النص المفهرس

صفحات 121-140

١٢١
سنة ٣٨
وقد فشت فينا وفيهم الجراح . ثم إنّ القوم لما لبسهم الليل خرجوا من تحته
متنكّبين إلى أرض الأهواز ، فبلغنا أنهم نزلوا منها جانبًا ونحن بالبصرة
فُداوِى جراحنا ، وننتظر أمرّك رحمك الله؛ والسّلام عليك
فلما أتيتُه بكتابه قرأه على الناس ، فقام إليه معقل بن قيس، فقال :
أصلحك الله يا أميرَ المؤمنين! إنما كان ينبغى أن يكون مع من يطلب
هؤلاء مكان كلّ رجل منهم عشرة من المسلمين ، فإذا لتحقوهم استأصلوهم
وقطعوا دابرَهم، فأمّا أن يلقاهم أعدادُهم فلعمرى ليصبرُنّ لهم، هم قوم
عرب ، والعدّة تصبر للعدّة ، وتنتصف منها . فقال : تجهّز يا معقل بن
قيس إليهم . وندب معه ألفين من أهل الكُوفة منهم يزيد بن المغفّل (١)
الأزدىّ . وكتب إلى ابن عباس :
أما بعد ، فابعث رجلاً من قبلك صليبًا شجاعًا معروفًا بالصّلاح فى
ألفى رجل، فليتبع معقلاً، فإذا مرّ ببلاد البصرة فهو أمير أصحابه حتى يلقى ٢٤٢٩/١
معقلا، فإذا لقى معقلا فمعقلٌ أميرُ الفريقين، وليسمع من معقل وليُطِعه ،
ولا يخالفه، ومُر زيادَ بن خَصّفة فليُقبل، فنعم المرءُ زياد ، ونعم القبيل قبيله !
قال أبو مخنف : وحدثنى أبو الصَّلت الأعور، عن أبى سعيد العُقيلىّ،
قال : كتب علىّ إلى زياد بن خَصَفة :
أما بعد ، فقد بلغنى كتابك ، وفهمتُ ما ذكرت من أمر
الناجىّ وإخوانه الذين طبع اللّه على قلوبهم، وزيَّن لهم الشيطانُ
أعمالَهم فهم يعمهون، وَيُحسَبون أنهم يُحسِنِون صُنْعًا، ووصفتَ
ما بلغ بك وبهم الأمر ، فأمّا أنت وأصحابك فلله سعيُكم ، وعلى
اللّه تعالى جَزَاؤكم! فأبشرْ بثواب الله خيرٌ من الدنيا التى يقتل الجهال أنفسَهم
عليها، فإنّ ما عندكم ينفد وما عند اللّه باق ولنجزين الذين صبروا أجرهم
بأحسن ما كانوا يعملون. وأما عدوّ كم الذين لقيتموهم فحسبهم بخروجهم من
الهدى إلى الضّلال، وارتكابهم فيه ، وردّ هم الحق ، ولجاجهم فى الفتنة ،
فذرْهم وما يفتّرون ، ودَعْهم فى طغيانهم يعمَهون، فتسمّع وتبصّر، كأنك
(١) ابن الأثير: ((المعقل)).

١٢٢
سنة ٣٨
بهم عن قليل بين أسير وقتيل . أقبل إلينا أنت وأصحابك مأجورين ، فقد
أطعتم وسمعتم ، وأحسنتم البلاء ؛ والسلام .
ونزل الناجىّ جانبًا من الأهواز ، واجتمع إليه عُلوجٌ من أهلها كثير
أرادوا كسر الخَراج، ولصوصٌ كثيرة، وطائفة أخرى من العرب تَرَى رأيه.
#
*
#
"حدّثّنى عمر بن شبّة، قال: حدّثنا أبو الحسن، عن علىّ بن مجاهد ،
قال : قال الشعبىّ: لما قتل علىّ عليه السلام أهلَ النّهر وأن، خالفته قوم
كثير ، وانتقضت عليه أطرافه ، وخالفَه بنو ناجية ، وقدم ابن الحضرمىّ
البصرة ، وانتقض أهلُ الأهواز ، وطَمِع أهلُ الخراج فى كسرِهِ ، ثم
أخرجوا سهل بن حُنّيف من فارس ، وكان عامل علىَّ عليها ، فقال ابن
عبّاس لعلىّ: أكفيك فارسَ بزياد، فأمره علىّ أن يوجّهه إليها، فقدِم ابن
عباس البَصرةَ ، ووجهه إلى فارسَ فى جمع كثير ، فوطئ بهم أهل فارس ،
فأدّوا الخراج .
#
رجع الحديث إلى حديث أبي مخنف . قال أبو مخنف : وحدّثنى
الحارث بن كعب ، عن عبد الله بن فُقسَم الأزدىّ، قال : كنت أنا وأخى
كعب فى ذلك الجيش مع مَعْقل بن قيس ، فلما أراد الخروج أقبل إلى
علىّ فودّعه فقال: يا معقِل، اتّق اللّه ما استطعت، فإنّها وصية اللّه
للمؤمنين ، لا تبغٍ على أهل القبلة ، ولا تظلم أهل الذّمّة، ولا تتكبّر فإن الله
لا يحبّ المتكبّرين . فقال : الله المستعان؛ فقال له علىّ: خيرُ مستعان؛
قال : فخرج وخرجنا معه حتى نزلنا الأهواز ، فأقمنا ننتظر أهل البصرة ،
وقد أبطئوا علينا ، فقام فينا معقلُ بن قيس فقال : يأيّها الناس ، إنا قد
انتظرنا أهل البصرة، وقد أبطئوا علينا، وليس بحمد اللّه بنا قِلَّةٌ ولا وَحْشة
إلى الناس، فسيروا بنا إلى هذا العدوّ القليل الذّليل، فإنى أرجو أن ينصركم الله
وأن يهلِكهم .
٣٤٣٠/١

