النص المفهرس

صفحات 361-380

٣٦١
سنة ٣٥
فإن البلاد قد تمخّضتْ عليك؛ فلا آمنُ ركبًا آخرين يقدمون من الكوفة ،
فتقول: يا علىّ، اركب إليهم ؛ ولا أقدر أن أركب إليهم؛ ولا أسمع عذراً".
ويقدم ركب آخرون من البصرة ، فتقول : يا علىّ اركبْ إليهم ؛ فإن
لم أفعل رأيتَنى قد قطعت رحِمك ، واستخففتُ بحقك .
مے
قال : فخرج عثمان فخطب الخُطبة التى نزع فيها ، وأعطى الناس من
نفسه التوبة، فقام فحمد الله، وأثنى عليه بما هو أهلُه، ثم قال : أما بعد أيها
الناس؛ فوالله ما عابَ مَن عابَ منكم شيئًا أجهلُه، وما جئت شيئًا إلاّ وأنا
أعرفه؛ ولكنّى مَنّتْى نفسى وكذبتِى، وضلّ على رشدى؛ ولقد سمعتُ
رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ((مَن زلّ فليتب، ومَن أخطأ فليتب؛
ولا يتماد فى الملكة ؛ إنّ مَن تمادى فى الجور كان أبعد من الطريق))، فأنا
أوّل من اتَّعظ ؛ أستغفر الله مما فعلت وأتوب إليه ، فمثلى نَزَع وتاب ؛
فإذا نزلت فليأتنى أشرافُكم فليُرونى رأيهم؛ فوالله لئن ردّتى الحق عبداً لأستنّ
بسنّة العبد، ولأُذِ لّنّ ذل العبد، ولأكونَنّ كالمرقوق؛ إن مُلِك صبر ،
وإن عتِقِ شكر؛ وما عن اللّه مذهَب إلاّ إليه، فلا يعجزن" عنكم خياركم
أن يدنوا إلىّ ، لئن أبت يمينى لتتابعنِّى (١) شمالى.
قال : فرق الناس له يومئذ ، وبکی من بكى منهم ، وقام إليه سعيد
ابن زيد، فقال: يا أميرَ المؤمنين، ليس بواصل لك مَن ليس معك؛ اللّهَ اللّهَ
فى نفسك! فأتم على ما قلتَ. فلما نزل عثمان وجد فى منزله سَرْوان وسعيداً ونفراً
من بنى أميَّة؛ ولم يكونوا شهدوا الخطبة ؛فلما جلس قالمروان: يا أمير المؤمنين،
أتكلّم أم أصمت ؟ فقالت نائلة ابنة الفرافصة ، امرأة عثمان الكلبيّة:
لا بل اصمت، فإنهم واللّه قاتلوه ومؤثّموه؛ إنه قد قال مقالة لا ينبغى له أن
ينزع عنها. فأقبل عليها مروان ، فقال : ما أنت وذاك ! فوالله لقد مات أبوك
وما يُحسن يتوضّاً، فقالت له: مهلاً يا مروان عن ذكر الآباء، تُخبر عن
. أبى وهو غائب تكذب عليه ! وإن أباك لا يستطيع أن يدفع عنه ؛ أما والله
لولا أنه عَمّه ، وأنه يناله غمّه ، أخبرتُك عنه ما لن أكذب عليه .
(١) ب: ((لتباينى)).
٢٩٧٤/١

٣٦٢
سنة ٣٥
د.
٢٩٧٥/١
قال: فأعرض عنها مروان، ثم قال: يا أميرَ المؤمنين ، أتكلّم أم أصمت؟
قال: بل تكلّم، فقال مروان : بأبى أنت وأمىّ! والله لوددتُ أن مقالتك هذه
كانت وأنت ممتنع منيع فكنت أوّلَ من رضى بها ، وأعان عليها ؛ ولكنك
قلت ما قلتَ حين بلَغَ الحِزام الطُّبْيَيْن، وخلف السّيْلُ الزَّبى، وحين أعطى
الخطّة الذليلةَ الذليلُ؛ واللّه لإقامة" على خطيئة تستغفر اللّه منها أجملُ من
توبة تُخوّف عليها ؛ وإنك إن شئت تقرّبت بالتوبة ولم تقرر بالخطيئة ؛
وقد اجتمع إليك على الباب مثل الجبال من الناس . فقال عثمان : فاخرج
إليهم فکتمهم ، فإنی؛أستحیی أن أ کلمهم . قال : فخرج مروان إلى الباب
والناسُ يركب بعضهم بعضًا ، فقال : ما شأنكم قد اجتمعتم كأنكم قد
جئتم لنهبٍ ! شاهت الوجوه ! كل إنسان آخذ بأذُن صاحبه. ألا من أريد!
جثم تريدون أن تنزعوا ملكنا من أيدينا ! اخرجوا عنا ، أما والله لئن رمتمونا
ليمرّن عليكم منَّا أمر (١) لا يسرّكم؛ ولا تحمدوا غبّ رأيكم. ارجعوا إلى منازلكم؛
فإنا والله ما نحن مغلوبين على ما فى أيدينا .
قال : فرجع الناس وخرج بعضهم حتى أتى عليًّا فأخبره الخبر، فجاء
علىّ عليه السلام مغضَبًا ، حتى دخل على عثمان، فقال : أما رضيتَ من
مروان ولا رضى منك إلا بتحرّفك عن دينك وعن عقلك ، مثل جمل الظعينة
يقاد حيث يسار به ؛ والله ما مروان بذى رأى فى دينه ولا نفسه ؛ وإيم الله إنى
لأراه سيوردك ثم لا يصدرك ؛ وما أنا بعائد بعد مقامى هذا لمعاتبتك ، أذهبت
شرفك، وغلبت على أمرك. فلما خرج علىّ دخلت عليه نائلة ابنة الفرافصة
امرأته ، فقالت : أتكلّم أو أسكت؟ فقال : تكلمى ؛ فقالت : قد سمعت
قول علىّ لك؛ وإنه ليس يعاودك، وقد أطعتَ مروان يقودك حيث شاء. قال:
فما أصنع ؟ قالت: تَتَّى اللّه وحده لا شريك له، وتتبع سنة صاحبيك من
قَبْلك، فإنك متى أطعت مَرْوان قتلك؛ ومروان ليس له عنْد الناس قدْر ولا هيبة
ولا محبّة ؛ وإنما تركتك الناس لمكان مروان ؛ فأرسل إلى علىّ فاستصلحه ،
٢٩٧٢/١
(١) ابن كثير: ((أمير)).

