النص المفهرس
صفحات 541-560
٥٤١ سنة ٣٦ بيعة أهل البصرة عليًّا وقسمُه ما فى بيت المال عليهم كتب إلىّ السرىّ، عن شعيب، عن سيف ، عن محمد وطلحة ، قالا: بايع الأحنف من العشىّ لأنه كان خارجًا هو وبنو سعد ، ثم دخلوا جميعاً البصرة ، فبايع أهل البصرة على راياتهم ، وبايع على أهل البصرة حتى الجرحى والمستأمنة، فلما رجع مروان لحق بمعاوية. وقال قائلون: لم يبرح المدينة حتى فرغ ٣٢٢٧/١ من صفين قالا : ولما فرغ علىّ من بيعة أهل البصرة نظر فى بيت المال فإذا فيه ستمائة ألف وزيادة، فقسمها على من شهد معه [الوقعة] ، فأصاب كلّ رجل منهم خمسمائة خمسمائة، وقال: لكم إن أظفركم الله عزّ وجلّ بالشأم مثلُها إلى أعطياتكم . وخاض فى ذلك السبئية، وطعنوا على علىّ من وراء وراء . سيرة علىّ فیمن قاتل يوم الجمل كتب إلىّ السرىّ ، عن شعيب ، عن سيف ، عن محمد بن راشد ، عن أبيه، قال: كان من سيرة علىّ ألاّ يَقتل مدبراً ولا يذفِّف(١) على جريح ، ولا يكشف ستراً ، ولا يأخذ مالا ؛ فقال قوم يومئذ: ما يُحلّ لنا دماءهم، وُيُحرّم علينا أموالهم؟ فقال علىّ: القومُ أمثالكم، من صفح عنّا فهو منّا، ونحن منه ، ومن لجَّ حتى يصاب فقتاله منى على الصّدر والنّحر، وإنّ لكم فى خُمْسِهِ لغنّى، فيومئذ تكلّمت الخوارج . * بعثة الأشتر إلى عائشة بجمل اشتراه لها وخروجها من البصرة إلى مكّة حدّثنا أبو كريب محمد بن العلاء ، قال : حدثنا يحيى بن آدم ، عن أبى بكر بن عيّاش ، عن عاصم بن كُليب، عن أبيه، قال: لما فرغوا يوم (١) لا يذفف : لا يجهز ٥٤٢ سنة ٣٦ الجمل أمرنى الأشتر فانطلقت فاشتريتُ له جملا بسبعمائة درهم من رجل من مَهْرة، فقال : انطلق به إلى عائشة فقل لها : بعث به إليك الأشتر مالكُ ٣٢٢٨/١ ابن الحارث، وقال: هذا عِوَض من بعيرك، فانطلقْت به إليها ، فقلت : مالكٌ يقرئك السلام ويقول: إنّ هذا البعير مكان بعيرك ؛ قالت : لاسَلّمْ الله عليه؛ إذ قتل يعسوبَ العرب - تَعنى ابن طلحة - وصنع بابن أختى ما صنع ! قال : فرددته إلى الأشتر ، وأعلمتُه، قال : فأخرَج ذراعين شعراوين ؛ وقال : أرادوا قتلى فما أصنع ! كتب إلىّ السرىّ ، عن شعيب ، عن سيف ، عن محمد وطلحة ، قالا : قصدتْ عائشة مكة فكان وجهها من البصرة ، وانصرف مروان والأسوّد بن أبى البَخْتَرىّ إلى المدينة من الطريق، وأقامت عائشة بمكّة إلى الحجّ، ثم رجعت إلى المدينة . # ما كتب به علىّ بن أبى طالب من الفتح إلى عامله بالكوفة كتب إلىّ السرىّ، عن شعيب ، عن سيف ، عن محمد وطلحة ، قالا : وكتب علىّ بالفتح إلى عامله بالكوفة حين كتب فى أمرها وهو يومئذ بمكة: من عبد اللّه علىّ أمير المؤمنين . أمّا بعد ، فإنا التقينا فى النصف من جمادى الآخرة بالْحُرّيبة - فِناءٌ من أفنية البصرة - فأعطاهم الله عزّ وجلْ سُنّة المسلمين، وقُتل منّا ومنهم قتلى كثيرة، وأصيب ممّن أصيب منا ثُمامة بن المثنّى، وهند بن عمرو، وعِلباء بن الهيثم ، وسَيْحَان وزيد ابنا صُوحان ، ومحدوج . وكتب عبيد(١) اللّه بن رافع. وكان الرسول زُفَر بن قيس إلى الكوفة بالبشارة فى جمادى الآخرة . (١) ط: ((عبد الله))؛ والصواب ما أثبته. ٥٤٣ سنة ٣٦ ٣٢٢٩/١ أخذ علىّ البيعة على الناس وخبر زياد بن أبى سفيان وعبد الرحمن بن أبى بكرة وكان فى البيعة: عليك عهدُ اللّه وميثاقُه بالوَفاء لتكونن" لسِلْمِنا سِلْما، ولحربنا حربًا ، ولتكفّنّ عنّا لسانك ويدك . وكان زياد بن أبى سفيان ممن اعتزل ولم یشهد المعركة، قعد. و کان فیبیت نافع بن الحارث، وجاء عبدالرحمن ابن أبى بكثرة فى المستأمنين مسلمًا بعد ما فرغ علىّ من البيعة، فقال له على: وعمُّك المتربصَ المقاعد بى! فقال: والله يا أمير المؤمنين، إنه لك لوَادّ ، وإنه على مسرّتك لحريص ، ولكنه بلغنى أنه يشتكى، فأعلم لك علمه ثم آتيك . وكتم عليًّا مكانه حتى استأمره ، فأمره أن يعلمه فأعلمه ، فقال علىّ : امشٍ أمامى فاهدنى إليه ، ففعل؛ فلما دخل عليه قال : تقاعدتَ عنىّ، وتربّصْت - ووضع يده على صدره ، وقال : هذا وجع بین - فاعتذر إليه زياد ، فقبل عذره واستشاره. وأراده علىّ على البصرة، فقال: رجل من أهل بيتك يسكن إليه الناس ؛ فإنه أجدر أن يطمئنّوا أو ينقادوا ، وسأكفيكه وأشيرُ عليه . فافترقا على ابن عباس ، ورجع علىّ إلى منزله . تأمير ابن عبّاس على البصرة وتولية زياد الخراج وأمَّرابنَ عَّاس على البصرة، وولّ زياداً الخراج وبيت المال، وأمرابن ٣٢٣٠/١ عباس أن يسمع منه، فكان ابن عباس يقول : استشرته عند هنّة كانت من الناس، فقال: إن كنتَ تعلم أنك على الحقّ، وأنّ مَنْ خالفك على الباطل، أشرتُ عليك بما ينبغى ، وإن كنتَ لا تدرى، أشرتُ عليك بما ينبغى كذلك. فقلت: إنّى على الحقّ ، وإنهم على الباطل ، فقال : اضرب