النص المفهرس
صفحات 81-100
٨١ سنة ١٧ انزلوا، فنزلوا. فاقتتل (١) القوم فقُتِل أهل فارس مقتلة لم يُقْتّلوا مثلها قبلها. ثمّ خرجوا يريدون البصرة وقد غرقت (٢) سفنهم، ثمّ لم يجدوا (٣) إلى الرجوع فى البحر سبيلا. ثم وجدوا شَهْرك (٤) قد أخذ على المسلمين بالطرق؛ فعسكروا وامتنعوا فى نُشُوبهم . ولما بلغ عمر الذى صنع العلاء من بعثه ذلك الجيش فى البحر ألقِىَ فى رُوعه نحوٌ من الذى كان. فاشتدّ غضبه على العلاء، وكتب إليه يعزِله وتوعّده ، وأمره بأثقل الأشياء عليه ، وأبغض الوجوه إليه ؛ بتأمير سعد عليه ، وقال : الحق بسعد بن أبى وقاص فيمن قِبلتَك ، فخرج بمن معه نحو سعد. وكتب عمر إلى عتبة بن غزوان: إنّ العلاء بن الحضرىّ حمل جنداً من المسلمين ، فأقطعهم أهلُ فارس ، وعصانى، وأظنه لم يرد الله بذلك، فخشيت عليهم إلاّ يُنصروا أن يغلَبوا وينشَبوا(٥)، فاندب إليهم الناس ، واضممهم إليك من قبل أن يُجتاحوا (٦). فندب عُتبة الناس، وأخبرهم بكتاب عمر ، فانتدب عاصم بن عمرو ، وعرفجة بن هَرْثمة ، وحذيفة بن محصن ، ومجزأة بن ثور ، ونهار بن الحارث، والترجمان بن فلان ، والحصين بن أبى الحرّ ، والأحنف بن قيس، وسعد بن أبى العرْجاء ، وعبد الرحمن بن سهل ، وصعصعة بن معاوية ؛ فخرجوا فى اثنى عشر ألفًاً على البغال يجنبون الخيل، وعليهم أبو سَبْرة بن أبى رُهْم أحد بنى مالك بن حِسْل بن عامر بن لؤىّ ، والمسالح على حالها بالأهواز والذمة ، وهم رِدْءُ للغازى والمقيم . فسار أبو سَبْرة بالناس ، وساحتَلَ لا يلقاه أحد ، ولا يعرض له ؛ حتى التّفى أبو سَبْرة وخُلَيد بحيث أخذ عليهم بالطرق غبّ وقعة القوم ٢٥٤٩/١ (٢) ابن حبيش: ((إذ غرقت)). (١) ابن حبيش: ((فقاتلوا)). (٣) ابن حبيش: ((ولم يجدوا)). (٤) كذا فى ط، وفى ياقوت ٦: ١٠ ((شهراك))، وأورد قول خليد: عشيّة شهراكٍ عَلونَ الرّواسِيا بطاوُس نَاهَبْنَا الملوكَ وخيُلُنا أطاحَتْ جموعَ الفَرْسِ مِنْ رأس حَالِقٍ تراهُ كموّارِ السحابِ مُنَاغيا (٦) س: ((أن يحتاجوا)). (٥) س: ((ويثبتوا)). ٨٢ سنة ١٧ بطاوس، وإنما كان ولىَ قتالهم أهلُ إصطَخر وحدهم، والشذّاذ (١) من غيرهم؛ وقد كان أهل إصطخر حيث أخذوا على المسلمين بالطرق ، وأنشبوهم؛ استصرخوا عليهم أهلَ فارس كلّهم ؛ فضربوا إليهم من كلّ وجه وكورة ، فالتقوا هم وأبو سَبْرة بعد طاوس ، وقد توافتْ إلى المسلمين أمدادهم وإلى المشركين أمدادهم ، وعلى المشركين شَهْرك؛ فاقتتلوا ، ففتح اللّه على المسلمين، وقَتّل المشركين وأصاب المسلمون منهم ما شاءوا - وهى الغزاة التى شرفت فيها نابتة(٢) البصرة؛ وكانوا أفضل نوابت الأمصار؛ فكانوا أفضل المصريْن ٢٥٥٠/١ نابتة - ثم انكفئوا بما أصابوا، وقد عهد إليهم عُتبة وكتب إليهم بالحثّ وقلة العُرْجة (٣)، فانضموا إليه بالبصرة ، فخرج أهلها إلى منازلهم منها ، وتفرّق الذين تُنقَّذوا من أهل هجر إلى قبائلهم، والذين تُنفّذوا من عبد القيس فى موضع سوق البَحْرين . ولما أحرز عُتبة الأهواز وأوطأ فارس (٤)؛ استأذن عمر فى الحجّ ، فأذن له ، فلمّا قضى حجّه استعفاه، فأبى أن يُعفيَه ، وعزم عليه لتيرجعنّ إلى عمله؛ فدعا اللّه ثم انصرف؛ فمات فى بطن نخلة ، فدفن ؛ وبلغ عمر، فمرّ به زائراً لقبره ، وقال: أنا قتلتك، لولا أنه أجل معلوم وكتاب مرقوم ؛ وأثنى عليه بفضله ، ولم يختطّ فيمن اختطّ من المهاجرين ؛ وإنما ورث ولدُه منزلهم من فاختة ابنة غزوان ، وكانت تحت عثمان بن عفان ، وكان خبّاب (٥) مولاه قد لزم سمته(٦) فلم يختطّ ، ومات عتبة بن غزوان على رأس ثلاث سنين ونصف من مفارقة سعد بالمدائن ، وقد استخلف على الناس أبا سَبْرة بن أبى رُهْم ، وعمّاله على حالهم، ومسالحه على نهرٍ تيرَى وصَنّاذِرٍ وسوق الأهواز وسُرّقْ والهُرْمزان برامهُرمزْ مُصالتح عليها ، وعلى السُّوس والبُنيان وجندى سابور ومِهْرَجان قَذَق؛ وذلك بعد تنقَّذ الذين كان حمل العلاء فى البحر إلى فارس ، ونزولهم البصرة . وكان يقال لهم أهل طاوس ، نُسِبوا إلى الوقعة. وأقرّ (٧) عمر أبا سَبْرة (١) ابن حبيش: ((والشذان)). (٣) العرجة : المقام . (٥) ابن الأثير: ((حباب)). (٧) ابن الأثير: ((وأمر». (٢) الثابتة: النشء الصغار. (٤) أوطأ فارس، أى غلبها على أمرها . (٦) ابن الأثير: ((شيمته)). ٨٣ سنة ١٧ ابن أبى رُهْم على البصرة بقيّة السنة(١). ثم استعمل المغيرة بن شعبة فى السنة ٢٥٥١/١ الثانية بعد(٢) وفاة عتبة، فعمل عليها بقيَّة تلك السنة والسنة التى تليها، لم ينتقض عليه أحد فى عمله ؛ وكان مرزوقًا السلامة ؛ ولم يُحدث شيئًا إلاّ ما كان بينه وبين أبى بكثرة . ثم استعمل عمر أبا موسى على البصرة ، ثم صُرِف إلى الكوفة ، ثمّ استعمل عمر بن سُراقة ، ثمّ صُرِف عمر بن سراقة إلى الكوفة من البصرة ، وصُرف أبو موسى إلى البصرة من الكوفة ؛ فعمل عليها ثانية . # [ ذكر فتح رامهرمز وتستر] وفى هذه السنة - أعنى سنة سبع عشرة - كان فتح رَامُهْرمُز والسّوْس وتُسْتَرَ . وفيها أسر الهُرْمزان فى رواية سيف . • ذكر الخبر