النص المفهرس

صفحات 1-20

ذخائر العرب
٣٠
٠٠٠
تاريخ الطبري
تاريخ الرّسل والملوك
لأبى جَعْفه محمّد بْن جَرِيرُ الطَّبَرَىّ
٢٢٤ - ٣١٠ هـ
الجزء الخامس
۔
تحقیق
محمد أبو الفضل إبراهيمْ
الطبعة الثانية ( معدلة ومنقحة )
٠٠
دار المعارف بمصر

الناشر: دار المعارف - ١١١٩ كورنيش النيل - القاهرة ج. ع. م.

تاريخ الطبرى

.
4.
- -

٣٢٧٤/١
ثم دخلت سنة سبع وثلاثين
ذكر ما كان فيها من الأحداث وموادعة الحرب بين علىّ ومعاوية
فكان فى أوّل شهر منها ــ وهو المحرّم - مواد عة الحرب بين علىّ ومعاوية،
قد توادعا على ترْك الحرب فيه إلى انقضائه طمعًا فى الصلح ؛ فذكر هشام
ابن محمد ، عن أبى مِخْنَف الأزدىّ، قال: حدثنى سعد أبو المجاهد الطائىّ،
عن المُحِلّ بن خليفة الطائىّ، قال: لما توادَع علىّ ومعاوية يوم صِفِّين،
اختلف فيما بينهما الرُّسل رجاء الصُّلْحِ ، فبعث علىّ عدىَّ بنَ حاتم ويزيدَ
ابنَ قيس الأرحِىّ وشَبَث بن رِبْعىّ وزياد بن خَصَفة إلى معاوية، فلمَّا
دخلوا حمد اللّهَ عدىّ بن حاتم، ثم قال: أمَّا بعد، فإنّا أتيناك ندعوك إلى
أمر يجمع اللّه عزّ وجلّ به كلمتنا وأمَّتنا، ويحقن به الدماء ، ويؤمّن به السُّبُل،
ويصلح به ذاتَ البين . إنّ ابن عمك سيّد المسلمين أفضلها سابقة ، وأحسنها
فى الإسلام أثراً ، وقد استجمع له الناس ، وقد أرشدهم الله عزّ وجلّ بالذى
وأَوْا ، فلم يبق أحد غيرك وغير مَن معك ، فانته يا معاوية لا يصبْك اللّه
وأصحابك بيوم مثل يوم الجمل. فقال معاوية: كأنك إنما جئت متهدّداً، ٣٢٧٥/١
لم تأت مصلحًا! هيهات يا عدىّ، كلا والله إنى لابنُ حرب، ما يُقْعقَع لى
بالشّنان ، أما والله إنك لمن المجلبين على ابن عفَّان رضى الله عنه، وإنك لِمن
قتلتِه، وإنى لأرجو أن تكون ممن يقتل اللهُ عزّ وجل به . هیهات یا عدىّ
ابن حاتم! قد حلبتَ بالساعد الأشدّ. فقال له شَبَث بن رِبعىّ وزياد بن
خَصَفة - وتنازعا جوابًا واحداً : أتيناك فيما يصلحنا وإيّاك ، فأقبلتَ تضرب
لنا الأمثال ! دَعْ ما لا يُنتفع به من القول والفعل، وأجبنا فيما يعمُّنا وإياك
نفعُه. وتكلم يزيد بن قيس، فقال: إنا لم نأتك إلا لنبلِّغْك مابُعثنا به إليك ،
ولنؤدّىَ عنك ما سمعنا منك، ونحن على ذلك لم نَدَع أن ننصحَ لك ، وأن
نذكر ما ظنّا أن لنا عليك به حجّة، وأنَّك راجع به إلى الألفة والجماعة.

٦
سنة ٣٧
إنّ صاحبنا من قد عرفتَ وعرفَ المسلمون فضله، ولا أظنُّه يخفى عليك؛
إنّ أهل الدين والفضل لن يعدلوا بعلىّ، وأن يميِّلُوا بينك وبينه، فاتَّقِ اللّه
يا معاوية، ولا تخالف عليًّا، فإنّا والله ما رأينا رجلا قطّ أعمل بالتقوى،
ولا أزهدَ فى الدنيا ، ولا أجمعَ لخصال الخير كلِّها منه .
فحمد اللهَ معاويةُ وأثنى عليه، ثم قال : أما بعد، فإنكم دعوتم إلى الطاعة
والجماعة، فأمّا الجماعة التى دعوتم إليها فمعنا هى ، وأمّا الطاعة لصاحبكم فإنا
لا نراها؛ إنّ(١) صاحبكم قتل خليفتّنا، وفرّق جماعتنا، وآوى ثأرنا وقتلتنا،
وصاحبكم يزعم أنه لم يقتلْه، فنحن لا نردّ ذلك عليه ، أرأيتم قتّلة صاحبنا ؟
ألستم تعلمون أنهم أصحاب صاحبكم ؟ فليدفعهم إلينا فلنقتلهم(٢) به ، ثم
نحن نجيبكم إلى الطاعة والجماعة .
فقال له شَبَث : أيسرّك يا معاوية أنك أُمْكِنْت من عمّار تقتله !
فقال معاوية : وما يمنعنى من ذلك! والله لو أمكيِنْتُ من ابن سُميَّة ما قتلتُه
بعثمانَ ، ولكن كنتُ قاتلته بناتل مولى عثمان. فقال له شَبَث: وإله الأرض
وإله السماء، ما (٣) عدلتَ معتدلا، لا والذى لا إله إلاّ هو لا تصل إلى عمَّار
حتى تندُرِ الهام عن كواهل الأقوام ، وتضيق الأرض الفضاء(٤) عليك برُحْبها.
فقال له معاوية : إنه لو قد كان ذلك كانت الأرض عليك أضيق .
وتفرّق القوم عن معاوية ، فلما انصرفوا بعث معاوية إلى زياد بن خصّفة
التيمىّ، فخلا به، فحمد الله وأثنى عليه، وقال: أمَّا بعد يا أخا ربيعة، فإن
عليًّا قطع أرحامنا ، وآوى قَتلَة صاحبنا، وإنى أسألك النصر عليه بأسرتك
وعشيرتِك، ثم لك عهدُ اللّه جلّ وعزّ وميثاقُه أن أوَلِّيَك إذا ظهرتُ أىَّ
المِصْريْن أحببت .
قال أبو مخنف: فحدثنى سعد أبو المجاهد ، عن المحلّ بن خليفة ،
قال : سمعت زياد بن خَصفة يحدّث بهذا الحديث ، قال : فلما قضى
(١) ابن الأثير والنويرى: ((لأن)).
(٢) ابن الأثير والنويرى: ((ولنقتلهم)).
(٣) ط: ((أما))؛ والوجه ما أثبت.
(٤) ابن الأثير: ((والفضاء)).
٣٢٧٦/١

