النص المفهرس
صفحات 521-540
سنة ١٤. لا تنظروا إلى الثياب؛ ولكن انظروا إلى الرأى والكلام والسيرة؛ إن العرب تستخفّ باللباس والمأكل ويصونون الأحساب ، ليسوا مثلكم فى اللبّاس، ولا يروْن فيه ما ترون . وأقبلوا إليه يتناولون سلاحه ، ويزهدونه فيه، فقال لهم: هل لكم إلى أن تُرُونِى فأريكم؟ فأخرج سيفه من خِرَقه كأنه شُعْلة نار . فقال القوم : اغمده، فغمده؛ ثم رمى تُرساً ورموا حجقته، فخُرُق تُرسهم، وسلمت حَجَفته، فقال: يا أهلَ فارس ؛ إنكم عظّمتم الطعام واللَّباس والشراب؛ وإنَّا صغَّرناهنّ. ثمّ رجع إلى أن ينظروا إلى الأجل ، فلَّما كان من الغد بعثوا أن ابعث إلينا ذلك الرّجُل؛ فبعث إليهم سعد حُذيفة بن مِحصن ، فأقبل فى نحو من ذلك الزّىّ ، حتى إذا كان على أدنى البساط ، قيل له : انزل ، قال : ذلك لوجئتُكم فى حاجتى ؛ فقولوا لملككم : أله الحاجة أم لى ؟ فإن قال : لی ؛ فقد كذب؛ ورجعت وتر کتکم؛ فإنقال : له، لم آتكم إلا على ما أحِبّ. فقال : دعوه ، فجاء حتى وقف عليه ورستم على سريره ، فقال: انزل ، قال : لا أفعل ، فلمّا أبى سأله : ما بالك جئت ولم يجئ صاحبنا بالأمس ؟ قال: إن أميرنا يحبّ أن يعدل بيننا فى الشدّة والرّخاء ؛ فهذه نوْبتى. قال: ما جاء بكم؟ قال: إنَّ اللّه عزّ وجلّ مَنّ علينا بدينه، وأرائا آياته، حتى عرفناه وكنا له منكرين. ثم أمرنا بدُعاء الناس إلى واحدة من ثلاث؛ فأيّها أجابوا إليها قبلناها: الإسلام وننصرف عنكم ، أو الجِزَاء ونمنعكم إن احتجتم إلى ذلك، أو المنابذة. فقال: أو الموادعة إلى يوم ما ؟فقال: نعم، ثلاثًا من أمس . فلمَّا لم يجد عنده إلا ذلك ردّه وأقبل على أصحابه ، فقال: وينحكم ! ألا ترون إلى ما أرى! جاءنا الأوّل بالأمس فغلبنا على أرضنا ، وحقّرما نعظم ، وأقام فرسه على زِبْرِجنا وربطه به ؛ فهو فى يُمْن الطائر، ذهب بأرضنا وما فيها إليهم، مع فضل عقله . وجاءنا هذا اليوم فوقف علينا ؛ فهو فى يُمْنِ الطائر، يقوم على أرضنا دوننا؛ حتى أغضَبهم وأغضبوه . فلمّاً كان من الغد أرسل : ابعثوا إلينا رجلاً ، فبعثوا إليهم المغيرة بن شعبة. ٥٢١ ٢٢٧٣/١ ٤٠ ١ / ٢٢٧٤ كتب إلىّ السرىّ، عن شعيب، عن سيف، عن أبى عثمان النَّهدىّ. قال: لمَّا جاء المغيرة إلى القنطرة فعبرها إلى أهل فارس حبسوه واستأذنوا رستم ٥٢٢ سنة ١٤ ٢٢٧٥/١ فى إجازته ، ولم يغيِّرُوا شيئًا من شارتهم ، تقويةً لتهاونهم ؛ فأقبل المغيرة بن شعبة، والقوم فى زيّهم، عليهم التّيجان والثّياب المنسوجة بالذهب، وبُسُطُهم على غَلْوة(١) لا يصلُ إلى صاحبهم ؛ حتى يمشىَّ عليهم غَدْوةً ؛ وأقبل المغيرة وله أربع ضفائر يمشى ؛ حتى جلس معه على سريره ووسادته ؛ فوثبوا عليه فترتروه (٢) وأنزلوه ومغثوه (٣). فقال: كانت تَبْلغنا عنكم الأحلام؛ ولا أرى قومًا أسفلَه منكم! إنَّا معشر العرب سواءٌ ؛ لا يستعبد بعضنا بعضاً إلاّ أن يكون محاربًا لصاحبه ؛ فظننت أنّكم تُواسون قومكم كما نَتَواسى ؛ وكان أحسن مِن الذى صنعتم أن تُخبرونى أنَّ بعضكم أربابُ بعض ، وأنَّ هذا الأمر لا يستقيم فيكم فلانصنعه ؛ ولم آتِكم ؛ ولكن دعوتمونى اليوم ؛ علمت أن أمركم مضمحلّ ، وأنكم مغلوبون؛ وأن مُلكًا لا يقوم على هذه السيرة ، ولا على هذه العقول . فقالت السّفلة : صدق واللّه العربىّ، وقالت الدّهاقين: والله لقد رَمى بكلام لا يزال عبيدُنا ينزِعون إليه ؛ قاتل الله أوّلينا، ما كان أحمقهم حين كانوا يصغّرون أمر هذه الأمّة !فمازحه رستُم ليمحُوَ ما صُنع ، وقال له : يا عربىّ ؛ إنّ الحاشية قد تصنع مالا يوافق الملك ، فيتراخى عنها مخافة أن يكسرها عمَّا ينبغى من ذلك؛ فالأمر على ما تحبّ من الوفاء وقبول الحقّ ؛ ما هذه المغازل التى معك ؟ قال : ما ضرّ الجمرة ألاّ تكون طويلة! ثم راماهم . وقال: ما بال سيفك رقًا! قال : رثُّ الكسوةِ ، حديد المضربة . ثم عاطاه سيفه ، ثم قال له رستم : تكلّ أم أتكلّم ؟ فقال المغيرة : أنت الَّذى بعثت إلينا ، فتكلَّم ، فأقام الترجمان بينهما ، وتكلّم رستم ، فحمد قومه ، وعظَّم أمرهم وطوّله ، وقال: لم نزل متمكُّنين فى البلاد ، ظاهرين على الأعداء ، أشرافًا فى الأمم ؛ فليس لأحدٍ من الملوك مثل عزّنا وشرفنا وسلطاننا ، نُنصَر على النَّاس ولا يُنصرون علينا إلاّ اليوم واليومين، أو الشّهر والشهرين ؛ للذنوب؛ فإذا انتقم اللّه فرضىَ ردّ إلينا عزّنا، وجمعْنا لعدونا شرّ يوم هو آتٍ عليهم. : ٢٢٧٦/١ (١) الغلوة : قدر رجعة السهم. (٣) مغثوه : ضربوه ضرباً ليس بالشديد . (٢) ترترود حركوه. ٥٢٣ سنة ١٤ ثم إنه لم يكن فى النَّاس أمة أصغر عندنا أمرًاً منكم ؛ كنتم أهلَ قَشف ومعيشة سيّئة ، لا نراكم شيئًا ولا نعدُّكم ، وكنتم إذا قحطت أرضكم ، وأصابتكم السَّنة استغثّم بناحية أرضنا فنأمر لكم بالشىء (١) من التَّمْر والشعير ثم نرد كم، وقد علمت أنه لم يحملكم على ما صنعتم إلاّ ما أصابكم من الجهد فى بلادكم، فأنا آمرُ لأميركم بكسوة وبغْل وألف درهم، وآمرٌ لكلّ رجل منكم بوٍقر تمْرٍ وبثوبين، وتنصرفون عنّاً، فإنى لست أشتهى أن أقتُلكم ولا آسركم . فتكلّم المغيرة بن شعبة، فحمد الله وأثنى عليه، وقال: إنّ اللّه خالق كلّ شيء ورازقه؛ فَمن صنع شيئًا فإنما (٢ هو الذى يصنعه هو له ٢). وأمَّا الذى ذكرت به نفسَك وأهلَ بلادك ؛ من الظّهورِ على الأعداء والتمكّن فى البلاد وعُظْم السلطان فى الدنيا؛ فنحن نعرفه ، ولسنا نُنكره؛ فالله صنعه بكم ؛ ووضعه فيكم ؛ وهو له دونكم ؛ وأمَّا الذى ذكرت فينا من سُوء الحال ، وضيق المعيشة واختلاف القلوب ؛ فنحن نعرفُه ؛ ولسنا ننكره ؛ واللّه ابتلانا بذلك ، وصيّرنا إليه، والدنيا دُوّل؛ ولم يزل أهلُ شدائدها يتوقَّعون الرّخاء حتى يصيروا إليه ؛ ولم يزل أهل رخاتها يتوقَّعون الشَّدائد حتى تنزل بهم ، ويصيروا إليها؛ ولو كنتم فيما آتاكم الله ذوى شُكر، كان شكركم يقصّر عمّا أوتيتم، وأسلمكم ضَعْف الشكر إلى تغيّر الحال؛ ولو كنَّا فيما ابتُلينا به أهلَ كفر ؛ كان عظيم ما تتابع علينا مستجلبًا من الله رحمة يرفِّه بها عنّاً، ولكنّ الشأن غيرُ ما تذهبون إليه؛ أو (٣) كنتم تعرفوننا به؛ إنَّ الله تبارك وتعالى بعثَ فينا رسولاً ... ثم ذكر مثلَ الكلام الأوّل؛ حتى انتهى إلى قوله : وإن احتجت إلينا أن نمنعك فكنْ لنا عبدًا تؤدّى الجزية عن يد وأنت صاغر ، وإلاَّ فالسيف إن أبيت! فنخر نخرة ، واستشاط غضبًا، ثم حلق بالشَّمْس لا يرتفع لكم الصّبح غدًاً حتى أقتلكم أجمعين. ٢٢٧٧/١ فانصرف المغيرة ؛ وخلَص رستم تألفا بأهل (٤) فارس ، وقال: أين هؤلاء منكم ؟ ما بعد هذا ! ألم يأتِكم الأوّلان فحسّراكم واستحرجاكم، ثم جاءكم (١) ابن الأثير والنويرى: ((بشىء)). (٢ -٢) ط: ((فإنما هو يصنعه والذى له))، وانظر التصويبات. (٣) ابن حبيش: ((إذ)). (٤) ز: ((لأهل)) ٥٢٤ سنة ١٤ هذا ، فلم يختلفوا، وسلكوا طريقًا واحدًا، ولزموا أمرًا واحدًا؛ هؤلاء واللّه الرجال ؛ صادقين كانوا أم كاذبين! والله لئن كان بلغ من إربهم وصوّهم لِسِرّهم ألاّ يختلفوا، فما قَوْمٌ أبلغ فيما أرادوا منهم ؛ لئن كانوا صادقين ما يقوم لهؤلاء شىء! فلجّوا وتجلَّدوا وقال: والله إنى لأعلم أنّكم تُصغون إلى ما أقول لكم؛ وإنّ هذا منكم رِئاء؛ فازدادوا لتجاجة. ٢٢٧٨/١ كتب إلىّ السرىُّ، عن شُعيب ، عن سيف، عن النَّضْر، عن ابن الرُّفيل ، عن أبيه ، قال: فأرسل مع المغيرة رجلاً ، وقال له : إذا قطع القنطرة، ووصل إلى أصحابه ، فناد : إن الملك كان منجّماً قد حسب لك ونظر فى أمرك، فقال: إنَّك غداً تُفقأ عينُك (١) . ففعل الرسول ، فقال المغيرة : بشَرَتَى (٢) بخيرٍ وأجر؛ ولولا أن" أجاهدَ بعد اليوم أشباهكم من المشركين ، لتمنّيتُ أنّ الأخرى ذهبت أيضًا . فرآهم يضحكون من مقالته ، ويتعجَّون مِنْ بصيرته، فرجع إلى الملك بذلك، فقال: أطيعونى يا أهلَ فارس؛ وإنّ لأرى الله فيكم نِقْمة لا تستطيعون ردَّها عن أنفسكم. وكانت خيولُهم تلتقى على القنطرة لا تلتقى إلاّ عليها ، فلا يزالون يبدءون المسلمين ، والمسلمون كافُّون عنهم الثلاثة الأيام ؛ لا يبدءونهم ؛ فإذا كان ذلك منهم صَدُّوهم وَرَدَ عُوهم. كتب إلىّ السرىّ، عن شعيب، عن سيف ، عن محمَّد، عن عبيد الله، عن نافع، عن ابن عمر ، قال : كان ترجمان رستم عن أهل الحيرة يُدعى عَبُود. كتب إلىّ السرمىُّ، عن شُعيب ، عن سيف، عن مجالد ، عن الشعبىّ وسعيد بن المرزبان ، قالا: دعا رستم بالمغيرة ، فجاء حتى جلس على سريره ، ودعا رستم ترجمانه - وكان عربيًا من أهل الحيرة، يُدعَى عَبُود - فقال له المغيرة: ويحك يا عَبُود! أنت رجل عربىّ؛ فأبلغْه عنّى إذا أنا تكلّمت كما تُبلغنى عنه. فقال له رستم مثل مقالته ، وقال له المغيرة مثل مقالته، إلى إحدى (١) ابن حبيش: ((إنا نفقاً عينك غداً)). (٢) ز: لبشرنى)). ٥٢٥ سنة ١٤ ثلاث خلال : إلى الإسلام ولكم فيه مالنا وعليكم فيه ما علينا ؛ ليس فيه تفاضُل بيننا، أو الجزية عن يد، وأنتم صاغرون. قال: ما ((صاغرون))؟ قال: أن يقوم الرجل منكم على رأس أحدنا بالجزية يحمده أن يقبلها منه . إلى آخر الحديث ؛ والإسلام أحبّ إلينا منهما . ٢٢٧٩/١ كتب إلىَّ السرىُّ ، عن شعيب ، عن سيف ، عن عبيدة ، عن شقیق ، قال : شهدتُ القادسيَّة غلامًا بعد ما احتلمت ؛ فقدم سعد القادسية فى اثنی عشر ألفًا؛ وبها أهل الأيَّام ، فقدمتْ علينا مقدّمات رستم، ثمّ زحف إلينا فى ستين ألفًا، فلما أشرف رستم على العسكر قال: يا معشَرَ العرب، ابعثوا إلينا (١) رجلاً يكلَّمنا ونكلّمه ؛ فبعث إليه المغيرة بن شعبة ونفرًا ، فلما أتوْا رستم جلس المغيرة على السّرير، فنخر أخو رستم ، فقال المغيرة : لا تنخر ؛ فما زادنى هذا شرفًا ولا نقص أخاك . فقال رستم: يا مغيرة، كنتم أهل شَقَاء ، حتى بلغ ؛ وإن كان لكم أمرٌ سِوى ذلك، فأخبرونا. ثم أخذ رستم سهمًا من كنانته ، وقال: لا تروْا أنّ هذه المغازل تغنى عنكم شيئًا؛ فقال المغيرة مُجيبًا له، فذكر النبيّ صلَّى اللّه عليه وسلّم [قال]: فكان ممَّا رزقنا الله على يديه حبّةتنبت فى أرضكمهذه؛فلمّا أذقناها عيالَنا ، قالوا : لا صبرَ لنا عنها، فجئنا لنُطعمهم أو نموت . فقال رستم: إذًا تموتون أو تُقتلون ، فقال المغيرة: إذًا يدخل مَن قتل منًا الجنّة، ويدخل مَن قَتلنا منكم النارَ ، ويظفر من بقىَ منَّا بمن بقى منكم ؛ فنحن نخيّرك بين ثلاث خلال ... إلى آخر الحديث. فقال رستم : لا صلح بيننا وبینکم . كتب إلىّ السرىّ ، عن شعيب ، عن سيف ، عن محمد وطلحة وزياد ، قالوا : أرسل إليهم سعد بقيَّ ذوى الرأى جميعًا، وحبس الثَّلاثة(٢)، فخرجوا حتى أتوْه ليعظموا عليه استقباحًا ، فقالوا له : إنّ أميرنا يقول لك: إنّ الجوار يحفظ الوُلاة ، وإنّى أدعوك إلى ما هو خير لنا ولك ، العافية أن تقبل ٢٢٨٠/١ (١) ز: ((لنا)). (٢) ز: ((فحبس الثلاثة جميعاً)). ٥٢٦ ٢٢٨١/١ سنة ١٤ ما دعاك الله إليه ، ونرجع إلى أرضنا ، وترجع إلى أرضك وبعضنا مِن بعْض ؛ إلاّ أنّ داركم لكم، وأمركم فيكم ؛ وما أصبتم ممَّا وراءكم كان زيادة لكم دوننا ؛ وكنّا لكم عونا على أحد إن أرادكم أو قوى عليكم . واتّق الله يا رستم؛ ولا يكونَنّ هلاكُ قومك على يديك، فإنه ليس بينك وبين أن تُغْبَط به إلا أن تدخل فيه وتطرُد به الشيطان عنك ؛ فقال: إنى قد كلَّمت منكم نفرًا ، ولو أنهم فهموا عنّى رجوت أن تكونوا قد فهِمِتم ، وإنّ الأمثال أوضحُ من كثير من الكلام، وسأضرب لكم مثلكم تَبَصَّروا. إنكم كنتم أهل جهد فى المعيشة، وقَشَف فى الهيئة، لا تمتنعون ولا تنتصفون، فلم نُسئ جِوارَ كم، ولم ندع مواساتكم، تُقْحَمون المرّة بعد المرّة، فنميركم ثم نردکم(١)، وتأتوننا أجراء وتجّارًا، فنحسن إليكم؛ فلما تطاعمتم بطعامنا ، وشربتم شرابنا ، وأظلَّكم ظلّنا ، وصفتم لقومكم؛ فدعوتموهم ، ثم أتيتمونا بهم ، وإنما مثلُكم فى ذلك ومثلُنا كمثل رجل كان له كَرْم ، فرأى فيه ثعلبا ، فقال : وما ثعلب ! فانطلق الثَّعلب ، فدعا الثَّعالب إلى ذلك الكَرْم، فلما اجتمعن عليه سدّ عليهنّ صاحبُ الكرْم الجُحر الَّذى كنّ يدخلْن منه، فقتلهن"؛ وقد علمتُ أنّ الذى حَمَلَكم على هذا الحرصُ والطمعُ والجَهد ؛ فارجعوا عنَّا عامكم هذا، وامتاروا حاجتكم، ولكم العَوْد كلَّما احتجتم ، فإنى لا أشتهى أن أقتلكم . كتب إلىّ السرىّ، عن شعيب ، عن سيف ، عن عمارة بن القعقاع الضّىّ، عن رجل من يَربوع شهدَها ، قال : وقال وقد أصابَ أناس كثير منكم من أرضِنا ما أرادوا، ثم كان مصيرُهم القتل والهرَب ، ومَن سنّ هذا لكم خيرٌ منكم وأقوى ؛ وقد رأيتم أنتم كلَّما أصابوا شيئًا أصيب بعضهم ونجا بعضهم ؛ وخرج ممَّا كان أصاب ، ومن أمثالكم فيما تصنعون مثل جُرْذان ألِفِت جرَّة فيها حَبّ ، وفى الجرَّةَ ثَقْب، فدخل الأوَّل فأقام فيها ، وجعل الأخَرَ يَنقُلن منها ويرجعْنَ ويكلّمْنه فى الرجوع، فيأبى فانتهى سمن الذى فى الجرّة ، فاشتاق إلى أهله ليُريَهم حُسن حاله ، ٢٢٨٢/١ (١) ز: ((ندرؤكم)). ٥٢٧ سنة ١٤ فضاق عليه الجُحر، ولم يُطِقِ الخروج، فشكا القَلَق إلى أصحابه ، وسألهم المخرج ، فقلن له : ما أنت بخارج منها حتى تعودَ كما كنت قبل أن تدخل ، فكفّ وجوّع نفسه ، وبقِىَ فى الخوف ، حتى إذا عاد كما كان قبل أن يدخُلَها أتى عليه صاحب الجَرّة فقتله . فاخرُجوا ولا يكونَنّ هذا لكم مثلا. كتب إلىّ السرىُّ، عن شعيب، عن سيف ، عن النَّضْر ، عن ابن الرُّفيل، عن أبيه، قال: وقال: لم يخلق اللّه خلْقًا أولَعَ من ذُباب ولا أضرّ؛ ما (١) خلاكم يا معشر العرب؛ ترون الهلاك ويُدلِيكم فيه الطّمع؛ وسأضرب لكم مثلكم : إنّ الذّباب إذا رأى العسَلَ طار، وقال: مَن يوصّلنى إليه وله درهمان حتى يدخله ؟ لا ينهنهُه أحد إلا عصاه ، فإذا دخله غرق ونشِب وقال : مَن يخرجنى وله أربعة دراهم ؟ وقال أيضاً : إنما مثلُكم مثل ثعلب دخل جُحرًا وهو مهزول ضعيف إلى حَرْم، فكان فيه يأكل ما شاء اللّه، فرآه صاحب الكَرْم، ورأى ما به ، فرحمه ، فلمَّا طال مكثُه فى الكرمْ وسمن، وصلَحت حالُه، وذهب ما كان به من الهزال أشِرِ، فجعل يعبثٍ بالكَرْم ويُفسد أكثر ممَّا يأكل ، فاشتدّ على صاحب الكَرْم ، فقال : لا أصبر على هذا من أمر هذا، فأخذ له خشبة واستعان عليه غلمانه ، فطلبوه وجعل يراوِغِهم فى الكَرْم ، فلَّما رأى أنَّهم غيرُ مُقلعين عنه ، ذهب ليخرج من الجُحر الَّذی دخل منه، فنشب . اتَّسع عليه وهو مهز ول، وضاق عليه وهو سمين ؛ فجاءه وهو على تلك الحال صاحب الكَرْم، فلم يزل يضربه حتى قتله ، وقد جئتم وأنتم مهازيل ؛ وقد سمنتُم شيئًا من سِمَن ؛ فانظروا كيف تخرجون! وقال أيضًا: إنَّ رجلا وضع سَلاً ، وجعل طعامه فيه ؛ فأنى الجرذان ، فخرقوا سلَّه ، فدخلوا فيه فأراد سدّه ، فقيل له : لا تفعل، إذًا يخرقْنَه ، ولكن انقب بحياله ؛ ثم اجعل فيها قصبة مجوَّفة ، فإذا جاءت الجُرذان دخلْن من القصبة وخرجن منها ، فكلّما طلع عليكم جُرّذ قتلتموه. وقد سددتُ عليكم ؛ فإيَّاكم أن تقتحموا القصّبة ، فلا يخرج منها أحدٌ إلاّ قُتل، وما دعاكم إلى ما صنعتم؛ ولا أرى عددًا ولا عُدّة! ٢٢٨٣/١ (١) كذا فى ابن حبيش، وفى ط: ((أما)). ٥٢٨ ٢٢٨٤/١ سنة ١٤ كتب إلىّ السرىّ، عن شعيب ، عن سَيْف، عن محمَّد وطلحة بإسنادهما وزياد معهما ، قالوا : فتكلّم القوم فقالوا : أمَّا ما ذكرتم من سُوء حالِنا فيما مضى، وانتشار أمرنا ، فلمَّا تبلغ كُنْهَه! يموت الميّت منًّا إلى النار ، ويبقى الباقى منّا فى بؤس ؛ فبينا نحن فى أسْوَإ ذلك ؛ بعث الله