النص المفهرس
صفحات 21-40
٢١ سنة ٣٧ ثم سُمَيْر بن شريح(١)، فقتل هؤلاء الإخوة الستّة جميعًا. ثم أخذ الراية سُفيان ابن زيد، ثم عبد بن زيد ، ثم كُرّيب بن زيد، فقتل هؤلاء الإخوة الثلاثة جميعًا ، ثم أخذ الراية عميرة بن بشير (٢)، ثم الحارث بن بشير (٢) ، فقتلا ، ثم أخذ الراية وهب بن كُرَيَب أخو القتلوص (٣)، فأراد أن يستقبل، فقال له رجل من قومه: انصرف بهذه الراية-رحمك الله - فقد قُتِل أشرافُ قومك حولتها ، فلا تقتل نفسك ولا من بقىَ من قومك ؛ فانصرفوا وهم يقولون : ليت لنا عدّنا من العرب يحالفوننا على الموت ، ثم نستقدم نحن وهم فلا ننصرف حتى نقتتَل أو نظفر (٤). فمرُّوا بالأشتر وهم يقولون هذا القول ، فقال لهم الأشتر: إلىّ أنا أحالفكم وأعاقدكم على ألا نرجع أبداً حتى نَظفَر أو نَهلِك. فأتوه فوقفوا معه، ففى هذا القول قال كعب بن جُعَيل التغلَىّ: وحَمدانُ زُرْقٌ تبتَفى مَن تُحَالِفُ (٥) . وزحف الأشتر نحو الميمنة ، وثاب إليه ناس تراجعوا من أهل الصبر والحياء والوفاء ، فأخذ لا يصمُد لكتيبة إلا كشفها ، ولا لجمع إلا حازه وردّه ؛ فإنه لكذلك إذ مرّ بزياد بن النَّصْر يحمل إلى العسكر، فقال: مَن هذا ؟ فقيل: زياد بن النَّضر، استُلحم (٦) عبد الله بن بديل وأصحابه فى الميمنة ، فتقدّم زياد فرفع لأهل الميمنة رايته ، فصبروا ، وقاتل حتى صُرِعِ ، ثم لم يمكثوا إلا كَلاَشىء حتى مُرّ بيزيد بن قيس الأرحىّ محمولاً نحو العسكر ، فقال الأشتر : من هذا ؟ فقالوا : يزيد بن قيس، لما صُرِع زياد ابن النّضر رفع لأهل الميمنة رايته ، فقاتل حتى صُرع، فقال الأشتر : هذا واللّهِ الصبرُ الجميل، والفعل الكريم ، ألا يستحى الرّجلُ أن ينصرف لا يقتُل ٣٢٩٧/١ (١) صفين: ((شمر بن شريح)). (٢) صفين: ((بشر)). (٣) صفين: ((أبو القلوص)). (٤) صفين: ((نظهر ))؛ من الظهور ؛ وهو الظفر . (٥) أى زرق العيون ؛ وهو عندهم كناية عن اللؤم. (٦) استلحم ، أى احتوشه العدو فى القتال. ٢٢ سنة ٣٧ ولا يُقْتَل، أو يُشفَى به على القتل(١) ! قال أبو مخنف : حدثنى أبو جناب الكلبىّ، عن الحرّ بن الصّياح النّخَعىّ؛ أن الأشتر يومئذ كان يقاتل على فرس له فى يده صفيحة يمانية ، إذا طأطأها خِلْت فيها ماء منصبًّا، وإذا رفعها كاد يُعْشِى (٢) البصرَ شعاعُها، وجعل يضرب بسيفه ويقول : « الغَمَرَاتِ ثُمَّ يَنجَلِينا(٣). قال : فبصُر به الحارث بن جُمهان الجُعفىّ والأشتر متقنّع فى الحديد ، فلم يعرفه ، فدنا منه فقال له : جزاك الله خيراً منذ اليوم عن أمير المؤمنين ، وجماعة المسلمين ! فعرفه الأشتر ، فقال [يا](٤) بن جمهان، مثلُك(٥) يتخلّف عن مثل موطى هذا الذى أنا فيه ! فنظر إليه ابن جُمهان فعرفه، فكان من أعظم الرجال وأطوّله(٦) - وكان فى لحيته خفّةٌ قليلة(٧) - فقال: جُعلت فداك! لا والله ما علمت بمكانك إلا الساعة ، ولا أفارقك حتى أموت . قال : ورآه منقذٌ وحمير ابنا قيس الناعطيّان، فقال منقذ لحميَر: ما فى العرب مثل هذا، إن كان ما أرى من قتاله [على نيَّته](٨)، فقال له حمير: وهل النيّة إلا ما تراه يصنع ! قال: إنى أخاف أن يكون يحاول مُلْكًا(٩) ٣٢٩٨/١ قال أبو مخنف : حدثنى فُضيل بن خديج ، عن مولّى للأشتر ، أنه ٠ (١) الخبر فى صفين: ٢٨٢ - ٢٨٦. (٢) كذا فى أصول الطبرىّ، والعشا: ضعف الإبصار؛ وفى صفين: يغشى البصر)» بالغين، أى يذهب به . (٣) من رجز للأغلب العجلى؛ وروايته فى الميدانى ٢: ٥٨ ((الغمرات ثم ينجلين))؛ قال فى شرح المثل: ((يضرب فى احتمال الأمور العظام)). (٤) من صفين . (٥) صفين: ((أمثلك)). (٦) وأطوله ؛ أى من أطول من وجد من الرجال، وحد الضمير ذهاباً إلى المعنى . قال ابن الأثير فى النهاية ١: ٢٦٧: ((وهو كثير فى العربية من أفصح الكلام)). (٧) صفين: ((إلا أن فى لحمه خفة قليلة)). (٨) من صفين. ٠ (٩) صفين: ٢٨٧، ٢٨٨. ٢٣ سنة ٣٧ لما اجتمع إليه عُظْم من كان انهزم عن الميمنة حرّضهم ، ثم قال : عَضّوا على النَّواجذ من الأضراس، واستقبلوا القوم بهامِكم ، وشُدّوَا شِدّةَ قوم موتورين ثأراً بآبائهم وإخوانهم ، حِناقًا على عدوّهم، قد وطَّنوا على الموت أنفسَهم كيلا يُسبَقُوا بوتر، ولا يلحقوا فى الدنيا عاراً، وإيمُ اللّه ما وُثِر قوم قطّ بشىء أشدّ عليهم من أن يوتَروا دينَهم ، وإنّ هؤلاء القوم لا يقاتلونكم إلا عن دينكم ليُميتوا السنّة، ويُحيُوا البدعة ، ويعيدوكم فى ضلالة قد أخرجكم اللّه عزّ وجلّ منها بحسن البصيرة . فطيبوا عبادَ الله أنفسًا بدمائكم دون دينكم ، فإن ثوابكم على الله، واللّه عنده جنّات النعيم. وإنّ الفرار من الزّحف فيه السلب للعزّ، والغلبة على الفىء، وذلّ المحيا والممات، وعارُ الدنيا والآخرة. وحَمَلَ عليهم حتى كشفهم ، فألحقهم بصفوف معاويةَ بين صلاة العصر والمغرب، وانتهى إلى عبد الله بن بُديل وهو فى عُصْبة من القرّاء بين المائتين والثلثمائة، وقد لصقوا بالأرض كأنّهم جُثًا(١) فكشف عنهم أهلَ الشأم ، فأبصروا إخوانتهم قد دنتَوا منهم ، فقالوا : ما فعل أميرُ المؤمنين ؟ قالوا : حىّ صالح فى الميسرة، يقاتل الناس أمامه، فقالوا : الحمد لله، قد كنا ظننا أن قد هلك(٢) وهلكتم. وقال عبد الله بن بُدَيل لأصحابه: استقدموا بنا ؛ فأرسل الأشتر إليه : ألَّ تفعل، اثبتْ مع الناس. فقاتِل، فإنَّه خيرٌ لهم وأبقَى لك ولأصحابك . فأبى ، فمضى كما هو نحو معاوية ، وحوله كأمثال الجبال ، وفى يده سَيْفان ، وقد خرج فهو أمامَ أصحابه ، فأخذ كلَّما دنا منه رجلٌ. ضربه فقتله، حتى قتل سبعة ، ودنا من معاوية فنهض إليه الناس من كل جانب، وأحيط به وبطائفة من أصحابه ، فقاتَل حتى قُتِل ، وقُتِل ناس من أصحابه، ورجعتْ طائفة قد جرحوا منهزمين (٣)، فبعث الأشترابن جُمهان الجعفىّ فحمل على أهل الشأم الذين يُتبعون من نجا من أصحاب ابن بُديل حتى نفّوا عنهم ، وانتهَوْا إلى الأشتر ، فقال لهم : ألم يكن رأى لكم خيراً من رأيكم لأنفسكم ! ألم آمَرْكم أن تثبتُوا مع الناس ! وكان معاوية قال لابن بديل وهو ٣٢٩٩/١٠ (١) الجثا: جمع جنوة، وهى الكومة من التراب. (٢) النويرى وابن الأثير: (( ظننا أنه قد هلك)) . (٣) ابن الأثير: ((ورجعت طائفة منهم مجر حين». ٢٤ سنة ٣٧ يضرب قُدُما : أتَرونه كبش القوم ! فلما قُتِل أرسل إليه، فقال: انظروا مَنْ هو ؟ فنظر إليه ناس من أهل الشأم فقالوا : لا نعرفه ، فأقبل إليه حتى وقف عليه، فقال: بلى، هذا عبد الله بن بُدَيَل، واللّه لو استطاعت نساءُ خُزاعة أن تقاتِلنا فضلا على رجالها(١) لفعلتْ، مُدّوه، فمَدُّوه، فقال: هذا واللّهِ كما قال الشاعر: أخوالحرْب إنْ عَضَّتْ به الحرب عَضَّها وإن شَمَّرَتْ يوماً به الحربُ شَمَّرًا(٢) ٣٢٠٠/١ والبيت لحاتم طيّئ . وإن الأشتر زحف إليهم فاستقبله معاوية بعك" والأشعرين ، فقال الأشتر لمنحج : اكفونا عكّا ، ووقف فى هْدان وقال لكنْدة : ١كفونا الأشعرين ، فاقتتلوا قتالا شديداً ، وأخذ يخرج إلى قومه فيقول: إنما هم عَكّ، فاحملوا عليهم، فيجثُون على الرُّكب ويرتجزون: يا وَيلَ أُمِّ مَذْحِجٍ من ◌َكِّ هاتيكَ أمُّ مَذْحِجٍ تُبَكِّى (٣) فقاتلوهم حتى المساء . ثم إنه قاتلهم فی ھمْدان وناس من طوائف الناس، فحمل عليهم فأزالهم عن مواقفهم حتى ألحقَهم بالصفوف الخمسة المعقّلة بالعمائم حول معاوية ، ثم شَدّ عليهم شدّة أخرى فصرع الصفوف الأربعة، - وكانوا معقّلين بالعمائم . حتى انتهوا إلى الخامس الذى حول معاوية ، ودعا معاوية بفرس فركب - وكان يقول : أردت أن أنهزم فذكرتُ قول ابنِ الإطنابة من الأنصار - كان جاهليًّا، والإطنابة امرأة من بَلْقَيْن: وإقدامى على البَطَلِ المُشيح (٤) أبتْ لى عِفْتى وحَياه نَفْسى وأخذى اَلَحْدَ بالثَّمَنِ الرَّبيح وإعطائى على المَكْروهِ مالى وَقَوْلِى كُلَّمَا جَشَّأْتْ وجاشَتْ مَكَانَكِ تُحْمَدى أو تَستَرِيحى فمنعنى هذا القولُ من الفرار . (١) ابن الأثير: ((عن رجالها)). (٢) ديوانه: ١٢١. (٣) صفين: ٢٥٦، وبعده: نصُكْهُمْ بِالسّيْفِ أَّ صَكِّ فَلَاَ رجالَ كَرِجَالٍ عَكِّ (٤) صفين ٤٤٩ والكامل ٤: ٦٨ مع اختلاف فى الرواية. والمشيح: المجدّ. ٢٥ سنة ٣٧ ٣٣٠١/١ قال أبو مخنف: حدثنى مالك بن أعين الجُهنىّ، عن زيد بن وهْب ، أنّ عليًّا لما رأى ميمنته قد عادت إلى مواقعها ومصافّها وكشفت مَن بإزائها من عدوّها حتى ضاربوهم فى مواقفهم ومراكزهم ، أقبل حتى انتهى إليهم فقال: إنى قد رأيت جَولتكم وانحياز كم عن صفوفكم، يحوزكم (١) الطغاة الجفاة وأعراب أهل الشأم، وأنتم لتهاميمُ العرب، والسَّام الأعظم، ومُمّار الليل بتلاوة القرآن، وأهلُ دعوة الحق إذْ ضلّ الخاطئون ؛ فلولا إقبالكم بعد إدباركم، وكرُّكم بعد انحيازكم ، وجب عليكم ما وجب على المؤلِّى يوم الزّحف دبرَه، وكنّم من الهالكين؛ ولكنْ هوّن وَجدى، وشفى بعضَ أُحَاحِ نفسى (٢)، أنى رأيتكم بأخَرَة حُزْتموهم كما حازوكم، وأزلتموهم عن مصافّهم كما أزالوكم ، تحسُّونهم بالسيوف ، تركب أولاهم أخراهم كالإبل المطرَّدة [الھیم](٣)؛ فالآن فاصبروا، نزلت علیکم السکینة، وثبتكم الله عز وجل بالیقین، ليعلم المنهزم أنه مسخِط ربّه، وموبِق نفسَه؛ إن فى الفرار موجدةَ اللّه عزّ وجلّ عليه ، والذلّ اللازم ، والعارَ الباقى ، واعتصار الفىء من يده ، وفساد العيش عليه . وإنّ الفارّ منه لا يزيد فى مُمره، ولا يُرضِى ربّه ، فموت المرء مُحِقًّاً قبل إتيان هذه الخصال ، خير من الرضا بالتأنيس لها(٤)، والإقرار عليها(٥) . قال أبو مخنف : حدّثنا عبد السلام بن عبد اللّه بن جابر الأحمسىّ ، أن رايةَ بَجِيلة بصفِّين كانت فى أحْمس بن الغوث بن أنْمار مع أبى شدّاد - وهو قيس بن مَكْشوح بن هلال بن الحارث بن عمرو بن جابر بن على ابن أسلم بن أحْمَس بن الغوث- وقالت له بجيلة : خذ رایتنا؛ فقال: غیری خيرٌ لكم منّى ، قالوا : ما نريد غيرك، قال: والله لئن أَعَطَيْتُمونِيها لا أنتهى بكم دون صاحب التُّرْس المُذهَب (٦) قالوا: اصنع ما شئتَ، ٣٣٠٢/١ (١) يحوزكم : ينحيكم . (٢) الأحاح : اشتداد الحزن والغيظ. (٣) من صفين، والهيم: العطاشٍ. (٤) صفين: ((بالتلبس بها)). (٥) صفين: ٢٨٩، ٢٩٠. (٦) بعدها فى صفين: ((وعلى رأس معاوية رجل قائم معه ترس مذهب يستره من الشمس)). ٢٦ سنة ٣٧ فأخذها ثم زحف، حتى انتهى بهم إلى صاحب التُّرْس المُذهَب - وكان فى جماعة عظيمة من أصحاب معاوية ، وذكروا أنّه عبد الرحمن بن خالد بن الوليد المخزومىّ - فاقتتل الناسُ هنالك قتالا شديداً ، فشدّ بسيفه نحو صاحب التُّرس، فتعرّض له رومىّ، مولّى(١) لمعاوية فيضرب قَدَم أبى شدّاد فيقطعها، ويضربه أبو شدّاد فيقتله، وأشرعت إليه الأسنَّة فقتِل، وأخذ الرَّآية عبد الله ابن قِلْع الأحمسىّ وهو يقول : حَيْثُ أَجَابِ دَعْوَةَ المنادِى لا يُبْعِدِ اللهُ أَبَا شَدَّادِ نِعْمَ الفَتى كان لَدَى الطَّرادِ وشَدَّ بالسيف على الأعادى • وفى طِعِانِ الرَّجْل والجلادِ . فقاتل حتى قُتِل ؛ فأخذ الرَّاية أخوه عبد الرحمن بن قِلْع، فقاتل حتى قُتِل ، ثم أخذها عَفيف بن إياس ، فلم تزل فى يده حتى تحاجز الناس ، وقتل حازم بن أبى حازم الأحمسی۔۔ أخو قيسبن أبى حازم - يومئذ،وقتل نُعيم بن صُهيب بن العُلَيّة البَجَلى يومئذ، فأتى ابنُ عمّه وسميُّه نُعيم بن الحارث ٣٣٠٣/١ ابن العُليّة معاويةَ- وكان معه -- فقال: إن هذا القتيل ابنُ عمّى، فهبه لى أدفنه، فقال : لا تدفنه فليس لذلك أهلا ، واللّه ما قدرنا على دفن ابن عفَّان رضى الله عنه إلا سرًّا . قال: والله لتأذننّ فى دفنه أو لألحقنّ بهم ولأدّعنّك. قال معاوية: أترى أشياخ العرب (٢قد أحالتهم أمورُهم٢) ، فأنت تسألنى فى دفن ابنِ عمك! اِدفنه إن شئتَ أو دَعْ. فَدفنه(٣). قال أبو مخنف : حدثنى الحارث بن حَصيرة الأزدىّ ، عن أشياخ من النَّمِر من الأزد، أن مِخْتَف بن سُليم لما نُدبت الأزْد للأزْد، حمد الله وأثنى عليه ثم قال : إنّ من الخطإ الجليل ، والبلاءِ العظيم، أنّا صُرفنا إلى قومنا وصُرفوا إلينا ، واللّه ما هى إلا أيدينا نقطعها بأيدينا، وما هى إلا أجنحتنا نجدها بأسيافنا ، فإن نحن لم نؤاسٍ جماعتنا، ولم نناصحْ صاحبنا كفرْنا ، وإن (١) صفين: ((من دونه)). (٢ - ٢) صفين: ((لا نواريهم)). (٣) صفين ٢٩٣،٢٩١ ٢٧ سنة ٣٧ نحن فعلْنا فعزَّنَا أبحْنا، ونارنا أخمَدْنا ؛ فقال له جُندَب بن زهير: والله لو کنّا آباءهم وولدناهم ۔۔ أو كنّا أبناءهم وولدونا - ثم خرجوا من جماعتنا، وطعنوا على إمامنا، وإذا هم الحاكمون بالجور على أهل ملتنا وذمَّتنا، ما افترقنا بعد أن اجتمعنا حتی یرجعوا عمّا هم عليه ، ويدخلوا فيما ندعوهم إليه ، أو تگثر القتلى بيننا وبينهم . فقال له مخنف- وكان ابن خالته: أعزّ اللّه بك النية(١)؛ والله ما علمت صغيراً وكبيراً إلاّ مشؤومًا، والله ما ميَّلْنا(٢) الرأىَ قطَ أيَّهما نأتى أو أيَّهمانَدَّع- فى الجاهلية ولا بعد أن أسلمنا - إلاّ اخترتَ أعسرهما وأنكدهما، اللهمّ إن تُعافِىَ أحبّ إلينا من أن تَبْتَلِىَ، فأعطِ كلّ امرئ منّا ما يسألك . وقال أبو بريدة بن عوف: اللهمّ احكم بيننا بما هو أرضى لك . يا قوم إنكم تبصرون ما يصنع الناس، وإنّ لنا الأسوة بما عليه الجماعة إن كنا على حقّ، وإن يكونوا صادقين فإنّ أُسْوةً فى الشرّ - والله ما علمنا ــ ضَررٌ فى المحيا والممات . ٣٣٠٤/١. وتقدّم جندَب بن زهير ، فبارز رأسَ أزْد الشأم ، فقتله الشامىّ ، وقُتل من رهطه عِجْل وسَعْد ابنا عبد اللّه من بنى ثعلبة، وقُتِل مع مِخْتف من رهطه عبد اللّه وخالد ابنا ناجد ، وعمرو وعامر ابنا عُویف ، وعبد الله بن الحجاج وجندب بن زهير ، وأبو زینب بن عوف بن الحارث، وخرج عبد الله بن أبى الحصين الأزدىّ فى القرّاء الذين مع عمّار بن ياسر فأصيب معه(٣). قال أبو مخنف : وحدثنى الحارث بن حَصيرة ، عن أشياخ النَّمِر ، أنّ عقبة بن حديد النمرىّ قال يوم صِفِّين: ألا إنّ مرعى الدنيا [قد](٤) أصبح هشيماً، وأصبح شجرُها خضِيداً، وجديدها سَمَلاً ، وحلوها مرَّ المذاق. ألا وإنّى أنبئكم نبأ امرئ صادق : إنى قد سئمتُ الدنيا وعزفتْ نفسى عنها ، (١) صفين: ((أعزبك الله فى التيه)). (٢) التمييل : الترجيح . (٣) صفين: ٢٩٧، ٢٩٨. (٤) من صفين . ٢٨ سنة ٣٧ ٣٣٠٠/١ وقد كنت أتمنّى الشهادة، وأتعرّض لها فى كلّ جيش (١) وغارة؛ فأبى الله عزّ وجلّ إلا أن يبلّغنى هذا اليوم . ألا وإنى متعرّض لها من ساعتى هذه، قد طمعت ألا أحرّمها ، فما تنتظرون عبادَ اللّه بجهاد مَنْ عادى اللّه؟ خوفًا (٢) من الموت القادم عليكم ، الذاهب بأنفسكم لا محالة ، أو من ضربة كفّ بالسيف! تستبدلون الدنيا بالنظر فى وجه الله عزّ وجلّ وموافقة النبيّين والصّدّيقين والشهداء والصالحين فى دار القرار ! ما هذا بالرأى السديد . ثم مضى فقال : يا إخوتى، قد بعتُ هذه الدار بالتى أمامها، وهذا وجهى إليها لا يبرح وجوهكم، ولا يقطع اللّه عزّ وجلّ رجاءكم. فتبعه إخوته: عبيد اللّه وعوف ومالك، وقالوا: لا نطلب رزقَ الدنيا بعدَك، فقبَّح الله العيشَ بعدك! اللهم إنا نحتسب أنفسنا عندك! فاستقدموا فقاتلوا حتى قُتلوا(٣). قال أبو مخنف: حدثنى صلة (٤) بن زهير النهدىّ، عن مسلم(٥) بن عبد الله الضّبابىّ ، قال: شهدت صِفِّين مع الحىّ ومعنا شمر بن ذي الجوشن الضبابىّ، فبارزه أدهم بن محرز الباهلىّ ، فضرب أدهم وجه شَمِر بالسيف ، وضربه شَمِر ضربةٌ لم تضْرره، فرجع شَمِر إلى رَحْله فشرب شربةً - وكان قد ظمئ ۔ ثم أخذ الرمح، فأقبل وهو يقول : بَطَعْنَةٍ إنْ لم أُصبْ عاجِلة إِى زَعِيمٌ لِأَخى باهلَهْ أوضَرْبَةٍ تَحْتَ القَنَا وَالوَغَى(٦) شَبِيهَةٍ بِالْقَتْلِ أو قاتِلَهْ ثم حمل على أدهم فصرعه ، ثم قال : هذه بتلك (٧) قال أبو مخنف : حدّثنى عمرو بن عمرو بن عوف بن مالك الجُشَميّ أن بشر بن عِصْمة المُزّنىّ كان لحق بمعاوية، فلما اقتتل الناس بصِفِّن بَصُر (١) صفين: ((حين)). (٢) صفين: ((أخوف الموت القادم عليكم ! (٣) صفين: ٢٩٨، ٢٩٩. (٤) ط: ((ملة))، وفى صفين: ((الصلت))، وانظر الطبرى ٢: ٦٣٥ (طبع ليدن) (٥) ط: ((عن أبى مسلم))، وانظر الفهرس. (٦) صفين: (( وضر بة تحت الوغى فاصله )) . (٧) صفين: ٣٠٣، ٣٠٤. ٢٩ سنة ٣٧ ٣٣٠٦/١ بشر بن عِصْمة بمالك بن العقديةوهو مالك بن الجُلاح الجُشَمَىّ، ولكنّ العَقَدِيَّة غلبتْ عليه- فرآه بِشْر وهو يقرِى فى أهل الشأم فَرْيًا عجيبًا، وكان رجلا مسلماً شجاعًا، فغاظ بشراً ما رأى منه ، فحمل عليه فطعنه فصرعه ، ثم انصرف ، فندم لطعنته إيّاه جبَّاراً، فقال : وإنى لأرْجو مِنْ مَلَيكى تَجَاوُزًا ومنْ صاحِبِ الموسوم فى الصَّدْرِ هَاجِسُ(١) دَلَفْتُ له تحْتَ الغُبارِ بِطَعْنَةٍ على ساعَةٍ فيها الطَّعَانِ تِخَالُسُ فبلغتْ مقالتُه ابنَ العَقَدِيّة ، فقال : شُغِلْتُ وألهانى الّذِين أمارِسُ ألا أَبِلِغَا بِشْرَ بنَ عِصْمَةَ أَنِى كَذَلِكَ والأبطالُ ماضٍ وخَالِسُ فصادَفْتَ مِىِ غِرَّةً وَأَصَبْتَهَا ثم حمل عبد الله بن الطُّفَيْل البكائىّ على جمع لأهل الشام، فلمّا انصرف حمل عليه رجل من بنى تتميم يقال له قيس بن قُرّة، ممّن لحق بمعاوية من أهل العراق- فيضع الرَّمح بين كتفى عبد الله بن الطُّفيل ، ويعترضه يزيد ابن معاوية، ابن عم عبد اللّه بن الطُّفيل، فيضع الرمح بين كتفى التميمىّ، فقال: والله لئن طعنتَه لأطعننّك، فقال: عليك عهد اللّه وميثاقُه لْن رفعتُ السنان على ظهر صاحبك لترفعنّ سنانَك عنّى! فقال له: نعم، لك بذلك عهدُ اللّه؛ فرفع السّنان عن ابن الطُّيل، ورفع يزيد السنانَ عن التَّمِيمِىِّ، فقال : ممن أنت؟ قال: من بنى عامر؛ فقال له: جعلنى الله فداكم! أينما(٢) ألفكم ألفِكم كرامًا ، وإنى لحادى عَشَرَ رجلاً من أهل بيتى ورهطى قتلتموهم اليوم ، وأنا كنت آخرهم . فلما رجع الناس إلى الكوفة عتب على یزید بن الطُّفيل فى بعض مايعتب فيه الرجل على ابن عمّه ، فقال له : ٣٣٠٧/١ بِصِفّينَ إِذْ خَلاَكَ كلٌّ حَيمٍ ألم تَرَنى حامَيْتُ عنك مُناصِحاً ونَهْنَهْتُ عنك الحنظَلِىَّ وقدْ أَنَى على سابحٍ ذِى مَّيْعَةٍ وهَزِيمٍ!(٣) (١) الموسوم: اسم فرس. (٢) ط: ((أبتما))؛ وفى الأصول: ((أنما)»، وكلاهما تصحيف. (٣) صفين، ٣٠٥، ٣٠٦ مع تصرف وزيادة واختصار . ٣٠ سنة ٣٧ قال أبو مخنف : حدّثنى فُضَّيل بن خَدِيج ، قال : خرج رجل مِن أهل الشأم يدعو إلى المبارزة ، فخرج إليه عبد الرحمن بن محرز الكندىّ ، ثم الطمَحِىّ(١)، فتجاولا ساعة . ثم إن عبد الرحمن حمل على الشأمىّ فطعنه فى ثُغرة(٢) نحره فصرعه، ثم نزل إليه فسلبه درعه وسلاحه، فإذا هو حبشى" (٣)، فقال: إنَّا لله! لِمَنْ أخطرت نفسى! لعبد أسود (٤) !وخرج رجل من عك" يسأل المبارزة ، فخرج إليه قيس بن فَهْدان الكنانىّ ، ثم البنَدَنِىّ ، فحمل عليه العكِّىّ فضربه واحتمله أصحابُه فقال قيس بن فَهْدان : لَقَدْ عَلِمَتْ عَكٌّ بصفّينَ أننا إذا التَّقَتِ الخيلان نَطْعِنُهَا شَزْرَا فُنُورِ دُها بيضاً ونُصْدِرُ هاحُمْرًا (٥) ونَحْمِلُ راياتِ الطّانِ بِحَقّها ٣٣٠٨/١ قال أبو مخنف : وحدثنى فُضَيل بن خديج أن قيس بن فهدان كان يحرّض أصحابه فيقول: شدّوا إذا شددتم جميعًا، وإذا انصرفتم فأقبلوا معًا ، وغُضّوا الأبصار، وأقلّوا اللفظ، واعتوِروا الأقران، ولا يؤتَيَنّ مِن قِبلكم العرب . قال : وقتِل نُهَيَك بن عُزَير - من بنى الحارث بن عدىّ وعمرو بن يزيد من بنى ذُهل، وسعيد بن عمرو - وخرج قيس بن يزيد وهو ممن فرّ إلى معاوية من علىّ، فدعا إلى المبارزة ، فخرج إليه أخوه أبو العَمَرّطة بن يزيد ، فتعارفا ، فتواقفا وانصرفا إلى الناس ، فأخبر كلّ واحد منهما أنه لقى أخاه . قال أبو مخنف: حدثنى جعفر بن حذيفة من آل عامر بن جوين الطائىّ، أن طيّئًا يوم صفِّين قاتلت قتالا شديداً ، فعبّيست لهم جموع كثيرة ، فجاءهم حمزة بن مالك الهمدانىّ، فقال: ممّن أنتم، لله أنتم! فقال عبد الله ابن خليفة البَوْلانىّ (٦) - وكان شيعيًا