١٢٣
سنة ٣٨
٣٤٣١/١
قال: فقام إليه أخى كعب بن فُقيم، فقال: أصبتَأرشَدَك اللّه رأيتَك!
فوالله إنى لأرجو أن ينصرنا الله عليهم، وإن كانت الأخرى فإنّ فى الموت
على الحقّ تعزيةً عن الدنيا . فقال: سيروا على بركة الله؛ قال: فِسرْنا
ووالله ما زال معقل إِ مُكرمًا وَادًّا، ما يعدل بى من الجند أحداً؛ قال
ولا يزال يقول: وكيف قلت: إنّ فى الموت على الحقّ تعزية عن الدّنيا؟
صدقت والله وأحسنت ووُفِّقت! فوالله ما سِرْنا يومًا حتى أدركَنَا فَيْج
يشتدّ بصحيفة فى يده من عند عبد الله بن عباس: أما بعد ، فإن أدركك
رسولى بالمكان الذى كنت فيه مقيماً ، أو أدرَكك وقد شخصْتَ منه ، فلا
تبرح المكان الذی ینتهى فيه إليك رسولى ، واثبت فيه حتى يقدم عليك بعثُنا
الذى وجّهناه إليك ، فإنى قد بعثتُ إليك خالد بن معدان الطائىّ ، وهو من
أهل الإصلاح والدِّين والبأس والنجدة، فاسمع منه ، واعرف ذلك له ؛ والسلام.
فقرأ معقل الكتابَ على الناس، وحمد اللّه، وقد كان ذلك الوجه هالهم .
قال : فأقمنا حتى قدم الطائىّ علينا ، وجاء حتى دخل على صاحبنا ، فسلّم
عليه بالإمْرة ، واجتمعا جميعاً فى عسكر واحد. قال : ثم إنا خرجْنا فسرنا
إليهم ، فأخذوا يرتفعون نحو جبال رامتَهُرْمُز يريدون قلعةً بها حصينة
وجاءنا أهلُ البلد فأخبرونا بذلك ، فخرجْتًا فى آثارهم نُتبعهم ، فلحقناهم
وقد دنَوا من الجبل ، فصففْنا لهم ، ثم أقبلْنا إليهم ، فجعل معقِل على
ميمنته يزيدَ بن المغْفِل ، وعلى ميسرته منجاب بن راشد الضبِّّ من أهل
البصرة ، وصّفّ الْخِرّيت بن راشد الناجىّ مَنْ معه من العرب، فكانوا ميمنةً،
وجعل أهل البلد والعُلُوج ومَنْ أراد كسرَ الخراج وأتباعهم من الأكراد ميسرة.
قال : وسار فينا مَعْقِل بن قيس يحرّضنا ويقول لنا: عبادَ الله! لا تعد لوا
القومَ بأبصاركم ، غُضّوا الأبصار، وأقلّوا الكلام ، ووطنوا أنفسكم على
الطعن والضرب ، وأبشروا فى قتالهم بالأجر العظيم ، إنما تقاتلون مارقةً مرقتْ
من الدين ، وعُلوجًا منعوا الخَراج وأكراداً، انظرونى فإذا حملتُ فشدّوا
شَدّة رجل واحد. فمرّ فى الصفّ كله يقول لهم هذه المقالة، حتى إذا مرّ
بالناس كلّهم أقبل حتى وقف وسط الصفّ فى القلب ، ونظرنا إليه ما يصنع !
٣٤٣٢/١

١٢٤
سنة ٣٨
فحرّك رايته تحريكتين ، فوالله ما صبروا لنا ساعةً حتى ولَّوا ، وشدَخْنا منهم
سبعين عربياً من بنى ناجية ، ومن بعض من اتّبعهم من العرب ، وقتلْنا
نحوًاً من ثلثمائة من العُلوج والأكراد. قال كعب بن فُقيم: ونظرتُ فيمن
قُتِل من العرب، فإذا أنا بصديقى مدرك بن الرّيان قتيلاً ، وخرج الخِرّيت
ابن راشد وهو منهزم حتى لحق بأسياف البحر ، وبها جماعة من قومه کثیر ،
فما زال بهم يسير فيهم ويدعوهم إلى خلاف علىّ ، ويبيّن لهم فراقَه ، ويخبرهم
أن الهدی فی حربه ، حی اتبعه منھم ناس کثیر ، وأقام معقل بن قیس بأرض
الأهواز ، وكتب إلى علىّ معى بالفتح، وكنت أنا الذى قدمتُ عليه ، فكتب
إليه :
بسم الله الرّحمن الرّحيم، لعبد الله علىّ أمير المؤمنين، من معقل بن
قيس. سلامٌ عليك، فإنى أحمد إليكَ اللّه الذى لا إله إلا هو ، أما بعد ،
فإنا لقينا المارقين ، وقد استظهَروا علينا بالمشركين ، فقتلْناهم قتلَ عاد
وإرَم ، مع أنا لم نتَعْدُ فيهم سيرتَك ، ولم نقتل من المارقين مدبراً ولا أسيراً ،
ولم نذفّف منهم على جريح ، وقد نصرك الله والمسلمين، والحمد لله رب العالمين.
قال: فقدمتُ عليه بهذا الكتاب، فقرأه على أصحابه، واستشارهم فى الرأى ،
فاجتمع رأىُ عامّتهم على قول واحد ، فقالوا له : نرى أن تكتب إلى معقل
ابن قيس فيتبع أثرَ الفاسق ، فلا يزال فى طلبه حتى يقتلَه أو ينفيه ، فإنا
لا نأمن أن يُفسد عليك الناس . قال: فردّنى إليه ، و کتب معی :
أمَّا بعد، فالحمد لله على تأييد أوليائه، وخذلان أعدائه ، جزاك الله
والمسلمين خيراً ، فقد أحسنتم البلاء ، وقضیتم ما عليكم ، وسَلْ عن أخى
بنى ناجية ، فإنْ بلغك أنه قد استقرّ ببلد من البُلدان فسرْ إليه حتى تقتله
أو تنفيه ، فإنه لن يزال للمسلمين عدوًّا، وللقاسطين وليًّاً ، ما بقى ؛
والسلام عليك .
فسأل معقِل عن مستقرّه ، والمكان الذى انتهى اليه ، فنبِّئَ بمكانه
بالأسياف، وأنَّه قدردّ قومه عن طاعة على"، وأفسد مَنْ قبله من عبد القيس
ومَن والاهم من سائر العرب، وكان قومُه قد منعوا الصَّدَقة عام صِفِّين ومنعوها
٣٤٣٣/١

١٢٥
سنة ٣٨
فى ذلك العام أيضًا ، فكان عليهم عقالان ، فسار إليهممعقل بن قيس فى
ذلك الجيش من أهل الكوفة وأهل البصرة ، فأخذ على فارسَ حتى انتهى إلى
أسْياف البحر، فلما سمع الخِرّيت بن راشد بمسيره إليه أقبل على مَنْ كان
معه من أصحابه ممن يَرَى رأىَ الخوارج، فأسرَّ لهم: إنى أرى رأيكم ، فإنّ
عليًّاً لن ينبغى له أن يُحكِّم الرجالَ فى أمر الله، وقال للآخرين مند داً لهم :
إنّ عليًّا حكم حكمًاً ورَضِىَ به، فَخلعه حكمُه الذى ارتضاه لنفسه،
فقد رضيتُ أنا من قضائه وحكمه ما ارتضاه لنفسه ، وهذا كان الرأى الذى
خرج عليه من الكوفة . وقال سرًّاً لمن يرى رأىَ عثمان: أنا والله على رأيكم ،
قد واللّهِ قُتل عثمان مظلومًا، فأرضى كلّ. صنف منهم، وأراهم أنه معهم ،
وقال لمن منع الصدقة : شدّوا أيديكم على صدقاتكم، وصِلُوا بها أرحامكم :
وعودوا بها إن شئتم على فقرائكم ، وقد کان فیھم نصاری کثیر قد أسلموا ،
فلمّا اختلف الناسُ بينهم قالوا: واللّهِ لَدينُنا الذى خرجْنا منه خيرٌ وأهدى
من دين هؤلاء الذى هم عليه ؛ ما ينهاهم دينهُم عن سفك الدماء ، وإخافة
السبيل ، وأخذِ الأموال . فرجعوا إلى دينهم ، فلقىَ الخِرّيت أولئك ، فقال
لهم: وَيْحتكم! أتدرون حُكمَ علىّ فيمن أسلم من النصارى، ثم رجع إلى
نصرانيّته؟ لا والله ما يسمع لهم قولاً ، ولا يرى لهم عذراً، ولا يقبل منهم توبة
ولا يدعوهم إليها، وإنّ حكمه فيهم لضربُ العنق ساعةً يستمكِن منهم.
٣٤٣٤/١
فما زال حتى جمعهم وخدَعتَهم ، وجاء من كان من بنى ناجية ومن
كان فى تلك الناحية من غيرهم ، واجتمع إليهم ناسٌ كثير .
فحدثنى علىّ بن الحسن الأزدىّ، قال : حدثنا عبد الرحمن بن سليمان ،
عن عبد الملك بن سعيد بن حاب ، عن الحرّ ، عن عمار الدّهنىّ ، قال :
حدّثنى أبو الطُّفيل، قال: كنت فى الجيش الذين بعثهم علىّ بن أبى طالب
إلى بنى نَاجِية ، فقال : فانتهينا إليهم ، فوجدناهم على ثلاثٍ فِرَق ، فقال
أميرنا لفرقة منهم : ما أنتم ؟ قالوا : نحن قومٌ نصارى، لم نر دينًا أفضل"
٢٤٣٥/١