٣٦٣
سنة ٣٥
فإن له قرابةً منك، وهو لا يُعصَى. قال: فأرسل عثمان إلى علىّ ، فأبى
أن يأتيه، وقال: قد أعلمتُه أنَّى لست بعائد .
٢٩٧٧/١
قال: فبلغ مروان مقالة نائلة فيه ، قال: فجاء إلى عمان فجلس بين يديه،
فقال: أتكلم أو أسكت(١)؟ فقال: تكلم، فقال: إن بنت الفرافصة ... فقال
عثمان: لا تذكُرنّها بحرف فأسوّئ لك وجهك، فهى والله أنصح لى منك .
قال : فكفّ مروان .
قال محمد بن عمر : وحدّى شُرحبيل بن أبى عون ، عن أبيه ، قال :
سمعتُ عبدَ الرحمن بن الأسود بن عبد يغوث يذكر مروان بن الحكم ،
قال : قبّح اللّه مروان! خرج عثمان إلى الناس فأعطاهم الرّضا، وبكى
على المنبر وبكى الناس حتى نظرت إلى لحية عثمان ◌ُحْضَلّة من الدّموع،
وهو يقول: اللهمّ إنِّى أتوب إليك؛ اللهم إنى أتوبٍ إليك، اللهم إنىّ أتوب
إليك! والله لئن رد فى الحق إلى أن أكون عبداً قِنَّا لأرضين به؛ إذا دخلتُ
منزلى فادخلوا علىّ؛ فوالله لا أحتجب منكم، ولأعطينكم الرضا، ولأزيدنّكم
على الرّضا، ولأنحينّ مروان وذويه. قال: فلما دخل أمر بالباب ففتح ،
ودخل بيته ، ودخل عليه مَرْوان ، فلم يزل يفتِلِه فى الذُّرْوة والغارِب حتى
فَتله عن رأيه ؛ وأزاله عمّا كان يريد؛ فلقد مكث عثمان ثلاثة أيام ما خرج
استحياءً من الناس ؛ وخرج مروان إلى الناس ، فقال : شاهت الوجوه !
ألا من أريد ! ارجعوا إلى منازلكم ؛ فإن يكن لأمير المؤمنين حاجة بأحد منكم
يرسل إليه، وإلاّ قرّ فى بيته . قال عبد الرحمن: فجئت إلى علىّ فأجده بین
القبر والمنبر، وأجد عنده عمّار (٢) بن ياسر ومحمد بن أبى بكر وهما يقولان:
صنَعَ مروان بالناس وصّع. قال: فأقبل علىّ علىّ ، فقال: أحضرت خطبة
عثمان ؟ قلت : نعم ، قال : أفحضرت مقالة مروان للناس ؟ قلت : نعم ،
قال علىّ: عياذ اللّه، ياللمسلمين(٣) ! إنّ إن قعدت فى بيتى قال لى: تركتنى
٢٩٧٨/١
(١) ب: ((أم أسكت؟)).
(٢) ف: ((عمارً)).
(٣) ب: ((بالمسلمين)).

٣٦٤
سنة ٣٥
وقرابتى وحقى ؛ وإنى إن تكلمت فجاء ما يريد يلعبْ به مَرْوان ، فصار
سيّقةٌ(١) له يسوقُه حيث شاء بعد كبَر السنّ وصحبة رسول الله صلى الله عليه
وسلم. قال عبد الرحمن بن الأسود: فلم يزل حتى جاء رسول عثمان: اثتنى ، فقال
علىَ بصوت مرتفع عالِ مغضَب : قل له : ما أنا بداخل عليك ولا عائد .
قال: فانصرف الرسول . قال : فلقيتُ عثمان بعد ذلك بليلتين خائبًا ، فسألت
ناتلا غلامه : من أين جاء أمير المؤمنين ؟ فقال: كان عند علىّ ، فقال
عبد الرحمن بن الأسود : فغدوتُ فجلست مع علىّ عليه السلام ، فقال لى :
جاءنى عثمان البارحة ، فجعل يقول: إنى غير عائد؛ وإنى فاعل؛ قال : فقلت
له: بعد ما تكلّمت به على منبر رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأعطيتَ من
٢٩٧٩ نفسك، ثم دخلتَ بيتك، وخرج مروان إلى الناس فشتمهم على بابك ويؤذيهم !
قال : فرجع وهو يقول: قطعتَ رحِمى وخذلتّنى، وجرأت الناس علىْ.
فقلت: والله إنى لأذبّ الناس عنك؛ ولكنى كلَّا جئتك بهنَة أظنّها لك
رضًا جاء بأخرى ؛ فسمعتَ قولَ مروان علىّ ، واستدخلت مروان .
قال : ثمّ انصرف إلى بيته . قال عبد الرحمن بن الأسود: فلم أزل أرى
عليًّاً منكِّبًا عنه لا يفعل ما كان يفعل؛ إلاّ أنى أعلم أنه قد كلم طلحة حين
حصِر فى أن يُدخَل عليه الرَّوايا، وغضب فى ذلك غضباً شديداً، حتى دخلت
الرّوايا على عثمان .
قال محمد بن عمر: وحدثنى عبد الله بن جعفر ، عن إسماعيل بن
محمد، أنّ عثمان صعد يوم الجمعة المنبر ، فحمد الله وأثنى عليه ، فقام
رجل ، فقال: أقِمْ كتاب الله ، فقال عثمان : اجلس ، فجلس حتى قام
ثلاثًا ، فأمر به عثمان فجلس ، فتحاثَوْا بالحصباء حتى ما تُرى السماء ؛
وسقط عن المنبر ، وحُميل فأدخل داره مغشيًا عليه، فخرج رجل من حجّاب
عثمان، ومعه مصحف فى يده وهو ينادى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ
وَ كَانُوا شِيَعَاً لَسْتَ مِنْهُمْ فِى شَىْءٍ إِنَّمَا أَمْرُهُمْ إِلَى الله﴾(٢) ودخل علىّ بن
(١) السيقة : ما يساق من الدواب.
(٢) سورة الأنعام ١٥٩

سنة ٣٥
٣٦٥
أبى طالب على عثمان رضى الله عنهما وهو مغشيّ عليه، وبنو أميّة حوله ،
فقال: مالك يا أمير المؤمنين ؟ فأقبلتْ بنو أميّة بمنطق واحد، فقالوا: يا علىّ
أهلكتَنا وصنعت هذا الصنيع بأمير المؤمنين! أما والله لئن بلغتَ الذى تريد ٢٩٨٠/١
لتُمَرَّنَّ عليك الدّنيا. فقام علىّ مغضبًا .
[ ذكر الخبر عن قتل عثمان رضى الله عنه ]
وفى هذه السنة قتل عثمان بن عفان رضى الله عنه .
* ذكر الخبر عن قتله وكيف قتل :
قال أبو جعفر رحمه الله: قد ذكرنا كثيراً من الأسباب التى ذكر قاتلوه
أنهم جعلوها ذريعةً إلى قتله، فأعرضنا عن ذكر كثير منها لعللٍ دعت إلى
الإعراض عنها ؛ ونذكر الآن كيف قُتِل ، وما كان بدء ذلك وافتتاحه ،
ومَن كان المبتدئ به والمفتتحَ للجرأة عليه قبل قتله .
ذكر محمد بن عمر أنّ عبد الله بن جعفر حدثه عن أم بكر بنت
المسْوَرَ بن مخرَمة، عن أبيها، قال: قدمت إبل من إبل الصدقة على عثمان،
فوهبها لبعض بنى الحكم، فبلغ ذلك عبد الرحمن بن عوف، فأرسل إلى المسوّر
ابن مخرمة وإلى عبد الرحمن بن الأسود بن عبد يغوث فأخذاها ، فقسَمها
عبد الرحمن فى الناس وعثمان فى الدار .
قال محمد بن عمر : وحدّثنى محمد بن صالح ، عن عبيد الله بن رافع
ابن نقاخة ، عن عثمان بن الشَّرِيد، قال : مرّ عثمان على جبلة بن عمرو
الساعدىّ وهو بفناء داره، ومعه جامعة(١)، فقال: يا نعثل (٢)؛ والله لأقتلنك؛ .
ولأحملنّك على قَلوص جرباء، ولأخرجنَّك إلى حَرّة النار. ثم جاءه مرة
أخرى وعثمان على المنبر فأنزله عنه .
٢٩٨١/١
حدثنى محمد ، قال : حدثنى أبو بكر بن إسماعيل ، عن أبيه ، عن
عامر بن سعد ، قال : كان أوّل من اجترأ على عثمان بالمنطق السيِّئ جبلة
(١) الجامعة : الغل يوضع فى العنق.
كان طويل اللحية، قيل إنه كان يشبه عثمان رضى الله عنه)).
(٢) فى اللسان: (( نعثل رجل من أهل مصر؛

