النص المفهرس

صفحات 61-80

٦١
سنة ٣٧
مضى علىّ غير بعيد، فلقيه عبد الله بن وديعة الأنصارىّ، فدنا منه ،
وسلَّم عليه وسايره ، فقال له : ما سمعتَ الناس يقولون فى أمرنا ؟ قال :
منهم المعجَب به، ومنهم الكاره له، كما قال عزّ وجلّ: ﴿وَلَا يَزَالُونَ
مُخْتَلِفِينَ . إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّك﴾(١) . فقال له: فما قولِ ذَوِى الرّأى فيه؟
قال: أما قولهم فيه فيقولون إنّ عليًّا كان له جمع عظيم ففرقه ، وكان له
حصن حصين فهدّمه، فحتى متى يبنى ما هدم، وحتى متى يجمع مافرّق ! فلو
أنه كان مضى بمن أطاعه -إذ عصاه من عصاه- فقاتل حتى يظفر أو يهلك
إذاً كان ذلك الخزم . فقال علىّ: أنا هدمت أم هم هدموا ! أنا فرّقت أم
هم فرّقوا ! أما قولهم : إنه لو كان مضى بمن أطاعه إذ عصاه من عصاه فقاتل
حتى يَظفر أو يهلك، إذاً كان ذلك الحزم، فوالله ما غَبِيَ عن رأيى (٢)
ذلك ، وإن كنتُ لسخيًّا بنفسى عن الدنيا، طيّبَ النفس بالموت، ولقد هممتُ
بالإقدام على القوم ، فنظرت إلى هذين قد ابتدَرَانى - يعنى الحسن والحسين -
ونظرتُ إلى هذين قد استقدمانى - يعنى عبد الله بن جعفر ومحمد بنَ علىّ-
فعلمت أن هذين إنْ هلكا انقطع نسْلُ محمد صلى الله عليه وسلم من هذه
الأمَّة، فكرهت ذلك ، وأشفقتُ على هذين أن يَهلِكا ، وقد علمتُ أن
لولا مكانى لم يستقدما - يعنى محمد بن على وعبد الله بن جعفر - وإيمُ اللّه لئن
لقيتُهم بعد يومى هذا لألقينّهم وليسوا معى فى عسكر ولا دار . ثم مضى حتى
إذا جُزْنا بنى عوف إذا نحن عن أيماننا بقبور سبعة أو ثمانية، فقال علىّ:
ما هذه القبور ؟ فقال قدامة بن العجلان الأزدىّ: يا أميرَ المؤمنين، إنّ خبّاب
ابن الأرتّ توفّى بعد مخرجك، فأوصى بأن يُدفَن فى الظَّهر، وكان الناس
إنما يُدفنون فى دُورهم وأفنِيَتَّهم ، فدفن بالظّهر رحمه اللّه ، ودفَن الناس
إلى جنبه، فقال علىَّ: رحم الله خبّاباً، فقد(٣) أسلم راغبًا، وهاجر طائعاً،
وعاش مجاهداً، وابُتِلِىَ فى جسمه أحوالا! وإنّ اللّه لا يُضيع أجرَ من أحسن
٣٣٤٧/١
(١) سورة هود: ١١٨، ١١٩.
(٢) ابن الأثير: ((ما خفى على هذا)).
(٣) ابن الأثير ((فلقد)).

٦٢
سنة ٣٧
عملاً . ثم جاء حتى وقف عليهم فقال : السّلام عليكم يا أهلَ الدّيار الموحشة،
والمحالّ المقفرة، من المؤمنين والمؤمنات، والمسلمين والمسلمات. أنتم لنا سلف.
فارط ، ونحن لكم تَبَعٌ ، بكم عمّا قليل لاحقون. اللهم" اغفر لنا ولهم، وتجاوز
بعفوك عنّا وعنهم ! وقال: الحمد لله الذى جعل منها خلقكم ، وفيها معاد كم،
منها يبعثكم ، وعليها يحشركم ، طوبى لمن ذكر المعاد ، وعمل للحساب ،
وقنع بالكفاف ، ورضىَ عن اللّه عزّ وجلّ ! ثم أقبل حتى حاذَى سكَّة
الثوريّين ، ثم قال: خُشّوا، ادخُلُوا بين هذه الأبيات (١).
قال أبو مخنف: حدّثّنى عبد الله بن عاصم الفائشىّ، قال: مرّ علىّ
بالثوريِّين (٢)، فسمع البكاء ، فقال: ما هذه الأصوات ؟ فقيل له : هذا
البكاء على قتلَى صِفّين ، فقال : أما إنّ أشهد لمن قُتل منهم صابراً محتسِبًا
بالشهادة . ثم مرّ بالفائشيّين، فسمع الأصوات ، فقال مِثِلَ ذلك ،
ثم مضى حتى مرّ بالشّباميّين، فسمعَ رِجّة شديدة(٣)، فوقف، فخرج إليه
حرب بن شُرحبيل الشَّامىّ، فقال علىّ: أيغلبكم نساؤكم! ألا تنهونهنّ عن
هذا الرَّنين ! فقال : يا أمير المؤمنين ، لو كانت داراً أو دارين أو ثلاثًاً
قدَرنا على ذلك ، ولكن قُتِل من هذا الحىّ ثمانون ومائة قتيل ، فليس دار إلا
وفيها بكاء ، فأمّا نحن معشرَ الرجال فإنا لا نبكى، ولكن نفرح لهم ، ألا نفرح
لهم بالشهادة! قال علىّ: رحم الله قتلاكم وموتاكم! وأقبل يمشى معه وعلى
راكب ، فقال له علىّ: ارجع ، ووقف ثم قال له: ارجع ، فإن مَشْىَ
مِثْلِك مع مثلى فتنةٌ للوالى، ومذّلة للمؤمن . ثم مضى حتى مرَّ بالناعطيّين ..
و کان جُلُّھم عثمانية ــ فسمع رجلاً منهم يقال له عبد الرحمن بن یزید،من
بنى عُبيد من الناعِطِيّين يقول: والله ما صنع علىّ شيئًا، ذهب ثم انصرف
فى غير شىء! فلما نظروا إلى علىّ أبلسوا (٤)، فقال: وجوه قوم ما رأوا الشأمَ
٣٣٤٩/١
(١) صفين: ٦١٠، ٦١١.
(٢) بعدها فى صفين: ((يعنى ثور همدان)).
(٣) صفين: ((ثم مر بالشباميين فسمع رنة شديدة)).
(٤) أبلسوا: انقطعت حجتهم وسكتوا. وفى صفين: ((فلما نظر أمير المؤمنين أبلس».
٣٣٤٨/١

