النص المفهرس

صفحات 181-200

١٨١
سنة ٢٣
أن يصيبوا منها شيئًا، فيُخْفِروا. فتمّ أهلُ سِجِسْتان على الخراج والمسلمون
على الإعطاء ؛ فكانت سِجِسْتان أعظمَ من خُراسان ، وأبعد فروجًا ،
يقاتلون القْندُ هار والترك وأمًا كثيرة ، وكانت فیما بین السند إلى نهر بلْخ
بحياله، فلم تنزلْ أعظمَ البلدين، وأصعب الفَرْجين، وأكثرهما عدداً وجُنداً؛
حتى زمان معاوية، فهرب الشاه من أخيه - واسم أخى الشاه يومئذ رُتْبِيل- ٢٧٠٦/١
إلی بلد فيها يدعى آمُل ، ودانوا لِسَلْم بن زياد ، وهو يومئذ على سجستان ،
ففرح بذلك وعقد لهم، وأنزلهم بتلك البلاد ، وكتب إلى معاوية بذلك يُرِى
أنه قد فُتح عليه. فقال معاوية : إنّ ابن أخى ليفرح بأمر إنه ليَحزُنُنى
وينبغى له أن يحزنه ، قالوا: ولمَّ يا أمير المؤمنين؟ قال: لأنّ آمُلُ بلدة
بينها وبين زَرَنْج صعوبة وتضايُقٌ، وهؤلاء قوم نُكُرُ غُدُر، فيضطرب الحبل
غداً ، فأهون ما يجىء منهم أن يغلبوا على بلاد آمُل بأسرها . وتمّ لهم على
عهد ابن زياد ؛ فلمّا وقعت الفتنة بعد معاوية كفر الشاه ، وغلَب على آمُل،
وخاف رُتبیل الشاه فاعتصممنه بمكانه الذى هو به اليوم، ولم يُرْضِه ذلك حین
تشاغل الناس عنه حتی طمع فی زرنْج، فغزاها فحصرهم حتى أتتهم الأمداد من
البصرة، فصار رُتُبيل والذين جاءوا معه؛ فنزلوا تلك البلاد شَجًا (١) لم يُنْتَزَعْ
إلى اليوم ؛ وقد كانت تلك البلاد مذلّلة إلى أن مات معاوية .
٠ ٥
٠
فتح مُكران
قالوا (٢): وقصد الحكتم بن عمرو التغلّىّ لمُكْران؛ حتى انتهى إليها؛
ولحق به شهاب بن المخارق بن شهاب، فانضمّ إليه، وأمدّه سهيل بن ٢٧٠٧/١
عدىّ، وعبدالله بن عبدالله بن عتبان بأنفُسهما، فانتهوا إلى دُوَين النهر ،
وقد انفضّ أهل مُكْران إليه حتى نزلوا على شاطئه ، فعسكروا ، وعبر إليهم
واسل(٣) ملكُهم ملكَ السند، فازدلف (٤) بهم مستقبلَ المسلمين.
فالتقوا فاقتتلوا بمكان من مُكْران من النهر على أيام ، بعد ما كان(٥)
(١) الشجا: ما اعترض فى الحلق من عظم ونحوه.
(٢) س، ف: ((قال)).
(٣) س: ((رسل)).
(٤) ازدلف : اقترب .
(٥) ابن حبيش: ((كانوا)).

١٨٢
سنة ٢٣
قد انتهى إليه أوائلهم، وعسكروا به (١ ليلحق أخراه١)، (٢ فهزم الله
راسل وسلبه٢)، وأباح المسلمين (٣) عسكره ، وقتلوا فى المعركة مقتلة عظيمة ،
وأتبعوهم يقتلونهم أيامًا، حتى انتهوا إلى النهر. ثم رجعوا(٤) فأقاموا بمُكْران.
وكتب الحكتم إلى عمر بالفتح ، وبعث بالأخماس مع صُحار العبدىّ ،
واستأمره فى الفيلة ، فقدم صُحار على عمر بالخبر (٥) والمغانم، فسأله عمر
عن مُكْران - وكان لا يأتيه أحد إلا سأله عن الوجه الذى يجىء منه -
فقال: يا أمير المؤمنين ، أرض سهلها جَبَل، وماؤها وشَل (٦)، وتمرها
دَقَل (٧)، وعدوّها بطل، وخيرها قليل، وشرّها طويل، والكثير بها قليل ،
٢٧٠٨/١ والقليلُ بها ضائع، وما وراءها شرّ منها. فقال(٨): أسَجّاعٌ أنت أم مخبر؟
قال: لا بل مخبر، قال: لا، واللّه لا يغزوها جيش لى ما أُطِعْتُ؛ وكتب
إلى الحكم بن عمرو وإلى سھیل ألاّ يجوزنّ مُكْران أحد من جنود کما،
واقتصِيرا على ما دون النهر؛ وأمره ببيع الفيلة بأرض الإسلام ، وقَسْم أثمانها
على مَنْ أفاءها اللّه عليه .
وقال الحكم بن عمرو (٩) فى ذلك :
بنىُ جَاءَهُمْ من مُكَّران (١٠)
لقد شَبِعَ الأَرَامِلُ غَيْرَ فَخْرِ
وقد صَفِرَ الشّتاءِ من الدُّخانِ
أتاهم بعد مَسْغَبَةٍ وجهدٍ
ولا سَيْفِى يُذَمُّ ولا سِنانی(١١)
فإِى لا يَذُمُّ الجيشُ فِعْلِ
(١-١) س: ((ليلحق بهم أخراه))، ف: ((ليلحق أولهم أخراهٍ)).
(٢-٢) س: ((فهزمهم الله وانهزم راسل وسلب)).
(٤) ف: ((زحفوا)).
(٣) ابن حبيش: ((المسلمين)).
(٥) س: ((بالفتح)).
(٦) الوشل ، بالتحريك : الماء القليل .
(٧) الدقل: أرداً التمر، وفى ط: ((وثمرها).
(٨) ف وابن كثير والنويرى: ((فقال عمر)». س: ((قال له عمر)).
(٩) زاد ياقوت: ((التغلبى)).
(١٠) ياقوت ٨: ١٣٠، وفيه: «مكران بالضم ثم السكون وراء وآخره نون، أعجمية، وأكثر
ماتجىء فى شعر العرب مشددة الكاف)).
(١١) ابن كثير: ((ولالسانى)).

١٨٣
سنة ٢٣
إلى السِّنْدِ العَريضةِ والمَدانى
غَدَاةَ أُدَفِّعُ الأوْباشَ دَفْعَ (١)
مُطِيعٌ غَيْرَ مُسْتَرْخِى المِنان
ومِهْرانٌ لنا فيما أرَدْنا
قَطَعناه إلى الْبُدُدِ الزَّوانى
فَلَوْلا ما نهى عنه أميرى
خبر بَيْرُوذ من الأهواز
قالوا : ولما فتَصلت الخيول(٢) إلى الكُوَرَ اجتمع بِبَيْروذ جمعٌ عظيم
من الأكراد وغيرهم ، وكان عمر قد عهد إلى أبى موسى حين سارت الجنود
إلى الكُوَرَ أن يسير حتى ينتهى إلى ذمة البصرة، كى لا(٣) يؤتى ٢٧٠٩/١
المسلمون من خَلْفهم ، وخشِىَ أن يُسْتلحَمَ بعضُ جنوده أو ينقطع منهم
طرف، أو يخلفوا فى أعقابهم ؛ فكان الذى حذر من اجتماع أهل بيروذ ؛
وقد أبطأ أبو موسى حتى تجمعوا ، فخرج أبو موسى حتى ينزِل ببسَيْروذ
على الجمْع الذى تجمعوا بها فى رمضان ؛ فالتقوا بين نهر تيرى ومناذر ؛
وقد توافى إليها أهلُ النَّجدات من أهل فارس والأكراد ، لیکیدوا المسلمين ،
وليُصيبوا منهم عَوْرة ؛ ولم يشكّوا فى واحدة من اثنتين . فقام المهاجرين
زياد وقد تحنّط واستقتل، فقال لأبى موسى: أقسم على كلّ صائم لَمّا رجع
فأفطر . فرجع أخوه فيمن رجع لإبرار القسم ، وإنما أراد بذلك توجيه أخيه
عنه لئلا يمنعه من الاستقتال ؛ وتقدّم فقاتل حتى قتل، ووهّن اللّه المشركين
حتى تحصّوا فى قِلَة وذلّة؛ وأقبل أخوه الربيع، فقال: هَيْئَ يا والع (٤)
الدنيا ؛ واشتدّ جزعُهُ عليه ؛ فرقّ أبو موسى للربيع الذى رآه دخله مِن
مصاب أخيه ، فخلّفه عليهم فى جُند؛ وخرج أبو موسى حتى بلغ إصبهان ،
فلِفِىَ بها جنودَ أهل الكوفة محاصرى جى ، ثم انصرف إلى البصرة ؛ بعد ٢٧١٠/١
(١) ف وابن حبيش وابن كثير وياقوت: ((أرفع الأوباش رفعاً)). والأوباش من الناس:
المتفرقون ، مثل الأوشاب .
(٢) س: ((الجنود)).
(٣) س: ((لكيلا))، ف وابن الأثير: ((حتى لا)).
(٤) ابن حبيش: ((والغ)).

١٨٤
سنة ٢٣
ظفر الجنود ، وقد فتح الله على الربيع بن زیاد أهل بیروذ من نهر تیری ؛
وأخذ ما كان معهم من السَّبْى ، فتنقى أبو موسى رجالا منهم ممن كان
لهم (١) فداء - وقد كان الفداء أردّ على المسلمين من أعيانهم وقيمتهم فيما بينهم -
ووفّد الوفود والأخماس؛ فقام رجل منعنزة فاستوفده؛ فأبى؛ فخرج فسعىبه
فاستجلبه عمر ، وجمع بينهما فوجد أبا موسى أعذَر إلاّ فى أمر خادمه ،
فضعّفه فردّه إلى عمله، وفجّر الآخر؛ وتقدّم إليه فى ألا" يعود لمثلها.
كتب إلىّ السرىُّ، عن شعيب، عن سيف، عن محمد وطلحة والمهلب
وعمرو ، قالوا : لما رَجع أبو موسى عن إصبهان بعد دخول الجنود الكُور ،
وقد هزم الربيع أهلَ بيروذ ، وجمع السَّبِى والأموال ؛ فغدا على ستين غلامًا
من أبناء الدّهاقين تنقّاهم (٢) وعزلهم؛ وبعث بالفتح إلى عمر، ووفّد وفداً (٣)
فجاءه رجلٌ من عَنّزة ، فقال : اكتبنى فى الوفْد، فقال: قد كتبنا من
هو أحقّ منك؛ فانطلق مغاضبًا مراغمًا، وكتب أبو موسى إلى عمر: إنّ
رجلا من عَّزة يقال له ضبّة بن مُحْصَن، كان من أمره ... وقصّ قِصّته.
فلما قدم الكتاب والوفد والفتح(٤) على عمر قدم العنزىّ فأتى عمر فسلم
عليه، فقال: مَنْ أنت ؟ فأخبره، فقال: لا مرحبًا ولا أهلا! فقال(٥):
أما المَرْحب فمن الله، وأما الأهل فلا أهل ؛ فاختلَف إليه ثلاثًا ، يقول
له(" هذا ويرد" عليه٦) هذا؛ حتى إذا كان فى اليوم الرابع ، دخل عليه ،
٢٧١١/١ فقال (٧): ماذا نقمْتَ على أميرك؟ قال: تنقَّى(٨) ستين غلامًا من أبناء
الدّهاقين لنفسه ؛ وله جارية تدعى عقيلة، تُغدَّى جَفْنة وتُعشَّى جفنة ،
وليس منا رجلٌ يقدر على ذلك ؛ وله قفيزان ، وله خاتمان ، وفوّض إلى زياد
ابن أبى سفيان - وكان زياد يلِى أمور البصرة - وأجاز الحطيئة بألف .
فكتب عمر كلّ ما قال .
(٢) ابن حبيش: ((انتقاهم)).
(١) ف: ((له)).
(٣) س : ((وبعث بوفد » .
(٤) ابن حبيش: ((بالفتح والوفد)).
(٥) س: ((فقال العنزى)).
(٠٦-٦) س: ((عمر مثل ذلك فيرد عليه مثل مقالته)).
(٧) س: ((فقال عمر)).
(٨) ف: ((انتقى)).