١٢٦
سنة ٣٨
من ديننا ، فثبتْنا عليه ، فقال لهم : اعتزِلوا ، وقال للفرقة الأخرى : ما أنتم ؟
قالوا : نحن كنّا نصارى فأسلمْنا، فثبتْنا على إسلامنا، فقال لهم : اعتزِلوا؛
ثم قال للفرقة الأخرى الثالثة : ما أنتم ؟ قالوا : نحن قومٌ كنّا نصارى،
فأسلمْنا ، فلم نَرَ دينًا هو أفضلُ من ديننا الأوّل ؛ فقال لهم : أسلموا ،
فأبَوا؛ فقال لأصحابه: إذا مسحتُ رأسى ثلاثَ مرّات فشدّوا عليهم، فاقتلوا
المُقاتِلة، واسبُوا الذّرّية. فجىء بالذرّية إلى علىّ، فجاء مَصقَلة بن هُبيرة،
فاشتراهم بمائتى ألف، فجاء بمائة ألف فلم يقبلها علىّ، فانطلق بالدراهم، وعمد
إليهم مصقلة فأعتقهم ولحق بمعاوية، فقيل لعلىّ: ألا تأخذ الذرّية ؟
فقال : لا ، فلم يتعرِض لهم.
٠
رجع الحديث إلى حديث أبى مخنف . قال أبو مخنف: وحد ثنى الحارث
ابن كعب، قال : لما رجع إلينا معقل بن قيس قرأ علينا كتابًا من علىّ:
بسمِ الله الرّحمن الرّحيم. من عبد الله علىّ أمير المؤمنين إلى من يُقْرَأ
عليه كتابى هذا من المؤمنين والمسلمين ، والنّصارى والمرتدِّين. سلامٌ عليكم
وعلى من اتّبع الهدى وآمَن بالله ورسوله وكتابه والبعث بعد الموت وأوفى بعهد الله
ولم يكن من الخائنين. أمّا بعد، فإنى أدعوكم إلى كتاب الله، وسنّة نبيّه،
والعملِ بالحقّ، وبما أمر الله فى الكتاب، فمن رجع إلى أهله منكم وكفّ
يَدَه واعتزل هذا الهالكَ الحاربَ الذى جاء يحارب الله ورسوله والمسلمين،
وسعتى فى الأرض فساداً ، فله الأمان على ماله ودمه ، ومَن تابَعَه على
حربنا والخروج من طاعتنا، استعنّا باللّه عليه، وجعلْنا اللّهَ بيننا وبينه ، وكفى
بالله نصیرًا!
٣٤٣٦/١
وأخرج معقل رايةَ أمان فنصَبَها، وقال : مَن أتاها من الناس فهو آمن،
إلا الخرّيت وأصحابه الذين حاربونا وبدءونا أوّل مرّة . فتفرّق عن الخِرّيت
جُلّ مَن كان معه من غير قومه ، وعبّأ معقل بن قيس أصحابَه ، فجعل

١٢٧
سنة ٣٨
على ميمنته يزيد بن المُغْفِل الأزدىّ، وعلى ميسرته المِنْجاب بن راشد الضبىّ،
ثم زحف بهم نحو الخِرّيت، وحضر معه قومُهُ مسلموهم ونصاراهم ومانعةُ
الصدقة منهم .
قال أبو مخنف : وحدثنى الحارث بن كعب ، عن أبى الصّديق النّاجىّ،
أنّ الخرّيت يومئذ كان يقول لقومه: امنعوا حريمتكم، وقاتِلوا عن نسائكم
وأولاد كم ، فوالله لئن ظهروا عليكم ليقتلُنْكم وليسبُّنْكُم .
فقال له رجل من قومه : هذا والله ما جَنتْه علينا يداك ولسانُك.
فقال: قاتلوا للّه أنتم! سَبَقَ السيفُ العَذَل، إيهًا والله لقد أصابت
قومى داهية !
قال أبو مخنف : وحدثنى الحارث بن كعب، عن عبد اللّه بن فُقَيْم،
قال : سار فينا معقل فحرّض الناسَ فيما بين الميمنة والميسرة يقول : أيُّها
الناس المسلمون ، ما تزيدون أفضل مما سيق لكم فى هذا الموقف من الأجر
العظيم؛ إنّ اللّه ساقكم إلى قوم منعوا الصدقة، وارتدّوا عن الإسلام، ونكثوا
البيعة ظُلمًا وعدوانًا، فأشهد لمن قُتل منكم بالجنة، ومَنْ عاش فإنّ اللّه
مُفْرٌّ عينَه بالفتح والغنيمة . ففعل ذلك حتى مرّ بالناس كلِّهم . ثم إنه جاء
حتى وقف فى القلْب برايته، ثم إنه بعث إلى يزيد بن المغفل وهو فى الميمنة :
أنِ احملْ عليهم ، فَحمَل عليهم، فثبتوا وقاتلوا قتالاً شديداً. ثمّ إنه
انصرف حتى وقف موقفه الذى كان به فى الميمنة ، ثم إنه بعث إلى منْجاب
ابن راشد الضّبِىّ وهو فى الميسرة. ثم إنّ مِنجاباً حَمَل عليهم فثبتُو وقاتلوا
قتالاً شديداً طويلاً ، ثم إنه رجع حتى وقف فى الميسرة ، ثم إنّ معقلا بعث
إلى الميمنة والميسرة : إذا حملتُ فاحملوا بأجمعكم. فحرّك رايتَه وهَزّها ،
ثم إنه حمل وحمل أصحابُه جميعًا، فصبروا ساعةً لهم. ثم إنّ النعمان بن
صُهْبان الراسِىّ من جَرْم بصُرَ بالخِرّيت بن راشد فحَمَل عليه، فطَعَنه
فصرعه عن دابته، ثم نزل وقد جَرَحه فأثْخنه ، فاختلفا ضربتين ، فقتله
النعمان بن صُهْبان، وقُتل معه فى المعركة سبعون ومائة ، وذهبوا يمينًا وشمالاً ،
وبعث معقل بن قيس الخيلَ إلى رحالهم ، فستَّ مَن أدرك منهم ، فسبى رجالا
٣٤٣٧/١

