النص المفهرس

صفحات 561-580

٥٦١
سنة ٣٦
لا يلتفت إلى قول عمرو - فقال ابنا عمرو لعمرو: ألا ترى إلى معاوية
لا يلتفت إلى قولك! انصرف إلى غيره. فدخل عمرو على معاوية فقال: والله
لتعجب لك! إنى أرفدك بما أرفدك وأنت مُعرض عنى! أما والله إن قاتلْنا
معك نتطلب بدم الخليفة إنّ فى النفس من ذلك ما فيها، حيث نقاتل(١) ٣٢٥٤/١
من تعلم سابقتَه وفضلَه وقرابته ؛ ولكنا إنما أردنا هذه الدنيا . فصالحه معاويةُ
وعطَفَ عليه .
#
توجيه علىِّ بن أبى طالب جرير بن عبد الله البَجَلىَّ إلى معاوية
يدعوه إلى الدخول فى طاعته
وفى هذه السنة وجه علىّ عند منصرفه من البصرة إلى الكوفة وفراغه من
الجمل جريرَ بنَ عبد الله البَجَلىّ إلى معاوية يدعوه إلى بيعته ، وکان جرير
حين خرج على" إلى البصرة لقتال مَنْ قاتله بها بهمَذَان عاملا عليها ، كان
عثمان استعمله عليها، وكان الأشعث بن قيس على أذر بيجانَ عاملا عليها ،
كان عثمان استعمله عليها ، فلما قدم علىّ الكوفة منصرفًا إليها من البصرة ،
كتب إليهما يأمرهما بأخذ البَيْعة له على مَن قِبلهما من الناس، والانصراف
إليه . ففعلا ذلك ، وانصرفًا إليه .
فلما أراد على توجيه الرسول إلى معاوية، قال جرير بن عبد الله - فما حدثنى
عمرُ بن شبّة، قال: حدثنا أبو الحسن، عن عوانة - : ابعشْئ إليه، فإنه
لى ودّ(٢) حتى آتيه فأدعوّه إلى الدخول فى طاعتك، فقال الأشتر لعلى":
لا تبعثه، فوالله إنّ لأظنّ هواه معه؛ فقال علىّ: دعْه حتى ننظر ما الذى
يرجع به إلينا ؛ فبعثه إليه ، وكتب معه كتابًا يُعلِمه فيه باجتماع المهاجرين
والأنصار على بَيْعته ، ونكث طلحة والزبير ، وما كان من حربِه إياهما ،
ويدعوه إلى الدخول فيما دخل فيه المهاجرون والأنصار من طاعته ، فشَخَص
إليه جرير ، فلمّا قدم عليه ماطله واستنظره ، ودعا عمرً فاستشاره فيما كتب ٣٢٠٠/١
به إليه ، فأشار عليه أن يرسل إلى وجوه الشأم ، ويُلزم عليًّا دم عثمان ، ويقاتله
(١) ابن الأثير: ((تقاتل)).
(٢) يقال: هو ودك، أى حبيبك.

٥٦٢
سنة ٣٦
بهم ، ففعل ذلك معاوية ، وكان أهل الشأم - فيما كتب إلىّ السرىّ يذكر أن
شعيبًا حدثه عن سيف ، عن محمد وطلحة - لما قدم عليهم النّعمان بن بشير
بقميص عثمانَ رضى الله عنه-الذى قتل فيه مخضًّا بدمه وبأصابع نائلةَ زوجته
مقطوعة بالبَراجم ؛ إصبعان منها وشىء من الكفّ ، وإصبعان مقطوعتان من
أصولهما ونصف الإبهام - وضع معاوية القميصَ على المنبر، وكتب بالخبر
إلى الأجناد ، وثابَ إليه الناس ، وبكوْا سنة(١) وهو على المنبر والأصابع
معلّقة فيه ، وآلى الرجال من أهل الشأم ألاّ يأتوا النساءَ ، ولا يمستهم الماء
للغسل إلاّ من احتلام، ولا يناموا على الفُرُش حتى يَقْتلوا قَتلَة عثمان، ومَن
عرض دونهم بشىء أو تفنى أرواحُهم . فمكثوا حول القميص سنة ، والقميص
يوضع كلّ يوم على المنبر ويجلَّلُه أحيانًا فيُلبسه. وعُلّق فى أردانه أصابع نائلة
رضى الله عنها .
فلما قدم جرير بن عبد اللّه على علىّ- فيما حدثنى عمر بن شبّة، قال :
حدّثنا أبو الحسن ، عن عوانة - فأخبره خبر معاوية واجتماع أهل الشأم معه
على قتاله ، وأنّهم ييكون على عثمان، ويقولون: إنّ عليًّا قتله، وآوى
قَتَلَتّه، وإنّهم لا ينتهون عنه حتى يقتلهم أو يقتلوه. فقال الأشتر لعلى":
٣٢٥٦/١ قد كنت نهيتُك أن تبعث جريراً، وأخبرتُك بعداوته وغشّه، ولوكنتَ
بعثتّنى كان خيراً من هذا الذى أقام عنده حتى لم يَدَع بابًا يرجو فتحه
إلاّ فتحه، ولا بابًا يخاف منه إلاّ أغلقَه. فقال جرير: لو كنتَ ثمّ
لقتلوك؛ لقد ذكروا أنّك من قتلة عثمان رضى الله عنه، فقال الأشتر: لو
أتيتُهم واللِّ يا جرير لم يُعِينى جوابُهم، ولحملتُ معاوية على خُطّة أعجِله
فيها عن الفكر ، ولو أطاعنى فيك أميرُ المؤمنين لحبسَك وأشباهَك فى محبس
لا تخرجون منه حتى تستقيم هذه الأمور .
فخرج جرير بن عبد اللّه إلى قَرْقِيسياء ، وكتب إلى معاوية ، فكتب
إليه يأمره بالقدوم عليه . وخرج أميرُ المؤمنين فعسكر بالنُّخَيلة، وقدم عليه
عبدُ اللّه بنُ عباس بمن نهض معه من أهل البصرة .
(١) ابن الأثير: ((على القميص مدة)).