١٨٥
سنة ٢٣
فبعث إلى أبى موسى ؛ فلما قدم حَجَبَه أيامًا ، ثم دعا به ، ودَعا
ضبّة بن محصن ؛ ودفع إليه الكتاب ، فقال : اقرأ ما كتبت، فقرأ : أخذ
ستين غلامًا لنفسه . فقال أبو موسى : دُلِلتُ عليهم وكان لهم فداء
فقديتُهم ، فأخذته فقسمته بين المسلمين ؛ فقال ضبة: والله ما كذب
ولا كذبتُ ، وقال : له قفيزان ؛ فقال أبو موسى : قفيز لأهلى أقوتُهم،
وقفيز للمسلمين فى أيديهم ؛ يأخذون به أرزاقهم ؛ فقال ضَبّة: واللّه
ما كذب ولا كذبتُ ؛ فلما ذكر عَقِيلة سكت أبو موسى ولم يعتذر ؛
وعلم أنّ ضبّة قد صدقه . قال : وزياد يلى أمور الناس ولا يعرف
هذا ما يلى ؛ قال : وجدت له نُبْلا ورأيًا ، فأسندت إليه عملى .
قال : وأجاز الحطيئة بألف ، قال : سددتُ فَمَه بمالى أن يشتمنى ،
فقال: قد فعلت ما فعلتَ (١). فردّه عمر وقال: إذا قدمتَ فأرسل إلى ٢٧١٢/١
زياداً وَعَقِيلة ، ففعل ، فقدمت عقيلة قبل زياد ؛ وقدم زياد فقام
بالباب ، فخرج عمر وزياد بالباب قائم ، وعليه ثياب بياض كتّان ،
فقال [له](٢): ماهذه الثياب؟ فأخبره، فقال: كم أثمانُها؟ فأخبره بشىء
يسير، وصدّقه، فقال له : كم عطاؤك؟ قال ألفان، قال: ما صنعت (٣)
فى أوّل عطاء خرج لك ؟ قال: اشتريت(٤ والدقى فأعتقتها٤)، واشتريت فى
الثانى رَبِيبِى عُبَيْداً فأعتقتُه، فقال: وفَّقْت، وسأله عن الفرائض والسنن
والقرآن ، فوجده فقيهاً . فردّه ، وأمر أمراء البصرة أن يشربوا برأيه، وحبس
عنقيلة(٥) بالمدينة. وقال عمر: ألا إنّ ضبّة العنزىّ غضب على أبى موسى
فى الحق أن أصابه ، وفارقه مراغمًا أن فاته أمر من أمور الدنيا ، فصدق عليه
وكذب، فأفسد كذبُه صدقَه ؛ فإيّاكم والكذبَ؛ فإنّ الكذب يهدى إلى
النار . وكان الحطيئة قد لقيته فأجازه فى غزاة بيروذ ، وكان أبو موسى
قد ابتدأ حصارهم وغزاتهم (٦) حتى فلهم، ثم جازهم ووكلّ بهم الربيع؛ ثم ٢٧١٣/١
(١) بعدها فى س: ((فارجع إلى عملك)). (٢) من س.
(٣) فى: ((فما صدقت)).
(٥) س: ((وأمر بحبس عقيلة)).
(٤-٤) ابن حبيش: ((والدى فاعتقّهما)).
(٦) ابن حبيش: ((غزاتهم فحاصرهم)).

١٨٦
سنة ٢٣
رجع إليهم بعد الفتح فولىَ القَعْ .
کتب إلىّ السرىّ، عن شعيب، عن سيف، عن أبى عمرو (١)، عن الحسن،
عن أسيد بن المتشمّس بن أخى الأحنف بن قيس ، قال : شهدتُ مع
أبى موسى يوم إصبّهان فتح القُرَى، وعليها عبد الله بن وَرْقاء الرّياحىّ
وعبد الله بن ورقاء الأسدىّ. ثم إنّ أبا موسى صُرِف إلى الكوفة، واستُعمل
على البَصْرة عمر بن سراقة المخزومىّ ، بدوىّ .
ثم إنّ أبا موسى رُدّ على البصرة، فمات عمر وأبو موسى على البصرة
على(٢) صلاتها، وكان عملها مفترقًا غير مجموع؛ وكان عمر ربما بعث إليه
فأمدّ به بعض الجنود ، فيكون مدّداً لبعض الجيوش .
ذكر خبر سلمة بن قيس الأشجعىّ والأكراد
حدّثنى عبد الله بن كثير العبدىّ ، قال : حدثنا جعفر بن عون ،
قال : أخبرنا أبو جناب ، قال: حدثنا أبو المحجَّل الرّدينىّ، عن مخْلَد
٢٧١٤/١ البكرىّ وعلقمة بن مَرْثَد، عن سليمان بن بُرَيَدة، أنّ أميرَ المؤمنين(٣)
كان إذا اجتمع إليه (٤) جيش من أهل الإيمان أمّر عليهم رجلا من أهل
العلم والفقه ؛ فاجتمع إليه جيش ، فبعث عليهم(٥) سلمة بن قيس الأشجعى
فقال: سِرْ باسم اللّه، قاتِلْ فى سبيل الله من كفر بالله؛ فإذا لقيتم عدوًّكم
من المشركين فادعوهم إلى ثلاث خصال : ادعوهم إلى الإسلام فإن أسلموا
فاختاروا دارهم فعليهم فى أموالهم الزكاة ؛ وليس لهم فى فىء المسلمين نصيب ،
وإن اختاروا أن يكونوا معكم فلهم مثلُ الذى لكم ، وعليهم مثل الذى
عليكم ؛ فإن أبوا فادعوهم(٦) إلى الخراج؛ فإن أقرّوا بالخراج (٧) فقاتلوا
عدّوهم من ورائهم ؛ وفرّغوهم لخراجهم ؛ ولا تكلّفوهم فوق طاقتهم ؛ فإن
(١) ط: ((عمر))؛ وهو أبو عمرو مولى إبراهيم بن طلحة، وانظر التصويبات.
(٣) ابن حبيش: ((أن عمر رحمه الله)).
(٢) ف: ((وعلى)).
(٤) ابن حبيش: (( له)).
(٥) ف: ((عليه)).
(٦) أبن حبيش: ((فسلوم)).
(٧) ابن حبيش: ((فإن أعطوكم)).

١٨٧
سنة ٢٣
أبوًا فقاتلوهم؛ فإنّ اللّه ناصركم عليهم؛ فإن تحصّنُوا منكم فى حصن فسألوكم
أن ينزلوا على حكم الله وحكم رسوله؛ فلا تنزلوهم على حكم اللّه ؛ فإنكم
لا تدرون ما حكم الله ورسوله فيهم! وإن سألوكم أن ينزلوا على ذمة الله وذمّة
رسوله فلا تعطُوهم ذمّة اللّه وذمّة رسوله ؛ وأعطوهم ذمم أنفسكم ، فإن قاتلوكم
فلا تغلّوا ولا تغدروا ولا تمثّلوا ، ولا تقتلوا وليداً . قال سلمة : فسرنا حتى
لقِينَا عدّونا من المشركين(١)، فدعوناهم إلى ما أمر به (٢) أمير المؤمنين، ٢٧١٥/١
فأبوا أن يسلموا، فدعوناهم إلى الخراج فأبوا أن يُقرّوا، فقاتلناهم فنصرنا الله
عليهم، فقتلنا المقاتلة، وسبيْنا الذرّية، وجمعنا الرّثة (٣)؛ فرأى سلمة بن قيس
شيئًا من حِلْية، فقال: إنّ هذا لا يبلغ فيكم شيئًا، فتطيب أنفسكم أن
نبعث به إلى أمير المؤمنين، فإنّ له بُرُدا ومؤونة ؟ قالوا : نعم ، قد طابت
أنفسنا . قال : فجعل تلك الخلية فى سَقَط ، ثم بعث برجل من قومه ،
فقال : اركب بها ؛ فإذا أتيت البَصْرة فاشتر على جوائز أمير المؤمنين راحلتين ؛
فأوقِرْهما زاداً لك ولغلامك ، ثم سِرْ إلى أمير المؤمنين .
قال : ففعلت، فأتيتُ أمير المؤمنين وهو يغدّى الناسَ متكئاً على عصا
كما يصنع الراعى وهو يدور على القصاع ، يقول: يايرفأ؛ زدْ هؤلاء لحمًا،
زِدْ هؤلاء خبزاً، زدْ هؤلاء مَرَقة، فلما دُفعتُ إليه ، قال : اجلس؛
فجلست فى أدنى الناس ؛ فإذا طعام فيه خشونة طعامى ، الذى معى أطيبُ
منه. فلما فرغ الناس من [قصاعهم](٤) قال: يا يرفأ، ارفع قِصاعك ثمّ
أدْبِر ؛ فاتّبعته فدخل داراً ، ثم دخل حجرة ، فاستأذنت وسلمت ، فأذن
لى، فدخلت عليه فإذا هو جالسٌ على مِسْح(٥) متكئ على وسادتين من
أدُم محشوّتين ليفًا؛ فنبذ إلىّ بإحداهما، فجلست عليها، وإذا بَهْوٌ فى
صُفّة فيها بيت عليه سُتَيْر ، فقال : يا أم كلثوم ، غداءنا ! فأخرجت
إليه خُزة بزيت فى عُرْضها ملح لم يُدَقّ، فقال: يا أمّ كلثوم ، ألا
تخرجين إلينا تأكلين معنا من هذا ؟ قالت: إنى أسمع عندك حس رجل، ٢٧١٧/١
(٢) م: ((أمرنابه)).
(١) بعدها فى ابن حبيش: ((من الأكراد)).
٢٧١٦/١
(٣) الرثة: المتاع .
(٥) المسح: نسيج من الشعر يتخد بساطاً يجلس عليه .
(٤) من ابن حبيش .