٦٣
سنة ٣٧
العامَ . ثم قال لأصحابه : قومٌ فارقناهم آنفًا خير من هؤلاء ، ثم أنشأ
يقول :
مِنَ الدَّهْرِ لِ يَبْرَخْ لِبَفِّك واجِمَا (١)
أَخوك الذى إِنْ أَجْرَضَتْكَ مُلِمَّةٌ
عليك الأُمورُ ظَلَّ يلحَاك لائما
وليس أَخوك بالّذى إِنْ تَشَعْبَتْ (٢)
ثم مضى، فلم يزل يذكر الله عزّ وجلّ حتى دخل القصر (٣).
٠
قال أبو مخنف : حدّثنا أبو جناب الكلىّ، عن مُمارة بن ربيعة، قال :
خرجوا مع علىّ إلى صفّين وهم متوادُّون أحبّاء ، فرجعوا متباغضين أعداء ،
ما برحوا من عسكرهم بصفتين حتى فشًا فيهم التحكيم، ولقد أقبلوا يتدافعون
الطريق كله ويتشاتمون ويضطربون بالسياط ، يقول الخوارج: يا أعداء اللّه،
أدهنّم فى أمر الله عزّ وجلَ وحكَّمتم! وقال الآخرون: فارقتم إمامتنا. وفرّقتم
جماعتنا . فلمّا دخل علىّ الكوفة لم يدخلوا معه حتى أتوا حَرُوراء ، فنزل
بها منهم اثنا عشر ألفًا، ونادى مناديهم: إنّ أمير القتال شَبَث بن
ربعىّ التميمىّ. وأمير الصلاة عبد الله بن الكوّاء اليَشْكُرىّ، والأمر شُورَى
بعد الفتح، والبيعة لله عزّ وجلّ، والأمر بالمعروف والنهى عن المنكر.
٠
بعثة علىّ جعدةً بن هُبيرة إلى خراسان
وفى هذه السنة بعث علىّ جَعدة بن هبيرةَ فيما قيلَ إلى خُراسان.
. ذكر الخبر عن ذلك :
٣٣٥٠/١
ذكر علىُ بن محمد، قال : أخبرنا عبد الله بن ميمون ، عن عمرو بن
شُجَّيرة، عن جابر، عن الشعبىّ ، قال : بعث علىّ بعد ما رجع من صِفِّين
(١) أجرضتك: أغصّتكِ، وفى صفِّن: ((أحرضتك))؛ أى أشفت بك على الهلاك.
(٢) صفين: ((إن تمنَّعت)).
(٣) صفين: ٦١١، ٦١٢.

٦٤
سنة ٣٧
جَعْدة بنَ هُبِيَرة المخزومىّ إلى خُراسان، فانتهى إلى أبْرَ شَهْر، وقد كفروا
وامتنعوا ، فقدم على علىّ . فبعث خُليد بن قُرّة اليربوعىّ، فحاصر أهلَ
نيسابور حتى صالحوه ، وصالحه أهلُ مَرْو ، وأصاب جاريتين من أبناء
الملوك نزلتا بأمان، فبعث بهما إلى علىّ ، فعرض عليهما الإسلام وأن يزوّجهما،
قالتا : زوّجْنا ابنيك، فأبى، فقال له بعض الدّهَاقِين: ادفعهما إلىّ،
فإنه كرامة تُكرِمُنِى بها ، فدفعهما إليه ، فكانتا عنده ، يفرش لهما الديباج ،
ويُطعِمهما فى آنية الذهب ، ثمّ رجعتًا إلى خُراسان.
#
اعتزال الخوارج عليًّا وأصحابه ورجوعهم بعد ذلك
وفى هذه السنة اعتزل الخوارج عليًّا وأصحابه، وحكموا، ثم كلَّمهم على
فرجعوا ودخلوا الكوفة .
• ذكر الخبر عن اعتزالهم عليًّا:
قال أبو مخنف فى حديثه عن أبى جناب، عن مُمارة بن ربيعة ، قال :
ولما قدم علىّ الكوفة وفارقتْه الخوارج، وثبتْ إليه الشيعة فقالوا: فى أعناقنا
بَيعة ثانية ، نحن أولياء من واليت، وأعداءُ من عاديت ؛ فقالت الخوارج :
استبقتم أنتم وأهلُ الشأم إلى الكُفْرِ كَفَرَسَىْ رِهان، بايع أهلُ الشأم معاوية
على ما أحبّوا وكرهوا، وبايعتم أنتم عليًّا على أنكم أولياء من وإلى وأعداءُ
مَن عادَى؛ فقال لهم زياد بن النَّضْر: والله ما بسط على يدَه فبايعناه قطّ إلا
٠٠ ٣٣٥١/١ على كتاب الله عزّ وجلّ وسنّة نبيِّه صلى اللّه عليه وسلم، ولكنكم لما خالفتموه
جاءته شيعتُه، فقالوا (١): نحن أولياء من والسَيَت، وأعداءُ مَن عاديت ؛
ونحن كذلك ، وهو على الحقّ والهدى، ومن خالفه ضالٌّ مُضِلّ. وبعث
علىّ ابن عبَّاس إليهم، فقال: لا تعجل إلى جوابهم وخصومتهم حتى آتيك.
فخرج إليهم حتى أتاهم ، فأقبلوا يكلّمونه ، فلم يصبر حتى راجعهم ، فقال :
ما نقسَمتم من الحكمين، وقد قال الله عزّ وجلّ: ﴿إِنْ يُرِيدًا إِصْلاَحًا يُوَفِّقٍ
(١) ابن الأثير: ((فقالوا له)).

٦٥
سنة ٣٧
اللّهُ بَيْنَهُمَا)(١)! فكيف بأمَّة محمد صلى اللّه عليه وسلم! فقالت الخوارج:
قلنا: أمَّا ما جعل حكمته إلى الناس، وأمر بالنّظرفيه والإصلاح له فهو إليهم
كما أمر به ، وما حكم فأمضاه فليس للعباد أن ينظروا فيه؛ حتكم فى الزانى
- مائة جلدة ، وفى السارق بقطع يده ، فليس للعباد أن ينظروا فى هذا . قال ابن
عبَّاس: فإن الله عزّ وجلّ" يقول: ﴿يَحْكُم بِهِ ذَوَا عَدْلِ مِنْكُمْ﴾(٢)،
فقالوا: أوَ تجعل الحكم فى الصَّيْد، والحدّث يكون بين المرأة وزوجها كالحكم فى
دماء المسلمين ! وقالت الخوارج: قلنا له: فهذه الآية بيننا وبينك، أعدْلّ
عندك ابن العاص وهو بالأمس يقاتلنا ويسفك دماءنا ! فإن كان عَدْلاً
فلسنا بعدُول ونحن أهلُ حربه . وقد حكمتم فى أمر الله الرّجال، وقد
أمضى اللّه عزّ وجلّ حكمه فى معاوية وحزبه أن يُقْتّلوا أو يرجعوا ، وقبل ذلك
ما دعوناهم إلی کتاب الله عزّ وجلّ فأبوه، ثم کتبم بينكم وبينه(٣) كتابًا ،
وجعلتم بينكم وبينه الموادَعة والاستفاضة ، وقد قطع عزّ وجلّ الاستفاضة
والموادَعة بين المسلمين وأهل الحرب منذ نزلتْ براءة، إلا من أقرّ بالجزية.
٣٣٥٢/١
وبعث علىّ زياد بن النّضر إليهم فقال: انظر بأىّ رءوسهم هم أشدّ إطافة،
فنظر فأخبره أنه لم يرهم عند رجل أكثر منهم عند يزيد بن قيس. فخرج
علىّ فى الناس حتى دخل إليهم ، فأتى فُسطاط يزيد بن قيس ، فدخله فتوضأ
فيه وصلى ركعتين ، وأمره على إصبهان والرّىّ ، ثم خرج حتى انتهى إليهم
وهم يخاصمون ابنَ عبّاس، فقال: انتهِ عن كلامهم ، ألم أنْهَك رحمك
اللّه! ثم تكلَّم فحمد الله عزّ وجل" وأثنى عليه ثم قال: اللهمّ إنّ هذا مقامٌ
مَنْ أفلجَ فيه كان أولى بالفُلْح يوم القيامة ، ومن نطق فيه وأوعث فهُوّ فى
الآخرة أعمى وأضلّ سبيلاً . ثم قال لهم: مَن زعيمُكم ؟ قالوا: ابن الكوّاء.
قال علىّ: فما أخرجكم علينا ؟ قالوا: حكومَتُكم يومَ صِفّين . قال :
أنشُدُكم بالله، أتعلمون أنهم حيث رفعُوا المصاحف فقلتم : نجيبهم إلى
كتاب الله قلت لكم : إنى أعلم بالقوم منكم ؛ إنهم ليسوا بأصحاب دين
(١). سورة النساء: ٣٥.
(٢) سورة المائدة٤ ٩٥ .
(٣) ابن الأثير والنويرى: ((وبينهم)).

