النص المفهرس

صفحات 421-440

٤٢١
سنة ٣٥
حِصْن بن ضَمْضم بن عدىّ بن جناب بن كلب ؛ ولدت له مريم ابنة عثمان .
وقال هشام بن الكلبىّ: ولدت أمّ البنين بنت عيينة بن حصن لعثمان
عبد الملك وعتبة . وقال أيضًا : ولدت نائلة عنبسة" .
٣٠٥٧/١
وزعم الواقديّ أن لعثمان ابنة تدعى أمّ البنين بنت عثمان من نائلة ، قال:
وهى التى كانت عند عبد الله بن يزيد بن أبى سفيان .
وقتل عثمان رضى الله عنه وعنده رملة ابنة شيبة ونائلة وأمّ البنين بنت عيينة
وفاختة ابنة غَزْوان؛ غير أنه - فيما زعم على بن محمد - طلّق أمّ البنين وهو
محصور .
فهؤلاء أزواجه اللّواتى كنّله فى الجاهليّة والإسلام، وأولاده: رجالهم ونساؤهم.
ذكر أسماء عمَّال عثمان رضى الله عنه فى هذه السنة على البلدان
قال محمد بن عمر: قتل عثمان رضى الله عنه وعمّاله على الأمصار - فيما
جدّثنى عبد الرحمن بن أبى الزّناد - على مكة عبد الله بن الحضرمىّ ، وعلى
الطائف القاسم بن ربيعة الثَّقِفِىّ، وعلى صنعاء يعلى بن مُنْية، وعلى الجَنَد
عبدالله بن أبى ربيعة، وعلى البصرة عبد الله بن عامر بن كُريز - خرج منها
فلم يولُّ عليها عثمان أحداً .. وعلى الكوفة سعيد بن العاص - أخرج منها فلم يُترك
يدخلها - وعلى مصر عبد الله بن سعد بن أبى سرْح - قدم على عثمان، وغلب
محمد بن أبى حذيفة عليها . وكان عبد الله بن سعد استخلف على مصر السائب
ابن هشام بن عمرو العامرىّ ، فأخرجه محمد بن أبى حذيفة - وعلى الشأم معاوية
ابن أبى سفيان .
وفيما كتب إلىّ السرىّ ، عن شعيب ، عن سيف ، عن أبى حارثة
وأبى عثمان، قالا: مات عثمان رضى الله عنه وعلى الشأم معاوية، وعامل معاوية
على حمص عبد الرحمن بنخالد بن الوليد، وعلی قِنَّسرین حبيب بن مسلمة،
وعلى الأردن" أبو الأعور بن سفيان، وعلى فلسطين علقمة بن حكيم الكنانىّ،
وعلى البحر عبد الله بن قيس الفزارىّ . وعلى القضاء أبو الدّرداء .
٣٠٠٨/١

٤٢٢
سنة ٣٥
وكتب إلىّ السرىّ، عن شعيب، عن سيف ، عن عطيّة، قال: مات
عثمان رضى الله عنه وعلى الكوفة، على صلانها أبو موسى ، وعلى خراج السَّاد
جابر بن عمر و(١) المزنىّ- وهو صاحب المسنّاة إلى جانب الكوفة- وسماك الأنصارىّ.
وعلى حربها القعقاع بن عمرو ، وعلى قَرْقِيسياء جرير بن عبد الله ، وعلى
أذْرَبِيجان الأشعث بن قيس ، وعلى حُلْوان عُتّيبة بن النَّهَاس ، وعلى ماه
مالك بن حبيب ، وعلى همذَان النُّسَير، وعلى الرّىّ سعيد بن قيس ، وعلى
إصبَهان السائب بن الأقرع، وعلى ماسَبَذان حُبَيَش، وعلى بيت المال عُقبة
ابن عمرو . وكان على قضاء عثمان يومئذ زيد بن ثابت .
...
ذكر بعض خطب عثمان رضى الله عنه
كتب إلىّ السرىُّ ، عن شعيب ، عن سيف ، عن القاسم بن محمد ،
عن عون بن عبد اللّه بن عُتبة ، قال : خطب عثمان الناس بعد ما بويع ،
فقال :
أمَّا بعد ؛ فإنى قد حُمِّلت وقد قبلت؛ ألاَ وإنى متّع ولست بمبتدع ؛
ألا وإنّ لكم علىّ بعد كتاب الله عزّ وجلّ وسنَّة نبيه صلى الله عليه وسلم ثلاثًاً:
اتّباع متن كان قبلى فيما اجتمعتم عليه وسننتم، وسنّسنة أهل الخير فيما لم تسنُّوا
عن ملا، والكفّ عنكم إلاّ فيما استوجبتم. ألا وإن الدنيا خَضِرة قد شُهَیَتْ
٣٠٥٩/١ إلى الناس، ومال إليها كثير منهم، فلا تركنوا إلى الدنيا ولا تثقوا بها، فإنها
ليست بثقة ، واعلموا أنها غير تاركة إلا مَن تركها .
وكتب إلىّ السرىّ ، عن شعيب ، عن سيف ، عن بدر بن عثمان ،
عن عمّه ، قال : آخر خطبة خطبها عثمان رضى الله عنه فى جماعة :
إن الله عزّ وجلّ إنما أعطاكم الدنيا لتطلبوا بها الآخرة، ولم يعطكموها لتركنوا
إليها؛ إن الدنيا تفنّى والآخرة تبقى، فلا تبطرنَّكم الفانية ، ولا تشغلَنَّكم عن
الباقية ، فآثروا ما يبقى على ما يفنى؛ فإنّ الدنيا منقطعة؛ وإنّ المصير إلى
اللّه. اتّقوا الله جلّ وعزّ؛ فإن تقواه جُنّةٌ من بأسه ، ووسيلة عنده ؛ واحذروا
(١) ط: ((فلان))، وانظر ص ١٣٩ من هذا الجزء.

٤٢٣
سنة ٣٥
من اللّه الغِيَر، والزمواجما عتكم لا تصيروا أحزابًا، ﴿وَاذْ كُرُوا نِعْمَةُ اللهِ عَلَيْكُمْ
إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءَ فَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا ﴾ (١).
إلى آخر القصة .
ذ کر الخبر عمَّن کان یصلی بالناس فی مسجد رسول الله
صلى الله عليه وسلم حين حصر عثمان
قال محمد بن عمر: حدّثّنى ربيعة بن عثمان: جاء المؤذن، سعدُ القَرَظ
إلى علىّ بن أبى طالب فى ذلك اليوم ، فقال: مَن يصلّى بالناس ؟ فقال
علىّ : ناد خالد بن زید ، فناد ی خالد بن زید، فصلی بالناس - فإنه لأوّل
يوم عرِف أن أبا أيُّوب خالد بن زيد - فكان يصلّى بهم أيامًا، ثم صلى على
بعد ذلك بالناس .
قال محمد : وحدّثنى عبد الرحمن بن عبد العزيز، عن عبد الله بن
أبى بكر بن حزم، قال : جاء المؤذّن إلى عثمان فآذنه بالصّلاة ، فقال : لا أنزل
أُصلّى؛ اذهب إلى مَنْ يصلى. فجاء المؤذن إلى علىّ، فأمر سهل بن حُنيف،
فصلّى اليوم الذى حُصِر فيه عمان الحصْر الآخِرِ؛ وهو ليلةَ رُفِىَ هلال
ذى الحجّة، فصلى بهم؛ حتى إذا كان يوم العيد صلى علىّ العيد، ثم صلى بهم
حتى قتل رضى الله عنه .
٢٠٦٠/١
قال : وحدثنى عبد الله بن نافع، عن أبيه ، عن ابن عمر، قال : لما
حُصِر عثمان صلى بالناس أبو أيُّوب أيامًا ، ثم صلى بهم علىّ الجمعة والعيد ،
حتى قتل رضى الله عنه .
ذ کر مارُنى به من الأشعار
وتقاول الشعراء بعد مقتله فيه ؛ فمن مادح وهاجٍ ، ومن نائح باكٍ، ومن
سارّ فَرِح؛ فكان ممّن يمدحه حسّان بن ثابت وكعب بن مالك الأنصاريّان
(١) سورة آل عمران ١٠٣.

٤٢٤
سنة ٣٥
وتميم بن أبيّ بن مقبل فى آخرين غيرهم . مما مدحه به وبكاه حسان
وهجا به قاتله :
وغَزَوُونا عند قبرِ محمدٍ !(١)
أتركُتُمُ غَزْوَ الدَّروبِ وراءِكُمْ
٣٠٦١/١
ولبِئْسَ أمرُ الفاجرِ المتَعَمَّدِ !
فلبئسَ حَدْىُ المسلمين ◌َدَيْتُمُ
حَوْلَ المدينةِ كلَّ لَيْنٍ مِذْوَدٍ(٣)
إن تقْدِموا نجعلْ قِرِىسَرَوَاتِكُمْ
وَلَمِثْلُ أَمْرِ أَمِيرٍ كم لم يَرْشَدِ
أو تُدْبِرِوا فلبئسَ ما سافَرَتَمُ
بُدْنٌ تُذَبَّحُ عِندَ بابِ المسجد(٣)
وكأنَّ أصحابَ النَِّى عَشِيَّةً
أمْسَى مُقِيماً فى بَقِيعِ الفَرْقَدِ
أَبكى أبا عَمْرِو لحُسْنِ بلائِهِ
وقال أيضًا :
بابٌ صَرِيعٌ وبابٌ مُخْرَق خرِبُ(٤)
إِنْ تُمْسِ دَارُ ابْن أَرْوَى مِنْه خاوِيَةٌ
فيها ويهوِى إليها الذِّكُرُ والحَسَبُ
لا يَسْتَوَى الصّدْقُ عند الله والكذِبُ
فقد يُصادِفُ باغى الخَيْرِ حاجَتَهُ
يأيُّها الناسُ أَبْدُوا ذاتَ أنْفُسِكُمْ
قوموا بِحَقِّ مليكِ الناسِ تَعْتَرِّفوا
فيهم حبيبٌ شِهابُ المَوْتِ يَقْدُمُهُمّ(٥)
٣٠٦٢/١
بِغارةٍ عُصَبٍ مِنْ خَلِفِها عُصَبُ
مُسْتَلْئِماً قد بدا فى وَجْهه الغَضَبُ
وله فيه أشعار كثيرة . وقال كعب بن مالك الأنصارىّ :
ولِدِ مْعِك الْمُتَرَفْرِقِ المنزوِفِ
يا للرّجالِ لِلُبِّكَ المخْطوفِ
هَدَّ الجبالَ فَأنْقَضَتْ بِرُجوفٍ
وَيْحٌ لأمر قد أتانى رائعٍ
قامَتْ لِذِاك بَلَيَّةُ الْتَخْوِيفِ
قَتْلُ الخليفةِ كان أمراً مُفْظِماً
والشمسُ بازغةٌ له بكُوفٍ
قتلُ الإمامِ له النجومُ خَواضِعٌ
بالنعش فوقَ عَواتقٍ وَكُتُوفٍ!
ياَشْفَ نفسى إذ تَوَلَّوْا غُدْوَةً
(١) ديوانه ١٠١ (٢) الديوان: ((كلّ لَدْن)). (٣) الديوان: ((تنجر)).
(٥) كذا فى الديوان؛ وهو حبيب بن مسلمة الفهرى ؛ كان
(٤) ديوانه ٢٢ .
وجهه معاوية لنصرة عثمان. وفى ط: ((خبيث)).

٤٢٥
سنة ٣٥
وَلَّوْا ودَلَّوْا فى الضَّرِيحِ أخاهُمُ
مِن نائلٍ أو سُودَدٍ وَحَمَالَةٍ
كم مِنْ يَتِيمِ كَانَ يَخْبُرُ عَظَمَهُ
مازال يَقْبَّلُهُمْ وَيَرْأَبُ ظُلمَهِمْ
أَمْسَى مُقيماً بالبقيعِ وأصبحوا
النارُ موعِدُهُمْ بقتل إمامِهِمْ
جَمَعَ الحمالةَ بعدَ حِلْمٍ راجِحٍ
يا كَعبُلا تَنفكّ تَبْكى مالكاً
فا بكى أبا عمرو عتيقاً واصلاً
ولَيَبْكِهِ عِنْدَ الحفاظِ لُمُعْظِيمِ
قَتَلوك یا عثمانُ غيْرَ مُدنَّسٍ
ماذا أَجِنَّ ضريحُهُ المَسْقوفُ!
سَبَقَتْ له فى الناس أو معروفٍ
أمْسى بمنزِلهِ الضَّياع يطوف
حتى سعْتُ بِرَنَّةِ التَّلِيف
مُتَفرِّقِين قَدَ أُجمعوا بخفُوفٍ
عثمانَ ظَهْرًا فى البلادِ، عَقِيفُ(١)
والخيرُ فيه مُبَيَّنٌ معروف
ما دُنْتَ حيًّا فى البلاد تطوف
ولواءهم إذا كان غيْرَ سَخیفٍ
والخيْلُ بين مَقانبٍ وصُفوف
قَتْلاً لَمْرُكَ واقِفً بِسَقيف
٣٠٦٣/١
وقال حسَّان :
من سَرَّهُ الموتُ صِرْفاً لا مِزَاجَ له
مُستَشْعِرِى حَلَقِ الماذِىّ قد شُفِعَتْ
صبراً فِدَى لَكُمُ أمّى وما وَلَدَتْ
فليأتِ مِأْسَدَةً فى دارِ عُثْمانا(٣)
قبلَ المخاطِمِ بَيْضُ زانَ أَبْدانا(٣)
قدينفعُ الصَّبْرُ فى المِكْروهِ أُحيانا
وبالأمير وبالإِخْوانِ إخْوانا
ما دُنْتُ حِيًّا وما سّمِيتُ حَسَّانا
اللهُ أكبرُ يا ثاراتٍ عثمانا
فقد رَضينا بأهل الشام نافِرَةٌ
إِنِى لَمِنْهُمْ وإن غابوا وإن شَهِدُوا
لَتَسْمَعَنَّ وشيكًا فی دِیارِ هِمُ
يا ليتَ شعرى وليتَ الطِيْرَ تُخبرُنى ما كان شأنُ عَلىّ وابْنٍ عَفّانا!
وقال الوليد بن عقبة بن أبى مُعَبْطُ يُحرّض ◌ُمارة بن عُقبة :
:
٣٠٦٤/١
(١) قتل ظهراً؛ أى غيلة (٢) ديوانه ٤٠٩، ٤١٠. (٣) استحقب السلاح:
حمله ، والماذى: خالص الحديد . المخاطر : الأنوف .

