النص المفهرس

صفحات 101-120

١٠١
سنة ١٨
قال أبو جعفر: وزعم الواقديّ أن الرّقة والرُّها وحَرّان فتحت فى هذه ١ /٢٥٧٨
السنة على يدى عياض بن غَنْم، وأن عين الوَرْدة فتحت فيها على بدى مُمير
ابن سعد . وقد ذكرتُ قول مَنْ خالفه فى ذلك فيما مضى ، وزعم أن عمر
رضى اللّه عنه حوّل المقام فى هذه السنة فى ذى الحجّة إلى موضعه اليوم ، وكان
مُلْصَقًا بالبيت قبل ذلك . وقال : مات فى طاعون عَمَواس خمسة وعشرون
ألفًا .
٠٠ ٠
قال أبو جعفر : وقال بعضهم : وفى هذه السنة استقضى عمر شُرَيح
ابن الحارث الكندىّ على الكوفة، وعلى البصرة كعب بن سُور الأزدىّ.
قال : وحجّ بالناس فى هذه السنة عمر بن الخطّاب رضى الله عنه .
٠٠٠
وكانت ولاته فى هذه السنة على الأمصار الُولاة الذين كانوا عليها فى
سنة سبع عشرة .

ثم دخلت سنة تسع عشرة
ذكر الأحداث التى كانت فى سنة تسع عشرة
قال أبو جعفر: قال أبو معشر - فيا حدّثنى أحمد بن ثابت الرازىّ ،
عمّن حدّثه، عن إسحاق بن عيسى عنه: إنّ فتح جَلُولاء كان فى سنة
تسع عشرة على يدى سعد ، وكذلك قال الواقدى.
وقال ابن إسحاق : كان فتح الجزيرة والرُّهاء وحَرّان ورأس العيْن
وَنصيبينَ فى سنة تسع عشرة .
قال أبو جعفر : وقد ذكرنا قولَ من خالفهم فى ذلك قبلُ .
٢٥٧٩/١
وقال أبو معشر : كان فتح قَبْساريّة فى هذه السنة - أعنى سنة تسع
عشرة - وأميرها معاوية بن أبى سفيان، حدّتنى بذلك أحمد بن ثابت الرازى،
عمّن حدّثه ، عن إسحاق بن عيسى ، عنه .
وكالذى قال أبو معشر فى ذلك قال الواقدىّ .
وأما ابنُ إسحاق فإنه قال: كان فتح قيساريّة من فلسطين وهربُ
هرقل وفتْحُ مصر فى سنة عشرين ؛ حدّثنا بذلك ابن حُميد ، قال : حدّثنا
سلمة ، عنه .
وأما سيف بن عمر فإنه قال : كان فتحُها فى سنة ستّ عشرة .
قال : وكذلك فتح مصر .
وقد مضى الخبر عن فتح قيساريّة قبل ، وأنا ذا کرخبر مصر وفتحها
بعدُ فى قول ؛ من قال : فُتحت سنة عشرين ، وفى قول من خالف ذلك .
قال أبو جعفر: وفى هذه السنة - أعنى سنة تسع عشرة - سالت حرّة
ليلى ناراً - فيما زعم الواقدىّ - فأراد عمر الخروج إليها بالرّجال، ثم أمرهم بالصدقة
فانطفات .
١٠٢

١٠٣
سنة ١٩
وزعم أيضًا الواقدىّ أنّ المدائن وجدُولاء فُتحتا فى هذه السنة، وقد مضى
ذكر من خالفه فى ذلك .
٠
٠٠
وحجّ بالناس فى هذه السنة عمر بن الخطّاب رضى الله عنه.
وكان عمّاله على الأمصار وقضاته فيها الولاة والقضاة الذين كانوا عليها
فى سنة ثمان عشرة .

ثم دخلت سنة عشرين
ذكر الخبر عما كان فيها من مغازى المسلمين وغير ذلك من أمورهم
قال أبو جعفر : ففى هذه السنة فتحت مصر فى قول ابن إسحاق .
٢٥٨٠/١
حدّثنا ابنُ حُميد، قال : حدّتنا سلمة ، عن ابن إسحاق ، قال :
فتحت(١) مصر سنة عشرين .
وكذلك قال أبو معشر ؛ حدثنى أحمد بن ثابت عمّن ذكره ، عن
إسحاق بن عيسى ، عن أبى معشر ، أنه قال : فتحت مصر سنة عشرين ،
وأميرها عمرو بن العاص .
وحدثنى أحمد بن ثابت ، عمّن ذكره ، عن إسحاق بن عيسى ، عن
أبى معشر، قال : فتحت إسكندرية سنة خمس وعشرين .
وقال الواقدىّ - فيما حُدَّثت عن ابن سعدعنه: فُتحت مصر والإسكندرية
فى سنة عشرين :
وأما سيف فإنه زعم - فيما كتب به إلىّ السرىّ، عن شعيب، عن سيف-
أنها فُتحت والإسكندرية فى سنة ستّ عشرة .
٠٠٠
ذكر الخبر عن فتحها وفتح الإسكندرية
قال أبو جعفر: قد ذكرنا اختلافَ أهل السِّيَر فى السنة التى كان فيها
فتح مصر والإسكندرية، ونذكر الآن سبب فتحهما ، وعلى يدىْ مَن كان ؛
على ما فى ذلك من اختلاف بينهم أيضًا ؛ فأما ابنُ إسحاق فإنه قال فى
ذلك ما حدّثنا ابنُ حميد، قال: حدثنا سلمة عنه، أنّ عمر رضى الله
عنه حين فرغ من الشأم كلّها كتب إلى عمرو بن العاص أن يسير إلى مصر
فى جُنده ، فخرج حتى فتح باب اليون فى سنة عشرين .
قال: وقد اختلف فى فتح الإسكندريّة، فبعض الناس يزعم أنها فتحت
(١) س: ((كان فتح مصر)).
١٠٤