٣٦٦
سنة ٣٥
ابن عمرو الساعدى ، مرّ به عثمان وهو جالس فی ندى قومه ، وفی ید جبلة بن
عمرو جامعة، فلما مرَّ عثمان سلَّم، فرد القوم، فقال جبلة: لم تردون على رجل
فعل كذا وكذا! قال: ثم أقبل على عثمان، فقال: والله لأطرحنّ هذه الجامعة
فى عُنقك أو لتتركنّ بطانتك هذه. قال عثمان: أىّ بطانة! فوالله إنى لأتخيّر
الناس ؛ فقال : مروان تخيَّرته! ومعاوية تخيّرتّه ! وعبد الله بن عامر بن
كُرَ يز تَخيرَتّه! وعبد الله بن سعد تخيَّرتّه! منهم من نزل القرآن بدمِه ،
وأباح رسول الله صلى الله عليه وسلم دمته .
قال : فانصرف عثمان ، فما زال الناس مجترئين عليه إلى هذا اليوم .
٢٩٨٢/١
قال محمد بن عمر : وحدّثنى ابن أبى الزّناد ، عن موسى بن عُقْبة ،
عن أبى حبيبة ، قال : خطب عثمان الناس فى بعض أيامه ، فقال عمرو بن
العاص : يا أمير المؤمنين ، إنك قد ركبت نتهابير وركبناها معك ، فتب
نتب . فاستقبل عثمان القبلة وشهرَ يديه - قال أبو حبيبة: فلم أرَ يومًا أكثر
باكيًا ولا باكية من يومئذ - ثم لما كان بعد ذلك خطب الناس ، فقام إليه
جَهْجَاه الغفارىّ؛ فصاح: يا عثمان ، ألا إن هذه شارف (١) قد جئنا
بها، عليها عباءة وجامعة؛ فَانزل فلندرّعت العباءة، ولنطرحك فى الجامعة؛
ولنحملك على الشارِف؛ ثم نطرحك فى جبل الدخان. فقال عثمان: قبحك اللّه
وقبح ما جئت به! قال أبو حبيبة : ولم يكن ذلك منه إلاّ عن ملإٍ من
الناس ؛ وقام إلى عثمان خيرته وشيعته من بنى أميّة فحملوه فأدخلوه الدار .
قال أبو حبيبة : فكان آخر ما رأيته فيه .
قال محمد : وحد ثنی أسامة بن زيد الليثىّ ، عن يحيى بن عبد الرحمن
ابن حاطب ، عن أبيه ، قال : أنا أنظر إلى عثمان يخطب على عصا النبىّ
صلى الله عليه وسلم التى كان يخطب عليها وأبو بكر وعمر رضى الله عنهما،
فقال له جَهْجاه : قم يا نعثَل؛ فانزل عن هذا المنبر ، وأخذ العصا فكسرها
على ركبته اليمنى ، فدخلت شظيَّة منها فيها؛ فبقى الجرح حتى أصابته الأكلة،
٢٩٨٣/١
(١) الشارف من النوق: السنة الهرمة .

با.
٣٦٧
سنة ٣٥
فرأيتها تدود، فنزل عثمان وحملوه وأمر بالعصا فشدّوها، فكانت مضبّبة ، فما
خرج بعد ذلك اليوم إلاّ خَرْجة أو خرجتيْن حتى حُصِر فقتل .
حدثنى أحمد بن إبراهيم ؛ قال : حدثنا عبد الله بن إدريس ، عن
عبيد الله بن عمر، عن نافع، أنّ جَهْجاهًا الغفارىّ، أخذ عصًا كانت فى
يد عثمان ، فكسرها على ركبته ، فرمى فى ذلك المكان بأكله .
حدّثنى جعفر بن عبد الله المحمدىّ ، قال : حدثنا عمرو ، عن محمد
ابن إسحاق بن يسار المدنىّ ، عن عمّه عبد الرحمن بن يسار، أنه قال : لما
رأى الناس ما صنع عثمان كتب مَن بالمدينة من أصحاب النبي صلى الله عليه
وسلم إلى مَن بالآفاق منهم - وكانوا قد تفرّقوا فى الثغور: إنكم إنما خرجتم أن
تجاهدوا فى سبيل اللّه عزّ وجلّ، تطلبون دينَ محمد صلى الله عليه وسلم؛ فإنّ
دين محمد قد أُفسِد من خلفكم وتُرِك، فهلموا فأقيموا دينَ محمد صلى اللّه
عليه وسلم. فأقبلوا مِن كلّ أفق حتى قتلوه. وكتب عثمان إلى عبد الله بن
سعد بن أبى سرْح عامله على مصر- حين تراجع الناس عنه، وزعم أنه تائب - .
بكتاب فى الذين شخصوا من مصر، وكانوا أشدّ أهل الأمصار عليه : أمَّا
بعد ؛ فانظر فلانًا وفلانًا فاضرب أعناقتهم إذا قدموا عليك ؛ فانظر فلانا
وفلانًا فعاقبھم بكذا وكذا - منهم نفر من أصحاب رسول الله صلى الله عليه
وسلم، ومنهم قوم من التّابعين - فكان رسوله فى ذلك أبو الأعور بن سفيان
السُّلمىّ ، حمله عثمان على جمل له ، ثم أمره أن يقبل حتى يدخل مصر
قبل أن يدخلها القوم ، فلحقهم أبو الأعور ببعض الطريق ، فسألوه : أين
يريد ؟ قال : أريد مصر ؛ ومعه رجل من أهل الشأم من خَوْلان ؛ فلما
رأوه على جمل عثمان ، قالوا له : هل معك كتاب ؟ قال : لا ، قالوا : فيمَ
أُرُسِلتَ؟ قال: لا علم لى، قالوا: ليس معك كتاب ولا علم لك بما أرسلت !
إن أمرَك لمريب ! ففتَّشوه ، فوجدوا معه كتابًا فى إدارة يابسة ، فنظروا فى
الكتاب ، فإذا فيه قتْل بعضهم وعقوبة بعضهم فى أنفسهم وأموالهم . فلما رأوا
ذلك رجعوا إلى المدينة، فبلغ الناسَ رجوعُهم، والذى كان من أمرهم فتراجعوا
من الآفاق كلها ، وثار أهل المدينة .
٢٩٨٤/١

٦
سنة ٣٥
حدّثنى جعفر، قال: حدثنا عمرو وعلىّ ، قالا : حدّثنا حسين ،
عن أبيه ، عن محمد بن السائب الكلبىّ، قال: إنما ردّ أهلَ مصر إلى عثمان
بعد انصرافهم عنه أنه أدركهم غلام لعثمان على جمل له بصحيفة إلى أمير
مصر أن يقتل بعضهم ، وأن يصلب بعضهم . فلما أتوا عثمان ، قالوا : هذا
غلامك ، قال : غلامى انطلق بغير علمى ، قالوا : جملك ، قال : أخذه
من الدار بغير أمرى ، قالوا: خاتّمك ، قال : نقش عليه، فقال عبد الرحمن
ابن عُدَيْس التُّجييّ حين أقبل أهل مصر :
خُوصاً كأمثال القسِيِّ قودِ
أقْبْنَ مِنْ بِلِبِيسَ والصَّعيدِ
يَطْلُبْنَ حَقَّ اُللهِ فى الوَليدِ
مسْتَحْقِبَاتٍ حَلَقَ الحديدِ
يا رَبِّ فارْجِعنا بما نريدُ
وعِندَ عثمانَ وَفى سَعيد
فلما رأى عثمان ما قد نزل به، وما قد انبعث عليه من النّاس، كتب إلى
معاوية بن أبى سفيان وهو بالشأم: بسم الله الرحمن الرحيم ، أمّا بعد؛ فإنّ
أهل المدينة قد كفروا وأخلفوا الطاعة ، ونكثوا البيعة ، فابعث إلىّ مَن قِبَلَك
من مقاتلة أهل الشأم على كلّ صعب وَذلول .
فلما جاء معاويةَ الكتاب تربّص به ، وكره إظهارَ مخالفة أصحاب
رسول الله صلى الله عليه وسلم ؛ وقد علم اجتماعهم ؛ فلما أبطأ أمره على عثمان
كتب إلى يزيد بن أسد بن كُرْز ، وإلى أهل الشأم يستنفرهم ويُعظّم
حقَّه عليهم ، ويذكر الخلفاء وما أمر الله عزّ وجلّ به من طاعتهم ومناصحتهم،
ووعدِ هِم أن ينجدَهم جندٌ أو بطانةٌ دون الناس، وذكرهم بلاءه عندهم،
وصنيعه إليهم، فإن كان عندكم غياث فالعجَل العجل ؛ فإن القوم مُعاجلىّ.
فلما قرئ كتابه عليهم قام يزيد بن أسد بن كُرْز البَجَلِىّ ثم القَسْرِىّ؛
فحمد الله وأثنى عليه، ثم ذكر عثمان، فعظم حقه ، وحضّهم على نصره ،
وأمرهم بالمسير إليه . فتابعه ناس كثير ، وساروا معه حتى إذا كانوا بوادى
القُرى، بلغهم قتلُ عثمان رضى الله عنه ، فرجعوا .
وكتب عثمان إلى عبد الله بن عامر؛ أن اندُب إلىّ أهل البصرة ؛ نسخة
كتابه إلى أهل الشأم .
٣٦٨
٢٩٨٥/١
٠
م