عن فتح ذلك من روايته : كتب إلىّ السرىّ، عن شعيب ، عن سيف، عن محمد وطلحة والمهلب وعمرو؛ قالوا: ولم يزل يَزْدَ جيرد يُثير أهلَ فارس أسفًا على ما خرج منهم ؛ فكتب يَزْد جرد إلى أهل فارس وهو يومئذ بمرْوَ، يذكّرهم الأحقاد ويؤنّبهم؛ أن قد رضيتم ياأهل فارس أن قد غلبتكم العرب على السواد وما والاه ، والأهواز. ثم لم يرْضَوا بذلك حتى تورّدوكم فى بلاد كم وعُقْر داركم، فتحرّكوا(٣) وتكاتبوا: أهلُ فارس وأهلُ الأهواز، وتعاقدوا وتعاهدوا وتواثقوا على النَّصرة، وجاءت الأخبار حرقوصَ بن زهير، وجاءت جزءًا وسُلْمى وحرملة عن خبر غالب ٢٥٥٢/١ وكُلَيَب؛ فكتب سُلْمَى وحَرْملة إلى عمر وإلى المسلمين بالبَصْرة ، فسبق كتاب سُلْمى حرملة ، فكتب عمر إلى سعد : أن ابعث إلى الأهواز بعثًا كثيفًا مع النعمان بن مقرّن ، وعجِّل وابعث سُوَيَد بن مقرّن ، وعبد الله بن ذى السهمين، وجّرير بن عبد الله الحميرىّ، وجرير بن عبد الله البسَجَلِىّ ؛ فلينزلوا بإزاء الهُرْمزان حتى يتبينوا أمره . و کتب إلى أبى موسى (١) بعدها فى أبن حبيش: ((التى مات فيها عتبة، ثم عزله واستخلف عبد الرحمن بن سهل فعمل بقية السنة)» . (٢) ابن حبيش: ((من بعد)). (٣) ابن حبيش: ((فتحزبوا)). ٨٤ سنة ١٧ أن ابعث إلى الأهواز جنداً كثيفاً وأمُرْ عليهم سهل بن عدىّ - أخا سهيل ابن عدىّ - وابعث معه البَرّاء بن مالك ، وعاصم بن عمرو ، ومجزأة بن ثور، وكعب بن سور، وعَرْفجة بن هرثمة، وحُذيفة بن مِحْصَن، وعبد الرحمن ابن سهل ، والخصّين بن معبد؛ وعلى أهل الكوفة وأهل البصرة جميعًا أبو سَبْرة ابن أبى رُهْ ؛ وكلّ من أتاه فمددٌ له . وخرج النُّعمان بن مقرّن فى أهل الكوفة ، فأخذ وسط السواد حتى قطع دِجْلة بحيال مَيْسان، ثم أخذ البرّ إلى الأهواز على البغال يجنبون(١) الخيل، وانتهى إلى نهر تِيرَى فجازها، ثم جاز مَنّاذر، ثم جاز سوقَ الأهواز، وخلّف حُرُقوصًا وسُلمسى وحرْ ملة، ثم سار نحو الهُرمزّان - والهرمزان يومئذ برامتَهُر مز- ولما سمع الهرمزان بمسير النعمان إليه بادره الشَّدَّة، ورجا أن يقتطعه ، وقد طمع الهرمزان فى نصر أهل فارس ، وقد أقبلوا نحوه ، ونزلت أوائل أمدادهم بتُسْتَرَ، فالتقى النعمان والهُرمزان بأربُك، فاقتتلوا قتالا شديداً. ثمّ إنّ الله عزّ وجلّ هزم الهُرمزان للنعمان، وأخلى رامتَهُرْمز وتركها ولحق بتُستَرَ، وسار النعمان من أربُك حتى ينزل برامتَهُرْمز، ثم صعد لإِيذَج ، فصالحه عليها تيرويه ، فقبل منه وتر که ورجع إلى رامتهُرْمز فأقام بها . قالوا : ولما کتبعمر إلى سعد وأبى موسى ، وسار النعمان وسهل ، سبق النعمان فى أهل الكوفة سهلاً وأهل البصرة ، ونكّب الهُرمزان، وجاء سهل فى أهل البصرة حتى نزلوا بسوق الأهواز، وهم يريدون رامتهُرمز، فأنتهم الوقعة وهمْ بسوق الأهواز ، وأتاهم الخبر أنّ الهرمزان قد لحِقٍ بتستَر، فمالوا من سوق الأهواز نحْوَه ، فكان وجههم منها إلى تُسْتّر ، ومال النعمان من را مهرمز إليها، وخرج سُلْمَى وحَرْملة وحُرقوص وجَزْء، فنزلوا جميعًا على تُستَرَ والنعمان على أهل الكوفة ، وأهل البصرة متساندون ، وبها الهرمزان وجنوده من أهل فارس وأهل الجبال والأهواز فى الخنادق ، وكتبوا بذلك إلى عمر ، واستمدّه أبو سَبْرة فأمدّهم بأبى موسى ، فسار نحوهم ، وعلى أهل الكوفة النعمان ، وعلى أهل البصرة أبو موسى ، وعلى الفريقين جميعًا أبو سَبْرة ، (١) يقال: جنب الدابة إذا قادها إلى جنبه. ٢٥٥٣/١ ٨٥ سنة ١٧ ٢٥٥٤/١ فحاصروهم أشهراً ، وأكثروا فيهم القتل . وقتل البَرَاء بن مالك فيما بين أول ذلك الحصار إلى أن فتح الله على المسلمين مائة مبارز ، سوى من قتل فى غير ذلك، وقتَل مجزأة بن ثَوْر مثل ذلك ، وقتل كعبُ بن سُور مثل ذلك، وقَتل أبو تميمة مثلَ ذلك فى عدّة من أهل البصرة . وفى الكوفيين مثل ذلك ؛ منهم حَبِيب بن قُرّة ، ورِبعىّ بن عامر ، وعامر بن عبد الأسود - وكان من الرؤساء - فى ذلك ما ازدادوا به إلى ما كان منهم ، وزاحفهم المشركون فى أيام تُسْتَرَ ثمانين زَحْفًا فى حصارهم ؛ يكون عليهم مرّة ولهم أخرى ؛ حتى إذا كان فى آخر زَحْف منها واشتدّ القتال قال المسلمون : يا بَراء ، أقسم على ربّك ليهزمنّهم لنا! فقال: اللهمّ اهزمْهم لنا، واستشهدنى .. قال : فهزموهم حتى أدخلوهم خنادقهم ، ثم اقتحموها عليهم ، وأرَزُوا إلى مدينتهم ، وأحاطوا بها ، فبيناهم على ذلك وقد ضاقت بهم المدينة ، وطالت حربهم ، خرج إلى النّعمان رجل فاستأمنه على أن يدله على مدخل يُؤتَوْن منه ، ورمى فى ناحية أبى موسى بسهْم [فقال]: قد وثقت بكم وأمنتكم واستأمنتكم على أن دللتكم على ما تأتون منه المدينة، ويكون منه فتحها ، فآمنوه فى نُشابة فرمى إليهم بآخر، وقال : انهدُوا من قبَل مخرج الماء ؛ فإنكم ستفتحونها، ٢٥٥٥/١ فاستشار (١) فى ذلك وندب إليه ، فانتدب له عامر بن عبد قيس ، وكعب بن سُور، ومجزأة بن ثور ، وحَسكة الحبَطَىّ، وبَشر كثير ؛ فنهدوا لذلك المكان ليلا ، وقد ندب النعمان أصحابه حين جاءه الرّجل ، فانتدب له سُويد بن المثعبة ، وورقاء بن الحارث ، وبشربن ربيعة الخثعمىّ ، ونافع ابن زيد الحميرىّ، وعبد الله بن بشر الهلالى"، فنهدوا فى بشر كثير ، فالتقوا هم وأهلُ البصرة على ذلك المخرج، وقد انسرب سويد وعبد الله بن بشر ، فأتبعهم هؤلاء وهؤلاء ؛ حتى إذا اجتمعوا فيها - والناس على رِجْل من خارج - كبّروا فيها ، وكبّر المسلمون من خارج ، وفُتحت الأبواب ؛ فاجتلدو فيها، فأناموا كلَّ مقاتل، وأرَز الهُرْمزان إلى القَلْعة ، وأطاف به الذين دخلوا من مخرج الماء ؛ فلما عاينوه وأقبلوا قبله قال لهم : ماشئتم ! (١) كذا فى ابن حبيش فى ط: ((فاستثار)): ٨٦ سنة ١٧ قد ترْون ضيقَ ما أنا فيه وأنتم، ومعى فى جَعَبنى مائةُ نُشّابة؛ ووالله ما تصلون إلىّ ما دام معى منها نُشّابة ؛ وما يقع لى سهم ؛ وما خير إسارى إذا أصبتُ منكم مائة بين قتيل أو جريح ! قالوا : فتريد ماذا ؟ قال : أن أضع يدى فى ٢٥٥٦/١ أيديكم على حُكْ مُمَر يصنع بى ما شاء، قالوا: فلك ذلك (١)، فرمى بقوسه ، وأمكنهم من نفسه ، فشدّوه وثاقًا ، واقتسموا ما أفاء الله عليهم ؛ فكان سهم الفارس [فيها] (٢) ثلاثة آلاف، والراجل ألفًا؛ ودعا صاحب الرميّة بها ، فجاء هو والرّجل الذى خرج بنفسه، فقالا: مَن لنا بالأمان الذى طلبنا ؛ علينا وعلى مَن مالَ معنا ؟ قالوا : ومَن مال معكم ؟ قالا : مَن أغلق بابه عليه مدخلتكم . فأجازوا ذلك لهم ، وقُتل من المسلمين ليلتئذ أناس كثير، ومن قتل الهُرمزان بنفسه مجزأة بن ثور ، والبَرّاء بن مالك . قالوا: وخرج أبو سَبْرة فى أثر الفَل من تُستَر - وقد قصدوا للسُّوس- إلى السوس ، وخرج بالنعمان وأبى موسى ومعهم الهُرْمزان ؛ حتى اشتملوا على السُّوس ، وأحاط المسلمون بها ، وكتبوا بذلك إلى عمر . فكتب عمر إلى عمر بن سُراقة بأن يسيرَ نحو المدينة ، وكتب إلى أبى موسى فردّه على البَصْرة، وقد ردّ أبا موسى على البصرة ثلاث مرات بهذه، وردّ عمر عليها مرتين ؛ وكتب إلى زِرّ بن عبد الله بن كليب الفُقَيمىّ أن يسير إلى جُنْدَىْ سابور، فسار حتى نزل عليها ، وانصرف أبو موسى إلى البصْرة بعد ما أقام إلى رجوع كتاب عمر، وأمّر عمر على جند البصرة المقترِبَ، الأسود بن ربيعة أحدَ ٢٠٥٧/١ بنى ربيعة بن مالك، وكان الأسود وزر من أصحاب رسول اللّه صلى الله عليه وسلم من المهاجرين - وكان الأسود قد وفد على رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال: جئت لأقترب إلى الله عزّ وجلّ بصحبتك، فسماه المقترب ؛ وكان زِرّ قد وفد على رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقال: فتىَ بطنى، وكثر إخوتُنا ، فادعُ الله لنا، فقال: اللهمّ أوف لزرّعُمْرَه ، فتحوّل إليهم العدد - وأوفد أبو سَبْرة وفداً؛ فيهم أنس بن مالك والأحنف بن قيس ، وأرسل الهُرمزان معهم ، فقدِ موا مع أبى موسى البصرة ، ثم خرجوا نحو المدينة؛ (١) ابن حبيش: ((فذلك لك)). (٢) من ابن حبيش. ٨٧ سنة ١٧ حتى إذا دخلوا هيئوا الهرمزان فى هيئته ، فألبسوه كُسوته من الديباج الذى فيه الذهب ، ووضعوا على رأسه تاجًا يدعى الآذين ، مكلّلاً بالياقوت ، وعليه حِلْته ، كما يراه عمر والمسلمون فى هيئته ، ثم خرجوا به على الناس يريدون عمر فى منزله فلم يجدوه، فسألوا عنه، فقيل [لهم](١): جلس فى المسجد لوفد قدموا عليه من الكوفة، فانطلقوا يطلبونه فى المسجد ، فلم يروه، فلما انصرفوا مرّوا بغلمان من أهل المدينة يلعبون، فقالوا لهم: ما تلدّدكم (٢)!؟ تريدون أميرَ المؤمنين ؟ فإنّه نائم فى ميمنة المسجد ، متوسد(٣) برنسه - وكان عمر قد جلس لوفْد أهل الكوفة فى بُرنس ، فلمّا فرغ من كلامهم وارتفعوا عنه، وأخلَوْه نزع بُرنسه ثم توسّده فنام - فانطلقوا ومعهم النظّارة ، حتى إذا رأوْه جلسوا دونه ، وليس فى المسجد نائم ولا يقظان غيره ، والدَّرّة فى يده معلّقة (٤)، فقال: الهرمزان: أين عمر؟ فقالوا: هو ذا (٥)؛ وجعل الوفد يشيرون ٢٥٥٨/١ إلى الناس أن اسكتوا عنه ؛ وأصغى الهرمزان إلى الوفد ، فقال : أين حرسُه وحجّابه عنه ؟ قالوا : ليس له حارس ولا حاجب ، ولا كاتب ولا ديوان ، قال : فينبغى له أن يكون نبيًّا، فقالوا: بل يعمل عمل الأنبياء(٦)؛ وكثر الناس ؛ فاستيقظ(٧) عمر بالجلَبَة ، فاستوى جالسًا ، ثم نظر إلى الهرمزان ، فقال: الهرمزان؟ قالوا: نعم ؛ فتأمّله، وتأمّل ما عليه ، وقال : أعوذ بالله من النار، وأستعين الله (٨)! وقال: الحمد لله الذى أذلّ بالإسلام هذا وأشياعه؛ يا معشر المسلمين، تمسكوا بهذا الدين، واهتدوا بهُدَى نبيكم ، ولا تبطرنّكم الدنيا فإنها غرّارة . فقال الوفد : هذا ملك الأهواز، فكلّمه، فقال : لا، حتى لا يبقى عليه من حِلْته شىء، فرُمى عنه بكلّ شيء عليه إلا شيئًا يستره ، وألبسوه ثوبًا صفيقاً ، فقال عمر : هيه با هرمزان ! کیف رأيت وبال الغدر وعاقبة أمر الله! فقال: ياعمر، إنا وإيّاكم فى الجاهليّة كان الله قد خلّى بيننا وبينكم ، فغلبناكم إذْ لم يكن معنا ولا معكم ، فلمّا كان معكم (١) من ابن حبيش. (٢) التلدد: التلفت يميناً وشمالا (٣) كذافى ابن حبيش: وفى ط ((متوسداً)). (٤) ابن حبيش: ((معلقها)). (٥٠) س: ((هذا هو)). (٦) ابن الأثير: ((بعمل الأنبياء)). (٧) س: ((واستيقظ)). (٨) ابن كثير: ((وأستغفر الله)). 1 i ٨٨ سنة ١٧ غلبتمونا. فقال عمر: إنما غلبتمونا فى الجاهليّة باجتماعكم وتفرّقنا. ثم قال عمر: ما عُذرك وما حجّتك فى انتقاضك مرّة بعد مرّة ؟ فقال: أخاف أن تقتلنى ٢٥٥٩/١ قبل أن أخبرك، قال: لا تخف ذلك. واستسمى ماء، فأتِىَ به فى قَدَح غليظ، فقال : لو متّ عطشًا لم أستطع أنْ أشرب فى مثل هذا ، فأتى به فى إناء يرضاه ، فجعلت يده ترجُف (١)، وقال: إنى أخاف أن أقتَل وأنا أشرب الماء ، فقال عمر : لا بأس عليك حتى تشربه ، فأكفأه ، فقال عمر: أعيدوا عليه ، ولا تجمعوا عليه القتل والعطش ، فقال : لا حاجة لى فى الماء ، إنما أردت أن أستأمين به ، فقال له عمر: إنى قاتلك ، قال : قد آمنتنى ! فقال : كذبت! فقال أنس : صدق يا أمير المؤمنين ، قد آمنته ، قال : ويحك يا أنس! أنا أؤمن قاتل مجزأة والبَراء! والله لتأتينّ بمخرج أو لأعاقبنّك! قال : قلت له : لا بأس عليك حتى تخبرنى ، وقلتَ : لا بأس عليك حتى تشربه ، وقال له مَنْ حوله مثل ذلك ، فأقبل على الهرمزان، وقال: خدعتّى، والله لا أنخدع إلا لمسلم ؛ فأسلم. ففرض له على ألفين ، وأنزله المدينة . كتب إلىّ السرىّ ، عن شعيب ، عن سيف ، عن أبى سفيان طلحة ٢٥٦٠/١ ابن عبد الرحمن، عن ابن عيسى، قال : كان التَّرجمان يوم الهُرمزان المغيرة بن شعبة إلى أن جاء المترجم ، وكان المغيرة يفقَه شيئًا من الفارسيّة، فقال عمر للمغيرة : قل له : مِنْ أَىّ(٢) أرض أنت؟ فقال المغيرة: أزكُدَام أرضى (٣) ؟ فقال: مهرجانىّ، فقال: تكلم بحجّتك ، قال : كلام حىّ أو ميت ؟ قال : بل كلام حىّ، قال: قد آمنتَنى، قال : خدعتنى،. إنّ للمخدوع فى الحرب حُكمه؛ لا والله لا أؤمنك حتى تسليم ، فأيقن أنه القتل أو الإسلام، فأسلم ، ففرض له على ألفين وأنزله المدينة . وقال للمغيرة : ما أراك بها حاذقًا، ما أحسنها منكم أحد إلا خَبّ، وما خَبّ إلا دقّ. إيّاكم وإيّاها ، فإنها تنقض الإعراب . وأقبل زيد فكلّمه ، وأخبر عمر بقوله ، والهُرمزانَ بقول عمر . (١) ابن حبيش وابن كثير: ((ترعد)). (٢) ابن حبيش: ((من أية)). (٣) أزكدام أرضى، استفهام بالفارسية ، ومعناه: من أى أرض أنت ؟ ٨٩ سنة ١٧ كتب إلىّ السرىّ ، عن شعيب ، عن سيف، عن محمد وطلحة وعمرو ، عن الشعبىّ وسفيان، عن الحسن، قال: قال عمر للوفد : لعلّ المسلمين يفضُون إلى أهل الذّة بأذَّى وبأمور لها ما ينتقضون بكم ! فقالوا : ما نعلم إلاّ وفاء وحسن ملكة، قال : فكيف هذا ؟ فلم يجد عند أحد منهم شيئاً يشفيه ويبصر به مما يقولون ، إلاّ ما كان من الأحنف ، فقال: يا أمير المؤمنين، أخبرك أنّك نهيتنا عن الانسياح فى البلاد، وأمرتتنا بالاقتصار على ما فى ٢٥٦١/١ أيدينا (١)، وإن ملك فارس جىّ بين أظهرهم(٢)؛ وإنهم لا يزالون يساجلوننا (٣) مادام ملكهم فيهم ؛ ولم يجتمع ملكان فاتفقاً حتى يخرج أحدُهما صاحبه ؛ وقد رأيتُ أنّا لم نأخذ شيئًا بعد شىء إلاّ بانبعائهم، وأنّ ملكهم هو الذى يبعثهم، ولا يزال هذا دأبهم حتى تأذن لنا فلنسِحْ (٤) فى بلادهم حتى نزيله عن فارس ، ونخرجه من مملكته وعزّ أمته ، فهنالك ينقطع رجاء أهل فارس ويضربون جأشًا(٥). فقال: صدقَتنى واللّه، وشرحت لى الأمر عن حقه. ونظر فى حوائجهم وسرّحهم . وقدم الكتاب على عمر باجتماع أهل نهاوند وانتهاء أهل مِهْرجا نقذَق وأهل كُوَرَ الأهواز إلى رأى الهُرمزان ومشيئته ، فذلك كان سبب إذن عمر لهم فى الإنسياح . # ذكر فتح السُّوس اختلف أهل السِّيَر فى أمرها ؛ فأمّا المدائىّ فإنه - فماحد ثنى عنه أبو زيد - قال: لما انتهى فلّ جلولاء إلى يزدجرد وهو بحُلوان ، دعا بخاصّته والْمَوبَذ ، فقال: إنّ القومَ لا يلَقَوْن جمعًا إلاّ فلّوه ، فما تروْن؟ فقال الموبذ: نرى أن تخرج فتنزل إصطَخْر؛ فإنها بيت المملكة ، وتضمّ" إلیك خزائنك ، وتوجه الجنود . فأخذ برأيه ، وسار (٦) إلى أصبهان دعا سیاه، ٢٥٦٢/١ (١) ابن حبيش: ((ما كان فى أيدينا)). (٢) س: ((أظهرنا)). (٣) ابن حبيش: ((يساحلوننا))، ابن الأثير والنويرى: ((يقاتلوننا)). (٤) ابن حبيش: ((فنسيح)). (٥) يضربون جأشاً، أى يسكنون. (٦) ابن حبيش: ((صار)). ٩٠ سنة ١٧ فوجّهه فى ثلاثمائة ، فيهم سبعون رجلا من عُظمائهم ، وأمره أن ينتخب مِن كلّ بلدة يمرّ بها من أحبّ ، فمضى سياه وأتبعه يزدجِرْد، حتى نزلوا إصطخر وأبو موسى محاصر السُّوس ، فوجته سياه إلى السُّوس، والهرمزان إلى تُستتر، فنزل سياه الكلبانيّة، وبلغ أهلَ السّوس أمرُ جَلُولاء ونزول يزد جرد إصطخر منهزمًاً ، فسألوا أبا موسى الأشعرىّ الصلح، فصالحهم،، وسار إلى رامتهُرمز وسياه بالكلبانيّة ، وقد عظُ أمر المسلمين عنده ، فلم يزل مقيماً حتى صار أبو موسى إلى تُسْتَر، فتحوّل سياه ، فنزل بين رامهرمز وتُسْتَرَ، حتى قدم عمّار بن ياسر ، فدعا سياه الرؤساء الذين كانوا خرجوا معه من