١٢٨
سنة ٣٨
كثيراً ونساءً وصبيانًا . ثم نظر فيهم ؛ فأمّا من كان مسلمًا فخلاّه وأخذ
بيعته وترك له عياله ، وأما من كان ارتدّ فعرض عليهم الإسلام . فرجعوا
وخلى سبيلهم وسبيل عيالهم إلاّ شيخًا منهم نصرانيًّا يقال له: الرُّمَاحس(١) بن
منصور؛ قال: والله ما زَلَمْتُ منذ عقلتُ إلا فى خروجى من دينى ، دينِ
الصّدق إلى دينكم دين السوء ، لا واللّه لا أدع دينى، ولا أقرب دينتكم
٣٤٣٨/١ ما حييت . فقدّمه فضَرَب عنقه، وجمع معقل الناس فقال: أدّوا ما عليكم
فى هذه السنين من الصدقة. فأخذ من المسلمين عقالَين، وعَمَد إلى النصارى
وعيالهم فاحتملهم مقبلا بهم ، وأقبل المسلمون معهم يشيّعونهم ، فأمر معقل
بردهم ، فلما انصرفوا تصافحوا فيكوا ، وبكى الرجالُ والنساء بعضهم إلى
بعض. قال: فأشهد أنّى رحمتُهم رحمةً ما رحمتُها أحداً قبلَهم ولا بعد هم.
قال : وكتب معقل بن قيس إلى علىّ: أما بعد، فإنَّى أخبر أميرَ المؤمنين
عن جنْده وعدوه ؛ إنا دفعنا إلى عدونا بالأسیاف فوجدنا بها قبائل ذات
عِدّة وحدّة وجدّ، وقد جُمعت لنا، وتحزّبتْ علينا، فدعَوْناهم إلى
الطاعة والجماعة، وإلى حُكم الكتاب والسنة ، وقرأنا عليهم كتابَ أمير المؤمنين،
ورفعنا لهم رايةَ أمان ، فمالَتْ إلينا منهم طائفة، وبقيتْ طائفةٌ أخرى مُتابِذة،
فقبلنا من التى أقبلت ، وصَمدْنا صَمْداً للتى أدبرتْ ، فضرب اللّه وجوههم
ونُصِرنا عليهم؛ فأمّا من كان مسلمًا فإنا مننًا عليه وأخذنا بيعتَه لأمير المؤمنين،
وأخذنا منهم الصدقة التى كانت عليهم ، وأما من ارتدّ فإنا عرضنا عليه الرجوع
إلى الإسلام وإلا قتلناه . فرجعوا غير رجل واحد ، فقتلناه ؛ وأما النصارى
فإنا سبيْناهم ، وقد أقبلْنا بهم ليكونوا نكالا لمن بعدهم من أهل الذمة ، لكيلا
يمنعوا الجزية ، ولكيلا يجترئوا على قتال أهل القبلة، وهم أهل الصّغار والذلّ،
رحمك الله يا أميرَ المؤمنين، وأوجَبَ لك جنّات النعيم ؛ والسلام عليك!
٣٤٣٩/١
ثم أقبل بهم حتى مرّ بهم على مصقلة بن هبيرة الشيبانىّ، وهو عاملُ علىّ
على أرد شير خُرّه، وهم خمسمائة إنسان، فبكى النساء والصبيانُ، وصاحَ
(١) النويرى: ((الرياض)).

١٢٩
سنة ٣٨
الرجال : يا أبا الفضل، يا حامىَ الرجال (١)، وفَكنّاك العُناة ، أمنن علينا
فاشترِنا وأعتقنا؛ فقال مصقلة: أقسم بالله لأتصدّقن" عليهم، إنّ الله يجزى
المتصدّقين. فبُلُّغها عنه معقِل، فقال: والله لو أعلم أنه قاله توجُّعًا لهم،
وزراءً عليكم ، لضربتُ عنقه ، ولو كان فى ذلك تفانِى تميم وبكْر بن
وائل . ثم إن مصقلة بعث ذهل بن الحارث الذّهلىّ إلى معقل بن قيس فقال
له : بعنى بنى ناجية ؛ فقال: نعم ، أبيعكم بألف ألف ، ودفعتهم إليه ،
وقال له : عجّل بالمال إلى أمير المؤمنين ؛ فقال: أنا باعث الآن بصدر ، ثم
. أبعثُ بصَدْر آخر كذلك؛ حتى لا يبقى منه شيء إن شاء الله تعالى . وأقبل
معقل بن قيس إلى أمير المؤمنين ، وأخبره بما كان منه فى ذلك ، فقال
له : أحسنتَ وأصبتَ، وانتظَرَ علىّ مصقلة أن يبعث إليه بالمال ، وبلغ علياً
أنّ مصقلة خلَّى سبيلَ الأسارى ولم يسألهم أن يُعينوه فى فكاك أنفسهم بشىء،
فقال: ما أظنّ مصقلة إلا قد تحمّل حَمالةً؛ ألا أراكم سترَوْنه عن قريب
مليّداً . ثم إنه كتب إليه : أمّا بعد ، فإن من أعظم الخيانة خيانة الأمة ،
وأعظم الغيشّ على أهل المصر غشّ الإمام ، وعندَك من حق المسلمين خمسمائة
ألف، فابعث بها إلىّ ساعةَ يأتيك رسولى ، وإلا فأقبل حين تنظرُ فى كتابى ،
فإنى قد تقدّمت إلى رسولى إليك ألّا يَدَعَك أن تقيمَ ساعة واحدة بعد قدومه
عليك إلا أن تبعث بالمال ؛ والسلام عليك .
٣٤٤٠/١
وكان الرسول أبو جُرّة الحنفىّ، فقال له أبوجُرّة: إن يبعث بالمال الساعة
وإلا فاشْخَصْ إلى أمير المؤمنين . فلما قرأ كتابه أقبل حتى نزل البصرة ،
فمكث بها أيامًا . ثم إنّ ابنَ عباس سأله المال، وكان عمّال البصرة يُحملون
من كُوَّرَ البصرة إلى ابن عباس، ويكون ابنُ عباس هو الذى يبعث به إلى علىّ؛
فقال له : نعم ، أنظِرِنى أياماً ، ثم أقبل حتى أتى عليًّا فأقرّه أيامًا ، ثم سأله
المال ، فأدى إليه مائتى ألف ، ثم إنه عجز فلم يقدر عليه .
قال أبو مخنف : وحد ثني أبو الصّلت الأعور، عن ذهل بن الحارث ،
(١) بعدها فى ابن الأثير: ((ومأوى المعضب)).
،