٦٦
سنة ٣٧
ولا قرآن، إنى صحبتهم وعرفتهم أطفالا ورجالاً ، فكانوا شرَّ أطفال وشرَّ رجال.
امضُوا على حقِّكم وصِدقكم ، فإنما رفع القوم هذه المصاحفَ خديعةً وَدَهْنًا
ومسكيدة . فرددتم علىّ رأبى، وقلتم : لا ، بل نقبل منهم . فقلت لكم :
اذكروا قولى لكم ، ومعصيتكم إيّاى، فلما أبيتم إلا الكتاب اشترطتُ على
الحكمين أن يُحييا ما أحيا القرآن، وأن يميتا ما أماتَ القرآن، فإن حكّما
بحكم القرآن فليس لنا أن نخالف حُكمًا يحكم بما فى القرآن ، وإن أبياً فنحن
مِن حكمهما برآء . قالوا له : فخبِّرنا أتراه عدلا تحكيم الرّجال فى الدماء ؟
فقال : إنا لسنا حكّمنا الرجال ، إنما حكَّمنا القرآن، وهذا القرآن إنما هو
خطّ مسطور بين دفّتين، لا ينطق، إنما يتكلّم به الرجال، قالوا : فخبرنا عن
الأجل ، لم جعلتَه فيما بينك وبينهم ؟ قال: ليعلم الجاهل، ويتثبّت العالم ،
ولعل الله عزّ وجلّ يصلح فى هذه الهدنة هذه الأمّة . ادخلوا مصرّكم رحمكم
اللّه! فدخلوا مِن عِند آخِرِهِم .
قال أبو مخنف : حدّثّى عبد الرحمن بن جُنْدَب الأزدىّ ، عن
أبيه بمثل هذا .
وأما الخوارج فيقولون: قلنا : صدقتَ ، قد كنا كما ذكرت ، وفعلنا
ما وصَفْت، ولكنّ ذلك كان منّا كفراً، فقد تُبْنا إلى الله عزّ وجلّ"
منه، فتبْ كما تُبْنا نبايعْك، وإلا فنحن مخالفون. فبايَعَنا علىّ وقال:
ادخلوا فلنمكث ستّة أشهر حتى يحبّى المال، ويَسمَن الكُراع ، ثم نخرج
إلى عدّونا. ولسنا نأخذ بقولهم ؛ وقد كذبوا(١).
وقدم معن بن يزيد بن الأخنس السلَمِىّ فى استبطاء إمضاء الحكومة
وقال لعلىّ: إنّ معاوية قد وفَى، فَفِ أنت لاَ يَلْفِتْنّك عن رأيك أعاريبُ
بكر وتميم . فأمر علىّ بإمضاء الحكومة ، وقد كانوا افترقوا من صفّين على
أن يقدم الحكمان فى أربعمائة أربعمائة إلى دومة الجندل .
وزعم الواقديّ أنّ سعداً قد شهد مع من شهد الحكمين ، وأن ابنه عمر لم
يدَعْه حتى أحضره أذرُحَ، فندم ، فأحرم من بيت المقدس بعُمرة .
٣٣٥٤/١
(١) ابن الأثير: ((وقد كذب الخوارج فيما زعموا)).
٣٣٥٣/١

٦٧
سنة ٣٧
اجتماع الحكّمين بدُومة الجندل
وفى هذه السنة كان اجتماع الحكمين .
* ذكر الخبر عن اجتماعهما :
قال أبو مخنف : حدّثنى المجالد بن سعيد ، عن الشعبىّ ، عن زياد بن
النَّضر الحارثِىّ، أنّ عليًّا بعث أربعمائة رجل ، عليهم (١) شريح بن هانئ
الحارثيُّ، وبعث معهم عبد الله بن عباس، وهو يصلّى بهم ، ويلِى أمورَهم،
وأبو موسى الأشعرىّ معهم . وبعث معاوية عمرو بن العاص فى أربعمائة
من أهل الشأم ، حتى توافَوْا بدُومة الجندل بأذْرح ، قال : فكان معاوية
إذا كتب إلى عمرو جاء الرسول وذهب لا يدرى بما جاء به ، ولا بما رجع
به ، ولا يسأله أهلُ الشأم عن شىء ؛ وإذا جاء رسول علىّ جاءوا إلى ابن
عبّاس فسألوه: ما كتب به إليك أمير المؤمنين ؟ فإن كتّمهم ظنوا به الظنون
فقالوا : ما نُراه كتب إلا بكذا وكذا . فقال ابن عباس : أما تعقلون !
أما ترَوْن رسولَ معاوية يجىء لا يعلم بما جاء به ، ويرجع لا يعلم ما رجع به ،
ولا يُسمع لهم صياح ولا لفظ، وأنتم عندى كلّ يوم تظنّون الظنون !
قال: وشهد جماعتهم تلك عبدُالله بن عمر وعبد الله بن الزبير،
وعبد الرّحمن بن الحارث بن هشام المخزوميّ وعبد الرحمن بن عبد يغوث
الزَّهرىّ وأبوجَهْم بن حُذيفة العدوىّ والمغيرة بن شُعبة الثَّقْتَفِىّ؛ وخرج
عمر بن سعد حتى أتى أباه على ماء لبنى سُليم بالبادية، فقال: يا أبتِ ، قد بلغك
ما كان بين الناس بصِفِّين، وقد حكَّمَ الناسُ أبا موسى الأشعرىّ وعمرو بنَ
العاص، وقد شهدهم نفر من قريش؛ فاشهدهم فإنك صاحبُ رسول الله صلى الله
عليه وسلم وأحد الشورى، ولم تدخل فى شىء كرهتْه هذه الأمة، فاحضُر فإنك
أحقّ الناس بالخلافة. فقال: لا أفعل، إنى سمعتُ رسول الله صلى الله عليه
وسلم يقول: ((إنه تكون فتنةٌ؛ خيرُ الناس فيها الخفيّ التّقىّ))،(٢ واللّه لا أشهد
شيئًا من هذا الأمر أبدا٢ً)
٣٣٥٥/١
(١) صفين: ((وبعث عليهم)).
(٢ - ٢) صفين: ((وهذا أمر لم أشهد أوّله فلا أشهد آخره)).

٦٨
سنة ٣٧
والتقى الحَكمان، فقال عمرو بن العاص: يا أبا موسى، ألستَ تعلم أنّ
عثمانَ رضى الله عنه قتل مظلومًا؟ قال: أشهد، قال: ألستَ تعلم أنّ معاوية
وآل معاوية أولياؤه ؟ قال: بلى؛ قال: فإن اللّه عزّ وجلّ قال:
﴿وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُوماً فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَاناً فَلَا يُسْرِفْ فِى الْقَتْلِ إِنَّهُ
كَانَ مِنْصُورًا﴾ (١)، فما يمنعك من معاوية ولِىِّ عثمانَ يا أبا موسى،
وبيتُه فى قريش كما قد علمت؟ فإن تخوّفت أن يقول الناس : ولِىَ معاوية
وليست له سابقة؛ فإن لك بذلك حُجَّة؛ تقول: إنى وجدته ولىّ عثمان الخليفة المظلوم
والطالب بدمه، الحسن السياسة ، الحسن التدبير، وهو أخو أمّ حبيبة زوجة
النبيّ صلى الله عليه وسلم، وقد صحبه ، فهو أحد الصحابة . ثم عرّض له
بالسلطان، فقال : إن وَلِى أكرمك كرامةً لم يُكرِمها خليفة. فقال أبو موسى :
٣٣٥٦/١ يا عمرو، اتّق الله عزّ وجلَ"! فأما ما ذكرت من شرَف معاوية فإنّ هذا
ليس على الشرف يولّه أهلُه ، ولو كان على الشرف لكان هذا الأمر لآل
أَبْرَهة بن الصّاح، إنما هو لأهل الدين والفضل ، مع أنى لو كنت معطيه
أفضلَ قريش شرفًا أعطيتُه علىَّ بن أبى طالب. وأما قولك: إنّ معاوية ولىّ
دم عثمان فولّه هذا الأمر ، فإنى لم أكن لأولِيَه معاوية وأدَعَ المهاجرين
الأوّلين . وأما تعريضُك لى بالسلطان ، فوالله لو خرج لى من سلطانه
كلِّه ما ولِّيتُه، وما كنت لأرتشىَ فى حكم اللّه عزّ وجلّ، ولكنك إن شئت
أحيينا اسم عمر بن الخطَّاب (٢).
قال أبو مخْنَف : حدثنى أبو جناب الكلىّ ، أنه كان يقول : قال
أبو موسى : أما والله لئن استطعتُ لأحيينّ اسم عمر بن الخطاب رضى الله عنه.
فقال له عمرو : إن كنت تحبّ بيعة ابن عمر فما يمنعك من ابنى وأنت تعرف
فضلَه وصلاحَه! فقال: إنّ ابنك رجل صِدْق، ولكنّك قد غمستَه فى
هذه الفتنة (٣).
(١) سورة الإسراء :٣٣.
(٢) صفين: ٦١٣ - ٦٢٣ مع تصرف واختصار.
(٣) صفين: ٦٢٣.