أصبتهان ؛ فقال: قد علمتم أنا كنا نتحدّث أنّ هؤلاء القوم أهلُ الشقاء والبؤس سيغلبون على هذه المملكة ، وترُوث دوابتهم فى إيوانات إصطَخر ومصانع الملوك ، ويشدُّون خيولَهم بشجرها ، وقد غلبوا على ما رأيتم ، وليس يلقون جنداً إلاّ فدّوه ، ولا ينزلون بحصن إلاّ فتحوه، فانظروا لأنفسكم، قالوا : رأيُنا رأيك، قال: فليكْفِنى كلّ رجل منكم حشَمه والمنقطعين إليه ، فإنى أرى أن ٢٥٦٣/١ ندخل فى دينهم. ووجَّهوا شيرويه فى عشرة من الأساورة إلى أبى موسى یأخذ شروطًا (١) على أن يدخلوا فى الإسلام . فقدم شیرویه علی أبىموسى ، فقال : إنّا قد رغِبْنا فى دينكم، فنُسلِمٍ على أن نُقاتلَ معكم العجم ، ولانقاتل معكم العرب؛ وإن قاتلنا أحدٌ من العرب منعتمونا منه ، وننزل حيث شئنا ، ونكون فيمن شئنا منكم ، وتُلحقونا بأشراف العطاء(٢)، ويعقد لنا الأمير الذى هو فوقك بذلك . فقال أبو موسى : بل لكم ما لنا، وعليكم ما علينا ، قالوا : لا نرضی . : وكتب أبو موسى إلى عمر بن الخطاب ، فكتب إلى أبى موسى : أعطِهم ما سألوك . فكتب أبو موسى لهم ، فأسلموا ، وشهدوا معه حصار تُسْتر؛ فلم يكن أبو موسى يرى منهم جدًّا ولا نكاية ، فقال لسياه : يا أعور ، ما أنتوأصحابُك کما کنا نری ! قال: لسنا مثلكم فىهذا الدين ولا بصائرنا كبصائركم، وليس لنا فيكم حُرَمٌ نخامى عنهم، ولم تُلحقنا بأشراف العطاء (١) س: ((فأخذ لهم شروطا)). (٢) ابن حبيش: ((بأشرف العطاء)). ٩١ سنة ١٧ ولنا سلاح وكُراع وأنتم حّسر . فكتب أبو موسى إلى عمر فى ذلك ، فکتب إليه عمر: أن ألحقهم على قَدْر البلاء فى أفضل العطاء وأكثر شىء أخذه أحد من العرب. ففرض لمائة منهم فى ألفين ألفين، ولستّة منهم فى ألفين، وخمسمائة لسياه وخُمْرَوْـ ولقبه مِقْلاص - وشَهْرِيار، وشَهْرَويه، وأفروذين. فقال الشاعر : ١ /٢٥٦٤ وكان بما يأتى من الأمر أبْصَرًا(١) ولمَّا رأى الفاروقُ حُسْنَ بلائِهِمْ. ثلاثَمِئِينَ فَرْضَ عَكٍّ وَحِمْيَرَا فَسَنَّ لهم ألفيْنِ فَرْضًا وقد رأى قال : فحاصروا حصنًا بفارس ، فانسلّ سياه فى آخر الليل فى زِىّ العجم حتى رمى بنفسه إلى جَنْب الحِصْن، ونضحَ ثيابه بالدّم، وأصبح أهلُ الحصن ، فرأوا رجلاً فى زيهم صريعاً، فظنُّوا أنه رجل منهم أصيبوا به ، ففتحوا باب الحِصْن ليدخلوه ، فثار وقاتلهم حتى خلَّوْا عن باب الحصن وهربوا ، ففتح الحصن وحده ، ودخله المسلمون ، وقوم يقولون : فعلَ هذا الفعل سياه بتُسْتر، وحاصروا حصنًا، فمشى خُسْرَوْ إلى الحصن ، فأشرف عليه رجل منهم يكلُّمه ، فرماه خسرَوْ بنشّابة فقتله . وأما سيف فإنه قال فى روايته ما كتب به إلى السرّى ، عن شعيب ، عنه، عن محمد وطلحة وعمرو ود ثار أبى معمر ، عن أبى عثمان ، قالوا : لما نزل أبو سَبْرة فى الناس على السُّوس ، وأحاط المسلمون بها ، وعليهم شهريار أخو الهرمزان ، ناوشوهم مرّات؛ كلّ ذلك يصيبُ أهلُ السُّوس فى المسلمين ، فأشرف عليهم يومًا الرُّهبان والقسّيسون، فقالوا: يا معشر العرب، إنّ مما عهد إلينا علماؤنا وأوائلنا ؛ أنه لا يفتح السُّوسَ إلاّ الدّجال أو قوم فيهم الدّجال ، فإن كان الدّجال فيكم فستفتحونها، وإن لم يكن فيكم فلا تُعْنَوْا ٢٥٦٥/١ بحصارنا . وجاء صرْف أبى موسى إلى البَصْرة، وُمِّل على أهل البصرة المقترب مكانَ أبى موسى بالسُّوس ، واجتمع الأعاجم بنهاوَنْد والنعمان على أهل الكوفة محاصراً لأهل السوس مع أبى ستَبْرة ، وزرّ محاصر أهل نهاوند من (١) كذا فى ابن حبش وفى ط: ((لما)» بغير واو. ٩٢ سنة ١٧ وجهه ذلك ؛ وضرب على أهل الكوفة البعث مع حُذيفة ، وأمرهم بموافاته بنها وَنْد؛ وأقبل النُّعمان على التهيؤ للسير إلى نهاوند ، ثمّ استقلّ فى نفسه ، فناوشهم قبل مضيّه، فعاد الرّهبان والقسِّيسون، وأشرفوا على المسلمين، وقالوا : يا معشرَ العرب، لاتُعنَوْا فإنه لا يفتحها إلاّ الدّجال أو قوم معهم الدّجال، وصاحوا بالمسلمين وغاظوهم ، وصافٍ بن صيّاد يومئذ مع النعمان فى خيله ، وناهدهم المسلمون جميعًا، وقالوا: نقاتلهم قبل أن نفترق؛ ولمّا يخرج أبو موسى بعدُ . وأتى صافٍ بابَ السوس غضبَان، فدقّه برجله، وقال: انفتح فطار (١) فتقطّعت السلاسل، وتكسّرت الأغلاق، وتفشَّحت الأبواب، ودخل المسلمون، فألقى المشركون بأيديهم، وتنادوا : الصّلح الصلح! وأمسكوا بأيديهم ، فأجابوهم إلى ذلك بعد ما دخلوها عَنْوة ، واقتسموا ما أصابوا قبل الصلح ؛ ثم افترقوا . فخرج النّعمان فى أهل الكوفة من الأهواز حتى نزل على ماه ، وسرّح أبو سَبْرة المقتربَ حتى ينزل على جندىْ سابور مع زِرّ ، فأقام النعمان بعد دخول ماه ، حتى وافاه أهلُ الكوفة، ثم نهد بهم إلى أهلِ هَاوند ، فلما كان الفتح رجع صاف إلى المدينة ، فأقام بها ، ومات بالمدينة . كتب إلىّ السرىّ، عن شعيب، عن سيف، عن عطيّة ، عمّن أورد فتح السُّوس ، قال : وقيل لأبى سَبْرة : هذا جسد دانيال فى هذه المدينة ، قال : ومالنا بذلك ! فأقرہ بأيديهم - قال عطيّة بإسناده : إنّ دانیال کان لزم أسيافَ فارس بعد بختنصّر؛ فلمّا حضرته الوفاة ، ولم يتر أحداً ممن هو بين ظهرَيْهم على الإسلام ؛ أكرم كتاب اللّه عمّن لم يجبْه ولم يقبل منه ، فأودعه رّبه ، فقال لابنه : ائتِ ساحلَ البحر، فاقذفْ بهذا الكتاب فيه ، فأخذه الغلام ، وضنّ به ، وغاب مقدارَ ما كان ذاهبًا وجائيًا؛ وقال : قد فعلت ، قال : فما صنع البحر حين هوى فيه ؟ قال: لم أره يصنع شيئًا ، فغضب وقال : والله ما فعلتَ الذى أمرتُك به. فخرج من عنده ، ففعل مثل فعلته الأولى ، ثم أتاه فقال : قد فعلت ، فقال : كيف رأيت البحر حين هوى فيه ؟ قال : ماج واصطفق ، فغضب أشدّ من غضبه الأوّل ، وقال: واللّه ما فعلت الذى أمرتُك به بعد، فعزم ابنه على إلقائه فى البحر الثالثة ، ٢٥٦٦/١ ٢٥٦٧/١ (١) كذا فى س وفى ط: ((بظار)). ٩٣ سة ١٧ فانطلق إلى ساحل البحر ، وألقاه فيه ، فانكشف البحر عن الأرض حتى بدت ، وانفجرت(١) له الأرض عن هواء من نور ، فهوَى فى ذلك النور، ثم انطبقت عليه الأرض ، واختلط الماء ، فلما رجع إليه الثالثة سأله فأخبره الخبر، فقال : الآن صدقت. ومات دانيال بالسُّوس؛ فكان هنالك يُستَسقى يجسده ، فلما افتتحها المسلمون أتُوا به فأقرُّوه فى أيديهم ، حتى إذا ولّى أبو سَبْرة عنهم إلى جُنّدىْ سابور أقام أبو موسى بالسُّوس. وكتب إلى مُمَر فيه؛ فكتب إليه يأمره بتوريته ، فكفّنه ودفنه المسلمون . وكتب أبو موسى إلى عمر بأنه كان عليه خاتم وهو عندنا ، فكتب إليه أن تختَّمْه ، وفى فصّه نقش رجل بين أسدين . [ ذكر مصالحة المسلمين أهل جندي سابور ] وفيها - أعنى سنة سبع عشرة - كانت مصالحة المسلمين أهْلَ جُنْدَیْ سابور . ذكر الخبرعن أمرهم وأمرها : كتب إلىّ السرىّ ، عن شعيب، عن سيف ، عن محمد وطلحة وأبى عمرو وأبى سفيان والمهلَّب، قالوا : لما فرغ أبو سَبْرة من السُّوس خرج فى جنده حتى نزل على جُنْدَىْ سابور، وزِرّ بن عبد الله بن كليب محاصرهم؛ فأقاموا عليها يغادونهم ويراوحونهم القتال ؛ فما زالوا مقيمين عليها حتى رُمى إليهم بالأمان من عسكر المسلمين ، وكان فَتْحها وفَتْح نهاوند فى مقدار شهرين(٢)، فلم يفجأ المسلمين إلاّ" وأبوابها (٣) تفتح، ثمّ خرج السَّرْح، وخرجت الأسواق ، وانبثّ أهلها ، فأرسل المسلمون : أن مالكم ؟ قالوا : رميتم إلينا بالأمان فقبلناه ، وأقررنا لكم بالجزاء على أن تمنعونا . فقالوا : ما فعلنا ، فقالوا : ما كذبْنا ، فسأل المسلمون فيما بينهم ؛ فإذا عبد يدعى مُكْنفًا كان أصله منها ؛ هو الذى كتب لهم . فقالوا : إنما هو عبد ، فقالوا : إنا لا نعرف حُرّكم من عبد كم ، قد جاء أمان فنحن علیه قد قبلناه ، ١ / ٢٥٦٨ (١) ابن الأثير: (( وتفجرت)). (٣) س: ((بأبوابها)). (٢) س: ((شهر)). ٩٤ سنة ١٧ ولم نبدّل ؛ فإن شئتم فاغدروا . فأمسكوا عنهم ، وكتبوا بذلك إلى عمر ، فكتب إليهم: إنّ اللّه عظّم الوفاء، فلا تكونون أوفياء حتى تَفُوا، ما دمتم فى شكَ أجيزوهم، وفُوا لهم. فوَفَوْا لهم ، وانصرفوا عنهم . كتب إلىّ السرىّ، عن شعيب ، عن سيف، عن محمد وطلحة والمهلب عمرو ، قالوا : أذن عمر فى الانسياج سنة سبع عشرة فى بلاد فارس، وانتهى فى ذلك إلى رأى الأحنف بن قيس ، وعرف فضله وصدقه ، وفرّق الأمراء والجنود، وأمّر على أهل البصرة أمراء، وأمر على أهل الكوفة أمراء ، وأمر هؤلاء وهؤلاء بأمره ، وأذن لهم فى الانسياح سنة سبع عشرة ، فساحوا فى سنة ثمان عشرة، وأمر أبا موسى أن يسير من البصرة إلى منقطع ذمّة البصرة ؛ فيكون هنالك حتى يحدّث إليه؛ وبعث بألوية مَنْ ولى مع سهيل بن عدّى حليف بنى عبد الأشهل ، فقدم سهيل بالألوية ، ودفع لواء خُراسان إلى الأحنف ابن قيس ، ولواء أردشيرخُرّه وسابور إلى مجاشع بن مسعود السُّلمىّ، ولواء إصطخر إلى عثمان بن أبى العاص الثقفىّ، ولواء فَسَا ودرابجرد إلى سارية بن زُنتَيم الكنانىّ، ولواء كَرْمان مع سهيل بن عدىّ، ولواء سِجِسْتان إلى عاصم ابنِ عمرو - وكان عاصم من الصحابة - ولواء مُكْران إلى الحكم بن عمير التغلَيّ. فخرجوا فى سنة سبع عشرة، فعسكروا ليخرجوا إلى هذه الكُوّر فلم يستّتِبّ مسيرهم، حتى دخلت سنة ثمان عشرة ، وأمدّهم عمر بأهل الكوفة ؛ فأمدّ سهيل بن عدىّ بعيد اللّه بن عبد الله بن عِتْبان، وأمدّ الأحنف بعلقمة ابن النّضر، وبعبد اللّه بن أبى عَقِيل، وبرِبْعىّ بن عامر، وبابن أمّ غزال. وأمدّ عاصم بن عمرو بعيد اللّه بن عمير الأشجعىّ، وأمدّ الحكم بن مُمير بشهاب بن المخارق المازنىّ. قال بعضهم: كان فتح السُّوس ورامهرمز وتوجيه الهرمزان إلى مُمَر من تُسْتَرَ فى سنة عشرين . ٠٠٠ وحجّ بالناس فى هذه السنة - أعنى سنة سبع عشرة - عمر بن الخطاب ؛ ٢٥٧٠/١ وكان عامله على مكة عتّاب بن أسيد، وعلى اليمن يعلى بن أميّة، وعلى اليمامة والبحرين عثمان بن أبى العاص وعلى مُمان حذيفة بن محْصّن ، وعلى ٢٥٦٩/١ ٩٥ سنة ١٧ الشام من قد ذكرت أسماءهم قبل ، وعلى الكوفة وأرضها سعد بن أبى وقاص، وعلى قضائها أبو قُرّة ، وعلى البصرة وأرضها أبو موسى الأشعرى - وقد ذكرت فيما مضى الوقتَ الذى عزل فيه عنها، والوقت