١٣٠
سنة ٣٨
قال: دعانى مَصْقلة إلى رَحْلِهِ فقُدّم عشاؤه، فطَعِمْنا منه، ثم قال: والله
إن أميرَ المؤمنين يسألنى هذا المال ، ولا أقدر عليه ، فقلت : والله لو شئتَ
ما مضت عليك جمعة حتى تجمع جميعَ المال ؛ فقال: والله ما كنت لأحملها
قومى ، ولا أطلب فيها إلى أحد. ثم قال : أما والله لو أن ابنَ هند هو طالبنى
بها أو ابن عفان لتركها لى ؛ ألم تر إلى ابن عفان حيث أطعم الأشعثَ من
خراج أذْرَبيجانَ مائة ألف فى كلّ سنة! فقلت له : إنّ هذا لا يرى هذا
الرأى، لا والله ما هو بباذل شيئًا كنتَ أخذته ، فسكت ساعةً ، وسكت
عنه ، فلا والله ما مكث إلا ليلةً واحدة بعد هذا الكلام حتى لحق بمعاوية .
وبلغ ذلك عليًّا فقال: ما له برّحه اللّهَ؛ فعَل فِعلَ السيِّد، وفرّ فِرارَ العبد ،
وخان خيانة الفاجر ! أما والله لو أنه أقام فعجز ما زدنا على حبسه ، فإن وجدْنا
له شيئًا أخذناه ، وإن لم نقدر على مال تركناه . ثم ساز إلى داره فنقضها
وهدّمها ، وكان أخوه نعيم بن هبيرة شيعيًّا، ولعلىَّ مناصحًا، فكتب إليه
مصقلة من الشأم مع رجل من النصارى من بنى تغليب يقال له حُلْوان :
٣٤٤١/١
أما بعد، فإنى كلّمتُ معاويةَ فيك، فوعتدَك الإمارة، ومنّاك الكرامة،
فأقبل إلىَّ ساعةَ يلقاك رسولى إن شاء اللّه؛ والسلام.
فأخذه مالك بن كعب الأرحبىّ ، فسرّح به إلى علىّ ، فأخذ كتابه
فقرأه ، فقطع يَد النصرانىّ، فمات ، وكتب نُعيم إلى أخيه مَصْفَلة:
بالظَّنّ مِنْك فما بالى وحُلوانا!
لا ترْمِيَنَّ هَداكَ اللهُ مُعْتَرِضاً
وَهْوَ البَعيدُ فلا يُحْزِنْكَ إِذْ خانا
ذاك الحَريصُ على ما نالَ مِنْ طَمَعٍ
تَرْجوسِقَاطَ امْرِئٌ لِمْ يُلْفَ وَسْنانا
ماذا أَرْدْتَ إِلى إِرْسالِهِ سَفَهاً
يمشى العِرَضْنَةَ مِنْ آسادِ خَفّانا(١)
عَرَّضْتَهُ لِعَلىِّ إِنَّهُ أَسَدُ
تحْمِى العراقَ وتُدْعی خَيْرَ شيْبانا
قد كنْتَ فِى مَنْظَرٍ عن ذا ◌ُمُسْتَمَع.
٣٤٤٢/١
(١) يمشى العرضنة: يعدو ليسبق غيره.

١٣١
سنة ٣٨
لِلِرَاكبين لَهُ سِرًّا وإِعلانا
حَتَّى تَقَحَّمْتَ أَمْرًا كُنْتَ تَكْرَهُهُ
لِلْحَقِّ أَحْيْتَ أَحيانًا ومَوْتانا(١)
لوكنْتَ أَدَّيْتَ ما للقَوْمِ مُصْطَبِرًا
فَضل ابن مِنْدٍ وذاك الرأىُ أُشجانا
لكن لَحِقْتَ بِأَهْلِ الشأمِ مُلْمِساً
ماذا تَقولُ وقَدْ كان الذى كانا !
(٢)
فاليَوْمَ تَقْرَعُ سِنَّ الغُرْمِ من ندَمِ
أَصْبِحْتَ تُبْغِضُكَ الأَحياءُ قاطِیةً
لم يَرْفَعِ اللهُ بالبغْضاءِ إِنسانا
فلما وَقَع الكتاب إليه عَلِيمٍ أن رسوله قد هلك، ولم يلبث التغلَبيّون إلا
قليلاً حتى بلغهم هلاكُ صاحبهم حُلوان ، فأتوا مصقلةَ فقالوا : إنك بعثتَ
صاحبنا فأهْلَكتَه، فإما أن تُحييَه وإما أن تديه ، فقال: أمّا أن أحييه
فلا أستطيع ، ولكنّی سأدِيه ؛ فواداه
قال أبو مخنف : وحدثنى عبد الرحمن بن جندب ، قال : حدّثنی
أبى، قال : لما بلغ عليًّا مصابُ بنى ناجية وقتلُ صاحبهم قال: هوتْ أمّه!
ما كان أنقَصَ عقله، وأجرَأه على ربه! فإنّ جائيًا جاءنى مرّة فقال لى :
فى أصحابك رجالٌ قد خشيتُ أن يفارقوك ، فما ترى فيهم ؟ فقلت له :
إنّى لا آخذ على التّهمة، ولا أعاقب على الظنّ، ولا أقاتل إلا من خالفنى
وناصَبسنى وأظهر لى العداوة، ولست مُقاتِلَه حتى أدعوَه وأعذرَ إليه ، فإن
تاب ورجع إلينا قبلْنا منه ، وهو أخونا ، وإن أبى إلا الاعتزامَ على حربنا
استعنّا عليه اللّهَ، وناجَزْناه . فكفّ عنى ما شاء الله . ثم جاءنى مرّة أخرى
فقال لى : قد خشيت أن يفسد عليك عبدُ اللّه بنُ وهب الراسيّ وزيدُ بن
حصين ، إنى سمعتُهما يذكرانك بأشياء لو سمعتها لم تُفارِقْهما عليها حتى
تقتلهما أو توبقهما ، فلا تفارقتهما من حبسك أبداً، فقلت : إنّى مستشيرك
فيهما ، فماذا تأمرنى به؟ قال : فإنّى آمرك أن تدعوَ بهما، فتضربَ رِقابهما ،
فعلمت أنه لاَ ورِعٌ ولا عاقل، فقلت: واللهِ ما أظنّك وَرِعًا ولا عاقِلاً
٣٤٤٣/١
(١) ابن الأثير: ((مال القوم))، بإضافة ((مال)) إلى ما بعده. وخفّف ((أحيانا)) للشعر،
والأصل فيه ((أحياءنا)» بالهمز.
(٢) ابن الأثير: ((من" العجز)».