٣٦٩
سنة ٣٥
٢٩٨٦/١
فجمع عبد الله بن عامر الناس ؛ فقرأ كتابه عليهم ؛ فقامت خطباء من
أهل البصرة يحضّونه على نصر عثمان والمسير إليه؛ فيهم مجاشع بن مسعود السُّلمىّ؛
وكان أوّلَ مَن تكلّم ؛ وهو يومئذ سيّد قيس بالبصرة . وقام أيضًا قيس
ابن الهيثم السُّلَمِىّ ، فخطب وحضّ الناس على نصر عثمان؛ فسارع الناس
إلى ذلك ؛ فاستعمل عليهم عبدُاللّه بن عامر مجاشعَ بن مسعود فسار بهم؛
حتى إذا نزل الناس الرَّبذة، ونزلت مقدّمته عند صرار- ناحية من المدينة-
أتاهم قتلُ عثمان .
حدّثنى جعفر، قال : حدّثنا عمرو وعلىّ، قالا : حدّثنا حسين ،
عن أبيه ، عن محمد بن إسحاق بن يسار المدنىّ ، عن يحيى بن عباد بن
عبد الله بن الزبير، عن أبيه، قال: كتب أهلُ مصر بالسُّقيا - أوبذى
خُشُب- إلى عثمان بكتاب ؛ فجاء به رجل منهم حتى دخل به عليه ، فلم يردّ
عليه شيئًا ، فأمر به فأخرج من الدار ؛ وكان أهلُ مصر الذين ساروا إلى
عثمان ستمائة رجل على أربعة ألوية لها رءوس أربعة ، مع كلّ رجل منهم
لواء ؛ وكان جماع أمرهم جميعًا إلى عمرو بن بُدَيل بن ورقاء الخُزاعىّ -
وكان من أصحاب النبيّ صلى الله عليه وسلم - وإلى عبد الرحمن بن عنديس
التُّجِيبِّ؛ فكان فيما كتبوا إليه: بسم الله الرحمن الرحيم؛ أمّا بعد، فاعلم أنّ الله
لا يغير ما بقوم حتى يغيّروا ما بأنفسهم؛ فالله اللّه! ثم اللّه الله! فإنك على دنيا
فاستِمَّ إليها معها آخرة، ولا تلْبِس نصيبك من الآخرة؛فلا تسوغ لك الدنيا.
واعلم أنّا والله اللّه نغضب، وفى اللّه نرضى؛ وإنا لن نضع سيوفنا عن عواتقنا حتى
تأتينًا منك توْبة مصرّحة ، أو ضلالة مجلّحة مُبْلِجة ؛ فهذه مقالتنا لك،
وقضيتنا إليك ، واللّه عذيرنا منك. والسلام .
٢٩٨٧/١
وكتب أهلُ المدينة إلى عثمان يدعونه إلى التوبة ، ويحتجون ويقسمون
له بالله لا يمسكون عنه أبداً حتى يقتلوه، أو يعطيهم ما يلزمه من حقّ اللّه.
فلما خاف القتلَ شاور نصحاءه وأهل بيته ، فقال لهم : قد صنع القوم
ما قد رأيتم ، فما المخرَج؟ فأشاروا عليه أن يرسل إلى علىّ بن أبى طالب.
فيطلب إليه أن يردّهم عنه ، ويعطيهم ما يرضيهم ليطاولَهم حتى يأتيه

٣٧٠
سنة ٣٥
أمداد ؛ فقال: إنّ القوم لن يقبلوا التعليل، وهم محمِّىّ عهداً؛ وقد كان
منّى فى قَدْمتهم الأولى ما كان ؛ فتى أعطِهم ذلك يسألونى الوفاء به !
فقال مروان بن الحكم : يا أميرَ المؤمنين ، مقاربَتُهم حتى تقوى أمثلُ من
مكاثرتهم على القُرْب ، فأعطهم ما سألوك ، وطاوِلْهم ماطاولوك ؛ فإنماهم بغوا
عليك ، فلا عهد لهم .
٢٩٨٨/١
فأرسل إلى علىّ فدعاه ، فلما جاءه قال : يا أبا حسن ؛ إنه قد كان من
الناس ما قد رأيت ، وكان منى ما قد علمت ؛ ولست آمنهُم على قتلى، فارددْ هم
عنى ؛ فإن لهم اللّه عزّ وجلّ أن أعتِبَهم(١) من كل مايكرهون؛ وأن أعطيتهم
الحقّ من نفسى ومن غيرى؛ وإن كان فى ذلك سفكُ دمى. فقال له علىّ:
الناس إلى عدلك أحوجُ منهم إلى قتلك ؛ وإنى لأرى قومًا لا يرضون إلا
بالرضا، وقد كنتَ أعطيتَهم فى قَدْمتهم الأولى عهداً من اللّه: لترجعنّ عن
جميع ما نقَموا ؛ فرددتُهم عنك، ثم لم تف لهم بشىء من ذلك ، فلا تغرّنى
هذه المرة من شىء فإنى معطيهم عليك الحقّ". قال: نعم، فأعطهم، فوالله لأفينّ
لهم. فخرج علىّ إلى الناس، فقال: أيّها الناس؛ إنكم إنما طلبتم الحقّ فقد
أعطيتموه؛ إنّ عثمان قد زعم أنه منصفُكم من نفسه ومن غيره ؛ وراجع عن
جميع ما تكرهون ، فاقبلوا منه ووكِّدوا عليه. قال الناس : قد قبلنا فاستوثق
منه لنا ، فإنا والله لا نرضى بقول دون فعل. فقال لهم علىّ: ذلك لكم. ثم
دخل عليه فأخبره الخبرَ ، فقال عثمان : اضرب بينى وبينهم أجلاً يكون لى
فيه مهلة، فإنى لا أقدر على ردّ ما کرهوا فى يوم واحد ، قال له علىّ: ما حضر
بالمدينة فلا أجلَ فيه ، وما غاب فأجلُه وصول أمرك ، قال : نعم ؛ ولكن
أجلْنى فيما بالمدينة ثلاثة أيام . قال علىّ: نعم ، فخرج إلى الناس فأخبرهم
بذلك، وكتب بينهم وبين عثمان كتابًا أجّله فيه ثلاثاً، على أن يَرُدَّ كلّ
مظلمة، ويعزل كلّ عامل كرهوه ؛ ثم أخذ عليه فى الكتاب أعظمَ ما أخذ
اللّه عَلى أحد من خلقه من عهد وميثاق، وأشهد عليه ناسًا من وجوه المهاجرين
والأنصار، فكفّ المسلمون عنه ورجعوا إلى أن ينسىّ لهم بما أعطاهم من نفسه ؛
فجعل يتأهّب للقتال ، ويستعدّ بالسلاح- وقد كان اتَّخذ جنداً عظيمًا من
(١) أعتبهم: أعطاهم العتبى وأرضاهم ، وترك ما كانوا يغضبون من أجله .

