النص المفهرس
صفحات 61-80
٦١ سنة ١٧ ٢٥١٨/١ ذلك عمرَ ، كتب إلى أبى عبيدة ليستخرجه منه : أن سلام عليك ، أمّا بعد ، فإنه قد عرضتْ لى إليك حاجة أريد أن أشافهك فيها ، فعزمت عليك إذا نظرت فى كتابى هذا ألاّ تضعه من يدك حتى تقبل إلىّ. قال : فعرف أبو عبيدة أنه إنما أراد أن يستخرجه من الوباء، قال (١): يغفر الله لأمير المؤمنين ! ثم" كتب إليه : يا أميرَ المؤمنين، إنى قد عرفت حاجتك إلىّ ، وإنى فى جند من المسلمين لا أجد بنفسى رغبة عنهم ، فلست أريد فراقهم حتى يقضى الله فىّ وفيهم أمره وقضاءه؛ فحلِّلنى (٢) من عزمتك يا أمير المؤمنين، ودَعْنى فى جندى . فلما قرأ عمر الكتاب بكتى ، فقال الناس : يا أمير المؤمنين ، أمات أبو عبيدة ؟ قال: لا، وكأنْ قدْ . قال : ثم كتب إليه : سلام عليك، أما بعد، فإنك أنزلتَ الناس أرضًا غَمِقة (٣)، فارفعهم إلى أرض مرتفعة نَزِهة. فلما أتاه كتابه دعانى فقال : يا أبا موسى، إنّ كتاب أمير المؤمنين قد جاءنى بما ترى ، فاخرج فارتدْ للناس منزلا حتى أتبعك بهم ، فرجعتُ إلى منزلى لأرتحل ، فوجدت صاحبتى قد أصيبت ، فرجعت إليه ، فقلت له : والله لقد كان فى أهلى حَدَث، فقال: لعلّ صاحبتك أصيبت! قلت : نعم ، قال: فأمر ببعيره فرحيل له ، فلما وضع رجلَه فى غَرْزه طُعِن، فقال: والله لقد أصِبْت. ثم سار بالناس حتى نزل الجابية، ورُفِع عن الناس الوباء . حدّثنا ابنُ حميد ، قال : حدثنا سلّمة ، عن محمد بن إسحاق ، عن أبان بن صالح ، عن شهر بن حوشب الأشعرىّ ، عن رابة ۔۔ رجل من قومه، وكان قد خلّف على أمه بعد أبيه، كان شهد طاعون ◌َمَواس - قال: لما ٢٥١٩/١ اشتعل الوجع قام أبو عبيدة فى الناس خطيبًا، فقال : أيّها الناس ، إنّ هذا الوجع رحمة بكم ودعوة نبيكم محمد صلى الله عليه وسلم ، وموت الصالحين قبلكم، وإنّ أبا عبيدة يسأل الله أن يقسم له منه حظّه. فطُعِن فمات، (١) ابن كثير: ((فقال)). (٢) ابن الأثير وابن كثير: ((فخلى)). (٣) غمقة، من الغمق؛ وهو فساد الريح وخمومها، وفى ط: ((عميقة))، وما أثبته من الفائق ٢ : ٢٣٦ ٦٢ سنة ١٧ واستُخلِف على الناس معاذ بن جبل . قال : فقام خطيبًا بعده ، فقال : أيها الناس، إنّ هذا الوجع رحمة ربكم ، ودعوة نبيكم وموت الصالحين قبلكم ، وإن مُعاذاً يسأل الله أن يقسم لآل مُعاذ منه حظهم ، فطُعِن ابنه عبد الرحمن بن مُعاذ ، فمات . ثمّ قام فدعا به لنفسه ، فطعِن فى راحته ؛ فلقد رأيتُه ينظر إليها ثم يقبّل ظهرَ كفه، ثم يقول: ما أحبّ أنّ لى بما فيك شيئًا من الدنيا، فلما مات استُخلف على الناس عمرو بن العاص ، فقام خطيبًا فى الناس، فقال: أيها الناس، إنّ هذا الوجع إذا وقع فإنما يشتعل اشتعال النار، فتجبَّلوا (١) منه فى الجبال. فقال أبو واثلة الهُدَلىّ: كذبت؛ والله لقد صحبتُ رسولَ اللّه صلى اللّه عليه وسلم وأنت شرّ من حمارى هذا! قال: والله ما أردّ عليك ما تقول، وإيمُ اللّه لا نقيم عليه. ثم خرج وخرج الناس فتفرّقوا، ورفعه اللّه عنهم. قال: فبلغ ذلك عمر بن الخطاب من رأى عمرو بن العاص ، فوالله ما كرهه . ٢٥٢٠/١ حدّثنا ابنُ حميد ، قال : حدثنا سلّمة ، عن ابن إسحاق ، عن رجل ، عن أبى قلابة عبد الله بن زيد الجَرْمىّ ، أنه كان يقول: بلغنى هذا من قول أبى عبيدة وقول معاذ بن جبل: إنّ هذا الوَجع رحمة بكم ودعوة نبیکم ، وموت الصالحین قبلكم ؛ فکنتُ أقول : کیف دعا به رسولُ الله صلى اللّه عليه وسلم لأمّته ، حتى حدثنى بعضُ من لا أتّهم عن رسول الله أنّه سمعه منه، وجاءه جبريل عليه السلام فقال: ((إن فناء أمتك يكون بالطعن أو الطاعون)»؛ فجعل رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: اللهم فتناء الطاعون!)) فعرفت أنها التى كان قال أبو عبيدة ومُعاذ . حدثنا ابنُ حُميد ، قال : حدثنا سلمة ، عن محمد بن إسحاق ، قال : ولما انتهى إلى عمر مصابُ أبى عبيدة ويزيد بن أبى سفيان، أمر معاوية ابن أبى سفيان على جُند دمشق وخراجها، وأمرَ شُرحبيل بن حَسنة على جُند الأردن" وخراجها. وأما سيف ، فإنه زعم أن طاعون عَمَواس كان فى سنة سبع عشرة . (١) تجبل القوم ، أى دخلوا فى الجبل. --. --------- ٦٣ سنة ١٧ كتب إلىّ السرىّ، عن شعيب ، عن سيف، عن أبى عثمان وأبى حارثة والربيع بإسنادهم ، قالوا : كان ذلك الطاعون - يعنون طاعون ◌َمَواس - موتانًا لم يُرّ مثله، طمع له العدوّ فى المسلمين، وتخوّفت (١) له قلوب المسلمين، كَثُر موته ، وطال مكفُه ، مكث أشهراً حتى تكلّم فى ذلك الناس . ٢٥٢١/١ كتب إلىّ السرىّ ، عن شعيب ، عن سيف ، عن عبد الله بن سعيد ، عن أبى سعيد ، قال : أصاب البصرة من ذلك موت ذريع ، فأمر رجل من بنى تميم غلامًا له أعجميًّا أن يحمل ابنًا له صغيراً ليس له ولد غيره على حمار، ثم یسوق به إلى سفوان، حتى يلحقه. فخرج فى آخر الليل ثم اتبعه ، وقد أشرف على سفَوان ، ودنا من ابنه وغلامه ، فرفع الغلام عقيرته (٢) يقول : لَنْ يُعْجِزُوا