١٠٥
سنة ٢٠
فى سنة خمس وعشرين ، وعلى سنتين من خلافة عثمان بن عفان رضى الله ٢٥٨١/١
عنه ، وعليها عمرو بن العاص .
حدّثنا ابن حميد ، قال : حدثنا سلمة ، عن محمد بن إسحاق ،
قال : وحد ثنى القاسم بن قُزْمان - رجل من أهل مصر - عن زياد بن جّزْء
الزُّبيديّ ، أنه حدّثه أنه كان فى جند عمرو بن العاص حين افتتح مصر
والإسكندرية ، قال : افتتحنا الإسكندرية فى خلافة عمر بن الخطاب فى
سنة إحدى وعشرين - أو سنة اثنتين وعشرين - قال: لما افتتحنا باب اليُون
تدنّينا قُرى الرّيف فيما بيننا وبين الإسكندرية قريةً فقريةً ؛ حتى انتهينا
إلى بَلْهيب - قرية من قرى الريف ، يقال لها قرية الريش - وقد بلغت
سبايانا المدينة ومكّة واليمن .
قال : فلما انتهينا إلى بَكْهيب أرسل صاحب الإسكندرية إلى عمرو
ابن العاص : إنىّ قد كنت أخرج الجزية إلى من هو أبغض إلىّ منكم معشر
العرب لفارس والروم ، فإن أحببت أن أعطيّك الجزية على أن تردّ علىّ
ما أصبتم مِن سَبَايا أرضى فعلتُ .
قال: فبعث إليه عمرو بن العاص: إنّ ورائى أميراً لا أستطيع أن
أصنع أمراً دونه، فإن شئتَ أن أمسك عنك وُتُمسِك عنّى حتى أكتب إليه
بالذى عرضتَ علىّ، فإن هو قبل ذلك منك قبلتُ، وإن أمرنى بغير ذلك ٢٥٨٢/١
مضيتُ لأمره . قال: فقال: نعم. قال : فكتب عمرو بن العاص إلى عمر
ابن الخطاب- قال : وکانوا لا يُخفون علینا کتابًا کتبوا به - يذكر له الذى
عرض عليه صاحب الإسكندرية. قال : وفى أيدينا بقايا من ستبنيهم. ثم
وقفنا ببلْهيب ؛ وأقمنا ننتظر كتاب عمر حتى جاءنا ؛ فقرأه علينا عمرو
وفيه : أما بعد ؛ فإنه جاءنى كتابك تذكر أنّ صاحب الإسكندرية عرض
أن يعطيك الجزية على أن ترّد عليه ما أصيب من سبايا أرضه ؛ ولعمرى الجزية
قائمة تكون لنا ولمن بعدنا من المسلمين أحبُّ إلىّ من فىء يقسم ، ثم كأنّه
لم يكن ؛ فاعرض على صاحب الإسكندرية أن يعطيك الجِزْية ، على أن
تُخيّرُوا مَنْ فى أيديكم من سَبْيهم بين الإسلام وبين دين قومه ؛ فمن اختار

١٠٦
سنة ٢٠
منهم الإسلام فهو من المسلمين ؛ له ما لهم وعليه ما عليهم ، ومَن اختار دين
قومه ، وضُع عليه من الجزية ما يوضع على أهل دينه ، فأما من تفرّق من
سبيِهِم بأرض العرب فبلغ مكّة والمدينة واليمن فإنا لا نقدر على ردّهم ،
ولا نحبّ أن نصالحه على أمر لانتَفِى له به . قال : فبعث عمرو إلى صاحب
٢٥٨٣/١ الإسكندرية يعلمه الذى كتب به أمير المؤمنين. قال : فقال: قد فعلتُ.
قال : فجمعنا ما فى أيدينا (١) من السبايا، واجتمعت النصارى، فجعلنا نأتى
بالرّجل ممن فى أيدينا، ثمّ نخيّه بين الإسلام وبين النصرانيّة؛ فإذا اختار
الإسلام كبّرنا تكبيرة هى أشدّ من تكبيرنا حين تُفتح القرية ؛ قال : ثم نحوزه
إلينا ، وإذا اختار النصرانيّة نخرت النصارى ، ثم حازوه إليهم ، ووضعنا
عليه الجِزْية ، وجزعنا من ذلك جزعًاً شديداً ؛ حتى كأنّه رجل خرج منا
إليهم . قال : فكان ذلك الدَّأب حتى فرغنا منهم ، وقد أتِى فيمن أتينا به
بأبى مريم عبد الله بن عبد الرحمن - قال القاسم : وقد أدركته وهو صرِيف
بنى زُبيد -قال: فوقفناه، فعرضنا عليه الإسلام والنصرانيّة- وأبوه وأمه وإخوته
فى النصارى - فاختار الإسلام ، فحزناه إلينا ، ووثب عليه أبوه وأمه وإخوته
يجاذبوننا ، حتى شققوا عليه ثيابه ، ثم هو اليومَ عريفنا كما ترى . ثم فتحت
لنا الإسكندرية فدخلناها، وإنّ هذه الكُناسة التى ترى يابن أبى القاسم
تكُناسة بناحية الإسكندرية حولها أحجار كما ترى ، ما زادت ولا نقصت ،
فمن زعم غير ذلك أنّ الإسكندرية وما حولها من القرى لم يكن لها جزية
٢٥٨٤/١ ولا لأهلها عهد؛ فقد واللّه كذب. قال القاسم: وإنما هاج هذا الحديث
أن ملوك بنى أمية كانوا يكتبون إلى أمراء مصر أنّ مصر إنما دخلت عَنْوة ؛
وإنما هم عبيدنا نزيد عليهم كيف شئنا ، ونضع (٢) ما شئنا .
قال أبو جعفر : وأما سيف ؛ فإنه ذكر فيما كتب به إلىّ السرىّ ،
بذ کر أن شعیبًا حد ثه عنه ، عن الربيع أبی سعید ، وعن أبى عثمان وأبي حارثة،
قالوا: أقام عمر بإيلياء بعد ما صالح أهلتها ، ودخلها أيامًاً ، فأمضى عمرو
ابن العاص إلى مصر وأمره عليها، إن فتح اللّه عليه ، وبعث فى أثره الزّبير
(١) س وابن حبيش: ((بأيدينا)).
. (٢) أى نحط عنهم ماشئنا .