٦٩
سنة ٣٧
قال أبو مخنف : حدّثنى محمد بن إسحاق ، عن نافع مولى ابن عمر ،
قال: قال عمرو بن العاص: إنّ هذا الأمر لا يُصلحه إلاّ رجل له ضِرْس (١)
يأكل ويطعم ، وكانت فى ابن عمرَ غفلة، فقال له عبد الله بن الزبير:
افطن، فانتبه، فقال عبد الله بن عمر: لا والله لا أرشو عليها شيئًا أبداً، وقال:
يابن العاص ، إنّ العرب أسندتْ إليك أمرَها بعد ما تقارعتْ بالسيوف ،
وتناجزتْ بالرّماح ، فلا تُردَّنّهم فى فتنة (٢).
٣٣٥٧/١
قال أبو مخنف : حدثنى النّضر بن صالح العبسىّ، قال: كنت مع
شريح بن هانئ فى غزوة سِجِسْتان، فحدّثنى أنّ عليًّا أوصاه بكلمات إلى
عمرو بن العاص، قال: قل له إذا أنت لقيته: إنّ عليًّا يقول لك: (٣ إنّ"
أفضلَ الناس عند الله عزّ وجلّ من كان العمل بالحقّ أحبّ إليه وإن نقصه
وكرثه، من الباطل وإن حنّ إليه وزاده٣)، يا عمرو، والله إنك لتعلم أينَ
موضع الحق"، فلم تتجاهل(٤) ؟ إن أوتيت طمعًاً يسيراً كنتَ به لله وأوليائه
عدوًّا، فكأنْ والله ما أوتيتَ قد زال عنك؛ وَيْحك! فلا تكن للخائنين
خصيماً ، ولا للظالمين ظهيراً . أما إنى أعلم بيومك الذى أنت فيه نادم ، وهو
يوم وفاتك، تَمنَّى أنك لم تُظهِرْ لمسلم عداوةٌ، ولم تأخذ على حُكم رِشْوة.
قال: فبلغتُهُ ذلك ، فتمعّرَ وجهه (٥)، ثم قال: متى كنت أقبل مشورة على"
أو أنتهى إلى أمره ، أو أعتدّ برأيه! فقلت له : وما يمنعك يابن النابغة أن
(١) الضرس : الرجل المجرب ؛ مثل المضرس.
(٢) كذا ورد الخبر هنا مبتوراً ؛ وفى صفين: ٦٢٣ بروايته عن نافع عن ابن عمر، قال:
((قال أبو موسى لعمرو: إن شئنا ولينا هذا الأمر الطيب ابن الطيب عبد الله بن عمر، فقال عمرو :
إن هذا الأمر لا يصلح له إلا رجل له ضرس ، يأكل ويطعم ؛ وإن عبد اللّه ليس هناك - وكانت فى
أبى موسى غفلة. فقال ابن الزبير لعبد الله بن عمر: اذهب إلى عمرو بن العاص فارشه، فقال
عبد الله بن عمر: لا والله ما أرشوعليها أبداً ما عشت؛ ولكنه قال له: ويلك يابن العاص ! إن
العرب قد أسندت إليك أمرها بعد ما تضاربت بالسيوف، وتشاجرت بالرماح؛ فلا تردهم فى فتنة واتق الله)).
(٣ - ٣) صفين: ((إن أفضل الخلق عند الله من كان العمل بالحق أحب إليه وإن نقصه،
وإن أبعد الخلق من اللّه من كان العمل بالباطل أحب إليه وإن زاده)».
(٤) صفين: ((تتجاهل)).
(٥) صفّين: ((قال شريح: فأبلغته ذلك فتمعر وجه عمرو ))؛ وتمعر وجهه، أى تغير .

٧٠
سنة ٣٧
تقبل من مولاك وسيد المسلمين بعد نبيهم مشورته ! فقد كان من هو خير منك
أبو بكر وعمر يستشيرانه ، ويعملان برأيه، فقال: إنّ مِثلى لا يكلّم مثلك ،
فقلت له : وبأىّ أبويك ترغب عنّى! بأبيك الوشيظ أم بأمّك النابغة (١)!
٣٣٥٨/١ قال: فقام عن مكانه وقمت معه(٢).
قال أبو مِخْنف: حدثنى أبو جناب الكلبىّ أنّ عَمراً وأبا موسى حيث
التقيا بدُومة الجندل ، أخذ عَمرو يقدّم أبا موسى فى الكلام ، يقول : إنك
صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنت أسنّ منى، فتكلّم وأتكلّم . فكان
عمرو قد عوّد أبا موسى أن يقدّمه فى كلّ شيء، اغتزى(٣) بذلك كله أن
يقدّمه فيبدأ بخلع علىّ. قال : فنظر فى أمرهما وما اجتمعًا عليه ، فأراده
عمرو على معاوية فأبى، وأراده على ابنه فأبى، وأراد أبو موسى عمرًا على عبد الله
ابن عمر فأبى عليه ، فقال له عمرو : خبّرْنى ما رأيك ؟ قال : رأى أن نخلع
هُذين الرّجلين، ونجعل الأمر شورى بين المسلمين، فيختار المسلمون
لأنفسهم مَن أحبّوا. فقال له عمرو: فإنّ الرأى ما رأيتَ، فأقبَلا إلى الناس
وهم مجتمعون ، فقال: يا أبا موسى، أعلِمْهم بأنّ رأينا قد اجتمع واتّفق ،
فتكلم أبو موسى فقال: إنّ رأبى ورأى عمرو قد اتّفق على أمر نرجو أن يُصلِح
اللّه عزّ وجلّ به أمرَ هذه الأمة. فقال عمرو: صدق وبرّ ، يا أبا موسى ،
تقدّم فتكلّم . فتقدّم أبو موسى ليتكلم، فقال له ابنُ عباس: وَيْحك! والله
إنى لأظنّه قد خدعك. إن كنتما قد اتّفقما على أمر، فقدّمه فليتكلمْ بذلك الأمر
قبلك ، ثم تكلّمْ أنتَ بعده، فإنّ عمراً رجل غادر ، ولا آمن أن يكون قد
أعطاك الرّضا فيما بينك وبينه، فإذا قمتَ فى الناس خالفتك ــ وكان أبو موسى
مغفّلاً - فقال له: إنّا قد اتفقنا. فتقدّم أبو موسى فحمد الله عزّ وجلّ
وأثنى عليه ثم قال : أيّها الناس، إنّا قد نظرنا فى أمر هذه الأمة فلم نَرَ أصلح
٣٣٥٩/١
(١) الوشيظ: الخسيس والتابع. والنابغة لقب أم عمرو بن العاص؛ واسمها سلمى بنت حرملة
سبية من بنى جلان بن عنزة .
(٢) صفين: ٦٢٣، ٦٢٤.
(٣) اغتزى: قصد؛ وفى صفين: ((وإنما اغتره بذلك ليقدمه))، وفى ابن الأثير: ((أراد)).