٤٢٦
سنة ٣٥
قتيلُ التُّجيبى الذى جاء من مِصْرٍ
عُمارةَ لا يَطْلُبْ بِذَحْلٍ ولا وِثْرٍ
مخيّمُهُ بين الخورْنَقِ والقَصْرِ
ألا إنَّ خيْرِ الناسِ بعد ثلاثةٍ
فإِن يكُ غَنِى بِابْنِ أَمِّىَ صادقاً
يَبِيتُ وأوتارُ ابْنِ عَفّانَ عِنْدَهُ
فأجابه الفضل بن عباس(١!
٣٠٦٥/١١
أتطلُبُ ثأراً لستَ مِنْهُ ولا لَهُ
كما أنَّصَلَتْ بِنْتُ الحِمَارِ بِأَمِّها
ألا إنَّ خِيْرَ الناسِ بعد محمَّدٍ
وأوَّلُ مَنْ صلّى وصِنْوُ نَبِيّة
فلوْ رَأَتِ الأنصارُ ظُلْمَ ابنِ عِنَّكُمْ
كَفَ ذاكَ عَيْبًا أن يشيروا بقَتْلِهِ
وأَيْنَابْنُذَ كوان الصَّفورىّ من عمرٍ وا
و تَنسَى أباها إِذ تُسامى أولى الفَخْرِ
وصىّ النَّبِىّ المصطفى عِنْدَ ذى الذّكرِ
وأوَّلُ من أُرَدَى الغُواةَ لَدَى بَدْرِ
لَكانوا له من ظلمهِ حاضرى النَّصْر
وأن يُسْلِمُوهُ للأحابيشِ من مصرٍ
وقال الحُباب بن يزيد المجاشعيّ، عمّ الفرزدق :
لقد ذهبَ الخَيْرُ إلّ قليلا
لَعَمْرُ أَبِيكَ فلا تَجْزَعَنْ
وخَلَى ابنُ عَفّانَ شَرًّا طويلا
لقد سَفهَ الناسُ فى دينهم
فسِيرى إلى اللهِ سَيْرًاً جميلا
أعاذِلَ كُلُّ امرئْ هالكٌ
(١) هو الفضل بن عباس بن عتبة بن أبي لهب وانظر الأغانى ٤: ١٧٤ ساسى.

٤٢٧
٣٠٦٦/١
خلافة أمير المؤمنين على بن أبى طالب
وفى هذه السنة بويع لعلىّ بن أبى طالب بالمدينة بالخلافة .
ذكرُ الخبر عن بيعة من بايعه ، والوقت الذى بويع فيه
اختلف السلف من أهل السَُّر فى ذلك ، فقال بعضُهم : سأل عليًّا
أصحابُ رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يتقلّد لهم والمسلمين، فأبى عليهم؛
فلما أبَوْا عليه ، وطلبوا إليه ، تقلد ذلك لهم .
. ذ کر الرواية بذلك عمن رواه :
حدّثنى جعفر بن عبد الله المحمّدىّ، قال: حدّثنا عمرو بن حمّاد وعلى
ابن حسين ، قالا : حدثنا حسين عن أبيه ، عن عبد الملك بن أبى سليمان
الفزارىّ، عن سالم بن أبى الجعْد الأشجعىّ، عن محمّد بن الحنفيّة، قال :
كنتُ مع أبى حين قُتل عثمان رضى الله عنه ، فقام فدخل منزلته ، فأتاه
أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقالوا: إنّ هذا الرّجل قد قُتل،
ولا بدّ للناس من إمام، ولا نجد اليوم أحداً أحقَّ بهذا الأمر منك ؛ لا أقدمَ
سابقةً، ولا أقربَ من رسول الله صلى الله عليه وسلم . فقال: لا تفعلوا، فإنى
أكون وزيراً خيرٌ من أن أكون أميراً ؛ فقالوا : لا ، والله ما نحن بفاعلين حتى
نُبايعَك؛ قال: ففى المسجد، فإنّ بيعتى لا تكون خفيًا(١)، ولا تكون إلاّ
عن رضا المسلمين . قال سالم بن أبى الجعْد : فقال عبد الله بن عباس: فلقد
كرهت أن يأتىَ المسجد مخافة أن يُشْغَب عليه؛ وأبى هو إلا المسجد، فلمّا دخل
دخل المهاجرون والأنصار فبايعوه ، ثم بايعه الناس .
٣٠٦٧/١
وحدثنى جعفر، قال : حدثنا عمرو وعلىّ، قالا : حدّثنا حسين، عن
أبيه ، عن أبى ميمونة ، عن أبى بشير العابدىّ ، قال : كنت بالمدينة حین
قتل عثمان رضى الله عنه، واجتمع المهاجرون والأنصار، فيهم طلحة والزُّبير،
فأتوا عليًّاً فقالوا: يا أبا حسن؛ هلمَّ نبايعك ، فقال: لاحاجة لى فى أمْركم،
أنا معكم فمن اخْتَرْتم فقد رضيتُ به، فاختاروا واللّه فقالوا: ما نَخْتار
(١) ابن الأثير: ((خفية)).

٤٢٨
سنة ٣٥
.
غيرك؛ قال: فاختلفوا إليه بعد ما قتل عثمان رضى اللّه عنه مِرارًا، ثمّ أتوْه
فى آخر ذلك، فقالوا له : إنه لا يَصْلح الناس إلاّ بإمْرة، وقد طال الأمر ،
فقال لهم: إنكم قد اختلفتم إلىّ وأتيتم، وإنّى قائل لكم قولا إن قبِلْتُمُوه قبلت
أمْرَكم، وإلاّ فلا حاجة لى فيه . قالوا : ما قلتَ من شىء قبلناه إن شاء الله .
فجاء فصعد المنبرَ، فاجتمع الناس إليه ، فقال: إنى قد كنت كارِهًا لأمركم،
فأبيتم إلاّ أن أكون عليكم؛ ألا وإنه ليس لى أمرٌ دونكم، إلاّ أنّ مفاتيح
مالكم معى ، ألا وإنه ليس لى أن آخذَ منه درهمًا دونكم، رضيتم ؟ قالوا :
نعم ؛ قال : اللهمّ اشهد عليهم، ثمّ بايعهم على ذلك.
قال أبو بشير : وأنا يومئذ عند منبر رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم قائم
أسمع ما يقول .
٣٠٦٨/١
وحدثنى عمر بن شبّة، قال : حدّثنا علىّ بن محمد ، قال : أخبرنا
أبو بكر الهُذَلِىّ، عن أبى المليح، قال: لما قتل عثمان رضى الله عنه، خرج
علىّ إلى السوق ، وذلك يوم السبت لثمانى عشرة ليلة خلت من ذى الحجة ،
فاتّبعه الناس وبهَشوا (١) فى وجهه ، فدخل حائطَ بنى عمرو بن مبذول ، وقال
لأبى عمرة بن عمرو بن محْصَن : أغلق الباب ، فجاء الناس فقرعوا الباب ،
فدخلوا ، فيهم طلحة والزّبير ، فقالا: يا علىّ ابسُط يَدك . فبايعه طلحة
والزّبير ، فنظر حبيب بن ◌ُذُؤَيْب إلى طلحة حين بايع ، فقال: أوّل من
بدأ بالبَيْعة يدٌ شلاّء؛ لا يتمّ هذا الأمر! وخرج علىّ إلى المسجد فصعد
المنبر وعليه إزارٌ وطاقٌ(٢) وعمامة خزّ، ونعلاه فى يده، متوكثاً على قوس ؛
فبايعه الناس . وجاءوا بسعْد ، فقال علىّ : باِع ، قال : لا أبايعُ حتى
يبايع الناس ، والله ما عليك منى بأس؛ قال: خلّوا سبيله . وجاءوا بابن عمر ،
فقال : بايع ، قال : لا أبايع حتى يبايع الناس، قال: اثتنى بحمِيل(٣)، قال:
لا أرَى حميلاً، قال الأشتر: خلِّ عنّى أضرب عنقه ، قال علىّ: دعوه،
أنا حميلُه، إنك - ما علمت - لسيئ الخلق صغيراً وكبيراً .
(١) بهشوا فى وجهه، أى ارتاحوا إليه.
(٣) الحميل هنا : الكفيل .
(٢) الطاق : العليلسان .

