النص المفهرس
صفحات 481-500
٤٨١ سنة ١٤ على المقدّمة، فرجع إليه، و[جعل] (١) على المجنَّبتين الزَّبير وعبدالرحمن بنعوف، فقام فى الناس فقال: إنَّ اللّه عزّ وجلّ قد جمع على الإسلام أهلَه؛ فألّف بين القلوب ، وجعلهم فيه إخوانًا، والمسلمون فيما بينهم كالجسد لا يخلو منه شىء من شىء أصاب غيره ؛ وكذلك يَحِقُّ على المسلمين أن يكونوا أمرُهم شورى بينهم وبين (٢) ذوى الرّأى منهم؛ فالناس تبَعٌ لمن قام بهذا الأمر؛ ما اجتمعوا عليه ورضُوا به لزِمِ النَّاس وكانوا فيه تبعًا لهم ، ومن أقام بهذا الأمر تبعٌ لأولِى رأيهم ما رأوْا لهم ورضُوا به لهم من مكيدة فى حرب كانوا فيه تبَّعًا لهم. يأيّها النَّاس، إنى إنَّما كنت كرجل منكم حتى صرفى (٣) ذوو الرّأى منكم عن الخروج، فقد رأيت أن أقيم وأبعث رجلاً ، وقد أحضرتُ هذا الأمر؛ مَنْ قدّمتُ ومَنْ خلّفتُ. وكان علىّ عليه السلام خليفتَه على المدينة ، وطلحة على مقدّمته بالأعوص ؛ فأحضرهما ذلك . ١ / ٢٢١٤ كتب إلىّ السرىّ، عن شعيب، عن سيف، عن محمد بن إسحاق ، عن صالح بن كيسان ، عن عمر بن عبد العزيز ، قال : لمَّا انتهى قتلُ أبى عُبيد ابن مسعود إلی عُمر ، واجتماعُ أهلِ فارس على رجل من آل کسری ، نادی فى المهاجرين والأنصار ، وخرجَ حتى أتى صِرارًا، وقدّم طلحةَ بن عُبيد اللّه حتَّى يأتىَ الأعوَص، وسمَى لميمنته عبد الرحمن بن عوف ، ولميسرته الزّبير ابن العوّام، واستخلف عليًّا رضى الله عنه على المدينة، واستشار النَّاسَ، فكلّهم أشار عليه بالسَّير إلى فارس ، ولم يكن استشار فى الَّذی کان حتى نزل بصرار ورجع طلحة ، فاستشار ذوِى الرّأىِ ، فكان طلحة ممَّن تابع النَّاس، وكان عبدالرحمن ممَّن نهاه ، فقال عبد الرحمن: فما فديتُ أحدًا بأبى وأمى بعد النبيّ صلَّى اللّه عليه وسلَّم قبل يومئذ ولا بعده ؛ فقلت : يا بأبى وأمّى، اجعل عَجْزها بى (٤) وأقم وابعث جندًا، فقد رأيت قضاء الله لك فى جنودك قبلُ وبعدُ، فإنه إن يُهزم(٥) جيشُك ليس كهزيمتك؛ وإنَّك إن تُقتل أو تُهزم ١ / ٢٢١٥ (١) من س. (٤) ز: ((لى)). (٢) كذا فى س، وفى ط بحذف الواو. (٣) ز: ((صدقنى)). (٥) س: ((انهزم)). ٤٨٢ سنة ١٤ فى أنف الأمر خشيتُ ألا يكبِّرِ المسلمون وألاّ يشهدوا أن لا إله إلا الله أبدًا وهو فى ارتياد من رجل؛ وأتى كتاب سعْد على حَقَف (١) مَشُورتهم؛ وهو على بعض صدقات نجْد، فقال عمر : فأشيروا علىّ برجل ، فقال عبد الرحمن : وجدتُهُ، قال: مَنْ هو ؟ قال: الأسد فى براثنه؛ سعد بن مالك ؛ ومالأه أولو الرأى . كتب إلىّ السرىّ، عن شُعيب، عن سيف، عن خُلَيْد بن ذَفْرَةٍ(٢)، عن أبيه ، قال : کتب المثنّی إلی عُمر باجتماع فارس على یَزْد جرد وببعوثهم، . وبحالٍ أهل الذمَّة. فكتب إليه عمر؛ أن تَنّحَّ إلى البَرّ، وادعُ مَن يليك، وأقم منهم قريبًا على حدود أرضك وأرضهم ؛ حتى يأتيَك أمرى . وعاجلتهم الأعاجم فزاحفتهم الزُّحوف، وثار بهم أهل الذمَّة؛ فخرج المثنَّى بالناس حتى ينزلَ الطّفّ، ففرّقهم فيه من أوّله إلى آخره، فأقام ما بين غُضَىّ إلى القُطْقُطانة مسالحَه ، وعادت مسالحُ كسرى وثغورُه، واستقرّ أمرُ فارس وهم فى ذلك هائبون مُشْفِقُون، والمسلمون متدفِّقون (٣) قد ضَرُوا بهم كالأسد ينازَع فريسته (٤)، ثم يعاود الكرّ(٥) ؛ وأمراؤهم يكفكفونهم بكتاب (٦) عمر وأمداد المسلمين . ٢٢١٦/١ كتب إلىّ السرىّ بن يحيى ، عن شعيب بن إبراهيم ، عن سيف بن عمر ، عن سهل بن يوسف ، عن القاسم بن محمد ، قال : قد كان أبو بكر استعمل سعدًاً على صدقات هوازن بنجْد ، فأقرّه عمر ، وكتب إليه فيمن كتب إليه من العُمَّال حين استنفر الناس أن ينتخب أهلَ الخيل والسّلاح ممَّن له رأى ونجدة . فرجع إليه كتاب سعد بمَن جمع اللّه (٧) له من ذلك الضرب ؛ فوافق عمر وقد استشارهم فى رجل ، فأشاروا عليه به عند ذكره . (١) على حف مشورتهم، أى حين مشورتهم (٢) ط: ((زفر))، وانظر التصويبات. . (٣) ز، س: ((مندفقون))، ابن حبيش: ((يتدفقون)). (٤) ز : ((ضريبته)). (٥) س: ((الكرة)). (٦) كذا فى ز، س، وفى ط: ((لكتاب)). (٧) ابن حبيش: ((بمن جمع إليه)). ٤٨٣ سنة ١٤ كتب إلىّ السرىّ، عن شعيب، عن سيف، عن محمَّد وطلحة بإسنادهما، قالا : كان سعد بن أبى وقَّاص على صَدَقات هوازن، فكتب إليه عمر فيمَن كتب إليه بانتخاب ذوِى الرَّأى والنَّجدة ممَّن كان له سلاح أو فرس ، فجاءه كتاب سعد: إنّى قد انتخبت لك ألف فارس مُؤْدٍ (١) كلّهم له نجدة ورأى ، وصاحبُ حيطة يحوط حريم قومه ، ويمنع ذمارهم ، إليهم انتهت أحسابهم ورأيُهُم، فشأنك بهم . ووامع كتابُه مشورتهم، فقالوا: قد وجدْتَه، قال: فمن؟ قالوا: الأسد عَادِيًّا، قال: مَنْ ؟ قالوا : سعد ، فانتهى إلى قولهم فأرسل إليه ، فقدم عليه ، فأمَّره على حرب العراق وأوصاه . فقال : يا سعد، سعد بَنِى وُهَيْب؛ لا يغرّنك مِن اللّه أن قيل خال رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم وصاحب رسولِ الله؛ فإنّ اللّه عزّ وجلّ لا يمحُو السيئ بالسیئ؛ ولکنَّہ یمحُو السيئ بالحسن ؛ فإن اللّه لیس بینه وبیں أحد نسَب (٢) إلاّ طاعته(٣)؛ فالنَّاس شريفُهم ووضيعهم فى ذّات اللّه سواءٌ ؛ الله ربُّهم وهم عباده ، يتفاضلون بالعافية، ويُدركون ما عنده بالطاعة . فانظر الأمرَ الَّذى رأيتَ النبيّ صلَّى الله عليه وسلَّم عليه منذ بُعِث إلى أن فارقنا فالزمْهُ فإنَّه الأمر . هذه عظّى إِيَّاك إن تركتها ورغبت عنها حَبَطَ عَمَلُك ؛ وكنت من الخاسرين . ١ / ٢٢١٧ ولمَّا أراد أن يسرّحه دعاه ، فقال: إنى قد ولّيتُك حرب العراق فاحفظ وصِيَّى فإنّك تقدم على أمر شديد كريه لا يخلِّص منه إلاّ الحقُّ، فعوّد نفسك ومن معك الخير، واستفتح به . واعلم أنَّ لكلّ عادة عَتَادًا، فعتاد الخير الصبر ؛ فالصبرَ على ما أصابك أو نابك ؛ يجتمع لك خشية الله. واعلم أنَّ خشية الله تجتمع فى أمرين : فى طاعته واجتناب معصيته ؛ وإنَّما أطاعه من أطاعه ببغض الدنيا وحبّ الآخرة ، وعصاه من عصاه بحب الدنيا (١) يقال: رجل مؤد: ذو أداة؛ أو كامل أداة السلاح. (٢) أبن حبيش: ((سبب)). (٣) ابن كثير: ((بطاعته)). ٤٨٤ سنة ١٤ ٢٢١٨/١ وبغض الآخرة ؛ وللقلوب حقائق ينشئها اللّه إنشاءً؛ منها السرّ ، ومنها العلانية؛ فأمَّا العلانية فأنْ يكون حامدُه وذامه فى الحقّ سواءٌ، وأما السرّ فيعرف بظهور الحِكْمة من قلبه على لسانه ، وبمحبَّة النَّاس ؛ فلا تزهد فى التحبّب فإنّ النبيّين قد سألوا محبّتهم؛ وإن الله إذا أحبّ عبدًا حبَّه ؛ وإذا أبغض عبدًا بغّضه . فاعتبرْ منزلتك عند اللّه تعالى بمنزلتك عند الناس ، ممَّن يشرع معك فى أمرك . ثم سرّحه فيمن اجتمع إليه بالمدينة من نفير المسلمين . فخرج سعد بن أبى وقَّاص من المدينة قاصدًا العراق فى أربعة آلاف ؛ ثلاثة ممَّن قدِمِ عليه من اليَمَن والسَّراة؛ وعلى أهل السَّرَوَات حُمَيْضة بن النّعمان بن حُميضة البارِقِىّ؛ وهم بارِقٌ وألْمَعُ وغامِدٌ وسائر إخوتهم؛ فى سبعمائة من أهل السَّراة ، وأهلُ اليمن ألفان وثلاثمائة ؛ منهم النَّخَع بن عمرو، وجميعهم يومئذ أربعة آلاف ؛ مقاتلتهم وذراريُّهم ونساؤهم ؛ وأتاهم عمر فى عسكرهم؛ فأرادهم جميعًا على العراق، فأبوا إلاّ الشّم، وأبى إلاّ العراق، فسمح نصفُهم فأمضاهم نحو العراق ، وأمضى النّصف الآخر نحو الشَّم . كتب إلىّ السرىّ، عن شُعيب، عن سَيْف، عن حنَش النَّخَعَىّ، عن أبيه وغيره منهم ، أنَّ عمر أتاهم فى عسكرهم ؛ فقال: إنّ الشَّرف فيكم يا معشر النَّخَعَ لمتربِّع (١)، سيروا مع سعد. فنزعوا إلى الشأم، وأبى إلاّ العراق ، وأبوا إلاّ الشأم؛ فسرّح نصفَهم إلى الشأم ونصفَهم إلى العراق. كتب إلىّ السرىّ، عن شعيب ، عن سيف ، عن محمد وطلحة والمستنير وحَنَش؛ قالوا: وكان فيهم من حَضْرَ مَوْت والصَّدِف ستمائة ؛ عليهم شَدّاد بن ضَمعَج ، وكان فيهم ألف وثلثمائة من مَذْحُج ، على ثلاثة رؤساء: عمرو بن مَعْدِ يكَرِبَ على بنى منبّه، وأبو سَبْرة بن ذؤيْب على جُعْفِىّ ومَن فى حِلِف جُعْفِىّ من إخوة جَزْءُ وزُبَيْد وأنَس اللّه ومَن لَفَّهم ، ويزيد بن الحارث الصُّدائىّ على صُداء وجَنْب ومُسْلِية فى ثلثمائة ؛ هؤلاء شهدوا من مذحج فيمن خرج من المدينة مَخْرَج سعد منها ، وخرج ٢٢١٩/١ (١) كذا فى س، وفى ط: ((لمتريع)). ٤٨٥ سنة ١٤ معه من قيس عَيْلانَ ألفٌ عليهم بشر بن عبد اللّه الهلالى" . كتب إلىّ السرىّ، عن شعيب، عن سيف، عن عُبيدة، عن إبراهيم ، قال : خرج أهل القادسيَّة من المدينة، وكانوا أربعة آلاف ؛ ثلاثة آلاف منهم من أهل اليمن وألفٌ من سائر الناس . كتب إلىّ السرىّ ؛ عن شعيب ، عن سيف ، عن محمد وطلحة وسهل، عن القاسم، قالوا: وشيَّعهم عمر من صرار إلى الأعوص ، ثم قام فى الناس خطيبًا، فقال: إنَّ اللّه تعالى إنَّما ضربَ لكم الأمثال، وصرّف لكم القول، ليحيى به (١) القلوب؛ فإنّ القلوب ميّتّة فى صدورها حتى يحييها اللّه؛ مسن عِلم شيئًا فلينتفع به ، وإن للعدل أمارات وتباشير ؛ فأما الأمارات فالحياء والسَّخاء والهَيْن واللّيْن، وأما التَّباشير فالرّحمة؛ وقد جعل اللّه لكلّ" أمر بابًا، ويسَّر لكلّ باب مفتاحًا ، فباب العدل الاعتبار ومفتاحه الزهد. والاعتبار. ذكرُ الموت بتذكر الأموات ، والاستعداد له بتقديم الأعمال ، والزّهدُ أخذُ الحقّ من كلّ أحد قِبَلَه حقٍّ، وتأديةُ الحقّ إلى كلّ أحد له حقّ. ولا تصانع فى ذلك أحدًا، واكتَفٍ بما يكفيك من الكفاف ؛ فإنّ من لم یکفه الكفاف لم يُغنه شیء . إنی بینکم وبین الله ؛ وليس بینی وبينه أحدٌ؛ وإنّ اللّه قد ألزمنى دفع الدعاء عنه، فأنهُوا شكاتكم إلينا؛ فمن لم يستطع