٧١
سنة ٣٧
لأمرها ، ولا ألمَّ لشَعَتَها من أمرٍ قد أجمع رأيى ورأى عمرو عليه ؛ وهو أن
نخلع عليًّاً ومعاوية، وتستقبل هذه الأمة هذا الأمر فيولوا منهم مَنْ أحبوا عليهم،
وإنى قد خلعت عليًّا ومعاوية، فاستقبلوا أمرَ كم، وولّوا عليكم من رأيتموه لهذا
الأمر أهلاً ؛ ثم تنحى. وأقبل عمرو بن العاص فقام مقامه، فحمد الله
وأثنى عليه وقال : إنّ هذا قد قال ما سمعتم وخلع صاحبته ، وأنا أخلع صاحبته
كما خلعه ، وأثبتُ صاحبى معاوية ، فإنّه ولىّ عثمان بن عفان والطالب بدمه ،
وأحقّ الناس بمقامه. فقال أبو موسى: مالك لا وفقك الله، غدرتَ وفجرتَ!
إنما مَثَلَك كمثل الكلب إن تحمل عليه يَلْهَتْ أو تتركْه يَلْهث . قال
عمرو: إنما مَثّلك كمثل الحمار يحمل أسفارًا. وحَمَل شُرَيَح بن هانئ
على عَمرو فقنّعه بالسوط، وحَمَل على شُرَيَح ابنٌ لعمرو فضربه بالسوط،
وقام الناس فحجزوا بينهم . وكان شُريح بعد ذلك يقول : ما ندمتُ على
شىء ندامتى على ضرب عَمرو بالسوط ألّ أكون ضربته بالسيف آتيًا به
الدّهرُ ما أتى . والتمس أهلُ الشأم أبا موسى، فركب راحلتَه ولحق بمكّة .
قال ابن عباس: قبَح اللّه رأى أبى موسى! حذّرته وأمرته بالرأى فما عَقَل.
فكان أبو موسى يقول : حذّرنى ابنُ عباس غَدْرة الفاسق ، ولكنى اطمأننت
إليه ، وظننت أنه لن يؤثر شيئًا على نصيحة الأمة . ثم انصرف عمرو وأهل
الشأم إلى معاوية ، وسلموا علیه بالخلافة ، ورجع ابن عباس وشریح بن هانئ
إلى علىّ، وكان إذا صلى الغداة يَقنُت فيقول: اللهمّ العن معاوية وعمراً
وأبا الأعوَر السَُّفىّ وحبيبًا وعبد الرحمن بن خالد والضحّاك بن قيس والوليد .
فبلغ ذلك معاوية، فكان إذا قَنَت لعَنَ عليًّا وابن عباس والأشتر وحَسَناً
وحُسْينًا (١).
٣٣٦٠/١
وزعم الواقديّ أن اجتماع الحكمين كان فى شعبان سنة ثمان وثلاثين من
الهجرة .
#
(١) صفين: ٦٢٥ - ٦٢٨.

٧٢
سنة ٣٧
ذكر ما كان من خبر الخوارج عند
توجيه على الحَكَّم للحكومة وخبر يوم النّهر
قال أبو مخنف: عن أبى المغفّل، عن عون بن أبى جُحَيَفة، أنّ عليًّا
لما أراد أن يبعث أبا موسى للحكومة، أتاه رجلان من الخوارج: زُرْعة بن البُرْج
الطائىّ وحُرْقوص بن زهير السعدىّ، فدخلا عليه ، فقالا له: لا حكمَ
إلا لله، فقال علىّ: لا حكم إلا اللّه، فقال له حُرْقوص: تُبْ من
خطيئتك ، وارجع عن قضيّتك ، واخرج بنا إلى عدّونا نقاتلهم حتى نلقى ربّنا .
فقال لهم علىّ : قد أردتكم على ذلك فعصيتمونى ، وقد كتبنا بيننا وبينهم
كتابًا، وشرطنا شروطًا، وأعطينا عليها عهودنا ومواثيقنا، وقد قال الله عزّ وجلّ:
﴿وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللهِ إِذَا عَاهَدْتُمْ وَلَا تَنْقُضُوا الأَيْمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا وَقَدْ
جَعَلْتُمُ اللهَ عَلَيْكُمْ كَفِيلًا إِنَّ اللهَ يَعْلَمُ مَا تَفْعَلُون﴾(١). فقال له حُرقوص:
ذلك ذنب ينبغى أن تتوب منه؛ فقال علىّ: ما هو ذنب، ولكنه عَجْز
من الرأى ، وضعفٌ من الفعل ، وقد تقدّمت إليكم فيما كان منه، ونهيتُكم
عنه. فقال له زُرعة بن البُرْج: أما والله يا علىّ، لئن لم تَدّع تحكيمَ الرجال
فى كتاب الله عزّ وجل قاتلتُك؛ أطلبُ بذلك وجهَ اللّه ورضوانتَه، فقال له
علىّ: بؤساً لك، ما أشقاك ! كأنى بك قتيلاً تَسفِى عليك الريح ؛ قال:
وددتُ أن قد كان ذلك ؛ فقال له علىّ: لو كنت محقاً كان فى الموت على
الحقّ" تعزية عن الدنيا، إنّ الشيطان قد استهواكم، فاتّقوا الله عزّ وجلّ؛
إنه لا خيرَ لكم فى دُنيا تقاتلون عليها ؛ فخرجا من عنده يحكّمان .
قال أبو مخنف: فحدّثّنى عبد الملك بن أبى حُرّة الحنفىّ، أنّ عليًّا خرج
ذات يوم يخطب، فإنه لفى خطبته إذْ حكمت المحكمة فى جوانب المسجد ،
فقال علىّ: الله أكبر! كلمةُ حقّ يراد بها باطل! إن سكتوا عممناهم،
وإن تكلّموا حجَجْناهم، وإن خرجوا علينا قاتلناهم. فوثب يزيد بن عاصم
(١) سورة النحل:٩١.
٣٣٦١/١

٧٣
سنة ٣٧
المحاربىّ، فقال: الحمد لله غير مودّع ربّنا ولا مستغنّى عنه. اللهم إنا نعوذ بك
من إعطاء الدنيَّة فى ديننا، فإنّ إعطاء الدنية فى الدّين إذْهانٌ فى أمرِ اللّه
عزّ وجلّ ، وذل" راجع بأهله إلى سخط اللّه. يا علىّ، أبالقتل تخوّفنا !
أما والله إنى لأرجو أن نضربكم بها عما قليل غير مصفحات، ثم لتعلمُنّ أيّنا
أولى بها صلِيًّا . ثم خرج بهم هو وإخوة له ثلاثة هو رابعهم، فأصيبوا مع
الخوارج بالنّهر، وأصيب أحدهم بعد ذلك بالنُّخَيْلة .
٣٣٦٢/١
قال أبو مخنف : حدثنى الأجلح بن عبد الله ، عن سلمة بن كُھیل ،
عن كثير بن بَهْز الحضرمىّ ، قال : قام علىّ فى الناس يخطبهم ذات يوم،
فقال رجلٌ من جانب المسجد: لا حكم إلا اللّه، فقام آخرُ فقال مِثِلَ
ذلك ، ثم توالى عدّة رجال يحكّمون، فقال علىّ: الله أكبر؛ كلمة حقّ
يلتمس بها باطل ! أما إنّ لكم عندنا ثلاثاً ما صحيتمونا : لا نمنعكم مساجد
اللّه أن تذكروا فيها اسمه ، ولا نمنعكم الفيءَ ما دامت أيديكم مع أيدينا ، ولا
نقاتلكم حتى تبدءونا ؛ ثم رجع إلى مكانه الذى كان فيه من خطبته .
قال أبو مخنف: وحُدّثنا عن القاسم بن الوليد، أن حكيم بنعبد الرحمن بن
سعيد البكائىّ كان يرى رأى الخوارج، فأتى عليًا ذات يوم وهو يخطب، فقال:
﴿وَلَقَدْ أُوحِىَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ
وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾(١)، فقال على: ﴿فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللّهِ حَقٌّ وَلَا
يَسْتَخِفَّنَّكَ الَّذِينَ لَا يُوقِنُونَ﴾ (٢).
حدّثنا أبو كريب ، قال : حدثنا ابن إدريس، قال : سمعت إسماعيل
ابن سميع الحنفيّ؛ عن أبى رَزين ، قال: لما وقع التحكيم ورجع علىّ من
صِفّين رجعوا مُباينين له، فلمّا انتهوا إلى الشّهر أقاموا به ، فدخل علىّ فى
الناس الكوفة ، ونزلوا بحَرُوراء ، فبعث إليهم عبد الله بن عباس ، فرجع ولم
يصنع شيئًا ، فخرج إليهم علىّ فكلّمهم حتى وقع الرُّضا بينه وبينهم ، فدخاوا
٣٣٦٣/١
(١) سورة الزمر: ٦٥.
(٢) سورة الروم: ٦٠.