٧
سنة ٣٧
معاوية كلامَه حمدتُ الله عزّ وجل وأثنيتُ عليه، ثم قلت: أما بعد ، فإنى
على بيِّنة من ربِّى وبما أنعم علىّ، فلن أكون ظَهيرًا للمجرمين ، ثم قمت .
فقال معاوية لعمرو بن العاص - وكان إلى جنبه جالسًا : ليس يكلّم رجل منا
رجلا منهم فيُجيب إلى خير. ما لهم عَضبهُمُ اللّه بشرّ! ما قلوبهم إلا كقلب
رجل واحد .
٣٢٧٧/١
قال أبو مخنف: فحدثنى سليمان بن أبى (٢) راشد الأزديّ، عن عبد الرحمن
ابن عبيد أبى الكُنود ، أنّ معاوية بعث إلى علىّ حبيب بن مسلمة الفهرىّ
وشُرَّحبيل بن السِّمْط ومعن بن يزيد بن الأخنس، فدخلوا عليه وأنا عنده ،
فحمد الله حبيب وأثنى عليه، ثم قال: أما بعد ، فإنّ عثمان بنَ عفّان رضى
الله عنه كان خليفةً مهديًّا، يعمل بكتاب الله عزّ وجلّ ، ويُثيب إلى أمر
الله تعالى ، فاستثقلتم حياته ، واستبطأتم وفاته ، فعدوْتم عليه فقتلتموه ؛ فادفع
إلينا قتلةَ عثمان - إنْ زعمت أنك لم تقتله - نقتلهم به، ثم اعتزِل أمر الناس
فيكونَ أمرُهم شورى بينهم ، يولّى الناس أمرهم من أجمع عليه رأيهم .
فقال له علىّ بن أبى طالب: وما أنت لا أمّ لك والعزل وهذا الأمر! اسكُت
فإنك لستَ هناك ولا بأهل له! فقام وقال له : والله لترَينّى بحيث تكره . فقال
علىّ: وما أنت ولو أجلبتَ بخَيْلك ورَجِلك !لا أبقى الله عليك إن أبقيت
علىّ ؛ أحُقْرَةَ وسوءاً! اذهب فصوِّب وصعِّد ما بدا لك .
وقال شرحبيل بن السّمط: إنىّ إن كلمتك فلَعَمْرِى ما كلامى إلاّ مثل
كلام صاحبى قبلُ ، فهل عندك جواب غير الذى أجبته به؟ فقال علىّ :
نعم لك ولصاحبك جواب غير الذى أجبتُه به . فحمد الله وأثنى عليه ثم قال :
أما بعد، فإنّ الله جل ثناؤه بعث محمداً صلى اللّه عليه وسلم بالحق، فأنقذ به
من الضلالة ، وانتاش به من الهلكة (٣)، وجمع به من الفُرْقة، ثمّ قبضه
الله إليه وقد أدى ما عليه صلى الله عليه وسلم، ثم استخلف الناسُ أبا بكر
٣٢٧٨/١
(١) فى اللسان: ((العضب: القطع، وتدعو العرب على الرجل فتقول: ماله عضبه الله ! يدعون
علیه بقطع يده و رجله )) .
(٢) ساقطة من ط .
(٣) انتاش به من الهلكة ، أى أنقذ .

٨
سنة ٣٧
رضى الله عنه، واستخلف أبو بكر عمرَ رضى الله عنه، فأحسَّا السّيرة،
وعدَلاَ فى الأمّة، وقد وَجَدنا عليهما أن تولّيًا علينا - ونحن آل رسول الله
صلّى الله عليه وسلم - فغفرنا ذلك لهما، وولى عثمان رضى الله عنه فعميل بأشياء"
عابها النّاس عليه، فساروا إليه فقتلوه ، ثم أتانى الناس وأنا معتزل أمورَهم ،
فقالوا لى: بايع ، فأبَيْتُ عليهم، فقالوا لى: بايعْ، فإنّ الأمة لا ترضى إلا
بك!، وإنّا نخاف إن لم تفعل أن يفترق (١) الناس ؛ فبايعتُهم ، فلم يتَرعْنِى
إلاّ شقاق رجلين قد بايعانى، وخلاف معاوية الذى لم يجعل اللّه عزّ وجلّ"
له سابقةً فى الدين ، ولا سلفَ صِدْق فى الإسلام، طليق ابن طَلِيق، حِزْب
من هذه الأحزاب، لم يزل للّه عزّ وجلّ ولرسوله صلى الله عليه وسلم وللمسلمين
عدوًّا هو وأبوه حتی دخلا فى الإسلام کارهین، فلا غرو (٢) إلاّ خلافكم معه،
وانقيادُ كم له، وتدعون آلَ نبيكم صلى الله عليه وسلم الذين لا ينبغى لكم
شقاقُهم ولا خلافُهم، ولا أن تعدلوا بهم من الناس أحداً . ألا إنى أدعوكم
إلى كتاب الله عزّ وجلّ وسنة نبيّه صلى اللّه عليه وسلم وإماتة الباطل ، وإحياء
معالم الدين (٣)؛ أقول قولي هذا وأستغفر الله لى ولكم، ولكلّ مؤمن ومؤمنة،
ومسلم ومسلمة .
فقالا: اشهَدْ أنّ عثمانَ رضى الله عنه قُتل مظلومًا ، فقال
لهما : لا أقول إنه قُتل مظلومًا، ولا إنه قتل ظالمًا، قالا: فمَنْ لم يزعم أنّ
عثمان قتل مظلومًا فنحن منه برآء، ثم قاما فانصرفا. فقال علىّ: ﴿إِنَّكَ
لَا تُسْمِعُ الْمَوْنَى وَلَا تُسِْعُ الصُّمَّالدُّعَاءَ إِذَا وَلَّوْا مُدْبِرِينَ ، وَمَا أَنْتَ بَِادِى
الْمُنْىِ عَنْ ضَلَتِهِمْ إِنْ تُسْمِعُ إِلَّ مَنْ يُؤْمِنُ بَآيَاتِنَا فَهُمْ سُْلِمُون﴾(٤)
ثم أقبل علىٌّ على أصحابه فقال: لا يكن هؤلاء أوْلى بالجِدّ فى ضلالهم منكم
بالجِدّ فى حقكم وطاعة ربكم .
قال أبو مِخْنَف: حدّثنى جعفر بن حُذيفة، من آل عامر بن جُوَيَن،
(٢) لا غرو : لا عجب.
(١) ابن الأثير والنويرى: ((يتفرق)).
(٣) ابن الأثير والنويرى: ((وإحياء الحق ومعالم الدين)).
(٤) سورة النمل٤ ٨٠، ٨١.
٣٢٧٩/١