١٣٢
سنة ٣٨
نافعًا، والله لقد كان ينبغى لك لو أردت قتلهم أن تقول: اتّق اللّه، لم
تستحلّ قتلهم ولم يقتلوا أحداً، ولم ينابذوك، ولم يخرجوا من طاعتك !
٠
٠
وحجّ بالناس فى هذه السنة قُشَم بن العبّاس من قِبَل علىّ عليه السلام.
حدثنى بذلك أحمد بن ثابت ، عن إسحاق بن عيسى ، عن أبى معشر .
و کان قُشم يومئذ عامل على علیمکة، و کان على الیمنعبيد الله بن العباس،
وعلى البصرة عبد الله بن العباس .
واختلف فى عامله على خُراسان فقيل : كان خلید بن قرّة اليربوعىّ ،
وقيل : كان ابن أبزَى ؛ وأما الشأم ومصرَ فإنه كان بهما معاوية وعمّاله .
١

٣٤٤٤/١
ثم دخلت سنة تسع وثلاثين
[ ذكر ما كان فيها من الأحداث ]
فمما كان فيها من الأحداث المذكورة :
تفريق معاوية جيوشه فى أطراف على
فوجه النعمان بنبشير- فما ذكر على بن محمد بنعوانة -فى ألفى(١) رجل
إلى عين التّمْر، وبها مالك بن كعب مسلحةً لعلىَ فى ألف رجل، فأذن
لهم، فأتوا الكوفة ، وأتاه النعمان، ولم يبق معه إلاّ مائة رجل، فكتب مالك
إلى علىّ يخبرُه بأمرِ النعمان ومن معه، فخطب علىَّ النَّاس، وأمَرَهم
بالخُروج، فتثاقلُوا، وواقع مالك النعمان ، والنّعمان فى ألفى رجل ومالك
فى مائة رجل، وأمر مالك أصحابه أن يجعلوا جَدْرَ (٢) القرية فى ظهورهم، واقتتلوا.
وكتب إلى مخنف بن سُلَيْم يسأله أن يُمدّه وهو قريب منه، فقاتلهم مالك
ابن کعبفىالعصابة التی معه کأشد القتال، ووجه إلیه مخنّف ابنه عبد الرحمن
فی خمسین رجلاً ، فانتهوا إلى مالك وأصحابه ، وقد كسروا جفون سيوفهم ،
واستقتَلوا ، فلما رآهم أهلُ الشأم وذلك عند المساء ، ظنّوا أنّ لهم مدداً
وانهزموا ، وتبعهم مالك ، فقتل منهم ثلاثة نفر ، ومضَوْا على وجوههم.
حدثنى عبدُ الله بن أحمدَ بن شبّوَيَه المروزىّ، قال: حدّثنا أبى، قال:
حدثنى سليمان، عن عبد الله، قال: حدثنى عبد الله بن أبى معاوية، عن
عمرو بن حسّان ، عن شيخ من بنى فَزارة ، قال : بعث معاوية النعمان بن
بشير فى ألفين، فأتوا عينَ الثَّمْر، فأغاروا عليها، وبها عامل لعلىّ يقال له
ابن فلان الأرحبىّ فى ثلثمائة، فكتب إلى علىّ يستمدّه، فأمر الناسَ أن
ينهضوا إليه، فتثاقلوا، فصعد المنبر، فانتهيت إليه وقد سبقَى بالتشهد
وهو يقول :
٣٤٤٠/١
(١) ابن الأثير والنويرى: ((ألف)).
(٢) الجدر : الحائط .
١٣٣

١٣٤
سنة ٣٩
يا أهلَ الكُوفة ، كلَّما سمعتم بمنِسر من مناسر (١) أهل الشأم أظلّكم
وأغلقَ بابَه انجتَحّر كلّ امرئ منكم فى بيته انجحارَ الضبّ فى جُحْره
والضّبع فى وِجارِها؛ المغرورُ من غررتموه، ولَمَنْ فازَ بكم فاز بالسهم الأخيَب.
لا أحرارٌ عند النداء، ولا إخوانُ ثقة عند النّجاء ، إنا لله وإنا إليه راجعون !
ماذا مُنِيتُ بهِ منكم! عمىٌ لا تُبصِرون، وبُكْمٌ لا تنطقون، وصُمّ لا
تَستَمعون(٢) إنا لله وإنا إليه راجعون.
رجع الحديث إلى حديث عوانة . قال: ووجّه معاوية فى هذه السنة سُفيان بن
عوف فى ستة آلاف رجل، وأمره أن يأتىَ هيت فيقطعها، وأن يُغيرَ عليها ، ثم
يمضى حتى يأتى الأنبار والمدائن فيوقعَ بأهلها ،فسارحتى أتى هيت فلميجد بها
أحداً، ثم أتى الأنبارَ وبها مسلّحة لعلى تكون خمسمائة رجل، وقد تفرّقوا فلم
يبق منهم إلا مائة رجل ، فقاتَلَهم ، فصبرلهم أصحابُ علىّ مع قلّتهم ، ثم
حملت عليهم الخيلُ والرَّجالة، فقتلوا صاحب المسلحة، وهو أشرَس بن حسّان
البكرىّ فى ثلاثين رجلا ، واحتملوا ما كان فى الأنبار من الأموال وأموال
أهلها ، ورجعوا إلى معاوية. وبلغ الخبر عليًّا ، فخرج حتى أتى النُّخَيلة ،
فقال له الناس : نحن نكفيك؛ قال : ما تكفونى ولا أنفسكم ، وسرّح سعيد
ابن قيس فى أثر القوم ، فخرج فى طلبهم حتى جاز هيت ، فلم يلحقهم
فرجع .
٣٤٤٦/١
قال : وفيها وجّه معاوية أيضًا عبد الله بن مسعدة الفزارىّ فى ألف
وسبعمائة رجل إلى تَيْماء ، وأمره أن يُصَدَّق(٣) من مرّ به من أهل البوادى،
وأن يقتل من امتنع من عطائه صدقة ماله ، ثم يأتى مكة والمدينة والحجاز ،
(١) المنسر : قطعة من الجيش تكون قدام الجيش الكبير
(٢) ابن الأثير: ((يبصرون. ينطقون. يسمعون)
(٣) المصدق : هو الذى يجمع الصدقات