بمن أطاعك مَنْ عصاك ومن ترك أمرك، فإن كان أعزّ للإسلام وأصلح له أن يُضرب عنُقُه فاضرب عنقه . فاستكتبتُهُ ، فلما ولى رأيتُ ما صنع ، وعلمتُ أنه قد اجتهد لى رأيه، وأعجلت السَّبَئيّةُ عليًّا عن المقام ، وارتحلوا بغير إذنه، ٥٤٤ سنة ٣٦ فارتحل فى آثارهم ليقطع عليهم أمراً إن كانوا أرادوه ، وقد كان له فيها مقام . كتب إلىّ السرىّ، عن شعيب ، عن سيف، عن محمد وطلحة ، قالا : علم أهلُ المدينة بيوم الجمل يومَ الخميس قبل أن تغرب الشمس من نَسْر مرّ بما حول المدينة ، معه شىء متعلّقه، فتأمّله الناس فوقع، فإذا كفُّ فيها خاتم، نقشه ((عبد الرحمن بن عتّاب))، وجفل مَن بين مكة والمدينة من أهل البصرة، مَنْ قرُب من البصرة أو بعُد، وقد علموا بالوقعة مما ينقل إليهم النُّسور من الأيدى والأقدام . ٠ # تجهيز علىّ عليه السلام عائشة رضى الله عنها من البصرة كتب إلىّ السرىّ، عن شعيب ، عن سيف ، عن محمد وطلحة ، قالا : وجهّز علىّ عائشة بكلّ شيء ينبغى لها من مركَب أوزاد أو متاع، وأخرج معها كلَّ مَن نجا تمن خرج معها إلاّ من أحبّ المقام، واختار لها أربعين امرأةً من نساء أهل البصرة المعروفات، وقال : تجهّزيا محمّد، فبلِّغْها ، فلما كان اليوم الذى ترتحل فيه ، جاءها حتى وقف لها ، وحضر الناس ، فخرجتْ على الناس وودّعوها وودّعتهم، وقالت: يا بنىّ، تَعتَّب بعضُنا على بعض استبطاءٌ واستزادة، فلا يعتدّنّ أحدٌ منكم على أحد بشىء بلغه من ذلك؛ إنه والله ما كان بينى وبين علىّ فى القديم إلاّ ما يكون بين المرأة وأحمائها؛ وإنه عندى على معتبنى من الأخيار. وقال علىّ: يأيها الناس، صدقتْ واللّه وبَرّت، ما كان بينى وبينها إلاّ ذلك، وإنها لزوجة نبيكم صلى اللّه عليه وسلم فى الدنيا والآخرة . وخرجت يوم السبت لغرّة رجب سنة ست وثلاثين، وشيّعها على أميالا ، وسرّح بنيه معها يومًا . ٣٢٣١/١ ٥٤٥ سنة ٣٦ ما رُوى من كثرة القتلى يوم الجمل حدّثّنى عمر بن شبّة ، قال : حدّثنا أبو الحسن ، قال : حدّثنا محمد ابن الفضل بن عطيّة الْخُراسانىّ، عن سعيد القُطَعِىّ، قال: كنا نتحدّث أنّ قتلى الجمل يزيدون على ستّة آلاف . حدثنى عبدُالله بن أحمد بن شبّوَيْه، قال: حدثنى أبى، قال: ٣٢٣٢/١ حدثنا سليمان بن صالح ، قال : حدّثنى عبد اللّه ، عن جرير بن حازم ، قال : حدّى الزبير بن الخِرّيت ، عن أبى لبيد لمازة بن زياد ، قال : قلت له : لمَ تسبّ عليًّا ؟ قال : ألا أسبّ رجلا قتل منا ألفين وخمسمائة ، والشمس ها هنا ! قال جرير بن حازم : وسمعتُ ابن أبى يعقوب يقول: قَتَّل علىّ بن أبى طالب يومَ الجمل ألفين وخمسمائة؛ ألف وثلاثمائة وخمسون من الأزْد وثمانمائة من بنى ضبّة ، وثلثمائة وخمسون من سائر الناس . وحدثنى أبى ، عن سليمان ، عن عبد اللّه، عن جَرِير، قال: قتِل المعرِّض بن عِلاط يوم الجمل ، فقال أخوه الحجاج : لم أر يَوْماً كان أكثرَ ساعِيّاً بِكفَ شِمالِ فارقتْها يمينُها قال معاذ : وحدّثنى عبد الله، قال : قال جرير : قتل المعرِّض بن علاط يوم الجمل ، فقال أخوه الحجّاج : لم أرَ يوماً كان أكثرَ ساعِياً بِكِفَ شِمالٍ فارَقَتْها ◌َِينُها ما قال عَّار بن ياسر لعائشة حين فرغ من الجمل حدّثّنى عبد الله بن أحمد ، قال : حدثنى أبى ، عن سليمان ، قال : حدّثنى عبد الله ، عن جرير بن حازم ، قال : سمعت أبا يزيد المدينىّ يقول : قال عمّار بن ياسر لعائشة - رضى الله عنها - حين فرغ القوم: يا أمّ المؤمنين، ٣٢٣٣/١ ما أبعد هذا المسير من العهد الذى عُهد إليك! قالت : أبو اليَقظان! قال : ٥٤٦ سنة ٣٦ نعم، قالت: والله إنّك - ما علمتُ - قوّال بالحق؛ قال: الحمد لله الذى قضى لِى على لسانك . .. . آخر حدیث الجمل بعثة علىّ بن أبى طالب قيس بن سعد بن عبادة أميرًا على مصر وفى هذه السنة - أعنى سنة ست وثلاثين - قُتل محمد بن أبى حذيفة، وكان سبب قتله أنه لما خرج المصريّون إلى عثمان مع محمد بن أبى بكر ، أقام بمصر، وأخرج عنها عبد الله بن سعد بن أبى سَرْح ، وضبطها ، فلم يزل بها مقيماً حتى قتل عثمان رضى الله عنه، وبويع لعلىّ، وأظهر معاوية الخلاف، وبايعه على ذلك عمرو بن العاص ، فسار معاوية وعمرو إلى محمد بن أبى حُذيفة قبل قدوم قيس بن سعد مصر، فعالجا دخولَ مصر ، فلم يقدرا على ذلك ، فلم يزالا يخدعان محمد بن أبى حذيفة حتى خرج إلى عَرِيش مصر فى ألف رجل ، فتحصّن بها ، وجاءه عمرو فنصب المنجنيق عليه حتى نزل فى ثلاثين من أصحابه وأخذوا وقُتلوا رحمهم الله . وأما هشام بن محمد فإنه ذكر أن أبا مخنف لوط بن يحيى بن سعيد ابن مخنف بن سُليم ، حدّثه عن محمد بن يوسف الأنصارىّ من بنى ٣٢٣٤/١ الحارث بن الخزرج، عن عبّاس بن سهل الساعدىّ أنّ محمد بن أبى حُذيفة بن عتبة بن ربيعة بن عبد شمس بن عبد مناف هو الذىكان سرّب المصريّين إلى عثمان بن عفان ، وإنهم لما ساروا إلى عثمان فحصروه وثب هو بمصر على عبد الله بن سعد بن أبى سَرْح أحد بنى عامر بن لؤىّ القرشىّ، وهو عامل عثمانَ يومئذ على مصر ، فطرده منها ، وصلّى بالناس ، فخرج عبدالله ابن سعد من مصر فنزل على تُخوم أرضٍ مصر مما يلى فِلَسطين ، فانتظر ما يكون من أمر عثمان ، فطلع راكبٌ فقال : يا عبد اللّه ، ما وراءك ؟ خبرنا بخبر الناس خلفك ؛ قال : أفعل ، قتل المسلمون عثمانَ رضى الله عنه، فقال عبد الله بن سعد: ﴿إِنّا لله وإنّا إِليْهِ رَاجِعونَ!)، يا عبد اللّه، ثم صنعوا ٥٤٧ سنة ٣٦ ماذا ؟ قال: ثم بايعوا ابن عم رسول الله صلى الله عليه وسلم علىّ بن أبى طالب، قال عبد الله بن سعد: ﴿ إِنَّالله وَإِنَّا إليْهِ رَاجِعُونَ﴾ (١)، قال له الرجل: كأنّ ولاية علىّ بن أبى طالب عدلتْ عندك قتل عثمان ! قال : أجل . قال : فنظر إليه الرّجل، فتأمّله فعرفه وقال: كأنّك عبد الله بن أبى سرْح أمير مصر ! قال: أجل"؛ قال له الرجل: فإن كان لك فى نفسك حاجة فالنَّجاء النّجاء، فإنّ رأىّ أمير المؤمنين فيك وفى أصحابك سَيِّئ ، إن ظفر بكم قتلتكم أو نفاكم عن بلاد المسلمين ، وهذا بعدى أمير يقدم عليك . قال له عبد اللّه: ومن هذا الأمير ؟ قال: قيس بن سعد بن عُبادة الأنصارىّ؛ قال عبد الله بن سعد: أبْعَد اللّه محمد بن أبى حذيفة! فإنه بغى على ابن عمِّه ، وسعى عليه ، وقد كان كفله ورباه وأحسن إليه، فأساء جواره، ووثب على ٣٢٣٥/١ عمّاله، وجهز الرجال إليه حتى قتل ، ثم ولى عليه من هو أبعد منه ومن عثمان ، لم يمتِّعه بسلطان بلاده حولا ولا شهراً، ولميره لذلك أهلا، فقال له الرجل : انجُ بنفسك ، لا تُقْتَل . فخرج عبد الله بن سعد هاربًا حتى قدم على معاوية ابن أبى سفيان دمشق . قال أبو جعفر : فخبرُ هشامٍ هذا يدلّ على أن قيس بن سعد ولى مصر ومحمد بن أبى حذيفة حىّ . * وفى هذه السنة بعث علىّ بن أبى طالب على مصر قيس بن سعد بن عبادة الأنصارىّ، فكان من أمره ما ذكر هشام بن محمد الكلبىّ ، قال : حدثنى أبو مخنف ، عن محمد بن يوسف بن ثابت ، عن سهل بن سعد ، قال : لما قُتِل عمان رضى الله عنه وولى علیّ بن أبىطالب الأمر ، دعا قيس ابن سعد الأنصارىّ فقال له : سر إلى مصرَ فقد ولّيْتُكتَها ، واخرج إلى (١) سورة البقرة ١٥٦ ٥٤٨ سنة ٣٦ رحلك، واجمع إليك(١ )ثقاتك ومتن أحببت أنيصحبك حتى تأتيها ومعك جند، فإن ذلك أرعب لعدوّك وأعزّ لوليك، فإذا أنت قد متها إن شاء اللّه فأحسن إلى المحسن ، واشتدّ(٢) على المريب، وارفُق بالعامة والخاصّة، فإنّ الرفق يُمن. فقال له قيس بن سعد : رحمك الله يا أميرَ المؤمنين! فقد فهمتُ ما قلتَ، أمّا قولك: اخرج إليها بجند، فوالله لئن لم أدخلها إلاّ يجند آتيها به من المدينة لا أدخلها أبداً ، فأنا أُدَعُ ذلك الجند لك ، فإن أنت احتجت إلیھم کانوا ٣٢٣٦/١ منك قريباً، وإن أردت أن تبعثهم إلى وجه من وجوهك كانوا عُدّة لك، وأنا أصير إليها بنفسى وأهل بيتى. وأمّا ما أوصيتّنى به من الرفق والإحسان، فإنّ اللّه عزّ وجلّ هو المستعان على ذلك . قال : فخرج قيس بن سعد فى سبعة نفر من أصحابه حتى دخل مصر ، فصعد المنبر ، فجلس عليه ، وأمرّ بكتابٍ معه من أمير المؤمنين فقرى على أهل مصر : بسم الله الرحمن الرحيم، من عبد اللّه على" أمير المؤمنين إلى من بلغه كتابى هذا من المؤمنين والمسلمين. سلامٌ عليكم، فإنّى أحمد إليكم اللّهَ الذى لا إله إلا هو. أمّا بعد، فإنّ اللّه عزّ وجلّ بحسن صنعه وتقديره وتدبيره ، اختار الإسلام دينًا لنفسه وملائكته ورسله ، وبعث به الرّسل عليهم السلام إلى عباده، وخصّ به من انتخب من خلقه، فكان مما أكرم الله عزّ وجلّ به هذه الأمّة ، وخصّهم به من الفضيلة أن بعث إليهم محمداً صلى الله عليه وسلم ، فعلمهم الكتاب والحكمة والفرائضَ والسنّة ، لكيما يهتدوا ، وجمعهم لكيما لا يتفرّقوا، وزكتاهم لكيما يتطهّروا، ورفّهَهُمْ لكما لا يجوروا، فلما قضى من ذلك ما عليه قبضه الله عزّ وجلّ صلوات الله عليه ورحمته وبركاته . ثم إنّ المسلمين استخلفوا به أميريْن صالحين، عملاً بالكتاب والسنّة، وأحسناً السيرة، ولم يَعَدُوّا السنّة، ثم توفّاهما اللّه عزّ وجلّ، رضى الله عنهما. ثم ولىّ (١) كذا فى ابن الأثير والنويرى، وفى ط: ((إليه)). (٢) النويرى: ((واشدد)). ٥٤٩ سنة ٣٦ بعدهما وال فأحدث أحداثًا ، فوجدت الأمة عليه مقالا فقالوا ، ثم نقموا عليه فغنّيّروا ، ثم جاءونى فبايعونى، فأستهدِى اللّه عزّ وجلّ بالهُدى، وأستعينه على التقوى . ألا وإن لكم علينا العمل بكتاب الله وسنّة رسولِه صلى الله عليه وسلم، والقيام عليكم بحقه والتنفيذ لسنّته ، والنّصح لكم بالغيب، والله