١٠٧
سنة ٢٠
ابن العوّام مدداً له ، وبعث أبا عبيدة إلى الرّمادة، وأمره إن فتح اللّه عليه أن
يرجع إلى عمله .
کتب إلىّ السرىّ ، عن شعيب ، عن سيف ، قال : حدثنا أبو عثمان
عن خالد وعبادة ، قالا : خرج عمرو بن العاص إلى مصر بعد ما رجع عمر
إلى المدينة ؛ حتى انتهى إلى باب اليون ، وأتبعه الزبير ؛ فاجتمعا ، فلقيهم
هنالك أبو مريم جائليق مصر(١) ومعه الأُسْقُفّ فى أهل النيّات (٢) بعثه المقوقِس
لمنع بلادهم. فلما نزل بهم عمرو قاتلوه، فأرسل إليهم (٣): لا تعجُلُونا لنُعذر
إلیکم ، وترون رأیکم بعدُ . فکفُّوا أصحابهم ، وأرسل إليهم عمرو : انى بارز
فليبرز إلىّ أبو مريم وأبو مريام، فأجابوه إلى ذلك، وآمن بعضهم بعضًا،
فقال لهما عمرو : أنما راهبا هذه البلدة (٤) فاسمعا، إنّ اللّه عزّ وجلّ بعث
محمّدًاً صلّى الله عليه وسلم بالحق" وأمره به، وأمرنا به محمد صلى الله عليه
وسلم، وأدّى إلينا كلّ الذى أمير به ، ثم مضى صلوات الله عليه ورحمته
وقد قضى الذى عليه ، وتركنا على الواضحة ؛ وكان مما أمرنا به الإعذار إلى
الناس ، فنحن ندعوكم إلى الإسلام ، فمن أجابنا إليه فمثلنا ، ومَنْ لم يجبنا
عرضنا عليه الجزية ، وبذلنا له المنْعة ، وقد أعلمنا أنا مفتتحوكم، وأوصانا
بكم حفظًا لرحمنا فيكم، وإنّ لكم إن أجبتمونا بذلك ذمّة إلى ذمّة . وما
عهد إلينا أميرنا: استوصوا بالقِبْطيِّين خيراً؛ فإنّ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم
أوصانا بالقبطيِّين خيراً، لأنّ لهم رَحِمًا وذّمة، فقالوا: قرابة بعيدة لا يصل
مثلها إلاّ الأنبياء، معروفة شریفة،كانت ابنة ملكنا، و کانت من أهل منْف
والملك فيهم ، فأديل عليهم أهل عين شمس ، فقتلوهم وسُلبوا ملكتهم
واغتربوا ، فلذلك صارت إلى إبراهيم عليه السلام مرحباً به وأهلا، آمنًا حتى
ترجع إليك. فقال عمرو: إنّ مثلى لا يخدع ، ولكنى أؤجلكما ثلاثاً لتنظرا ولتناظرا
قومكما ؛ وإلاّ ناجزتكم ، قالا : زدنا ، فزادهم يوماً ، فقالا : زدْنا ، فزادهم
يومًا ، فرجعا إلى المقوقس فهمّ، فأبى أرطبون أن يجيبهما، وأمر بمناهدتهم ،
٢٥٨٥/١
٢٥٨٦/١
(١) الجاثليق : رئيس النصارى فى بلاد الإسلام.
(٣) ابن حبيش: ((إليهم عمرو)).
(٢) ابن كثير: ((الثبات)).
(٤) ابن حبيش: ((راهبا أهل هذه البلدة)).
م

١٠٨
سنة ٢٠
فقالا لأهل مصر : أما نحن فسنجهد أن ندفع عنكم ، ولا نرجع إليهم ، وقد
بقيتْ أربعة أيام ، فلا تصابون فيها بشىء إلاّ رجونا أن يكون له أمان . فلم
يفجأ عمرًا والزبير إلاّ البيات من فَرْقَب، وعمرو على عُدّة، فلقوه فقتِل
ومن معه، ثم ر کبوا أکساءهم، وقصد عمرو والز بير لعین شمس، وبها جمعهم،
وبعث إلى الفرّما أبرهة بن الصباح، فنزل عليها ، وبعث عوف بن مالك إلى
٢٥٨٧/١ الإسكندريّة، فنزل عليها، فقال كلّ واحد منهما لأهل مدينته: إن تنزلوا
فلكم الأمان، فقالوا : نعم، فراسلوهم، وتربّص بهم أهل عين شمس ، وسبى
المسلمون من بين ذلك . وقال عوف بن مالك : ما أحسن مدينتكم يا أهل
الإسكندرية! فقالوا: إنّ الإسكندر قال: إنى أبنى مدينة إلى اللّه فقيرة ، وعن
الناس غنية - أولأبنينّ مدينة إلى اللّه فقيرة ، وعن الناس غنية - فبقيت
بهجتها .
وقال أبرهة لأهل الضَّما : ما أخلق مدينتكم يا أهل الفَرما ؟ قالوا :
إنّ الفرما قال: إنىّ أبنى مدينة عن اللّه غنية، وإلى الناس فقيرة، فذهبت بهجتها.
وكان الإسكندر والفرما أخوين .
قال أبو جعفر: قال الكلبىّ: كان الإسكندر والفرما أخوين ، ثم
حدّث بمثل ذلك، فنسبتا إليهما ، فالفرَما ينهدم فيها كل يوم شىء ، وخَلُقْت
مرآتها ، وبقيت جِدّة الإسكندرية .
كتب إلىّ السرىّ ، عن شعيب، عن سيف ، عن أبى حارثة وأبى عثمان ،
قالا : لما نزل عمر و على القوم بعين شمس؛ وكان المُلْك بين القِبْط والذّوب،
ونزل معه الزبير عليها . قال أهل مصر لملكهم : ما تريد إلى قوم فلُّوا كسرى
وقيصر ، وغلبوهم على بلادهم ! صالح القوم واعتقدْ منهم ، ولا تتعرض
٢٥٨٨/١ لهم، ولا تعرّضنا لهم - وذلك فى اليوم الرابع - فأبى، وناهدوهم فقاتلوهم، وارتقى
الزبير سورها ، فلما أحسّوه فتحوا الباب لعمرو ، وخرجوا إليه مصالحين ؛
فقبل منهم ، ونزل الزُّبیر عليهم عنوة ؛ حتى خرج (١) على عمرو من الباب
(١) س: ((يخرج)).