١٨٨
سنة ٢٣
قال: نعم (١) ولا أراه من أهل البلد - قال: فذلك حين عرفت أنه لم يعرفى -
قالت : لو أردتَ أن أخرج إلى الرجال لكسوتَنِى كما كسا ابنُ جعفر امرأته،
وكما كسا الزّبير امرأته، وكما كَسَا طلحة امرأته! قال: أوَ مَا يكفيك أن
يقال: أمّ كُلثوم بنت علىّ بن أبى طالب وامرأة أمير المؤمنين عمر! فقال:
كلْ؛ فلو كانت راضيةً لأطعمتْك أطيبَ من هذا . قال : فأكلتُ قليلا -
وطعامى الذى معى أطيب منه - وأكل ، فما رأيت أحداً أحسن أكلا منه
ما يتلبّس طعامُه بيده ولا فمه، ثم قال: اسقونا، فجاءوا بعُسّ من سُلْت (٢)
فقال : أعط الرّجل، قال : فشربت قليلا، سويقى الذى معى أطيب منه،
ثمّ أخذه فشربه حتى قَرَّع القدح جبهته، وقال: الحمد لله الذى أطعمنا
فأشبعنا ، وسقانا فأروانا . قال : قلت : قد أكل أمير المؤمنين نشبع، وشرب
فروىّ؛ حاجتى يا أمير المؤمنين! قال : وما حاجتك؟ قال: قلت: أنا رسول
٢٧١٨/١ سلمة بن قيس، قال: مرحبًا بسلمة بن قيس ورسولهٍ(٣)، حدّثنى
عن المهاجرين كيف هم ؟ قال : قلت : هم يا أمير المؤمنين كما تحبّ من
السلامة والظَّفْر على عدوّهم (٤). قال: كيف أسعارهم؟ قال : قلت :
أرخص أسعار . قال : كيف اللحم فيهم فإنها شجرة العرب ولا تصلح العرب
إلا بشجرتها؟ قال: قلت: البقرة فيهم بكذا، والشاة فيهم بكذا يا أمير المؤمنين،
سرنا حتى لقينا عدونا من المشركين فدعوناهم إلى ما أمرتنا به من
الإسلام فأبوا، فدعوناهم إلى الخراج فأبوا، فقاتلناهم فنصرنا الله عليهم،
فقتلْنا المقاتلة، وسبيْنا الذّرّيّة ، وجمعنا الرّثّة؛ فرأى سلمة فى الرثّة حِلْية،
فقال الناس: إنّ هذا لا يبلغ فيكم شيئًا، فتطيب أنفسكم أنْ أبعث به إلى
أمير المؤمنين ؟ فقالوا : نعم . فاستخرجت سَفَطَى، فلما نظر إلى تلك
الفصوص من بين أحمر وأصفر وأخضر ، وثب ثمّ جعل يده فى خاصرته ،
٢٧١٩/١ ثم قال: لا أشبع اللّه إذاً بطن عمر! قال: فظنّ النساء أنى أريد أن أغتاله،
فجئن إلى الستر، فقال : كفّ ما جئت به، يا يرفأ، جَأ عنقه. قال: فأنا
(١) ابن حييش: ((أجل)).
(٢) السلت : شراب من سويق الشعير .
(٣) ابن حبيش: ((وبرسوله، وكأنما خرجت من صلبه)).
(٤) ابن حبيش: ((العدو)).

١٨٩
سنة ٢٣
أصلح سَفَطَى وهو يجأ عنقى! قلت: يا أميرَ المؤمنين أبْدعَ (١) بى فاحملنى ،
قال : يا يرفأ أعطه راحلتين من الصدقة ، فإذا لقيتَ أفقر إليهما منك
فادفعهما إليه . قلت : أفعل' يا أمير المؤمنين، فقال: أما والله لئن تفرّق
المسلمون فى مشاتِيهم قبل أن يقسّم هذا فيهم لأفعلنّ بك وبصاحبك الفاقرة(٢).
قال : فارتحلتُ حتى أتيت سلمة، فقلت: ما بارك اللّه لى فيما اختصصتنى ٢٧٢٠/١
به ، اقسم هذا فى الناس قبل أن تصيبنى وإيّاك فاقرة، فقسمه فيهم ، والفص
يباع بخمسة دراهم وستة دراهم ؛ وهو خير من عشرين ألفًا .
وأما السّرىّ فإنه ذكر - فيما كتب به إلىّ يذكر عن شعيب ، عن
سيف ، عن أبى جناب ، عن سليمان بن بُريدة - قال : لقيت رسولَ سلمة
ابن قيس الأشجعىّ ، قال : كان عمر بن الخطاب إذا اجتمع إليه جيش
من العرب ... ثم ذكر نحو حديث عبد الله بن كثير عن جعفر بن عون ؛
غير أنه قال فى حديثه عن شعيب عن سيف : وأعطوهم ذمم أنفسكم . قال :
فلقينا عدوّنا من الأكراد ، فدعوناهم .
وقال أيضًا : وجمعنا الرِّثّة، فوجد فيها سلّمة حُقّتين جوهراً ، فجعلها
فى سقط ..
وقال أيضًا: أوَ مَا كفاكِ أن يقال: أمّ كلثوم بنت علىّ بن أبى طالب
امرأة عمر بن الخطّاب! قالت: إنّ ذلك عنى لقليل الغناء ، قال : كل .
وقال أيضًا: فجاءوا بعُسٍّ من سُلْت، كلّما حرّكوه فارَ فوقه مما
فيه ؛ وإذا تركوه سكن . ثم قال : اشرب ، فشربت قليلا ؛ شرابى الذى
معى أطيب منه ، فأخذ القَدَح فضرب به جبهته . ثم قال: إنك لضعيف ٢٧٢١/١
الأكل ، ضعيف الشرب .
وقال أيضا : قلت : رسول سلمة ، قال: مرحبًا بسلمة وبرسوله، وكأنما
خرجتَ من صلبه ؛ حدّثْنى عن المهاجرين .
(١) فى اللسان: ((يقال: أبدعت به راحلته إذا طلعت، وأبدع به: كلت راحلته أو أعطبت به
(٢) الفاقرة : أى الداهية .
و بقى منقطعاً به » .
٠٠٠ ..