الله على حِمَارِ ولا على ذى غُرَّةٍ مُطَارٍ • قد يُصْبِحُ المَوْتُ أمامَ السارى. فسكت حتى انتهى إليهم، فإذا هم هم؛ قال : ويحك ، ما قلت ! قال : ما أدرى، قال: ارجعْ ، فرجع بابنه، وعلم أنه قد أسمع آيةً وأُرِيتَها . قال : وعزم رجل على الخروج إلى أرض بها الطاعون فتردد بعد ما طُعن ، فإذا غلام له أعجمىّ يحدو به : يأيُّها الْمُشْعَرُ هَمَّا لا تُهُمْ إِنَّكَ إِنْ تُكْتَبْ لك الحِّى تُحَمْ ٠ ٠ وفى هذه السنة - أعنى سنة سبع عشرة - كان خروج عمر إلى الشأم الخرْجة الأخيرة فلم يعد إليها بعد ذلك فى قول سيف؛ وأما ابن إسحاق فقد مضى ذكره . ٢٥٢٢/١ • ذكر الخبر عن سيف فى ذلك، والخبر عمّا ذكره عن عمر فى خرجته تلك أنه أحدث فى مصالح المسلمين: كتب إلىّ السرىّ ، عن شعيب ، عن سيف ، عن أبى عثمان وأبى حارثة والرّبيع ، قالوا : وخرج عمر وخلف عليًّا على المدينة ، وخرج معه بالصحابة (١) س: ((وتخرقت)). (٢) عقيرته، أى صوته. ٦٤ سنة ١٧ وأغذُّوا السير واتّخذَ أيلة طريقًا؛ حتى إذا دنا منها تنحَى عن الطريق، واتّبعه غلامه ، فنزل فبال ، ثم عاد فركب بعير غلامه ، وعلى رَحْله فَرْو مقلوب ، وأعطى غلامه مركبه ، فلمّا تلقّاه أوائلُ الناس ، قالوا: أين أمير المؤمنين ؟ قال: أمامكم - يعنى نفسه - وذهبوا هم إلى أمامهم ، فجازوه حتى انتهى هو إلى أيلة فنزلها وقيل للمتلقِّين: قد دخل أميرُ المؤمنين أيْلة ونزلها . فرجعوا إليه . كتب إلىّ السرىّ ، عن شعيب ، عن سيف ، عن هشام بن عروة ، عن أبيه ، قال : لما قدم عمر بن الخطاب أيْلة، ومعه المهاجرون والأنصار دفع قميصًا له كرابيس (١) قد انجابَ مؤخّره (٢) عن قَعْدته من طول السير إلى الأسقفّ ، وقال : اغسل هذا وارقعه، فانطلق الأسقفّ بالقميص، ورقعه ، وخاط له آخر مثلَه ، فراح به إلى عمر ، فقال : ما هذا ؟ قال الأسقفّ: أمّا هذا فقميصك قد غسلتُه ورقعته، وأما هذا فكسوة لك منى . فنظر إليه عمر ومسحه ، ثم لبس قميصه ، وردّ عليه ذلك القميص ، وقال : هذا أنشفُهما للعرّق . ٢٠٢٣/١ كتب إلىّ السرىّ ، عن شعيب، عن سيف ، عن عطيّة وهلال، عن رافع بن عمر ، قال : سمعتُ العباس بالجابية يقول لعمر : أربع مَن عميل بهنّ استوجب العدل: الأمانة فى المال، والتسوية فى القَسْ، والوفاء بالعِدَة ، والخروج من العيوب ؛ نظِّف نفسك وأهلك . كتب إلىّ السرىّ ، عن شعيب عن سيف ، عن أبى عثمان والربيع وأبي حارثة بإسنادهم ، قالوا: قسم عمر الأرزاق، وسمّى الشواتِىَ والصوائف، وسدّ فروجَ الشأم ومسالِحها، وأخذ يدور بها، وسمَى ذلك فى كلّ كُورة ، واستعمل عبد الله بن قيس على السواحل من كلّ كورة ، وعزل شرحبيل ، واستعمل معاوية ، وأمّر أبا عبيدة وخالداً تحته ، فقال له شرحبيل : أعن (١) كرابيس: جمع كرباس؛ وهو القطن؛ وفى اللسان: ((وفى حديث عمر رضى (٢) انجاب : انشق. اللّه عنه: وعليه قميص من كرابيس)). ٦٥ سنة ١٧ سُخطة عزلتَنى يا أمير المؤمنين ؟ قال : لا ، إنك لكما أحبّ ، ولكنى أريد رجلاً أقوى من رجل ، قال : نعم ، فاعذْرنِى فى الناس لاتُدركنى هُجْنة، فقام فى الناس، فقال: أيّها الناس، إنَى والله ما عزلتُ شُرحبيل عن سخطة، ولكنى أردت رجلا أقوى من رجل . وأمَّر عمرو بن عَبَسة على الأهراء ، وسمى كلّ شيء ، ثم قام فى الناس بالوَدَاع. كتب إلىّ السرىّ ، عن شعيب ، عن سيف، عن أبى ضَمْرة وأبى عمرو، عن المستورد ، عن عدىّ بن سُهيل، قال : لما فرغ عمر من فروجه وأموره قسم المواريث ، فورّث بعضَ الورثة من بعض، ثم أخرجها إلى ٢٥٢٤/١ الأحياء من ورثة كلّ امرئ منهم . كتب إلىّ السرىّ ، عن شعيب ، عن سيف ، عن مجالد ، عن الشعبىّ: وخرج الحارث بن هشام فى سبعين من أهل بيته(١) ، فلم يرجع منهم إلا أربعة ، فقال المهاجر بن خالد بن الوليد : والشأمُ إن لم يُفِنِنا كارِبُ مَنْ يَسْكُنِ الشّأْمَ یُغُرِّشْ بِهِ عِشرون لم يُقصَصْ لهم شارِبُ أَفَى بَى رَيْطَةَ فُرْسِاُهُمْ لِمِثلِ هذا أعْجِبَ العاجِبُ ومِنْ بَنِى أَعِمَامِهِمْ مِثْلَهُم ذلك ما خَطّ لنا الكاتِبُ طعناً وطاعونَاَ مَناياهُمُ قال : وقَفَل عمر من الشأم إلى المدينة فى ذى الحجة، وخطب حين أراد القفول، فحمد الله وأثنى عليه، وقال: ألا إنى قد ولِّيتُ عليكم وقضيتُ الذى علىّ فى الذى ولاّنى الله من أمركم، إن شاء اللّه قسطْنا بينكم فيئكم ومنازلكم ومغازيكم، وأبلغنا ما لديكم، فجنَّدنا لكم الجنود ، وهيَّأنا لكم الفروج ، وبوّأنا كم (٢) ووسَّعنا عليكم ما بلغ فيثْكم وما قاتلتم عليه من شأمكم ، وسمّينا لكم أطماعكم، وأمرنا لكم بأعطياتكم (٣)، وأرزاقكم ومغانمكم (٤) (١) ابن كثير: ((من أهله)). (٢) ابن كثير: ((وبوأنا لكم)). (٣) كذا فى ابن كثير، وفى ط: ((بإعطائكم)). (٤) كذا فى ابن كثير، وفى ط: ((ومعاونكم)). ٦٦ سنة ١٧ ٢٥٢٥/١ من علم على شىء ينبغى العمل به فبلغنا (١) نعمل" به إن شاء الله، ولا قوّة إلاّ بالله. وحضرت الصلاة ، وقال الناس: لو