سنة ٢٠
١٠٩
معهم ، فاعتقدوا بعد ما أشرفوا على الهلكة ، فأجَرْوا ما أخذ عنوة ◌ُجْرى
ما صالح عليه ؛ فصاروا ذمّة، وكان صلحُهم :
#
٥
بسم الله الرحمن الرحيم . هذا ما أعطى عمرو بن العاص أهل مصر من
الأمان على أنفسهم وملّتهم وأموالهم وكنائسهم وصُلُبهم ، وبرّهم وبحرهم ؛
لا يدخَل عليهم شىء من ذلك ولا يُنتقص (١)، ولا يساكنهم الذّوب. وعلى
أهلِ مصر أن يُعْطُوا الجزية إذا اجتمعوا على هذا الصُّلْح ، وانتهت زيادة
نهرهم خمسين ألف ألف، وعليهم ما جنى لُصوتُهم (٢)، فإن أبى أحدٌ
منهم أن يجيب رُفع عنهم من الجِزاء بقدرهم، وذمّتنا (٣) مِمّن أبى بريئة، وإن
نقص نهرهم من غايته إذا انتهى رُفع عنهم بقدر ذلك، ومَنْ دخل فى صلحهم
من الرّومِ والنَّوب فله مثل ما لهم ، وعليه مثل ما عليهم ، ومَنْ أبى واختار
الذهاب فهو آمن حتى يبلغ مأمنه ، أو يخرج من سلطاننا . عليهم ما عليهم
أثلاثًا فى كلّ ثلث جِباية ثلث ما عليهم ، على مافى هذا الكتاب عهد الله
وذمّته وذمة رسوله وذمة الخليفة أمير المؤمنين وذمم المؤمنين، وعلى النوبة ٢٥٨٩/١
الذين استجابوا أن يُعينوا بكذا وكذا رأسًا، وكذا وكذا فرسًاً(٤)، على ألاّ
يُغْزَوْا ولا يمنَعوا من تجارة صادرة ولا واردة. شهد الزبير وعبد الله ومحمد
ابناه . وكتب وردانُ وحضر .
فدخل فى ذلك أهلُ مصر كلّهم ، وقبلوا الصلح ، واجتمعت الخيول
فمصّر عمرو الفسطاط ، ونزله المسلمون ، وظهر أبو مريم وأبو مريام ، فكلّما
عمراً فى السبايا التى أصيبت بعد المعركة ، فقال: أوَلهم عَهْد وعقد ؟ ألم
نحالفكما ويُغار علينا من يومكما! وطردهما ، فرجعا وهما يقولان : كلّ
شىء أصبتموه إلى أن نرجعَ إليكم ففى ذَّمةٍ منكم ، فقال لهما : أتغيرون
علينا وهم فى ذمة ؟ قالا : نعم، وقسم عمرو ذلك السبْىّ على الناس، وتوزّعوه ،
ووقع فى بُلدان العرب . وقدم البشير على عمر بعدُ بالأخماس ، وبعث الوفود
(١) س: ((ينقض)).
(٣) ابن كثير: ((فيمن أبى)).
(٢) الصوت : جمع لصت؛ وهو المص.
(٤) بعدها فى ابن حبيش: ((معونة)).

١١٠
سنة ٢٠
٢٥٩٠/١ فسألهم عمر، فما زالوا يُخبرونه حتى مرُّوا بحديث الجائَليق وصاحبه، فقال:
ألا أراهما يبصران وأنتم تُجاهلون ولا تُبصرون! مَن قاتلكم فلا أمان له ،
ومَن لم يقاتلكم فأصابه منكم شىء من أهل القرى فله الأمان فى الأيام الخمسة
حتى تنصرم ، وبعث فى الآفاق حتى رُدّ ذلك الَّسْبى الذى سُبُوا ممن لم يقاتل
فى الأيام الخمسة إلاّ مَن قاتل بعدُ، فترادُ وهم إلاّ ما كان من ذلك الضّرب،
وحضرت القِبْط باب عمرو ، وبلغ عمراً أنهم يقولون: ما أرثّ العرب وأهون عليهم
أنفسهم ! ما رأينا مثلنا دان لهم ! فخاف أن يستثيرهم ذلك من أمرهم ،
فأمر بُجُزر فذبحت ، فطبخت بالماء والملح ، وأمر أمراء الأجناد أن يحضُّروا،
وأعلموا أصحابهم ، وجلس وأذّن لأهل مصر، وجىء باللحم والمرق فطافوا به
على المسلمين؛ فأكلوا أكلا عربيًّا، انتشلوا وحَسَوْا وهم فى العباء ولا سلاح،
٢٥٩١/١ فافترق أهل مصر وقد ازدادوا طمعًاً وجرأة، وبعث فى أمراء الجنود فى الحضور
بأصحابهم من الغد ، وأمرهم أن يجيئوا فى ثياب أهل مصر وأحذيتهم ، وأمرهم
أن يأخذوا أصحابهم بذلك ففعلوا، وأذن لأهل مصر ؛ فرأوا شيئًا غير ما رأوا
بالأمس، وقام عليهم القوّام بألوان مصر، فأكلوا أكل أهل مصر ، ونحوًا نحوهم،
فافترقوا وقد ارتابوا ، وقالوا : كدنا . وبعث إليهم أن تسلّحوا للعرْض غداً ،
وغدا على العَرْض ، وأذن لهم فعرضهم عليهم . ثم قال: إنى قد علمت أنكم
رأيتم فى أنفسكم أنكم فى شىء حين رأيتم اقتصاد العرب وهَوْن تزجيتهم ،
فخشيت أن تهلِكوا ، فأحببت أن أريكم حالهم ، وكيف كانت فى أرضهم ،
ثم حالهم فى أرضكم ، ثم حالهم فى الحرب، فظفروا بكم، وذلك عيشهم ، وقد
٢٥٩٢/١ كلبوا على بلادكم قبل أن ينالُوا منها ما رأيتم فى اليوم الثانى ، فأحببت أن
تعلّموا أنّ من رأيتم فى اليوم الثالث غيرُ تارك عيش اليوم الثانى، وراجع
إلى عيش اليوم الأول . فتفرّقوا وهم يقولون : لقد رمتكم العرب برجلهم .
وبلغ عمر، فقال لجلسائه: والله إن حربه لّليّنة مالها سَطْوة ولا سَوْرة
كسورات الحروب من غيره؛ إنّ عَمْراً لِعضّ . ثم أمّره عليها وقام بها .
كتب إلىّ السرىّ ، عن شعيب ، عن سيف ، عن أبى سعيد الربيع
ابن النعمان، عن عمرو بن شعيب، قال: لما التقى عمرو والمقوقِس بعين شمس،

١١١
سنة ٢٠
واقتتلت خيلاهما ، جعل المسلمون يجولون بعد البُعد . فد مّرهم عمرو، فقال
رجل من أهل اليمن : إنّا لم نخلق من حجارة ولاحديد ! فقال : اسكت ؛
فإنما أنت كَلْب ، قال : فأنت أمير الكلاب ، قال : فلما جعل ذلك
يتواصل نادى عمرو : أين أصحابُ رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟ فحضر
مَن شهدها من أصحاب رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، فقال : تقدّمُوا ،
فبكم ينصر الله المسلمين . فتقدّموا وفيهم يومئذ أبو بُردة وأبو بَرْزة ، وناهدهم
الناس يتبعون الصحابة ، ففتح الله على المسلمين ، وظفروا أحسن الظّفر .
وافتتحت مصر فى ربيع الأول سنة ست عشرة، وقام فيها مُلك الإسلام على ٢٥٩٣/١
رجْل ، وجعل يفيض على الأمم والملوك ؛ فكان أهل مصر يتدَفَّقون على
الأجل"، وأهل مُكْران على راسيل وداهر، وأهل سِجِسْتان على الشاه
وَذويه، وأهل خُراسان والباب على خاقان، وخاقان ومن دونهما من الأمم،
فكفكفهم عمر إبقاء على أهل الإسلام ، ولوخلّى سيربهم لبلغوا كلّ مَنْهَل.
حدّثنى علىّ بن سهل ، قال : حدّثنا الوليد بن مسلم ، قال : أخبرنى
ابن لهيعة، عن يزيد بن أبى حبيب، أنّ المسلمين لما فتحوا مصرغزوا ذُوبة
مصر، فقفل المسلمون بالجراحات، وذهاب الحدق من جُودة الرمى، فسمّوا
رماة الحَدَق، فلمّا ولِىَ عبدالله بن سعد بن أبى سَرْح مصر، ولاّه إياها
عثمان بن عفان رضى الله عنه، صالحهم على هديّة عدّة رءوس منهم ، يؤدّونهم
إلى المسلمين فى كلّ سنة، ويهدى إليهم المسلمون فى كلّ سنة طعامًا مسمّى
وكُسوة من نحو ذلك .
قال علىّ: قال الوليد : قال ابن لهيعة : وأمضى ذلك الصلح عثمان
ومن بعده من الولاة والأمراء ، وأقرّه عمر بن عبد العزيز نظراً منه للمسلمين ،
وإبقاء عليهم .
٠ ٠
قال سيف : ولمّا كان ذو القعدة من سنة ستّ عشرة، وضع عمر رضى ٢٥٩٤/١
الله عنه مسالح مصر على السواحل كلها، وكان داعية ذلك أنّ هِرَقل أغزى
٨