سنة ٣٦
٥٦٣
خروج على بن أبى طالب إلى صِفِّين
حد ثنی عبد الله بن أحمد المروزى" ، قال : حدثی أبى،عن سلیمان،
عن عبد الله، عن معاوية بن عبد الرحمن، عن أبى بكر الهُدَلىّ ، أن عليًّا
لما استخلف عبد الله بن عبّاس على البصرة سار منها إلى الكوفة ، فتهيَأً فيها
إلى صِفَّيْن ، فاستشار الناسَ فى ذلك ، فأشار عليه قوم أن يبعث الجنود
ويقيم ؛ وأشار آخرون بالمسير. فأبى إلاّ المباشرة ؛ فجهّز الناس . فبلغ
ذلك معاوية ، فدعا عمرو بن العاص فاستشاره. فقال: أمّا إذ بلغك أنه يسير ٣٢٥٧/١
فسِرْ بنفسك، ولا تغبْ عنه برأيك ومكيدتك. قال : أمّا إذاً يا أبا عبد الله
فجهّز الناس . فجاء عمرو فحضّض الناسَ، وضعَّف عليًّا وأصحابه ،
وقال : إنّ أهل العراق قد فَرَقوا جمعهم، وأوهّنُوا شوكتهم، وفلّوا حدّهم.
ثم إنّ أهل البصرة مخالفون لعلى"، قد وترهم وقتلهم ، وقد تفانت صناديدُهم
وَصناديدُ أهل الكوفة يومَ الجمل ، وإنما سار فى شرذمة قليلة، ومنهم من قد
قَتّل خليفتكم ؛ فاللّهَ اللّهَ فى حقكم أن تضيعوه ، وفى دمكم أن تُبطلوه!
وكتب فى أجناد أهل الشام ، وعقد لواءه لعمرو ، فعقد أوَرْدان غلامه
فيمن عقد، ولابنيه عبد الله ومحمد، وعقد علىّ لغلامه قَتْبَر ، ثم قال عمرو:
هل يُغْنِيَنْ وَرْدَانُ عَنِى قَنْبَرَا وُتُغْنِيَ السَّكُونُ عنّى حِْرَا
• إذا الكُمَاةُ لَبِسُوا السَّنَوَّرَا.
فبلغ ذلك عليًّا فقال :
سبعين ألفاً عاقدى النواصى
لأَصْبِحَنَّ العاصِىَ أَبنَ العاصِى
مُسْتَحْقِينَ حَلَقَ الدِّلاصِ (١)
مُجَنِّبِينَ الحيلَ بالقِلاصِ
فلما سمع ذلك معاوية قال: ما أرى ابن أبى طالب إلاّ قد وفىَ لك ؛
فجاء معاوية يتأنى فى مسيره . وكتب إلى كلّ من كان يرى أنه يخاف عليًّاً ٣٢٥٨/١
(١) الدلاص : الدروع .

٥٦٤
سنة ٣٦
أو طعن عليه ومَن أعظم دمَ عثمان واستعواهم إليه. فلما رأى ذلك الوليد بعث
إليه يقول :
فإِنَّكَ من أخى ثِقَةٍ مُلِمُ(١)
ألا أَبْلِغْ معاوية بنَ حرْبٍ
قَطَّمْتَ الدهْرَ كالسَّدِمِ المُعَنِى
تُهُدِّرُ فى دِمَشْقَ فَما تَرِيمُ(٢)
وإنّك والكتابَ إلى علىٍ
كدابِئَةٍ وقد حَلِمَ الأديمُ(٣)
يُنّكَ الإمارةَ كلُّ رَكْبٍ
لأنْاضِ العراقِ بها رَسيم
ولكنْ طالِبُ الثَّرَةِ الغَشْومُ
وليس أخو التَّرات بمن تَوَانَى
ولو كنتَ القتيلَ وكان حيًّاً
◌َرَّدَ؛ لا ألَفُّ ولا سَثُومُ (٤)
◌ُبِءَ بها، ولا ◌َرِمٌ جَثومُ(٥)
ولا نَكِلٌ عن الأوتارِ حتّى
وقومُكَ بالمدينة قد أبيروا (٦)
فُهُمْ صَرْعَى كأنهُمُ الهَشْيمُ
وقال غيرُ أبى بكر : فدعا معاوية شدّاد بنَ قيس كاتَبه وقال : ابغنى
طُوماراً، فأتاه بطُومار ، فأخذ القلم فكتب ، فقال : لا تتعجل ، اكتب :
ومُستْجِبٍ مِما يَرَى من أَناتِنَا ولوزَبَتْه الحربُ لم يتْرَمَرَ(٧)
ثم قال : اطوِ الطّمار ، فأرسل به إلى الوليد ، فلما فتحه لم يجد فيه غير
هذا البيت .
قال أبو بكر الهذلىّ : وكتب رجل من أهل العراق حيث سار علىّ بن
(١) المليم: من أتى من الأمر ما يلام عليه.
(٢) قال فى اللسان: ((السدم: الذى يرغب عن فحلته فيحال بينه وبين ألاّفة؛ ويقيد إذا
هاج فيرعى حوالى الدار ، وإن صال جعل له حجام يمنعه عن فتح فمه)) ، واستشهد بالبيت .
(٣) فى اللسان: ((قال الوليد بن عقبة بن أبى عقبة من أبيات يحض فيها معاوية على قتال على
عليه السلام ، ويقول له : أنت تسعى فى إصلاح أمر قد تم فساده كهذه المرأة التى تدبغ الأديم الحلم
الذى وقعت فيه الحلمة فتقبته وأفسدته فلا ينتفع به))، وأورد الأبيات برواية مخالفة. والحلمة : دودة
تقع فى الجلد فتأكله فإذا دبغ وهى موضع الأكل فبقى رقيقاً. (٤) اللسان: ((ولو كان القتيل)).
(٥) لم يرد فى رواية اللسان. (٦) اللسان: ((قد تردوا)). (٧) لم يترمرم: لم يتحرك.