٣٧١
سنة ٣٥
٢٩٨٩/١
رقيق الحُمْس -فلما مضت الأيام الثلاثة وهو على حالِه لم يغيّر شيئًا مما كرهوه،
ولم يعزل عاملاً ثار به الناس. وخرج عمرو بن حزم الأنصاريّ حتى أتى
المصريين وهم بذى خُشُب، فأخبرهم الخبر، وسار معهم حتى قد موا المدينة،
فأرسلوا إلى عثمان: ألم نفارِقْك على أنك زعمت أنك تائب من إحداثك، وراجعٌ
عما كرهنا منك ؛ وأعطيتنا على ذلك عهد الله وميثاقه! قال : بلى ؛ أنا على
ذلك ، قالوا : فما هذا الكتاب الذى وجدنا مع رسولك؛ وكتبت به إلى عاملك ؟
قال : ما فعلتُ ولا لى علم بما تقولون . قالوا : بَريدك على جملك ، وكتاب
كاتبك عليه خاتمُك؛ قال: أمّا الجمل فمسروق، وقد يشبه الخطّ الخطّ؛
وأما الخاتم فانتُقِش عليه ، قالوا: فإنا لا نعجّل عليك؛ وإن كنا قد اتهمناك،
اعزل عنّا عمّالك الفسّاق، واستعمل علينا من لا يُتّهم على دمائنا وأموالنا،
وأردد علينا مظالمنا. قال عثمان: ما أرانى إذاً فى شىء إن كنت أستعمل من
هويتم، وأعزل مَن كرهتم، الأمر إذاً أمركم! قالوا: والله لتفعلن" أولتُعزَّلَنْ
أو لتُقْتَلنّ، فانظر لنفسك أودَعْ. فأبى عليهم وقال: لم أكن لأخلَعَ
سربالاً سَرْبَنِيهِ اللّه، فحصروه أربعين ليلة، وطَلْحة يصلِّى بالناس.
حدّثنى يعقوب بن إبراهيم ، قال : حدثنا إسماعيل بن إبراهيم ، عن
ابن عون ، قال : حدثنا الحسن ، قال : أنبأنى وثّاب- قال : وكان فيمن
أدركه عِشْقُ أمير المؤمنين عمر رضى الله عنه، قال: ورأيت بحلْقه أثَر
طعنتيْن ، كأنهما كتبان(١) طُعِنهما يومئذ يوم الدار-قال: بعثى عثمان،
فدعوت له الأشتر ، فجاء - قال ابن عون: فأظنّه قال: فطرحت لأمير المؤمنين
وسادة وله وسادة - فقال : يا أشتر ؛ ما يريد الناس منى ؟ قال: ثلاثًا ليس
من إحداهن بدٌّ؛ قال: ما هنَّ؟ قال: يخيّرونك بين أن تخلع لهم أمرهم
فتقول: هذا أمرُكم فاختاروا له مَنْ شئتم، وبين أن تُقِصَّ من نفسك؛ فإن
أبيت هاتيْن فإنّ القوم قاتلوك. فقال: أما من إحداهن بدّ ! قال : ما مِن
إحداهنّ بدٌّ ، فقال: أمّا أن أخلع لهم أمرهم فما كنت لأخلع سربالا سربانيه الله
عزّ وجلّ - قال: وقال غيرُه: والله لأن أقدَّم فتضرب عنقى أحبُّ إلىّ من
٢٩٩٠/١
(١) الكتبة ، بالضم : الثقبة وخيطها فى الجلد .

٣٧٢
سنة ٣٥
أن أخلع قميصًا قمصنیه الله وأترك أمة محمدصلى الله عليهوسلم يعدُ و بعضهاعلى
بعض. قال ابن عون: وهذا أشبه بكلامه - وأمّا أن أقِصّمن نفسى؛ فوالله لقد
علمت أن صاحبىّ بين يدىّ قد كانا يعاقبان وما يقوم بدنى بالقصاص ،
وأما أن تقتلونى ، فوالله لئن قتلتمونى لا تتحابّون بعدى أبداً ، ولا تصلّون
جميعًا بعدى أبداً، ولا تقاتلون بعدى عدوًّا جميعًا أبداً. قال: فقام الأشتر
فانطلق ؛ فمكثنا أيامًا . قال: ثم جاء رُويجل كأنه ذئب، فاطّلع من باب ،
ثم رجع وجاء محمد بن أبى بكر وثلاثة عشر حتى انتهى إلى عثمان ، فأخذ
بلحيته ، فقال بها حتى سمعت وَقْع أضراسه، وقال : ما أغنى عنك معاوية ،
ما أغنى عنك ابن عامر، ما أغنت عنك كتبك ! قال : أرْسِل لحيتى يابن
أخى ، أرسل لحيتى . قال : وأنا رأيتُه استعدى رجلا من القوم بعينه ،
فقام إليه بمِشْقَص حتى وجأ به فى رأسه . قلت : ثم مه ؛ قال : تغاووا
عليه حتى قتلوه .
وذكر الواقدىّ أنّ يحيى بن عبد العزيز حدّثه عن جعفر بن محمود ،
عن محمد بن مسلمة ، قال : خرجتُ فى نفر من قومى إلى المصريين وكان
رؤساؤهم أربعة : عبد الرحمن بن عُديس البدّوىّ ، وسودان بن حُمران
المرادىّ، وعمرو بن الحمِقِ الخزاعىّ- وقد كان هذا الاسم غلَب حتى كان
يقال: حبيس بن الحمِقِ - وابن النِّباع. قال: فدخلت عليهم وهم فى خِباء
لهم أربعتهم ، ورأيت الناس لهم تبعًا ، قال: فعظّمت حقّ عثمان وما فى
رقابهم من البيعة، وخوّفتهم بالفتنة، وأعلمتهم أنّ فى قتله اختلافًا وأمراً عظيمًا؛
فلا تكونوا أوّل من فتحه، وأنه ينزع عن هذه الخصال التى تقَمتم منها عليه،
وأنا ضامن لذلك . قال القوم : فإنْ لم ينزع ؟ قال: قلت: فأمركم إليكم .
قال : فانصرف القوم وهم راضون ، فرجعت إلى عثمان ، فقلت : أخلِى
فأخلانى، فقلت : الله الله يا عثمان فى نفسك! إنّ هؤلاء القوم إنما قدموا
يريدون دمك ، وأنت ترى خذلان أصحابك لك ؛ لا بل هم يقوّون عدوّك
عليك . قال : فأعطانى الرّضا، وجزانى خيراً. قال: ثمّ خرجتُ من
عنده ، فأقمت ما شاء الله أن أقيم .
٢٩٩١/١