٤٢٩
سنة ٣٥
وحدّثنى محمد بن سنان القزّاز ، قال : حدّثنا إسحاق بن إدريس ،
قال : حدّثنا هشيم ، قال : أخبرنا حميد ، عن الحسن ، قال : رأيت الزبير
ابن العوّام بايع عليا فى حَشّ من حِشّان (١) المدينة.
وحدثنى أحمد بن زُهير ، قال : حدثنى أبى ، قال : حدّثنا وهب
ابن جرير، قال : سمعتُ أبى، قال: سمعت يونس بن يزيد الأيْلىّ، عن ٣٠٦٩/١
الزُّهرىّ، قال: بايع الناس علىّ بن أبى طالب ، فأرسل إلى الزّبير وطلحة
فدعاهما إلى البيعة، فتلكأ طلحة، فقام مالك الأشتر وسل سيفه وقال: والله لتبايعن"
أو لأضربنّ به ما بين عينيك ، فقال طلحة : وأين المهرب عنه ! فبايعه، وبايعه
الزّبير والناس . وسأل طلحة والزّبير أن يؤمّرهما على الكوفة والبصرة ، فقال:
تكونان عندى فأتحمَّل بكما، فإنى وَحْشٌ(٢) لفراقكما. قال الزّهرىّ: وقد
بلغنا أنه قال لهما : إنْ أحببتما أن تُبايعا لى وإن أحببما بايعتكما ، فقالا : بل
نبايعك ؛ وقالا بعد ذلك : إنما صنعنا ذلك خشيةً على أنفسنا ، وقد عرفنا أنه
لم يكن ليُبايعَنا . فظهرا إلى مكة بعد قَتْل عمان بأربعة أشهر .
وحدثنى عمر بن شبّة ، قال : حدّثنا أبو الحسن ، قال : حدّثنا
أبو مخْنف ، عن عبد الملك بن أبى سُليمان، عن سالم بن أبى الجَعْد ، عن
محمد بن الحنفيَّة ، قال : كنت أُمْسِى مع أبى حين قُتِل عثمان رضى الله عنه
حتى دخل بيته، فأتاه ناسٌ من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم،
فقالوا: إنّ هذا الرجل قد قُتِل، ولا بدّ من إمام للناس ، قال: أو تكون
شورى ؟ قالوا : أنت لنا رضًا ، قال : فالمسجد إذاً يكون عن رضا من الناس .
فخرج إلى المسجد فبايعه مَن بايعه ؛ وبايعت الأنصار عليًّاً إلاّ نُفَيراً يسيراً ،
فقال طلحة : ما لنا من هذا الأمر إلا كحسَّة أنف الكلب .
وحدثنى عمر ، قال : حدثنا أبو الحسن ، قال : أخبرنا شيخٌ من بنى
هاشم ، عن عبد اللّه بن الحسن ، قال : لما قتل عثمان رضى الله عنه بايعت
الأنصار عليًّاً إلاّ نُفَيْرًا يسيرًا، منهم حسّان بن ثابت ، وكعب بن مالك ،
(١) الحش: البستان أو مجمع النخل. (٢) وحش لفراقكما، أى متألم لذها بكما عنى.
١/ ٣٠٧٠

٤٣٠
سنة ٣٥
ومسلمة بن مخلّد، وأبو سعيد الخُدْرىّ، ومحمد بن مسلمة ، والنعمان بن بشير ،
وزيد بن ثابت ، ورافع بن خديج ، وفضالة بن عُبَيد ، وكعب بن عُجْرة،
كانوا عثمانيّة. فقال رجل لعبد الله بن حسن: كيف أبَى هؤلاء بيعة على!
وكانوا عثمانية . قال : أما حسّان فكان شاعراً لا يُبالى ما يصنع؛ وأما زيد
ابن ثابت فولاه عثمان الديوانَ وبيتَ المال ، فلما حُصِر عثمان ، قال :
يا معشر الأنصار، كونوا أنصاراً لله ... مرّتين، فقال أبو أيُّوب : ما تنصره
إلا أنه أكثر لك من العِضْدان(١). فأما كعب بن مالك فاستعمله على صَّدَقة
مُزَيْنة وترك ما أخذ منهم له .
قال : وحدثنى مَنْ سمع الزّهرىّ يقول : هرب قوم من المدينة إلى الشام
ولم يبايعوا عليًّا، ولم يبايعه قُدامة بن مظعون، وعبد الله بن سلام ، والمغيرة
ابن شعبة . وقال آخرون: إنما بايع طلحة والزبير عليًّا كرهًا.
وقال بعضهم : لم يُبَابِعْه الزّبير .
٠
ذِ كْرُ من قال ذلك :
#
٣٠٧١/١
حدّثنى عبد الله بن أحمد المروزىّ ، قال: حدثنى أبى ، قال : حد ◌ّثنی
سليمان ، قال: حدّثّنى عبد الله، عن جرير بن حازم، قال: حدّثى هشام
ابن أبى هشام مولى عثمان بن عفان ، عن شيخ من أهل الكوفة ، يحدثه عن
شيخ آخر، قال : حُصِر عثمان وعلىّ بخَيَبْر، فلما قدم أرسل إليه عثمان
يدعوه، فانطلق، فقلت: لأنطلقنّ معه ولأسمعنّ مقالتهما ، فلما دخل
عليه كلّمه عثمان، فحمد الله وأثنى عليه ثمّ قال: أمّا بعد، فإنّ لى عليك
حقوقًا؛ حقّ الإسلام، وحقّ الإخاء - وقد علمتَ أن رسولَ اللّه صلى اللّه
عليه وسلم حين آخَى بين الصّحابة آخى بينى وبينك - وحقّ القرابة والصِّهْر،
وما جعلتَ لى فى عنقك من العهد والميثاق ، فوالله لو لم يكن من هذا شىء ثم
كنّا إنما نحن فى جاهليّة، لكان مُبَطَّأ على بنى عبد مناف أن يبتزّهم أخو
بنى تَيْ مُنْكَهم .
(١) العضدان: جمع عضيد؛ وهى النخلة لها جذع يتناول منه المتناول.
٨