الذى ردّ فيه إليها أميراً . وعلى القضاء - فيما قيل - أبو مريم الحنفىّ. وقد ذكرت مَنْ كان على الجزيرة والموصل قبلُ . ثم دخلت سنة ثمان عشرة ذكر الأحداث التى كانت فى سنة ثمان عشرة قال أبو جعفر : وفى هذه السنة - أعنى سنة ثمانَ عشرة - أصابت الناسَ مجاعةٌ شديدة ولَزْبة، وجُدوب وقحوط ؛ وذلك هو العام الذى يسمَّى عام الرّمَادة . [ذكر القحط وعام الرمادة ] حدّثنا ابن حميد ، قال : حدّثنا سلمة ، عن محمد بن إسحاق ، قال : دخلت سنة ثمان عشرة ، وفيها كان عام الرّمادة وطاعون عَمَواس ، فتفانتى فيها الناس . وحدثنى أحمد بن ثابت الرازىّ ، قال : حُدّثت عن إسحاق بن عيسى ، عن أبى معشر ، قال : كانت الرّمادة سنة ثمانَ عشرة . قال : وكان فى ذلك العام طاعون عَمَوَاس . ٢٥٧١/١ كتب إلىّ السرىّ يقول : حدّثنا شعيب، عن سيف، عن الرّبيع وأبى المجالد وأبى عثمان وأبى حارثة ، قالوا : وكتب أبو عبيدة إلى عمر: إنّ نفراً من المسلمين أصابوا الشراب، منهم ضرار، وأبو جندل، فسألناهم فتأوّلوا، وقالوا: خُِرِنا فاخترنا، قال: ﴿فَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُون﴾! ولم يعزم علينا . فكتب إليه عمر : فذلك بيننا وبينهم، ﴿ فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُون ﴾ ؛ يعنى ((فانتهوا)). وجمع الناس ، فاجتمعوا على أن يضربُوا فيها ثمانين جلدة ، ويضمّنوا الفسق من تأوّل عليها بمثل هذا ، فإن أبى قتِل . فكتب عمر إلى أبى عبيدة أن ادعُهم ؛ فإن زعموا أنها حلال فاقتلهم ، وإن زعموا أنها حرام فاجلدهم ثمانين . فبعث إليهم فسألهم على رءوس الناس ، فقالوا : حرام ، فجلدهم ثمانين ثمانين، وحُدّ القوم ، وندموا على الحاجتهم ، ٩٦ ٩٧ سنة ١٨ وقال: ليحدُثَنّ فيكم يا أهل الشام حادث ؛ فحدثت الرّمادة . كتب إلىّ السرىّ ، عن شعيب، عن سيف ، عن عبد الله بن شبرمة عن الشعبيّ بمثله . كتب إلىّ السرىّ، عن شعيب، عن سيف، عن عبيد الله بنعمر، عن نافع ، قال : لما قدم على عمر كتاب أبى عبيدة فى ضرار وأبى جندل ، كتب إلى أبى عبيدة فى ذلك ، وأمره أن يدعوَ بهم على رءوس الناس فيسألهم: ٢٥٧٢/١ أحرام الخمر أم حلال؟ فإن قالوا: حرام، فاجلدهم ثمانين جلدة، واستّتِبْهم ، وإن قالوا: حلال ، فاضرب أعناقهم . فدعا بهم فسألهم ، فقالوا : بل حرام ، فجلدهم ، فاستحيَوا فلزموا البيوت . ووسوس أبو جندل ، فكتب أبو عبيدة إلى عمر: إنّ أبا جندل قد وسوس، إلاّ أن يأتيَه الله على يديك بفرج، فاكتب إليه وذكره ، فكتب إليه عمر وذكره ، فكتب إليه : من عمر إلى أبى جَنْدل ﴿إِنَّ الله لَا يَغْفِرُ أنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءِ﴾، فتبْ وارفع رأسك، وابرز ولا تقنّط، فإنّ اللّه عزّ وجلّ، يقول: ﴿يَا عِبَادِىَ الَّذِينَ أسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْتَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللهِ إِنَّ اللهَ يَغْفِرُ الذِنُوبَ جَمِيعاً إِنَّهُ هُوَ الغَفُورُ الرَّحِيمِ). فلما قرأه عليه أبوعبيدة تطلّق وأُسفر عنه . وكتب إلى الآخرين بمثل ذلك فبرزوا ، وكتب إلى الناس : عليكم أنفسكم، ومَن استوجب التّغيير فغيّروا عليه، ولا تعيّروا أحداً فيفشوَ فيكم البلاء . كتب إلىّ السرىّ ، عن شعيب، عن سيف ، عن محمد بن عبدالله ، عن عطاء نحواً منه ، إلاّ أنه لم يذكر أنه كتب إلى الناس ألا يعيّروهم ، وقال : قالوا: جاشت الروم، دَعُونا نغزوهم، فإن قضى الله لنا الشهادة فذلك، ٢٥٧٣/١ وإلاّ عمَدَتَ للذى يريد. فاستُشهد ضرار بن الأزور فى قوم، وبقى الآخرون فحُدّوا. وقال أبو الزّهراء القُشَيرىّ فى ذلك: أَلَّ تَرَ أنَّ الدهْرَ يُعْثُرُ بالفتى ولَيْسَ على صَرْفِ الْمَنونِ بِقَادِرٍ ٩٨ سنة ١٨ ولَسْتُ عن الصهْباءِ يَوْماً بِصَابِرٍ صَبَرْتُ وَلمْ أَجْزَعْ وَقَدْ ماتَ إِخْوَتى فخُلَّانُهَا يَبْكونَ حَوْلَ المَعَاصِرِ رَمَاها أمير المؤمنين بحَتِفِها كتب إلىّ السرىّ عن شعيب ، عن سيف ، عن الرّبيع بن النعمان وأبى المجالد جراد بن عمرو وأبى عثمان يزيد بن أسيد الغَسّانىّ، وأبى حارثة مُحْرِزِ العَبْشِمىّ بإسنادهم، ومحمد بن عبد الله، عن كريب ، قالوا: أصابت الناس فى إمارة عمر رضى الله عنه سنّةٌ بالمدينة وما حولها ، فكانت تَسْفى إذا رِيحَت (١) ترابًا كالرماد، فسمتىَ ذلك العامُ عامَ الرّمادة، فآلى عمر ألا يذوقَ سمنًا ولا لبنًا ولا لحمًا حتى يحيىَ الناس من أوّل الحيا ، فكان بذلك حتى أحيا الناسُ من أوّل الحيا، فقدمت السوقَ عُكّة من سمن ووطْب من لبن ؛ فاشتراهما (٢) غلام لعمر بأربعين، ثم أتى عمر ، فقال: يا أميرَ المؤمنين، قد أبرّ اللّه يمينك، وعظم أجرك، قدم السوق وطْب من لبن وعكة من سمن، فابتعتهما بأربعين، فقال عمر: أغليتَ بهما، فتصدّقْ بهما ، فإنّى أكره أن آ كل إسرافًا. وقال عمر: كيف يعنينى شأن الرعّة إذا لم يمسَسْنِى ما مسّهم! كتب إلىّ السرىّ ، عن شعيب ، عن سيف ، عن سهل بن يوسف السُّلمىّ ، عن عبد الرحمن بن كعب بن مالك ، قال : كانت فى آخر سنة سبع عشرة وأول سنة ثمان عشرة ، وكانت الرّمادة جوعًا أصاب الناس بالمدينة وما حولها فأهلكهم حتى جعلت الوحشُ تأوى إلى الإنس ، وحتى جعل الرجل يذبح الشاة فيعافها من قُبحها ، وإنّه لمقفر . كتب إلىّ السرىّ ، عن شعيب ، عن سيف ، عن سهل بن يوسف ، عن عبد الرحمن بن کعب ، قال : کان الناس بذلك وعمر کالمحصور عن أهل الأمصار ؛ حتى أقبل بلال بن الحارث المزنيّ ، فاستأذن عليه ، فقال : أنا رسولُ رسول الله إليك؛ يقول لك رسولُ الله صلى الله عليه وسلم: لقد عهدتُك كيّساً ، وما زلت على رِجْل؛ فما شأنك! فقال : متى رأيتَ هذا ؟ قال: البارحة ، فخرج فنادى فى الناس: الصلاة جامعة ! فصلّى بهم ركعتين ؛ (٢) س وابن الأثير: ((فاشتراها)). (١) ريحت : أصابتها الريح. ٢٥٧٤/١ ٩٩ سنة ١٨ ثم قام فقال : أيّها الناس ، أنشُدكم اللّه، هل تعلمون منّى أمراً غيره خيرٌ منه؟ قالوا: اللهم لا، قال: فإن بلال بن الحارث يزعم ذَيّة وذَيّة (١)؛ فقالوا: ١ /٢٥٧٥ صدق بلال ، فاستغث بالله وبالمسلمين ، فبعث إليهم - وكان عمر عن ذلك محصوراً - فقال عمر: الله أكبر! بلغ البلاءُ مدَّته فانكشف ؛ ما أذن لقوم فى الطلب إلاّ وقد رُفِع عنهم البلاء ؛ فكتب إلى أمراء الأمصار : أغيثوا أهلَ المدينة ومن حولها ، فإنه قد بلغ جَهْدهم؛ وأخرج الناس إلى الاستسقاء ، فخرج وخرج معه بالعباس ماشيًا ، فخطب فأوجز ؛ ثم صلى ، ثم جثا لركبتيه، وقال : اللهمّ إيّاك نعبد وإياك نستعين؛ اللهم" اغفرْ لنا وارحمْنا وارضَ عنّا. ثم انصرف، فما بلغوا المنزل راجعين حتى خاضُوا الغُدْران . كتب إلىّ السرىّ ، عن شعيب ، عن سيف ، عن مبشّر بن الفضيل ، عن جُبير بن صخر ، عن عاصم بن عمر بن الخطاب ، قال : قحط الناس زمانَ عمر عامًا، فهُزِل المال ، فقال أهلُ بيت من مُزينة من أهل البادية لصاحبھم : قد بلغنا ، فاذبح لنا شاة ، قال : لیس فیهنّ شىء ، فلم يزالوا به حتى ذبح لهم شاة ، فسلخ عن عظم أحمر ، فنادى: يا محمّداه ! فأرِىَ فيما يرى النائم أنّ رسولَ اللّه صلى الله عليه وسلم أتاه، فقال: أبشِرْ بالحيا(٢)! ائت عمرَ فأقرئه منى السلام، وقل له: إنّ ههدى بك وأنت وفىّ العهد، شديد العقد ، فالكَيْس الكتَيْس يا عمر! فجاء حتى أتى باب عمر ؛ فقال لغلامه: استأذنْ لرسول رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأتى عمر فأخبره، ففزع وقال : رأيتَ به مسًّاً! قال : لا ، قال : فأدخله ، فدخل فأخبره الخبر ، فخرج فنادى فى الناس ، وصعد المنبر ، وقال : أنشدكم بالذى هداكم للإسلام ؛ هل رأيتم منى شيئًا تكرهونه! قالوا: اللهمّ لا، قالوا : ولم ذاك ؟ فأخبرهم ، فقطِنوا ولم يفْطَن ؛ فقالوا : إنما استبطأك فى الاستسقاء ، فاستسقٍ بنا ، فنادى فى الناس ، فقام فخطب فأوجز، ثم صلى ركعتين فأوجز ، ثم قال : اللهمّ عجزت عنّا أنصارنا، وعجزعنا حولُنا وقوّتُنا، وعجزتْ عنا أنفسُنا، ٢٥٧٦/١ (١) ذية وذية، كقولهم : كذا وكذا . (٢) ابن كثير: ((بالحياة)). والحيا: المطر. ١٠٠ سنة ١٨ ولا حولَ ولا قوّة إلا بك ، اللّهمّ فاسقنا، وأَحْىٍ العباد والبلاد ! كتب إلىّ السرىّ ، عن شعيب ، عن سيف، عن الرّبيع بن النعمان وجراد أبى المجالد وأبى عثمان وأبي حارثة ، كلّهم عن رجاء - وزاد أبو عثمان وأبو حارثة: عن عبادة وخالد ، عن عبد الرحمن بن غَنْم - قالوا : كتب عمر إلى أمراء الأمصار يستغيثهم لأهل المدينة ومَن حولها ، ويستمدّهم ، فكان أوّل مَن قدم عليه أبو عبيدة بن الجرّاح فى أربعة آلاف راحلة من طعام ، ٢٥٧٧/١ فولاه قسمتتها فيمن حول المدينة؛ فلمّا فرغ ورجع إليه أمر له بأربعة آلاف درهم ، فقال: لا حاجةَ لى فيها يا أمير المؤمنين؛ إنما أردت اللّه وما قبله ، فلا تدخل علىّ الدنيا ، فقال : خذها فلا بأس بذلك إذ لم تطلبه ، فأبى فقال: خُذْها فإنّى قد وليت لرسول الله صلى الله عليه وسلم مثل هذا ، فقال لى مثل ما قلت لك ، فقلتُ له كما قلتَ لى فأعطانى. فقبل أبو عبيدة وانصرف إلى عمله، وتتابع الناس واستغنى أهل الحجاز، وأحْيَوْا مع أوّل الحيا. وقالوا بإسنادهم : وجاء كتاب عمرو بن العاص جواب كتاب عمر فى الاستغاثة: إن البحر الشامىّ حُفر لمبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم حفيراً، فصبّ فى بحر العرب، فسدّه الروم والقِبْط ، فإن أحببت أن يقوم سعر الطعام بالمدينة كسعره بمصر، حفرتُ له نهراً وبنيت له قناطر . فكتب إليه عمر: أن افعل وعجّل ذلك؛ فقال له أهل مصر: خراجك زاجٍ (١)، وأميرك راضٍ؛ وإن تمّ هذا انكسر الخراج . فكتب إلى عمر بذلك ، وذكر أن فيه انكسار خراج مصر وخرابها . فكتب إليه عمر: اعمل فيه وعجّل، أخرب اللّه مصر فى عمران المدينة وصلاحها ، فعالجه عمرو وهو بالقُلْزم ، فكان سعر المدينة كسعر مصر، ولم يزِدْ ذلك مصر إلاّ رخاء، ولم يرَ أهل المدينة بعد الرّمادة مثلها ، حتى حُبس عنهم البحر مع مقتل عثمان رضى اللّه عنه . فذلُوا وتقاصروا وخشعوا . (١) يقال: زجا الخراج زجاء فهو زاج، إذا تيسرت جبايته. ٠