أمرتَ بلالا فأذّن! فأمره فأذّن، فما بقىَ أحدٌ كان أدرك رسول الله صلى الله عليه وسلم وبلال يؤذّن له إلاّ بكى حتى بلّ لحيته، وعمر أشدّهم بكاء، وبكى مَنْ لم يدركه بيكانهم ، ولذ کره صلى الله عليه وسلم . ٠ [ ذكر خبر عزل خالد بن الوليد ] كتب إلىّ السرىّ، عن شعيب، عن سيف ، عن أبى عثمان وأبي حارثة ، قالا : فما زال خالد على قِنَّسرين حتى غزا غَزْوته التى أصاب فيها ، وقسم فيها ما أصاب لنفسه . كتب إلىّ السرىّ ، عن شعيب ، عن سيف ، عن أبى المجالد مثله. قالوا : وبلغ عمرَ أنّ خالداً دخل الحمام، فتدلّك بعد النورة بثخين عصفر معجون بخمر ؛ فكتب إليه : بلغنى أنك تدلّكت بخمر؛ وإنّ اللّه قد حرّمٌ ظاهرَ الخمر وباطنه ، كما حرّم ظاهر الإثم وباطنه ، وقد حرّم مسّ الخمر إلاّ أن تغسَل كما حرّم شربها، فلا تُمِسّها أجسادكم فإنّها نَجَس، وإن فعلتم فلا تعودوا . فكتب إليه خالد : إنّا قتلناها فعادت غَسُولا غير خمر. فكتب إليه عمر : إنّ أظن آل المغيرة قد ابتُلُوا بالجفاء ، فلا أماتكم اللّه عليه ! فانتهى إليه ذلك . وفى هذه السنة۔۔ أعنی سنة سبع عشرة۔۔ أدرب (٢) خالد بن الوليد وعیاض ابن غَنْم فى رواية سيف عن شيوخه . (١) ابن كثير: ((فليعلمنا)). (٢) الدرب فى الأصل: المضيق فى الجبال؛ وأطلق على كل مدخل إلى بلاد الروم. ٦٧ سنة ١٧ • ذكر من قال ذلك : كتب إلىّ السرىّ، عن شعيب، عن سيف ، عن أبى عثمان وأبي حارثة ٢٥٢٦/١ والمهلّب، قالوا : وأدرب سنة سبع عشرة خالد وعياض ، فسارا فأصابا أموالا عظيمة، وكانا توجها من الجابية ، مرجِعَ عمر إلى المدينة، وعلى حِمْص أبو عبيدة وخالد تحت يديه على قِنَّسرين، وعلى دمشق يزيد بن أبى سفيان ، وعلى الأردن" معاوية، وعلى فلسطين علقمة بن مجزّز، وعلى الأهراء عمرو ابن عبَسة، وعلى السواحل عبد الله بن قيس، وعلى كلّ عَمَل عامل . فقامت مسالح الشأم ومصر والعراق على ذلك إلى اليوم لم تَجُزْ أمّة إلى أخرى عملَها بعدُ ؛ إلاّ أن يقتحموا عليهم بعد كُفْرٍ منهم، فيقدّموا مسالحَهم بعد ذلك ، فاعتدل ذلك سنة سبع عشرة . كتب إلىّ السرىّ ، عن شعيب ، عن سيف، عن أبى المجالد وأبى عثمان والربيع وأبى حارثة ، قالوا : ولما قفل خالد وبلغ الناسَ ما أصابت تلك الصّائفة انتجعه رجال ، فانتجع خالداً رجالٌ من أهل الآفاق ، فكان الأشعث بن قيس ممّن انتجع خالداً بقِنَّسرين ، فأجازه بعشرة آلاف . وكان عمر لا يَخْفَى عليه شىء فى عمله ، كُتب إليه من العراق بخروج مَن خرج ، ومن الشأم بجائزة من أجِيز فيها - فدعا البريد ، وكتب معه إلى أبى عبيدة أن يقيم خالداً ويعقله بعمامته ، وينزع عنه قلنسُوته حتى يعلمهم من أين إجازة الأشعث؛ أمن ماله أم من إصابة أصابها ؟ فإن زعم أنها من إصابة أصابها فقد أقرّ بخيانة ، وإن زعم أنها من ماله فقد أسرف . واعزله على كلّ حال، واضمم إليك عمله. فكتب أبو عبيدة إلى خالد، فقدم ٢٠٢٧/١ عليه، ثم جمع الناس وجلَس لهم على المنبر ، فقام البريد فقال : يا خالد، أمن مالك أجزت بعشرة آلاف أم من إصابة ؟ فلم يجبه حتى أكثر عليه ، وأبو عبيدة ساكت لا يقول شيئاً، فقام بلال إليه، فقال: إنّ أمير المؤمنين أمر فيك بكذا وكذا ، ثم تناول قلنسوته فعقله بعمامته وقال: ماتقول! أمن مالك أم من إصابة ؟ قال: لابل من مالى، فأطلقه وأعادقلنسوته ثم عمّمه بيده، ثم قال: نسمع ونطيع لولاتنا، ونفخم ونخدم موالينا. قالوا: وأقام خالد متحيراً لا يدرى أمعزول ٦٨ سنة ١٧ أم غيرُ معزول ؟ وجعل أبو عبيدة لا يخبره حتى إذا طال على عمرَ أن يقدم ظنّ الذى قد كان ، فكتب إليه بالإقبال ، فأتى خالد أبا عبيدة ، فقال : رحمك الله ، ما أردت إلى ما صنعت ! كتمتَنِى أمرًا كنت أحبّ أن أعلمه قبل اليوم! فقال أبو عبيدة: إنىّ والله ما كنت لأروعك ما وجدت لذلك بدًّا، وقد علمت أن ذلك يروعك . قال : فرجع خالد إلى قنَّسرين ، فخطب أهل عمله وودّعهم وتحمّل، ثم أقبل إلى حمص فخطبهم وودعهم ، ثمّ خرج نحو المدينة حتى قدم على عمر ، فشكاه وقال : لقد شكوتك إلى المسلمين ؛ وبالله إنّك فى أمرى غير مجمل يا عمر ، فقال عمر: من أين هذا الشَّرَاء ؟ قال: من الأنفال والسُّهمان ، ما زاد على الستين ألفًا فلك. فقوّم عمر عُروضه فخرجت إليه عشرون ألفًا ، فأدخلها بيت المال . ثم قال : يا خالد ، ٢٥٢٨/١ والله إنك علىّ الكريم، وإنك إلىّ الحبيب، ولن تعاتبنى بعد اليوم على شىء. كتب إلىّ السرىّ ، عن شعيب ، عن سيف ، عن عبد الله بن المستورد، عن أبيه ، عن عدىّ بن سهيل ، قال : كتب عمر إلى الأمصار : إنى لم أعزل خالداً عن سُخْطة ولا خيانة، ولكنّ الناس فتنوا به، فخفت أن يُوكّلوا إليه ويبتلوا به، فأحببت أن يعلموا أنّ اللّه هو الصانع، وألا" يكونوا بعرض فتنة . كتب إلىّ السرىّ، عن شعيب، عن سيف ، عن مبشِّر، عن سالم ، قال : لما قدم خالد على عمر قال عمر متمثّلًا : صَفَعْتَ فَلَمْ يَصْنَعْ كَمُنْكَ صانِعٌ وما يَصْنَعِ الأنْوَامُ فَاللهُ يَصْنَعُ فأغرمه شيئًا، ثمّ عوّضه، وكتب فيه إلى الناس بهذا الكتاب ليعذره عندهم وليبصّرَهم . [ ذكر تجديد المسجد الحرام والتوسعة فيه ] وفى هذه السنة - أعنى سنة سبع عشرة - اعتمر عمر، وبنى المسجد الحرام - فيما زعم الواقدىّ - ووسَّع فيه ، وأقام بمكة عشرين ليلة ، وهدم على أقوام أبوا أن يبيعوا، ووضع أثمان دورهم فى بيت المال حتى أخذوها. ٦٩ سنة ١٧ قال : وكان ذلك الشهر الذى اعتمر فيه رجب ، وخلّف على المدينة زيد بن ثابت . قال الواقدىّ : وفى عمرته هذه أمر بتجديد أنصاب الحرم ، فأمر بذلك مخرمة بن نوفل والأزهر بن عبد عوف وحُوَّيَطب بن عبد العزّى وسعيد بن يربوع . ٢٠٢٩/١ قال: وحدّثنى كثير بن عبد اللّه المزنىّ، عن أبيه ، عن جدّه، قال : قدمنا مع عمر مكة فى عمرته سنة سبع عشرة ، فمرّ بالطريق فكلّمه أهل المياه أن يبتنوا منازل بين مكة والمدينة - ولم يكن قبل ذلك بناء - فأذن لهم ، وشرط عليهم أنّ ابن السبيل أحقّ بالظلُّ والماء . قال : وفيها تزوّج عمر بن الخطاب أمّ كلثوم ابنة علىّ بن أبى طالب، وهى ابنة فاطمة بنت رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، ودخل بها فى ذى القعدة . [ذكر خبر عزل المغيرة عن البصرة وولاية أبى موسى] قال : وفى هذه السنة ولى عمر أبا موسى البصرة، وأمره أن يُشخص إليه المغيرة فى ربيع الأول - فشهد عليه - فيما حدّثنى معمر، عن الزهرىّ، عن ابن المسيّب - أبو بَكْرة، وشِبْل بن معبد البَجَلى"، ونافع بن كلدة ، وزياد. قال : وحدثنى محمد بن يعقوب بن عُتْبة، عن أبيه ، قال : كان يختلف إلى أمّ جميل، امرأة من بنى هلال ؛ وكان لها زوْج هلك قبل ذلك من ثقيف ، يقال له الحجّاج بن عُبيد، فكان يدخل عليها ، فبلغ ذلك أهل البصرة ، فأعظموه، فخرج المغيرة يوماً من الأيام حتى دخل عليها، وقد وضعوا عليها الرّصد ، فانطلق القوم الذين شهدوا جميعًا ، فكشفوا الستر ، وقد واقعها . فوفد(١) أبو بكرة إلى عمر، فسمع صوته وبينه وبينه حجاب، فقال: أبو بكثرة ؟ قال : نعم ، قال : لقد جئت لشرّ، قال: إنما جاء بى المغيرة، ثم قصّ عليه القصّة، فبعث عمر أبا موسى الأشعرىّ عاملا، وأمره ٢٥٢٠/١ (١) ط: ((فكتب)) وانظر اليعقوبى ٢ : ١٢٤ ٧٠ سنة ١٧ أن يبعث إليه المغيرة، فأهدى المغيرة لأبى موسى عقيلةَ ، وقال : إنى رضيتها لك ، فبعث أبو موسى بالمغيرة إلى عمر . قال الواقدى : وحد ٹنی عبدُ الرحمن بن محمد بن أبى بكر بن محمد ابن عمرو بن حزم ، عن أبيه ، عن مالك بن أوس بن الحد ثان ، قال : حضرتُ عمر حين قُدم بالمغيرة ، وقد تزوّج امرأة من بنى مرّة ، فقال له : إنك لفارغ القلب ، طويل الشَّبَق ، فسمعتُ عمر يسأل عن المرأة . فقال : يقال لها الرقطاء ، وزوجها من ثقيف ، وهو من بنى هلال . ٠٠٠ قال أبو جعفر : وكان سبب ما كان بين أبى بكرة والشهادة عليه - فيما كتب إلىّ السرىّ، عن شعيب، عن سيف، عن محمد والمهلّب وطلحة وعمرو بإسنادهم ، قالوا : كان الذى حدث بين أبى بكرة والمغيرة بن شعبة أنّ المغيرة كان يناغيه ، وكان أبو بكرة ينافره عند كلّ ما يكون منه ، وكانا بالبصرة ، وكانا متجاوريْن بينهما طريق ، وكانا فى متَشْربتيْن متقابلتين لهما فى داريْهما فى كلّ واحدة منهما كُوّة مقابلة الأخرى ، فاجتمع إلى أبى بكثرة نفرٌ يتحدّثون فى مشربته، فهبّت ريح(١)، ففتحت باب الكوّة، فقام أبو بكرة ليتَصْفقه ، فبصُر بالمغيرة ، وقد فتحت الريح باب كوّة مشربته، وهو بين رِجْلتى امرأة ، فقال للنّفر: قوموا فانظروا ، فقاموا فنظروا ، ثم قال: اشهدوا، قالوا: مَن هذه ؟ قال: أمّ جميل ابنة الأفقم - وكانت أمّ جميل إحدى بنى عامر بن صعصعة ، وكانت غاشيةً للمغيرة ، وتغشى الأمراء والأشراف - وكان بعض النساء يفعلن ذلك فى زمانها - فقالوا : إنما رأينا أعجازاً ، ولا ندرى ما الوجه ؟ ثم إنهم صمموا حين قامت ، فلما خرج المغيرة إلى الصلاة حال أبو بكرة بينه وبين الصلاة وقال: لا تصلّ بنا. فكتبوا إلى عمر بذلك ، وتكاتبوا ، فبعث عمر إلى أبى موسى ، فقال : يا أبا موسى ، إنى مستعملك ؛ إنى أبعثك إلى أرض قد باضَ بها الشيطان وفرّخ ، فالزم ما تعرف، ولا تستبدلْ فيستبدل الله بك. فقال: يا أميرَ المؤمنين، ! (١) ابن الأثير والنويرى: ((الريح)). ٢٥٣١/١ ٧١ سنة ١٧ أعنّى بعدّة من أصحاب رسول اللّه من المهاجرين والأنصار، فإنَّى وجدتهم فى هذه الأمة وهذه الأعمال كالملح لا يصلح الطعام إلاّ به . فاستعين بمن أحببتَ . فاستعان بتسعة وعشرين رجلا ؛ منهم أنس بن مالك وعمران بن حُصّين وهشام بن عامر . ثمّ خرج أبو موسى فيهم حتى أناخ بالمِرْبد ، وبلغ المغيرة أنّ أبا موسى قد أناخ بالمِرْبد فقال: والله ما جاء أبو موسى زائراً ، ولا تاجراً ، ولكنّه جاء أمیراً . فإنهم لغی ذلك ، إذ جاء أبو موسى حتى دخل عليهم ، فدفع إليه أبو موسى كتابًا من عمر ، وإنه لأوجزُ كتاب كتَب به أحد من الناس ؛ أربعَ كليمٍ عزل فيها ، وعاتب ، واستحثّ ، وأمّر : أما بعد ، فإنه بلغنى نبأ عظيم، فبعثتُ أبا موسى أميراً، فسلم [إليه](١) ما فى يدك (٢)، والعجّل. وكتبَ إلى أهل البصرة: أمّا بعدُ، فإنى قد بعثت أبا موسى أميراً علیکم ، ليأخذ لضعیفکم من قوتكم ، ولیقاتل بكم عدوّ کم ، وليدفع عن ذمتكم(٣)، وليُحصىَ لكم فيئكم ثم ليقسمه بينكم، ولينقى لكم طرقكم (٤) . ٢٥٣٢/١ وأهدى له المغيرة وليدةً من مولّدات الطائف تدعى عقيلة ، وقال : إنى قد رضيتُها لك - وكانت فارهة - وارتحل المغيرة وأبو بكثرة ونافع بن كلّدة وزياد وشمْل بن معبد البَجَلىّ حتى قدموا على عمر، فجمع بينهم وبين المغيرة، فقال المغيرة: سلْ هؤلاء الأعبُد كتيف رأوْنى؛ مستقبلتهم أو مستدبرَهم ؟ وكيف رأوا المرأة أو عرفوها ؟ فإن كانوا مستقبلىّ فكيف لم أستتر(٥)، أو مستدبرىّ فبأىّ شىء استحدُّوا النظر إلىّ فى منزلى على امرأتى! والله ما أتيت إلاّ امرأتى - وكانت شبهتها (٦) - فبدأ بأبى بكثرة ، فشهد عليه أنه رآه بين رجلىْ أمّ جميل وهو يدخله ويخرجه كالميل فى المکحلة ، قال : كيف رأيتتهما؟ قال مستدبر هما، قال: فكيف استثبتّ(٧) رأسها ؟ قال: تحاملت . ثم دعا بشِبْل بن معبد، فشهد بمثل ذلك، فقال: استدبرتَهما أو استقبلتهما؟ (٢) س، ابن الأثير: ((يديك)). (١) من ابن الأثير والنويرى . (٤) ابن الأثير: ((طريقكم)). (٣) ابن الأثير: ((دينكم)). ٢٥٣٣/١ (٥) ابن كثير: ((لم يستتروا)). (٦) ابن الأثير وابن كثير والنويرى: ((تشبهها)). (٧) س: ((استبنت)). ١ ٧٢ سنة ١٧ قال : استقبلتُهما . وشهد نافع بمثل شهادة أبى بكرة ، ولم يشهد زياد بمثل شهادتهم ؛ قال : رأيته جالسًا بين رجلى امرأة ، فرأيت قدمين مخضوبتين تخفقان ، واستين مكشوفتين ، وسمعت حفزانًاً شديداً . قال : هل رأيت كالميل فى المكحلة ؟ قال : لا ، قال : فهل تعرف المرأة؟ قال : : لا، ولكن أشبّهها ، قال : فتنحّ ، وأمر بالثلاثة فجلدوا الحدّ، وقرأ: ﴿فإذْ لمَ يَأْتُوا بِالشُّهَدَاءِ فَأُولَئِكَ عِنْدَ اللهِ هُمُ الْكَاذِبُون﴾ (١)، فقال المغيرة: اشفى من الأعبد ، فقال: اسكت أسكت اللّه نأمتَك! أما والله لو تمّت الشهادة لرجمتك بأحجارك . ٠ # [ فتح سوق الأهواز ومناذر ونهر تیری ] وفى هذه السنة - أعنى سنة سبع عشرة - فتحت سوق الأهواز ومناذر ونهر ٢٥٣٤/١ تيرى فى قول بعضهم، وفى قول آخرين: كان ذلك فى سنة ستّ عشرة من الهجرة. * ذكر الخبر عن سبب فتح ذلك وعلى يدئْ من جرى : كتب إلىّ السرىّ، يذكر أن شعيبًا حدّثه عن سيف بن عمر ، عن محمد وطلحة والمهَلّب وعمرو، قالوا : كان الهُرمزان أحدَ البيوتات السبعة فى أهل فارس ، وكانت أمّته مِهْرَجان قتَذَق وكُوَر الأهواز ، فهؤلاء بيوتات دون سائر أهل فارس ، فلما انهزم يوم القادسية كان وجهُه إلى أمّته ، فلكهم وقاتل بهم من أرادهم ، فكان الهُرْمزان يُغير على أهل متَيْسان ودسْتِمَيْسان من وجهين، من منَذر ونهرتيرى، فاستمدّ عتبة بن غَزْوان سعداً ، فأمدّه سعد بنعيم بن مُقْتَرّن ونعيم بن مسعود ، وأمرهما أن يأتيا أعلى مَيْسان ودَسْتِمَيْسَان حتى يكونا بينهم وبين نهر تيرَى. ووجّه عُشَبَة ابن غَزْوان سُلْمى بن القيْن وحَرْملة بن مُرّيطة - وكانا من المهاجرين مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهما من بنى العدوّية من بنى حنظلة - فنزلا على حدود أرض مَيْسان ودَسْتِمَيْسَان، بينهم وبين مناذر، ودعتوّا (١) سورة النور ٣٣ ٧٣ سنة ١٧ بنى العمر، فخرج إليهم غالب الوائلىّ وكليب بن وائل الكليىّ، فتركا ٢٥٣٥/١ نُعيمًا ونُعيمًا (١) ونكبا عنهما، وأتيا سُلْمى وحَرْملة، وقالا: أنتما من العشيرة، ولیسلکما مترك، فإذا کان یوم کذا و کذا فانهدا للهرمزان، فإنّ أحدنا يثور بمناذر والآخر بنهر تيرى ؛ فنقتل المقاتلة ، ثم يكون وجهُنا إليكم ، فليس دون الهُرْمزان شىء إن شاء اللّه . ورجعًا وقد استجابا واستجاب قومهما بنو العمِ بن مالك . قال : وكان من حديث العَمِى؛ والعسمِى مرّة بن مالك بن حنظلة بن مالك بن زيد مناة بن تميم - أنه تَنَخَتْ(٢) عليه وعلى العُصَيّة بن امرئ القيس أفناء معدّ فعمّه عن الرشد مَن لم ير نصره فارسَ على آل أرْد وان، فقال فى ذلك كعب بن مالك أخوه - ويقال : صُدىّ بن مالك : ٢٥٣٦/١ لقد عَمِ عنها مُرَّةُ الخيرِ فانصَى وصَمَّ فَلَمْ يَسْمَعْ دُعاءَ العشائرِ وَيَطْلبَ مُلْكاً عالياً فى الأساورِ ليتْنَخ عنّا رَغْبةً عن بِلادِهِ فبهذا البيت سمى العمر ؛ فقيل بنو العم ؛ عمّوه عن الصواب بنصره أهل فارس كقول الله تبارك وتعالى: ﴿عَمُوا وَصَمُّوا﴾(٣)؛ وقال يربوع بن مالك: غَدَاةَ النَّباهى غُرُّ ذاك التَّبَادُرِ لَقَدْ عِلِمَتْ عُليا مَعَدٍ بَأَنَّنا بحىّ تميمٍ والعديد الجماهر (٤) تَنَخْنا على رغْم المُداة ولمْ نُنِخْ لَنَا فِيهِمُ إحْدَى المَنَاتِ البَهَاتِ نَفَيْنَا عَنِ القُرْسِ النَّبِيطَ فَلْیَزَّلْ. فَخَرْنا عَلَى كلِّ البُحورِ أُلزواخرٍ إِذا