١١٢
سنة ٢١
مصر والشأم فى البحر ، ونهد لأهل حِمْص بنفسه ، وذلك لثلاث سنين
وستة أشهر من إمارة عمر رضى الله عنه .
.. .
قال أبو جعفر : وفى هذه السنة - أعنى سنة عشرين - غزا أرض الرّوم
أبو بَحْرِيّة (١) الكندىّ عبد الله بن قيس؛ وهو أوّل مَن دخلها - فيما
قيل . وقيل : أولُ مَن دخلها ميسرة بن مسروق العبسىّ ، فسليم (٢) وغنيم .
قال: وقال الواقدىّ: وفى هذه السنة عَزّل قُدامة بن مظعون عن
البحرين ، وحَدّه فى شرب الخمر .
وفيها استعمل عُمر أبا هريرة على البحرين واليمامة .
قال : وفيها تزوّج عمر فاطمةَ بنت الوليد أمّ عبد الرحمن بن الحارث
ابن هشام .
قال : وفيها توفىَ بلال بن رباح رضى الله عنه ، وُدُفِن فى مقبرة دمشق .
وفيها عزل عمرُ سعداً عن (٣) الكوفة لشكايتهم إياه، وقالوا: لا يحِسنُ
یصلّى.
وفيها قسم عمر خيبرَ بين المسلمين ، وأجلى اليهود منها ؛ وبعث
٢٥٩٥/١ أبا حبيبة إلى فَدَك فأقام لهم نصف (٤) ... ، فأعطاهم؛ ومضى إلى وادى
القرى فقسمها .
وفيها أجْلى يهودَ نَجْران إلى الكُوفة - فيما زعم الواقدىّ.
قال الواقدىّ : وفى هذه السنة ۔ أعنى سنة عشرین - دوّن عمر رضى
الله عنه الدواوين . قال أبو جعفر : قد ذكرنا قول من خالفه .
وفيها بعث عمر رضى الله عنه عَلْقمة بن مجَزّز المُدلجِىّ إلى الحبشة فى
البحر ؛ وذلك أنّ الحبشة كانت تطرّفت - فيما ذكرٍ - طرفًا من أطراف
الإسلام ؛ فأصيبوا ، فجعل عمر على نفسه ألاّ يحمل فى البحر أحداً أبداً .
(١) ابن حبيش: ((بحرة)).
(٢) ابن الأسير: ((فسبى)).
(٤) كذا فى ط.
(٣) ابن الأثير وابن كثير: ((عنها)).

١١٣
سنة ٢٠
وأمّا أبو معشر فإنه قال - فيما حدّثنى أحمد بن ثابت ، عمّن ذكره ،
عن إسحاق بن عيسى ، عنه : كانت غزوة الأساودة فى البحر سنة إحدى
وثلاثين .
قال الواقدىّ: وفيها مات أستَيْد بن الحُضَير فى شعبان.
وفيها ماتت زينب بنت جحش .
٠
٠
وحجّ فى هذه السنة عمر رضى الله عنه .
وكانت عمالُه فى هذه السنة على الأمصار عمالَهُ عليها فى السنة التى قبلها ،
إلاّ من ذكرتُ أنه عزله واستبدل به غيره ، وكذلك قضاته فيها كانوا القضاة
الذين كانوا فى السنة التى قبلها .

٢٥٩٦/١
ثم دخلت سنة إحدى وعشرين
قال أبو جعفر : وفيها كانت وقعة نِهاوَنْد فى قول ابن إسحاق ؛
حدّثنا بذلك ابنُ حميد ، قال : حدّثنا سلمة . عنه .
وكذلك قال أبو معشر؛ حدثنى بذلك أحمدُ بن ثابت ، عمّن ذكره ،
عن إسحاق بن عيسى ، عنه .
وكذلك قال الواقدىّ .
وأمّا سيف بن عمر فإنه قال : كانت وقعة نها وَنْد فى سنة ثمان عشرة فى
سنة ستّ من إمارة عمر ؛ كتب إلىَّ بذلك السّرىّ ، عن شعيب ، عن
سيف .
ذكر الخبر عن وقعة المسلمين والفرس بنهاوند
وكان ابتداءُ ذلك - فيما حدّثنا ابنُ حُميد ، قال : حدّثنا سلَمة ،
عن ابن إسحاق ، قال - كان من حديث نِهاوَنْد أن النعمان بن مقرّن
كان عاملاً على كَسْكَر؛ فكتب إلى عمر رضى الله عنه يخبرُه أنّ سعد
ابن أبى وقّاص استعمله على جباية الخراج، وقد أحببتُ الجهاد ورغبتُ فيه .
فكتب عمر إلى سعد: إنّ النعمان كتب إلىّ يذكر أنّك استعملتَه على
جباية الخراج ، وأنه قد كره ذلك ، ورغب فى الجهاد ، فابعث به إلى أهمّ
وجوهك ؛ إلى نهاوند .
قال: وقد اجتمعتْ بنهاوند الأعاجم، علیھم ذو الحاجب - رجل من
الأعاجم .. فكتب عمر إلى النّعمان بن مقرّن :
بسم الله الرحمن الرحيم . من عبدالله عمر أمير المؤمنين إلى النعمان بن
١١٤