فإلى من يبلّغُناها نأخذ له الحقّ غير متعتّع. وأمر سعدًا بالسّيْر، وقال : إذا انتهيتَ إلى زَرود فانزِل بها ؛ وتفرّقوا فيما حولها ، واندب مسَن حولك منهم ، وانتخبْ أهلَ النجدة والرأى والقوّة والعُدّة. ١ /٢٢٢٠ كتب إلىَّ السرى ، عن شعيب ، عن سيف ، عن محمد بن سُوقة ، عن رجل، قال: مرّت السَّكون مع أوّلٍ كِنْدة مع حُصَيْن بن نُمَيْر السَّكونىّ ومعاوية بن حُدَيَج فى أربعمائة؛ فاعترضهم؛ فإذا فيهم فِتْة دُلْم (٢) سِباط (١) كذا فى ابن كثير، وفى ط: ((بها)). (٢) دلم : جمع أدلم ، وهو الطويل. ٤٨٦٠ سنة ١٤ مع معاوية بن حُدَيَج ، فأعرض عنهم ، ثم أعرض ، ثم أعرض ؛ حتى قيل له : مالك ولهؤلاء! قال: إنى عنهم لمتردّد، وما مرّ بى قومٌ من العرب أكره إلىَّ منهم. ثم أمضاهم، فكان بعدُ يُكثر أن يتذكَّرهم بالكراهية ، وتعجَّب الناس من رأى عمر . وكان منهم رجل يقال له سودان بن حُمْران ، قتل عثمان بن عفان رضى الله عنه؛ وإذا منهم حليف لهم يقال له خالد بن مُلْجَمْ؟ قتلَ علىّ بن أبى طالب رحمه اللّه؛ وإذا منهم معاوية بن حُدَيَج ؛ فنهض فى قوم منهم يتبع قتّة عثمان يقتلهم؛ وإذا منهم قوم يَقْرُون (٢) قَتَلَةً عثمان . ٢٢٢١/١ كتب إلىّ السرىّ، عن شُعيب، عن سيف ، عن محمَّد وطلحة ، عن ماهان، وزياد بإسناده ، قالوا: وأمدّ عمر سعدًا بعد خروجه بألفى يمانىّ وألفى نجدىّ مُؤْدٍ من غَطَفَان وسائر قَيْس، فقدِم سعد زَرُودَ فى أوّل الشتاء، فنزلها وتفرّقت الجنود فيما حولها من أمواه بنى تميم وأسد ، وانتظر اجتماع الناس ، وأمْر عمر، وانتخب من بنى تميم والرِّباب أربعة آلاف؛ ثلاثة آلاف تميمىّ وألف رِبِىّ ؛ وانتخب من بنى أسد ثلاثة آلاف، وأمرهم أن ينزلوا على حدّ أرضهم بين الحزن والبسيطة، فأقاموا هنالك بين سَعْد بن أبى وقاص وبين المثنَّى بن حارثة، وكان المثنَّى فى ثمانية آلاف؛ مِنْ ربيعة ستة آلاف من بكر بن وائل ، وألفان من سائر ربيعة؛ أربعة آلاف ممَّن كان انتخب بعد فصول خالد، وأربعة آلاف كانوا معه ممَّن بنىَ يوم الجسر . وكان معه من أهل اليمن ألفان من بجيلة ، وألفان من قُضاعة وطيِّئ ممَّن انتُخبوا إلى ما كان قبل ذلك، على طيّئ عدىّ بن حاتم ، وعلى قُضاعة عمرو بن وَبَرَة ، وعلى بجيلة جرير بن عبد الله؛ فبينا النَّاس كذلك ؛ سعد يرجو أن يقدم عليه المثنَّى، والمثلَّى يرجو أن يقدم عليه سعد ، مات المثنّى من جراحته التى كان جُرِحِها يوم الجِسْر، انتقضت به؛ فاستخلف المثنَّى على النَّاس بشير بن الخَصاصيَّةٌ ، وسعد يومئذ بزَرُود، ومع بشير يومئذ وجوهُ أهل العراق ، ومع سعد وفود أهل العراق الَّذين كانوا قدموا على عمر، منهم فُرات بن حيَّان ٢٢٢٢/١ (١) كذا فى ط والمشهور فى اسمه: ((عبد الرحمن))، وانظر ابن الأثير ٣: ١٩٤. (٢) ز: ((يقرّون قتل عمان)). ٤٨٧ سنة ١٤ العجْلى وعتيبة ، فردّهم مع سعد . کتب إلى السرىّ ، عن شعیب، عن سیف، عن محمد بإسناده، وزياد عن ماهان ، قالا : فمن أجلِ ذلك اختلف النَّاس فى عددٍ أهل القادسيّة ، فمَن قال: أربعة آلاف فلمخرجهم مع سَعْد من المدينة ، ومَن قال : ثمانية آلاف فلاجماعهم بَزَرُود، ومَنْ قال: تسعة آلاف فللحاق القیسیین، ومن قال: اثنا عشر ألفًا فلدفوف بنى أسد من فروع الحَزْن بثلاثة آلاف. وأمر سعدًا بالإقدام ، فأقدم ونهض إلى العراق وجموع الناس بشَراف ، وقدم عليه مع قدومه شَراف الأشْعتُ بن قيس فى ألف وسبعمائة من أهل اليمن ؛ فجميع مَن شهد القادسيّة بضعة وثلاثون ألفًا، وجميع من قُسم عليه فىء القادسيَّة نحو من ثلاثين ألفًا . كتب إلىّ السرىّ ، عن شعيب ، عن سيف ، عن عبد الملك بن عمير ، عن زياد ، عن جرير ، قال : كان أهلُ اليمن ينزِعون إلى الشَّأَم ؛ وكانت مُضَر تنزع إلى العراق ، فقال عمر : أرحامكم أرسخ من أرحامنا! ما بال مُضر لا تذكر أسلافها من أهل الشأم ! ١ / ٢٢٢٣ كتب إلىّ السرىّ ، عن شعيب ، عن سيف ، عن أبى سعد بن المرزبان، عمّن حدثه، عن محمد بن حذيفة بن اليمان ، قال : لم يكن أحدٌ من العرب أجرأ على فارس من ربيعة ، فكان المسلمون يسمونهم ربيعة الأسد إلى ربيعة الفَرَس، وكانت العرب فى جاهليَّتها تسمى فارس الأسد، والرّوم الأسد . كتب إلىّ السرىّ ، عن شعيب، عن سيف ، عن طلحة ، عن ماهان ، قال: قال عمر: والله لأضربنّ ملوك العجم بملوك العرب؛ فلم يَدَعْ رئيساً ، ولاذا رأى ، ولاذا شرف ، ولا ذا سطة ، ولا خطيبًا؛ ولا شاعرًا؛ إلاّ رماهم به ، فرماهم بوجوه الناس وغُرّرهم . كتب إلىّ السرىّ، عن شعيب ، عن سَيْف ، عن عمرو ، عن الشعبىّ ، قال : كان عمر قد كتب إلى سعد مرتحقه من زَرُود؛ أن ابعث إلى فَرْج الهند ٤٨٨ سنة ١٤ رجلاً ترضاه يكون بحياله، ويكون رِدءًا لك من شىء إن أتاك من تلك التّخوم؛ فبعث المغيرة بن شعبة فى خمسمائة ؛ فكان