١٩٠
سنة ٢٣
وقال أيضًا: ثم قال: لا أشبع اللّه إذاً بطن عمر! قال: وظنّ النساء
أنى قد اغتلتُهُ، فكشفن الستر ؛ وقال : يا يرفأ ، جأ عنقه ؛ فوجأ عنى
وأنا أصيح، وقال: النّجَاء؛ وأظنّك ستبطئ. وقال: أما والله الذى لا إله
غيره لئن تفرّق الناس إلى مشاتيهم ... وسائر الحديث نحو حديث عبد الله
بن كثير .
وحدّنا الرّبيع بن سليمان ، قال : حدثنا أسد بن موسى ، قال : حدّثنا
شهاب بن خِراش الحوشىّ ، قال : حدّثنا الحجاج بن دينار ، عن منصور
ابن المعتمر ، عن شقيق بن سلمة الأسدىّ ، قال : حدّثنا الذى جرى بين
عمر بن الخطاب وسلمة بن قيس ، قال : ندب عمر بن الخطاب الناس إلى
سلمة بن قيس الأشجعىّ بالحيرة ، فقال: انطلقوا باسم الله ... ثم ذكر
نحو حديث عبد الله بن كثير، عن جعفر.
قال أبو جعفر: وحجّ عمر بأزواج رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم فى
هذه السنة ؛ وهى آخر حجّة حجّها بالناس ؛ حدّثنى بذلك الحارث ،
قال : حدّثنا ابنُ سعد ، عن الواقدى .
٠
٠
[ ذكر الخبر عن وفاة عمر ]
وفى هذه السنة كانت وفاته .
٢٧٢٢/١
* ذكر الخبر عن مقتله :
حدّثنى سلم (١) بن جُنادة، قال: حدّثنا سُليمان بن عبد العزيز بن
أبى ثابت بن عبد العزيز بن عمر بن عبد الرحمن بن عوف ، قال : حدّثنا
أبى، عن عبد الله بن جعفر، عن أبيه، عن المسور بن عْرمة.
- وكانت أمّه عاتكة بنت عوف - قال: خرج عمر بن الخطاب يومًا يطوف
فى السوق ، فلقيه أبو لؤلؤة غلام المغيرة بن شعبة ؛ وكان نصرانيًا، فقال :
يا أميرَ المؤمنين ، أعْدِنِى (٢) على المغيرة بن شعبة؛ فإنّ علىّ خراجاً كثيراً،
(١) ط: ((سلمة))، وانظر ميزان الاعتدال.
(٢) أعدنى ، أى أعنى وانصرنى.

١٩١
سنة ٢٣
قال : وكم خراجُك ؟ قال: درهمان فى كلّ يوم، قال: وأَيَشٍ صناعتك؟
قال: نجّار، نقّاش، حدّاد، قال: فما أرى خراجتك بكثير على ما تصنع
من الأعمال ؛ قد بلغنى أنك تقول : لو أردتُ أن أعملَ رحاً تطحن بالريح
فعلت ، قال : نعم ؛ قال : فاعمل لى رحاً، قال: لئن سلمتُ لأعملنّ
لك رحًا يتحدّث بها مَنْ بالمشرق والمغرب، ثم انصرف عنه ؛ فقال عمر
رضى الله تعالى عنه: لقد توعّدنى (١) العبد آنفًا! قال: ثمّ انصرف عمر
إلى منزله؛ فلما كان من الغد جاءه كعب الأحبار فقال له : يا أمير المؤمنين،
اعهد، فإنك ميّت فى ثلاثة أيام ؛ قال : وما يُدريك ؟ قال :
أجده فى كتاب الله عزّ وجلّ التوراة، قال عمر: آللّه إنك لتجد عمر ٢٧٢٣/١
ابن الخطاب فى التوراة ؟ قال: اللهم" لا؛ ولكنى أجد صفتَك وحِلْيتك،
وأنه قد فىَ أجلُك - قال: وعمرلا يُحسُّ وجعًا ولا ألمًا- فلما كان من
الغد جاءه كعب ، فقال : يا أميرَ المؤمنين ، ذهب يوم وبقى يومان ؛ قال :
ثمّ جاءه(٢) من غد الغد؛ فقال: ذهب يومان وبقىَ يوم وليلة؛ وهى لك
إلى صبيحتها . قال : فلما كان الصبح خرج عمر إلى الصلاة ؛ وكان يوكّل
بالصّفوف رجالا ؛ فإذا استوت جاء هو فكبّر . قال : ودخل أبو لؤلؤة.
فى الناس ، فى يده خنجر له رأسان نصابه فى وسطه ، فضرب عمر ست
ضربات ، إحداهنّ تحت سُرَّتِه ؛ وهى التى قتلته ؛ وقتل معه كُليب
ابن أبى البُكَيْر الليْىّ - وكان خلفه - فلما وجد عمر حرّ السلاح سقط،
وقال : أفى الناس عبد الرحمن بن عوف ؟ قالوا : نعم يا أميرَ المؤمنين ، هو
ذا ؛ قال : تقدّم فصلّ بالناس ، قال: فصلى عبدُ الرحمن بن عوف ،
وعمر طريح، ثم احتميل فأدخل داره، فدعا عبد الرحمن بن عوف، فقال :
إنى أريد أن أعهَد إليك؛ فقال: يا أميرَ المؤمنين نعم؛ إن أشرت على"
قبلت منك ؛ قال : وما تريد ؟ قال : أنشدك اللّه؛ أتشير علىّ بذلك ؟
قال: اللهم لا، قال: والله لا أدخل(٣) فيه أبداً، قال: فهبْ (٤) لى صمتاً ٢٧٢٤/١
(١) س وابن الأثير والنويرى: ((أوعدنى)). (٢) ف: ((ثم جاء)).
(٣) س: ((ما أدخل)).
(٤) س وابن الأثير والنويرى: ((فهبنى)).