العَرَبُ العَلْياءِ جَاشَتْ بُجُورُها وقال أيّوب بن العُصَية بن امرئ القيس : لَنَحْنُ سَبَقْنا بالتُنُوخِ القَبائِلا وَعَمْداً تَنَخْنَا حَيْثُ جاءوا قَنَابِلا(٥) وَفِى كُلِّ قَرْن قَدْ مَلَكْنا الحلاثلا وَكُنَّا مُلوكاً قَدْعَززْنا الأوائلا. (١) يريد نعيم بن مقرن ونعيم بن مسعود. (٣) سورة المائدة ٧١ . (٥) قنابل ، أى جماعات . (٢) تنخت : اجتمعت . (٤) ننخ : نجتمع. ٧٤ سنة ١٧ ٢٥٣٧/١ فلما كانت تلك الليلة ليلة الموعد من(١) سُلمى وحرملة وغالب وكُلَيب، والهُرْمزان يومئذ بين نهر تيرَى بين دُلُث، خرج سُلْمَتى وحَر ملة صبيحتها فى تعبية، وأنهضا نُعما ونُعما فالتقوا هم والهرمزان بين دُلُث ونهرتِيرى، وسُلْمى ابن القَيْن على أهل البصرة ، ونُعيم بن مقرّن على أهل الكوفة ، فاقتتلوا فبيناهم فى ذلك أقبل المددَ مِن قِبَل غالب وكُليب، وأتى الهرمزانَ الخبرُ بأنّ منّاذر ونهر تيرَى قد أخذتا، فكسر اللّه فى ذرْعه وَذَرْع جنده، وهزمه وإيّاهم ، فقتلوا منهم ما شاءوا ، وأصابوا منهم ما شاءوا ، وأتبعوهم حتى وقفوا على شاطئ دُجميل، وأخذوا ما دونه ، وعسكروا بحيال سوق الأهواز ، وقد عبر الهُرْمزان جسرّ سوق الأهواز، وأقام بها، وصارُدُجيل بين الهُرْمزان وحَرْ ملة وسُلْمتى ونُعيم ونُعَيم وغالب وكليب . كتب إلىّ السرىُّ ، عن شعيب ، عن سيف، عن عبد الله بن المغيرة العبْدىّ ، عن رجل من عبد القيس يدعى صُحاراً ، قال : قدمتُ على هَرِم ابن حيّان - فيما بين الدّلوث وُدُجيل - بِجلال(٢) من تَمْر، وكان لا يصبر ٢٥٣٨/١ عنه، وكان جلّ زاده إذا تزوّد التَّمر، فإذا فى انتخب له مزاودَ من جلال وهم يتفرون فيحملها فيأكلها ويطعمها حيثُما كان من سهل أو جبل . قالوا : ولما دهم القوم الهرمزان ونزلوا بحیاله من الأهواز رأى ما لا طاقة له به، فطلب الصلح، فكتبوا إلى عُتْبة بذلك يستأمر ونه فيه، و كاتبه الهرمزان، فأجاب عُتْبة إلى ذلك على الأهواز كلّها ومِهْرَجان قَذَق ، ما خلا نهرتيرى ومناذر ، وما غلبوا عليه من سوق الأهواز، فإنه لا يُردّ عليهم ما تنقّذْنا . وجعل سُلُمى بن القيْن على مناذر مسلحةً وأمْرَها إلى غالب ، وحرملة على نهر تيرَى وأمرَها إلى كليب ؛ فكانا على مسالح البصرة وقد هاجرت طوائف بنى العَمِ ، فنزلوا منازلهم من البصرة ، وجعلوا يتتابعون على ذلك ، وقد كتب بذلك عُثْبة إلى عمر، ووفّد وفْداً منهم سُلمى، وأمرَه أن يستخلف على عمله، وحرملةُ - وكانامن الصحابة - وغالب وكليب، ووفّد وفود من البصرة (١) ابن الأثير: ((بين)). فيها التمر . (٢) الجلال : جمع جلة ؛ وهى القفة الكبيرة يوضع ۔ ٧٥ سنة ١٧ ١ /٢٥٣٩ يومئذ ، فأمرهم أن يرفعوا حوائجهم، فكلّهم قال : أما العامّة فأنت صاحبها، ولم يبق إلا خواصّ أنفسنا، فطلبوا لأنفسهم، إلاّ ما كان من الأحنف ابن قيس، فإنه قال: يا أميرَ المؤمنين؛ إنك (١) لكما ذكروا، ولقديعزب (٢) عنك ما يحقّ علينا إنهاؤه إليك مما فيه(٣) صلاح العامّة، وإنّما ينظر الوالى فيما غاب عنه بأعين أهل الخبر ، ويسمع بآذانهم ، وإنّا لم نزل ننزل منزلاً بعد منزل حتى أرَزنا إلى البرّ، وإنّ إخواننا من أهل الكوفة نزلوا فى مثل حَدَقة (٤) البعير الغاسقة؛ من العيون العذاب ، والجنان الخصاب ، فتأتيهم ثمارهم ولم تُخْضَد، وإنّا معشر أهل البصرة نزلنا سبخة (٥) هَشّاشة (٦)؛ زعقة (٧) نشاشة (٨)، طَرَف لها فى الفلاة وطَرّف لها فى البحر الأُجاج، يجرى إليها ما جرى فى مثل مَرِىء النعامة . دارنا فعْمة، ووظيفتنا ضيّقة ، وعددنا كثير ، وأشرافنا قليل ، وأهل البلاء فينا كثير ، ودرهمنا كبير، وقفيزنا صغير ؟ وقد وسّع اللّه علينا، وزادنا فى أرضنا، فوسُعْ علينا يا أمير المؤمنين، وزدنا وظيفة تُوَظَّف علينا، ونعيش بها. فنظر إلى منازلهم التى كانوا بها إلى أن صاروا (٩) إلى الحجر فنفَّلهموه وأقطعهموه، وكان مما كان(١٠) لآل كسرى، فصار فيثًا فيما بین د جلة والحجر ، فاقتسموه ، وکان سائر ما کان لآل کسری فی أرض البصرة على حال ما كان فى أرض الكوفة يُنزِلونه من أحبُّوا ، ويقتسمونه بينهم؛ لا يستأثرون به على بدء ولا ثنَى، بعدما يرفعون خمسه إلى الوالى. فكانت قطائع أهل البصرة نصفين : نصفها مقسوم، ونصفها متروك للعسكر وللاجتماع ؛ وكان أصحاب الألفين ممّن شهد القادسيّة . ثم أتى البصرة مع عُشْبة خمسة آلاف ، وكانوا بالكوفة ثلاثين ألفًا ، فألحق عمر أعدادهم من أهل البصرة من أهل البلاء فى الألفين حتى ساواهم بهم، ألحق جميع مَنْ شهد الأهواز. ثم قال : هذا الغلام سيّد أهل البصرة، وكتب إلى عُشْبة فيه بأن يسمع منه (٢) ابن الأثير: ((تغرب)). (١) ابن حبيش: ((إنه)). ٢٥٤٠/١ (٣) س: (( ما فيه)). (٤) يقال: نزلوا فى مثل حدقة البعير، أى نزلوا فى خصب ودعة. (٦) هشاشة : لينة . (٥) السبخة : أرض ذات ملح . (٧) زعقة ، أى ماؤها مر . (٨) يقال : سبخة نشاشة ونشناشة ؛ ولا يجف ثراها ولا ينبت مرعاها. (٩) ابن