٠
سنة ٣٧
٩
٣٢٨٠/١
أنّ عائذ بن قيس الخزمريّ(١) واثبَ عدىَّ بن حاتم فى الرّاية بصِفّين- وكانت
حِزْمر أكثر من بنى عدىّ رهط حاتم - فوثب عليهم عبد الله بن خليفة الطائىّ
التَبْولانىّ عند علىّ، فقال: يا بنى حِزْمر، على (٢) عدىّ تتوثّبون! وهل فيكم
مثل عَدِىّ أو فى آبائكم مثل أبى عَدِىّ! أليس بحامى القربة(٣) ومانع
الماء يوم رَوِيّة ؟ أليس بابن ذى المرباع (٤) وابن جواد العرب؟! أليس بابن
المُنْهب ماله ، ومانع جاره؟! أليس مَن لم يغدر ولم يفجُر ، ولم يجهل ولم
يبخل ، ولم يمنُن ولم يجبن؟! هاتوا فى آبائكم مثل أبيه، أو هاتوا فيكم مثله.
أوَليس أفضلكم فى الإسلام ! أوليس وافد كم إلى رسول الله صلى الله عليه
وسلم! أليس برأسكم يوم النُّخيلة ويوم القادسيّة ويوم المدائن ويوم جَلُولاء
الوقيعة ويوم نهاوند ويوم تُستَر؟! فما لكم وله! والله ما من قومكم أحد يطلب
مثلَ الذى تطلبون . فقال له علىّ بن أبى طالب: حسبُك يابن خليفة، هَلُمّ
أيّها القوم إلىّ، وعلىَّ بجماعة طيّئ، فأتوْه جميعاً، فقال علىّ: من كان
وأسكم فى هذه المواطن ؟ قالت له طيّئ : عدىّ . فقال له ابن خليفة :
فسلْهم(٥) يا أمير المؤمنين ، أليسوا راضين مسلّمين لعدىّ الرياسة؟ ففعل ،
فقالوا : نعم ، فقال لهم: عدىّ أحقُّكم بالراية. فسلّموها له ، فقال علىّ -
وضجّت بنو الحيزْمِر -: إنّى أراه رأسكم قبل اليوم ، ولا أرى قومه كلهم إلا
مسلمين له غيرَكم ؛ فأتّبع فى ذلك الكثرة. فأخذها عدىّ، فلما كان
أزمان حُجْر بن عدىّ طُلِب عبدُ الله بن خليفة لِيُبْعَثَ به مع حُجر (٦) .-
وكان من أصحابه - فسيِّر إلى الجبلين ؛ وكان عدىّ قد منَّاه أن يردّه، وأن
يطلب فيه ، فطال عليه ذلك ، فقال :
بصِفِّينَ فى أكتافِهِمْ قد تَكَسَّرًا
وتَنْسَوْنَى يَوْمَ الشَّرِيعَةِ والقِنَا
(١) ابن الأثير: ((الحذمرى)).
(٢) ابن الأثير: ((أعلى)) ..
(٣) ابن الأثير: ((القرية)).
(٤) المرباع : ربع الغنيمة وهو الذى كان يأخذه الرئيس فى الجاهلية .
(٥) ابن الأثير: ((سلهم)).
(٦) ابن الأثير: ((طلب زياد عبد الله بن خليفة ليبعثه مع حجر)).

١٠
سنة ٣٧
٣٢٨١/١
جَزَى ربُّهُ عَنّى عَدِيَّ بنَ حاتِمٍ
أَتَنْسَى بَلائى سادرًا يابْنَ حاتِمٍ
فِدَافَعْت عنك القَوْمَ حتى تخَاذَلوا
فوَلَّوا وما قاموا مقامى كأنّا
نَصَرْتُكَ إذ خامَ القَرِيبُ وَأَبْعَطَ الـ
فكان جزائى أَن أجَرَّدَ بينكمْ(٤)
وكم عِدَةٍ لى مِنْكَ أنّكَ راجِعِى
برَفْضى وخِذلانى جَزَاءً مُوَفًَّا
عَشِيَّةَ مَا أَغْتَتْ عَدِيُّكَ حِزْمرا
وَكُنْتُ أَنَا الَضْمَ الْأَلَدَّ الَذَوَّرا(١)
رَأَوْنِىَ لَيْئاً بالأباءَة مُخْدِرًا(٢)
بَعِيدُ وقد أفْرِدْتُ نَصْرًا مُؤْزَّرًا(٣)
سَجِيناً، وأنْ أُولَى الهَوَانَ وأوسَرا
فَلَمْ تُغْنِ بالميعادِ عَنّىَ حَبْتَرَا
تكتيب الكتائب وتعبئة الناس للقتال
قال : ومكث الناس حتى إذا دنا انسلاخ المحرَّم أمر علىّ مَرْتَد بن
الحارث الجُشَمَىّ فنادى أهل الشأم عند غروب الشمس: ألا إنّ أمير المؤمنين
٣٢٨٢/١ يقول لكم: إنّى قد استدمتكم لتراجعوا الحق" وتُنيبوا إليه، واحتججت عليكم
بكتاب الله عزّ وجلّ، فدعوتكم إليه، فلم تناهَوْا عن طغيان(٥) ، ولم تجيبوا
إلى حقّ(٦)، وإنّى قد نبذت إليكم على سواء، إنّ الله لا يحبّ الخائنين.
ففزع أهل الشأم إلى أمرائهم ورؤسائهم ، وخرج معاوية وعمرو بن العاص
فى الناس يكتّبان الكتائب ويعبّان الناس، وأوقدوا النيران، وبات علىّ ليلتَه
كلَّها يعبِّى الناس ، ويكتِّب الكتائب ، ويدور فى الناس يحرِّضهم .
قال أبو مخنف : حدثنى عبد الرحمن بن جندب الأزدىّ ، عن أبيه ،
أنّ عليًّا كان يأمرنا فى كلّ موطن لقينا فيه معه عدوًّا فيقول: لا تقاتلوا القوم
(١) العذور: الصعب الخلق الشديد النفس .
(٢) الأباءة : الأجمة. والأسد المخدر والخادر أيضاً: المقيم فى الأجمة أو العرين .
(٣) خام : نكص وجبن . وأبعط ، أى أبعد .
(٤) ابن الأثير: ((أجرر بينكم)).
(٥) ابن الأثير: ((طغيانكم)). النويرى: ((الطغيان)).
(٦) ابن الأثير والنويرى: ((الحق)).
٢