١٩٢
سنة ٢٣
حتى أعهد إلى النّفر الذين تُوفّىَ رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو عنهم راضٍ.
ادعُ لى عليًّاً وعمّان والزبير وسعداً. قال: وانتظروا أخاكم طلحة ثلاثًاً فإن
جاء وإلا فاقضوا (١) أمركم؛ أنشدك الله يا علىّ إن وَلِيتَ من أمور الناس
شيئًا أن تحمل بنى هاشم على رقاب الناس ؛ أنشدك الله يا عثمان إن وليت
من أمور الناس شيئًا أن تحمل بنى أبى مُعيط على رقاب الناس ؛ أنشدك
الله يا سعد إن وليت من أمور الناس شيئًا أن تحمل أقاربك على رقاب
الناس ؛ قوموا فتشاوروا ثم اقضوا أمركم ؛ وليصلّ بالناس صُهيب .
ثم دعا أبا طلحة الأنصارىّ ، فقال : قم على بابهم ؛ فلا تدعْ أحداً
يدخل إليهم ؛ وأوصى الخليفة من بعدى بالأنصار الذين تبوءوا الدار
والإيمان، أن يُحسِن إلى محسنهم، وأن يعفو عن مسيئهم ؛ وأوصى الخليفة
من بعدى بالعرب ؛ فإنها(٢) مادّة الإسلام ، أن يؤخذ من صدقاتهم حقها
فيوضع فى فقرائهم ، وأوصى الخليفة من بعدى بذمّة رسول الله صلى الله عليه
وسلم أن يوفىَ لهم بعهدهم ، اللهم هل بلغت! تركتُ الخليفة من بعدى على
أنقى من الراحة ؛ يا عبد الله بن عمر اخرج فانظر مَنْ قتلنى ؟ فقال :
٢٧٢٥/١ يا أمير المؤمنين، قتلك أبو لؤلؤة غلام المغيرة بن شعبة، قال: الحمد لله الذى
لم يجعل منيّتى بيد رجل سجد لله سجدة واحدة؛ يا عبد الله بن عمر، اذهب
إلى عائشة فسلْها أن تأذن لى أن أدفن مع النبى صلى الله عليه وسلم وأبى بكر (٣)،
يا عبد الله بن عمر، إن اختلف القوم فكن مع الأكثر ؛ وإن كانوا ثلاثة
وثلاثة فاتبع الحزب الذى فيه عبد الرحمن ؛ يا عبد الله ائذن للناس ، قال :
فجعل يدخل عليه المهاجرون والأنصار فيسلمون عليه ، ويقول لهم: أعن ملأ
منكم كان هذا ؟ فيقولون : معاذ الله ! قال : ودخل فى الناس كعب ،
فلما نظر إليه عمر أنشأ يقول :
فَأَوَعَدَبِى كعبٌ ثلاثاً أعُدُّها ولاشكَّ أن القولَ ماقال لى كعبُ
(١) س: ((فامضوا)).
(٢) س وابن الأثير والنويرى: ((فإنهم)).
(٣) بعدها فى ف: ((الصديق رضى الله عنه)).

١٩٣
سنة ٢٣
وما بى حِذارُ الموتِ إِنّ كَيَّتٌ ولكنْ حِذارُ الذَّنِ يَتْبَعُهُ الذَّنْبُ
قال : فقيل له : يا أميرَ المؤمنين لو دعوتَ الطبيب! قال : فدعى
طبيب من بنى الحارث بن كعب ، فسقاه نبيذاً فخرج النبيذ مشكّلاً ،
قال : فاسقوه لبنًا ، قال : فخرج اللبن محضًا ، فقيل له: يا أمير المؤمنين،
اعهد ، قال : قد فرغت .
قال: ثم توفى ليلة الأربعاء لثلاث ليال بقين من ذى الحجة سنة ثلاث وعشرين.
قال : فخرجوا به بكْرة يوم الأربعاء ، فدفن فى بيت عائشة مع النبىّ
صلى الله عليه وسلم وأبى بكر . قال: وتقدّم صُهيب فصلّى عليه، وتقدّم ٣٧٢٦/١
قبل ذلك رجلان من أصحاب رسول(١) اللّه صلى الله عليه وسلم: علىّ وعثمان،
قال: فتقدّم واحد من عند رأسه ، والآخر من عند رجليه ؛ فقال عبد الرحمن:
لا إله إلا اللّه؛ ما أحرصكما على الإمرة! أما علمتما أن" أمير المؤمنين قال:
لِيُصَلّ بالناس صهيب! فتقدّم صهيب فصلّى عليه . قال : ونزل
فى قبره الخمسة .
٠
قال أبو جعفر : وقد قيل إن وفاته كانت فى غرّة المحرّم سنة أربع
وعشرين .
* ذكر من قال ذلك :
حدثنى الحارث ، قال : حدثنا محمد بن سعد ، قال : أخبرنا محمد
ابن عمر ، قال : حدثنى أبو بكر بن إسماعيل بن محمد بن سعد ، عن أبيه
قال : طُعين عمر رضى الله تعالى عنه يوم الأربعاء لأربع ليال بقين من ذى
الحجّة سنة ثلاث وعشرين، ودفن يوم الأحد صباح هلال المحرّم سنة أربع
وعشرين ؛ فكانت ولايته عشر سنين وخمسة أشهر وإحدى وعشرين
ليلةً ، من متوفَّى أبى بكر ، على رأس اثنتين وعشرين سنة وتسعة أشهر
وثلاثة عشر يوماً من الهجرة . وبويع لعثمان بن عفان يوم الاثنين لثلاث
مضين من المحرّم .
قال : فذكرت ذلك لعثمان الأخنسى، فقال: ما أراك إلا وهِلْت(٢)؛ توفّىّ
(٢) وهلت ووهمت ، كلاهما بمعنى.
(١) س: ((النبى)).

١٩٤
سنة ٢٣
عمر رضى الله تعالى عنه لأربع ليال بقين من ذى الحجة ، وبويع لعثمان بن
٢٧٢٧/١ عفّان لليلة بقيت من ذى الحجّة، فاستقبل بخلافته المحرم سنة أربع
وعشرين .
وحد ٹنی أحمدُ بن ثابت الرازى ، قال : حدثنا محدّث ، عن إسحاق
ابن عيسى ، عن أبى معشر، قال : قتل عمر يوم الأربعاء لأربع ليال
بقين من ذى الحجّة تمام سنة ثلاث وعشرين ، وكانت خلافته عشر سنين
وستة أشهر وأربعة أيام ؛ ثم بويع عثمان بن عفان .
قال أبو جعفر : وأما المدائنىّ ، فإنه قال فيما حدّثنى عمر عنه ، عن
شريك، عن الأعمش- أو عن جابر الجُعفىّ- عن عوف بن مالك الأشجعىّ
وعامر بن أبى محمد ، عن أشياخ من قومه ؛ وعثمان بن عبد الرحمن ، عن
ابْنَى شهاب الزُّهرىّ، قالوا: طُعين عمر يوم الأربعاء لسبع بقين من ذى الحجة.
قال : وقال غيرهم : لستّ بقين من ذى الحجة .
وأما سيف، فإنه قال فيما كتبَ إلىّ به السرىّ يذكر أن شعيبًا حدّثه
عنه ، عن خُليد بن ذَفَرة ومجالد ، قال : استُخلف عمّان لثلاث مضين
من المحرم سنة أربع وعشرين ، فخرج فصلى بالناس العصر ؛ وزاد : ووفّد
فاسْنَ به .
كتب إلىّ السرىّ ، عن شعيب، عن سيف، عن عمرو، عن الشعبىّ ،
قال : اجتمع أهلُ الشوري على عمّان ؛ لثلاث مضين من المحرّم ؛ وقد
٢٧٢٨/١ دخل وقت العصر، وقد أجان مؤذن صهيب، واجتمعوا بين الأذان والإقامة،
فخرج فصلى بالناس ، وزاد الناس مائة ؛ ووفّد أهل الأمصار، وصنع فيهم .
وهو أول من صنع ذلك
وحُدَّثْت عن هشام بن محمد، قال : قتل عمر لثلاث ليال بقين من
ذى الحجة سنة ثلاث وعشرين، وكانت خلافته عشر سنين وستة أشهر
وأربعة أيام