سنة ٣٦
٥٦٥
أبى طالب إلى معاوية بيتين :
٣٢٥٩/١
أَبْلِغْ أميرَ المؤمنين أخا العراق إذا أَتَمْتَا
عُنُقٌ إليك فَهَيْتَ هَيْتًا
أنَّ العِراقَ وأهلَها
١
عاد الحديث إلى حديث عوانة . فبعث على زيادَ بن النّضر الحارثىّ
طليعةٌ فى ثمانية آلاف، وبعث معه شُريح بن هانئ فى أربعة آلاف ،
وخرج علىّ من النُّخَيَلة بمن معه، فلمّا دخل المدائنَ شَخصَ معه من
فيها من المقاتلة ، وولّ على المدائن سعدَ بن مسعود الثقفىّ عمّ المختار بن
أبى عُبيد، ووجّه علىّ من المدائن معقلَ بنَ قيس فى ثلاثة آلاف، وأمره
أن يأخذ على الموصل حتى يوافيته .
ما أمر به علىّ بن أبى طالب من عمل الجسر على الفرات
فلما انتهى علىّ إلى السرّقة قال فيا حُدَّثت عن هشام بن محمد ،
عن أبى مخنف ، قال : حدثنى الحجّاج بن علىّ، عن عبد الله بن عمار بن
عبد يغوث البارقيّ - لأهل الرّقة: اجسُرُوا لى جسْراً حتى أعبر من هذا المكان
إلى الشأم ، فأبوا. وقد كانوا ضمّوا إليهم السفن ، فنهض من عندهم ليعبر
من جسر مَنبج ، وخلّف عليهم الأشتر ، وذهب ليمضىَ بالناس كيما يعبر
بهم على جسر مَنْبِج، فناداهم الأشتر ، فقال : يا أهل هذا الحصن ، ألا
إنى أقسم لكم باللّه عزّ وجلّ ؛ لأن مضى أمير المؤمنين ولم تُجسّروا له عند مدينتكم
جِسْراً حتى يَعبُر لأجرّدنَ" فيكم السيف، ثم لأقتلنّ الرجال ولأُخرّبنّ
الأرض، ولآخذنّ الأموال . قال : فلقيَ بعضهم بعضًا، فقالوا : أليس
الأشتر يفى بما حلف عليه ، أو يأتى بشرٌ منه ؟ قالوا : نعم ، فبعثوا إليه :
إنّا ناصبون لكم جسراً ، فأقبلوا، وجاء على فنصبوا له الجسر ، فعبر عليه
بالأثقال والرجال . ثم أمر علىّ الأشترَ فوقف فى ثلاثة آلاف فارس ، حتى
٣٢٦٠/١

٥٦٦
سنة ٣٦
لم يبق من الناس أحد إلاّ عبر، ثم إنه عبر آخر الناس رجلا .
قال أبو مخنف: وحدثنى الحجّاج بن علىّ، عن عبد الله بن عمّار بن
عبد يغوث ، أنّ الخيل حين عبرت زَحمَ بعضُها بعضًا، فسقطت قَلَتْسُوَة
.عبد الله بن أبى الحصين الأزدىّ، فنزل فأخذها ثم ركب، وسقطتْ قلنسوةُ.
عبد الله بن الحجّاج الأزدى، فنزل فأخذها، ثم ركب، وقال لصاحبه :
فإن يكُ ظَنُّ الزاجرِى الَّيْرِ صادقً كما زعموا أُقْتَلْ وَشيكا وتُقْتُلُ
فقال له عبد الله بن أبى الحصين: ما شىء أُوتاه أحبّ إلىّ مما ذكرت؛
فقُتْلا جميعًا يومَ صِفّين .
قال أبو مخنف : فحدّثّنى خالد بن قطَن الحارثىّ، أنّ عليًّا لما قطع
الفرات دعا زياد بن النَّضْر، وشُريح بن هانئ، فسرّحهما أمامَه نحو
معاوية على حالهما التی کانا خرجا عليها من الكوفة . قال : وقد کانا حيث
سرّحهما من الكُوفة أخذًا على شاطئ الفرات من قِبَل البرّ مما يلى الكوفة
حتى بلغا عانات ، فبلغهما أخذُ علىّ على طريق الجزيرة ، وبلغهما أنّ
معاوية قد أقبل من دمشق فى جنود أهل الشأم لاستقبال علىّ ، فقالا:
لا والله ما هذا لنا برأى؛ أن نسير وبيننا وبين المسلمين وأمير المؤمنين هذا البحر!
وما لنا خير فى أن نلقى جنود أهل الشام بقلة من معنا منقطعين من العدد
والمدد. فذهبوا ليَعَبُرُوا من عانات، فمنَعَهم أهلُ عانات، وحبسوا عنهم
السُّفُن ، فأقبلوا راجعين حتى عبروا من هيت، ثم لحقوا عليًّاً بقرية دون
قَرْقِيسياء؛ وقد أرادوا أهلَ عانات، فتحصَّنوا وفرّوا، ولما لحقت المقدّمة
عليًّاً قال: مقدّمتى تأتينى من ورائى. متقدّم إليه زياد بن النَّضر الحارثىّ
وشريح بن هانئ؛ فأخبراه بالذى رأيًا حين بلغهما من الأمر ما بلغهما ،
فقال : سددتما . ثم مضى علىّ، فلما عبر الفرات قدّمهما أمامه نحوَ معاوية ،
فلما انتهیا إلى سور الرّوم لقيهما أبو الأعور السُّلمی عمرو بن سفيان فی جند
من أهل الشأم؛ فأرسلا إلى علىّ : إنّا قد لقينا أبا الأعور السُّلمی فی جند من
٣٢٦١/١

٥٦٧
سنة ٣٦
أهل الشأم، وقد دعوناهم فلم يُجبنا منهم أحد، فمرْنا بأمرك. فأرسل علىّ
إلى الأشتر؛ فقال: يا مالك، إنّ زياداً وشريحًا أرسلا إلىّ يعلمانى أنهما لقيا
أبا الأعور السلمىّ فى جمع من أهل الشأم ، وأنبأنى الرسول أنه تركهم متواقفين،
فالنَّجاء إلى أصحابك النّجاء ، فإذا قدمتَ عليهم فأنت عليهم. وإيّاك أن
تبدأ القوم بقتال إلاّ أن يبدءوك حتى تلقاهم فتدعوهم وتسمع، ولا يَجِرَ منّك
شنآنُهم على قتالهم قبل دعائهم ، والإعذار إليهم مرة بعد مرّة ، واجعل على
ميمنتك زياداً ، وعلى ميسرتك شُريحًا، وقف من أصحابك وسطًا ، ولا تدن
منهم دنوّ من يريد أن يُنشب الحرب ، ولا تتباعد منهم بُعد من يهاب البأس
حتى أقدم عليك ، فإنَّى حثيث السير فى أثرك إن شاء الله . قال: وكان الرّسول
الحارث بن جُمهان الجُعفىّ، فكتب على إلى زياد وشريح
٣٢٦٢/١
أمّا بعد ، فإنى قد أمرتُ عليكما مالكًا ، فاسمعا له وأطيعا ، فإنه ممن
لا يخاف رهقُهُ ولاسقاطُه ولا بطؤُه عمَّا الإسراع إليه أحزَم، ولا الإسراع
إلى ما الإبطاء عنه أمثَل ، وقد أمرْته بمثل الذى كنتُ أمرتكما به ألاّ يبدأ
القوم حتى يلقاهم فيدعوهم ويُعذرَ إليهم .
وخرج الأشتر حتى قدم على القوم ، فاتّبع ما أمره علىّ وكفّ عن القتال
فلم يزالوا متواقفين حتى إذا كان عند المساء حمل عليهم أبو الأعور السُّلَمِىّ ،
فثبتوا له ، واضطربوا ساعة . ثم إنّ أهل الشأم انصرفوا ، ثم خرج إليهم من
الغد هاشمُ بن عُتبة الزّهرىّ فى خيل ورجال حسن عَددها وعُدّها، وخرج
إليه أبو الأعور فاقتتلوا يومتَهم ذلك، تحميل الخيلُ على الخيل والرجالُ على
الرجال ، وصبر القوم بعضهم لبعض، ثم انصرفوا ، وحمل عليهم الأشتر،
فقُتل عبد الله بن المنذر التّنوخىّ، قتله يومئذ ظبيان بن عمّار التميمىّ، وما هو ٣٢٦٣/١
إلاّ فتّ حدث، وإن كان التنوخىّ لفارس أهل الشأم، وأخذ الأشتر يقول:
وَيْحتكم ! أرونى أبا الأعور .
ثم إن أبا الأعور دعا الناس ، فرجعوا نحوه ، فوقف من وراء المكان الذى
كان فيه أوّل مرّة ، وجاء الأشتر حتى صفّ أصحابه فى المكان الذى كان
فيه أبو الأعور، فقال الأشتر لسنان بن مالك النّخَعِىّ: انطلق إلى أبى الأعور