٧٤
سنة ٣٧
الكوفة ، فأتاه رجل فقال: إنّ الناس قد تحدّثوا أنك رجعتَ لهم عن كُفْرك .
فخطب النَّاس فى صلاة الظهر ، فذكر أمرَهم فعابه ؛ فوثبوا من
نواحِى المسجد يقولون: لا حُكمَ إلا لله . واستقبله رجل منهم واضع إصبعيه
فِى أذنيه، فقال: ﴿وَلَقَدْ أُوحِىَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ
أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾، فقال علىّ:
﴿فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللّهِ حَقٌّ وَلَا يَسْتَخِفَّنَّكَ الَّذِينَ لَا يُوقِنُونَ﴾.
حدّثنا أبو كريب، قال: حدّثنا ابن إدريس، قال: سمعت ليثَ بن
أبى سُليم يذكر عن أصحابه، قال : جعل علىّ يقلّب يديه يقول يديه هكذا
وهو على المنبر، فقال: حُكْمُ اللّه عزّ وجلّ يُنتَظر فيكم مرّتين، إنّ لكم
عندنا ثلاثًا : لا نمنعكم صلاةً فى هذا المسجد ، ولا نمنعكم نصيبكم من هذا
الفَىْء ما كانت أيديكم مع أيدينا ، ولا نقاتلكم حتى تقاتلونا .
قال أبو مخْنف عن عبد الملك بن أبى حُرّة: إنّ عليًّا لما بعث أبا موسى
لإنفاذ الحكومة لقيت الخوارج بعضُها بعضًا ، فاجتمعوا فى منزل عبد الله بن
وهب الرّاسِيّ، فحمد الله عبدُ الله بن وهب وأثنى عليه ثم قال: أمَّا بعد،
فوالله ما ينبغى لقوم يؤمنون بالرحمن، وينيبون إلى حكم القرآن، أن تكون هذه
٣٣٦٤/١ الدنيا، التى الرّضا بها والرّكون بها والإيثار إياها عناء وتبار، آثرَ عندهم من
الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر والقول بالحقّ، وإنْ مُنَّ وضُرَّ فإنه
مَن يُمنَ ويُضرّ فى هذه الدنيا فإنّ ثوابه يوم القيامة رضوان الله عزّ وجلّ"
والخلود فى جنّاته. فاخرجوا بنا إخواننا من هذه القرية الظالم أهلُها إلى بعض
كُوَرَ الجبال أو إلى بعض هذه المدائن ، منكِرِين لهذه البدع المضلّة.
فقال له حُرْقوص بن زهير: إنّ المتاع بهذه الدنيا قليل ، وإنّ الفراق لها
وشيك ، فلا تدعونكم زينتها وبهجتها إلى المقام بها، ولا تلفتنتكم عن طلب
الحق"، وإنكار الظلم ، فإن اللّه مع الذين اتقوا والذين هم محسنون. فقال حمزة

٧٥
سنة ٣٧
٣٣٦٥/١
ابن سنان الأسدىّ: يا قوم، إنّ الرأى ما رأيتم، فولوا أمركم رجلاً منكم ،
فإنه لا بدّ لكم من عماد وسناد وراية تحفّون بها ، وترجعون إليها . فعرضوها
على زيد بن حصين الطائىّ فأبى ، وعرضوها على حُرقوص بن زهير فأبى ،
وعلى حمزة بن سنان وشُريح بن أوفَى العبسىّ فأبتَيَا، وعرضوها على عبد الله
ابن وهب، فقال: هاتوها، أما والله لا آخذها رغبةً فى الدنيا، ولا أدعها فَرَقاً
من الموت . فبايعوه لعشر خلوْن من شوال - وكان يقال له ذو الثَّفِناث(١) .-
ثم اجتمعوا فى منزل شُريح بن أوفى العبسىّ ، فقال ابن وهب : اشخّصُوا بنا
إلى بلدة نجتمع فيها لإنفاذ حكم اللّه ، فإنكم أهل الحق . قال شريح :
نخرج إلى المدائن فننزلها ، ونأخذ بأبوابها ، ونخرج منها سكّانها، ونبعث
إلى إخواننا من أهل البصرة فيقدمون علينا . فقال زيد بن حصين : إنكم إن
خرجتم مجتمعين التُّبِعْتُم، ولكن اخرجوا وُحْدانًا مستَخْفِين، فأمّا المدائن
فإنّ بها مَنْ يمنعكم، ولكن سيروا حتى تنزلوا جسرَ النّهروان ، وتكاتِبوا
إخوانكم من أهل البصرة . قالوا : هذا الرّأى .
وكتب عبد الله بن وهب إلى مَن بالبصرة منهم يعلمهم ما اجتمعوا عليه ،
ويحتّهم على اللحاق بهم، وسيّر الكتاب إليهم ، فأجابوه أنهم على اللحاق به .
فلما عزموا على المسير تعبّدوا ليلتَّهم - وكانت ليلة الجمعة ويوم الجمعة.
وساروا يومَ السبت ، فخرج شُريح بن أوّفى العبسىّ وهو يتلو قول الله تعالى:
﴿فَخَرَجَ مِنْهَا خَائِفًا يَتَرَفَّبُ قَالَ رَبِّ نَجْنِ مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ* وَلَمَّا
تَوَجَّهَ تِلْقَاءَ مَدْيَنَ قَالَ عَسَى رَبِّى أَنْ يَهْدِيَنِى سَوَاءَ السَّبِيلِ﴾ (٢).
وخرج معهم طرفة بن عدىّ بن حاتم الطائىّ، فاتّبعه أبوه فلم يقدر عليه، فانتهى
إلى المدائن ثم رجع، فلما بلغ ساباطَ لقيه عبدُ الله بن وهب الراسبى فى نحو عشرين
فارسًا ، فأراد عبد اللّه قتله، فمنعه عمرو بن مالك النّبْهانىّ وبشر بن زيد
البَوْلانىّ . وأرسل عدىّ إلى سعد بن مسعود عامل علىّ على المدائن يحذّره
٢٣٦٦/١
(١) فى اللسان: ((الثفنة ركبة البعير؛ وقيل لعبد الله بن وهب الراسى رئيس الخوارج: ذو
الثفنات ؛ لأن طول السجود كان أثر فى ثفناته-١١.
(٢) سورة القصص: ٢١، ٢٢.