٤٣١
سنة ٣٥
فتكلم علىّ، فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: أما بعد، فكلّ ما ذكرتَ
من حقّكِ علىَّ على ما ذكرتَ، أمّا قولك: لو كنا فى جاهليّة لكان مبطًأ على
بنى عبد مناف أن يبتزّهم أخو بنى تَيْم ملكتَهم فصدقتَ ، وسيأتيك الخبر .
ثمّ خرج فدخل المسجد فرأى أسامة جالسًا، فدعاه، فاعتمد على يده ،
فخرج يمشى إلى طلحة وتبعتُه، فدخلنا دار طلحة بن عبيد الله وهى دحاس(١)
من الناس ، فقام إليه، فقال : يا طلحة ، ما هذا الأمر الذى وقعتَ فيه ؟
فقال : يا أبا حسن، بعد ما مسّ الحزام الطُّبيين! فانصرف علىّ ولم يُحِرْ
إليه شيئًا حتى أتى بيتَ المال ، فقال : افتحوا هذا الباب ، فلم يقدر على
المفاتيح ، فقال : اكسروه؛ فكُسرباب بيت المال ، فقال : أخرجوا المال ،
فجعل يُعْطى الناس فبلغ الذين فى دار طلحة الذى صنع علىّ ، فجعلوا
يتسللون إليه حتى تُرِك طلحة وحده. وبلغ الخبرُ عثمانَ، فسُرّ بذلك، ثمّ أقبل
طلحة يمشى عائداً إلى دار عثمان ، فقلت: والله لأنظرن" ما يقول هذا ؛ فتبعتُه،
فاستأذن على عثمان ، فلمّا دخل عليه قال: يا أميرَ المؤمنين ، أستغفر الله وأتوب
إليه، أردتُ أمرًاً فحال اللّه بينى وبينه ، فقال عثمان: إنك والله ما جئت
تائِباً ، ولكنك جئت مغلوبًا ، الله حسيبك يا طلحة !
٣٠٧٢/١
وحدّثنى الحارث ، قال : حدثنا ابن سعد ، قال : أخبرنا محمد بن
عمر ، قال : حدثنى أبو بكر بن إسماعيل بن محمد بن سعد بن أبى وقّاص ،
عن أبيه ، عن سعد ، قال : قال طلحة : بايعتُ والسيف فوق رأسى - فقال
سعد : لا أدرى والسيف على رأسه أم لا، إلاّ أنى أعلم أنه بايع كارهًا -
قال : وبايع الناس عليًّا بالمدينة ، وتربّص سبعة نفر فلم يبايعوه ؛ منهم:
سعد بن أبى وقّاص ، ومنهم ابن عمر ، وصهيب ، وزيد بن ثابت ، ومحمد
ابن مسلمة، وسلَمة بن وقْش، وأسامة بن زيد، ولم يتخلَّف أحدٌ من الأنصار
إلاّ بايع فيما نعلم .
وحدّثنا الزّبير بن بكّار، قال : حدّثّنى عمى مصعب بن عبد الله،
(١) ط: ((رجاس)). ودحاس من الناس؛ أى ممتلئة؛ وانظر ابن أبي الحديد ١٠: ٨.

٤٣٢
سنة ٣٥
٣٠٧٣/١ قال : حدّثنى أبى عبد الله بن مصعب، عن موسى بن عقبة ، عن أبى حبيبة
مولى الزّبير، قال: لما قَتل الناس عثمانَ رضى الله عنه وبايعوا عليًّا، جاء
علىّ إلى الزّبير فاستأذن عليه، فأعلمته به، فسلّ السيفَ ووضعه تحت فراشه،
ثم قال : ائذن له ، فأذنت له ، فدخل فسلّم على الزّبير وهو واقفٌ بنحره ،
ثمّ خرج. فقال الزبير: لقد دخَلَ المرء ما أقْصاه، قُمْ فى مقامه فانظر
هل ترى من السيف شيئًا ؟ فقمتُ فى مقامه فرأيت ◌ُذباب السيف ، فأخبرته
فقال : ذاك أعجلَ الرّجلَ. فلما خرج علىّ سأله الناس، فقال: وجدتُ
أبرَّ ابن أخْتِ وأوصلَه . فظنّ الناس خيراً ، فقال على : إنه بايعه .
ومما كتب به إلىّ السرىّ عن شعيب، عن سَيْف بن عمر ، قال :
حدّثنا محمد بن عبد الله بن سواد بن نُويرة ، وطلحة بن الأعلم ، وأبو حارثة ،
وأبو عثمان ، قالوا: بقِيَت المدينة بعد قَتْل عثمان رضى الله عنه خمسة أيام،
وأميرها الغافقيّ بن حرب يلتمسون من يُجيبهم إلى القيام بالأمر فلا يجدونه ،
يأتى المصريّون عليًّا فيخْتبى منهم ويلوذُ بحيطان المدينة ، فإذا لتَقوْه باعدهم
وتبرّأ منهم ومن مقالتهم مرّة بعد مرّة؛ ويطلب الكوفيون الزّبير فلا يجدونه ،
فأرسلوا إليه حيث هو رسُلاً، فباعدهم وتبرّاً من مقالتهم؛ ويطلب البصرّيون
طلحةَ فإذا لقيهم باعدهم وتبرّأ من مقالتهم مرّة بعد مرّة ؛ وكانوا مجتمعين
على قَتْل عثمان مختلفين فيمن يهوَوْن ، فلما لم يجِدُوا ممالِئًا ولا مُجيبًا جمعهم
الشرّ على أوّل من أجابهم ، وقالوا: لا نولى أحداً من هؤلاء الثلاثة ، فبعثوا
إلى سعد بن أبى وقّاص وقالوا : إنك من أهل الشورى فَرَأيُنا فيك مجتمع،
فاقدَمَ نبايعك ، فبعث إليهم : إنى وابن عمر خرجنا منها فلا حاجة لى فيها
على حال ؛ وتمثّل:
٣٠٧٤/١
واخلع ثيابك منها وانجُ عُریانا
لا تَخْلِطَنَّ خبيثاتٍ بِطَيِّيَّةٍ
ثمّ إنهم أتوا ابن عمر عبد اللّه، فقالوا: أنت ابن عمر فقم بهذا الأمر،
فقال: إنّ لهذا الأمر انتقامًا والله لا أتعرّض له، فالتمسوا غيرى. فبقُوا
حيارَى لا يدرون ما يصنعون والأمر أمرهم .

٤٣٣
سنة ٣٥
و کتب إلى السرىّ، عن شعیب، عن سیف، عن سهل بن يوسف ، عن
القاسم بن محمد ، قال : كانوا إذا لقوا طلحةَ أبَى وقال :
ومن عَجَبِ الأيامِ والدَّهرِ أنى بقيتُ وحيدًا لا أمِرُّ ولا أحلى
فيقولون : إنَّك لتوعدنا . فيقومون فيتركونه، فإذا لقُوا الزّبير وأرادوه
أبی وقال :
متى أنت عن دارٍ بفَيْحان راحلٌ وباحِتِها تَخْنُو عليك الكتائبُ
فيقولون : إنك لتوعدنا ! فإذا لقوا عليًّا وأرادوه أبى، وقال :
لو أَنَّ قومى طاوَعَتَنِى سَّرَاتُهُمْ أَمَرْتُهُمُ أمرًا يُديخ الأعاديا
فيقولون : إنك لتوعدنا ! فيقومون ویتر کونه .
وحدثنى عمر بن شبّة، قال: حدّثنا أبو الحسن المدائنىّ ، قال : أخبرنا
مسلمة بن محارب ، عن داود بن أبى هند ، عن الشعبىّ ، قال : لما قتل عثمان
رضى الله عنه أتى الناسُ عليًا وهو فى سوق المدينة، وقالوا له: ابسط يدك نبايعْك،
قال: لا تعجلوا فإنّ عمر كان رجلاً مباركاً، وقد أوصى بها شوری، فأمهلوا
يجتمع الناس ويتشاورون . فارتدّ الناس عن علىّ ؛ ثم قال بعضهم : إن رجع
الناس إلى أمصارهم بقَتْل عثمان ولم يتقْم بعده قائمٌ بهذا الأمر لم نأمن اختلاف
الناس وفساد الأمة، فعادوا إلى علىّ، فأخذ الأشْتَرُ بيده فقبضها علىّ، فقال:
أبعد ثلاثة! أما والله لئن تركتها لتقصرنّ عَنْيتَك (١) عليها حينًا، فبايعته
العامَّة . وأهل الكوفة يقولون: إنّ أوّل من بايعه الأشتر .
٣٠٧٥/١
وكتب إلىّ السرىّ ، عن شعيب، عن سيف ، عن أبى حارثة وأبى
عثمان ، قالا : لما كان يوم الخميس على رأس خمسة أيام من مقتل عثمان رضى
اللّه عنه، جمعوا أهل المدينة فوجدوا سعداً والزّبير خارجيْن، ووجدوا طلحة
فى حائط له ، ووجدوا بنى أميّة قد هربوا إلاّ من لم يُطِق الهرب، وهرب الوليد
وسعيد إلى مكة فى أوّل من خرج، وتبعهم مروان ، وتتابع على ذلك مَنْ تتابع،
(١) عنيتك، أى عناك، وفى ط: ((عينيك)).