بحيال الأبُلَّة من أرض العرب ؛ فأتى غُضَيًّا، ونزل على جرير ؛ وهو فيما هنالك يومئذ. فلما نزلَ سعد بشَرَاف ، كتب إلى عمر بمنزله وبمنازل الناس فيما بين غضىّ إلى الجَبّانة ، فكتب إليه عمر: إذا جاءك كتابى هذا فعشّرَ النَّاس وعرّف عليهم، وأمّرْ على أجنادهم، وعبّهم ، ومُرْ رؤساء المسلمين فليَشْهَدُوا، وقدّرْهم وهم شهود (١)؛ ثم وجّههم إلى أصحابهم، وواعدْهم القادسيَّة؛ واضمم إليك(٢) المغيرة بن شعبة فى خَيْله؛ واكتب إلىّ بالذى يستقرّ عليه أمرهم . ١ / ٢٢٢٤ فبعث سعد إلى المغيرة؛ فانضمّ إليه وإلى رؤساء القبائل، فأتوه، فقدّرالناس وعبََّهم بشَرَاف، وأمَّر أمراء الأجناد، وعرّف العُرَفاء؛ فعرّف على كلّ عشرة رجلا، كما كانت العرافات أزمانَ النبيّ صلَّى اللّه عليه وسلَّم، وكذلك كانت إلى أن فُرِض العطاء، وأمَّر على الرّايات رجالا من أهل السابقة ، وعشّر الناس ، وأمر على الأعشار رجالاً من الناس لهم وسائل فى الإسلام ، وولى الحروبَ رجالا ، فولَّى على مقدّماتها ومجنَّباتها وساقتها ومجرّداتها وطلائعها ورَجْلها ورُكْبانها ، فلم يفصل إلاّ على تعِبَة، ولم يفصل منها إلاّ بكتاب عمر وإذنه؛ فأمَّا أمراء التعبية، فاستعمل زهرة بن عبد اللّه بن قتادة بن الحَوّة بن مَرْتَد بن معاوية بن معن بن مالك بن أرثم بن جُشَم بن الحارث الأعرج؛ وكان ملك هَجَرقد سَوّدَه فى الجاهليّة، ووفَّدَه على النبيّ صلَّى اللّه عليه سلَّم، فقدّمه، ففصل بالمقدّمات بعد الإذن من شراف؛ حتى انتهى إلى العُذَيْب، واستعمل على الميمنة عبد الله بن المعْتمّ، وكان من أصحاب النبيّ صلَّى الله عليه وسلَّم ؛ وكان أحدَ التّسعة الذين قدموا على النبيّ صلَّى الله عليه وسلَّم، فتمَّمهم طلحة بن عبيد اللّه عشرة؛ فكانوا عرافة، واستعمل على الميسرة شرحبيل بن السِّمْط بن شُرَ حبيل الكِنْدىّ - وكان غلامًا شابًا، وكان قد قاتل أهل الرّدّة، ووفَّى اللّهَ، فعُرِف ذلك له ، وكان قد غلب الأشعث على الشّرف فيما بين المدينة ؛ إلى أن اختُطّت الكُوفة ١ /٢٢٢٥ (١). ز: ((شهودهم)). (٢) ز: ((إليهم)). ٤٨٩ وكان أبوه ممَّن تقدّم إلى الشأم مع أبى عبيدة بن الجراح - وجعل خليفته خالد ابن عُرْفطة، وجعل عاصم بن عمرو التميمىّ ثم العمْرىّ على الساقة، وسواد ابن مالك التميمىّ على الطلائع، وسلْمان بن ربيعة الباهلىّ على المجرّدة، وعلى الرّجْلْ حَمَّال بن مالك الأسدىّ، وعلى الرّكبان عبد اللّه بن ذى السهمين الخَثْعَمِىّ، فكان أمراءُ التّعبية يَلُون الأمير، والذين يلُون أمراءَ الأعشار، والذين يلُون أمراء الأعشارا أصحاب الرايات ، والذين يلُون أصحاب الرايات والقوّاد رءوس القبائل ، وقالوا جميعًا : لا يستعين أبوبكر فى الرّدّة ولا على الأعاجم بمرتدّ، واستنفرهم عمر ولم يولّ منهم أحداً . كتب إلىّ السرىّ، عن شعيب ، عن سيف، عن مُجالد وعمرو بإسنادهما ، وسعيد بن المرزبان ، قالوا :. بعث عمر الأطبَّة، وجعل على قضاء النَّاس عبد الرحمن بن ربيعة الباهلىّ ذا النور، وجعل إليه الأقباض (١) وقسمة الفىء ، وجعل داعيتهم (٢) ورائدهم سلْمان الفارسىّ. ٢٢٢٦/١ كتب إلىّ السرىّ، عن شُعيب، عن سيف، عن أبى عمرو، عن أبى عثمان النَّهْدىّ؛ قال: والتّرجمان هلال الهجَرىّ والكاتب زياد بن أبى سفيان. فلمَّا فرغ سعد من تعبيته ، وعدّ لكلّ شيء من أمره جماعًا ورأسًا ، كتب بذلك إلى عمر ، وكان من(٣) أمر سعد فيما بين كتابه إلى عمر بالَّذِى جمعَ عليه(٤) الناس وبين رجوع جوابه ورحله من شراف إلى القادسيَّة قدومُ المُعَنَّى بن حارثة وسلْمى بنت خَصّفة التيميَّة؛ تَيْم اللات، إلى سعد بوصيّة المثنّى، وكان قد أوصى بها، وأمرهم أن يعجلوها على سعد بَزُرود ، فلم يفرغوا لذلك وشغلهم عنه قابوس بن قابوس بن المنذر؛ وذلك أن الآزاذمرد بن الآزاذبه بعثه إلى القادسية ، وقال له : ادعُ العربَ، فأنت على من أجابك ، وكن كما كان آباؤك . فنزل القادسيّة ، وكاتب بكر بن (١) الأقباض: جمع قبض؛ وهو ما جمع من الغنائم (٢) ابن حبيش: ((داعيهم (٣) ابن حبيش: ((بين)) (٤) ابن حبيش: ((إليه)). ٤٩٠ سنة ١٤ ١/ ٢٢٢٧ وائل بمثلٍ ما كان النعمان يكاتبهم به مقاربة ووعيدًا(١). فلمَّا انتهى إلى المعنَّى خبره ، أسْرَى المعنَى من ذى قار حتى بيَّته ، فأنامه ومن معه ، ثمّ رجع إلى ذى قار، وخرج منها هو وسَلْمى إلى سعد بوصيّة المثنَّى بنحارثة ورأيه، فقدموا عليه وهو بشَراف، يذكر فيها أنَّ رأيه لسعد ألا" يقاتل عدوّه وعدوّهم - يعنى المسلمين - من أهل فارس؛ إذا استجمع (٢) أمرهم وملؤهم فى عُقْر دارهم ، وأن يقاتلهم على حدود أرضهم على أدنى حَجَر من أرض العرب وأدنى مَدَرَة من أرض العجم ؛ فإن يُظهر اللّه المسلمين عليهم فلهم ما وراءهم ؛ وإن تكن الأخرى فاءوا إلى فئة ، ثم يكونوا أعلمَ بسبيلهم ، وأجرأ على أرضهم ؛ إلى أن يردّ اللّه الكرّة عليهم. فلمَّاً انتهى إلى سعد رأىُ المثنَّى ووصيَّته ترحَّم عليه، وأمَّر المعنَى على عمله ، وأوصى بأهل بيته خيرًا، وخطب سَلْمَى فتزوّجها وبنى بها ؛ وكان فى الأعشار كلُّها بضعة وسبعون بدْريًّا، وثلثمائة وبضعة عشر ممَّن كانت له صُحبة ، فيما بين بيعة الرضوان إلى ما فوق ذلك ، وثلثمائة ممَّن شهد الفتح ، وسبعمائة من أبناء الصّحابة ، فى جميع أحياء العرب . وقدم على سعد وهو بشَرَاف كتابُ عمر بمثل رأى المثنَّى ؛ وقد كتب إلى أبى عبيدة مع كتاب سعد ؛ ففصل كتاباهما إليهما ، فأمر أبا عبيدة فى كتابه بصرْف أهل العراق وهم ستَّة آلاف ، ومَنِ اشتهى أن يلحق بهم ؛ وكان كتابه إلى سعد : أمَّا بعد ، فسِرْ من شَرَاف نحو فارس بمن معك من المسلمين ؛ وتوكَّل على الله، واستعِنْ به على أمرك كلَّه؛ واعلم فيما لديك أنَّك تقدِمُ على أمَّة عددهم كثير ، وعُدَّتهم فاضلة ، وبأسهم شديد ، وعلى بلد منيع - وإن كان ١ / ٢٢٢٨ سهلا .. كؤود لبحوره وفيوضه ودآدئه؛ إلاّ أن توافقوا غَيْضًا من فَيْض. وإذا لِقِيتم القوم أو أحدًا منهم فابدءوهم (٣) الشدّ والضرب، وإيّاكم والمناظرة لجموعهم(٤) ولا يخدعُنَّكم؛ فإنهم خَدَّعة مكرّة؛ أمرُهم غير أمركم ؛ إلا (١) ابن حبيش: ((ووعدا)). (٢) ابن حبيش: ((اجتمع)). (٣) ابن حبيش: ((فابدروهم)). (٤) ز: ((بجموعكم)). A ٤٩١ سنة ١٤ أن تجادّوهم، وإذا انتهيت إلى القادسيَّة - والقادسيّة باب فارس فى الجاهليَّة، وهى أجمع تلك الأبواب لمادّتهم ، ولما يريدونه من تلك الآصُل؛ وهو منزل رغیب خصیب حصين دونه قناطر ، وأنهار ممتنعة - فتكون مساحك على أنقابها، ويكون الناس بين الحَجَر والمَدَر على حافّات الحجَر وحافّات المدر، والجراع بينهما ؛ ثم الزم مكانك فلا تبرحْه ؛ فإنهم إذا أحسُّوك أنغضتَهم ورمَوْك بجمعهم الذى يأتى على خيلهم ورجْلهم وحدّهم وجِدّهم ؛ فإن أنتم صبرتم لعدوّكم واحتسبتم لقتاله ونويتم الأمانة؛ رجوتُ أن تُنصَروا عليهم؛ ثم لا يجتمع لكم مثلهم أبدًا إلاّ أن يجتمعوا ؛ وليست معهم قلوبهم ، وإن تكن الأخرى كان الحجر فى أدباركم ؛ فانصرفتم من أدنى منَدَرة من أرضهم إلى أدنى حجر من أرضكم؛ ثم كنتم عليها أجراً وبها أعلم ، وكانوا عنها أجبَن وبها أجهل ؛ حتى يأتىَ اللّه بالفتح عليهم ، ويردّ لكم الكرّة. وكتب إليه أيضًا باليوم الذى يرتحل فيه من شراف : فإذا كان يوم كذا وكذا فارتحِل بالنَّاس حتى تنزلَ فيما بين عُذَيب الهِجانات وعذيب ٢٢٢٩/١ القوادس ، وشرّقْ(١) بالناس وغرّبْ بهم . ثم قدم عليه كتاب جواب عمر : أمَّا بعد ، فتعاهد(٢) قلبك ، وحادثْ جندَك بالموعظة والنِّة والحِسْبة، ومَنْ غفل فلْيُحْدثْهما، والصبرَ الصبرَ؛ فإنّ المعونة تأتِى من اللّه على قدر النيّة؛ والأجر على قدر الحِسْبة. والحذَرَ الحذرَ علَى مَنْ أنت عليه وما أنت بسبيله ، واسألوا اللّه العافية، وأكثروا من قول: ((لا حول ولا قوة إلا بالله (٣))، وا كتب إلىّ أين بلغك جمعُهم، ومَن رأسهُم الذى يلبى مصاحتكم (٤)؛ فإنه قد منعنى من بعض ما أردت الكتاب به قلَّةُ عِلْمى بما هجمتم عليه، والذى استقرّ عليه أمرُ عدوّكم؛ فصِفْ لنا منازل المسلمين ، والبلد الذى بينكم وبين المدائن صفةً كأنى أنظر إليها ، واجعلنى من أمركم على الجليّة، وخفِ اللّه وارجُه، ولا تُدِلّ بشىء. واعلم (١) ر: ((وشرف)). (٢) ابن حبيش: ((فتعهد)). (٣) بعدها فى أبن حبيش: ((العلى العظيم)). (٤) ز: ((الذى يريد مصادمتكم)). ٤٩٢ سنة ١٤ أنّ اللّه قد وعدكم. وتوكّل لهذا الأمر بما لاخُلْف له؛ فاحذر أن تصرفه عنك، ويستبدل بكم غيركم. فكتب إليه سعد بصفة البلدان: إنّ القادسيّة بين الخندق والعتيق، وإنّما عن يَسار القادسيَّة بحر أخضر فى جوف لاحّ إلى الحيرة بين طريقين؛ فأمَّا ٢٢٣٠ أحدهما فعلى الظَّهْر، وأمَّا الآخر فعلى شاطئ نهر يُدعَى الحُضُوض؛ يطلع بمَنْ سلكه على ما (١) بين الخَوَرْنَق والحيرة ؛ وما عن يمين القادسيَّة إلى الوَلَجَةِ فيضٌ من فيوض مياههم. وإنَّ جميع من صالح المسلمين من أهل السَّواد قبلى ألْبٌ لأهل فارس قد خَفُّوا لهم، واستعدُّوا لنا . وإنَّ الذى أعدّوا لمصادمتنا رُسْتم فى أمثال له منهم ؛ فهم يحاولون إنغاضَنا وإقحامنا؛ ونحن نحاول إنغاضهم وإبرازهم؛ وأمْرُ اللّه بعدُ ماضٍ ؛ وقضاؤه مسلّم إلى ما قدّر لنا وعلينا؛ فنسأل الله خير القضاء ، وخير القدَر فى عافية . فکتب إلیه عمر : قد جاءنی کتابك وفهمته، فأقمْ بمكانك حتى يُنغِض الله لك عدوَّك؛ واعلم أنَّ لها ما بعدها، فإن منحَك اللّه أدبارَهم فلا تتزِعْ عنهم حتى تقتحم عليهم المدائن ؛ فإنه خرابها إن شاء الله . وجعل عمر يدعُو لسعد خاصّة ، ويدعون له معه ، وللمسلمين عامة ، فقدّم زُهْرةَ سعدٌ حتى عسكر بعُذيب الهجانات ، ثم خرج فى أثره حتى ينزل على زُهرة بعُذيب الهجانات، وقدّمه، فنزل زهرةٌ القادسيَّة بين العتيق والخندق بحيال القنطرة ؛ وقُدَيْس يومئذ أسفل منها بميل . كتب إلىّ السرىُّ، عن شعيب ، عن سَيْف ، عن القعقاع بإسناده ، قال : وكتب عمر إلى سعد: إنَّى قد ألقِىَ فى رُوعى أنَّكم إذا لقيتم العدوّ هزمتموهم، فاطّرحوا الشكّ، وآثروا التقيَّةَ(٢) عليه؛ فإن°(٣) لاعب أحد منكم أحداً من العجم بأمان أو قرفته(٤) بإشارة أو بلسان، فكان لا يدرى الأعجمى ما كلّمه به، وكان عندهم أمانًا؛ فأجروا ذلك له مجرى الأمان. وإِيًّاكم والضَّحِك؛ والوفاءَ الوفاءَ! فإن الخطأ بالوفاء بقيّة (٥) وإن الخطأ بالغدرِ الهلكة، وفيها وهنُكم ٢٢٣١/١ (١) ز: ((على ماء)). (٣) ابن حبيش: ((فمن لاعب)). (٥) ز: ((تقية)). (٢) ابن حبيش: ((اليقين)). (٤) قرفه، أى رماه واتهمه . سنة ١٤ ٤٩٣ وقوّة عدوّكم ، وذهاب ريحكم ، وإقبال ريحهم . واعلموا أنى أحذّركم أن تكونوا شَيْنًا على المسلمين وسببًا لتوهينهم . كتب إلىَّ السرىُّ ، عن شُعيب ، عن سيف ، عن عبد الله بن مُسلم العُكْلىّ والمقدام بن أبى المقدام، عن أبيه، عن كَرِب بن أبى كَرِب العُكْلِىّ - وكان فى المقدّمات أيّام القادسيَّة - قال: قدّمناسعد من شراف، فنزلنا بُعذيب الهِجانات ثم ارتحل ؛ فلما نزل علينا بعُذيب الهجانات وذلك فى وجه الصُّبْح خرج زُهرة بن الحَوِيَّة فى المقدّمات ، فلما رُفع لنا العُذَيب - وكان من مسالحهم - استبنًّا على بروجه ناسًا ، فما نشاءُ أن نرى على برج من بروجه رجلا أو بين شُرْفتين إلاّ رأيناه، وكنا فى سَرَعان الخيل (١) ، فأمسكنا حتى تلاحق بنا كَشْف (٢) ونحن نرى أنّ فيها خيلا، ثم أقدمنا على العُذَيَب، فلمّا دنونا منه، خرج رجل يركضُ نحو القادسيَّة ، فانتهينا إليه ، فدخلناه فإذا ليس فيه أحد؛ وإذا ذلك الرجل هو الذى كان يتراء ى (٣) لنا على البُروج وهو بين الشُّرَف مكيدة ، ثم انطلق بخبرنا، فطلبناه فأعجزنا، وسمع بذلك زُهرة فاتَّبعَنا، فلحق بنا وخلفنا واتّبعه. وقال: إن أفلت الرَّبِىءُ(٤) أتاهم الخبر. فلحقه بالخندق فطعنه فجدّله فيه، وكان أهل القادسيّة يتعجبون من شجاعة ذلك الرّجل، ومن علمه بالحرب، لم يُرّ عين قوم قطُّ أثبتَ ولا أربط جأشًا من ذلك الفارسىّ، لولا بُعْدُ غايته لم يلحق به، ولم يُصبه زُهرة ، ووجد المسلمون فى العُذَيَب رماحًا ونُشَّاباً وأسفاطًا من جلود وغيرها ، انتفع بها المسلمون . ثم بثّ الغارات ، وسرّحهم فى جوف الليل، وأمرهم بالغارة على الحيرة، وأمَّر عليهم بُكَيْر بن عبد اللّه الليثىّ- وكان فيها الشَّمَّاخ الشاعر القيسىّ فى ثلاثين معروفين بالنَّجدة والبأس - فسرَوْا حتَّى جازوا السَّيْلحين، وقطعوا جسرها يريدون الحيرة، فسمعوا جلبة وأزْفَلة، فأحجموا عن الإقدام ، وأقاموا كمينا حتى يتَبيَّنوا، فما زالوا كذلك حتى جازُوا بهم، فإذا خيول تقدُّم تلك الغَوْغاء ، فتركوها فنفذت الطريق إلى الصَّنَّينِ، وإذا هم ٢٢٣٢/١ (١) سرعان الخيل : أوائلها . (٣) ابن حبيش: (( تراءى )» (٢) الكثف : الجماعة . (٤) الربء : المشرف على القوم ٤٩٤ /٢٢٣٣ سنة ١٤ لم يشعروا بهم ؛ وإنما ينتظرون ذلك العَيْن لا يريدونهم ، ولا يأبهون لهم، إنَّما همَّتهم الصّنّين؛ وإذا أخت آزاذ مَرْد بن آزاذ بِهِ مَرْزُبان الحيرة تُزَفُّ إلى صاحب الصّنّين - وكان من أشراف العجم - فسار معها من يبلّغها مخافة ما هو دون الذى لقوا ؛ فلمّا انقطعت الخيل عن الزواف، والمسلمون كمينٌ فى النخل، وجازت بهم الأثقال ، حمل بُكَيْر على شيرزاذ بن آزاذ به ، وهو بينها وبين الخيل ، فقصَ صُلْبَه ، وطارت الخيل على وجوهها ، وأخذوا الأثقال وابنة آزاذ به فى ثلاثين امرأة من الدّهاقين ومائة من التوابع ، ومعهم مالا يُدرَى قيمته ، ثم عاج واستاق ذلك ، فصبَّح سعدًا بعُذَيْب الهِجَانات بما أفاء الله على المسلمين ، فكبّروا تكبيرة شديدة . فقال سعد : أقسم بالله لقد كبّرتم تكبيرة قوم عرفتُ فيهم العزّ، فقسم ذلك سعد على المسلمين فالخمس نفله ، وأعطى المجاهدين بقيَّته ، فوقع منهم موقعاً ، ووضع سعد بالعُذَيب خيلا تَحُوط الحريم، وانضمّ إليها حاطة(١) كلّ حريم، وأمَّر عليهم غالب بن عبد اللّه الليثىّ، ونزل سعد القادسيَّة، فنزل بقُدَيْس، ونزل زهرة بحيال قنطرة العتيق فى موضع القادسيَّة اليوم ؛ وبعث بخبر سرّية بُكير ، وبنزوله قُديسًا ، فأقام بها شهرًا، ثم كتب إلى عمر: لم يوجّه القوم إلينا أحدًا، ولم يُسْنِدوا(٢) حربًا إلى أحد علمناه، ومتى ما يبلغنا ذلك نكتب به ؛ واستنصر اللّه ، فإنَّا بمنحاة دنيا عريضة؛ دونها بأس شديد؛ قد تقدّم إلينا فى الدعاء إليهم، فقال: (سَتُدْعَوْنَ إلَى قَوْمٍ أُولِى بَأْسٍ شَدِيدٍ)(٣). ٢٢٣٤/١ وبعث سعد فى