١١
سنة ٣٧
حتى يبدءوكم، فأنتم بحمد الله عزّ وجلّ على حجّة، وتركُكم إيّاهم حتى يبدء وكم
حجّة أخرى لكم ، فإذا قاتلتموهم فهزمتموهم فلا تقتلوا مديرًا، ولا تُجهزوا
على جريح ، ولا تكشفوا عورةً ، ولا تمثّلوا بقتيل، فإذا وصلتم إلى رحال القوم
فلا تهتكوا ستراً ، ولا تدخلوا داراً إلا بإذن ، ولا تأخذوا شيئًا من أموالهم إلا
ما وجدتم فى عسكرهم ، ولا تُهيّجوا امرأةً بأذَّى ، وإن شتمن أعراضكم ،
وسببَبن أمراءكم وصلحاءَ كم، فإنهنّ ضعاف القُوَى والأنفس .
قال أبو مخنف: وحد ٹی إسماعيل بن یزید ، عن أبى صادق، عن
الحضرمىّ، قال : سمعت عليًا يحرّض الناس فى ثلاثة مواطن: يحرّض الناس
يومَ صِفِّين، ويومَ الجمل، ويوم النَّهر ، يقول: عباد الله، اتقوا اللّه،
وغُضّوا الأبصار ، واخفضوا الأصوات ، وأقلُّوا الكلام ، ووطّوا أنفسكم على
المنازلة والمجاوَلة والمبارزة(١) والمناضلة والمُجالدة(٢) والمعانقة والمكادَمة والملازمة،
فاثبتوا واذكروا الله كثيراً لعلكم تفلحون . ولا تنازعوا فتفشلوا وتذهب ريحكم
واصبروا إنّ الله مع الصابرين . اللهم ألهمهم الصبر، وأنزل عليهم النصر ،
وأعظِيمٍ لهم الأجر .
٣٢٨٣/١
فأصبح علىّ من الغد، فبعث على الميمنة. والميسرة والرجّالة والخيل . قال
أبو مخنف : فحدّثّنى فضيل بن خديج الكندىّ أن عليًّا بعث على خيل
أهل الكوفة الأشتر ، وعلى خيل أهل البصرة سهل بن حُنَيف ، وعلى
رجّالة أهل الكوفة عمّار بن ياسر، وعلى رجّالة أهل البصرة قيس بن سعد وهاشم
ابن عُتبة ومعه رايته ، ومسعر بن فَدَكىّ التميمىّ على قرّاء أهل البصرة ،
وصار أهل الكوفة إلى عبد الله بن بُدَيل وعمّار بن ياسر.
قال أبو مخنف : وحدّثنى عبد الله بن يزيد بن جابر الأزدىّ، عن القاسم
مولى يزيد بن معاوية، أنّ معاوية بعث على ميمنته ابن ذى الكلاع الحميرىّ،
وعلى ميسرته حبيب بن مسلمة الفهرىّ ، وعلى مقدّمته يوم أقبل من دمشق
(١) ابن الأثير: ((المزاولة)).
(٢) ط: ((والمبالدة)).

١٢
سنة ٣٧
أبا الأعور السُّلَمىّ - وكان على خيل أهل دمشق - وعمرو بن العاص على
خيول أهل الشأم كلها ، ومسلم بن عقبة المرِّىّ على رجّالة أهل دمشق،
والضحّاك بن قيس على رجّالة الناس كلها . وبايع رجال من أهل الشأم على
الموت، فعقّلوا أنفسهم بالعمائم، فكان المعقّلون خمسة صفوف، و كانوا يخرجون
ويُصفّون عشرة صفوف ، ويخرج أهل العراق أحد عشر صفًا، فخرجوا أوّل
يوم من صِفِّين فاقتتلوا. وعلى من خرج يومئذ من أهل الكوفة الأشتر، وعلى
أهل الشأم حبيبُ بن مسلمة ، وذلك يوم الأربعاء ، فاقتتلوا قتالا شديداً جُلَّ
النهار ، ثم تراجعوا وقد انتصف بعضهم من بعض ، ثم خرج هاشم بن عتبة
فى خيل ورجال حَسَنِ عددُها وعُدّتها، وخرج إليه أبو الأعور، فاقتتلوا
يومتهم ذلك ، يحمل الخيل على الخيل ، والرجال على الرجال ، ثمّ انصرفوا وقد
كان القوم صّبر بعضُهم لبعض . وخرج اليومَ الثالث عمّارُ بن ياسر، وخرج
إليه عمروبن العاص ، فاقتتل الناس كأشدّ القتال، وأخذ عمّار يقول: يا أهل"
العراق ، أتريدون أن تنظروا إلى من عادى اللّه ورسوله وجاهدهما ، وبغى
على المسلمين، وظاهرَ المشركين، فلما رأى اللّه عزّ وجلّ يعزُّ دينَه ويُظهر
رسوله أتى النبيَّ صلى الله عليه وسلّم فأسلم ، وهو فيما نرى راهب غير راغب ؛
ثم قبض اللّه عزّ وجلّ رسوله صلى الله عليه وسلم! فوالله إنْ زال بعدَه معروفًا
بعداوة المسلم ، وهوادة المجرم . فاثبتوا له وقاتلوه فإنه يطوع نورَ اللّه، ويظاهر
أعداءَ اللّه عزّ وجلّ.
فكان مع عمّار زياد بن النّضْر على الخيل ، فأمره أن يحمل فى
الخيل ، فحمل ، وقاتله الناس وصبروا له ، وشدّ عمّار فى الرجال ، فأزال
عمرو بن العاص عن موقفه . وبارز يومئذ زياد بن النّضر أخًا له لأمّه
٣٢٨٥/١ يقال له عمرو بن معاوية بن المنتفق بن عامر بن عُقيل - وكانت أمّهما امرأة
من بنى يزيد(١) فلما التقيا تعارفا فتواقفا، ثم انصرف كلّ واحد منهما عن
صاحبه ، وتراجع الناس .
فلمّا كان من الغد خرج محمد بن علىّ وعبيد الله بن عمر فى جمعيْن
عظيمين، فاقتتلوا كأشدّ القتال. ثم إن عبيد الله بن عمر أرسل إلى ابن الحنفية:
(١) هى أمامة - أو أميمة - بنت يزيد بن عبد المدان - (الإصابة رقم ٦٥١٤).
٣٢٨٤/١