٤٣٤
سنة ٣٥
٣٠٧٦/١
فلما اجتمع لهم أهلُ المدينة قال لهم أهل مصر: أنتم أهل الشورى، وأنتم تعقدون
الإمامةَ، وأمركم عابر(١) على الأمة، فانظروا رجلاً تنصبونه ، ونحن لكم
تبَعَ . فقال الجمهور : علىّ بن أبى طالب نحن به راضون .
وأخبرنا علىّ بن مسلم ، قال : حدّثنا حَبّان بن هلال، قال : حدّثنا
جعفر بن سليمان ، عن عوف ، قال : أما أنا فأشهد أنى سمعتُ محمد بن
سيرين يقول: إنّ عليًّا جاء فقال لطلحة : ابسط يدك يا طلحة لأبايعك،
فقال طلحة : أنت أحقّ، وأنت أمير المؤمنين، فابسط يدك ، قال: فبسط
علىّ يده فبايعه .
وكتب إلىّ السرىّ عن شُعيب، عن سيف ، عن محمد وطلحة ،
قالا : فقالوا لهم: دونكم يا أهل المدينة فقد أجلناكم يومين(٢)، فوالله لئن
لم تفرُغوا لنقتلنّ غداً عليًّا وطلحة والزّبير وأناسًا كثيراً. فغشى الناس عليًّا
فقالوا: نُبايعك فقد ترى ما نزل بالإسلام؛ وما ابتُلينا به من ذوى القُربى(٣)،
فقال علىّ: دعونى والتَّمِسوا غيرى فإنّا مستقبلون أمراً له وجوه وله ألوان،
لا تقوم له القلوب، ولا تثبت عليه العقول. فقالوا: ننشدُك الله ألا ترى ما نرى!
ألا ترى الإسلام! ألا ترى الفتنة! ألا تخاف الله! فقال: قد أجبتكم لما
أرى ، واعلموا إن أجبتكم ركبتُ بكم ما أعلم ، وإن تركتمونى فإنما أنا كأحدكم،
إلاّ أنى أسمعكم وأطوَ عكم لمن وليتموه أمركم. ثمّ افترقوا على ذلك واتتعدوا الغد.
وتشاور الناس فيما بينهم وقالوا : إن دخل طلحة والزبير فقد استقامت . فبعث
البصريّن إلى الزّبير بصريًّا، وقالوا: احذر لاتحادّه ـ- وكان رسولهم حُكتيم بن
جبّلة العبدىّ فى نفر - فجاءوا به يحدّونه بالسيف. وإلى طلحة كوفيًا وقالوا
له: احذر لا تحادّه، فبعثوا الأشتر فى نَفَرَ فجاءوا به يحدّونه بالسيف. وأهلُ
الكوفة وأهل البصرة شامتون بصاحبهم ، وأهل مصر فرحون بما(٤) اجتمع عليه
أهلُ المدينة، وقد خشع أهل الكوفة وأهل البصرة أن صاروا أتباعًا لأهل مصر
وحِشْوة فيهم ، وازدادوا بذلك على طلحة والزّبير غيظًا ، فلما أصبحوا من
٣٠٧٧/١
(١) ابن الأثير والنويرى ((جائز)).
(٣) ابن الأثير والنويرى: ((بين القرى)).
(٢) ابن الأثير والنويرى: ((يومكم)).
(٤) النويرى: ((ما)).

٤٣٥
سنة ٣٥
يوم الجمعة حضر الناس المسجد ، وجاء علىّ حتى صعد المنبر ، فقال: يأيّها
الناس-عن ملاٍ وإذن، إنّ هذا أمرُكم ليس لأحد فيهِ حقّ إلاّ من أمرتم،
وقد افترقنا بالأمس على أمر، فإن شئتم قعدت لكم، وإلاّ فلا أجد على أحد .
فقالوا : نحن على ما فارقناك عليه بالأمس . وجاء القوم بطلحة فقالوا : بايع ،
فقال : إنى إنّما أبابع کرھًا ، فبايع۔۔ و کان به شلل - أوّل الناس، وفى الناس
وجل يعتاف ، فنظر من بعيد، فلما رأى طلحة أوّل من بايع قال: إنا لله وإنا
إليه راجعون! أوّل يد بايعت أمير المؤمنين يدٌ شلاء، لا يتمّ هذا الأمر !
ثم جىء بالزّبير فقال مثل ذلك وبايع - وفى الزّبير اختلاف - ثمّ جِىء بقوم
كانوا قد تخلّفوا فقالوا : نُبايع على إقامة كتاب الله فى القريب والبعيد، والعزيز
والذّليل ، فبايعهم ؛ ثمّ قام العامَّة فبايعوا.
كتب إلىّ السرىّ عن شعيب، عن سيف، عن أبى زُهير الأزدىّ ،
عن عبد الرحمن بن جندب ، عن أبيه ، قال : لما قتل عثمان رضى الله عنه
واجتمع الناس على علىّ، ذهب الأشْتَر فجاء بطلحة، فقال له: دعنى أنظر
ما يصنع الناس، فلم يَدَعه وجاء به يتُلُّه تَلاَّ عنيفًا (١)، وصعد المنبر فبايع.
وكتب إلىّ السرىّ ، عن شعيب ، عن سيف ، عن محمد بن قيس ،
عن الحارث الوالبيّ، قال : جاء حكيم بن جبلة بالزّبير حتى بايع؛ فكان
الزّبير يقول: جاءنى لصٌّ من لُصوص عبد القيس فبايعت واللُّجّ(٢) على عنقى.
٣٠٧٨/١
وكتب إلىّ السرىّ، عن شعيب ، عن سيف ، عن محمد وطلحة ،
قالا : وبايع النّاس كلهم .
قال أبو جعفر: وسمح بعد هؤلاء الذين اشترطوا الذين جىء بهم، وصار
لأمر أمر أهل المدينة، وكانوا كما كانوا فيه، وتفرقوا إلى منازلهم لولا مكان النَّزاع
والغوغاء فيهم .
(١) يتله تلا عنيفاً، أى يدفعه دفعاً شديداً.
(٢) الج : السيف؛ تشبيهاً بلج الماء .