٥٦٨
سنة ٣٦
فادعه إلى المبارزة ، فقال : إلى مبارزتى أو مبارزتك ؟ فقال له الأشتر : لو
أمرتُك بمبارزته فعلتَ؟ قال : نعم ، والله لو أمرتتنى أن أعترض صفّهم بسيفى
ما رجعتُ أبداً حتى أضرب بسیفی فی صفهم ، قال له الأشتر : یابن أخى ،
أطال الله بقاءك! قد والله ازددتُ رغبةً فيك، لا أمرتك بمبارزته ، إنما أمرتُك
أن تدعوه إلى مبارزتى ؛ إنه لا يبرُز إن كان ذلك من شأنه إلاّ لذوى الأسنان
والكفاءة والشرف، وأنت- لربّك الحمد - من أهل الكفاءة والشرف، غير أنّك
فتّى حدَّث السنّ ، فليس بمبارز الأحداث ، ولكن ادعه إلى مبارزتى. فأتاه
فنادى : آمنونى فإنَّى رسول . فأومن ، فجاء حتى انتهى إلى أبى الأعور .
قال أبو مخنف : فحدّثنى النضر بن صالح أبو زهير العبسىّ ، قال:
جدّثنى سنان، قال: فدنوت منه فقلت: إنّ الأشتر يدعوك إلى مبارزته .
قال : فسكت عنى طويلا ثم قال: إنّ خفّة الأشتر وسوء رأيه هو حمله على
إجلاء عمّال ابن عفان رضى الله عنه من العراق ، وانتزاؤه عليه يقبّح محاسنه ،
٣٢٦٤/١ ومن خفّة الأشتر وسوء رأيه أن سار إلى ابن عفان رضى الله عنه فى داره وقراره
حتى قتله فيمن قتله، فأصبح متّبعًا بدمه ؛ ألا لا حاجة لى فى مبارزته .
قال : قلتُ : إنك قد تكلمت، فاسمع حتى أجيبك ، فقال : لا ، لاحاجة
لى فى الاستماع منك ولا فى جوابك ، اذهب عنى . فصاح بى أصحابه
فانصرفتُ عنه ، ولو سمع إلىَّ لأخبرته بعذر صاحبى وحجّتِه . فرجعت إلى
الأشتر ، فأخبرتُه أنه قد أبىَ المبارزة ، فقال: لنفسه نظر، فوَاقفناهم حتى
حجز الليلُ بيننا وبينهم ، وبتنا متحارِسين ، فلما أصبحنا نظرنا فإذا القوم
قد انصرفوا من تحت ليلتهم ، ويصبّحنا علىّ بن أبى طالب عُدوة . فقدم
الأشتر فيمن كان معه فى تلك المقدّمة حتى انتهى إلى معاوية ، فواقفه ، وجاء
علىٌّ فى أثره فلحق بالأشتر سريعاً ، فوقف وتواقفوا طويلا.
ثمّ إنّ عليًّا طلب موضعًا لعسكره، فلما وجده أمر الناسَ فوضعوا
الأثقال ، فلما فعلوا ذهب شبابُ الناس وغِلمَتُهم يستقون، فمنعهم أهلُ
الشأم . فاقتتل الناس على الماء ، وقد كان الأشتر قال له قبل ذلك : إنّ القوم
قد سبقوا إلى الشريعة وإلى سهولة الأرض وسعة المنزل ، فإن رأيتَ سرنا نجوزُهم

٥٦٩
سنة ٣٦
إلى القرية التى خرجوا منها ، فإنهم يشخصون فى أثرنا ، فاذا هم لحِقونا نزَلْنا
فكنّا نحن وهم على السواء، فكَرِهِ ذلك علىّ، وقال: ليس كلّ الناس يقْوَى
على المسير ، فنزل بهم .
القتال على الماء
قال أبو مخْنَف: وحدثنى تميم بن الحارث الأزدىّ ، عن جندب بن
عبد الله ، قال : إنّا لما انتهينا إلى معاوية وجدناه قد عسکر فی موضع سهل
أفْيَح(١) قد اختاره قبل قدومنا إلى جانب شريعة فى الفُرات ، ليس فى ذلك
الصَّقع شريعة غيرها ، وجعلها فى حيّزِهِ ، وبعث عليها أبا الأعور يمنعها
ويحميها ، فارتفْعنا على الفرات رجاءَ أن نجد شريعةً غيرَها نستغنى بها عن
شريعتهم فلم نجدها ، فأتينا عليًا فأخبرناه بعطش الناس ، وأنا لا نجد غير
شريعة القوم. قال : فقاتلوهم عليها. فجاءه الأشعث بن قيس الكندىّ
فقال : أنا أسير إليهم ، فقال له علىّ: فسر إليهم . فسار وسرنا معه ، حتى
إذا دنونا من الماء ثاروا فى وجوهنا ينضحوننا بالنَّبل ، ورشَقْناهم واللّه بالنّبل
ساعة، ثم اطَّعَنّا واللّه بالرماح طويلا، ثم صرنا آخر ذلك نحن والقوم إلى
السيوف، فاجتلَدْنا بها ساعة. ثم إنّ القوم أتاهم يزيد بن أسد البَجَلى مُمِدًّا
فى الخيل والرجال ، فأقبلوا نحونا ، فقلت فى نفسى : فأمير المؤمنين لا يبعث
إلينا بمن يغنى عنا هؤلاء ، فذهبتُ فالتفتّ فإذا عدّة القوم أو أكثر ، قد
سرّحهم الينا ليغنُوا عنّا يزيدَ بن أسد وأصحابه ، عليهم شَبَّث بن رِبْعِىّ
الرّياحىّ، فوالله ما ازداد القتال إلاّ شدّة. وخرج إلينا عمرو بن العاص من
عسكر معاوية فى جند كثير ، فأخذ يُمدّ أبا الأعور ويزيدَ بن أسد، وخرج
الأشتر من قبل علىّ فى جمع عظيم. فلمّا رأى الأشتر عمرو بن العاص
٣٢٦٥/١
(١) أفيح: فسيح .
معاسنة