١٣
سنة ٣٧
أن اخرج إلىّ ؛ فقال : نعم، ثم خرج يمشى، فبصُربه أمير المؤمنين فقال :
مَنْ هذان المتبارِزان؟ فقيل: ابن الحنفيّة وعُبيد الله بن عمر؛ فحرّك دابَّته
ثم نادى محمّداً، فوقف له، فقال: أمسِكْ دابتى، فأمسكتها ، ثم مشى
إليه علىّ فقال: أبرز لك، هلمّ إلىّ ؛ فقال: ليست لى فى مبارزتك حاجة،
فقال : بلى ، فقال : لا ، فرجع ابن عمر . فأخذ ابن الحنفية يقول لأبيه :
يا أبتِ، لم منعتَنِى من مبارزته؟ فوالله لوتركتنى لرجوتُ أن أقتله، فقال :
لو بارزته لرجوتُ أن تقتله، وما كنتُ آمن أن يقتلك، فقال : يا أبتِ أو تبرز
لهذا الفاسق! والله لو أبوه سألك المبارزة لرغبتُ بك عنه؛ فقال علىّ: يا بُنَىّ،
لا تَقُلْ فى أبيه إلا خيراً. ثم إنّ الناس تحاجزوا وتراجعوا.
قال : فلما كان اليوم الخامس خرج عبد الله بن عباس والوليد بن عُقْبة
فاقتتلوا قتالا شديداً ، ودنا ابن عبّاس من الوليد بن عقبة، فأخذ الوليد يسبّ
بنی عبد المطلب، وأخذ يقول: یابن عباس، قطعتم أرحامكم، وقتلتم إمامكم ،
فكيف رأيتم الله صنع بكم ؟! لم تُعطَوْا ما طلبتم، ولم تُدرِ كوا ما أمّلّم، واللّهُ
إن شاء مُهلِككم وناصرٌ عليكم . فأرسل إليه ابن عباس : أن ابرز لى ؛ فأبى .
وقاتل ابن عباس يومئذ قتالاً شديداً، وغشىَ الناس بنفسه .
٣٢٨٦/١
ثم خرج قيس بن سعد الأنصارىّ وابن ذى الكلاع الحميرىّ فاقتتلوا
قتالا شديداً ، ثم انصرفا ، وذلك فى اليوم السادس .
ثمّ خرج الأشتر، وعاد إليه حبيب بن مسلمة اليوم السابع ، فاقتتلا
قتالاً شديداً، ثم انصرفا عند الظهر ، وكلُّ غير غالب ، وذلك يومَ الثلاثاء .
قال أبو مخنف : حدثنى مالك بن أعين الجُهْسَىّ، عن زيد بن
وهب ، أن عليًّا قال : حتى متى لا نناهض هؤلاء القوم بأجمعنا ! فقام فى
النّاس عشيّة الثلاثاء، ليلة الأربعاء بعد العصر، فقال: الحمد لله الذى لا
يُبرَم ما نَقَض، وما أبرَم لا ينقضُه الناقضون، لو شاء ما اختلف اثنان من
خَلْقه ، ولا تنازعت الأمة فى شىء من أمره، ولا جحد المفضولُ ذا الفضل
فضلَه ، وقد ساقتْنا وهؤلاء القوم الأقدار ، فلفّت بيننا فى هذا المكان ،
فنحن من رَبِّنا بمرأى ومسمع ، فلو شاء عجّل النِّقمة ، و کان منه التغییر ، حتى

١٤
سنة ٣٧
يكذّب الله الظالم، ويعلم الحقُّ أين مصيره؛ ولكنه جعل الدنيا دار الأعمال،
وجعل الآخرة عنده هى دار القرار ، ليجزىّ الذين أساءوا بما عملوا ويجزىّ الذين
أحسنوا بالحسنى . ألا إنكم لاقُو القومِ غداً، فأطيلوا الليلة القيامَ، وأكثروا
تلاوة القرآن، وسلُوا اللّه عزّ وجلّ النّصر والصبر، والقَوْهم بالجدّ والحزم،
وكونوا صادقين . ثم انصرف ، ووثب الناسُ إلى سيوفهم ورماحِهم ونبالهِم
يصلحونها ، ومرّ بهم كعب بن جُعَيل التغلَيّ وهو يقول:
والمُلك مجموعٌ غداً لمن غَلَبْ
أَصْبَحَتِ الأمَّةُ فى أمْرِ عَجَبْ
إِنَّ غداً تَهلكُ أعلامُ العرب
فقلتُ قولا صادقاً غیرَ كَذِب
قال : فلما كان من الليل خرج على" فعبتى الناس ليلته كلها ، حتى إذا
أصبح زحف بالناس، وخرج إليه معاوية فى أهل الشأم ، فأخذ علىّ يقول :
مَن هذه القبيلة ؟ ومَن هذه القبيلة؟ فنُسبت له قبائل أهل الشأم ، حتى إذا
عرفهم ورأى مراكزهم قال للأزد: اكفُونى الأزد ، وقال خثْم : اكفونى
خَشْعم. وأمر كلَّ قبيلة من أهل العراق أن تكفيه أختها من أهل الشأم إلاّ أن
تکون قبيلة لیس منها بالشأم أحد فیصرفها إلى قبيلة أخری تکون بالشام ، لیس
منهم بالعراق واحد ، مثل بجيلة لم يكن منهم بالشأم إلا عدد قليل، فصرفهم
إلى لخْم . ثم تناهض الناس يومَ الأربعاء فاقتتلوا قتالاً شديداً نهارهم كلّه،
٠٣٢٨٨/١ ثم انصرفوا عند المساء وكلّ غير غالب، حتى إذا كان غداة الخميس صلى
علىّ بغتَكَس.
قال أبو مخنف : حدثنى عبد الرحمن بن جندب الأزدىّ ، عن أبيه، قال:
ما رأيت عليًّا غلّس بالصلاة أشدّ من تتغْليسه يومئذ، ثم خرج بالناس إلى
أهل الشأم فزحف إليهم ، فكان يبدؤهم فيسير إليهم ، فإذا رأوه قد زحف
إليهم استقبلوه بوجوههم .
قال أبو مخنف : حدّثنى مالك بن أعين، عن زيد بن وهب الجُهَتِىّ ،
أنّ عليًّا خرج إليهم غَدَاة الأربعاء فاستقبلهم فقال: اللهمّ ربَّ السقف
المرفوع ، المحفوظ المكفوف، الذى جعلته متغيضًا الليل والنهار، وجعلت
٣٢٨٧/١