٤٣٦
سنة ٣٥
اتّساق الأمر فى البيعة لعلى بن أبى طالب عليه السلام
وبويع علىّ يوم الجمعة لخمسٍ بقين من ذى الحجّة- والناس يحسبون
من یوم قتل عثمان رضى الله عنه - فأوّل خطبة خطبها علی حین استخلف -
فيما كتب به إلىّ السرىّ، عن شعيب، عن سيف، عن سليمان بن أبى المغيرة ،
عن علىّ بن الحسين - حمد الله وأثنى عليه، فقال:
إنّ اللّه عزّ وجلّ أنزل كتابًا هاديًا بيَّن فيه الخير والشرّ، فخذوا
بالخير ودعوا الشرّ. الفرائضَ أدّوها إلى الله سبحانه يؤدكم إلى الجنَّة. إنّ اللّه
حرّم حُرَمًا غير مجهولة، وفضّل حُرْمة المسلم على الحُرَم كلّها، وشدّ بالإخلاص
والتوحيد المسلمين. والمسلم مَن سلم النّاس من لسانه ويده إلا بالحقّ، لا يحلّ
أذى المسلم إلاّ بما يجب. بادروا أمر العامة، وخاصّة أحدكم الموتُ، فإنّ الناس
أمامكم، وإنّ ما من خلفكم الساعةُ تحدوكم. تخفّقوا تلحقوا، فإنما ينتظر الناس
أخراهم. اتقوا اللّه عبادَه فى عباده وبلاده، إنكم مسئولون حتى عن البقاع
والبهائم ، أطيعوا الله عزّ وجلّ ولا تعصوه ، وإذا رأيتم الخير فخذوا به وإذا رأيتم
الشرّ فدعوه، ﴿وَاذْ كُرُوا إِذْ أَنْتُمْ قَلِيلٌ مُسْتَضْعَفُون ◌ِى الأَرْضِ﴾(١).
٣٠٧٩/١
ولما فرغ علىّ من خطبته وهو على المنبر قال المصريون :
خُذْها ... وَاحْذَرَا أبا حَسَنْ(٣) إِنَّا نِرُّ الأمرَ إِمْرارَ الرَّسَنْ
وإنما الشعر :
• خذها إليكَ واحذرًا أبا حَسَنْ.
فقال علىٌّ مجيبًا :
إِى عَجَزَتُ عَجْزَةً مَا أَعْتَذِرْ سَوْفَ أكيسُ بَعْدَها وأَسْتَمِرٌ
وكتب إلىّ السرىّ عن شعيب، عن سيف ، عن محمد وطلحة ، قالا :
ولما أراد علىّ الذّهاب إلى بيته قالت السبئيّة:
(١) سورة الأنفال ٤١
(٢) هكذا غير موزون .

٤٣٧
سنة ٣٥
إِنَّا نُمِرُّ الأمرَ إمرارَ الرَّسَنْ
خذها إليك واحذراً أبا حسن
بِشْرَفِيَّاتِ كَغُدْرانِ الّبَنْ
صَوْلَةَ أَقْوامٍ كَأَسْدادِ السُّفُنْ
ونَطَعن المُلكَ بِلَيْنِ كالشَّطَنْ
حتى يُرِّنَّ على غَيرٍ عَنْ
فقال علىّ وذكر تركهم العسكر والكينونة على عِدَة مامُنُّوا حين غمزوهم
ورجعوا إليهم، فلم يستطيعوا أن يمتنعوا حتى ... (١)
سوف أَكيسُ بعدها وأستمرْ
إلى عجزتُ عجزةً لا أعتذِرْ
٣٠٨٠/١
وأَجْبَعُ الأمْرَ الشََّيتَ الْمُنْتَشِرْ
أَرْفَعُ مِنْ ذَيِىَ ما كُنْتُ أَجُرّ
أو يَتْرُكُونى والسَّلَاحُ يُبْتَدَرْ
إن لم يُشَاغِبْنى العَجُولُ الْمُنْتَصِرْ
واجتمع إلى علىّ بعد ما دخل طلحة والزّبير فى عدّة من الصّحابة ، فقالوا :
يا علىّ، إنّا قد اشترطنا إقامةَ الحدُود، وإنّ هؤلاء القوم قد اشتركوا فى دم
هذا الرّجل وأحلّوا بأنفسهم. فقال لهم: يا إخوتاه، إنى لست أجهل ما تعلمون ،
ولكنى كيف أصنع بقوم يملكوننا(٢) ولا نملكهم! ما هُمْ هؤلاء قد ثارت
معھم عُبدانُکم، وثابت إلیھم أعرابُكم، وهمخلالکمیسومونكم ماشاءوا، فهل
ترون موضعًا لقُدْرة على شىء مما تريدون؟ قالوا: لا، قال : فلا والله لا أرى
إلاّ رأيًا ترونه إن شاءَ الله؛ إنّ هذا الأمر أمرُ جاهليّة، وإنّ لهؤلاء القوم
مادّة؛ وذلك أن الشيطان لم يشرَع شريعة قطّ فيبرح الأرضَ من أخذ بها أبداً.
إنّ الناس من هذا الأمرإن حُرِّك على أمور : فرْقة ترى ما ترْون ، وفرْقة
ترى مَالاَ تَرون ، وِفِرْقَة لا ترى هذا ولا هذا حتى يهدأ الناس وتقع القلوبُ
مواقعها وتُؤْخَذ الحقوق، فاهدعوا عنى وانظروا ماذا يأتيكم ، ثمّ عودوا .
واشتدّ على قريش ، وحالَ بينهم وبين الخروج على حالٍ ، وإنما هَيّجه
على ذلك هربُ بنى أمية. وتفرّق القوم؛ وبعضهم يقول: والله لئن ازداد الأمرُ ٣٠٨١/١
لا قدرنا على انتصارِ من هؤلاء الأشرار ؛ لتَرْكُ هذا إلى ما قال علىّ أمثل.
وبعضهم يقول: نقضى الذى علينا ولا نؤخره، ووالله إنّ عليًا لمستغنٍ برأيه
وأمره عنا، ولا نراه إلاّ سيكون على قُريش أشدّ من غيره. فذكر ذلك لعلىّ
(١) هنا نقص فى أصول ط .
(٢) كذا فى ابن الأثير، وفى الطبرى: ((يملكونها)).

٤٣٨
سنة ٣٥
فقام فحمد الله وأثنى عليه وذكر فَضْلهم وحاجته إليهم ونظره لهم وقيامه دونهم،
وأنه ليس له من سلطانهم إلاّ ذلك، والأجر من الله عزّ وجلّ عليه، ونادى:
برئت الذّمة من عبد لم يرجع إلى مواليه. فتذامَرَت السّبئيّة والأعْراب، وقالوا:
لنا غداً مثلها، ولا نستطيع نحتجّ فيهم بشىء.
وكتب إلىّ السرى عن شعيب ، عن سيف ، عن محمد وطلحة ، قالا :
خرج علىَّ فى اليوم الثالث على الناس، فقال : يأيُّها الناس، أخرجوا عنكم
الأعراب . وقال: يا معشر الأعراب، الحقوا بمياهكم. فأبت السَّئيَّة وأطاعهم
الأعراب . ودخل علىّ بيته ودخل عليه طلحة والزّبير وعدّة من أصحاب النبيّ
صلى الله عليه وسلم، فقال: دونكم ثأركم فاقتلوه؛ فقالوا: عَشوْا(١) عن ذلك ،
قال : هم واللّه بعد اليوم أعْشى وآبى. وقال :
٢٠٨٢/١
لو أنَّ قومى طاوعَتْنى سَرَاتُهُمْ أَمَرْهُمُ أَمْرًا يُديخُ الأعاديا (٢)
وقال طلحة: دعنى فلآتِ البصرة فلا يفْجؤك إلاّ وأنا فى خيل ، فقال :
حتى أنظر فى ذلك. وقال الزّبير: دعنى آتِ الكوفة فلا يفجؤك إلاّ وأنا فى
خيل ، فقال : حتى أنظر فى ذلك ؛ وسمع المغيرة بذلك المجلس فجاء حتى دخل
عليه ، فقال : إنّ لك حقّ الطاعة والنصيحة، وإنّ الرّأى اليوم تُحرز به
ما فى غد ، وإنّ الضَّاع اليومَ تضيِّع به ما فى غد ؛ أقْرِرْ معاويةَ على عَمله ،
وأقرر ابنَ عامر على عمله، وأقرر العمّال على أعمالهم، حتى إذا أتتك طاعتهم
وبيعةُ الجنود استَبْدَلْت أو تركت . قال : حتى أنظر .
فخرج من عنده وعاد إليه من الغد ، فقال : إنى أشرت عليك بالأمس
برَأى، وإنّ الرأى أن تعاجلهم بالنزوع، فيعرف السامع من غيره ويستقبل أمرك ؛
ثمّ خرج وتلقّاه ابن عباس خارجًا وهو داخل، فلما انتهى إلى علىّ قال:
رأيت المغيرة خرج من عندك ففيم جاءك ؟ قال : جاءنى أمس بذَيَّةَ وَذِيَّةٌ،
وجاءفى اليوم بذَيَّة وذيَّة، فقال: أمَّا أمس فقد نَصَحك، وأما اليوم فقد غشّك.
قال: فما الرّأى؟ قال: كان الرّأى أن تخرج حين قُتِل الرّجل أو قبل ذلك،
فتأتىَ مكة فتدخل دارك وتغلق عليك بابَك ، فإن كانت العربُ جائِلة مضطربة
(١) يقاد : عشوت عن الشىء، أعرضت عنه
(٢) ابن الأثير: ((ولو أن)).