فينا رَسُولاً مِن أَنْفُسِنَا إلى الإنس والجنّ، رحمةً رحم بها من أراد رحْمَتَه ، ونقمة ينتقم بها ممن ردًّ كرامته ؛ فبدأ بنا قبيلة قبيلة، فلم يكن أحدٌ أشدّ عليه؛ ولا أشدُّ إنكارًا لما جاء به، ولا أجهدُ على قتله وردّ الذى جاء به من قومِه، ثم الَّذين يلُونهم ، حتى طابقْناه على ذلك كلّنا ، فنصبنا له جميعاً ، وهو وحده فَردٌ ليس معه إلاّ اللّه تعالى، فأعطىَ الظَّفْرَ علينا، فدخل بعضُنا طوعًا، وبعضنا كرهًا، ثم عرفنا جميعًا الحقّ والصّدق لما أتانا به من الآيات المعجزة ؛ وكان ممَّا أتانا به من عند رَبّنا جِهاد الأدنى فالأدنى ، فسرنا بذلك فيما بيننا ، نرى أنّ الذى قال لنا ووعدنا لا يُخرَم عنه ولا يُنقَض ؛ حتى اجتمعت العرب على هذا ، وكانوا من اختلاف الرّأى فيما لا يطيق الخلائق تأليفهم . ثم أتيناكم بأمر ربّنا ، نجاهد فى سبيله، ونَنفُذ لأمره ، وننتجز موعودَه ، وندعوكم إلى الإسلام وحكمه ؛ فإن أجبتمونا تركناكم ورجعنا وخلَّفْنا فيكم كتاب اللّهِ؛ وإن أبيتم لم يحلّ لنا إلاّ أن نعاطيكم القتال أو تفتدوا بالجِزَى؛ فإن فعلتم وإلا فإنّ اللّه قدأورثَنا أرضكم وأبناءكم وأموالكم. فاقبلوا نصيحتنا؛ فوالله لإسلامُكُمْ أحبّ إلينا من غنائمكم، ولقتالكم بعد أحبّ من صلحكم. وأمَّا ما ذكرت من رثائتنا وقلَّتنا فإنّ أداتنا الطاعة ، وقتالَنا الصبر (١). وأمَّا ما ضربتم لنا من الأمثال ، فإنكم ضربتمُ للرجال والأمور الجسام وللجِدّ الهزل؛ ولكنّا سنضرب مثلكم، إنَّما مثلُكم مثلُ رجل غَرَس أرضا ، واختار لها الشَّجَر والحَبّ ، وأجرى إليها الأنهار ، وزيَّنها بالقصور ، وأقام فيها فلاّ حين يسكنون قصورها ، ويقومون على جنّاتها ، فخلاً الفلاحون فى القصور على ما لا يحبّ ، وفى الجنان بمثل ذلك ، فأطال نظرتهم ؛ فلمَّا لم يستحيوا (٢) من تلقاء أنفسهم ؛ استعتبهم فكابروه ، فدعا ٢٢٨٥/١ (١) ز: ((بالنصر)). (٢) ابن حبيش والنويرى: ((يستجيبوا)). ء ٥٢٩ سنة ١٤ إليها غيرهم ، وأخرجهم منها ؛ فإن ذهبوا عنها تخطّفهم النَّاس ، وإن أقاموا فيها صارُوا خَوَلاً لهؤلاء يملكونهم؛ ولا يمَّكون عليهم؛ فيسومونَهُم الخَسْفَ أبدًا؛ ووالله أن لو لم يكن ما نقول لك حقًّا، ولم يكن إلاَّ الدنيا، لما كان لنا عَمّا ضرِينًا به من لذيذ عيشكم، ورأينا من زِبتْرِجكم من صبرٍ ، ولقارعناكم حتی نغلبكم عليه . فقال رستم : أتعبرون إلينا أم نعبر إليكم.؟ فقالوا : بل اعبرُوا إلينا ، فخرجوا من عنده عشيًّاً، وأرسل سعد إلى النَّاس أن يقفوا مواقفتهم ، وأرسل إليهم: شأنكم والعبور؛ فأرادوا القنطرة، فأرسل إليهم: لا ولا كرامة! أمّا شىء قد غلبناكم عليه فلن نردَّه عليكم؛ تكلَّفوا معبرًاً غير القناطر، فباتوا يسكُرون العتيق حتى الصباح بأمتعتهم . # يوم أرماث كتب إلىّ السرىُّ، عن شعيب، عن سيف، عن محمَّد ، عن عبيد اللّه، عن نافع وعن الحكم ، قالا: لمَّا أراد رستم العبورَ أمر بسكْر (١) العتيق بحيال قادس ، وهو يومئذ أسفل منها اليوم ممَّا يلِى عين الشمس ، فباتوا ليلَتَّهم حتَّى الصباح يسكُرون العتيق بالتراب والقصّب والبراذع حتى جعلوه طريقًا ، واستُقِمّ بعد ما ارتفع النهار من الغد . ٢٢٨٦/١ كتب إلىّ السرىُّ، عن شعيب، عن سيف ، عن محمَّد وطلحة وزياد بإسنادهم، قالوا: ورَأى رستم من الليل أن ملكًا نزل من السماء، فأخذ قصىّ أصحابه ، فختم عليها ، ثم صعد بها إلى السماء؛ فاستيقظ مهمومًا مخزونًا، فدعا خاصّته فقصّها عليهم، وقال: إنَّ اللّه لَيَعظُنا، لوأنّ فارس تركونى أتَّعظ! أما تروْن النصر قد رُفع عنَّاً، وترون الريح مع عدوّنا ، وأنَّا لا نقوم لهم فى فعل ولا منطق ، ثم هم يريدون مغالبة بالجبريّة! فعبروا بأثقالهم حتى نزلُوا على ضَفَّة العتيق . كتب إلىّ السرىُّ، عن شعيب، عن سيف ، عن الأعْمَش ، قال : (١) سكر النهر : سد فاه . ٥٣٠ سنة ١٤ لمَّا كان يوم السَّكْر، لبس رستم درعَيْن ومغفرًاً وأخذ سلاحه ، وأمر بفرسه فأسرج ، فأتِىَ به فوثَب ؛ فإذا هو عليه لم يمسَّه ولم يضع رجله فى الرّكاب ، ثم قال: غدًا ندقّهم دقًّاً، فقال له رجل: إن شاء اللّه، فقال: وإن لم يشأ ! ٢٢٨٧/١ كتبَ إلىّ السرىُّ ، بن يحيى، عن شعيب، عن سيف ، عن محمد وطلحة وزياد بإسنادهم، قالوا: قال رستم : إنَّما ضَغًا الثعلب حين مات الأسد - يذكرهم(١) موتَ كسرى - ثم قال لأصحابه: قد خشيتُ أن تكونَ هذه سنة القرود . ولما عَبر أهل فارس أخذوا مصافّهم ، وجلس رستم على سريره وضُرُب عليه طيّارة، وعبَى فى القلب ثمانية عشر فيلاً، عليها الصناديق والرّجال ، وفى المجنَّبتين ثمانية وسبعة ، عليها الصناديق والرّجال ، وأقام الجالنوس بينه وبين ميمنته والبيرزان بينه وبين ميسرته ، وبقيت القنطرة بين خيليْن من خيول المسلمين وخيول المشركين؛ وكان يَزْدَ جِرْد وَضَعَ رجُلاً على باب إيوانه، إذ سرّح رستم ، وأمَرَه بلزومه وإخباره ، وآخر حيث يسمعه من الدّار، وآخر خارج الدار، وكذلك على كلّ دعوة رجلا؛ فلما نزل رستم، قال الذى بساباط: قد نزل ، فقاله الآخر ... حتى قاله الذى على باب الإيوان ؛ وجعل بين كلّ مرحلتَيْن على كلّ دعوة رجلاً ؛ فكلّما نزل وارتحل أو حدث أمرٌ قاله ؛ فقاله الذى يليه، حتى يقوله الذى يلى باب الإيوان؛ فنظّم ما بين العتيق والمدائن رجالاً ، وترك البُرُّد ، وكان ذلك هو الشأن . وأخذ المسلمون مصافَّهم ، وجُعِلِ زُهرة وعاصم بين عبد اللّه وشُرَّحبيل، ووكل" صاحب الطلائع بالطِّراد، وخلَط بين الناس فى القلب والمجنّبات ، ونادى مناديه : ألا إنّ الحسد لا يحلّ إلاّ على الجهاد فى أمر الله يأيها الناس؛ فتحاسدوا وتغايروا على الجهاد . وكان سعد يومئذ لا يستطيعُ أن يركبَ ولا يجلس ، به حُبُون(٢)، فإنَّما هو على وجهه فى صدره وسادة ، هو مُكِبّ عليها ، مُشرِف على الناس من القَصْر ، يرمى بالرّقاع فيها أمرُه ونهيُه، ٢٢٨٨/١ (١) ابن حبيش: ((يريد)). (٢) الحبون: الدماميل، واحدها حين . سنة ١٤ ٥٣١ إلى خالد بن عُرْفُطة، وهو أسفل منه؛ وكان الصفّ إلى جنب (١) القَصْر، وكان خالد كالخليفة لسعد لو لم يكن سعد شاهدًاً مُشرِفًا . كتب إلىَّ السرىّ ، عن شعيب ، عن سيف، عن القاسم بن الوليد الهمْدانىّ، عن أبيه، عن أبى نِمْان، قال: لمَّا عَبَر رستم تحوّل زهرة والجالنوس ، فجعل سعد زُهرةَ مكان ابن السِّمط ، وجعل رستم الجالنوس مكان الهُرْمُزان، وكان بسعد عِرْق النَّسَا ودَمَاميل ، وكان إنما هو مكبّ ، واستخلف خالد بن عُرْفُطة على الناس ، فاختلف عليه الناس ، فقال : احملونى، وأشرِفوا بى على النَّاس؛ فارتقتَوْا به ، فأكبّ مطَّلعًا عليهم ، والصفُّ فى أصل حائط قُدَيْس؛ يأمر خالدًاً فيأمر خالد الناس ، وكان ممَّن شغب عليه وجوُهٌ من وجوه النَّاس، فهمّ بهم سعد وشتّمهم ، وقال : أما والله لولاً أنّ عدوّكم بحضرتكم لجعلتكم نكالاً لغيركم ! فحبسهم - ومنهم أبو مِحْجَن الثَّقَفِىّ - وقيّدهم فى القصر ، وقال جرير : أما إنى بايعت رسولَ اللّه صلَّى الله عليه وسلَّم على أن أسمعَ وأطيع لمن ولاَّه اللّه الأمر وإن كان عبدًا حبشيًا، وقال سعد: والله لا يعود أحدٌ بعدها يحبس المسلمين عن عدوّهم ويشاغلهم وهم بإزائهم إلاّ سُنَّت به (٢) سُنَّة يؤخَذ بها مِنْ بعدى. كتب إلىَّ السرئِّ ، عن شعيب ، عن سيف ، عن محمد وطلحة وزياد بإسنادهم، قالوا: إنّ سعدًا خطب مَنْ يليه يومئذ ؛ وذلك يوم الاثنين فى المحرّم سنة أربع عشرة، بعد ما تهدّم على الذين اعترضوا على خالد بن عُرْ فُطة فحمد الله وأثنى عليه . وقال: إن الله هو الحقّ لا شريك له فى المُلك؛ وليس لقوله خلْف، قال الله جلّ ثناؤه: ﴿وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِى الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِىَ الصَّالِحُونَ ﴾(٣)، إنّ هذا ميراثكم وموعود ربّكم ، وقد أباحها لكم منذ ثلاث حِجَج ؛ فأنتم تطعمون منها ، وتأكلون منها ، وتقتلون أهلها ، وتجْبونهم وتسبونهم إلى هذا اليوم ٢٢٨٩/١ (١) ابن حبيش: ((جانب)). (٣) سورة الأنبياء ١٠٥ . (٢) ابن حبيش: ((سننت فيه)). : ٥٣٢ سنة ١٤ بما نال منهم أصحاب الأيَّام منكم ، وقد جاءكم منهم هذا الجمع ؛ وأنتم وجوهُ العرب وأعيانُهم، وخيار كلّ قبيلة، وعِزُّ مَن وراءكم؛ فإن تَزْهدوا فى الدّنيا وترغبوا فى الآخرة جَمَعَ اللّه لكم الدُّنيا والآخرة ، ولا يقرّب ذلك أحدًا إلى أجلِهِ، وإنْ تفشلوا وتَهِنوا وتضعُفُوا تذهب ريحُكم ، وتُويقوا آخرتکم . وقام عاصم بن عمرو فى المجرّدة؛ فقال: إنَّ هذه بلاد قد أحلّ اللّه لكم أهلها، وأنتم تنالون منهم منذ ثلاث سنين مالا ينالون منكم ، وأنتم الأعلون واللّه معكم؛ إن صبرتم وصد قتموهم الضّرب والطعن فلكم أموالهم ونساؤهم وأبناؤهم وبلادهم ؛ وإن خُرتم وفشلتم فالله لكم من ذلك جار وحافظ ، لم يُبق هذا الجمع منكم باقية ؛ مخافة أن تعودوا عليهم بعائدة هلاك . اللّه اللّهَ! اذكروا الأيّام وما منحكم اللّه فيها؛ أوَ لا ترون أنّ الأرض وراء كم بسابس قِفارٌ ليس فيها خَمَر ولا وَزَر يُعقل إليه، ولا يُمتنَعَ به! اجعلوا همكم الآخرة . وكتب سعد إلى الرّايات : إنى قد استخلفتُ عليكم خالد بن عُرْفُطة ، وليس يمنعنى أن أكونَ مكانه إلاّ وَجَعَى الذىيعودُ نى وما بى من الحُبون، فإنّی مُكبّ على وجهى وشخصى لكم باد ، فاسمعوا له وأطيعوا، فإنَّه إنَّما يأمركم بأمرى، ويعمل برأيى . فقُرئ على النَّاس فزادهم خيرًا، وانتهوا إلى رأيه ، وقبلوا منه وتحاثّوا على السمع والطاعة، وأجمعوا على عُذر سعد والرّضا بما صنع. كتب إلىّ السرىُّ، عن شعيب ، عن سيف، عن حلام ، عن مسعود ، قال : وخطب أمير كلّ قوم أصحابَه ، وسيّر فيهم ، وتحاضّوا على الطاعة والصبر تواصّوْا ؛ ورجع كلّ أمير إلى موقفه بمن والاه من أصحابه عند المواقف؛ ونادى مُنادى سعد بالظُّهر، ونادى رستم: ((پاد شهانٍ مَرَنْدر))، أكل عمر كبدى أحرق اللّه كبده! علَّ هؤلاء حتى علموا . كتب إلىّ السرىُّ، عن شُعيب، قال : حدّثنا سيف ، عن النَّضر، عن ابن الرُّفيل، قال: لمَّا نزل رستم النَّجَف بعثَ منها عينا إلى عسكر المسلمين ، فانغمس فيهم بالقادسيَّة كبعض مَن ندّ منهم ، فرآهم يستا كون ٢٢٩٠/١ ٢٢٩١/١ سنة ١٤ ٥٣٣ عند كلّ صلاة ثم يصلّون فيفترقون إلى مواقفهم ، فرجع إليه فأخبره بخبرهم ، وسيرتهم ، حتى سأله: ما طعامهم ؟ فقال: مكثتُ فيهم ليلةً، لا واللّه ما رأيت أحداً منهم يأكل شيئاً إلا أن يمصُّوا عِيدَانًا لهم حين يُمْسُون، وحين ينامون ، وقُبيلَ أن يُصبحوا . فلمّا سار فنزل بين الحصن والعتيق وافقهم وقد أذن مؤذّن سعد الغداة ، فرآهم يتحشحشون(١) ؛ فنادى فى أهل فارس أنْ يركبوا ، فقيل له : ولمَ ؟ قال : أما ترون إلى عد وكم قد نُودِىَ فيهم فتحشحشوا لكم ! قال عينه : ذلك إنما تحشحُشُهم هذا للصلاة ، فقال بالفارسية ، وهذا تفسيره بالعربية : أتانى صوت عند الغداة، وإنما هو عُمَرَ الذى يكلّم الكلاب فيعلمهم العقل ، فلمَّا عبروا تواقفوا، وأذن مؤذِّن سعد الصّلاة ، فصلّى سعد ، وقال رستم : أكل عمر كبدى ! كتب إلىّ السرىُّ، قال : حدثنا شعيب ، عن سيف ، عن محمد وطلحة وزياد بإسنادهم ، قالوا : وأرسل سعدٌ الذين انتهى إليهم رأىُ الناس ، والذين انتهت إليهم نُجدتُهم وأصناف الفَضْل منهم إلى الناس ، فكان منهم من ذوى الرأى النَّفْرُ الذين أتوا رستم المغيرةُ، وحُذَيْفة ، وعاصم ؛ وأصحابهم؛ ومن أهل النجدة(٢) طُلَيْحة، وقَيَس الأسدىّ، وغالب، وعمرو ابن مَعْد يكرب وأمثالهم؛ ومن الشعراء الشَّمَّاخ والحُطَيْئَة، وأوس بن مَغْراء، وعبْدة بن الطبيب ؛ ومن سائر الأصناف أمثالهم . وقال قبل أن يُرسلهم : انطلقوا فقومُوا فى النَّاس بما يحقّ عليكم ويحقّ عليهم عند مواطن البأس؛ فإنَّكم من العرب بالمكان الذى أنتم به ، وأنتم شُعراء العرب وخُطباؤهم وذوو رأيهم ونجدتهم وسادتهم ، فسيروا فى الناس، فذكروهم وحَرّضوهم على القتال ، فساروا فيهم. فقال قيس بن هُبيرة الأسدىّ: أيُّها الناس ، احمدوا الله على ما هداكم له وأبلاكم يَزِدْكم، واذكروا آلاءَ اللّه، وارغَبوا إليه فى عاداته؛ فإنّ الجنّة أو الغنيمة(٣) أمامكم؛ وإنه ليس وراءهذا القَصْر إلا العراء ٢٢٩٢/١ (١) التحشحش: التحرك للنهوض . (٣) ز: ((والغنيمة)). (٢) ابن حبيش: ((النجدات)). ٥٣٤ سنة ١٤ والأرض القَفْر ، والظّراب الخُشْن، والفلوات التى لا تقطعها الأدلّة. وقال غالب : أيُّها الناس ، احمدوا الله على ما أبلاكم، وسلوه يزدْكم ، وادعوه يُجبْكم ؛ يا معاشر مَعَدّ؛ ما علَّتُكم اليوم وأنتم فى حصونكم - ٢٢٩٣/١ يعنى الخيل - ومعكم من لا يعصيكم - يعنى السيوف؟ اذكروا حديث الناس فى غدٍ ؛ فإنه بكم غدًا يُبْدَأ عنده، وبمن بعدكم يُثنَّى . وقال ابن الهُذيْل الأسدىّ: يا معاشر معدّ، اجعلوا حصونكم السيوف ، وكونوا عليهم كأسود الأجَم، وترَبَّدوا(١) لهم تربُّد النُّمور، وادَّرِعوا العجاج، وثقوا باللّه. وغُضّوا الأبصار، فإذا كلَّت السيوف فإنها مأمورة ، فأرسلوا عليهم الجنادل ، فإنها يؤذن لها فيما لا يؤذن للحديد فيه . وقال بُسْربن أبى رُهْم الجُهْسَىّ: احمدوا الله ، وصد قوا قولكم بفعل، فقد حمدتم الله على ما هداكم له ووحدتموه ولا إله غيره، وكبر تموه ، وآمنتم بنبيّه ورُسُلُه فلا تموتُنَّ إلا وأنْتِم مُسْلِمُون، ولا يكون" شىء بأهونَ عليكم من الدُّنيا ، فإنها تأتى مَن تهاون بها ، ولا تميلوا إليها فتهرُب منكم لتميلَ بكم . انصُرُوا اللّه ينصُرُكم . وقال عاصم بن عمرو : يا معاشرَ العرب ؛ إنَّكم أعيانُ العرب ، وقد صمدتم (٢) الأعيان من العجم؛ وإنما تخاطرون بالجنَّة، ويخاطرون بالدنيا، فلا يكونُنَ" على دنياهم أحوطَ منكم على آخرتكم. لا تحدثوا اليوم أمرًا تكونون به شَيْئًا على العَرَب غدًا . وقال ربيع بن البلاد السعدىّ: يا معاشرَ العرب، قاتلوا للدّين والدُّنيا؛ ﴿وسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَوَاتُ وَالأرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتُّقِينِ(٢٣)، وإن عظّم الشيطان عليكم الأمْرَ، فاذكروا الأخبار عنكم بالمواسم ما دام للأخبار أهل . ١/ ٢٢٩٤ (١) تربدوا : تعبسوا واغضبوا. (٢) صمدتم: قصدتم. (٣) سورة آل عمران ١٣٣. سنة ١٤ ٥٣٥ وقال رِبْعِىّ بن عامر: إنّ اللّه قد هداكم للإسلام، وجمعكم به، وأراكم الزّيادة ، وفى الصبر الرّاحة ، فعَوّدوا أنفسكم الصبر تعتادوه ، ولا تعوّدوها الجَزّع فتعتادوه . وقام كلّهم بنحو من هذا الكلام ، وتواثَق الناس ، وتعاهدوا ، واهتاجوا لكلّ ما كان ينبغى لهم، وفعل أهلُ فارس فيما بينهم مثلَ ذلك، وتعاهدوا وتواصوا ؛ واقترنوا بالسلاسل ؛ وكان المقترنون ثلاثين ألفاً . كتب إلىَّ السرىُّ، عن شعيب، عن سيف ، عن مجالد ، عن الشعبىّ. إنّ أهل فارس كانوا عشرين ومائة ألف، معهم ثلاثون فيلاً، مع كلّ فيل أربعة آلاف. كتب إلىّ السرىُّ بن يحيى ، عن شعيب ، عن سيف ، عن حلام ، عن مسعود بن خِراش ، قال : كان صفّ المشركين على شفير العتيق ، وكان صفّ المسلمين مع حائط قُدَيْس، الخندقُ من ورائهم. فكان المسلمون والمشركون بين الخندق والعتيق. ومعهم ثلاثون ألف مسلسل ، وثلاثون فيلا تُقاتِل ، وفيمكة عليها الملوك وقوف لا تُقاتل. وأمر سعد النَّاس أن يقرءوا على النَّاس سورة الجهاد ، وكانوا يتعلّمونها . كتب إلىّ السرىُّ، عن شعيب ، عن سيف ، عن محمد وطلحة وزياد بإسنادهم، قالوا: قال سعد: الزمُوا مواقفكم، لا تحرّكوا شيئًا حتى تصلّوا الظهر، فإذا