١٥
سنة ٣٧
فيه مجرى الشمس والقمر ومنازل النجوم، وجعلت سكّانه سبطًا (١) من الملائكة،
لا يسأمون العبادة. وربّ هذه الأرض التى جعلتتها قراراً للأنام، والهوام والأنعام،
وما لا يُحصى مما لا يُرَى ومما يُرَى من خَلْقك العظيم. وربّ الفلْك التى
تجرى فى البحر بما يَنفع الناس، وربّ السحاب المسخَّر بين السماء والأرض ،
وربّ البحر المسجور المحيط بالعالم، وربّ الجبال الرّواسى التى جعلتها
للأرض أوتاداً ، وللخلق متاعاً ؛ إن أظهرتنا على عدوّنا فجنِّنا البغىَ ،
وسدِّدنا للحقّ، وإن أظهرتَهم علينا فارزقنى الشهادة، واعصم بقيّة أصحابى
من الفتنة .
قال : وازدلف الناس يومَ الأربعاء فاقتتلوا كأشدّ القتال يومتهم حتى
الليل ، لا ينصرف بعضهم عن بعض إلا للصّلاة ، وكثرت القتلى بينهم ،
وتحاجزوا عند الليل وكلٌ غيرُ غالب ، فأصبحوا من الغد، فصلى بهم على
غداة الخميس، فغلّس بالصّلاة أشدّ التَّغليس، ثم بدأ أهل الشأم بالخروج ،
فلما رأوه قد أقبل إليهم خرجوا إليه بوجوههم ، وعلى ميمنته عبد الله بن بُديل،
وعلى ميسرته عبد الله بن عبَّاس، وقرّاء أهل العراق مع ثلاثة نفر: مع عمَّر
ابن ياسر ، ومع قيس بن سعد ، ومع عبد اللّه بن بُدَيل؛ والناس على راياتهم
ومراكزهم ، وعلىّ فى القلْب فى أهل المدينة بين أهل الكوفة وأهل البصرة ،
وعُظْم مَن معه من أهل المدينة الأنصارُ، ومعه من خُزاعة عدد حسن،
ومن كنانةَ وغيرهم من أهل المدينة .
٣٢٨٩/١
ثم زحف إليهم بالناس، ورفع معاوية قبَّةً عظيمة قد ألقى عليها الكرابيس (٢)
وبايعه عُظْم الناس من أهل الشأم على الموت ، وبعث خيل أهل دمشق
فاحتاطت بقبّته ، وزحف عبد اللّه بن بديل فى الميمنة نحو حبيب بن مسلمة،
فلم يزل يجوزه(٣)، ويكشف خيله من الميسرة حتى اضطرهم إلى قبّة معاوية
عند الظهر (٤) .
(١) السبط هنا : الأمة.
(٢) الكرابيس : ضرب من الثياب؛ فارسى معرب.
(٣) يحوزه ، أى يبعده وينحيه.
(٤) الخبر فى كتاب وقعة صفين لنصر بن مزاحم: ٢٦١ - ٢٦٣.

١٦٠
سنة ٣٧
قال أبو مخنف : حد ثنیمالك بن أعیین، عن زيد بن وهب الجُھسىّ ،
أنّ ابن بُدَيَل قام فى أصحابه فقال: ألَا إنّ معاوية ادَّعى ما ليس أهله،
ونازع هذا الأمرَ من ليس مثله ، وجادل بالباطل ليُدحِض به الحقّ ، وصال
عليكم بالأعراب والأحزاب ، قد زيّن لهم الضلالة، وزرع فى قلوبهم حبّ
٣٢٩٠/١ الفتنة، ولبس عليهم الأمر، وزادهم رِجْسًا إلى رجسهم، وأنتم على نور من
رّبكم ، وبرهان مبين . فقاتلوا الطغاة الجفاة ، ولا تخشَوهم ، فكيف تخشونهم
وفى أيديكم كتاب الله عزّ وجل طاهراً مبروراً(١)! (أَنَخْشَوْنَهُمْ فَاَللّهُ أَحَقُّ أَنْ
تَخْشَوْهُ إِنْ كُ مُؤْمِنِينَ، قَاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ اللهُ بِأَيْدِيَكُمْ وَيُخْرِمْ
وَيَنْصُرْكُمْ عَلَيْهِمْ وَيَشْفٍ صُدُورَ قَوْمٍ مُؤْمِنِينٍ) (٢)، وقد قاتلناهم مع
النبيّ صلى الله عليه وسلم (٣) مرّة، وهذه ثانية، والله ما هم فى هذه بأتقى ولا أزكى
ولا أرشد ، قوموا إلى عدوّكم بارك الله عليكم! فقاتل قتالاً شديداً هو
وأصحابه(٤) .
.قال أبو مخنف : حدثنى عبد الرحمن بن أبى عَمْرة الأنصارىّ، عن أبيه
ومولّى له ، أنّ عليًا حرّض الناس يومَ صِفّين ، فقال :
إنّ اللّه عزّ وجلّ" قد دلكم على تجارة تُنجِيكم من عذاب أليم(٥)،
تُشفى(٦) بكم على الخير: الإيمان بالله عزّ وجلّ وبرسوله صلى الله عليه وسلم،
والجهاد فى سبيل الله تعالى ذكره ، وجعل ثوابه مغفرة الذنب ، ومساكنَ طيّبة
فى جناتٍ عدن . ثم أخبركم أنه يحبّ الذين يقاتلون فى سبيله صفًا كأنهم بنيان
مرصوص ؛ فسوُّوا صفوفكم كالبنيان المرصوص ، وقدِّمُوا الدْارع، وأخّروا
الجاسر ، وعَضّوا على الأضراس، فإنه أنبى للسيوف عن الهام(٧)، والتَّوُوا
(١) صفين: ((ظاهر مبرور)).
(٢) سورة التوبة: ١٣، ١٤.
(٣) صفين: ((وقد قاتلتهم مع النبى صلى الله عليه)).
(٤) الخبر فى صفين: ٢٦٣، ٢٦٤.
(٥) صفين: ((من العذاب)).
(٦) تشفى ، أى تشرف .
(٧) أنبى : أبعد . والهام: الرؤوس.