٤٣٩
سنة ٣٥
فى أثرك لا تجد غيرك؛ فأمّا اليوم فإنّ فى بنى أميّة من يستَحْسنون الطلب
بأن يلزموك شعبةً من هذا الأمر، ويشبّهون على الناس، ويطلبون مثل ما طلب أهلُ
المدينة، ولا تقدر على ما يريدون ولا يقدرون عليه ، ولو صارت الأمور إليهم
حتى يصيروا فى ذلك أمْوَت لحقوقهم؛ وأترك لها إلا ما يعجّلون من الشبهة . وقال
المغيرة: نصحتُهُ واللّه، فلما لم يقبل غشَشْتُه. وخرج المغيرة حتى لحق بمكة .
٢٠٨٣/١
حدّثنى الحارث ، عن ابن سعد ، عن الواقدىّ ، قال : حدثنى ابن
أبى سَبْرة، عن عبد المجيد بن سهيل، عن عبيد الله بن عبدالله بن عُشْبة ،
عن ابن عباس ، قال: دعانى عثمان فاستَعْملنى على الحجّ ، فخرجت إلى
مكة فأقمت للناس الحجّ، وقرأتُ عليهم كتابَ عثمان إليهم، ثمّ قدِمْت
المدينة وقد بويع لعلىّ ؛ فأتيتُه فى داره فوجدتُ المغيرة بن شُعْبة مستخلیًا به ،
فحبسنى حتى خرج من عنده ، فقلت : ماذا قال لك هذا ؟ فقال : قال لى
قبل مَرّته هذه: أرْسِلْ إلى عبدالله بن عامر وإلى معاوية وإلى عمّال عثمان
بعھُودهم تُقرّهم على أعمالهم ویبایعون لك الناس، فإنّھم یهد تون البلاد ويسگّنون
الناس ؛ فأبيتُ ذلك عليه يومئذ وقلتُ : والله لو كان ساعة من نهار لاجتهدتُ
فيها رأيى، ولا ولّيْتُ هؤلاء ولا مثلُهم يُوَلَّى.
قال : ثمّ انصرف من عندى وأنا أعرفُ فيه أنه يرى (١) أنى مخطئُ؛ ثُمّ
عاد إلىَّ الآن فقال: إنّى أشرتُ عليك أوّل مرّة بالذى أشرتُ عليك وخالَفْتی
فيه ، ثمّ رأيتُ بعد ذلك رأيًا، وأنا أرى أن تصنع الذى رأيتَ فتنزعهم وتستعين
بمن تَشِق به، فقد كفى اللّه، وهم أهْوَنُ شوكةً مما كان . قال ابن عباس:
فقلتُ لَعلىّ: أما المرّة الأولى فقد نصحك، وأما المرّة الآخرة فقد غَشْك؛
قال له علىّ: وليم نصحنى ؟ قال ابن عباس: لأنَّك تعلم أن مُعاوية وأصحابه
أهل دنيا، فمتى تَشْبِتهم لا يبالوا (٢) بمن ولى هذا الأمر، ومتى تعزلتهم يقولوا:
أُخذَ هذا الأمر بغیر شوری، وهو قتل صاحبنا ؛ ويؤلِّبون عليك فینتقض
عليك أهلُ الشأم وأهلُ العراق ، مع أنى لا آمن طلحة والزّبير أن يكرّاً عليك.
٣٠٨٤/١
(١) ابن الأثير: ((يود)).
(٢) ابن الأثير والنويرى: ((فتى ثبتهم لا يبالون)).

٤٤٠
سنة ٣٥
فقال علىّ: أمَّا ما ذكرت من إقرارهم فوالله ما أشكّ أنّ ذلك خيرٌ فى عاجل
الدّنيا لإصلاحها، وأما الذى يلزمنى من الحقّ والمعرفة بعمّال عثمان فوالله
لا أولَّى منهم أحداً أبداً ؛ فإن أقبلوا فذلك خيرٌ لهم: وإن أدْبروا بذلت
لهم السيف. قال ابن عباس: فأطِعْنى وادخل دارَك، والحق بمالِك بيَنْبُع،
وأغلق بابك عليك ، فإنّ العرب تجول جولةً وتضطربُ ولا تجد غيرك ، فإنك
والله لئن نهَضْت مع هؤلاء اليوم ليُحَمّلَنَّك الناس دمَ عثمان غداً. فأبى
علىّ ، فقال لابن عباس: سر إلى الشأم فقد ولّيتُكَها ؛ فقال ابن عباس:
ما هذا برأى ؛ معاويةُ رجلٌ من بنى أميّة وهو ابنُ عمّ عثمان وعامله على الشأم ،
ولست آمن أن يضرب عُنُقى لعثمان، أو أدْنى ماهو صانِعٌ أن يحبسنى فيتحكم
علىّ. فقال له علىّ: ولم ؟ قال: لقرابة ما بينى وبينك، وإنّ كلّ ما حمِل
عليك حمِل علىّ، ولكن اكتب إلى معاوية فمنُّه وعِده. فأبى علىّ وقال:
والله لا كان هذا أبداً .
قال محمّد : وحدثنى هشام بن سعد ، عن أبى هلال ، قال : قال ابن
عبّاس : قد مْت المدينة من مكة بعد قتل عثمان رضى الله عنه بخمسة أيام ،
فجئْتُ عليّاً أدخل عليه ، فقيل لى : عنده المغيرةُ بن شعبة ؛ فجلستُ بالباب
ساعةً، فخرج المغيرة فسلّم علىّ فقال: متى قدمت ؟ فقلت: الساعة .
فدخلتُ على علىّ فسلّمتُ عليه، فقال لى: لقيتَ الزّبير وطلحة؟ قال: قلت :
لقيتهما بالنَّواصف . قال : مَن معهما ؟ قلت: أبو سعيد بن الحارث بن
هشام فى فئة من قُريش. فقال علىّ: أما إنهم لن يَدَعوا أن يخرجوا يقولون:
نطلب بدم عثمان ؛ واللّه نعلم أنهم قتلة عثمان . قال ابن عباس : يا أمير المؤمنين ،
أخبرنى عن شأن المغيرة، ولمّ خلا بك؟ قال: جاءنى بعد مَقْتُل عمان بيومين،
فقال لى : أخْلِنِى، ففعلت؛ فقال : إنّ النّصح رخيص وأنت بقيّة الناس،
وإنى لك ناصح ، وإنى أشير عليك بردّ عمال عمان عامَك هذا ؛ فاكتب
إليهم بإثباتهم على أعمالهم، فإذا بايعوا لك واطمأنّ الأمْرُ لك عزّلْت من
أُحْبيت وأقرَرْت من أحبَبْت. فقلتُ: والله لا أدهن(١) فى دينى ولا أعطى
(١) ابن الأثير ((أداهن)).
٣٠٨٥/١