المستعان، وحسبنا الله ونعم الوكيل . وقد بعثت إليكم قيسَ بن سعد بن عبادة أميراً ، فوازِروه وكانفوه، وأعينوه على الحقّ ، وقد أمرته بالإحسان إلى محسنكم، والشدّة على مُريبكم، والرّفق بعوامكم وخواصّكم، وهو ممّن أرضى هديّه، وأرجو صلاحته ونصيحته. أسأل الله عزّ وجلّ لنا ولكم عملاً زاكيًا، وثوابًا جزيلاً، ورحمةَ واسعة ، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته . وكتب عبيد الله بن أبي رافع فى صفر سنة ست وثلاثين . ٣٢٣٧/١ قال : ثمّ إنّ قيس بن سعد قام خطيبًا، فحمد الله وأثنى عليه ، وصلى على محمد صلى الله عليه وسلم، وقال: الحمد لله الذى جاء بالحقّ، وأمات الباطل ، وكبت الظالمين. أيّها الناس ، إنا قد بايعْنا خير من نعلم بعد محمد نبينا صلى الله عليه وسلم، فقوموا أيّها الناس فبايعوا (١) على كتاب الله عزّ وجلّ وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، فإن نحن لم نعمل لكم بذلك فلا بيعةَ لنا عليكم . فقام الناس فبايعوا ، واستقامت له مصر ، وبعث عليها عمّاله ، إلاّ أن قريةً منها يقال لها: (خِرْبتَا)) فيها أناس قد أعظموا قتل عثمان بن عفان رضى الله عنه، وبها (٢) رجل من كنانة ثم من بنى مُدْلِج يقال له يزيد بن الحارث من بنى الحارث بن مُدْلج. فبعث هؤلاء إلى قيس بن سعد : إنّا لا نقاتلك فابعث عمّالك ، فالأرضُ أرضكَ، ولكن أقرّنا على حالنا حتى ننظر إلى ما يصير ٣٢٣٨/١ أمر الناس ". قال : ووثب مسلمة بن محلّد الأنصارىّ، ثمّ من ساعده من رهط قیس ابن سعد، فنعى عثمان بن عفان رضى الله عنه، ودعا إلى الطلب بدمه ، فأرسل (١) ابن الأثير والنويرى: ((فبايعوه)). (٢) ابن الأثير والنويرى: ((عليهم)). ٥٥٠ سنة ٣٦ إليه قيس بن سعد: ويحك، علىّ(١) تَثِب! فوالله ما أحبّ أنّ لى ملك الشأم إلى مصرَ وأنى قتلتك . فبعث إليه مسلمة : إنى كافٍّ عنك ما دمت أنت والى مصر . قال: وكان قيس بن سعد له حزم ورأى ، فبعث إلى الذين بِخِرِبتاً : إنىّ لا أكرهكم على البيعة، وأنا أدَعُكم وأكفّ عنكم . فهادَنتَهم وهادَن مسلمة بن مخلَّد ، وجَبى الخراجَ ، ليس أحد من الناس ينازعه . قال : وخرج أمير المؤمنين إلى أهل الجمل وهو على مصر، ورجع إلى الكُوفة من البصرة وهو بمكانه ، فكان أثقل خلق الله على معاوية بن أبى سفيان لقربه من الشام، مخافة أن يُقبل إلیه علی فی أهل العراق، ويُقبل إلیه قيس بن سعد فى أهل مصر ، فيقع معاوية بينهما . وکتب معاوية بن أبىسفيان إلی قیس بن سعد ۔۔ وعلیّ بن أبى طالب يومئذ بالكوفة قبل أن يسير إلى صفّين : من معاوية بن أبى سفيان إلى قيس بن سعد . سلام عليك ، أمّا بعد ، فإنكم إن كنتم نقمتم على عثمان بن عفان رضى الله عنه فى أُثْرةٍ رأيتموها ، أو ضربةٍ سوط ضربها ، أوشتيمةِ رجل ، أو فى تسييره آخرَ، أو فى استعماله ٣٢٣٩/١ الفُتِىّ، فإنكم قد علمتم - إن كنتم تعلمون - أنَّ دمه لم يكن يحلّ لكم، فقد ركبتم عظيمًا من الأمر، وجثم شيئًا إذًا(٢)، فتب إلى الله عزّ وجلّ يا قيس ابن سعد . فإنك كنت فى المجلسبين على عثمان بن عفان - إن كانت التوبة من قتل المؤمن تنُغنى شيئًا - فأمّا صاحبك فإنا استيقنا أنّه الذى أغرىبه الناس، وحملتهم على قتله حتى قتلوه، وأنه لم يسلم من دمه عُظْ قومك ، فإن استطعت يا قيس أن تكون ممّن يطلب بدم عثمانَ فافعل. تابِعْنا على أمرنا ، ولك سلطانُ العِراقَين إذا ظهرتُ ما بقيت ، ولمن أحببت من أهل بيتك سلطان الحجاز ما دام لى سلطان ، وسلْنى غير هذا مما تحبّ ، فإنّك لا تسألنى (١) ابن الأثير والنويرى: ((أعلى!)). (٢) ابن الأثير والنويرى: ((إمرا)). ٥٥١ سنة ٣٦ شيئًا إلا أوتيتَه، واكتب إلىَّ برأيك فيما كتبت به إليك . والسلام. فلما جاءه كتاب معاوية أحبّ أن يدافعه ولا يبدى له أمره ، ولا يتعجّل له حربه ، فکتب إليه : أُمّا بعد ، فقد بلغنی کتابُك، وفهمتُ ما ذكرت فيه من قتل عثمان ، وذلك أمر لم أقارفه، ولم أَطِفْ به . وذكرتَ أنّ صاحبى هو أغرى الناس بعثمان ، ودسَّهم إليه حتى قتلوه ، وهذا ما لم أطلع عليه، وذكرت أن عُظْم عشيرتى لم تسلم من دم عثمان، فأوّل الناس كان فيه قيامًا عشيرتى. وأمّا ما سألتنى من متابعتك، وعرضتَ علىّ من الجزاء به، فقد فهمتُه، وهذا أمر ٣٢٤٠/١ لى فيه نظر وفكرة ، وليس هذا مما يسرع إليه ، وأنا كافّ عنك، ولن يأتيَك مِن قِبَلَى شىء تكرهه حتى تَرَى ونرى إن شاء اللّه، والمستجارُ اللّه عزّ وجلّ، والسلام عليك ورحمة الله وبركاته . قال : فلما قرأ معاوية كتابته ، لم يره إلاّ مقارِبًا مباعِداً، ولم يأمن أن يكون له فى ذلك مباعداً مكايداً، فكتب إليه معاوية أيضًا : أمّا بعدُ ، فقد قرأتُ كتابك ، فلم أرك تدنو فأعُدّك سِلْما، ولم أرك تباعد فأعُدّك حربًا ، أنت فيما هاهنا كحنَك الجزور، وليس مثلى يصانع المخادعِ ، ولا يَنْتزع المكايد، ومعه عدد الرّجال، وبيده أعنّةُ الخيل؛ والسلام عليك. فلما قرأ قيس بن سعد كتاب معاوية ، ورأى أنه لا يقبل معه المدافعة والمماطلة ، أظهر له ذاتَ نفسه ، فكتب إليه : بسم الله الرّحمن الرّحيم. من قيس بن سعد، إلى معاوية بن أبى سُفيان . أما بعد ، فإنّ العجَب من اغترارك بى ، وطمعك فىّ ، واستسقاطك رأيى. أتسومنى الخروج من طاعة أوْلى الناس بالإمرة ، وأقْولهم للحق ، وأهداهم سبيلاً، وأقربهم من رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم وسيلةً ، وتأمرنى بالدّخول فى طاعتك، طاعةِ أبعد الناس من هذا الأمر، وأنْوَلهُم للزّور ، وأضلّهم سبيلا، وأبعد هم من الله عزّ وجل ورسوله صلى الله عليه وسلم وسيلة، ولد ضا لّين مُضلَّين، ٣٢٤١/١ طاغوتٍ من طواغيت إبليس! وأمّا قولك إنى مالىّ عليك مصرخيلاً ورَجْلا(١) (١) ابن الأثير: ((ورجالا)). ٥٥٢ سنة ٣٦ فوالله إن لم أشغلك بنفسك حتى تكون نفسك أهمّ إليك ؛ إنك لذو جدّ ، والسلام . فلما بلغ معاوية كتاب قيس أيس منه ، وثقل عليه مكانُه . ٠ ٥ حدثی عبد الله بن أحمد المروزىّ، (١قال : حدثنى أبى)قال: حد ٹنی سلیمان، قال : حد ثنی عبدالله ، عن يونس، عن الزهرىّ، قال: کانت مصر من حین علىّ ، عليها قيس بن سعد بن عبادة، وكان صاحبَ راية الأنصار مع رسول اللّه صلى الله عليه وسلم، وكان من ذوى الرأى والبأس، وكان معاوية بن أبى سفيان وعمرو بن العاص جاهديْن على أن يُخرجاه من مصر ليغلبا عليها، فكان قد امتنع فيها بالدّهاء والمكايدة ، فلم يقدرا عليه ، ولا على أن يفتتحا مصر ؛ حتى كاد معاوية قيس بن سعد من قِبَل علىّ ، وكان معاوية يحدّث رجالا من ذوى الرأى من قريش يقول : ما ابتدعتُ مكايدةً قط كانت أعجبَ عندى من مكايدة كدتُ بها قيسًا من قبَل علىّ وهو بالعراق حين امتنع منِّى قيس. قلت لأهل الشأم: لا تسبّوا قيسَ بن سعد، ولاتدْ عوا إلى غزوه ، فإنه لنا شيعة، يأتينا (٢ كيِّس نصيحته ٢) سرًّاً. ألا ترون ما يفعل بإخوانكم الذين عنده من أهل خِرِبْنَا، يُجرى عليهم أعطياتهم وأرزاقهم، ويؤمّن سِرْبَهم؛ ويُحسن إلى کلّ را کبٍ قدم عليه منكم ، لا يستنكرونه فی شیء ! ٣٢٤٢/١ قال معاوية: وهممتُ أن أكتب بذلك إلى شيعتى من أهل العراق ، فيسمح بذلك جواسيس علىّ عندى وبالعراق . فبلغ ذلك عليًّاً، ونماه إليه محمد بن أبى بكر ومحمّد بن جعفر بن أبى طالب. فلما بلغ ذلك عليًّا اتهم قيسًا ، وكتب إليه بأمره بقتال أهل خِرِبْتَا - وأهل خَرْبِتا يومئذ عشرة آلاف - فأبى قيس بن سعد أن يقاتلهم، وكتب إلى علىّ: إنهم وجوه أهل مصر وأشرافُهم ، وأهلُ الحفاظ منهم، وقد رَضُوا منّى أن أُؤْمِّن سِرِبَهم ، وأُجْرِىَ عليهم أعطياتِهم وأرزاقَهم، وقد علمت أنّ هواهم مع معاوية ، فلست مكايدهم بأمر أهون علىّ وعليك من الذى أفعل بهم ، ولو أنى غزوتُهم (١-١) ساقط من ط ، وانظر ص ٥٥٥. (٢ - ٢) ابن الأثير: ((قد تأتينا كتبه ونصيحته)). ٥٥٣ سنة ٣٦ كانوا لى قِرْنا، وهم أُسود العرب، ومنهم بُسْربن أبى (١) أرطاة، ومسلمة بن محلّد، ومعاوية بن حُديح ، فذَرْنى فأنا أعلم بما أدارى منهم . فأبى علىّ إلاّ قتالتَهم ، وأبى قيس أن يقاتلهم . فكتب قيس إلى علىّ: إن كنت تتهمنى فاعزلنى عن عملك ، وابعث إليه غيرى. فبعث علىّ الأشتر أميراً إلى مصر ، حتى إذا صار بالقازُم شربَ شربة عسل كان فيها حتفُه. فبلغ حديثهم معاوية وعمرا ، فقال عمرو : إن لله جُنداً من عَسَل . فلما بلغ عليًّا وفاة الأشتر بالقُلْزَم بعث محمد بن أبى بكر أميراً على مصر . فالزُّهرىّ يذكر أنّ عليًّا بعث محمد بن أبى بكر أميراً على مصر بعد متهلِك الأشتر بقلزم، وأما هشام بن محمد ، فإنه ذكر فى خبره أنّ عليًّا بعث بالأشتر أميراً على مصر بعد متهلك محمد بن أبى بكر . . . ٠ رجع الحديث إلى حديث هشام عن أبى مخنف: ولما أيس معاوية من قيس ٣٢٤٣/١ أن يتابعه على أمره ، شقّ عليه ذلك ، لما يعرف من حزمه وبأسه، وأظهر للناس قبلَه؛ أنّ قيس بن سعد قد تابعكم، فادعوا الله له، وقرأ عليهم كتابه الذى لان له فيه وقاربه . قال : واختلَق معاوية كتابًا من قيس بن سعد ، فقرأه على أهل الشام : بسم الله الرحمن الرحيم ، للأمير معاوية بن أبى سفيان من قیس بن سعد ، سلامٌ عليك، فإنّ أحمد إليكم اللّهَ الذى لا إله إلاّ هو، أمّا بعد، فإنّى لما نظرت رأيت أنه لا يسعنى مظاهرة قوم قتلوا إمامتهم مُسلِمًا مُحرَّمًا برًّا تقيًّا، فنستغفر الله عزّ وجلّ لذنوبنا، ونسأله العصمةَ لديننا. ألاَ وإنّنى قد ألقيت إليكم بالسِّلم، وإنى أجبتك إلى قتال قَتّلة عثمانَ ، إمام الهدى المظلوم ، فعوَّل علىّ فيما أحببت من الأموال والرجال أعجّل عليك ، والسلام. فشاع فى أهل الشام أنّ قيس بن سعد قد بايع معاوية بن أبى سفيان ، فسرّحتْ عيون علىّ بن أبى طالب إليه بذلك؛ فلما أتاه ذلك أعظمه وأكبره ، (١) ساقطة من ط . ٥٥٤ سنة ٣٦ وتعجّب له ، ودعا بنيه ، ودعا عبد الله بن جعفر فأعلمهم ذلك ، فقال : ما رأيكم؟ فقال عبد الله بن جعفر: يا أميرَ المؤمنين، دَعْ ما يَريبُك إلى ما لا يرِيبُك ، اعزِل قيسًا عن مصر. قال لهم علىّ: إنى والله ما أصدّق بهذا على قيس (١)؛ فقال عبد الله: يا أمير المؤمنين، اعزِله، فوالله لئن كان ٣٢٤٤/١ هذا حقًّا لا يعتزل لك إن عزلتَه. فانهم كذلك إذ جاء(٢) كتابٌ من قيس بن سعد فيه : بسم الله الرّحمن الرّحيم ، أما بعد، فإنى أخبر أميرَ المؤمنين أكرمه الله أنّ قِبلى رجالا معتزلين قد سألونى أن أكفّ عنهم، وأن أدَعَهم على حالهم حتى يستقيمَ أمرُ الناس، فنرى ويَرَوْا رأيهم ، فقد رأيتُ أن أكفّ عنهم ، وألاّ أتعجّل حربتَهم، وأن أتألّفهم فيما بين ذلك لعل" اللّه عزّ وجلّ أن يُقبل بقلوبهم ، ويفرّقهم عن ضلالتهم ، إن شاء الله . فقال عبد الله بن جعفر: يا أمير المؤمنين، ما أخوفنى أن يكون هذا ممالأة لهم منه، فُرْه يا أمير المؤمنين بقتالهم ، فكتب إليه علىّ : بسم الله الرحمن الرحيم ، أما بعد ، فِسرْ إلى القوم الّذين ذكرت ، فإن دخلوا فيما دخل فيه المسلمون وإلاّ فناجزهم إن شاء الله . فلما أتى قيسَ بن سعد الكتابُ فقرأه ، لم يتمالك أن كتب إلى أمير المؤمنين : أما بعد يا أمير المؤمنين ، فقد عجبتُ لأمرك، أتأمرنى بقتال قوم كافِّين عنك، مُفُرِّغيك لقتال عدوّك! وإنّك متى حاربتهم ساعدوا عليك عدّوك، فأطعنى يا أمير المؤمنين، واكفُف عنهم ، فإنّ الرأى تركهم ، والسلام. فلما أتاه هذا الكتاب قال له عبد الله بن جعفر : يا أميرَ المؤمنين ، ابعَثْ محمد بن أبى بكر على مصر يكفِك أمرَها ، واعزِل قيسًا ، والله لقد بلغنى أن قيسًا يقول: والله إنّ سلطانًا لا يتمّ إلاّ بقتل مسلمة بن مخلَّد لسلطان ٣٢٤٥/١ سوء؛ والله ما أحبّ أنّ لى ملك الشأم إلى مصر وأنى قتلت ابن المخلّد. قال: (١) ابن الأثير والنويرى: ((عنه)). (٢) ابن الأثير: ((جامعم)). ٥٥٥ سنة ٣٦ وكان عبد الله بن جعفر أخا محمد بن أبى بكر لأمّه ، فبعث علىّ محمد بن أبى بكر على مصر ، وعزل عنها قيسًاً . ٠٠ ولاية محمد بن أبى بكر مصر قال هشام ، عن ابن مخنف : فحدثنى الحارث بن كعب الوالبيّ - من والبة الأزْد - عن أبيه ، أنّ عليًّا كتب معه إلى أهل مصر كتابًا ، فلما قدم به على قيس قال له قيس : ما بال أمير المؤمنين! ما غيَّرَه ؟ أدَخَل أحدٌ بينى وبينه ؟ قال له : لا، وهذا السلطان سلطانك ؟! قال : لا، واللّه لا أقيم معك ساعة واحدة . وغضب حين عزله ، فخرج منها مقبلا إلى المدينة ، فقد مها ، فجاءه حسان بن ثابت شامتًا به - وكان حسان عمانيًا - فقال له: نَزَعك علىّ بن أبى طالب ، وقد قتلت عثمان فبقىَ عليك الإثم ، ولم يحسن لك الشكر! فقال له قيس بن سعد: يا أعمى القلب والبصر، واللّه لولا أن ألقِىَ بين رهطى ورهطك حربًا لضربتُ عنقك ؛ اخرُجُ عنّى . ثم إن قيسًا خرج هو وسهل بن حُنّيف حتى قدما على علىّ، فخبره قيس؛ فصدّقَه علىّ. ثم إن قيسًاً وسهلا شهدا مع علىّ صِفِّين. وأما الزّهرىّ ، فإنه قال فما حدثنى به عبد الله بن أحمد ، قال : حدثنى أبی ، قال ، حدثنى سليمان ، قال : حدثنى عبد الله ، عن يونس ، عن الزُّهرىّ ، أنّ محمد بن أبى بكر قدم مصر وخرج قيس فلحق بالمدينة ، فأخافه مروان والأسوَد بن أبى البَخْتَرَى، حتى إذا خاف أن يؤخذ أو يُقتل ، ركب راحلته، فظهر إلى علىّ. فبعث معاوية إلى مروان والأسود يتغيّظ عليهما، ويقول : أمددتما عليًّا بقيس بن سعد ورأيه ومكانه، فوالله لو أنّكما أمددْ تُماه بمائة ألف مقاتل ما كان ذلك بأغيظَ لى من إخراجكما قيس بن سعد إلى علىّ. فقدم قيس بن سعد على علىّ، فلما باتّه الحديث وجاءهم قتل محمد ابن أبى بكر ، عرف أنّ قيس بن سعد كان يقاسى أموراً عظامًا من المكايدة، وأنّ من کان يهزُه(١) على عزل قيس بن سعد لم ينصح له، فأطاع علىّ قيس". ابن سعد فى الأمر كلّه . ٣٢٤٦/١ (١) يهزه، أى يحثه ويدفعه. ٥٥٦ سنة ٣٦ قال هشام : عن أبى مُخْنَف ، قال: حدثنى الحارث بن كعب الوالى، عن أبيه ، قال : كنت مع محمد بن أبى بكر حين قدم مصر ، فلمّا قدم قرأ عليهم عهده : بسم الله الرّحمن الرّحيم، هذا ما عهد عبد اللّه علىّ أمير المؤمنين، إلى محمد بن أبى بكر حين ولاه مصر،. وأمره بتقوى الله والطاعة فى السرّ والعلانية، ٣٢٤٧/١ وخوفِ اللّه عزّ وجلّ فى الغيب والمشهد، وباللين على المسلمين، وبالغِلْظة على الفاجر ، وبالعدل على أهل الذمّة ، وبإنصاف المظلوم ، وبالشدّة على الظالم ، وبالعفو عن