٥٧٠
سنة ٣٦
يُمِدّ أبا الأعور ويزيد بن أسد، أمّد الأشعث بنقيس وَشَبث بن رِبِعِىّ،
فاشتدّ قتالنا وقتالهم، فما أنسى قولَ عبد الله بن عوف بن الأحمر الأزدىّ:
خَلُوا لنا ماءَ الفُراتِ الجارى أو أُثْبُتُوا ◌َحْفَلٍ جَرَّارٍ
٣٢٦٦/١
لكلِّ قَرْرِ مْتميتٍ شارِى مُطاعنٍ بِرُمْحِهِ كَرَّارٍ
. ضَرَّبٍ هاماتٍ العِدَآ مِغوارٍ.
قال أبو مخنف : وحدثنى رجل من آل خارجة بن التميمىّ أن ظبيان
ابن ◌ُمارة جعل يومئذ يقاتل وهو يقول :
فى ساكِنِ الأرْضِ بِغَيْرِ ماء
هل لك يا ظَبْيَانُ مِن بقاءٍ
فاضْرِبْ وجوهَ الغُدُرِ الأعْداء
لا وإلّهِ الأرضِ والسَّمَاء
حتّى يُجيبوك إلى السّواء
بالسَّيْفِ عند خَمَسِ الوغاء
قال ظَبْيان: فضر بناهم واللّه حتى خلّوْنا وإيّاه .
قال أبو مخنف: وحدثنى أبى يحيى بن سعيد، عن عمّه محمد بن مخْنَف،
قال : كنت مع أبى مخْنف بن سُليم يومئذ ، وأنا ابن سبع عشرة سنة، ولست
فى عطاء، فلما مُنع الناس الماءَ قال لى أبى: لا تبرحنّ الرّحْل، فلما رأيت
المسلمين يذهبون نحو الماء لم أصبر ، فأخذتُ سيفى ، وخرجتُ مع الناس
فقاتلت ، قال : وإذا أنا بغلام مملوك لبعض أهل العراق ومعه قربة ، فلما
رأى أهل الشأم قد أفرجوا عن الشريعة اشتدّ حتى ملأ قِرْبته، ثم أقبل، ويَشُدّ
٣٢٦٧/١ عليه رجل من أهل الشأم فيضربه فيصرعه، وسقطت القربة منه . قال :
وأشدّ على الشامىّ فأضربه فأصرَعه، واشتدّ أصحابُه فاستنقذوه، فسمعتُهم وهم
يقولون : لا نأمن عليك. ورجعتُ إلى المملوك فاحتملتُه، فإذا هو يكلّمنى
وبه جرح رَغيِب (١)، فما كان أسرع من أن جاءه مولاه، فذهب به، وأخذتُ قربته
وهى مملوءةٌ ، وآتى بها أبى مختفًا، فقال: من أين جئت بها؟ فقلت: اشتريتها .--
(١) رغيب ، أى واسع

٥٧١
سنة ٣٦
وكرهت أن أخبره الخبر، فيَجِدَ علىَّ - فقال: اسقِ القومَ، فسقيتُهم ، ثم
شرب آخرهم ، ونازعتْى نفسى واللّه إلى القتال ، فأنطلق فأتقدّم فيمن يقاتل ،
فقاتلناهم ساعة، ثم أشهدُ أنهمّ خلّوا لنا عن الماء، فما أمسينا حتى رأينا سُقاتنا
وسُقاتهم يزدحمون على الشريعة ، وما يؤذى إنسانٌ إنسانًا، فأقبلت راجعًا ،
فإذا أنا بمولَى صاحب القربة ، فقلت : هذه قِرْبتك عندنا ، فأرسل من
يأخذها ، أو أعلمنى مكانك حتى أبعث بها إليك ، فقال : رحمك الله !
عندنا ما نكتفى به ؛ فانْصرفت وذهب، فلما كان من الغد مرّ على أبى، فوقف
فسلّم عليه ، ورآنى إلى جَنْبتِه، فقال: ما هذا الفتى منك؟ قال : ابنى؛
قال: أراك اللّه فيه السرور، أنقذ اللّه عزّ وجلّ أمس غلامى به من القتل،
حدّثنى شباب الحىّ أنه كان أمس أشجعَ الناس، فنظر إلىّ أبى نظرةً عرفتُ
منها فى وجهه الغضب ، فسكتّ حتى إذا مضى الرجل قال : هذا ما تقدّمت
إليك فيه! فحلّفى ألاّ أخرج إلى قتال إلاّ بإذنه، فما شهدت من قتالهم إلاّ ذلك
اليوم حتى كان يوم من أيامهم .
قال أبو مخنف : وحد ٹی یونس بن أبى إسحاق السَّبیعیّ، عن مهران
مولى يزيد بن هانئ، قال: والله إنّ مولاى يزيد بن هانئ ليُقاتل على الماء ،
وإنّ القربة لفى يده ، فلما انكشف أهل الشأم انكشافةً عن الماء ، استدْرتُ
حتى أسقفى، وإنِّى فيما بين ذلك لأقاتل وأرامى .
قال أبو مخنف : وحدّثنى يوسف بن يزيد ، عن عبد الله بن عوف بن
الأحمر ، قال : لما قدمنا على معاوية وأهل الشام بصفّین، وجدناهم قد نزلوا
منزلا اختاروه مستويًا بساطا واسعًا ، أخذوا الشريعة ، فهى فى أيديهم ، وقد
صفّ أبو الأعور السُّلمىّ عليها الخيل والرجال، وقد قدّم المُرامية أمام من معه ،
وصفّ صفًّا معهم من الرماح والدّرَق، وعلى رءوسهم البَيْض ، وقد أجمعوا
على أن يمنعونا الماءَ ، ففزعنا إلى أمير المؤمنين، فخبّرناه بذلك ، فدعا صعصعة
ابن صُوحان فقال له : ائت معاوية وقل له: إنّا سِرْنا مسيرنا هذا إليكم، ونحن
نكرَه قتالكم قبل الإعذار إليكم ، وإنك قدّمت إلينا خيلَك ورجالك فقاتلتنا
قبل أن نقاتِلَك، وبدأتنَا بالقتال، ونحن من رأينا الكفّ عنك حتى ندعوك
٣٢٦٨/١