شاعراً خطيبًا: نحن طيِّئ السهل، وطيِئ (١) ط: ((الطحمى)) تحريف، وطمح: بطن من كندة، وانظر القاموس والاشتقاق. (٢) ثغرة النحر : نقرته. (٣) صفين: ((أسود)). (٤) صفين: ((فقال: يالله ! لقد أخطرت نفسى لعبد أسود)). (٥) صفين: ٣١٣، ٣١٤. (٦) صفين: ((الطائى))، وبولان: إحدى قبائل طيِّى". ٣١ سنة ٣٧ الرمل ، وطيّع الجبل ، الممنوع ذى النخل ؛ نحن حُماة الجبلين، إلى ما بين العُذَيَب والعَيْن، نحن طيّ الرماح، وطيّئ النَّطاح(١)، وفُرسان الصّباح. فقال حمزة بن مالك : بخٍ بخٍ ! إنك لحسن الثناء على قومك ؛ فقال : فَأَقَدِمْ عَلَيْنَا وَيْبَ غَيْرِك تَشْعُرِ (٢) إنْ كُنْتَ لم تَشْعُرِ بَنَجِدَةٍ مَعْشَرٍ ثم اقتتل الناس أشدّ القتال ، فأخذ يناديهم ويقول : يا معشر طبّئ ، فِدّى لكم طارِفى وتالدى ! قاتِلوا على الأحساب ، وأخذ يقول : ٣٣٠٩/١ أنا الذى كُنْت إذا الدّاعى دَعا مصَمِّماً بالسَّيْفِ نَدْبَا أَرْوَعَا(٣) فَأَنْزِل الْمُسْتَلِمَ الْمُقَنَّعَا وَأَقْتَلُ الْمُبَالِطَ السَّمَيْدَعا وقال بشر بن العَسوس الطائىّ ثم المِلْقطىّ: يَا طِّعُ السُّهولِ والأجيالِ ألا انْهَدُوا بالبيضِ والعَوالى وبالْكُمَاةٍ مِنْكُمُ الأبطالِ فقارِعِوا أتِيَّةً اُلْجَالِ السّالِكِينَ سُبُلَ الصَّلال(٤). ففُقْئتْ يومئذ عينُ ابن العَسوس ، فقال فى ذلك : فَلَم أمشٍ فى الآناسِ إِلاَّ بقائد(٥) ألا لَيْتَ عَيْنِ هذِهِ مِثلُ هذِهِ وسَعد وبعد المُسْتَغِيرِ بنِ خالِدِ ويالَيْتَنِ لم أَبْقَ بعد مُطَرِّفٍ إذا الحربُ أَبدَتْ عن خدامِ الحرائِدِ(٦) فوارِسَ لمْ تَغْذُ الحِواضِنُ مِثْلَهُمْ (١) صفين وابن الأثير: ((البطاح)). (٢) صفين: ((ويل غيرك)). (٣) رواية الرجز فى صفين : يا طِ الجبالِ والسَّهل معا إنا إذا دَاعِ دَعا مضطجعا ندُِّ بالسَّيفِ دبيباً أَرْوَعا فُنزِل المستلثمَ المقنَّمَا • ونقْتُل المُغَازِلَ السَّمَيْدَعا. (٤) صفين: ((الجهال)). (٥) صفين: ((ولم أمش بين الناس)). (٦) الحواضن: الأمهات . والخدام: السيقان، واحدتها خدمة. ٣٢ سنة ٣٧ وباليت رِجِى ثَمّ طُنَّتْ بِنِصْفِها(١) وياليت كِّى فَمَّ طاحَتْ بِساعدى(٢) قال أبو مخنف : حد ◌ّثی أبو الصّلت التیمی، قال: حدثنى أشياخ محارب، أنّه كان منهم رجل يقال له خشثر بن عبيدة بن خالد(٣)، وكان من أشجع الناس ، فلما اقتتل الناس يومَ صِفِّين ، جعل يرى أصحابه منهزمين ، فأخذ ٣٣١٠/١ ينادى: يا معشر قيْس، أطاعةُ الشيطان آثرُ عندكم من طاعة الرحمن! الفرار فيه معصية الله سبحانه وسخطُه، والصبر فيه طاعة الله عزّ وجلّ ورضوانُه، فتختارون سخطَ اللّه تعالى على رضوانِه، ومعصيته على طاعته ! فإنما الراحة بعد الموت لمن مات محاسبًا لنفسه . وقال : لا وَأَلَتْ نَفْسُ امْرِئُ وَلَّى الدُّبُ(٤) أنا الَّذِى لاَ يَنثنى ولا يَفِرُ" • ولا يُرَى مع المعازيل الغُدُرُ"(٥) . فقاتَل حتى ارتُتّ . ثم إنه خرج مع الخمسمائة الذين كانوا اعتزلوا مع فَرْوة بن نَوْفل الأشجعىّ، فنزلوا بالدَّسكرة والبَنْدنيجَيْن، فقاتلت النَّخَعَ يومئذ قتالاً شديداً ، فأصيب منهم يومئذ بكْر بن هوْذة وحيّان بن هَوذة وشُعيب بن نُعيم من بنى بكْر النَّخع، وربيعة بن مالك بن وَهْبيل ، وأبىّ بن قَيْس أخو علقمة بن قيس الفقيه ، وقُطِعت رجل علقمة يومئذ ، فكان يقول : ما أحِبّ أنّ رجلى أصحّ ما كانت ، وإنها لمما أرجو به حسنّ الثواب من ربى عزّ وجلّ ، وقال : لقد كنت أحبّ أن أرى فى نومى أخى أو بعض إخوانى ، فرأيتُ أخى فى النوم فقلت : يا أخى ، ماذا قَد متم عليه ؟ فقال لى: إنا التقينا نحن والقوم، فاحتججْنا عند اللّه عزّ وجلّ، فحججْناهم، فما سُررت منذ عقلتُ سرورى بتلك الرؤيا(٦). (١) طنت : قطعت وسقطت. (٢) صفين: ٣١٦، ٣١٧. (٣) صفين: ((عنتر بن عبيد بن خالد)). (٤) وألت: نجت، وفى صفين: ((ولت دبر)). (٥) المعازيل: جمع معزال؛ وهو الذى لا سلاح معه . (٦) صفين: ٣٢٢، ٣٢٣. ٣٣ سنة ٣٧ ٣٣١١/١ قال أبو مخنف : حدثنى سُوَيَد بن حيّة الأسدىّ، عن الخضّين ابن المنذر ، أنّ أناسًا كانوا أتوْا عليًّا قبل الوقْعة فقالوا له : إنا لا نرى خالد بن المعمّر إلاّ قد كاتب معاوية، وقد خشينا أن يتابعته . فبعث إليه علىّ وإلى رجال من أشرافنا ، فحمد الله وأثنى عليه . ثم قال : أما بعدُ يا معشر ربيعة، فأنتم أنصارِى ومجيبو دَعْوَتى ومِن أوثقٍ حىٌّ فى العرب فی نفسى، وقد بلغنى أنّ معاوية قد كاتب صاحبكم خالد بن المعمّر ، وقد أتيتُ به ، وجمعتُكم لأشهِدَ كم عليه ولتسمعوا أيضاً ما أقوله . ثمّ أقبل عليه ، فقال: ياخالد بن المعمر ، إن كان ما بلغنى حقاً فإنى أُشهِد اللّه ومَن حضرنِى من المسلمين أنّك آمِنٌ حتى تلحق بأرض العراق أو الحجاز أو أرضٍ لا سلطان لمعاوية فيها ، وإن كنتَ مكذوبًا عليك ، فإنّ صدورنا تطمئنّ إليك . فحلف باللّما فعل ، وقال رجال منّا كثير : لو كنا نعلم أنه فعل أمثلناه(١)، فقال شقيق بن ثوْر السَّدوسّى: ما وُفّق خالد بن المعمّر أنْ نصَر (٢) معاوية وأهل الشأم على علىّ وربيعة؛ فقال زياد بن خَصفة التّيمىّ: يا أمير المؤمنين ، استوثِقٍ من ابن المعمَّر بالأيمان لا يغدرنّك. فاستوثق منه ، ثم انصرفنا . فلما كان يوم الخميس انهزم الناس من قِبَل الميمنة ، فجاءنا علىّ حتى انتھی إلینا ومعه بنوه ، فنادی بصوت عال جهیر، كغير المكترث لما فيه الناس : لمن هذه الرايات ؟ قلنا : رايات ربيعة ، فقال : بل هى رايات اللّه عزّ وجلّ، عصم الله أهلها ، فصبرهم، وثبّت أقدامهم. ثم قال لى : يا فتى، ألا تُدْنِىِ رايتك هذه ذراعًا؟ قلت: نعم واللّه وعشرة" أذرُع؛ فقمت بها فأدنيتُها، حتى قال : إنّ حسبَك مكانك ، فثبتُّ حيث أمرنى، واجتمع أصحابى(٣) . ٣٣١٢/١ قال أبو مخنف : حدّثنا أبو الصّلت التيمىّ، قال: سمعتُ أشياخَ الحىّ (١) صفين وابن الأثير: ((لقتلناه)). (٢) صفين: ((حين نصر)). (٣) صفين: ٣٢٣، ٣٢٤. ٣٤ سنة ٣٧ من تيم اللّه بن ثعلبة يقولون: (١ إنّ راية ربيعة؛ أهل كوفتها وبصرتها، كانت مع خالد بن المعمّر١) من أهل البصرة. قال: وسمعتُهم يقولون: إنّ خالد ابن المعمّر وسُفيان بن ثور [السَّدوسيّ](٢) اصطلحا على أن ولّيا راية بكربن وائل من أهل البصرة الحُضيْن بن المنذر الذُّهلىّ، وتنافَسَا فى الرّاية، وقالا: هذا فتّ منَّا له حَسَب ، نجعلها له حتى نرى من رأينا . ثم إنّ عليًّا ولَّى خالد بن المعمّر بعدُ راية ربيعة كلّها . قال: وضرب معاوية لحمير بسهمهم على ثلاث قبائل ، لم تكن لأهل العراق قبائل أكثر عدداً منها يومئذ: على ربيعة وهَمْدان ومذحح، فوقع سهم حِمْير على ربيعة ، فقال ذو الكلاع : قبّحك الله من سهم! كرهتَ الضَّراب! فأقبل ذو الكَلاع فى حميَر ومسَن تعلّقها ، ومعهم عبيد الله بن عمر بن الخطّاب فى أربعة آلاف من قرّاء أهل الشام ، وعلى ميمنتهم ذو الكلاع ، فحملوا على ربيعة ، وهم ميسرة أهلِ العراق، وفيهم ابنُ عبّاس ، وهو على الميسرة، فحمل عليهم ذو الكَلاع وعبيد الله بن عمر حَمْلَةٌ شديدة بخيلهم ورجلهم ، فتضعضعتْ رايات ربيعة إلاّ قليلا من الأخيار والأبدال(٣). قال: ثمّ إن أهل الشأم انصرفوا، فلم يمكثوا إلاّ قليلا حتى كرّوا، وعبيد اللّه بن عمر يقول: يا أهل الشأم ، إنّ هذا الحىَّ من أهل العراق قتلة عثمان بن عفّن رضى اللّه عنه، وأنصار علىّ بن أبى طالب ، وإن هزمتم هذه القبيلة أدركتم ثأركم فى عثمان وهلك علىّ بن أبى طالب وأهل العراق، فشَدّوا على الناس شدّة (٤)، فثبتتْ لهم ربيعة، وصبروا صبراًحسناً إلا قليلا من الضعفاء والفشلة، وثبت أهل الرايات وأهلُ الصَّبر منهم والحفاظ ، فلم يزولوا ، وقاتلوا قتالا شديداً . فلما رأى خالد بن المعمّر ناسًا من قومه انصرفوا انصرف ، ولمّا رأى أصحاب الرايات قد ثبتوا ورأى قومه قد صبروا رجع وصاح بمن انهزم، وأمرهم بالرّجوع، ٣٣١٣/١ (١ - ١) صفين: ((كانت راية ربيعة كوفيتها وبصريتها مع خالد بن المعمر)). (٢) من صفين. (٣) صفين: من الأحشام والأبدال)). والأحشام: الأتباع. (٤) بعدها فى ابن الأثير والنويرى: ((عظيمة)). ٣٥ سنة ٣٧ فقال: مَنْ أراد من قومه أن يتهمه؛ أراد الانصراف. فلما رآنا قد ثبتنا رجع إلينا وقال هو : لما رأيت رجالاً منا انهزموا رأيتُ أن أستقبلهم وأردّ هم إليكم ، وأقبلت إليكم فيمن أطاعنى منهم ، فجاء بأمر مشبه(١). ١ قال أبو مخنف : حدثنى رجل من بكر بن وائل، عن محرز بن عبد الرحمن العجْلىّ، أنّ خالداً(٢) قال يومئذ: يا معشرَ ربيعة، إنّ اللّه عزّ وجلّ قد أتى بكلّ رجل منكم من منبته ومسقط رأسه ، فجمعكم فى هذا المكان جمعًا لم يجمعکم مثله منذ نشر کم فى الأرض، فإن تمسكوا بأیدیکم (٣)، وتنكُلوا عن عدوّكم، وتزولوا عن مصافِّكم (٤) (٥لا يرض الله فعلكم، ولا تقدموا من الناس صغيراً أو كبيراً إلاّ" يقول: فضحتْ ربيعة الذِّمار، وحاصَت عن القتال٥)، وأتيتْ من قِبلها العرب، فإيّاكم أن يتشاءم بكم العرب والمسلمون اليوم . وإنكم إن تمضُوا مقبلين مقدمين، وتصيروا محتسبين فإنّ الإقدام لكم عادة، ٣٣١٤/١ والصبر منكم سجيّة، واصبروا ونيّتكم [صادقة] (٦) أن تؤجروا، فإنّ ثواب مَن نَوَى ما عند الله شرفُ الدنيا وكرامةُ الآخرة ، ولن يُضِيع اللّهُ أجرَ من أحسن عملاً . فقام رجل [من ربيعة] (٦) فقال: ضاع واللّه أمرُ ربيعةٍ حين جعلتْ إليك أمورَها! تأمرنا ألاّ نزول ولا نحُول حتى تتقتل أنفسنا، وتَسفك دماءنا ! ألا ترى الناس قد انصرف جُلُّهم ! فقام إليه رجال من قومه فنهروه وتناولوه بألسنتهم(٧). فقال لهم خالد: أخرجوا هذا من بينكم، فإنّ هذا إن بقىَ فيكم (١) صفين: ٣٢٦، ٣٢٨، وفيها: ((فجاء بأمر مشتبه)). (٢) صفين: ((خالد بن المعمر)). (٣) صفين: ((أيديكم)). (٤) صفين: ((وتحولوا عن مصافكم)). (٥- ٥) صفين: (( لا يرض الرب فعلكم، ولا تعدموا معيراً، يقول : فضحت ربيعة الذمار وخامت عن القتال)). (٦) من صفين. (٧) صفين: ((فتناولوه بقسیهم ولكزوه بايديهم)). ٣٦ سنة ٣٧ ضرّكم (١)، وإن خرج منكم لم يَنْقُصكم، هذا الذى لا ينقص العدّد، ولا يملأ البلد، برّحك(٢) الله من خطيب قوم كرام! كيف جُنُّبتَ السداد! واشتدّ قتال ربيعة وحمير وعُبيد الله بن عمر حتى كبرتْ بينهم القتلى(٣)، فقتِل سُمَير بن الرّيان بن الحارث العجلىّ(٤)، وكان من أشدّ الناس بأساً (٥). قال أبو مخنف : حدثی جیفر بن أبى القاسم العبدى ، عن یزید بن علقمة ، عن زيد بن بدر العَبْدىّ ، أن زياد بن خَصّفة أتى عبد القيس يومَ صِفِّين وقد عُبَيَتْ قبائلُ حمير مع ذى الكلاع - وفيهم عُبيد الله بن عمر بن الخطاب- لبكر بن وائل، فقوتلوا(٦) قتالاً شديداً، خافوا فيه الهلاك . فقال زياد بن خَصّفة : يا عبد القيس، لا بتكْر بعد اليوم (٧). فركبنا الخيول، ثم مضينا فواقفناهم، فما لبثْنا إلاّ قليلا حتى أصيب ذو الكلاع، وقُتل عبيد الله بن عمر رضى الله عنه، فقالت هَمْدان: قتله هانئ بن خطّاب الأرحبىّ؛ وقالت حَضْرَ مَوْت: قتله مالك بنُ عمرو التِّنْعىّ (٨)، وقالت بكر ابن وائل : قتله مُحرِزِ بن الصّحصح من بنى عائش بن مالك بن تيم اللّه بن ثعلبة ، وأخذ سيفه ذا الوشاح ، فأخذ به معاوية بالكوفة بكر بن وائل ، فقالوا : إنما قتله رجل منا من أهل البصرة ، يقال له : محرز بن الصّحْصَح، فبعث إليه بالبصرة فأخذ منه السيف، وكان رأسَ النَّمر بن قاسط عبدُ اللّه بن عَمرو من بنى تيم اللّه بن النّمِر (٩). ٣٣١٥/١ (١) صفين: ((أضرّبكم)). (٢) برحك الله؛ أى عذبك. (٣) بعدها فى صفين: ((وحمل عبيد اللّه بن عمر، فقال: أنا الطيب ابن الطيب، قالوا: أنت الخبيث ابن الخبيث)). (٤) صفين: ((شمر بن الريان بن الحارث)). (٥) صفين: ٣٢٨ - ٣٣٠؛ وزاد فيه: ((ثم خرج نحو من خمسمائة فارس أو أكثر من أصحاب علىّ، على رءوسهم البيض وهم غائصون فى الحديد لا يرى منهم إلا الحدق ، وخرج إليهم من أهل الشام نحوهم فى العدد، فاقتتلوا بين الصفين والناس تحت راياتهم ، فلم يرجع من هؤلاء وهؤلاء مخبر ، لا عراقى ولا شامى، قتلوا جميعا بين الصفين)). (٦) صفين: ((فقاتلوا)). (٧) بعدها فى صفين: ((إن ذا الكلاع وعبيد الله أبادا ربيعة، فانهضوا معهم وإلا هلكوا)). (٨) صفين: ((السبيعى)) .. (٩) صفين، ٣٣٤ - ٣٣٦؛ بتفصيل أكثر . ٣٧ سنة ٣٧ قال هشام بن محمد : الذى قتل عُبيد الله بن عمرَ رضى الله عنه محرزُ بن الصّحصح، وأخذ سيفه ذا الوشاح ، سیف عمر ، وفى ذلك قول کعب بن جُعيل التغلَّيّ : بِصِفِينَ أَجْلَتْ خَيْلُهُ وَهْوَ واقِفُ ألا إَّمَا تَبْكِى العُيُونُ لِفِارِسٍ وكان فَّى لو أخْطَأتْهُ المَتَالِفُ يُبَدِّلُ مِنْ أَسْماءِ أسيافَ وائِلٍ ◌َمُ دَمَ الْخِرْقِ الْمُرُوقُ الَّوَارِفُِ تركْنَ عُبَيْدَ الله بالقاعِ مُسْنَدًا (١) وهى أكثر من هذا(٢). وقُتل منهم يومئذ بشر بن مرّة بن شُرَحبيل ، والحارث بن شرحبيل ، وكانت أسماء ابنة عطارد بن حاجب التميمىّ تحت عبيد الله بن عمر ، ثمّ خلَف عليها الحسن بن علىّ" . ٣٣١٦/١ قال أبو مخنف : حدّثنى ابن أخى غياث بن لقيط البكرىّ أن عليًّا حيث انتهى إلى ربيعة، تبارتْ ربيعة بينها، فقالوا: إن أصيب علىّ فيكم وقد لجأ إلى رايتكم افتضحتم . وقال لهم شقيق بن ثور : يا معشر ربيعة ، لا عذرَ لكم فى العرب إن وُصِل إلى علىّ فيكم وفيكم رجلٌ حىّ، وإن منعتموه فمجدُ الحياة اكتسبتموه. فقاتلوا قتالاً شديداً حين جاءهم علىّ لم يكونوا قاتلوا مثله، فى ذلك قال علىّ : إذا قيل قَدَّمها حُضَيْنُ تقَدَّمَا (٣) لِمَنْ رَايَةٌ سَوْداءِ يَخْقِ ظِلُّها حِياضَ المنايا تَقْطُرُ الموتَ والدَّما(٤) يُقَدِّمُها فى المَوْتِ حتى يُزيرها بأَسيافنا حتى توَلَّى وأحجَمَا أُذَقْنَا ابنَ حَرَبٍ طَمنَنا وضِرابَنَا لدى الموتِ قَوماً ما أعَفَّ وَأَ كْرَمَا!(٥) جَزَىَ اللهُ قَوماً صابروا فى لقلهمْ (١) صفين: ((مسلماً))، أى متروكاً. (٢) تسعة أبيات؛ أوردها نصر فى صفين:٣٣٦. (٣) الأبيات لحضين بن المنذر؛ وفى رواية صفين: ((أقبل الحضين بن المنذر - وهو يومئذ غلام - يزحف برايته؛ وكانت حمراء، فأعجب عليا زحفه وثباته فقال ... )). وأورد الأبيات . (٤) صفين: ((حتى يديرها ... حمام المنايا)). (٥) صفين: ((لدى البأس حرّاً)). ٣٨ سنة ٣٧ إذا كان أصواتُ الرِّجال تَغَفُما (١) وأَطَبَ أخْباراً وأَكْرَمَ شِيمَةً وَ بَأْسِ إذا لاقَوْا جَسيماً عَرَ مَرَمَا(٢) رَبِيعَةً أَعِى أَنَّهُمْ أهلُ نَجْدَة مقتل عمّار بن ياسر ٣٣١٧/١ قال أبو مخنف : حدثنى عبد الملك بن أبى حرّة الحنفىّ، أنّ عمّار بن ياسر خرج إلى الناس، فقال: اللهم إنك تعلم أنّى لو أعلم أنّ رضاك فى أن أقذفَ بنفسى فى هذا البحر لفعلتُه ، اللهم إنك تعلم أنى لو أعلم أن رضاك فى أن أضع ظُبَةَ سيفى فى صدرى ثم أنحنى عليها حتى تخرج من ظهرى لفعلتُ، وإنّى لا أعلم اليومَ عملاً هو أرضى لك من جهاد هؤلاء الفاسقين ، ولو أعلم أنّ عملا من الأعمال هو أرضى لك منه لفعلته . قال أبو مخنف: حدثنى الصّقْعب بن زهير الأزدىّ ، قال : سمعتُ عمّاراً يقول: والله إنى لأرى قومًا ليضربُنّكم ضربًا يرتاب منه المبطلون، وإيم اللّه لو ضربونا حتى يبلغوا بنا سَعفات (٣) هَجَر لعلمنا أنّا على الحقّ، وأنهم على الباطل (٤) . حدّثنا محمد بن عباد بن موسى ، قال : حدّثنا محمد بن فُضَيل ، قال : حدّثنا مسلم الأعور، عن حبّة بن جُوَين العُرَنىّ، قال: انطلقتُ أنا وأبو مسعود إلى حُذيفة بالمدائن ، فدخلنا عليه ، فقال : مرحباً بكما ، ما خلّفتما من قبائل العرب أحداً أحبّ إلىّ منكما . فأسندته إلى أبى مسعود ، فقلنا : يا أبا عبد اللّه، حدثنا فإنا نخاف الفتن ؛ فقال : عليكما بالفئة التى فيها (١) رواية صفين: وأحزَم صبراً حين تدعى إلى الوغَى إذا كان أصوات الكماة تَفَمَغُما (٢) الخبر والشعر فى صفين: ٣٢٥، ٣٢٦؛ بزيادة فى رواية الأبيات. (٣) السعف: ورق جريد النخل؛ قال فى اللسان ١١: ٥٢: ((وإنما خص هجر للمباعدة (٤) صفين: ٣٦٣ - ٣٦٥. فى المسافة؛ ولأنها موصوفة بكثرة النخيل )) . ٣٩ سنة ٣٧ ابن سميّة، إنى سمعتُ رسولَ اللّه صلى اللّه عليه وسلم يقول: ((تقتله الفئة الباغية الناكبة عن الطريق، وإنّ آخر رزقه ضَياح (١) من لبن)). قال حبّة: فشهدتُه يومَ صِفِّين وهو يقول : انتونى بآخر رزق لى من الدنيا ، فأتِى بضياح من لبن فى قدَح أرْوح(٢) له حلقة حمراء، فما أخطأ حُذيفة مقياسَ شعرة ، فقال : ٣٣١٨/١ اليوم ألقى الأحبّه محمّدًاً وحزبه والله لو ضربونا حتى يبلغوا بنا سعفات هَجَّ لعلمنا أنا على الحقّ وأنهم على الباطل ، وجعل يقول : الموت تحت الأسَل ، والجنة تحت البارقة(٣). حد ◌ّثی محمد ، عن خلف ، قال : حدثنا منصور بن أبى نويرة ، عن أبی مخنف.وحدثت عن هشام بن الكلى ،عن أبى مخنف ، قال : حدثنى مالك بن أعينَ الجُهسَىّ، عن زيد بن وهب الجُهَسَىّ ، أنّ عمّار بن ياسر رحمه الله قال يومئذ: أين مَن يبتغى رضوان الله عليه ، ولا يتوب إلى مال ولا ولد! فأتتْه عصابة من الناس ، فقال : أيُّها الناس ، اقصدوا بنا نحوَ هؤلاء الذين يبغون دمَ ابن عفان، ويزعمون أنه قتل مظلومًا ، والله ما طلبتھُم بدمه، ولكنّ القوم ذاقوا الدّنيا فاستحبُّوها واستمرءوها وعلموا أن الحقّ إذا لزمهم حال" بينهم وبين ما يتمرّغون فيه من دنياهم ، ولم يكن للقوم سابقة فى الإسلام يستحقّون بها طاعةَ الناس والولايةَ عليهم ، فخدعوا أتباعتهم أن قالوا: إمامُنا قتِل مظلومًا، ليكونوا بذلك جبابرةً ملوكًا، وتلك مكيدة بلغوا بها ما تَرَوْن، ولولا هى ما تبعهم من الناس رجلان . اللهمّ إنْ تنصرْنا فطالما نصرت ، وإن تجعل لهم الأمر فادّخر لهم بما أحدثوا فى عبادك العذاب الأليم . ثم مضى ، ومضت تلك العصابة التى أجابته حتى دنا من عمرو فقال: ياعمرو، بعتَ ٣٣١٩/١ دينك بمصر، تبًّا لك تبًا! طالما بغيت فى الإسلام عِوَجبًا. وقال لعُبيد الله ابنِ عمرَ بن الخطاب: صرَعك الله! بعتَ دينَك من عدوّ الإسلام وابن عدوّه، (١) الضياح بالفتح: اللبن الرقيق الكثير الماء. (٢) أروح ، أى فيه سعة . (٣) صفين: ٣٨٦ - ٣٨٨ مع اختلاف فى الرواية. ٤٠ سنة ٣٧ قال : لا ، ولكن أطلب بدم عثمانَ بن عفّان رضى الله عنه ؛ قال له : أشهد على علمى فيك أنك لا تطلب بشىء من فعلك وجْهَ اللّه عزّ وجلّ؛ وإنّك إن لم تُقتل اليوم تمتْ غداً، فانظر إذا أعطِىَ الناسُ على قدر نِيّاتهم ما نيّتك. حدثنى موسى بن عبد الرحمن المسروقىّ ، قال : أخبرنا عبيد بن الصبّاح ، عن عطاء بن مسلم ، عن الأعمش ، عن أبى عبد الرحمن السُّلَمىّ ، قال : سمعت عمّار بن ياسر بصِفِّين وهو يقول لعمرو بن العاص : لقد قاتلتُ صاحب هذه الراية ثلاثاً مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهذه الرابعة ما هى بأبرّ ولا أتقى . حدثنا أحمد بن محمد ، قال : حدثنا الوليد بن صالح ، قال : حدّثنا عطاء بن مسلم ، عن الأعمش ، قال : قال أبو عبد الرحمن السُّلمىّ : كنا مع علىّ بصفین ، فکنا قد و کلنا بفرسه رجلین یحفظانه ويمنعانه منأن يحمل، فكان إذا حانت منهما غفلةٌ يحمل فلا یرجع حتی یخضِب سيفته ، وإنه حمل ذات يوم فلم يرجع حتى انثنى سيفُه ، فألقاه إليهم ، وقال : لولا أنه انثى ما رجعتُ - فقال الأعمش: هذا والله ضربُ غير مرتاب، فقال أبو عبدالرحمن: سمع القوم شيئًا فأدّوه وما كانوا بكذابين(١) - قال: ورأيت عماراً لا يأخذ وادياً من أودية صفّين إلا تبعه من كان هناك من أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم؛ ورأيته جاء إلى المِرْقال هاشم بن عتبة وهو صاحب راية علىّ ، فقال : يا هاشم، أعتوراً وجبنًا! لا خير فى أعور لا يغشى البأس ، فإذا رجلٌ بين الصفَّين قال: هذا والله ليخلُفَن إمَامِه، وليخذلَنّ" جنده، وليسَصْبِرَنَّ جهده، اركب يا هاشم ؛ فركب ، ومضى هاشم يقول : ٣٣٢٠/١ أَغْوَرُ يَبْغِى أَهَلَهُ تَحَلاَّ قد عالَجَ الحياةَ حتى مَلَأَّ • لا بدَّ أن يَغُلَّ أو يُفَلَأَّ. (٢) (١) ابن الأثير: ((بكاذبين)). (٢) يفل ، أى يغلب .