١٩٥
سنة ٢٣
ذ کر نسب عمر رضى الله عنه
حدّثنا ابنُ حميد ، قال : حدّثنا سلمة ، عن محمد بن إسحاق .
وحدّثنى الحارث ، قال : حدّثنا ابنُ سعد ، عن محمد بن عمر وهشام
ابن محمد . وحدثنى ◌ُمر ، قال : حدثنا علىّ بن محمد ، قالوا جميعًا
فى نسب عمر: هو عمرُ بن الخطاب بن نُقيل بن عبد العُزَّى بن رِياح بن
عبد الله بن قُرْط بن رَزاح بن عدىّ بن كعب بن لؤىّ. وكنيته أبو حفص،
وأمّه حتَنْتمة بنت هاشم بن المغيرة بن عبد الله بن عمر بن مخزوم .
٠
[ تسميته بالفاروق ]
قال أبو جعفر : وكان يقال له الفاروق .
وقد اختلف السلف فيمن سمّاه بذلك ، فقال بعضهم : سماه بذلك رسول
الله صلى الله عليه وسلم .
• ذكر من قال ذلك :
حدّثنى الحارث ، قال : حدّثنا ابنُ سعد ، قال : أخبرنا محمد بن
عمر، قال : حدثنا أبو حزرة يعقوب بن مجاهد، عن محمد بن إبراهيم ، ٢٧٢٩/١
عن أبى عمرو ذكْوان ، قال: قلتُ لعائشة : من سمّى عمر الفاروق ؟ قالت:
النبيّ صلى الله عليه وسلم.
وقال بعضهم : أوّل مَنْ سَّاه بهذا الاسم أهل الكتاب .
• ذكر من قال ذلك :
حدّثنا الحارث ، قال : حدّثنا ابن سعد ، قال : أخبرنا يعقوب بن
إبراهيم بن سعد ، عن أبيه ، عن صالح بن كيسان، قال: قال ابن شهاب:
بلغنا أنّ أهل الكتاب كانوا أوّلَ مَن قال لعمر : الفاروق ؛ وكان المسلمون

١٩٦
سنة ٢٣
يأثُرون ذلك من قولهم؛ ولم يبلغنا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ذكر من
ذلك شيئًا .
ذکر صفته
حدّثنا هنّاد بن السّرىّ ، قال : حدثنا وكيع ، عن سفيان ، عن
عاصم بن أبى النَّجُود ، عن زِرّ بن حُبيش، قال : خرج عمر فى يوم عيد
- أو فى جنازة زينب - آدم طُوالاً أصلعَ أعسرَ يَسراً، يمشى كأنه راكب .
حدّثنا هنّاد؛ قال : حدّثنا شريك، عن عاصم ، عن زِرّ ، قال :
رأيت عمر يأتى العيد ماشيًا حافياً أعمَرَ أيْسَر متلبِّبًا بُرْداً قَطَريًّا،
٢٧٣٠/١ مشرفًا على الناس كأنه على دابّة؛ وهو يقول: أيّها الناس ؛ هاجروا ولا
تهجّروا .
وحدثنى الحارث ، قال : حدثنا ابن سعد ؛ قال : أخبرنا محمد بن
عمر ، قال : حدّثنا عمر بن عمران بن عبد الله بن عبد الرحمن بن أبى بكر ،
عن عاصم بن عبيد الله، عن عبد الله بن عامر بن ربيعة، قال: رأيت عمرّ
رجلاً أبيض أمْهَق، تعلُوه حُمرة، طُوالاً أصلع .
وحدّثنى الحارث ، قال : حدّثنا ابنُ سعد ، قال : أخبرنا محمد بن
عمر ، قال : حدثنا شُعيب بن طلحة ، عن أبيه ، عن القاسم بن محمد ،
قال: سمعتُ ابنَ عمر يصفُ عمر يقول: رجل أبيض، تعلوه حُمرة، طُوال،
أشيب، أصلع .
وحدّثنى الحارث ، قال : حدّثنا محمد بن سعد ، قال : أخبرنا محمد
ابن عمر ، قال : أخبرنا خالد بن أبى بكر ، قال : كان مُمر يصفّر لحيته ،
ويرجّل رأسه بالحِنّاء .

١٩٧
سنة ٢٣
ذكر مولده ومبلغ عمره
حدثنى الحارث ، قال : حدّثنا ابن سعد ، قال : أخبرنا محمد بن عمر،
قال : حدثنى أسامة بن زيد بن أسلم ، عن أبيه ، عن جّدّه ، قال :
سمعتُ عمر بن الخطاب، يقول: وُلدت قبل الفجار الأعظم الآخر بأربع
سنين .
قال أبو جعفر : واختلف السلف فى مبلغ سنى عمر ، فقال بعضهم :
کان یوم قتل ابن خمس وخمسين سنة .
• ذكر بعض من قال ذلك :
حدّثنى زيد بن أخزم الطائى ، قال : حدثنا أبو قتيبة ، عن جرير
ابن حازم ، عن أيوب ، عن نافع، عن ابن عمر ، قال: قتل عمر بن الخطّاب ٣٧٢١/١
وهو ابن خمس وخمسين سنة .
وحدثنى عبد الرحمن بن عبد الله بن عبد الحكم، قال: حدّثنا نُعيم
ابن حمّاد، قال: حدثنا الدراوردىّ، عن عبيد الله بن عمر، عن نافع ،
عن ابن عمر ، قال : توفى عمر وهو ابن خمس وخمسين سنة .
وحُدَّثت عن عبد الرزاق، عن ابن جريج ، عن ابن شهاب أنّ عمر
توفی علی رأس خمس وخمسين سنة .
٠
٠
وقال آخرون : كان يوم توفَّى ابن ثلاث وخمسين سنة وأشهر.
• ذكر من قال ذلك :
حدّثت بذلك عن هشام بن محمد بن الكلبىّ .
٠٠٠
وقال آخرون توفَّى وهو ابن ثلاث وستين سنة .