٣٧٣
سنة ٣٥
قال : وقد تكلّم عثمان برجوع المصريين ، وذكر أنهم جاءوا لأمر ،
فبلغهم غيرُه فانصرفوا، فأردت أن آ تيه فأعنِّفته بهما، ثم سكتّ فإذا قائل يقول:
قد قدم المصريون وهم بالسُّويداء، قال: قلت: أحقّ ما تقول ؟ قال : نعم،
قال : فأرسل إلىّ عثمان .
٢٩٩٢/١
قال : وإذا الخبر قد جاءه ، وقد نزل القوم من ساعتهم ذا خُشب ،
فقال : يا أبا عبد الرّحمن ، هؤلاء القوم قد رجعوا ، فما الرأى فيهم؟
قال: قلت : والله ما أدرِى؛ إلاّ أنى أظن أنهم لم يرجعوا لخير. قال : فارجع
إليهم فارددهم ، قال: قلت: لا والله ما أنا بفاعل، قال: ولم ؟ قال : لأنّى
ضمنتُ لهم أموراً تنزع عنها فلم تنزع عن حرف واحد منها . قال : فقال :
الله المستعان .
قال : وخرجتُ وقدم القوم وحلِّوا بالأسواف ، وحصروا عثمان .
قال : وجاءنی عبدُ الرحمن بن عُدیس ومعه سودان بن حُمران وصاحباه،
فتمالوا: يا أبا عبد الرّحمن، ألم تعلم أنّك كلمتَنا ورددتنا وزعمت أنّ صاحبنا
نازعٌ عمّا نكره ؟ فقلت: بلى، قال: فإذا هم يُخرِجون إلىّ صحيفة صغيرة.
قال : وإذا قصبة من رصاص؛ فإذا هم يقولون : وجدنا جملاً من إبل الصدقة
عليه غلام عثمان ، فأخذنا متاعه ففتّشناه ، فوجدنا فيه هذا الكتاب ؛
فإذا فيه : بسم الله الرحمن الرحيم ؛ أما بعد ؛ فإذا قدم عليك عبدُ الرحمن
ابن عُدَيَس فاجْلِدْه مائة جلدة، واحلِقٍ رأسه ولحيته، وأطِلْ حبْسَه حتى
يأتيَك أمرى؛ وعمرو بن الحمق فافعل به مثلَ ذلك، وسُودان بن حمران مثلَ
ذلك؛ وعروة بن النَّباع الليثىّ مثلَ ذلك. قال: فقلت: وما يدريكم أنّ
عثمان كتب بهذا ؟ قالوا : فيفتات مروان على عثمان بهذا! فهذا شرّ؛ فيخرج
نفسه من هذا الأمر. ثم قالوا : انطلق معنا إليه ، فقد كلمنا عليًّا، ووعدنا
أن يكلّمه إذا صلى الظهر. وجئنا سعد بن أبى وقاص ، فقال : لا أدخل فى
أمركم . وجئنا سعيد بن زيد بن عمرو بن نُفيل فقال مثل هذا ؛ فقال
محمد : فأين وَعَدكم علىّ ؟ قالوا: وعدنا إذا صلى الظهر أن يدخل عليه .
قال محمد : فصليت مع علىّ ، قال : ثم دخلت أنا وعلىّعليه، فقلنا:
٢٩٩٣/١

٣٧٤
سنة ٣٥
إن هؤلاء المصريين بالباب ، فأذن لهم - قال: ومروان عنده جالس - قال :
فقال مروان: دعنى جعلت فداك أكلمهم ! قال: فقال عثمان: فضّ اللّه
فاك ! اخرج عنى ؛ وما كلامك فى هذا الأمر ! قال : فخرج مروان ،
قال: وأقبل على" عليه- قال: وقد أنهى المصريُّون إليه مثل الذى أنهوا إلىّ-
قال : فجعل علىّ يخبره ما وجدوا فى كتابهم. قال : فجعل يقسم بالله ما كتب
ولا علم ولا شُوور فيه . قال : فقال محمد بن مسلمة : واللّه إنه الصادق ؛
ولكن هذا عمل مروان، فقال علىّ : فأدخلهم عليك ؛ فليسمعوا عذرك ،
قال: ثم أقبل عثمان على علىّ، فقال: إنّ لى قرابة ورحِمًا؛ والله لو كنتَ
فى هذه الحلْقة لحللتها عنك ؛ فاخرج إليهم ، فكلّمهم ؛ فإنهم يسمعون
منك. قال علىّ: والله ما أنا بفاعل؛ ولكن أدخِلْهم حتى تعتذَر إليهم؛
قال : فادخلوا .
قال محمد بن مسلمة : فدخلوا يومئذ ، فما سلّموا عليه بالخلافة ، فعرفتُ
أنه الشرّ بعينه؛ قالوا : سلام عليكم، فقلنا : وعليكم السلام ، قال : فتكلّم
القوم وقد قدّموا فى كلامهم ابنَ عُدَيس ، فذكر ما صنع ابنُ سعد بمصر ،
وذكر تحاملاً منه على المسلمين وأهل الذّمة ، وذكر استئناراً منه فى غنائم
المسلمين ؛ فإذا قيل له فى ذلك ، قال : هذا كتاب أمير المؤمنين إلىّ ، ثم
ذكروا أشياء مما أحدث بالمدينة ، وما خالف به صاحبيه . قال : فرحلنا من
مصر ونحن لا نريد إلا دمَك أو تنزعَ ؛ فردّنا علىّ ومحمد بن مسلمة ،
وضمِن لنا محمد النزوع عن كلّ ما تكلمنا فيه - ثم أقبلوا على محمد بن
مسلمة ، فقالوا : هل قلت ذلك لنا ؟ قال محمد : فقلت : نعم - ثم رجعنا
إلى بلادنا نستظهر باللّه عزّ وجلّ عليك ويكون حجة لنا بعد حجّة حتى إذا
كنا بالبُوَيْب أخذنا غلامك فأخذنا كتابَك وخاتمَك إلى عبد اللّه بن سعد،
تأمره فيه بجلد ظهورنا ، والمَثْل بنا فى أشعارنا ، وطول الحبس لنا ؛ وهذا
کتابك .
قال: فحمد الله عثمانُ وأثنى عليه، ثم قال: والله ما كتبتُ ولا أمرتُ ،
ولا شوورت ولا علمتُ. قال: فقلت وعلىّ جميعاً: قد صدق. قال: فاستراح
٢٩٩٤/١

٣٧٥
سنة ٣٥
إليها عثمان، فقال المصريون : فمن كتبه ؟ قال : لا أدرى ، قال: أفيجترَأ
عليك فيُبعثَ غلامُك وجملٌ من صدقات المسلمين، وينقش على خاتمك،
ويكتب إلى عاملك بهذه الأمور العظام وأنت لا تعلم ! قال : نعم ، قالوا :
فليس مثلك يلى ، اخلَعْ نفسك من هذا الأمر كما خلعك الله منه. قال :
لا أنزع قميصًا ألبسنِيه اللّه عزّ وجلّ". قال: وكثرت الأصوات واللغط ،
فما كنتُ أظنّ أنهم يخرجون حتى يواثبوه. قال: وقام علىّ فخرج،
قال : فلمّا قام علىّ قمت ، قال : وقال للمصريين : اخرجوا ، فخرجوا .
قال : ورجعت إلى منزلى ورجع علىّ إلى منزله ، فما برحوا محاصريه حتى
قتلوه .
٢٩٩٥/١
قال محمّد بن عمر : وحدّثنى عبد الله بن الحارث بن الفضيل، عن أبيه،
عن سفيان بن أبى العوجاء ، قال : قدم المصريّون القَدْمة الأولى ، فكلّم
عثمانُ محمد بنَ مسلمة ، فخرج فى خمسين راكبًا من الأنصار ، فأتوهم
بذى خُشُب فردّهم ، ورجع القوم حتى إذا كانوا بالبُويب ، وجدوا غلامًاً
لعثمان معه كتاب إلى عبد الله بن سعد، فكرّوا ، فانتهوا إلى المدينة ، وقد
تخلّف بها من الناس الأشتر وحُكّم بن جبلة ، فأتوا بالكتاب ، فأنكر
عثمان أن يكون كتبه، وقال : هذا مفتعَل ، قالوا : فالكتاب كتابُ كاتبِك!
قال : أجل ؛ ولكنّه كتبه بغير أمرى ، قالوا : فإنّ الرسول الذى وجدنا معه
الكتابَ غلامُك ؛ قال : أجل ؛ ولكنه خرج بغير إذنى ، قالوا : فالجمل
جملُك ، قال : أجل ؛ ولكنه أخذ بغير علمى ، قالوا : ما أنت إلاّ صادق
أو كاذب ؛ فإن كنت كاذبًا فقد استحققتَ الخلع لما أمرت به من سفك
دمائنا بغير حقها ، وإن كنت صادقًا فقد استحققت أن تخلَع لضعفِك(١)
وغفلتِك وخبثٍ بطانتك؛ لأنه لا ينبغى لنا أن نترك على رقابنا منَنْ يُقتطع (٢
مثل هذا الأمر دونه٢) لضعفه وغفلته. وقالوا له: إنّك ضربت رجالاً من أصحاب
النبى صلى الله عليه وسلم وغيرهم حين يعظونك ويأمرونك بمراجعة الحقّ عندما
(١) ابن الأثير: ((أن تخلع نفسك)).
(٢ - ٢) ابن الأثير: ((تقطع الأمور دونه)).