٧٦
سنة ٣٧
أمرهم ، فحذر ، وأخذ أبوابَ المدائن ، وخرج فى الخيل واستخلف بها ابن
أخيه المختار بن أبى عبيدٍ ، وسار فى طلبهم ، فأخبر عبد الله بن وهب خبره
فراباً طريقه(١)، وسار على بغداد ، ولحقهم سعد بن مسعود بالكرْخ فى خمسمائة
فارس عند المساء ، فانصرف إليهم عبدُ اللّه فى ثلاثين فارسًا ، فاقتتلوا ساعة ،
وامتنع القومُ منهم ؛ وقال أصحاب سعد لسعد : ما تريد من قتال هؤلاء
ولم يأتك فيهم أمر ! خلّهم فليذهبوا، واكتب إلى أمير المؤمنين، فإنْ أمَرَك
باتّباعهم اتَّبَعتَهم ، وإن كفاكتهُم غيرُك كان فى ذلك عافية لك . فأبى
عليهم ، فلما جَنّ عليهم الليلُ خرج عبد الله بن وهب فعَبَر دجلة إلى
أرض جُوختى، وسار إلى النَّهروان، فوصل إلى أصحابه وقد أيسُوا منه ،
وقالوا : إن كان هلك ولَّيْنا الأمرَ زَيدَ بن حصين أو حُرْقوص بن زهير ،
وسار جماعة من أهل الكوفة يريدون الخوارج ليكونوا معهم ، فردّ هم أهلوهم
كَرْهاً؛ منهم القعقاع بن قيس الطائىّ عمّ الطّرِمّاح بن حكيم، وعبد الله بن
حكيم بن عبد الرحمن البكائىُّ، وبلغ عليًا أن سالم بن ربيعة العبسىّ يريد
الخروج ، فأحضره عنده ، ونهاه فانتهى .
ولما خرجت الخوارج من الكوفة أتى عليًّا أصحابُه وشيعتُه فبايعوه وقالوا :
نحن أولياء مَن واليتَ، وأعداءُ مَن عادَيْت، فشرط لهم فيه سنّة رسول الله
صلى الله عليه وسلم، فجاءه ربيعة بن أبى شدّاد الخثعمى - وكان شهد معه
الجمل وصفين، ومعه راية خَشْعَم - فقال له : بايع على كتاب الله وسنّة
رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم؛ فقال ربيعة: على سُنَّة أبى بكر وعمر؛ قال
له علىّ: ويلك! لو أن أبا بكر وعمر عملا بغير كتاب الله وسنة رسول الله صلى
اللّه عليه وسلم لم يكونا على شىء من الحقِّ، فبايعه، فنظر إليه على" وقال:
أما والله لكأنى بك وقد نفرتَ مع هذه الخوارج فقُتلتَ ، وكأنى بك وقد وطئتْك
الخيل بحوافرها ، فقُتل يوم النَّهر مع خَوارج البصرة .
وأما خوارج البصرة فإنهم اجتمعوا فى خمسمائة رجل ، وجعلوا عليهم مِسعر
ابن فَذكىّ التميمىّ، فعلم بهم ابن عباس، فأتبعهم أبا الأسود الدُّؤْلِىَّ،
(١) يقال : رابات فلاناً؛ حذرته واتقيته
٣٣٦٧/١

٧٧
سنة ٣٧
فلحقهم بالجسر الأكبر ، فتواقفوا حتى حجز بينهم الليل ، وأدلجَ مِسعر ٣٣٦٨/١
بأصحابه، وأقبل يعترض الناس وعلى مقدِّمته الأشرسُ بنُ عوف الشيبانىّ ،
وسار حتى لحق بعبد الله بن وهب بالنّهر. فلما خرجت الخوارجُ وهَرَب
أبو موسى إلى مكة ، وردًّ علىّ ابنَ عباس إلى البصرة، قام فى الكوفة فخطبهم
فقال : الحمد لله وإن أتى الدّهرُ بالخْطب الفادح، والحد ثان الجليل ، وأشهد
أن لا إله إلا الله وأنّ محمداً رسول الله؛ أما بعد، فإن المعصية تورث الحسرة،
وتُعقِب الندم ، وقد كنت أمرتُكم فى هذين الرّجلين وفى هذه الحكومة أمرى ،
ونَحَلْتكم رأيى، لو كان لقصيرٍ أمر! ولكن أبيتم إلا ما أردتم، فكنتُ أنا
وأنتم كما قال أخو هوازن :
أَمَرْتُهُمُ أَمرى بمُنْعَرَجِ اللِّوَى
فلم يَسْتَبينوا الرُّشْدَ إِلاّ ضُحَى الْغَدِ(١)
ألا إنّ هذين الرجلين اللذين اخترتموهما حَكَمين قد نَبذا حكم القرآن
وراء ظهورهما ، وأحييًا ما أماتَ القرآن، واتّبع كل واحد منهما هَواه بغير
هدّى من اللّه، فحكما بغير حجّة بيّنة، ولا سُنّةِ ماضية، واختَلَفا فى
حكمهما، وكلاهما لم يرشد، فبرئ اللّهُ منهما ورسولُه وصالحُ (٢) المؤمنين.
استعدّوا وتأهبوا للمسير إلى الشأم، وأصبحوا فى معسكركم إن شاء الله يوم
الاثنين . ثم نزل .
وكتب إلى الخوارج بالنهر: بسم الله الرحمن الرحيم، من عبد اللّه على"
أمير المؤمنين ، إلى زيد بن حصين وعبد الله بن وهب ومن معهما من الناس .
أمّا بعد ، فإن هذين الرجلين اللذين ارتضينا حكمتهما قد خالفا كتاب الله ،
واتّبعا أهواءهما بغير هدَّى من اللّه، فلم يَعمَلا بالسنّة، ولم ينفّذًا للقرآن
حُكماً ، فبرئ الله ورسولُه منهما والمؤمنون ! فإذا بلغكم كتابى هذا فأقبلوا
فإنا سائرون إلى عدوّنا وعد وكم ، ونحن على الأمر الأوّل الذى كنا عليه. والسلام.
٣٣٦٩/١
(١) لدريد بن الصمة؛ وبعده :
فلمّا عَصوْنی کنت منهمْ وقد أَری
غَوايتهُمْ وَأَنّنِى غيرُ مُهْتَدٍ
غَوَيتُ وإِن تَرْشُدْ غزيّةُ أَرْشُد
وَمَا أَنَا إِلاَّ من غَزِيّة إِنْ غَوَتْ
(٢) النويرى: ((وصالحو المؤمنين)).

٧٨
سنة ٣٧
وكتبوا إليه : أمّا بعد، فإنّك لم تغضب لرّبك، إنما غضبتَ لنفسك ،
فإن شهدتَ على نفسك بالكفر ، واستقبلتَ التوبة ، نظرنا فيما بيننا وبينك ،
وإلا فقد نابَذْناك على سواء إنّ اللّه لا يحبّ الخائنين . فلما قرأ كتابهم
أيس منهم ، فرأى أن يدَعَهم ويمضىَ بالناس إلى أهل الشأم حتى يلقاهم
فيناجزهم .
قال أبو مخنف ، عن المعلّى بن كُليب الهمدانىّ، عن جبر بن نَوْف
أبى الودّاك الهمْدانِىّ: إنّ عليًّا لما نزل بالنُّخيلة وأيس من الخوارج، قام
فحمد الله وأثنى عليه ثم قال : أما بعد ، فإنه من ترك الجهاد فى اللّه وأدْهن
فى أمره كان على شفا هُلْكِهِ (١) إلا أن يتداركه الله بنعمة؛ فاتقوا الله، وقاتلوا
من حادّ اللّه، وحاولَ أن يطوع نورَ اللّه، قاتلوا الخاطئين الضالين، القاسطين
المجرمين، الذين ليسوا بقرّاء للقرآن (٢)، ولا فقهاءَ فى الدين، ولا علماءَ فى
التأويل، ولا لهذا الأمر بأهل سابقة فى الإسلام ، والله لو ولُوا عليكم لعملوا
فيكم بأعمال كِسْرى وهِرَقل ، تيسّروا وتهيؤا للمسير إلى عدوّكم من أهل
المغرب ، وقد بعثنا إلى إخوانكم من أهل البصرة ليقدموا عليكم ، فإذا قَد موا
فاجتمعتم شخصْنا إن شاء اللّه ، ولا حول ولا قوة إلا بالله.
وكتب علىّ إلى عبد الله بن عباس مع عتبة بن الأخنس بن قيس، من
بنى سعد بن بكر: أمّا بعد ، فإنا قد خرجنا إلى معسكرنا بالنُّخيلة ، وقد
أجمعْنا على المسير إلى عدّونا من أهل المغرب، فاشخص بالناس حتى يأتيَك
رسولى ، وأقم حتى يأتيك أمرِى . والسلام.
فلما قدم عليه الكتاب قرأه على الناس ، وأمرهم بالشخوص مع الأحنف
ابن قیس ، فشخص معه منھم ألف وخمسمائة رجل ، فاستقلّهم عبد الله بن
عبّاس، فقام فى الناس، فحمد الله وأثْنَى عليه ثم قال: أما بعد يا أهل
البصرة ، فإنه جاءفى أمرُ أمير المؤمنين يأمرنى بإشخاصكم ، فأمرتُكم بالنَّفير
إليه مع الأحنف بن قيس ، ولم يتشخص معه منكم إلا ألف وخمسمائة ،
(١) ابن الأثير: ((هلكة)).
(٢) النويرى وابن الأثير: ((القرآن)).
٣٣٧٠/١