١٩٨
سنة ٢٣
ذكر من قال ذلك :
حدّثنا ابنُ المثنّى، قال : حدثنا ابنُ أبى عدىّ ، عن داود ، عن
عامر ، قال : مات مُمَر وهو ابن ثلاث وستين سنة .
٠٠٠
وقال آخرون : تُوفّى وهو ابن إحدى وستين سنة .
• ذكر من قال ذلك :
حُدَّثت بذلك ، عن أبى سلمة التَّبُوذكىّ، عن أبى هلال، عن
قتادة .
وقال آخرون : تُوُفىّ وهو ابن ستين سنة .
٢٧٣٢/١
· ذكر من قال ذلك :
حدّثنى الحارث ، قال : حدّثنا ابنُ سعد ، قال : أخبرنا محمد بن
عمر ، قال : حدثنا هشام بن سعد ، عن زيد بن أسلم ، عن أبيه ، قال :
تُوفّىَ عمر وهو ابن ستين سنة .
قال محمد بن عمر : وهذا أثبت الأقاويل عندنا ؛ وذكر عن المدائىّ
أنه قال: توفّىَ عمر وهو ابن سبع وخمسين سنة .
٠
٠٠
ذکر أسماء ولده ونسائه
حدّثنى أبو زيد عمر بن شبّة ، عن علىّ بن محمد والحارث ، عن
محمد بن سعد؛ عن محمد بن عمر. وحُدَّثت عن هشام بن محمد - اجتمعت
معانى أقوالهم، واختلفت الألفاظ بها - قالوا: تزوّج ◌ُمَر فى الجاهلية زينب
ابنة مظعون بن حبيب بن وهب بن حذافة بن جُمَح ، فولدت له عبد الله
وعبد الرحمن الأكبر وحفصة .
وقال علىّ بن محمد: وتزوّج مليكة ابنة جرول الخزاعيّ فى الجاهلية،
فولدت له عبيد الله بن عمر، ففارقها فى الهدنة ، فخلف عليها بعد عمر
أبو الجهم بن حُذيفة .

١٩٩
سنة ٢٣
وأما محمّد بن عمر ، فإنه قال : زيد الأصغر وعبيد الله الذى قتل يوم
صِفِّين مع معاوية، أمّهما (١) أمّ كلثوم بنت جَرْول بن مالك بن المسيّب بن
ربيعة بن أصرم بن ضَبِيس بن حرام بن حبشيّة بن سلول بن كعب ٢٧٣٣/١
ابن عمرو بن خُزاعة ؛ وكان الإسلام فرّق بينها وبين عمر .
٦
قال علىّ بن محمد: وتزوّج قُرَيبة ابنة أبى أميّة المخزومىّ فى الجاهلية،
ففارقها أيضاً فى الهُدْنة ، فتزوّجها بعده عبد الرحمن بن أبى بكر الصديق .
قالوا : وتزوّج أمّ حكيم بنت الحارث بن هشام بن المغيرة بن عبد الله
ابن عمر بن مخزوم فى الإسلام ؛ فولدت له فاطمة فطلّقها . قال المدائنىّ :
وقد قيل : لم يطلقها .
وتزوج جميلة أخت عاصم بن ثابت بن أبى الأقلح - واسمه قيس بن
عصمة بن مالك بن ضبيعة بن زيد بن الأوس من الأنصار فى الإسلام - فولدت
له عاصماً ، فطلقها وتزوّج أمّ كلثوم بنت علىّ بن أبى طالب؛ وأمّها فاطمة
بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأصدقها - فيما قيل - أربعين ألفًاً،
فولدت له زيداً ورقية .
وتزوّج لُهيّة، امرأة من اليمن ، فولدت له عبدالرحمن. قال المدائنىّ:
ولدت له عبد الرحمن الأصغر . قال : ويقال كانت أمّ ولد . قال الواقدىّ:
لُهيّة هذه أم ولد. وقال أيضًا: ولدت له لهيّة عبد الرحمن الأوسط. وقال:
عبد الرّحمن الأصغر أمه أمّ ولد .
وكانت عنده فُكَيْهة ، وهى أمّ ولد وفى أقوالهم فولدت له زينب . وقال
الواقدىّ: هی أصغر ولد عمر .
وتزوّج عاتكة ابنة زيد بن عمرو بن نُفَيَل ؛ وكانت قبله عند عبد اللّه
ابن أبى بكر ؛ فلمّا مات عمر تزوّجها الزبير بن العوّام .
٢٧٣٤/١
قال المدائنىّ: وخطب أمّ كلثوم بنت أبى بكر وهى صغيرة ، وأرسل
فيها إلى عائشة، فقالت: الأمر إليكِ، فقالت أمّ كلثوم: لا حاجة لى
٠
(١) س: ((وأمهما)).
١

٢٠٠
سنة ٢٣
فيه ؛ فقالت لها عائشة : ترغبين عن أمير المؤمنين ! قالت : نعم ؛ إنه خشِين
العيش ، شديد على النساء ؛ فأرسلت عائشة إلى عمرو بن العاص فأخبرته ،
فقال : أكفيكِ ؛ فأتى عمرَ فقال: يا أميرَ المؤمنين؛ بلتغنى خبر أعيذك بالله
منه ، قال : وما هو ؟ قال: خطبْتَ أمّ كلثوم بنت أبى بكر ! قال : نعم ؛
أفرغبتَ بى عنها ، أم رغبتَ بها عنى ؟ قال : لا واحدة ؛ ولكنها حدَثّة
نشأت تحت كنَّف أمّ المؤمنين فى لين ورفق؛ وفك غلظة، ونحن نهابك،
وما نقدر أن نردّك عن خُلُق من أخلاقك ؛ فكيف بها إن خالفتك فى
شىء ، فسطوتَ بها! كنتَ قد خلقت أبا بكر فى ولده بغير ما يحقّعليك.
قال : فکیف بعائشة وقد کلّمتُها؟ قال : أنا لك بها؛ وأدلّك على خير منها،
أمّ كلثوم بنت علىّ بن أبى طالب، تتَعْلَقْ منها بستبٍ من رسول الله صلى
الله عليه وسلم .
قال المداثنىّ: وخطب أمّ أبان بنت عتبة بن ربيعة، فكرهته، وقالت:
يُغلِقِ بابه ، ويمنع خيرَه ، ويدخل عابسًا ، ويخرج عابسًا .
٠٠٠
ذكر وقت إسلامه
قال أبو جعفر: ذُكِرٍ أنه أسلم بعد خمسة وأربعين رجلاً وإحدى
وعشرين امرأة .
٢٧٣٠/١
• ذكر من قال ذلك :
حدثنى الحارث ، قال : حدثنا ابنُ سعد ، قال : أخبرنا محمد بن
عمر ، قال : حدثنى محمد بن عبد الله ، عن أبيه ، قال : ذکرت له حديث
عمر، فقال: أخبرنى عبد الله بن ثعلبة بن صُعَير، قال: أسلم عمر بعد
خمسة وأربعين رجلا وإحدى وعشرين امرأةً .
٠٠٠
ذكر بعض سِيرَه
حدّثنى أبو السائب ، قال : حدثنا ابنُ فُضَيل ، عن ضرار ، عن