٣٧٦
سنة ٣٥
يستنكرون من أعمالك ؛ فأقِدْمِن نفسك من ضربته وأنت له ظالم ،
فقال : الإمام يخطئ ويصيب ؛ فلا أُقيد من نفسى ؛ لأنى لو أقدت كلّ
٢٩٩٦/١ من أصبته بخطإ آتى على نفسى ؛ قالوا: إنك قد أحدثت أحداثًا عظامًا
فاستحققت بها الخلْج ؛ فإذا كُلّمتَ فيها أعطيتَ التوبة ثم عدت إليها وإلى
مثلها ، ثم قدمنا عليك فأعطيتنا التوبة والرجوع إلى الحق؛ ولامنا فيك محمد
ابن مسلمة ، وضمِن لنا ما حدث من أمر ، فأخفرته فتبرّأ منك ، وقال :
لا أدخل فى أمره ؛ فرجعنا أوّل مرة لنقطع حجّتك ونبلغ أقصى الإعذار إليك؛
نستظهر باللّه عزّ وجلّ عليك؛ فلحقَنا كتاب منك إلى عاملك علينا تأمره
فينا بالقتل والقطع والصلب . وزعمتَ أنه كُتِب بغير علمك وهو مع غلامك
وعلى جملك وبخطّ كاتبك وعليه خاتَمُك ، فقد وقعتْ عليك بذلك
التُّهمة القبيحة ، مع ما بلوْنا منك قبل ذلك من الجوْر فى الحُكْم والأثرة
فى القَسْم والعقوبة للأمر بالتبسُّط من الناس، والإظهار للتوبة ، ثمّ الرجوع
إلى الخطيئة، ولقد رجعنا عنك وما كان لنا أن نرجع حتى نخلعتك ونستبدل بك
من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم من لم يُحدِث مثل ما جرّبنا منك،
ولم يقع عليه من التُّهمة ما وقع عليك؛ فاردد خلافتنا؛ واعتزل أمرنا، فإنّ ذلك
أسلم لنا منك ، وأسلم لك منا .
فقال عثمان : فرغتم من جميع ما تريدون ؟ قالوا : نعم ، قال : الحمد
اللّه، أحمده وأستعينُه، وأومن به، وأتوكل عليه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده
لا شريك له ، وأنّ محمداً عبده ورسوله ، أرسله بالهدى ودين الحق ليظهره
على الدّين كلّه ولو كره المشركون. أمّا بعد ، فإنكم لم تعدلوا فى المنطق ،
ولم تنصفوا فى القضاء ؛ أما قولكم: تخلع نفسك ، فلا أنزع قميصًا قمَّصنيه
الله عزّ وجلّ وأكرمنى به ، وخصّى به على غيرى ؛ ولكنى أتوب وأنزع ولا
أعود لشىء عابه المسلمون ؛ فإنى والله الفقير إلى الله الخائف منه . قالوا : إن"
هذا لو كان أوّل حدث أحدثته ثم تبت منه ولم تقم عليه ؛ لكان علينا
أن نقبل منك ، وأن ننصرف عنك؛ ولكنه قد كان منك من الإحداث قبل هذا
ما قد علمت ، ولقد انصرفنا عنك فى المرة الأولى، وما نخشى أن تكتب فينا،
٢٩٩٧/١

٣٧٧
سنة ٣٥
ولا من اعتللت به بما وجدنا فى كتابك مع غلامك . وكيف نقبل توْبتَك
وقد بلونا منك أنك لا تعطى من نفسك التوبة من ذنب إلاّ عدت إليه ؛ فلسنا
منصرفِين حتى نعزلتَك ونستبدلَ بك، فإن حالَ مَن معك من قومك
وذوى رحِمِك وأهل الانقطاع إليك دونك بقتال قاتلناهم؛ حتى نخلص إليك
فنقتلك أو تلحق أرواحنا بالله . فقال عثمان: أمَّا أن أتبرأ من الإمارة؛ فإن
تصلبونى أحبّ إلىّ من أن أتبرأ من أمر اللهعزّ وجلّ وخلافته . وأماقولكم:
تقاتلون من قاتل دونى ؛ فإنى لا آمر أحداً بقتالكم ؛ فمن قاتل دونى فإنما
قاتل بغير أمرى ؛ ولعمرى لو كنتُ أريد قتالكم ، لقد كنت كتبتُ إلى
الأجناد فقادوا الجنود ، وبعثوا الرّجال ، أو لحقت ببعض أطرافى بمصر أو
عراق ؛ فاللهَ اللهَ فى أنفسكم فأبقوا عليها إن لم تُبقوا على" ؛ فإنكم مجتلبون بهذا
الأمر - إن قتلتمونی۔۔ دمًا . قال : ثم انصرفوا عنه وآذنوه بالحرب، وأرسل إلى
محمد بن مسلمة فكلّمه أن يردّهم، فقال: والله لا أكذب الله فى سنة مرتين.
قال محمد بن عمر : حدّثّنى محمد بن مسلم ، عن موسى بن عُقْبة ،
عن أبى حبيبة ، قال : نظرت إلى سعد بن أبى وقاص يوم قُتل عثمان ؛ دخل
عليه ثم خرج من عنده وهو يسترجع مما يرى على الباب ؛ فقال له مروان:
الآن تندم ! أنت أشعرته(١). فأسمع سعداً يقول: أستغفر الله، لم أكن أظنّ
الناس يجترئون هذه الجرأة ، ولا يطلبون دمه ، وقد دخلت عليه الآن فتكلم
بكلام لم تخضره أنت ولا أصحابك ، فنزع عن كلّ ما كُرِه منه ، وأعطى
التوبة ، وقال : لا أتمادى فى الملكة ؛ إنّ من تمادى فى الجوْر كان أبعد
من الطريق ؛ فأنا أتوب وأنزع . فقال مروان : إن كنتَ تريد أن تذبّ عنه ؛
فعليك بابن أبى طالب، فإنه متستّر، وهو لا يُجْبَه ؛ فخرج سعد حتى أتى
عليًّا وهو بين القبر والمنبر ، فقال : يا أبا حسَن ؛ قم فداك أبى وأمى!
جثتك والله بخير ما جاء به أحد قطّ إلى أحد ، تصل رحيم ابن عمّك ، وتأخذ
بالفضل عليه، وتحقِن دمه، ويرجع الأمر على ما نحبّ ، قد أعطى خليفتُك
٢٩٩٨/١
(١) أشعره ، أى شهره بالقول ، فصار له كالطعنة فى البدن.