الأثير: ((صاروا منه)). (١٠) س: « ما كان)). ٧٦ سنة ١٧ ويشرب برأيه، وردّ سُلمى وحَرْملة وغالبًا وكليبا إلى متناذر ونهرتِيرَى، فكانوا عُدّة فيه لكون إن كان، وليميّزوا خراجها. كتب إلىّ السّرىّ، عن شعيب ، عن سيف ، عن محمد وطلحة والمهلب وعمرو ، قالوا : بينا الناس من أهل البصرة وذمّتهم على ذلك وقع بين الهُرْمزان وبین غالب و کلیب فى حدود الأرضین اختلاف واد عاء، فحضر ذلك سُلْمی وحَرْملة لينظرا فيما بينهم، فوجدا غالبًا وكُلَيْبًا محقَّيْنِ والهرمزان مبطلا، فحالا بينه وبينهما ، فكفر الهرمزان أيضًا ومنع ما قبله ، واستعان بالأكراد ، ٢٥٤١/١ فكثُف جنده(١). وكتب سُلْمى وحرملة وغالب وكليب ببغْىٍ الهُرمزان وظلْمه وكفره إلى عُتبة بن غزوان ، فكتب بذلك إلى عمر ، فكتب إليه عمر يأمره بأمره (٢)، وأمدّهم عمر بحرقوص بن زهير السعدىّ، وكانت له صحبة من رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأمّره على القتال وعلى ما غلب عليه . فنهَذَ الهُرمزان بمَن معه وسُلْمَى وَحَرْملة وغالب وكليب ، حتى إذا انتهوا إلى جسر سوق الأهواز أرسلوا إلى الهرمزان : إمّا أن تعبُّرُوا إلينا وإمّا أن نعبر إليكم ، فقال : اعبرُوا إلينا ، فعبروا من فوق الجسر ، فاقتتلوا فوق الجسْر ممّا يلى سوق الأهواز ، حتى هزم الهرمزان ووجّه نحو رامهرمز، فأخذ على قنطرة أربك بقرية الشّغَر حتى حلّ براءتهُرمز، وافتتح حُرقوص سوقَ الأهواز ، فأقام بها ونزل الجبل ، واتّسقت له بلاد سوق الأهواز إلى تُسْتَرَ، ووضع الجزية ، وكتب بالفتح والأخماس إلى عمر، ووفّد وفداً بذلك، فحمد الله، ودعا له بالثبات والزيادة . وقال الأسود بن سَرِيع فى ذلك - وكانت له صحبة : وَلَكِن حافَظُوا فِيَمَنْ يُطِيعُ لَعَمْرُكَ ما أَضاعَ بنو أبينا أضاعوا أمْرَهُ فيمَنْ يُضِيعُ أطاعوا رَبَّهُمْ وَعَصاهُ قَوْمٌ قُبُوعُ فَلاَقَوْا کبَّةً فيها ◌َجُسٌُ لا يُنَهُِْها كِتَابٌ سَريعِ الشَّدِّ يَثْفِئُهُ الجميعُ وَوَلَى الْهُرُمُزَانُ على جَوَادٍ (١) س: ((جمعه)) . (٢) ابن حبيش وابن الأثير والنويرى: ((بقصده)). ٧٧ سنة ١٧ وخلى سُرَّةَ الأهواز كَرْهاً غَدَاةَ الجِسْرِ إذ نَجَمَ الرَّبِيعُ وقال حُرْ قوص : لها فى كلِّ ناحِيَةٍ ذَخائرْ غَلَبْنَا الْهُرْمزَانَ على بِلادٍ إذا صارَتْ نَوَاحِبُهَا بَوَاكِرْ سَواء بَرُّهِمْ وَالْبَحْرُ فيها جَعَافِرُ لا يزَالُ لها زَواخِرْ لها بَجْرٌ يَعِجُّ بِجَانِبَيْهُ [ فتح تُسْتَرَ ] وفيها فتحت تُسْتَر فى قول سيف وروايته - أعنى سنة سبع عشرة - وقال بعضهم : فتحت سنة ستّ عشرة ، وبعضهم يقول : فى سنة تسع عشرة . ذكر الخبر عن فتحها : كتب إلىّ السرىّ ، عن شعيب ، عن سيف ، عن محمد وطلحة والمهلب وعمرو ، قالوا : لما انهزم الهرمزان يوم سوق الأهواز، وافتتح حرقوص بن زهير سوق الأهواز، أقام بها ، وبعث جَزْء بن معاوية فى أثره بأمر عمر إلى سُرَّق ، وقد كان عهد إليه فيه: إن فتح الله عليهم أن يُتبعه جَزْءاً ، ويكون وجهه إلى سرَّق. فخرج جزء فى أثر الهرمزان، والهُرمزان متوجّه إلى رامهرمُزْ ٢٥٤٣/١ هاربًا، فما زال يقتلهم حتى انتهى إلى قرية الشّغَر، وأعجزه بها الهرمزان ؛ فال جزء إلى دورق من قرية الشَّخَر؛ وهى شاغرة برجلها- وَدَ وْرق مدينة سُرّق فيها قوم لا يطيقون منعها - فأخذها صافية ، وكتب إلى عمربذلك وإلى عُشْبة ، وبدعائه مَن هرب إلى الجِزاء والمنعة ، وإجابتهم إلى ذلك . فكتب عمر إلى جَزْء بن معاوية وإلى حُرقوص بن زهير بلزوم ما غلباعليه، .وبالمقام حتى يأتيَهما أمره ، وكتب إليه مع عُتبة بذلك ، ففعلا واستأذن جزء فى عمران بلاده عمتر، فأذن له ، فشقّ الأنهار ، وعمَر الموات . ولما (١) س والنويرى: ((فأعجزه))، ابن حبيش: ((وأعجزهم)). ٧٨ سنة ١٧ ٢٥٤٤/١ نزل الهُرْمزان رامَهُرمُز و ضاقت عليه الأهواز والمسلمون حُلاّلٌ فيها فيما بين يديه ، طلب الصلح، وراسل حُرقوصًا وجزءا فى ذلك، فکتب فيه حُرُقوص إلى عمر ، فكتب إليه عمر وإلى عُتبة ، يأمره أن يقبل منه على ما لم يفتحوا منها على رامهرمز وتُستَر والسوس وجُنْدَىْ سابور، والبُنيان ومِهِرجا نقَذَق، فأجابهم إلى ذلك ، فأقام أمراء الأهواز على ما أسند إليهم ، وأقام الهرمزان على صلحه يجبَى إليهم ويمنعونه، وإن غاوره أكراد فارس أعانوه وذبُّوا عنه . وكتب عمر إلى عُثْبة أن أوفد(١) علىّ وفداً من صُلحاء جند البصرة عشرة(٢)، فوفّد إلى عمر عشرةً ، فيهم الأحنف . فلما قدم على عمر قال : إنك عندى مصدَّق، وقد رأيتك رجلا، فأخبرنى أأن ظُلِمت الذّمة، ألمظلمة نفروا أم لغير ذلك ؟ فقال : لا بل لغير مظلمة، والناس على ما تحبّ . قال : فنعم إذاً ! انصرفوا إلى رحالكم . فانصرف الوفد إلى رحالهم ، فنظر فى ثيابهم فوجد ثوبًا قد خرج طرفه من عيبةٍ فشمّه، ثم قال: لمَنْ هذا الثوب منكم ؟ قال الأحنف : لى ، قال : فبكم أخذته ؟ فذكر ثمنًاً يسيراً ، ثمانية أو نحوها، ونقص ممَّا كان أخذَه به - وكان قد أخذه باثنى عشر- قال: فهلاّ بدون هذا، ووضعتَ فَضْلته موضعًا تغنِى به مسلمًاً! حُصُّوا(٣) وضعوا الفُضول مواضعها تريحوا أنفسكم وأموالكم ، ولا تسرفوا فتخسروا أنفسكم وأموالكم ؛ إن نظر امرؤ لنفسه وقدّم لها يُخْلَفْ له. وكتب عمر إلى عُتبة أن أعزب الناس عن الظلم، واتّقوا واحذروا أن يُدالَ عليكم لغدرٍ يكون منكم أو بغْىٍ، فإنكم إنّما أدركتم بالله ما أدركتم على عهد عاهد كم عليه ، وقد تقدّم إليكم (٤) فيما أخذ عليكم. فأوفُوا بعهد الله، وقوموا على أمره يكن لكم عونًا وناصراً . ٢٥٤٥/١ وبلغ عمرَ أنّ حُرُقوصًا نزل جبل الأهواز والناس يختلفون إليه، والجبل کئود یشقّ علی من رامه. فکتب إلیه : بلغنی أنك نزلت منزلا کثودًا لا تؤتى فيه إلاّ على مشقّة، فأسهِل ولا تشقّ على مسلم ولا معاهد، وقم فى أمرك على رِجْل تدرك الآخرة وتصفُ لك الدنيا ، ولا تدركنّك فترة ولا عجلة، فتكدر دنياك ، وتذهب آخرتك . (١) ابن حبيش: ((وفد)). (٣) حص الشىء : جعله حصصا . (٢) ابن حبيش: ((عشرة نفر)). (٤) ابن حبيش: (عليكم)). ٧٩ سنة ١٧ ثمّ إن حرقوصًا تحرّر يوم صِفِين وبقىَ على ذلك، وشهد النُّهروان مع الحَرُوريّة . [غزو المسلمين فارس من قبَل البحرين ] وفى هذه السنة - أعنى سنة سبع عشرة - غزا المسلمون أرضَ فارس من قبَل البحرين فيما زعم سيف ورواه . ذكر الخبر بذلك : ٠ كتب إلىّ السرىّ ، يقول : حدّثنا شعيب ، قال : حدّثنا سيف ، عن محمد والمهلّب وعمرو، قالوا : كان المسلمون بالبصرة وأرضها - وأرضها يومئذ سوادها ، والأهواز على ما هم عليه إلى ذلك اليوم ، ما غلبوا عليه منها ففى أيديهم ، وما صولحوا علیه منها فنی أیدی أهله ، يؤدّون الخراج ولا يدخل عليهم، ولهم الذّة والمنعة - وعميد الصلح الهُرمزان. وقد قال عمر: حسبُنا لأهل البصرة سوادهم والأهواز ، وددْت أنّ بيننا وبين فارس جبلا من نار لا يصلون إلينا منه ولا نصل إليهم ، كما قال لأهل الكوفة : وددت أنّ بينهم وبين الجبل جبلاً من نار لا يصلون إلينا منه ، ولا نصل إليهم . وكان العلاء بن الحضرىّ على البحرين أزمانَ أبى بكر ، فعزله ٢٥٤٦/١ عمر ، وجعل قدامةَ بن المظعون مكانه ، ثم عزل قدامة وردّ العلاء ، وكان العلاء يبارى سعداً لصدع صدعه القضاء بينهما ، فطار العلاء على سعد فى الردّة بالفضل؛ فلما ظفر سعد بالقادسيّة ، وأزاح الأكاسرة عن الدّار ، وأخذ حدود ما يلى السواد ، واستعلى ، وجاء بأعظم مما كان العلاء جاء به، سرّ العلاء أن يصنع شيئًا فى الأعاجم، فرجا أن يُدال كما قد كان أديل ، ولم يقدّر العلاء ولم ينظر فيما بين فضل الطاعة والمعصية يجدّ ، وكان أبو بكر قد استعمله ، وأذن له فى قتال أهل الردّة ، واستعمله عمر ، ونهاه عن البحر ، فلم يقدّر فى الطاعة والمعصية وعواقبهما ، فندب أهل البحرين إلى فارس ، فتسرّعوا إلى ذلك ، وفرّقهم أجناداً ؛ على أحدهما ٨٠ سنة ١٧ الجارود بن المعلّى، وعلى الآخر السوّار بن همّام ، وعلى الآخر خُلَيد بن المنذر بن ساوى ؛ وخُليد على جماعة الناس ، فحملهم فى البحر إلى فارس بغير إذن عمر ، وكان ، لا يأذن لأحد فى ركوبه غازيًا ؛ يكره التغرير يجنده استنانًا بالنبيّ صلى الله عليه وسلم وبأبى بكر، لم يغزُ فيه النبيّ صلى الله عليه وسلم ولا أبو بكر . فعبرية تلك الجنود من البحرين إلى فارس، فخرجوا ٢٥٤٧/١ فى إصْطَخر، وبإزائهم أهلُ فارس، وعلى أهل فارس الهِرْبذ ، اجتمعوا عليه، فحالوا بين المسلمين وبين سُفنهم ، فقام خُليد فى الناس ، فقال : أمّا بعد ؛ فإنّ اللّه إذا قضى أمراً جرت به المقادير حتى تصيبه(١)، وإنّ هؤلاء القوم لم يزيدوا بما صنعوا على أن دعوْكم إلى حربهم ؛ وإنما جثم لمحاربتهم ، والسفن والأرض لمن غلَب ، فاستعينوا بالصّبر والصلاة ، وإنّها لكبيرة إلاّ على الخاشعين . فأجابوه إلى ذلك فصدّوا الظهر ، ثم ناهدوهم فاقتتلوا قتالا شديداً فى موضع من الأرض يدعى طاوُس ، وجعل السَّوار يرتجز يومئذ ويذكر قومه ، ويقول : يا آلَ عَبْد الفَّيْسِ لِلْفِرَاعِ قَد حَفَلَ الأمْدادُ بالجِراعِ(٢) وكُلُهُمْ فى سَنْنِ المِصاعِ(٢) يُحْسِنُ ضَرْب القومِ بالقَطَّارِعِ حتى قتل . وجعل الجارود يرتجز ويقول : لو كان شيئاً أَمْماً أكلْتُهْ أو كان ماءَ سَادِ مَاً جَهَرْتُهُ(٤) * لكنّ بحراً جاءَنا أَنْكَرْتُهُ. حتى قتل. ويومئذ وَلِىَ عبدُ اللّه بن السوّار والمنذر بن الجارود حياتهما إلى أن ماتا . وجعل خُليد يومئذ يرتجز ويقول : يالَ تميمٍ أَجْمِعُوا النّزُولُ(٥) وكادَ جَيْشُ عُمَرٍ يَزُولْ وكُلِكُمْ يعلمُ ما أقولُ(٦). ٢٥٤٨/١ (١) س: ((يصيبه). (٢) يقال: حفل القوم، إذا اجتمعوا واحتشدوا . والجراع: جمع جرعة وهى الرملة الطيبة (٣) المصاع : المجالدة والمضاربة . المنبت التى لا وعوثة فيها . (٤) الماء السادم : المتغير . وجهرته ؛ أى عرفته و كشفته . (٥) س: ((جمعوا النزول)). (٦) س: ((وكلهم يعلم)).