٥٧٢
سنة ٣٦
ونحتجّ عليك ، وهذه أخرى قد فعلتموها ، قد حُلّم بين الناس وبين الماء ،
والناس غير منتهين أو يشربوا، فابعث إلى أصحابك فليخلّوا بين الناس وبين
الماء ، ويكفّوا حتى ننظر فيما بيننا وبينكم، وفيما قد منا له وقدمتم له ، وإن كان
أعجبَ إليك أن نترك ما جئنا له ، ونترك الناس يقتتلون على الماء حتى يكون
الغالب هو الشارب . فعلْنا . فقال معاوية لأصحابه : ما ترون؟ فقال الوليد
ابن عقبة : امنعهم الماء كما منعوه عثمان بن عفّان رضى الله عنه، حصروه
٣٢٦٩/١ أربعين صباحاً يمنعونه بَرْدَ الماء، ولينَ الطعام، اقتُلهم عطشًا، قَتلتَهم
اللّه عطشًا! فقال له عمرو بن العاص : خلِّ بينهم وبين الماء ، فإنّالقوم
لن يَعَطَشوا وأنت ريان؛ ولكن بغير الماء، فانظر ما(١) بينك وبينهم(٢).
فأعاد الوليد بن عقبة مقالته ؛ وقال عبد الله بن أبى سَرْحٍ: امنعهم المَاء إلى
الليل، فإنهم إن لم يقدروا عليه رجعوا ، ولو قد رجعوا كان رجوعهُم فَلاً، امنعهم
الماء منعهم الله يوم القيامة! فقال صعصعة: إنما يمنعه الله عزّ وجلّ يوم
القيامة الكفرة الفَسقة وشربة الخمر؛ ضَرْبك وضَرْب هذا الفاسقَ- يعنى
الوليد بن عقبة - قال : فتواثبوا إليه يشتمونه ويتهدّدونه ، فقال معاوية:
كُفوّا عن الرجل فإنه رسول .
قال أبو مخنف : وحدثنى يوسف بن يزيد ، عن عبد الله بن عوف بن
الأحمر ، أن صعصعة رجع إلينا فحدّثنا عمّا قال لمعاوية ، وما كان منه
وما ردّ، فقلنا: فما رد عليك ؟ فقال: لما أردت الانصرافَ من عنده قلت :
ما ترد علىَّ؟ قال معاوية: سيأتيكم رأيى؛ فوالله ما راعنا إلا تسرّيتُه الخيل إلى
أبى الأعور ليكفّهم عن الماء . قال: فأبرَزَنا علىّ إليهم ، فارتمينا ثم
اطَّعَنَّاً ، ثم اضطربنا بالسيوف ، فنُصِيرنا عليهم، فصار الماء فى أيدينا ، فقلنا
لا والله لا نسقيهُموه، فأرسل إلينا علىّ: أن خذوا من الماء حاجتكم ، وارجعوا
إلى عسكركم، وخَلّوا عنهم؛ فإنّ اللّه عزّ وجل" قد نصركم عليهم بظلمهم
وبغیهم .
(١) ابن الأثير ((فيما)).
(٢) ابن الأثير: ((وبين الله)).

سنة ٣٦
٥٧٣
دعاء علىّ معاوية إلى الطاعة والجماعة
٣٢٧٠/١
قال أبو مخنف : حدّثّنى عبد الملك بن أبى حرّة الحنفىّ، أنّ عليًا قال:
هذا يومٌ نُصِرتم فيه بالحميّة، وجاء الناس حتى أتوا عسكرهم، فمكث علىّ
يومين لا يُرسل إلى معاوية أحداً، ولا يرسل إليه معاوية . ثم إن عليًّا دعا
بشير بن عمرو بن محْصَّن الأنصارىّ، وسعيد بن قيس الهمدانىّ، وشَبَث بن
ربعىّ التميمىّ، فقال: اثتوا هذا الرّجل فادعوه إلى الله وإلى الطاعة
والجماعة ، فقال له شَبَث بن رِبعىّ: يا أمير المؤمنين ، ألا تُطمعه فى ساطان
تولّه إياه، ومنزلة يكون له بها أثرة عندك إن هو بايعك ؟ فقال علىّ: انتوه
فالقوه واحتجُوا عليه، وانظروا ما رأيُه - وهذا فى أول ذى الحجة - فأتَوْه،
ودخلوا عليه، فحمد الله وأثنى عليه أبو عمرة بشير بن عمرو، وقال: يا معاوية،
إنّ الدنيا عنك زائلة، وإنك راجع إلى الآخرة، وإنّ اللّه عزّ وجلّ محاسبك
بعملك، وجازيك بما قدّمتْ يداك، وإنى أنشُدك الله عزّ وجلّ أن تفرّق
جماعةَ هذه الأمة ، وأن تتَسفك دماءها بينها ! فقطع عليه الكلام ، وقال :
هلاّ أوصيت بذلك صاحبك؟ فقال أبو عَمرة: إنّ صاحبى ليس مثلك ،
صاحبى أحقّ البريّة كلّها بهذا الأمرفى الفضل والدّين والسابقة فى الإسلام،
والقرابةِ من الرسول صلى الله عليه وسلم. قال : فيقول ماذا ؟ قال :
يأمرك بتقوى الله عزّ وجلّ، وإجابة ابن عمك إلى ما يدعوك إليه من الحقّ ،
فإنّه أسلم لك فى دنياك، وخيرٌ لك فى عاقبة أمرك. قال معاوية: ونُطلّ (١)
دمَ عثمان رضى الله عنه! لا والله لا أفعل ذلك أبداً . فذهب سعيد بن قيس
يتكلَّم، فبادره شَبث بن رِبْعىّ، فتكلّم فحمد الله وأثنى عليه، وقال: يا معاوية،
إنى قد فهمت ما رددت على ابن محصّن، إنه والله لا يخفى علينا ما تغزو وما
تطلب ؛ إنك لم تجد شيئًا تَستغوى به الناس وتستميل به أهواءهم، وتستخلص
به طاعتهم ، إلاّ قولك: ((قتل إمامكم مظلومًا، فنحن نطلب بدمه ))، فاستجاب
٣٢٧١/١
(١) ابن الأثير والنويرى: ((ونترك)).