٣٧٨
سنة ٣٥
٢٩٩٩/١
من نفسه الرّضا. فقال علىّ: تقبّل الله منه يا أبا إسحاق! والله ما زلتُ أذبّ
عنه حتى إنى لأستحى ؛ ولكن مروان ومعاوية وعبد الله بن عامر وسعيد
ابن العاص هم صنعوا به ما ترى ؛ فإذا نصحتُه وأمرته أن ينحِّيَهم استغشْبِى
حتى جاء ماترى . قال: فبينا هم كذلك جاء محمد بن أبى بكر ، فسارَّ عليًّا؛
فأخذ علىّ بيدى، ونهض علىّ وهو يقول: وأىّ خير توبتُه هذه !فوالله ما بلغت
دارى حتى سمعت الهائعة(١)؛ أن عثمان قد قتل؛ فلم نزل واللّه فى شرّ إلى يومنا هذا.
قال محمد بن عمر: وحد ثنی شرحبيل بن أبىعون، عن يزيد بن أبى حبيب،
عن أبى الخير (٢)، قال: لما خرج المصريون إلى عثمان رضى الله عنه، بعث
عبد الله بن سعد رسولاً أسرع السير يعلم عثمان بمخرجهم، ويخبره أنهم يُظهرون
أنهم يريدون العمرة . فقدم الرّسول على عثمان بن عفان ، يخبرهم فتكلم
عثمان، وبعث إلى أهل مكة يحذّر من هناك هؤلاء المصريين ، ويخبرهم
أنهم قد طعنوا على إمامهم. ثمّ إن عبد الله بن سعد خرج إلى عثمان فى آثار
المصريين - وقد كان كتب إليه يستأذنه فى القدوم عليه ، فأذن له - فقدم
ابن سعد ؛ حتى إذا كان بأيْلة بلغه أنّ المصريين قد رجعوا إلى عثمان ، وأنهم
قد حصروه ، ومحمد بن أبى حُذيفة بمصر ؛ فلما بلغ محمداً حَصْرُ عثمان
وخروجُ عبد الله بن سعد عنه غلب على مصر ، فاستجابوا له ، فأقبل
عبد الله بن سعد يريد مصر، فمنعه ابنُ أبى حُذيفة، فوجّه إلى فلسطين ،
فأقام بها حتى قُتِل عثمان رضى الله عنه، وأقبل المصريون حتى نزلوا بالأسواف ؛
فحصروا عثمان ، وقدم حكيم بن جبلة من البصرة فى ركب ، وقدم الأشتر
فى أهل الكوفة ، فتوافَوْا بالمدينة ، فاعتزل الأشتر؛ فاعتزل حكيم بن جبلة ،
وكان ابن عنديس وأصحابه هم الذين يحصرون عثمانَ ، فكانوا خمسمائة ،
فأقاموا على حصاره تسعة وأربعين يوماً ، حتى قُتِل يوم الجمعة لثمان عشرة
ليلة مضت من ذى الحجة سنة خمس وثلاثين .
٣٠٠٠/١
قال محمد : وحد ثنى إبراهيم بن سالم ، عن أبيه ، عن بُسر بن سعيد ،
قال : وحدثنى عبد الله بن عيّاش بن أبى ربيعة، قال: دخلتُ على عثمان
(١) الهائعة : الصوت المفزع .
(٢) هو مرثد بن عبد اللّه اليزنى.
١

٣٧٩
سنة ٣٥
رضى الله عنه، فتحدّثت عنده ساعة، فقال: يابنَ عياش (١)، تعالَ .
فأخذ بيدى، فأسمعنى كلام من على باب عثمان ، فسمعنا كلامًا؛ منهم من
يقول: ما تنتظرون به؟ ومنهم من يقول : انظروا عسى أن يراجع، فبينا أنا
وهو واقفان إذ مرّ طلحة بن عبيد الله ؛ فوقف فقال : أين ابن عُديس ؟
فقيل : ها هو ذا ، قال : فجاءه ابن عُدَيَس ، فناجاه بشىء ، ثم رجع
ابن عُدَيَس فقال لأصحابه : لا تتركوا أحداً يدخل على هذا الرجل ؛
ولا يخرج من عنده . قال : فقال لى عثمان : هذا ما أمر به طلحة بن عبيد الله .
ثم قال عثمان: اللهمّ اكفِى طلحة بن عبيد الله، فإنه حمل علىّ هؤلاء
وألَّبهم ؛ والله إنى لأرجو أن يكون منها صفرًا، وأن يُسفك دمه ، إنه انتهك
منى ما لا يحلّ له ، سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ((لا يحلّ دم
امرئ مسلم إلا فى إحدى ثلاث : رجل كفر بعد إسلامه فيقتل ، أو رجل
زنى بعد إحصانه فيرجم ، أورجل قتل نفساً بغير نفس))، ففيم أقتل ! قال :
ثم رجع عثمان . قال ابن عياش : فأردت أن أخرج فمنعونى حتى مرّ بى
محمد بن أبى بكر فقال : خلّه ، فخلّونى .
قال محمد : حدثنى يعقوب بن عبد اللّه الأشعرىّ، عن جعفر بن
أبى المغيرة، عن سعيد بن عبد الرحمن بن أبزى، عن أبيه ، قال : رأيتُ اليوم
الذى دُخل فيه على عثمان ، فدخلوا من دار عمرو بن حزم خَوخة هناك
حتى دخلوا الدار ، فناوشوهم شيئًا من مناوشة ودخلوا ، فوالله ما نسينا أن خرج
سُودان بن حمران، فأسمعه يقول : أين طلحة بن عبيد الله ؟ قد قتلْنا ابن
عفان !
١
٣٠٠١/١
قال محمد بن عمر : وحدثنى شرحبيل بن أبى عون ، عن أبيه ، عن
أبى حفصة المانىّ ، قال : كنت لرجل من أهل البادية من العرب ، فأعجبته -
يعنى مروان-فاشترانى واشترى امرأتى وولدى فأعتقنا جميعاً؛ وكنت أكون
معه ، فلما حُصِر عثمان رضى الله عنه ، شمّرتْ معه بنو أمية ، ودخل معه
مرْوان الدار . قال : فكنتُ معه فى الدار ، قال : فأنا والله أنشبت القتال بين
(١) ط: ((عباس))، تصحيف.

٣٨٠
سنة ٣٥
الناس ؛ رميت من فوق الدار رجلا من أسلم فقتلته ؛ وهو نيار الأسلمىّ ،
فنشِب القتال ، ثم نزلت، فاقتتل الناس على الباب، وقاتل مروان حتى سقط.
فاحتملته ، فأدخلته بيت عجوز ، وأغلقت عليه ، وألقى الناس النيران فى
أبواب دار عثمان ، فاحترق بعضها، فقال عثمان: ما احترق الباب إلاّ لما هو
أعظم منه ، لا يحرّكنّ رجل منكم يده ؛ فوالله لو كنت أقصاكم لتخطّوكم
حتى يقتلونى ، ولو كنت أدناكم ما جاوزونى إلى غيرى ، وإنى لصابر كما
عهد إلىّ رسول الله صلى الله عليه وسلم، لأُصرَ عنّ مصرعى الذى كتب اللّه عزّ
وجلّ . فقال مروان: والله لا تقتَل وأنا أسمع الصوت، ثم خرج بالسيف على
الباب يتمثّل بهذا الشعر :
والكَفِّ والأنامِلِ الطََّولِ
قد عَلِمَتْ ذاتُ الُرونِ المِيلِ
بغارِهٍ مِثْلٍ قَطَا الشَّليلِ
أَنِى أَرُوعُ أوَّلَ الرَّعيلِ(١)
قال محمد : وحدثنى عبد الله بن الحارث بن الفضيل ، عن أبيه ، عن
أبى حفصة ، قال: لما كان يوم الخميس دلّيت حجراً من فوق الدار، فقتلت
رجلا من أسلم يقال له نيار، فأرسلوا إلى عثمان: أن أمكنّاً من قاتله. قال: والله
ما أعرف له قاتلا، فباتوا ينحرفون علينا ليلة الجمعة بمثل النيران، فلما أصبحوا
غدوْا ، فأوّل مَن طلع علينا كنانة بن عتّاب ، فى يده شعلة من نار على ظهر
سطوحنا ، قد فتح له من دار آل حزم، ثم دخلت الشُّعَل على أثره تُنْضَح
بالنِّفْط ؛ فقاتلناهم ساعة على الخشب، وقد اضطرم الخشب ، فأسمع عثمان
بقول لأصحابه : ما بعد الحريق شىء! قد احترق الخشب ، واحترقت الأبواب،
ومن كانت لی علیه طاعة فليمسك داره؛ فإنما يريدنى القوم، وسيندمون على
قتلى؛ والله لو تركونى لظننت أنى لا أحبّ الحياة؛ ولقد تغيّرت حالى، وسقط
أسنانى، ورقّ عظمِى .
قال : ثم قال لمروان : اجلس فلا تخرج ، فعصاه مروان ، فقال :
والله لا تُقتل، ولا يُخلص إليك، وأنا أسمع الصوت، ثم خرج إلى الناس.
فقلت : ما لمولای مُتّرك ! فخرجت معه أذبّ عنه، ونحن قليل، فأسمع مروان
يتمثّل :
(١) فى تعليقات ط: ((أزوع))؛ أى أحث الرعيل ليزيد فى السير، وهو وجه .
٣٠٠٢/١