الناس ، وبالإحسان ما استطاع ، والله يجزى المحسنين ، ويعذّب المجرمين. وأمره أن يدعوَ منْ قبله إلى الطاعة والجماعة، فإنّ لهم فى ذلك من العاقبة وعظيم المثوبة مالا يَقدُّرون قدره ، ولا يعرفون كُنهه، وأمره أن يَجِىَ خراج الأرض على ما كانت تُجبّى عليه من قبل ، لا يُنْتقص منه ولا يُبتدع فيه، ثمّ يقسمَه بين أهله على ما كانوا يقسمون عليه من قبل، وأن يُلين لهم جناحَه، وأن يواسىَ بينهم فى مجلسه ووجهه، ولْكن القريبُ والبعيدُ فى الحقّ سواء. وأمره أن يحكم بين الناس بالحق"، وأن يقوم بالقسط ، ولا يتّبع الهوى، ولا يَخَفْ فى اللّه عزّ وجلّ لومة لائم، فإنّ الله جلّ ثناؤه مع من اتقى وآثر طاعته وأمره على ما سواه . وكتب عبيد الله بن أبى رافع مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم لغرّة شهر رمضان . قال : ثمّ إن محمد بن أبى بكر قام خطيبًا، فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال : الحمد لله الذي هدانا وإيّاكم لما اختُلِف فيه من الحقّ، وبصّرنا وإيّاكم كثيراً مما عِمَى (١) عنه الجاهلون. ألا إنّ أمير المؤمنين ولا فى أمور كم، وعهد إلىّ ما قد سمعتم، وأوصافى بكثير منه مشافهةً، ولن آلوكم خيراً ما استطعت، ﴿وَمَا تَوْفِيقِى إِلاَّ بِاللهِ عَلَيْهِ تَوَ كَّلْتُ وَ إِلَيْهِ أُنِيبُ﴾؛فإنیکن ماترون من إمارتى (٢) وأعمالى طاعة لله وتقوى؛ فاحمدوا الله عزّ وجلّ على ما كان (١) ابن الأثير والنويرى: ((مما كان عمى)). (٢) ابن الأثير والنويرى: ((من إمارتى له)). ٥٥٧ سنة ٣٦ من ذلك، فإنه هو الهادى، وإن رأيتم عاملا عمل غير (١) الحقّ زائغًا، فارفعوه ٣٢٤٨/١ إلىّ، وعاتبونى فيه ، فإنى بذلك أسعد، وأنتم بذلك جديرون. وفقنا الله وإياكم لصالح الأعمال برحمته ، ثمّ نزل . وذكر هشام، عن أبى مخنف، قال : وحد ثني يزيد بن ظبيان الهمدانىّ، أنّ محمد بن أبى بكر كتب إلى معاوية بن أبى سفيان لماً وُلِىَ؛ فذكر مكاتبات جرت بينهما كرهتُ ذكرها لما فيه ممّا لا يحتمل سماعتها العامّة . قال: ولم يلبث محمد بن أبى بكر شهراً كاملا حتى بعث إلى أولئك القوم المعتزلين الذين كان قيس وادَعَهمْ. فقال: يا هؤلاء ، إمّا أن تدخلوا فى طاعتنا، وإمّا أن تخرجوا من بلادنا ، فبعثوا إليه : إنا لا نفعل ، دعمْنا حتى ننظر إلى ما تصير إليه أمورنا ، ولا تعجل بحربنا . فأبى عليهم ، فامتنعوا منه ، وأخذوا حِذْرهم ، فكانت وقعة صفّين، وهم لمحمّد هائبون ، فلما أتاهم صبرُ معاوية وأهل الشام لعلىّ، وأنّ عليًّا وأهل العراق قد رجعوا عن معاوية وأهل الشأم، وصار أمرُهم إلى الحكومة ، اجترءوا على محمد بن أبى بكر ، وأظهروا له المبارزة ، فلما رأى ذلك محمد بعث الحارث بن جُمْهان الجعفىّ إلى أهل خِرْبتًا، وفيها يزيد بنُ الحارث من بني كنانة ، فقاتلهم ، فقتلوه . ثم بعث إليهم رجلا من كلب يُدعَى ابن مُضاهم ، فقتلوه . ٠ ٠ قال أبو جعفر: وفى هذه السنة فيما قيل: قدم ماهَوَيْهِ مَرْزبان مَرْو مقرًّا ٣٢٤٩/١ بالصلح الذى كان جرى بينه وبين ابن عامر على علىّ . * ذكر من قال ذلك : قال على بن محمد المدائنی، عن أبى ز کریاء العجلانى، عن ابن إسحاق، عن أشياخه ، قال : قدم ماهوْيه أبراز مَرْزُبان مرْو على علىّ بن أبى طالب بعد الجمل مقرًّا بالصلح ، فكتب له علىّ كتابًا إلى دهاقين مرْو والأساورة والجند سلارين ومن كان فى مَرْو : بسم الله الرّحمن الرّحيم ، سلام على من اتبع الهدى، أما بعد ، فإن ماهويه أبراز مَرْزبان مَرْو جاءنى، وإنّ رضيتُ . (١) ابن الأثير والنويرى: ((بغير)). ٥٥٨ سنة ٣٦ عنه . وكتب سنة ست وثلاثين. ثم إنهم كفرُوا وأغلقوا أبْرَ شَهْر. ٠ ٠٠ توجیه على 'خلید بن طَریف إلی خراسان قال علىّ بن محمد المدائىّ: أخبرنا أبو مخنف، عن حنظلة بن الأعلم ، عن ماهان الحنفىّ، عن الأصبغ بن نباتة المُجاشعىّ، قال: بعث على خُلَيَد بن قرّة اليربوعىّ - ويقال خُلَيَد بن طريف - إلى خُراسان. ٠ # ذكر خبر عمرو بن العاص ومبايعته معاوية وفى هذه السنة - أعنى سنة ستُّ وثلاثين - بايع عمروبن العاص معاوية، ووافقه على محاربة علىّ، وكان السبب فى ذلك ما كتب به إلىّ السرىّ ، ٣٢٥٠/١ عن شعيب ، عن سيف، عن محمد وطلحة وأبى حارثة وأبى عثمان ، قالوا : لما أحيط بعثمانَ - رضى الله عنه - خرج عمرو بن العاص من المدينة متوجها نحو الشأم ، وقال : والله يا أهل المدينة ، ما يقيم بها أحد فيدركه قتْل هذا الرجل إلاّ ضربه اللّه عزّ وجلّ بذل"؛ من لم يستطع نصرَه فليهرُب . فسار وسار معه ابناه عبد الله ومحمد، وخرج بعدَه حسان بن ثابت ، وتتابع على ذلك ما شاء الله . قال سيف ، عن أبى حارثة وأبى عثمان ، قالا : بينا عمرو بن العاص جالس بعَجْلان ومعه ابناه، إذْ مرّ بهم راكب فقالوا : من أين ؟ قال : من المدينة ، فقال عمرو : ما اسمك ؟ قال: حَصيرة . قال عمرو: حُصِر الرجل، قال : فما الخبر ؟ قال : تركت الرجل محصوراً ؛ قال عمرو: يُقْتَل . ثم مكثوا أيامًا ، فمرّ بهم راكب ، فقالوا : من أين ؟ قال : من المدينة ؛ قال عمرو : ما اسمك ؟ قال : قَتّل ؛ قال عمرو: قُتِل الرجل ، فما الخبرُ ؟ قال: قُتِل الرجل . قال : ثم لم يكن إلاّ ذلك إلى أن خرجتُ، ثم مكثوا أيّامًا، فمرّ بهم راكب ، فقالوا : من أين ؟ قال : من المدينة ؛ قال عمرو: ما اسمك ؟ قال : حرب ، قال عمرو: يكون حرب ؛ فما الخبر ؟ قال : قُتِل ٥٥٩ سنة ٣٦ عثمانُ بنُ عفّان رضى الله عنه، وبويع لعلىّ بن أبى طالب، قال عمرو : أنا أبو عبد الله؛ تكون حربٌ من حكَّ فيها قرحة نكَأها ، رحم الله عثمان ورضىَ اللّه عنه، وغفر له ! فقال سلامة بن زنباع الجُدامىّ: يا معشر قريش، إنه والله قد كان بينكم وبين العرب باب، فاتخذوا بابًا إذ كسر الباب. ٣٢٥١/١ فقال عمرو: وذاك الذى نريد. ولا يُصلِح الباب إلا أشافٍ (١) تُخرِج الحقّ من حافرة البأس ، ويكون الناس فى العدل سواء ، ثم تمثّل عمرو فى بعض ذلك: يا لَهْفَ نفسى على مالكٍ وهل يَصْرِفُ اللّهْفُ حِفْظَ القَدَر! فأعذِرَهم أم بقومى سَكَرْ! أنَزْعٌ من الحرِّ أُوْدَی بهمْ ثم ارتحل راجلا يبكى كما تبكى المرأة، ويقول: واعُثْماناه! أنعتى الحياءَ والدين! حتى قدم دمشق، وقد كان سقط إليه من الذى يكون عِلْمٌ، فعمل عليه . كتب إلىّ السرىّ، عن شعيب ، عن سيف ، عن محمد بن عبد اللّه ، عن أبى عثمان، قال: كان النبيّ صلى الله عليه وسلم قد بعث عمراً إلى عُمان، فسمع هنالك من حَبْرٍ شيئًا ، فلما رأى مصداقته وهو هناك أرسل إلى ذلك الحبْر، فقال: حدِّثنى بوفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأخبرنى من يكون بعده ؟ قال: الذى كتب إليك يكون بعدَه ، ومدّتّه قصيرة ، قال: ثمّ من ؟ قال : رجل من قومه مثله فى المنزلة ؛ قال : فما مدّته ؟ قال : طويلة ؛ ثم يقتل . قال : غِيلةً أم عن ملاٍ ؟ قال : غيلة ؛ قال : فمن يلى بعدَه ؟ قال : رجل من قومه مثله فى المنزلة ، قال : فما مدّته ؟ قال : طويلة ، ثم يُقتل ، قال : أغيلة أم عن ملإٍ ؟ قال : عن ملاٍ. قال : ذلك أشدّ؛ فمن يلى بعده ؟ قال : رجل من قومه ينتشر عليه الناس ، وتكون على رأسه ٣٢٠٢/١ حرب شديدة بين الناس ، ثمّ يُقتل قبل أن يجتمعوا عليه ، قال : أغيلة أم عن ملإٍ ؟ قال : غيلة ، ثم لا يروْن مثلَه . قال : فمن يلى بعدَه ؟ قال : (١) الأشافى: جمع إشفى؛ وهو المثقب. ٥٦٠ سنة ٣٦ أمير الأرض المقدّسة ، فيطول ملكه ، فيجتمع أهل تلك الفرقة وذلك الانتشار عليه ، ثم يموت . وأما الواقدىّ، فإنه فيما حدّثنى موسى بن يعقوب، عن عمّه، قال: لما بلغ عَمراً قتلُ عثمانَ رضى الله عنه، قال: أنا عبد الله، قتلتُه وأنا بوادى السِّباع، مَن يلى هذا الأمر من بعده! إن يَلِه طلحة فهو فتى العرب سيْباً ، وإن يَلِهِ ابن أبى طالب فلا أراه إلاّ سيستنظِف الحقّ، وهو أكره مَن يليه إلىّ . قال : فبلغه أنّ عليًّا قد بويع له ، فاشتدّ عليه، وتربّص أيامًا ينظر ما يَصنع الناس ، فبلغه مسير طلحة والزبير وعائشة وقال : أستأنِى وأنظر ما يصنعون، فأتاه الخبر أنّ طلحة والزبير قد قُتِلا، فأُرَتِج عليه أمرُه ، فقال له قائل: إن معاوية بالشأم لا يريد أن يبايع لعلىّ، فلو قاربت معاوية! فكان معاوية أحبّ إليه من علىّ بن أبى طالب. وقيل له: إنّ معاوية يُعظيم شأنَ قتل عثمان بن عفان ، ويحرّض على الطلب بدمه ؛ فقال عمرو : ادعوا لى محمداً وعبد الله، فدُعيا له ، فقال : قد كان ما قد بلغكما من ٣٢٥٣/١ قتل عثمان رضى الله عنه، وَبيعة الناس لعلىّ، وما يُرصِد معاوية من مخالفة على ، وقال : ما تريان؟ أمّا علىّ فلا خير عنده، وهو رجل يُدل بسابقته، وهو غير مُشرِكى فى شىء من أمره . فقال عبد الله بن عمرو: توفّى النبىّ صلى الله عليه وسلم وهو عنك راضٍ، وتوفّى أبو بكر رضى الله عنه وهو عنك راضٍ ، وتوفّى عمرُ رضى الله عنه وهو عنك راضٍ ، أرى أن تكفّ يدك ، وتجلسَ فى بيتك ، حتى يجتمع الناس على إمام فتبايعته . وقال محمد بن عمرو : أنت نابٌ من أنياب العرب ، فلا أرى أن يجتمع هذا الأمر وليس لك فيه صوت ولا ذكر . قال عمرو: أمّا أنت يا عبد الله فأمرْتَنى بالذى هو خير لى فى آخرتى ، وأسلتم فى دينى ، وأما أنت يا محمد فأمرتَنى بالّذى أنبه لی فی دنیای ، وشرّ(١) لی فی آخرتی. ثم خرج عمرو بن العاص ومعه ابناه حتى قدم على معاوية ، فوجد أهلَ الشأم يحضّون معاوية على الطلب بدم عثمان ، فقال عمروبن العاص : أنتم على الحقّ ، اطلبوا بدم الخليفة المظلوم - ومعاوية (١) كذا فى ابن الأثير والنويرى، وفى ط: ((أشر)).