٥٧٤
سنة ٣٦
له سفهاء طَغام ، وقد علمنا أن قد أبطأتَ عنه بالنصر، وأحببتَ له القتل،
لهذه المنزلة التى أصبحت تطلب، ورُبّ متمنَّى أمر وطالبِهِ، اللّهُ عزّ وجلّ
يحول دونتَه بقدرته ، وربما أوقى المتمنّى أمنيّتَّه وفوق أمنيّته، وواللّه مَالَّك فى
واحدة منهما خير ، لئن أخطأتَ ما ترجو إنك لشرّ العرب حالا فى ذلك ،
ولئن أصبتِ ما تَمَنّى لاتصيبه حتى تستحقّ من ربِّك صُلِىَّ النار، فاتّق الله
يا معاوية ، ودع ما أنت عليه ، ولا تنازع الأمر أهله .
فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: أما بعد ، فان أوّل ما عرفت فيه(١)
سَفتَهَك وخفّة حلمك، قطعُك على هذا الحسيب الشريف سيّد قومه منطقه،
ثم عنيت بعد فيما لا علم لك به، فقد كذبتَ ، ولَؤُمتَ أيها الأعرابى الجِلْف
٣٢٧٢/١ الجافی فی كلّ ما ذكرت ووصفت . انصرفوا من عندى ، فإنه ليس بینی
وبينكم إلاّ السيف . وغضب ، وخرج القوم وشَبث يقول : أفَعليْنا تهوّل
بالسيف! أقسم بالله ليُعجكنّ(٢) بها إليك. فأتوا عليًّا وأخبروه بالذى كان
من قوله ، وذلك فى ذى الحجة ، فأخذ علىّ يأمر الرجل ذا الشرف ، فيخرج
معه جماعة، ويخرج إليه من أصحاب معاوية آخر معه جماعة ، فيقتتلان
فى خيلهما ورجالهما ثم ينصرفان ، وأخذوا يكرهون أن يلقوا يجمع أهل
العراق أهل الشأم لما يتخوّفون أن يكون فى ذلك من الاستئصال والهلاك ،
فكان علىّ يخرج مرّة الأشتر، ومرّة حُجْر بن عدىّ الكندىّ، ومرّة
شَبَّثَ بن رِبْعِىّ، ومرّة خالد بن المعمّر، ومرّة زياد بن النضر الحارثىّ، ومرّة
زياد بن خَصفة التيمىّ، ومرّة سعيد بن قيس، ومرّة معقلبن قیس الرّیاحیّ،
ومرّة قيس بن سعد. وكان أكثر القوم خروجًا إليهم الأشتر ، وكان معاوية
يُخرج إليهم عبد الرحمن بن خالد المخزومى، وأبا الأعور السُّلمىّ، ومرّة حبيب
ابن مسلمة الفهرىّ، ومرّة ابن ذى الكلاع الحميرىّ، ومرة عبيد الله بن عمر
ابن الخطّاب، ومرّة شرحبيل بن السَّمْط الكندىّ، ومرّة حمزة بن مالك
الهمدانىّ، فاقتلوا من ذى الحجة كلها ، وربما اقتتلوا فى اليوم الواحد مرّتين
أوله وآخره .
(١) ابن الأثير والنويرى: ((به)).
(٢) ابن الأثير والنويرى: ((لنجعلها)).

٥٧٥
طبنة ٣٦
٣٢٧٣/١
قال أبو مخنف : حدّثنى عبد الله بن عاصم (١) الفائشىّ، قال: حدّثنى
رجل من قومى أنّ الأشتر خرج يومًا يقاتل بصفِّين فى رجال من القرّاء ، ورجال .
من فُرسان العرب، فاشتدّ قتالهم ، فخرج علينا رجل واللّهِ لَقَلَّما رأيتُ رجلا
قطّ هو أطول ولا أعظم منه. فدعا إلى المبارزة ، فلم يخرج إليه أحد إلاّ.
الأشتر ، فاختلفا ضربتين، فضربه الأشتر، فقتله ، وإيمُ اللّه لقد كنا أشفقْنا
عليه ، وسألناه ألا يخرج إليه ، فلما قتله الأشتر نادى مناد من أصحابه :
يَا سَهْمُ سَهْمَ ابن أبى العَيْزَارِ يَا خَيْرَ مَنْ نَعْلَمُهُ من زارٍ
وزارة: حىٌّ من الأزد، وقال: أقسم بالله لأقتلنّ" قاتلَك أو ليقتلنّى ،
فخرج فحمل على الأشتر ، وعطف علیه الأشتر فضربه ، فإذا هو بین یدی
فرسه ، وحمل عليه أصحابُه فاستنقذوه جريحًا ، فقال أبو رُفَيْقة الفهمىّ:
هذا كان ناراً ، فصادف إعصاراً ، واقتتل الناس ذا الحجّة كلّه ، فلما
انقضى ذو الحجّة تداعى الناس إلى أن يكفّ بعضهم عن بعضٍ المحرّم، لعل
اللّه أن يُجرى صلحاً أو اجتماعًا، فكفّ بعضُهم عن بعض .
(١) ط: ((عامر))، والصواب ما أثبته.

٥٧٦
سنة ٣٦
وحجّ بالناس فى هذه السنة عبدُ الله بن العباس بن عبد المطلب بأمر على
إيّاه بذلك، كذلك حدّثنى أحمد بن ثابت الرازىّ ، عمّن ذكره ، عن إسحاق
ابن عيسى ، عن أبى معشر .
٠
وفى هذه السنة مات قُدَامة بن مظعون ، فيما زعم الواقدىّ .
٣٢٧٤/١
تم الجزء الرابع من تاريخ الطبرى
ويليه الجزء الخامس وأوله : ذكر حوادث سنة سبع وثلاثين