:
سنة ٣٧
١٧
٣٢٩١/١
فى أطراف الرماح، فإنّه أصوَن(١) للأسنّة. وغُضّوا الأبصار فإنه أربط للجأش،
وأسكتَن للقلوب ، وأميتوا الأصوات فإنه أطرَد للفشل، وأولى بالوقار. راياتِكم(٢)
فلا تُميلوها ولا تزيلوها، ولا تجعلوها إلاّ بأيدى شجعانكم، فإن المانع للذّمار،
والصابر عند نزول الحقائق، هم أهل الحفاظ الذين يحفّون براياتهم ويكتفونها (٣)؛
يضربون حفافيها خلفها وأمامها، ولا يضعونها. أجزأ امر ؤٌ وقد قِرْنه (٤)-رحمكم
اللّه(٥) - وآسى أخاه بنفسه، ولم يكل قرنَه إلى أخيه، فيكسب بذلك لائمةً،
ويأتِىَ به دناءة. وأنّى لا يكون هذا هكذا ! وهذا يقاتل اثنين ، وهذا ممسك
بيده يُدخل قرنه على أخيه هاربًا منه ، أو قائمًا ينظر إليه ! من يفعل هذا
يمقتْه الله عزّ وجلّ، فلا تعرّضوا لمقتِ اللّه سبحانه فإنما مرد كم إلى الله، قال الله
عزّ من قائِل القوم: ﴿لَنْ يَنْفَكُم الفِرَارُ إِن فَرَرْتُمْ مِنَ المَوْتِ أو القَتْلِ
وَإِذَاً لَا تُمَتََّونَ إِلَّا قَلِيلاً﴾ (٦). وإيمُ اللّه لئن سلمتم من سيف العاجلة
لا تَسلمون من سيف الآخرة. واستعينوا بالصدق والصبر، فإنّ بعد الصبر
يُنزل الله النصر(٧).
الجدّ فى الحرب والقتال
قال أبو مخنف: حدثنى أبو رَوْق الهمدانىّ، أن يزيد بن قيس الأرحىّحرّض
الناس فقال: إنّ المسلم السليمَ من سليم دينُه ورأيُه، وإنّ هؤلاء القوم والله إن يقاتلوننا (٨)
(١) صفين: ((فإنه أمور للأسنة))، وأمور، تفضيل من المور وهو الاضطراب والمجىء
(٢) صفين: ((وراياتكم)).
والذهاب .
(٣) صفين: ((ويكتنفونها)).
(٤) وقذ قرنه : ضربه ضرباً شديداً .
(٥) صفين: ((رحمه الله)).
(٦) سورة الأحزاب: ١٦.
(٧) الخبر فى صفين: ٢٦٤، ٢٦٥ بروايته عن عمر بن سعد، عن عبد الرحيم بن
عبد الرحمن ، عن أبيه .
(٨) إن هنا بمعنى النفى، وفى صفين: ((ما إن يقاتلونا)).

١٨
سنة ٣٧
٣٢٩٢/١ على إقامة دين رأونا ضيعناه، وإحياء حقٌّ رأونا أمَتْناه، وإن يقاتلوننا إلاّ على
هذه الدنيا ليكونوا جبابرةً فيها ملوكًا، فلو ظهروا عليكم - لا أراهم الله ظهورًا
ولا سروراً - لزموكم (١) بمثل سعيد والوليد(٢) وعبد الله(٣) بن عامر السفيه
الضالّ، يخبر(٤ أحدهم فى مجلسه بمثل ديَته ودية أبيه وجَدّه٤)، يقول: هذا لى
ولا إثمَ علىّ، كأنما أعطى تراثه عن أبيه وأمه، وإنما هو مال الله عزّ وجلّ ،
أفاءه علينا بأسيافنا وأرماحنا ، فقاتِلوا عباد الله القوم الظالمين، الحاكمين بغير
ما أنزل اللّه، ولا يأخذكم فى جهادهم لومُ لائم(٥) ، فإنهم إن يظهروا عليكم
يُفسِدوا عليكم دينتكم ودنيا كم؛ وهم من قد عرفتم وخبر ثم؛ وايمُ اللّه ما ازدادوا
إلى يومهم هذا إلا شرًّا .
وقاتلهم عبد اللّه بن بُدَيل فى الميمنة قتالا شديداً حتى انتهى إلى قبَّة
معاوية . ثم إنّ الذين تبايعوا على الموت أقبلوا إلى معاوية ، فأمرهم أن يصمُلُوا
لابن بديل فى الميمنة ، وبعث إلى حبيب بن مسلمة فى الميسرة ، فحمل بهم
وبمن كان معه على ميمنة الناس فهزمهم ، وانكشف أهلُ العراق من قِبَل
الميمنة حتى لم يبقَ منهم إلاّ ابن بُديل فى مائتين أو ثلثمائة من القرّاء، قد أسند
بعضهم ظهره إلى بعض ، وانجفل (٦) الناس، فأمر علىٌّ سهلَ بن حُنيف
فاستقدم فيمن كان معه من أهل المدينة ، فاستقبلتْهم جموعٌ لأهل الشأمِ
عظيمة ، فاحتملتهم حتى ألحقتْهم بالميمنة ، وكان فى الميمنة إلى موقف على
٣٢٩٣/١ فى القلب أهل اليمن، فلما كشفوا (٧) انتهت الهزيمة إلى علىّ، فانصرف يتمشّى
نحو الميسرة ، فانكشفت عنه مُضَر من الميسرة ، وثبتت ربيعة (٨).
قال أبو مخنف : حدٹی مالك بن أعين الجُهسىّ، عن زيد بن وهب
(١) صفين: ((ألزموكم)).
(٢) يعنى سعيد بن العاص والوليد بن عقبة.
(٣) صفين: ((عبيد اللّه)).
(٤ - ٤) صفين: ((يحدث أحدهم فى مجلسه بذيت وذيت)).
(٥) صفين: ((لومة لائم)).
(٦) انجفلوا : ذهبوا مسرعين نحوهم .
(٧) يقال: كشف القوم؛ أى انهزموا.، وفى صفّين: ((انكشفوا)).
(٨) صفين: ٢٧٩، ٢٨٠، بروايته عن عمرو ، عن أبى روق الهمدانى .