١١٥
سنة ٢١
مقرّن، سلامٌ عليك؛ فإنىّ أحمد إليك اللّه (١) الذى لا إله إلا هو؛ أمّا
بعد ؛ فإنه قد بلغنى أنّ جموعًا من الأعاجم كثيرة قد جمعوا لكم بمدينة ٢٥٩٧/١
نهاوند ؛ فإذا أتاك كتابى هذا فسر بأمر الله، وبعون الله، وبنصر الله،
بمن معك من المسلمين، ولا توطئهم وعراً فتؤذيتهم، ولا تمنعهم حقّهم فتكفرهم؛
ولا تدخلنّهم غَيْضة ، فإنّ رجلاً من المسلمين أحبُّ إلىّ من مائة ألف
دينار . والسلام عليك .
فسار النعمان إليه ومعه وجوه أصحاب النبيّ صلّى الله عليه وسلّم؛ منهم
حُذيفة بن اليمان، وعبد الله بن عمربن الخطّاب، وجرير بن عبد الله البَجَلىّ،
والمغيرة بن شعبة، وعمرو بن معد يكرب الزُّبيديّ ، وطليحة بن خويلد
الأسدىّ، وقيس بن متكشوح المُرادىّ . فلما انتهى النعمان بن مقرّن فى
جنده إلى نهاوند، طرحوا له حَسَك الحديد ، فبعث عيوناً ، فساروا لا يعلمون
بالحسَك، فزجر بعضهم فَرسه ؛ وقد دخلتْ فى يده حسكة ، فلم يبرح،
فنزل ، فنظر فى يده فإذا فى حافره حتَسكة ، فأقبل بها ، وأخبر النعمان
الخَبر ، فقال النعمان للناس : ما ترون ؟ فقالوا : انتقل من منزلك هذا
حتى يروا أنك هارب منهم ، فيخرجوا فى طلبك؛ فانتقل النعمان من منزله ذلك،
وكتَنّست الأعاجم الحسك ، ثم خرجوا فى طلبه ، وعطف عليهم النُّعمان ،
فضرب عسكرَه، ثم عبَّى كتائبه ، وخطب الناس فقال: إن أُصِبتُ فعليكم
حذيفة بن اليمان، وإن أُصيب فعليكم جرير بن عبد الله، وإن أُصيب
جرير بن عبد الله فعليكم قيس بن مكشوح ؛ فوجد المغيرة بن شعبة فى
نفسه إذْ لم يستخلفه، فأتاه ، فقال له: ما تريد أن تصنع ؟ فقال: إذا ٢٥٩٨/١
أظهرتُ(٢) قاتلتهُم، لأنى رأيتُ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم يستحبّ ذلك ؛
فقال المغيرة : لو كنتُ بمنزلتك باكرتُهم القتال ، قال له النعمان : ربما
باكرتَ القتال؛ ثم لم يسوّد اللّه وجهك. وذلك يوم الجمعة . فقال النعمان:
نصلّى إن شاء اللّه، ثم نلقى عدوّنا دُبُر الصلاة، فلما تصافُّوا قال النعمان
للناس: إنّ مكبّر ثلاثًا؛ فإذا كبّرت الأولى فشدّ رجل شِسْعه، وأصلح
(١) ابن حبيش وابن كثير: ((الله إليك)).
(٢) أظهرت: أى صليت الظهر.

١١٦
سنة ٢١
من شأنه؛ فإذا كبّرت الثانية ، فشدّ رجل إزاره، وتهيّاً لوجه حملته؛ فإذا
كبّرت الثالثة فاحملوا عليهم ؛ فإنى حامل . وخرجت الأعاجم قد شدّوا
أنفسَهم بالسلاسل لئلا يفرُّوا ، وحمل عليهم المسلمون فقاتلوهم، فُرصِى
النعمان بنشّابة فقتِل رحمه الله ، فلفّه أخوه سُوَيَد بن مقرّن فى ثوبه، وكم
قتلَه حتى فتح اللّه عليهم ، ثم دفع الرّاية إلى حُذيفة بن اليمان، وقتل اللّه
ذا الحاجب ، وافتُتحت نهاوند ، فلم يكن الأعاجم بعد ذلك جماعة .
٠٠٠
قال أبو جعفر : وقد كان - فيما ذكر لى - بعث عمر بن الخطّاب رضى
الله عنه السائبَ بن الأقرع، مولى ثَقِيف - وكان رجلاً كاتبًا حاسبًا -
فقال: الحقْ بهذا الجيش فكن فيهم؛ فإنْ فتّح اللّه عليهم فاقسم على
المسلمين فيثَهم، وخذ خمس اللّه وخمس رسوله؛ وإنْ هذا الجيش أُصيبَ،
فاذهب فى سواد الأرض ، فبطن الأرض خيرٌ من ظهرها .
قال السائب : فلما فتح الله على المسلمين نهاوند، أصابوا غنائم عظامًا ،
٢٥٩٩/١ فوالله إنى لأقسم بين الناس، إذ جاءنى عِلْج من أهلها فقال: أتُؤْمنى على
نفسى وأهلى وأهل بيتى ؛ على أن أدلك على كُنوز النَّخيرجان - وهى كنوز
آل كسرى - تكون لك ولصاحبك ، لا يشركك فيها أحد ؟ قال : قلت:
نعم ، قال: فابعث معى من أدلّه عليها، فبعثت معه، فأتى بسَفَطين عظيمين
ليس فيهما إلاّ اللؤلؤ والزّبَرجد والياقوت؛ فلما فرغت من قَسْمِى بين الناس
احتملتهما معى ؛ ثم قدمت على عمر بن الخطاب ؛ فقال : ما وراءك ياسائب ؟
فقلت: خير يا أميرَ المؤمنين ؛ فتح الله عليك بأعظم الفتح، واستُشهد النعمان
ابن مقرّن رحمه الله. فقال عمر: إنا لله وإنا إليه راجعون! قال: ثم بكى فنشتج ،
حتى إنّى لأنظر إلى فروع منكبيه من فوق كَتده(١). قال: فلما رأيتُ ما لقى
قلت : والله يا أميرَ المؤمنين ما أصيبَ بعده من رجل يُعرف وجهه . فقال
المستضعفون من المسلمين : لكنّ الذى أكرمهم بالشهادة يعرف وجوهتهم
وأنسابتهم ، وما يصنعون بمعرفة عمر بن أمّ عمر ! ثم قام ليدخل ، فقلت : إنّ
(١) الكتد : مجتمع الكتفين من الإنسان .