فهرس الموضوعات
السنة السادسة عشرة
ذ کر بقية خبر دخول المسلمین مدينة بهرسیر
٥ - ٨
: ٨ - ١٦
حديث المدائن القصوى التى كان فيها منزل كسرى .
١٦ - ٢٠
ذكر ما جمع من فىء أهل المدائن
٢٠ - ٢٤
ذكر صفة قسم الفىء الذى أصيب بالمدائن بين أهله
ذكر الخبر عن وقعة جلولاء الوقيعة
٢٤ - ٣٥
ذكر فتح تكريت .
٣٥ - ٣٧
ذ کر فتح ما سبذان
٣٧
ذ کر وقعة قرقیسیاء
٣٧ - ٣٨
٣٨ - ٣٩
أخبار متفرقة .
٠٠٠
السنة السابعة عشرة
ذكر سبب تحوّل من تحوّل من المسلمين من المدائن إلى الكوفة
وسبب اختطاطهم الكوفة
٤٠ - ٤٨
٤٩
إعادة تعريف الناس
٤٩ - ٥٠
فتوح المدائن قبل الكوفة
٥٠ _ ٥٢
ذكر خبر حمص حين قصد من فيها من المسلمين صاحب الروم
ذكر فتح الجزيرة
٥٣ _ ٥٦
خروج عمربن الخطاب إلى الشام .
٥٦ - ٦٠
ذ کر خبر عزل خالد بن الوليد
٦٦ - ٦٨
٦٨ - ٦٩
ذكر تجديد المسجد الحرام والتوسعة فيه
٦٩ - ٧٢
ذكر خبر عزل المغيرة عن البطرة وولاية أبى موسى
٧٢ - ٧٧
فتحسوق الأهواز ومناذر ونهر تیری .
٧٧ - ٧٩
فتح تستر
٧٩ - ٨٣
غزو المسلمين فارس من قبل البحرين .
٥٧٧
٦٠ - ٦٦
خبر طاعون عمواس

٥٧٨
فتح رامهرمز وتستر
فتح السوس
ذكر مصالحة أهل جندى سابور .
أخبار متفرقة .
٨٣ - ٨٩
٨٩ - ٩٣
٩٣ - ٩٤
٩٤ - ٩٥
السنة الثامنة عشرة
. ٩٦ - ١٠١
ذكر الأحداث التى كانت فى سنة ثمان عشرة
ذكر القحط وعام الرمادة
. ٩٦ - ١٠١
السنة التاسعة عشرة
ذ کر الأحداث التى كانت فى هذه السنة
١٠٢، ١٠٣
السنة العشرون
١٠٤- ١١٢
ذكر الخبر عن فتح مصر والإسكندرية .
أخبار متفرقة .
١١٢، ١١٣
٠
السنة الحادية والعشرون
١١٤- ١٣٩
ذ کر الخبر عن وقعة المسلمین والفرس بنهاوند
ذ کر الخبر عن أصبهان
أخبار متفرقة .
١٣٩ - ١٤٣
١٤٤ - ١٤٥
السنة الثانية والعشرون
ذكر فتح همذان
فتح الرى
١٤٦ - ١٥٠
فتح قومس
١٥٠، ١٥١
فتح جرجان .
١٥٣
فتح أذر بيجان
١٥٢ - ١٥٣
فتح طبرستان
١٥١، ١٥٢
١٥٣ - ١٥٥

٥٧٩
فتح الباب
أخبار متفرقة .
١٥٥ - ١٦٠
١٦٠
ذكر تعديل الفتوح بين أهل الكوفة والبصرة
١٦٠ - ١٦٣
.
ذكر عزل عمّار عن الكوفة
١٦٣ - ١٦٦
ذكر مصير يزدجرد إلى خراسان وما كان السبب فى ذلك
١٦٦ - ١٧٣
السنة الثالثة والعشرون
ذكر الخبر عن فتح توّج .
٠
١٧٣ - ١٧٥
فتح إصطخر .
ذكر فتح فسا ودارابجرد
٠
١٨٠ - ١٨١
ذكر فتح سجستان .
فتحمكران .
٠
١٨١ - ١٨٣
خبر بير وذ من الأهواز
١٨٦ - ١٩٠
ذكر خبر سلمة بن قيس الأشجعى والأكراد
ذكر الخبر عن وفاة عمر رضى الله عنه .
١٩٠ - ١٩٤
١٩٥
ذکر مولده ومبلغ عمره
ذ کر أسماء ولده ونسائه
١٩٨ - ٢٠٠
٢٠٠
ذ کر وقت إسلامه
..
ذ کر بعض سیره
٢٠٠ - ٢٠٨
تسمية عمر رضى الله عنه أمير المؤمنين
٢٠٨ - ٢٠٩
٢٠٩
وضعه التاريخ .
٠
حمله الدرة وتدوينه الدواوين
٢٠٩ - ٢١٤
ذكر بعض خطبه رضى الله عنه .
٢١٤ - ٢١٨
٢١٨ - ٢١٩
من ندب عمر ورثاه - ذكر بعض ما رئى به .
٢١٠ -٢٢٧
شىء من سيره مما لم يمض ذكره .
قصة الشورى
٢٢٧ - ٢٤١
٢٤١
٠
عمّال عمر رضى الله عنه على الأمصار .
٠
١٩٥- ١٩٦
١٩٦
ذ کر صفته
١٩٧ - ١٩٨
ذكر نسب عمر رضى الله عنه
١٨٣ - ١٨٦
تسميته بالفاروق
١٨٠
ذ کر فتحکرمان
١٧٥ - ١٧٧
١٧٨ - ١٧٩

٥٨٠
السنة الرابعة والعشرون
٢٤٢ - ٢٤٣
ذكرما كان فيها من الأحداث المشهورة
خطبة عثمان وقتل عبيد الله بن عمر الهرمزان
ولاية سعد بن أبى وقاص الكوفة .
٢٤٤
٢٤٣ - ٢٤٤
٢٤٤ - ٢٤٦
کتب عثمان رضى الله عنه إلىعماله وولاته والعامة
٠
غزو آذربيجان وأرمينية
.
.
٢٤٦ - ٢٤٧
٢٤٧ - ٢٤٩
إجلاب الروم على المسلمين واستمداد المسلمين من بالكوفة
٠
٠
السنة الخامسة والعشرون
ذكر الأحداث المشهورة التى كانت فيها .
٢٥٠
أخبار متفرّقة .
٢٥٠
السنة السادسة والعشرون
ذكر ما كان فيها من الأحداث المشهورة
٢٥١
أخبار متفرقة .
٢٥١
٢٥١ - ٢٥٢
ذكر سبب عزل عثمان عن الكوفة سعدًا واستعماله عليها الوليد .
٠
السنة السابعة والعشرون
٢٥٣ - ٢٥٧
ذكر الأحداث المشهورة التى كانت فيها
٠٠٠
السنة الثامنة والعشرون
٢٥٨ - ٢٦٣
ذكر الخبر عما كان فيها من الأحداث المشهورة
٠
السنة التاسعة والعشرون
ذكرما كان فيها من الأحداث المشهورة
٢٦٤
٢٦٤ - ٢٦٧
ذكر الخبر عن سبب عزل عثمان أبا موسى عن البصرة
أخبار متفرقة
.
٢٦٧ - ٢٦٨