١٣٥
سنة ٣٩
يفعل ذلك ، واجتمع إليه بشرٌ كثير من قومه، فلما بلغ ذلك عليًّا وجه المسيَّب
ابن نَجبة الفزارىّ(١)، فسار حتى لحق ابن مسعدة بتَيْماء ، فاقتتلوا ذلك
اليوم حتى زالت الشمس قتالاً شديداً ، وحمل المسيّب على ابن مسعدة فضربه
ثلاثَ ضَرَبَات ، كلّ ذلك لا يلتمس قتله ويقول له : النَّجاء النَّجاء ! فدخل
ابن مسعدة وعامة من معه الحصن ، وهرّب الباقون نحو الشأم ، وانتهب
الأعراب إبلَ الصّدقة التى كانت مع ابن مسعدة، وحَصّره ومَن كان معه
المسيّب ثلاثة أيام ، ثم ألقى الحطَب على الباب، وألقى النيرانَ فيه ، حتى
احترق ، فلما أحسوا بالهلاك أشرفوا على المسيّب فقالوا : يا مسيّب، قومك !
فرقّ لهم، وكرِهِ هلاكتهم ، فأمر بالنار فأطفئتْ، وقال لأصحابه : قد
جاءتنى عيون فأخبرُونى أنّ جنداً قد أقبل إليكم من الشأم ، فانضموا فى مكان
واحد . فخرج ابنُ مسعدة فى أصحابه ليلاً حتى لحقوا بالشأم ، فقال له
عبد الرحمن بن شبيب : سِرْ بنا فى طلبِهم ، فأبى ذلك عليه ، فقال له :
غششَتَ أميرَ المؤمنين وداهنتَ فى أمرهم .
٣٤٤٧/١
وفيها أيضًا وجّه معاويةُ الضحّاكَ بنَ قيس، وأمره أن يمرّ بأسفل واقصة،
وأن يُغِير على كلّ مَن مرّ به ممن هو فى طاعة علىّ من الأعراب ، ووَجّه
معه ثلاثة آلاف رجل، فسار فأخذ أموال الناس، وقتل من لقىّ من الأعراب،
ومرّ بالتّعلبيّة فأغار على مسالح علىّ، وأخذ أمتعتهم، ومضى حتى انتهى إلى
القُطْقُطانة ، فأتى عَمرو بن عميس بن مسعود ، وكان فى خيل لعلىّ وأمامه
أهله ، وهو يريد الحجّ ، فأغار على من كان معه ، وحبسه عن المسير ، فلما
بلغ ذلك عليًّا سرّح حُجْر بن عدىّ الكندىّ فى أربعة آلاف ، وأعطاهم
خمسين خمسين ، فلحق الضحّاك بتَدْمُر فقتل منهم تسعةَ عشرَ رجلاً،
وقتل من أصحابه رجلان ، وحال بينهم الليل ، فهرب الضحاك وأصحابه ،
ورجع حُجْر ومن معه .
٥
(١) بعدها فى ابن الأثير والنويرى: ((فى ألف رجل)).

١٣٦
سنة ٣٩
وفيها سار معاوية بنفسه إلى دِجْلة حتى شارفتها ، ثم نكص راجعًاً ،
ذكر ذلك ابن سعد ، عن محمد بن عمر ، قال : حدثنى ابن جريج ، عن
ابن أبى مُلَيكة قال : لما كانت سنة تسع وثلاثين أشرف عليها معاوية .
وحدثنى أحمد بن ثابت ، عمّن ذكره ، عن إسحاق بن عيسى ، عن
أبى معشر مثله .
٣٤٤٨/١
#
واختلف فيمن حجّ بالناس فى هذه السنة ، فقال بعضهم : حجّ بالناس
فيها عبيد الله بن عبّاس من قبَل علىّ. وقال بعضُهم: حجّ بهم عبد الله
ابن عباس؛ فحدّثنی أبو زیدعمر بن شبة،قال : يقال إن علیًا وجه ابن عباس
ليشهد الموسم ويصلى بالناس فى سنة تسع وثلاثين ، وبعث معاوية يزيد
ابن شجرة الرّهاوىّ .
قال: وزعم أبو الحسن أن ذلك باطل ، وأن ابن عباس لم يشهد المَوْسيم
فى عمل حتى قُتِل علىّ عليه السلام؛ قال: والذى نازعه يزيد بن شجرة قُتّم
ابن العباس، حتى إنهما اصطلحا على شيبة بن عثمان، فصلى بالناس سنة تسع وثلاثين.
وكالذى حكيت عن أبى زيد عن أبى الحسن ، قال أبو معشر فى ذلك :
حد ◌ّثی بذلك أحمد بن ثابت الرازى،عمن حدثه، عن إسحاق بن عيسى عنه.
وقال الواقدىّ: بعث علىّ على الموسم فى سنة تسع وثلاثين عُبيد الله بن
عباس ، وبعث معاوية يزيدَ بن شجرة الرهاوىّ ليقيمَ للناس الحجّ ، فلما
اجتمعا بمكّة تَنَازَعا، وأبى كلُّ واحد منهما أن يسلّم لصاحبه، فاصطلحا
على شيبة بن عثمان بن أبى طلحة .
وكانت عمّال على فى هذه السنة على الأمصار الذين ذكرْنا أنهم كانوا
عمّالَه فى سنة ثمان وثلاثين غير ابن عباس ، كان شَخَصَ فى هذه السنة
عن عمله بالبصرة ، واستخلف زياداً - الذى كان يقال له : زياد بنُ أبيه -
على الخَرَاج ، وأبا الأسوَد الدُّنَزَلىّ على القضاء.
------
,

١٣٧
سنة ٣٩
[ ذ کر توجیه ابن عباس زیادًا إلی فارس و کرمان ]
وفى هذه السنة وجه ابنُ عباس زياداً عن أمر علىّ إلى فارسَ وكِرْمان
عند منصرفه من عند علىّ من الكُوفة إلى البَصرة.
· ذ کر سبب توجیهه إیاہ إلی فارس :
٢٤٤٩/١
حدّثنى عمر، قال : حدّثنا علىّ ؛ قال: لما قتل ابن الخضْرمىّ واختلف
الناسُ على علىّ، طَمِع أهلُ فارسَ وأهلُ كَرَمانَ فى كسْر الخراج ،
فغلب أهلُ كل ناحية على ما يليهم ، وأخرجوا عمّالَهم .
حدثنى عمر ، قال : حدثنا أبو القاسم ، عن سلمة بن عثمان ، عن
علىّ بن كثير، أنّ عليًّا استشار الناسَ فى رجُل يوليه فارسَ حين امتنعوا
من أداء الخراج ، فقال له جارية بن قدامة: ألا أدلّك يا أمير المؤمنين على
رجل صليبِ الرأى، عالم بالسياسة ، كافٍ لِمَا ولىَ؟ قال: مَن هو ؟
قال : زياد ؛ قال : هو لها ؛ فولّه فارسَ وكِرْمان، ووجهه فى أربعة
آلاف ، فلوّخ تلك البلادَ حتى استقاموا.
حدّثنى عمر، قال : حدّثنا أبو الحسن ، عن علىّ بن مجاهد ، قال:
قال الشعبىّ: لما انتقَض أهلُ الجبال وطمع أهلُ الخراج فى كسره، وأخرجوا
سهل بن حنيف من فارسَ - وكان عاملا عليها لعلىّ - قال ابن عباس لعلىّ:
أكفيكَ فارسَ؛ فقدم ابنُ عباس البَصرة، ووجّه زياداً إلى فارسَ فى جمع
كثير ، فوطِئ بهم أهلَ فارس ، فأدَّوا الخَراج .
حدثنى عمر ، قال : حدثنى أبو الحسن ، عن أيّوب بن موسى ،
قال : حدثنى شيخٌ من أهل إصْطَخْر قال : سمعتُ أبى يقول: أدركتُ
زياداً وهو أميرٌ على فارسَ وهى تَضرَم ناراً ، فلم يزل بالمُداراة حتى عادوا
إلى ما كانوا عليه من الطّاعة والاستقامة ، لم يقف موقفًا للحرب، وكان أهل
فارسَ يقولون: ما رأيْنا سيرةً أشبه بسيرة كسرى أنو شِرْوان من سيرة هذا
العربىّ فى اللين والمُداراة والعلم بما يأتى.