١١٧
سنة ٢١
٢٦٠٠/١
معى مالاً عظيمًا قد جئت به ، ثم أخبرته خبر السَّفَطَيْن ، قال : أدخلْهما
بيتَ المال حتى ننظر فى شأنهما ، والحق بجندك . قال : فأدخلتُهما بيت
المال ، وخرجت سريعًا إلى الكوفة . قال : وبات تلك الليلة التى خرجت فيها ،
فلما أصبح بعث فى أثرى رسولاً ، فوالله ما أدركنى حتى دخلتُ الكوفة ،
فأنخت بعيرى، وأناخ بعيره على عرقوبىْ بعيرى، فقال : الحق بأمير المؤمنين،
فقد بعثِى فى طلبك ، فلم أقدر عليك إلاّ الآن . قال: قلت : ويلك! ماذا
ولماذا ؟ قال : لا أدرى والله ، قال : فركبتُ معه حتى قدمتُ عليه ، فلما
رآنى قال : مالى ولابن أمّ السائب! بل ما لابن أمّ السائب ومالى! قال: قلت:
وماذاك يا أمير المؤمنين ؟ قال: ويحك ! والله ما هو إلاّ أن نمت فى الليلة
التى خرجتَ فيها ، فباتت ملائكة ربى تسحبنى إلى ذيْنك السفَطيْن يشتعلان
ناراً ، يقولون : لنكويَنّك بهما ، فأقول: إنى سأقسمهما بين المسلمين ؛
فخذهما عنّى لا أبالك والحق بهما ، فبعهما فى أعطية المسلمين وأرزاقهم .
قال : فخرجتُ بهما حتى وضعتهما فى مسجد الكوفة ، وغشِيسَى التجار ،
فابتاعهما منّى عمرو بن حُريث المخزومىّ بألفى ألف ؛ ثم خرج بهما إلى أرض
الأعاجم ، فباعهما بأربعة آلاف ألف ؛ فما زال أكثر أهل الكوفة مالاً بعد .
حدّثنا الرّبيع بن سليمان ، قال : حدثنا أسد بن موسى ، قال : حدثنا
المبارك بن فضالة، عن زياد بن حُدَير (١)، قال: حدثنى أبى؛ أنّ عمر
ابن الخطاب رضى الله عنه، قال الهرمزان حين آمنه : لا بأس ، انصح لى ،
قال : نعم ، قال: إنّ فارس اليوم رأس وجناحان ؛ قال: وأين الرأس ؟
قال: بنهاوند مع بُنْدار (٢)؛ فإنّ معه أساورة كسرى وأهل إصبهان، قال:
وأين الجناحان ؟ فذكر مكانًا نسيته، قال: فاقطع الجناحين يهِنِ الرأس. ٢٦٠١/١
فقال عمر : كذبت يا عدوّ اللّه! بل أحمد إلى الرأس فأقطعه، فإذا قطعه الله
لم يعصِ عليه الجناحان . قال: فأراد أن يسير إليه بنفسه، فقالوا: نذكّرك
الله يا أمير المؤمنين أن تسيرَ بنفسك إلى حَلْبة العجم؛ فإن أُصبت لم يكن
للمسلمين نظام ؛ ولكن ابعث الجنود ؛ فبعث أهل المدينة فيهم عبد الله بن
(١) كذا فى البلاذرى، وفى ط ((جبير)) تحريف. (٢) هو مردان شاء ذو الجناحين؛ وانظر التصويبات.

١١٨
سنة ٢١
عمر بن الخطّاب ، وفيهم المهاجرون والأنصار ؛ وكتب إلى أبى موسى الأشعرى
أن سرْ بأهل البصرة ، وكتب إلى حُذيفة بن اليمان أن سرْ بأهل الكوفة
حتى تجتمعوا جميعًاً بنهاوند ؛ وكتب: إذا التقييم فأميرُكم النُّعمان بنُ مقرّن
المزفىّ ؛ فلما اجتمعوا بنهاوند ، أرسل بُنْدار العِلْج إليهم : أن أرسلوا إلينا
رجلا نکلمه ؛ فأرسلوا إلیه المغيرة بن شعبة . قال أبى: کأ نىأنظر إليه ؛ رجلا
طويلَ الشعر أعور ؛ فأرسلوه إليه ، فلمّا جاء سألناه ، فقال : وجدتُه قد
استشار أصحابه ؛ فقال : بأىّ شىء نأذن لهذا العربىّ ؟ بشارتِنا وبهجتنا
٢٦٠٢/١ ومُلْكنا ، أو نتقشف له فيما قبلنا حتى يزهد ؟ فقالوا : لا ، بل بأفضل مايكون
من الشارة والعدّة ، فتهيّئوا بها ، فلما أتيناهم كادت الحراب والنيازك يُلْتَمع
منها البصر (١)، فإذا هم على رأسه مثل الشياطين، وإذا هو على سرير من ذهب
على رأسه التاج. قال: فمضيت كما أنا ونكّسْت، قال : فدفعت ونُهنهت،
فقلت : الرسل لا يفعل بهم هذا ، فقالوا : إنما أنت كلْب ، فقلت : معاذ
اللّه ! لأنا أشرف فى قومى من هذا فى قومه ؛ فانتهرونى ، وقالوا : اجلس ؛
فأجلسونى . قال - وتُرجم له قوله: إنكم معشرَ العرب أبعدُ الناس من كلّ
خير ، وأطول الناس جوعًا ، وأشقى الناس شقاء، وأقذر الناس قذراً ، وأبعده
داراً ؛ وما منعنى أن آمر هؤلاء الأساورة حولى أن ينتظموكم بالنشّاب إلاّ
تنجُساً لحيفكم؛ فإنكم أرجاس؛ فإن تذهبوا نُخَلّ عنكم، وإن تأتُوا
نركم مصارعتكم ؛ قال: فحمِدْت اللّه، وأثنيت عليه، فقلت: واللّه
ما أخطأتَ من صفتنا شيئًا، ولا من نعتِنا، إنْ كنا لأبعدَ الناس داراً ،
وأشدَّ الناس جوعًا ، وأشقى الناس شقاء ، وأبعد الناس من كلّ خير ، حتى
بعث الله عزّ وجلّ إلينا رسولَه صلى الله عليه وسلم؛ فوعدنا النصر فى الدنيا ،
والجنة فى الآخرة ؛ فوالله ما زلنا نتعرّف من ربنا منذ جاءنا رسوله الفتحَ والنصر؛
٢٦٠٢/١ حتى أتيناكم؛ وإنا والله لا نرجع إلى ذلك الشقاء أبداً حتى نغلبكم على
ما فى أيديكم؛ أو نقتل بأرضكم. فقال: أما والله إنّ الأعور قد صدقكم
الذى فى نفسه. قال: فقمتُ وقد واللّه أرعبتُ العلج جهدى . قال : فأرسل
(١) النيازك: جمع نيزك، وهو الرمح القصير. ويلتمع البصر: يختلس.