١٩
سنة ٣٧
الجُهَنى، قال: مرّعلىّ معه بنوه نحو الميسرة، [ ومعه ربيعة وحدها](١)، وإِنِّى
لأرى النَّبل يمرّ بين عاتقه ومنكبه(٢)، وما من بنيه أحد إلاّ يقيه بنفسه ،
[ فيكره على ذلك](١)، فيتقدّم [عليه](١)، فيحول بين أهل الشأم وبينه، فيأخذه
بيده إذا فعل ذلك فيلْقيه بين يديه أو من ورائه ، فبصُر به أحمر - مولى
أبى سفيان ، أو عثمان، أو بعض بنى أميّة - فقال [على](١): وربّ الكعبة؛
قتلنى اللّه إن لم أقتلك أو تقتلنى! فأقبل نحوه، فخرج إليه كيْسانُ مولى علىّ،
فاختلفا ضربتين ، فقتله مولى بنى أمية ، (٣ وينتهزه على"، فيقع بيده فى جيب
درعه، فيجبذه ، ثم حمله على عاتقه٣)؛ فكأنّى أنظر إلى رُجَيْلَتَيْهِ ،
تختلفان على عنق على ٣)، ثم ضرب به الأرض فكسر منكبه(٤) وعَضُديه،
وشدّ ابنا علىّ عليه: حسين ومحمد، فضرباه بأسيافهما، [حتى بَرَد(١)]،
فكأنى أنظر إلى علىّ قائمًا وإلى شبليْه يضربان الرجلَ ، حتى إذا قتلاه
وأقبلا إلى أبيهما ، والحسن قائمًا قال له : يا بنىّ، ما منعك أن تفعل كما فعل
أخواك ؟ قال : كَفَانى يا أميرَ المؤمنين. ثمّ إن أهل الشأم دنوا منه ووالله
ما يزيده قربهم منه سرعةً فى مشيه ، فقال له الحسن : ما ضرّك لو سعيتَ ٣٢٩٤/١
حتى تنتهى إلى هؤلاء الذين قد صبروا لعدّوك من أصحابك؟ فقال: يا بنىّ ،
إن لأبيك يومًا لن يَعدُّوَه ولا يبطِّئُ به عند السعى، ولا يعجّل به إليه المشى،
إنّ أباك والله ما يبالى أوَقَع على الموت، أو وَقَعَ الموتُ عليه(٥).
قال أبو مخنف : حدثنى فُضَيل بن خديج الكِنْدىّ، عن مولی
للأشتر، قال : لما انهزمتْ ميمنة العراق وأقبل علىّ نحو الميسرة، مرّ به الأشتر
يركض نحو الفزع قبل الميمنة، فقال له علىّ: يا مالك ، قال : لبّيك؛
(١) من صفين.
(٢) صفين: ((منكبيه)).
(٣ - ٣) صفين: «وخالط عليا ليضربه بالسيف، فانتهره علىّ، فتقع يده فى جيب
درعه ، فجذبه ثم حمله على عاتقه، فكأنى أنظر إلى رجليه تختلفان على عنق على)).
(٤) ابن الأثير والنويرى: ((منكبيه)).
(٥) صفين: ٢٨٠ - ٢٨٣.

٢٠
سنة ٣٧
قال : انت هؤلاء القومَ فقل لهم: أين فراركم من الموت الذى لن تُعجزوه، إلى
الحياة التى لن تبقى لكم ! فمضى فاستقبل الناسَ منهزمين ، فقال لهم هذه
الكلمات التى قالها له علىّ(١). وقال: إلىَّ أيّها الناس، أنا مالك بن الحارث،
أنا مالك بن الحارث ، ثم ظنّ أنه بالأشتر أعرف فى الناس ، فقال : أنا
الأشتر، إلىّ أيُّها الناس. فأقبلت إليه طائفة، وذهبت عنه طائفة، فنادى:
أيُّها الناس، عضِضِتم بهَنِ آبائكم! ما أقبح ما قاتلتم منذ اليوم! أيّها الناس،
أخلصوا إلىّ مذحجّاً ، فأقبلت إليه مذحج ، فقال : عضِضتم بصمّ الجندل !
ما أرضَيتُم ربكم، ولا نصحتُم له فى عدوّكم، وكيف بذلك وأنتم أبناء الحروب،
٣٢٩٥/١ وأصحاب الغارات، وفتيان الصباح، وفرسان الطِّراد، وحتوف الأقران، ومذحج
الطّعان؛ الذين لم يكونوا يُسبَقون بثأرهم، ولا تُطلّ دماؤهم، ولا يُعرفون فى موطن
بخسف، وأنتم حَدُ (٢) أهل مصركم، وأعدّ(٣) حىٌّ فى قومكم، وما تفعلوا فى
هذا اليوم ، فإنه مأثور بعد اليوم ؛ فاتقوا مأثور الأحاديث فى غد (٤) ، واصدقوا
عدوّكم اللقاء فإن الله مع الصادقين . والذى نفسُ مالك بيده ما من هؤلاء
- وأشار بيده إلى أهل الشام - رجلٌ على مثال جناح بعوضة من محمد صلى
اللّه عليه وسلم. أنتم ما أحسنتم القِراع (٥)، اجْلُوا سواد وجهى يرجعْ فى وجْهى دمى.
عليكم بهذا السواد الأعظم، فإنّ اللّه عزّ وجلّ لو قد فضّ تبعه مَن بجانبيه
كما يتبع مؤخَّر السيل مقدّمه .
قالوا : خذ بنا حيث أحببت . وصمد نحو عُظْمهم فيما يلى الميمنة ،
فأخذ يزحف إليهم، ويردّهم، ويستقبله شبابٌ من هَمْدان - وكانوا ثمانمائة
مقاتل يومئذ - وقد انهزموا آخرَ الناس ، وكانوا قد صبروا فى الميمنة حتى
أصيب منهم ثمانون ومائة رجل ، وقتل منهم أحد عشر رئيساً ، كلّما قُتل
منهم رجل أخذ الراية آخرُ ، فكان الأوّل كُريب بن شُرَيَح ، ثم شُرحبيل
٣٢٩٦/١ ابن شريح، ثم مرثد بن شُريح، ثم هُبيرة بن شريح، ثم يريم بن شُرَيْح ،
(١) صفين: ((التى أمره علىّ بهن)).
(٣) أعد ، أى أكثر عدداً .
(٢) صفين: ((أحد)).
( ٤) مأثور الحديث : ما يؤثر ويروى ويخبر الناس به بعضهم بعضاً .
(٥) صفين: ((ما أحسنتم اليوم)).