٧٩
سنة ٣٧
وأنتم ستون ألفًا سوى أبنائكم وعبدانكم ومواليكم ! ألا انفروا مع جارية بنٍ
قدامة السعدىّ ، ولا يجعلَنَ رجلٌ على نفسه سبيلا، فإنى مُوقِع بكلّ من
وجدتُه متخلِّفًا عن مكتبه ، عاصيًا لإمامه، وقد أمرت أبا الأسود الدُّؤَلِىّ
بحشْركم ، فلا يَلُمْ رجل جعل السبيل على نفسه إلا نفسه.
٣٣٧١/١
فخرج جارية فعسكر ، وخرج أبو الأسود فحشر الناس ، فاجتمع إلى
جارية ألف وسبعمائة، ثم أقبل حتى وافاه علىّ بالنُّخَيلة، فلم يزل بالنُّخَيلة
حتى وافاه هذان الجيشان من البَصرة ثلاثة آلاف ومائتا رجل ، فجمع إليه
رءوس أهل الكوفة ، ورءوس الأسباع ، ورءوس القبائل ، ووجوه الناس .
فحمد الله وأثْنَى عليه ثم قال: يا أهلَ الكوفة ، أنتم إخوانى وأنصارى ،
وأعوانى على الحق، وصَحَابتِى على جهاد عدوّى المحلّين بكم ، أضرب المدْبِر،
وأرجو تمام طاعة المقْبِل ، وقد بعثتُ إلى أهل البصرة فاستنفرتُهم إليكم ، فلم
يأتنى منهم إلا ثلاثة آلاف ومائتا رجل ، فأعينونى بمناصحة جليّة خلية من
.. (١) مَخرَجنا إلى صفّين ، بل استجمعوا بأجمعكم ،
الغشّ، إنكم .
وإنى أسألكم أن يكتب لى رئيس كلّ قوم ما فى عشيرته من المقاتلة وأبناء المقاتلة
الذين أدركوا القتال وعبدان عشيرته ومواليهم ، ثم يرفع ذلك إلينا .
فقام سعيد بن قيس الهمْدانىّ، فقال : يا أمير المؤمنين، سمعا وطاعة ،
وودًّا ونصيحة ، أنا أوّل الناس جاء بما سألت ، وبما طلبت . وقام معقل بن
قيس الرّياحىّ فقال له نحواً من ذلك ، وقام عدىّ بن حاتم وزياد بن خَصّفة
وحُجْر بن عدىّ وأشراف الناس والقبائل فقالوا مِثلَ ذلك .
ثمّ إن الرءوس كتبوا مَن فيهم، ثم رفعوهم إليه، وأمروا أبناءهم وعبيدهم
ومواليَهم أن يخرجوا معهم ، وألّ يتخلّف منهم عنهم أحد ، فرفعوا إليه
أربعين ألف مقاتل، وسبعة عشر ألفًا من الأبناء ممن أدرك، وثمانية آلاف من
مواليهم وعبيدهم، وقالوا: يا أمير المؤمنين، أمّا من عندنا من المقاتلة وأبناء المقاتلة
ممّن قد بلغ الخُلُم، وأطاق القتال، فقد رفعنا إليك منهم ذَوِى القوّة والجَلَد،
وأمرْناهم بالشّخوص معنا ، ومنهم ضعفاء ، وهم فى ضياعنا وأشياءَ مما يُصلحنا.
٣٣٧٢/١
(١) هنا سقطت كلمات من أصول ط، وأغفلها ابن الأثير والنويرى.

٨٠
سنة ٣٧
وكانت العرب سبعةً وخمسين ألفًا من أهل الكوفة ، ومن مواليهم ومماليكهم
ثمانية آلاف، وكان جميع أهل الكوفة خمسةً وستين ألفًا، وثلاثة آلاف
ومائتى رجل من أهل البصرة ، وكان جميع من معه ثمانيةً وستّين ألفًا ومائتى
رجل .
قال أبو مِخْنَف ، عن أبى الصَّلْت التيمىّ: إن عليًّا كتب إلى سعد
ابن مسعود الثَّقَفِى-وهو عامله على المدائن: أما بعد، فإنى قد بعثتُ إليك زياد
ابنَ خَصفة فأشخص معه من قِبلك من مقاتلة أهل الكوفة ، وعجّل ذلك
إن شاء اللّه ولا قوّة إلا بالله .
قال : وبلغ عليًّا أنَّ الناس يقولون: لو سارَ بنا إلى هذه الحرورية(١)
فبدأنا بهم، فإذا فرغنا منهم وجنّهنا من وجهنا ذلك إلى المُحلتين (٢)!فقام فى
الناس فحمد الله وأثْنَى عليه ثم قال: أما بعد، فإنه قد بلغنى قولُكم: لو أنّ
أمير المؤمنين سار بنا إلى هذه الخارجة التى خرجتْ عليه فبدأنا بهم ، فإذا فرغنا
منهم وجهنا إلى المحِلّين؛ وإن غير هذه الخارجة أهمّ إلينا منهم ، فدعوا ذكرهم،
وسيروا إلى قوم يقاتلونكم كما يكونوا جبّارين ملوكًا، ويتخذوا عباد الله
خَوَلا .
فتنادى الناسُ من كلّ جانب : سرْ بنا يا أمير المؤمنين حيث أحببت .
٣٣٧٣/١ قال: فقام إليه صيفىّ بن فَسيل(٣) الشيبانىّ فقال : يا أميرَ المؤمنين، نحن
حِزِبُك وأنصارُك ، نعادى من عاديت(٤) ، ونشايع من أناب إلى طاعتك ،
فسر بنا إلى عدوّك ؛ من كانوا وأينما كانوا ؛ فإنك إن شاء الله لن تُؤتى من
قلة عدد ، ولا ضعف نية أتباع . وقام إليه مُحرِز بن شهاب التميمىّ من
بنى سعد فقال: يا أميرَ المؤمنين ، شيعتك كقلْبِ رجل واحد فى الإجماع (٥)
٤
(١) الحرورية من الخوارج، منسوبون إلى حروراء: موضع بظاهر الكوفة؛ نسبوا إليه لأنه
کان أول اجتماعهم به .
(٢) المحل: الذى نقض عهده. وفى ابن الأثير والنويرى: ((إلى قتال المحلين))
(٣) ابن الأثير: ((قسيل))، النويرى: ((نشيل)).
(٤) ابن الأثير والنويرى: ((عاداك)).
(٥) النويرى: ((الاجتماع)).