صلَّيتم الظهر فإنِّى مكبِّر تكبيرةً ، فكبِّرُوا واستعدّوا .. واعلموا أنّ التّكبير لم يُْعطَه أحدٌ قبلكم، واعلموا أنَّما أعطيتموه تأييدًا لكم . ثم إذا سمعتم الثانية فكبِّروا، ولتُستتمّ عُدَّتكم، ثم إذا كبَّرَتُ الثالثة فكبِّرُوا، ولينشِّط فرسانُكم الناس ليبرزوا وليطاردوا ، فإذا كيّرت الرابعة فازحفوا جميعاً حتى تخالطوا عدوّ كم؛ وقولوا : لا حول ولا قوّة إلا باللّه! كتب إلىّ السرىُّ، عن شعيب، عن سيف، عن عمرو بن الرَّیان، عن مُصْعَب بن سعد، مثله . كتب إلىّ السرىُّ ، عن شعيب ، عن سيف ، عن زكريَّاء، عن أبى إسحاق ، قال : أرسل سعد يوم القادسيَّة فى النَّاس: إذا سمعتم التَّكبير ٢٢٩٥/١ ٥٣٦ سنة ١٤ فشدّوا شُسوع نعالِكم ، فإذا كبَّرتُ الثانية فتهيَّئَوا، فإذا كبّرت الثالثة فشدّوا النواجذ على الأضراس واحملوا . كتب إلىّ السرىُّ بن يحيى، عن شُعيب ، عن سيف ، عن محمد وطلحة وزياد بإسنادهم ، قالوا : لمَّ صلَّى سعد الظهر أمر الغلام الَّذى كان ألزمه عمر إيّاه - وكان من القرّاء .. أن يقرأ سورة الجهاد، وكان المسلمون يتعلَّمونها كلّهم ، فقرأ على الكتيبة الذين يلُونه سورةَ الجهاد ، فقرئت فى كلّ كتيبة ، فهشَّت قلوب الناس وعيونهم وعرفوا السكينة مع قراءتها . كتب إلىّ السرىُّ ، عن شعيب ، عن سيف ، عن محمد وطلحة وزياد بإسنادهم، قالوا: لما فرغ القُرّاء كبَّرَ سعد، فكبّر الذين يلُونه تكبيرة ، وكبّر بعض الناس بتكبير بعض، فتحشحش(١) الناس، ثم ثنَى فاستتَمْ" الناس ، ثُم ثلَّث فبرز أهلُ النَّجدات فأنشبوا القتال ، وخرج من أهل فارس أمثالُهم ، فاعتوروا الطَّعن والضّرب، وخرج غالب بن عبد اللّه الأسدىّ وهو يقول : ٢٢٩٦/١ ذاتُ اللَّبانِ والبنانِ الواضح (٣) قد عَلِمَتْ وارِدَةُ المسائحِ وفارِجُ الأمْرِ الْمُهِ الفَادِحِ أنَّى سِمامُ الْبَطَلِ المُشايح (٣) فخرج إليه هُرُمُز - وكان من ملوك الباب، وكان متوَّجًا - فأسره غالب أسرًا ، فجاء سعدًا، فأدخل ، وانصرف غالب إلى المطاردة ، وخرج عاصم ابن عمرو وهو يقول : مِثْلُ اللُّجَيْنِ إِذْ تَغَشَّاهُ الذَّهَبْ قد عَلِمَتْ بَيْضاءٍ صَفْراءِ اللَّبَبْ(٤) أَنِّى امْرُؤُ لا مَنْ تَعِبُهُ السَُّبْ(٥) مِثْلِى على مِثْلِكَ يُغْرِيهِ العَّتَبْ (١) تحشحش الناس: تحركوا. (٢) اللبان": الصدر . (٣) المشايح : المقاتل . (٤) اللبب، بالتحريك : موضع القلادة من الصدر . (٥) ط: ((يعينه السبب))، وانظر التصويبات. سنة ١٤ ٥٣٧ فطارد رجلا من أهل فارس ، فهرب منه واتّبعه ، حتى إذا خالط صفَّهم التقى بفارس معه بغلة ، فترك الفارس البَغل ، واعتصم بأصحابه فحموه ، واستاق عاصم البغل والرَّحْل، حتى أفضى به إلى الصفّ، فإذا هو خبَّاز الملك وإذا الَّذِى معه لَطَفُ الملك الأخبصةُ والعسل المعقود ، فأتى به سعدًا ، ورجع إلى موقفه ، فلمَّا نظر فيه سعد ، قال : انطلقوا به إلى أهل موقفه ، وقال : إنَّ الأمير قد نفَّلكم هذا فكلُوه ، فتفّلهم إياه . قالوا: وبينا الناس ينتظرون التكبيرة الرابعة، إذ قام صاحب رجّالة بنى نَهْد قيس بن حِذيَم بن جُرْثومة، فقال: يا بنى نَهْد انهدوا، إنما سمَّيَمِ نَهْدًا لتفعلوا . فبعث إليه خالد بن عُرفُطة: واللّه لتكُفَّنّ أوْ لأولِّيَنّ عمَلَك غيرك. فكتف". ٢٢٩٧/١ ولما تطاردت الخيل والفُرسان خرج رجُلٌ من القوم ينادى: مَرَد ومرد، فانتدب له عمرو بن معديكرب وهو بحياله ، فبارزه فاعتنقه ، ثم جلد به الأرض فذبحه ، ثم التفتَ إلى النَّاس، فقال: إن الفارسىّ إذا فقد قوسه فإنما هو تَيْس. ثم تكثَّبت الكتائب من هؤلاء وهؤلاء . کتب إلىّ السرئُّ، عن شعیب، عن سیف، عن إسماعيل بن أبى خالد، عن قيس بن أبى حازم ، قال : مرّ بنا عمرو بن معدیکرب وهو يحضّض الناس بين الصّفين ، وهو يقول : إنَّ الرجل مِن هذه الأعاجم إذا ألفى مِزراقه ، فإنَّما هو تيْس ؛ فبينا هو كذلك يحرّضنا إذ خرج إليه رجلٌ من الأعاجم ، فوقف بين الصفّين فرمى بنُشَّابة، فما أخطأت سِيَةَ قوسه وهو متنكِّبها، فالتفت إليه فحمل عليه، فاعتنقه، ثم أخذ بِمنْطقته، فاحتمله فوضعه بين يديه ، فجاء به حتى إذا دنا منَّا كمر عنقه ، ثم وضع سيفه على حَلْقه فذبحه ؛ ثم ألقاه. ثم قال: هكذا فاصنعوا بهم! فقلنا: ٢٢٩٨/١ يا أبا ثور ، من يستطيع أن يصنع كما تصنع ! وقال بعضهم غير إسماعيل: وأخذ سوارَيْه ومنْطقته ويلْمَق ديباج عليه . كتب إلىّ السرىّ، عن شعيب، عن سيف، عن إسماعيل بن أبى خالد، ٥٣٨ سنة ١٤ عن قيس بن أبى حازم ؛ أنَّ الأعاجم وجَّهت إلى الوجه الَّذى فيه بجيلةُ ثلاثة عشر فيلا(١) . كتب إلىَّ السرىُّ ، عن شعيب، عن سيف، عن إسماعيل بن أبى خالد، قال : كانت- يعنى وقعة القادسيَّة - فى المحرّم سنة أربع عشرة فى أوله. وكان قد خرج من الناس إليهم، فقال له أهل فارس: أحِلْنا ، فأحالهم على بجيلة، فصرفوا إليهم ستَّة عشر فيلا . كتب إلىَّ السرىّ ، عن شعيب ، عن سيف، عن محمد وطلحة وزياد، قالوا : لمَّا تكتَّبت الكتائب بعد الطّراد حمل أصحاب الفيلة عليهم ، ففرّقت بين الكتائب ، فابذعرّت (٢) الخيل؛ فكادت (٣) بَجيلة أن تُؤكل (٤)؛ فَرّت عنها خيلُها