١٣٨
٣٤٥٠/١
سنة ٣٩
قال : ولما قدم زياد فارسَ بعث إلى رؤسائها، فوعد من نصره ومنّاه ،
وخوّفَ قومًاً وتوعَّدهم ، وضرب بعضهم ببعض ، ودلّ بعضَهم على عورةٍ
بعض ، وهربتْ طائفة ، وأقامت طائفة، فقتل بعضُهم بعضًا، وصفَتْ له
فارس، فلم يَلْقَ فيها جمعًا ولا حَرْبًا، وفعل مثلَ ذلك بكَرْمان، ثم
رجع إلى فارسَ ، فسار فى كُوَرَها ومنّاهم ، فسكنَ الناسُ إلى ذلك ،
فاستقامت له البلاد ، وأتى إصْطَخْرَ فنزلها وحصّن قلعةً بها ما بين بيضاء
إِصْطَخْر وإِصْطَخْر ، فكات تسمّى قلعةَ زياد ، فحمل إليها الأموال ،
ثم تحصّن فيها بعد ذلك منصور اليشكرىّ، فهى اليومَ تُسمَّى قلعةَ منصور.

ثم دخلت سنة أربعين
ذكر ما كان فيها من الأحداث
فمما كان فيها من ذلك توجيه معاوية بُسر بن أبى أرطاة فى ثلاثة آلاف
من المقاتلة إلى الحجاز .
فذُكر عن زياد بن عبد الله البَكَّائىّ، عن عَوانة، قال: أرسل معاويةُ
ابنُ أبى سفيان بعد تحكيم الحكمين بُسرَ بنَ أبى أرطاة ــ وهو رجلٌ مّن بنى
عامر بن لؤىّ فى جيش - فساروا من الشأم حتى قدموا المدينة، وعاملُ
٣٤٥١/١
علىّ على المدينة يومئذ أبو أيوب الأنصارىّ، ففرّ منهم أبو أيوب، فأتى عليًّا
بالكوفة ، ودخل بُسر المدينة ؛ قال : فصَعِد منبرَها ولم يقاتلْه بها أحد ،
فنادى على المنبر : يا دينار، ويا نجّار ، ويا زُريق ، شَيْخى شَيْخى!
عهدى به بالأمس ، فأين هو ! يعنى عثمانَ ، ثمّ قال: يا أهل المدينة ، والله
لولا ما عهد إلىّ معاويةُ ما تركتُ بها محتلماً إلاّ قتلته. ثم بايع أهل المدينة،
وأرسل إلى بنى سلمة ، فقال: والله ما لكم عندى من أمان ولا مبايعة حتى
تأتونى يجابر بن عبد الله، فانطلق جابر إلى أمّ سلمة زوج النبيّ صلى اللّه
عليه وسلم فقال لها : ماذا تَرَيْن ؟ إنّى قد خشيتُ أن أقتل ، وهذه بَيْعة
ضلالة ، قالت : أرى أن تبايعَ ، فإنّى قد أمرت ابنى عمر بن أبى سلمة
أن يبايع، وأمرتُ خَتَنِى عبد الله بن زَمْعة - وكانت ابنتها زينب ابنة
أبى سلمة عند عبدالله بن زمعة فأتاه جابرٌ فبايعه، وهدّم بُسْر دُورًا بالمدينة،
ثم مضى حتى أتى مكة ، فخافه أبو موسى أن يقتله ، فقال له بُسر : ما
كنتُ لأفعلَ بصاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم ذلك؛ فخلّى عنه،
وكتب أبو موسى قبل ذلك إلى اليمن: إنّ خيلاً مبعوثةً من عند معاوية تقتُل
الناس ، تقتُل من أبى أن يقرّ بالحكومة. ثم مضى بُسر إلى اليمن، وكان
عليها عبيد الله بن عباس عاملاً لعلىّ، فلما بلغه مسيره فرّ إلى الكوفة حتى ٣٤٥٢/١
أتى عليًا، واستخلف عبد الله بن عبد المدان الحارثىّ على اليمن، فأتاه بُسر
١٣٩

١٤٠
سنة ٤٠
فقتله وقتل ابنته ، ولقى بُسر ثقل عبيد الله بن عباس . وفيه ابنان له صغيران،
فذبَحهما . وقد قال بعض الناس : إنه وجد ابنى عبيد الله بن عباس عند
رجل من بني كنانةَ من أهل البادية ، فلما أراد قتلهما قال الكنانىّ: علامّ
تقتُل هذين ولا ذنب لهما ! فإن كنتَ قاتِلَهما فاقتلنى، قال: أفعل ؛ فبدأ
بالكنانىّ فقتله، ثم قتلهما ثمّ رجع بُشْر إلى الشأم. وقد قيل: إنّ الكنانىّ
قاتل عن الطفلين حتى قُتِل ، وكان اسمُ أحدِ الطفلين اللذين قتلَهما بُسْر:
عبد الرحمن، والآخر قُتَم . وقَتل بُسر فى مسيره ذلك جماعةً كثيرةً من
شيعة على باليمن . وبلغ عليًّا خبرُ بُسر، فوجه جارية بن قُدامة فى ألفين ،
ووهْب بن مسعود فى ألفين ، فسار جارية حتى أتى نَجْرانَ فحرّق بها ،
وأخذ ناسًاً من شيعة عثمانَ فقتلهم ، وهَرَّب بُسْر وأصحابُه منه، وأتبعهم
حتى بلغ مكة ، فقال لهم جارية : بايعونا ؛ فقالوا : قد هلك أميرُ المؤمنين ،
فِلَمن نبايع ؟ قال: لمن بايَعَ له أصحابُ علىّ، فتثاقلوا، ثمّ بايعوا. ثمّ
سار حتى أتى المدينة وأبو هريرة يصلَّى بهم ، فهرب منه ، فقال جارية :
واللّهِ لو أخذتُ أبا سِنَّوْر لضربتُ عنقتَه، ثم قال لأهل المدينة : بايعوا
الحسن بن علىّ؛ فبايعوه وأقام يومتَه، ثم خرج منصرفًا إلى الكوفة ، وعاد
أبو هريرة فصلّى بهم .
٣٤٠٣/١
وفى هذه السنة - فيما ذكر - جرتْ بين علىّ وبين معاويةَ المهادنة -بعد
مكاتبات جرتْ بينهما يطول بذكرها الكتاب - على وَضْعِ الحرب بينهما ،
ويكون لعلىَّ العراق ولمعاويةَ الشأم ، فلا يدخل أحدُهما على صاحبه فى
عمله بجيش ولا غارة ولا غَزْو .
قال زياد بنُ عبد اللّه ؛ عن أبى إسحاق : لما لم يعطِ أحدُ الفريقين
صاحبه الطاعةَ كتب معاويةُ إلى على": أما إذا شئتَ فلك العراق ولىَ الشأم،
وتكفّ السيف عن هذه الأمة ، ولا تُهَرِ يق دماء المسلمين ؛ ففعل ذلك ،
وتراضَيَا على ذلك، فأقام معاوية بالشأم بجنوده يَجْبيها وما حولها، وعلىّ بالعراق
يَجبيها ويقسمها بين جنوده .