١١٩
سنة ٢١
إلينا العِلْج: إمّا أن تعبُروا إلينا بنهاوند؛ وإمّا أن نعبُر إليكم. فقال النعمان:
اعبر وا، قال أبى(١): فلم أر والله مثل ذلك الیوم،إنهم یجیئون کأنهم جبال حديد؛
قد تواثقوا ألاّ يفِرّوا من العرب، وقد قرن بعضهم بعضًا؛ سبعة فى قران ،
وألقوا حسك الحديد خلفهم، وقالوا: مَن فَرّ منّا عقَرَه حسَك الحديد.
فقال المغيرة حين رأى كثرتهم: لم أرَ كاليوم فشلاً، إنّ عدوّنا يتركون يتأهبون
لا يُعْجلون، أما والله لو أنّ الأمر لى لقد أعجلتهم - وكان النعمان بن مقرّن
رجلاً لينًا-فقال له: فاللّه عزّ وجلّ يُشهِدك(٢) أمثالها فلا يُحزنْك ولا يعيبُك
موقفك ، إنه والله ما منعنی من أن أناجزهم إلاّ شیء شهدته من رسول الله صلى
اللّه عليه وسلم؛ إنّ رسولَ اللّه كان إذا غزا فلم يقاتل أوّل النهار لم يعجل
حتى تحضر الصلاة ، وتهبّ الأرواح، ويطيب القتال؛ فما منعنى إلاّ ذلك.
اللهم إنى أسألك أن تُقِرّ عينى اليوم بفتح يكون فيه عزّ الإسلام، وذلّ يُذَلّ"
به الكفّار ، ثم اقبضنى إليك بعد ذلك على الشهادة ، أمّنوا يرحمكم الله !
فأمّنّا وبكينا . ثم قال : إنى هازٌّ لوائى فتيسَّروا للسلاح ، ثم هازَّ الثانية ،
فكونوا متأهّبين لقتال عدوّكم ، فإذا هززتُ الثالثة فليحمل كلّ قوم على ١ / ٢٦٠٤
مَنْ يليهم من عدوّهم على بركة الله .
قال: وجاءوا بحسَك الحديد . قال : فجعل يلبث حتّى إذا حضرت
الصلاة وهبّت الأرواح كبّر وكبّرنا ، ثم قال : أرجو أن يستجيب الله لى ؛
ويفتحِ علىّ، ثم هزّ اللواء ، فتيسّرنا للقتال، ثم هزّه الثانية فكنّا بإزاء العدوّ ،
ثم هزّه الثالثة .
قال : فكبّر وكبرّ المسلمون، وقالوا: فتحًا يعزّ اللّه به الإسلام وأهله ،
ثم قال النّعمان: إنْ أُصِبت فعلى الناس حُذيفة بن اليمان ؛ وإن أصيب
حُذَيَفة ففلان؛ وإنْ أصيب فلان ففلان ؛ حتى عدّ سبعة آخرهم المغيرة،
ثم هزّ اللواء الثالثة، فحمل كلّ إنسان على مَن يليه من العدوّ. قال: فوالله
ما علمت من المسلمين أحداً يومئذ يريد أن يرجع إلى أهله ، حتى يُقتل
أو يظفر، فحملنا حملة واحدة، وثبتوا لنا ، فما كنّا نسمع إلا وقعَ الحديد على
الحديد، حتى أصيب المسلمون بمصائب عظيمة، فلما رأوا صبرنا وأنّا لانبرح
(١) ابن حبيش: ((قال جبير)).
(٢) ابن حبيش: ((كان الله أشهدك)).

١٢٠
سنة ٢١
العرْصة انهزموا ، فجعل يقع الواحد فيقع عليه سبعة؛ بعضهم على بعض فى
قياد ، فيُقتلون جميعًا ، وجعل يعقرهم حسك الحديد الذى وضعوا خلفهم .
فقال النعمان رضى اللّه عنه: قدّموا اللواء ، فجعلنا نقدّم اللواء ، ونقتلهم
ونهزٍ مهم. فلما رأى أن اللّه قد استجاب له ورأى الفتح، جاءته نُشّابة
فأصابت خاصرته، فقتلته . قال : فجاء أخوه معقل فسجتى عليه ثوبًا ، وأخذ
٢٦٠٥/١ اللواء فقاتل، ثم قال: تقدّمُوا نقتلهم ونهزمهم؛ فلما اجتمع الناس قالوا :
أين أميرنا ؟ قال معقيل: هذا أميركم، قد أقرّ اللّه عينه بالفتح؛ وختم له
بالشهادة . قال : فبايع الناس حُذيفة وعمر بالمدينة يستنصر له(١)، ويدعو
له مثل الحبلى.
قال : وكُتِب إلى عمر بالفتح مع رجل من المسلمين ؛ فلما أتاه قال
له: أبشِرْ يا أمير المؤمنين بفتح أعزّ اللّه به الإسلام وأهله، وأذلّ (٢) به الكفر
وأهله. قال: فحمد الله عزّ وجلّ ، ثم قال: آلنّعمان بعثك ؟ قال: احتسب
النّعمان يا أمير المؤمنين ، قال: فبكى عمر واسترجع. قال : ومَن ويحك!
قال: فلان وفلان ؛ حتى عدّ له ناسًا كثيراً ، ثم قال: وآخرين
يا أمير المؤمنين لا تعرفهم ، فقال عمر وهو يبكى : لا يضرّهم ألاّ يعرفهم
عمر ؛ ولكنّ اللّه يعرفهم.
وأما سيف ، فإنه قال - فيما كتب إلىّ السرىّ يذكر أن شُعيبًا حدّثه
عنه؛ وعن محمّد والمهلّب وطلحة وعمر وسعيد - إنّ الذى هاج أمر نهاوند أنّ
أهلَ البصرة لما أشجوا الهُرمزان ، وأعجلوا أهلَ فارس عن مصاب جند العلاء،
ووطئوا أهل فارس ، كاتبوا ملكهم ؛ وهو يومئذ بمَرْو، فحرّ كوه ، فكاتب
الملك أهلَ الجبال من بين الباب والسند وخُراسان وحُلْوان ، فتحرّكوا
وتكاتبوا ، وركب بعضهم إلى بعض ، فأجمعوا أن يوافوا نهاوند، ويُبرموا
فيها أمورَهم ، فتوافى إلى نِهاوند أوائلُهم .
وبلغ سعد الخبرعن قُباذ صاحب حلوان، فکتب إلى عمر بذلك ، فنزا
٢٦٠٦/١ بسعد أقوام، وألّبوا عليه فيما بين تراسل القوم واجتماعهم إلى نهاوند، ولم يشغلْهم
(١) ابن حبيش: ((يستنصر الله ويدعوه)).
(٢) ابن حبيش: ((فبه)).