحْنى على
ما شئت ، فصالحه على شىء مما ذكره أنه عنده ، فحمله ، وقال زیاد :
يا أمِيرَ المؤمنين، قد كان لى مال قبل الولاية ، فوددتُ أنّ ذلك المالَ بقىَ،
وذهب ما أخذت من الولاية . ثم سأل زياد معاوية أن يأذن له فى نزول الكوفة
فأذن له، فشَخَص إلى الكوفة ، فكان المغيرة يكرمه ويعظّمه ، فكتب معاوية
إلى المغيرة: خذ زياداً وسليمانَ بن صُرَد وحُجْرَ بنَ عدّى وشَبَث بن رِبْعِىّ
وابن الكوّاء وَعَمرو بن الحمق بالصّلاة فى الجماعة ؛ فكانوا يحضُرون معه
فى الصلاة .
٢٧/٢٠
حدّثّنى عمر بن شبّة، قال: حدّثنا علىّ، عن سليمان بن أرقم ، قال :
بلغنى أنّ زياداً قدم الكوفة ، فحضرت الصلاة ، فقال له المغيرة : تقدّم
(١) سورة الأحزاب: ٨٢.
:

١٨٠
سنة ٤٢
فصلّ ؛ فقال: لا أفعل ، أنت أحقّ منّى بالصّلاة فى سلطانك . قال:
ودخل عليه زياد وعند المغيرة أمّ أيوبَ بنت عمارة بن عقبة بن أبي معيط ،
فأجلَسها بين يديه ، وقال : لا تستترى من أبى المغيرة ، فلما مات المغيرة
تزوّجها زياد وهى حدثة ، فكان زياد يأمر بفيل كان عنده ، فيُوقَف،
فتنظر إليه أمّ أيّوب، فسمّىَ بابَ الفيل.
وحجّ بالناس فى هذه السنة عنبسة بن أبى سُفْیان ، كذلك حد ◌ّثنی
أحمد بن ثابت ، عمّن ذكره ، عن إسحاق بن عيسى ، عن أبى معشر .