نِفارًا، وعمَّن كان معهم فى مواقفهم(٥)، وبقيت الرجَّالة من أهل المواقف، فأرسل سعد إلى بنى أسد: ذبّبوا (٦) عن بجيلة ومن لافَّها من الناس؛ فخرج طُلَيحة بن خُوَيْلِد وحَمَّال بن مالك وغالب بن عبد اللّه والرّبِّيل بن عمرو فى كتائبهم ، فباشروا الفيلة حتى عدلها ركبانها ؛ وإنَّ على كلّ فيل(٧) عشرين رجلا . كتب إلىّ السرىّ ، عن شعيب ، عن سيف ، عن محمدبن قيس ، عن موسى بن طريف ، أن طُلّيحة قام فى قومه حين استصرخهم سعد ، فقال (٨): يا عشيرتاه؛ إنَّ المنوَّه باسمه، الموثوق به، وإنَّ هذا لو علم أنّ أحدًا أحقّ بإغاثة هؤلاء منكم استغاثهم؛ ابتدءوهم (٩) الشَّدّة ، وأقدِ موا عليهم ٢٢٩٩/١ (١) فى ابن حبيش بعدها: ((وصفوا على سائر الناس سبعة عشر)). (٢) ابذعرت الخيل: تفرقت؛ وفى ز: ((فانذعرت)). (٣) ابن حبيش: ((وكادت)). (٤) ابن الأثير والنويرى: ((تهلك)). (٥) ابن حبيش: ((موقفهم)). (٦) ذبوا : دافعوا . (٧) ابن حبيش: ((كل فيل يومئذ)). (٨) ابن حبيش: ((فقال وهو يحرضهم)). (٩) ابن حبيش: ((ابدءوهم)). صرخة ١٤ ٥٣٩ إقدام الليُوث الحَرِبة؛ فإنَّما سمِّيتم أسدًا لتفعلوا فعله(١)؛ شدّوا ولا تصدُّوا، وكرُّوا (٢) ولا تفرُّوا، للّه درُّ ربيعة! أى فَرِىّ يَفْرون! وأىَّ قِرْنِ يُغنون(٣)! هل يوصل إلى مواقفهم (٤)! فأغنواعن مواقفكم أعانكم الله ! شدّوا عليهم باسم اللّه! فقال المَعْرور بن سوَيْد وشَقيق؛ فشدّوا والله عليهم فما زالوا يطعنونهم ويضربونهم حتى حبسْنا الفيلة عنهم؛ فأخِّرَّتْ، وخرج إلى طُلَيْحة عظيم منهم فبارزه ؛ فما لبَّه طليحة أن قتله . كتب إلىّ السرىُّ، عن شعيب ، عن سيف ، عن محمد وطلحة وزياد ، قالوا : وقام الأشعث بن قيس فقال : يا معشرَ كِنْدة ؛ لله درُّ بنى أسد ! أىّ فَرِىّ يفَرُون (٥)! وأىَّ هَذّ يَهُدُّون (٦) عن موقفهم منذ اليوم! أغنى كلّ قوم ما يليهم؛ وأنتم تنتظرون مَن يكفيكم البأس (٧) ! أشهَدُ ما أحسنتم أسوة قومكم العرب (٨) منذ اليوم، وإنهم ليقتلون ويقاتلون؛ وأنتم جثاةٌ على الرُّكب تنظرون ! فوثب إليه عدد منهم عشرة ؛ فقالوا : عثَّر الله جَدَّك (٩)! إنَّك لتؤبِّسُنا (١٠) جاهدًا، ونحن أحسنُ الناس موقفاً ! فمن أين خذلْنا قومنا العرب وأسأنا إسوتهم ! فها نحن معك. فنتهد ونهدوا، فأزالوا الَّذِين بإزائهم ؛ فلمّا رأى أهلُ فارس ما تلقى الفِيلة من كتيبة أسد رَمَوْهم بحدّهم وبدر المسلمين الشَّدّة عليهم ذو الحاجب والجالنوس، والمسلمون ينتظرون التّكبيرة الرابعة من سعد، فاجتمعت حَلْبة فارس على أسد ومعهم تلك الفيلة ، وقد ثبتوا لهم ؛ وقد كبّر سعد الرّابعة ، فزحف إليهم ٢٣٠٠/١ (١) ز: ((فعلة الأسد)). (٢) ز: ((وكبروا)). (٣) ز: ((يعنون)). (٤) ز: ((من واقفهم)). (٥) الفرىّ: الأمر العظيم؛ ويقال: فلان يفرى الفرىّ؛ إذا كان يأتى بالعجب فى عمله. (٦) الهذ : القطع السريع . (٧) ز: ((الناس)). (٨) ابن حبيش: ((إخوانكم من العرب)). (٩) ابن خُبَيش: ((فقال له: عثر جدك)). (١٠) تؤبسنا، أى تحقر أمرنا. ٥٤٠ سنة ١٤ المسلمون ورحتى الحرب تدور على أسد، وحملت الفيول على الميمنة والميسرة على الخيول؛ فكانت الخيول تُحْجِم عنها وتَحيد، وتلحّ فرسانهم على الرَّجْل يشمّسون بالخيل ؛ فأرسل سعد إلى عاصم بن عمرو ، فقال : يا معشرَ بنى تميم ؛ ألستم أصحابَ الإبل والخيل! أما عندكم لهذه الفيلة من حيلة ! قالوا : بلى والله ؛ ثم نادى فى رجال من قومه رماة وآخرين لهم ثقافة (١)، فقال لهم: ٢٣٠١/١ يا معشرَ الرماة ذبُّوا ركبان الفِيلة عنهم بالنَّبْل، وقال: يا معشرَ أهل الثقافة استدبروا الفيلة فقَطِّعُوا وُضُنها (٢)؛ وخرج يحميهم والرّحى تدور على أسد، وقد جالت الميمنة والميسرة غير بعيد ؛ وأقبل أصحاب عاصم على الفيلة ، فأخذوا بأذنابها وذباذب (٣) توابيتها، فقَطعوا وضُنَها، وارتفع عُواؤهم؛ فما بقىَ لهم يومئذ فيل إلاّ أعرِىَ، وقُتل أصحابها، وتقابل الناس ونُفِّس عن أسد، وردّوا فارسَ عنهم إلى مواقفهم؛ فاقتتلوا حتى غربت الشمس. ثمّ حتى ذهبت هدأة من الليل ؛ ثم رجع هؤلاء وهؤلاء ؛ وأصيب من أسد تلك العشيّة خمسمائة؛ وكانوا ردءًا للنَّاس؛ وكان عاصم عادية النَّاس وحاميتهم؛ وهذا يومها الأوّل وهو يوم أرمات . كتب إلىّ السرىُّ ، عن شعيب، عن سيف، عن الغصن، عن القاسم، عن رجل من بنى كنانة ، قال : جالت المجنَّبات ودارت على أسد يوم أرماث فقتِل تلك العشيّة منهم خمسمائة رجل ؛ فقال عمرو بن شأس الأسدىّ : جَلَبْنَا الْخَيْلَ من أكنافٍ نِيقٍ إِلى كِسْرَى فوافَقَهَا رِعالا (٤) وبالْحَقْوَيْنِ أَيَّاماً طِوالا تَرَكْنَ لهم على الأقسام شجْوًا تُبَكِّى كُلَمَا رَأْتِ الهِلالا وداعِيةٍ بفارِسَ قد تَرَ كْنا تُثِيرُ الخيلُ فوقَهُمُ الْمَيَالا قَتَلنا رُسْتُمَاً وبَنَيهِ قَسْرًا ترَكْنا منهُمُ حَيْثُ التَّقِيْنَا فِئاماً ما يُريدون ارتِالا(*) ٢٣٠٢/١ ٢٣٠٣/١ (١) ابن حبيش: ((وأخرى أهل ثقاف)). (٢) الوضين: بطان عريض منسوج من سيور أو شعر. (٣) انذباذب : أشياء تعلق بالهودج للزينة . (٥) الفئام: الجماعة من الناس، وفى ط: ((قياما)). (٤) الرعال : الجماعة من الخيل .