مقامه ذلك إلى أسفل الفُرات عاصم بن عمرو فسار حتَّى أتى ١ مَيْسان، فطلب غنمًا أو بقرًا فلم يقدر عليها، وتحصّن منه مَن فى الأفدان ، ووغَلُوا فى الآجام، ووَغَل حتَّى أصاب رجلا على طَفّ أجمة، فسأله واستدلّه على البقر والغنم، فحلف له وقال: لا أعلم ؛ وإذا هو راعى ما فى تلك الأجمة، فصاح منها ثور كذب والله وها نحن أولاء ؛ فدخل فاستاق الثّيران وأتى بها العسكر، فقسم ذلك سعد على الناس فأخصبوا أيامًا (٤)؛ وبلغ ذلك الحجاج فىزمانه، فأرسل إلى نفر ممّن شهدها أحدهم نذير بن عمرو والولید بن عبد شمس وزاهر ، (١) الحاطة : المحافظون . ((٣) سورة الفتح: ١٦. (٢) ز: ((يشدوا)). (٤) ز: ((فأحصوا أياماً أخصبوا فيها)). سنة ١٤ ٤٩٥ فسألهم فقالوا : نعم، نحن سمعنا ذلك، ورأيناه واستقناها، فقال: كذبتم ! فقالوا: كذلك ؛ إن كنت شهدتها وغِبْنا عنها ، فقال : صدقتم، فما كان الناس يقولون فى ذلك ؟ قالوا : آيةُ تبشيرٍ يُستدل بها على رضا الله، وفتح عدوّنا؛ فقال: والله ما يكون هذا إلا والجمع أبرار أتقياء، قالوا: واللّه ما ندرى ما أجنّت قلوبهُم؛ فأمَّا ما رأينا فإنَّا لم نرَ قومًا قطُّ أزهدَ فى دنيا منهم ، ولا أشدَّ لها بُغْضا؛ ما اعتُدَّ على رجل منهم فى ذلك اليوم بواحدة من ثلاث؛ لا بجُبْن ولا بغدر ولا بغُلُول ؛ وكان هذا اليوم يوم الأباقِر ؛ وبثّ الغارات بين كَسْكَرَ والأنبار، فحوَوْا من الأطعمة ما كانوا يستكفون(١) به زمانًا، وبعث سعد عيونًا إلى أهل الحيرة وإلى صَلُوبا ، ليعلموا له خبر أهل فارس ؛ فرجعوا إليه بالخبر؛ بأن الملك قد ولَى رُستم بن الفَرّ خزاذ الأرْمَنَّى حرْبَه، وأمره بالعسكرة . فكتب بذلك إلى عمر ، فكتب إليه عمر: لا يكرُبنَّك (٢) ما يأتيك عنهم ، ولا ما يأتونك به ؛ واستعن بالله وتوكَّل عليه ، وابعث إليه رجالا من أهل المنظرة (٣) والرأى والجلد يدعونه، فإنّ اللّه جاعل دعاءهم توهينًا لهم، وفَلْجًا عليهم؛ واكتب إلىّ فى كلُّ يوم . ولمَّا عسكر رُسْتم بساباط كتبوا بذلك إلى عمر . ٢٢٣٥/١ كتب إلىَّ السرىُّ، عن شعيب ، عن سيف ، عن أبى ضَمْرة ، عن ابن سيرين ، وإسماعيل بن أبى خالد عن قَيْس بن أبى حازم ، قالا : لمَّاً بلغ سعدًا فصولُ رستم إلى ساباط ، أقام فى عسكره لاجتماع الناس ؛ فأمّا إسماعیل فإنه قال : کتب إلیه سعد أنّ رستم قد ضرب عسكره بساباط دون المدائن وزحف إلينا، وأمَّا أبو ضَمْرة فإنه قال : كتب إليه أنّ رستم قد عسكر بساباط ، وزحف إلينا بالخيول والفيول وزُهاء فارس ، وليس شىء أهمَّ إلىَّ ولا أنا له أكثر ذكرًا منّى لما أحببت أن أكون عليه؛ ونستعين بالله ، ونتوكَّل عليه ، وقد بعثت فلانًا وفلانًا وهم ما وصفت . (١) ابن حبيش: ((يكتفون)). (٢) ابن حبيش: ((لا يكر ثنك)). (٣) ز وابن الأثير والنويرى: ((المناظرة)). ٤٩٦ ١ / ٢٢٣٦ سنة ١٤ كتب إلىّ السرىّ، عن شعيب، عن سيف، عنعمرو والمجالد بإسنادهما، وسعيد بن المرزُبان ؛ أن سعد بن أبى وقَّاص حين جاءه أمرُ عمر فيهم ، جمع نفرًا عليهم نِجَار ، ولهم آراء، ونفرًا لهم منظر، وعليهم مهابة ولهم آراء ؛ فأمَّا الذين عليهم نجار ولهم آراء ولهم اجتهاد فالنعمان بن مقرّنُ وبُسْر بن أبى رُهْم وَحملة بن جُوَّيّة الكِنانّى وحنظلة بن الربيع التميمىّ وفُرات بن حيَّان العِجْلِىّ وعدىّ بن سُهيل والمغيرة بن زرارة بن النَّبَّاش بن حبيب؛ وأما مَنْ لهم منظر الأجسامهم ؛ وعليهم مهابة ولهم آراء ؛ فُعطارد بن حاجب والأشعث بن قيس والحارث بن حسَّان وعاصم بن عمرو وعمرو ابن معديكرب والمغيرة بن شعبة والمعنَّى بن حارثة ؛ فبعثهم دُعاةً إلى الملك حدثنى محمد بن عبد الله بن صَفْوان الثّقفىّ، قال : حدّثنا أميّة بن خالد، قال: حدثنا أبو عوانة ، عن حُصّين بن عبد الرحمن ، قال : قال أبو وائل : جاء سعد حتى نزل القادسيّة ، ومعه النَّاس ، قال: لا أدرى لعلّنا لا نزيد على سبعة آلاف أو نحو من ذلك ، والمشركين ثلاثون ألفًاً أو نحو ذلك. فقالوا لنا: لا يدى لكم (١) ولا قوّة ولا سلاح، ما جاء بكم ؟ ارجعوا، قال: قلنا: لا نرجع؛ وما نحن براجعين، فكانوا يضحكون من نَبْلنا، ويقولون: (دُوك دوك))(٢)، ويشبّهونها بالمغازل . قال: فلما أبينا عليهم أن نرجع، قالوا: ابعثوا إلينا رجلا منكم ، عاقلاً يبيِّن لنا ما جاء بكم؛ فقال المغيرة بن شعبة: أنا ، فَعَبَرَ إليهم ، فقعد مع رستم على السرير ، فنخروا وصاحوا، فقال : إنَّ هذا لم يزدنى رفعة ، ولم ينقص صاحبكم ، قال رستم : صدقت ، ما جاء بكم ؟ قال : إنَّا كّنا قومًا فى شرٌّ وضلالة؛ فبعث الله فينا نبيًّا، فهدانا الله به ورزقنا على يديه ؛ فكان ممَّ رزقنا حَّة زُعمت تنبُتُ بهذا البلد ؛ فلما أكلناها وأطعمناها أهلينا قالوا : لا صبر لنا عن هذه ، أنزلونا هذه الأرض حتى نأكل من هذه الحبَّة ، فقال رستم : إذاً نقتلُكم ، فقال : إن قتلتمونا ١ / ٢٢٣٧ (١) لا يدى لكم ، أى لا حول لكم ولا قوة. (٢) دوك، كلمة فارسية بمعنى ((مغزل)). ٤٩٧ سنة ١٤ دخلْنا الجنَّة، وإن قتلناكم دخلتم النار؛ أو أدّيتم الجِزْية. قال: فلمّا قال: أدّيتم الجزية، نخروا وصاحوا، وقالوا: لا صلحَ بيننا وبينكم ، فقال المغيرة: تعبرون إلينا أو نعبر إليكم؟ فقال رستم ؛ بل نعبُر إليكم ، فاستأخر المسلمون حتى عَبَر منهم مَن عبر ، فحملوا عليهم فهزموهم . قال حصين: فحدّثّنى رجل منَّا يقال له عُبيد بن جَحْش السُّلمىّ، قال :. لقد رأيتُنا وإنّا لنَّطَأ على ظهور الرجال ، ما مسَّهم سلاح، قتل بعضهم بعضًا، ولقد رأيتُنا أصبْنا جِرابًا من كافور ، فحسبْناه ملحًا لا نشكّ أنه مِلْح ؛ فطبخنا لحمًا ، فجعلنا نُلقيه فى القِدْر فلا نجدله طعمًا، فمرّ بنا عبادىّ معه قميص فقال: يا معشرَ المُعربين، لا تفسدُوا طعامكم؛ فإنَّ ملح هذه الأرض لا خيرَ فيه ، هل لكم أن تأخذوا هذا القميصَ به ؟ فأخذناه منه، وأعطيناه منَّا رجلا يلبسه ، فجعلنا نُطيف به ونعجب منه ، فلمَّا عرفنا الثياب ، إذا ثمن ذلك القميص درهمان . قال : ولقد رأيتُنى أقرب إلى رجل عليه سواران من ذهب، وسلاحُه ، فجاء فما كلمته حتى ضربتُ عنقه . قال : فانهزموا حتى انتهوا إلى الصَّراة ؛ فطلبناهم فانهزموا حتى انتهوا إلى المدائن؛ فكان المسلمون بكُوثَى وكان مسلحة المشركين بديْر المسلاخ، ٢٢٣٨/١ فأتاهم المسلمون فالتقوا ، فهُزم المشركون حتى نزلوا بشاطئ دجلة، فمنهم مَن عبر من كَلْوْاذَى ، ومنهم مَن عبَرَ من أسفل المدائن ، فحصروهم حتى ما يجدون طعامًا يأكلونه، إلاّ كلابتهم وسنانيرهم. فخرجوا ليلاً ، فلحِقوا بجلولاء، فأتاهم المسلمون؛ وعلى مقدّمة سعد هاشم بن عُتْبة، وموضع الوقعة التى ألحقهم منها فريد. قال أبو وائل : فبعث عمر بن الخطاب حذيفة ابن اليمان على أهل الكوفة، ومُجاشع بن مسعود على أهل البصرة . كتب إلىّ السرىُّ، عن شعيب ، عن سيف ، عن عمرو بن محمد ، عن الشعبيّ، وطلحة عن المغيرة ، قالوا : فخرجوا من العسكر حتى قدموا المدائنَ احتجاجاً ودُعاةً ليزدَ جِرْد، فطوَوا رستم ، حتى انتهوا إلى باب يَزْدَ جَرد، فوقفوا على خيولٍ عُرُوات، معهم جنائب، وكلّها صهَّال ، فاستأذنوا فحبسوا ، وبعث يزدجرد إلى وزرائه ووجوه أرضِه يستشيرهم فيما ٤٩٨ سنة ١٤ يصنع بهم ، ويقوله لهم ، وسمع بهم الناس فَحَضَرُوهم ينظرون إليهم ، وعليهم المقطَّعات والبُرود ، وفى أيديهم سياط دقاق ، وفى أرجلهم النّعال. فلمّا اجتمع رأيهُم أذن لهم فأدخلوا عليه . كتب إلىّ السرىُّ، عن شعيب ، عن سيف ، عن طلحة ، عن بنت كيسان الضَّبِّيَّة، عن بعض سبايا القادسيَّة ممَّن حسن إسلامه ، وحضر هذا ٢٢٣٩/١ اليوم الذى قدم فيه وفود العرب. قال: وثاب إليهم النَّاس ينظرون إليهم؛ فلم أرَ عشرة قطّ يعدلون فى الهيئة بألف غيرهم ، وخيلهم تخبط ويوعد بعضها بعضا . وجعل أهلُ فارس يسوءهم ما يرون من حالهم وحال خيلهم ؛ فلمَّا دخلوا على يَزْدَ جرد أمرهم بالجلوس؛ وكان سيّء الأدب ، فكان أوّل شىء دار بينه وبينهم أن أمر التّرجمان بينه وبينهم فقال: سَلْهم ما يسمّون هذه الأردية ؟ فسأل النُّعمان - وكان على الوفد : ما تُسمّى رداءَك ؟ قال: البُرْد، فتطيّر وقال: ((برْدجهان))، وتغيَّرت ألوان فارس وشقَّ ذلك عليهم. ثم قال: سلهم عن أحذيتهم، فقال: ما تسمّون هذه الأحذية؟ فقال : النّعال، فعاد لمثلها، فقال: ((ناله ناله)) فى أرضنا، ثم سأله عن الَّذى فى يده فقال: سوط ، والسوط بالفارسيّة الحريق ، فقال : أحرقوا فارس أحرقهم اللّه! وكان تطهُّره(١) على أهل فارس ، و کانوا یجدون من كلامه . كتب إلىّ السرىُّ، عن شُعيب، عن سيْف، عن عمرو، عن الشعبىّ، بمثله وزاد: ثمّ قال الملك: سلْهم ما جاء بكم ؟ وما دعاكم إلى غَزْوِنا والوَلوع ببلادنا؟ أمِنْ أجلِ أنَّا أجممناكم، وتشاغلنا عنكم ، اجترأتم علينا! فقال لهم النعمان ابن مقرّن: إن شئتم أجبتُ عنكم ؛ ومن شاء آثرته . فقالوا : بل تكلّم ، وقالوا للملك: كلامُ هذا الرجل كلامُنا. فتكلَّ النّعمان، فقال: إنّالله رحمنا فأرسل إلينا رسولا يدلّنا على الخير ويأمرُنا به ، ويعرّفنا الشرّ وينهانا عنه ، ووعدنا على إجابته خيرَ الدّنيا والآخرة ؛ فلم يدعُ إلى ذلك قبيلةً إلاّ صاروا فرقتيْن؛ فرقة تُقاربه ، وفرقة تباعده ، ولا يدخل معه فى دينه إلاّ الخواصّ. فمكث (١) كذا فى ز، وفى ط: ((نظيره)). ٤٩٩ سنة ١٤ بذلك ما شاء الله أن يمكث ، ثم أمر أن ينبذ إلى من خالفه من العرب؛ وبدأ ٢٢٤٠/١ بهم وفعل ؛ فدخلوا معه جميعًا على وجهين: مكرّه عليه فاغتبط؛ وطائع أتاه فازداد ؛ فعرفنا جميعًا فضلَ ما جاء به على الَّذى كنّا عليه من العداوة والضّق ؛ ثم أمرنا أن نبدأ بمتَن يلينا من الأمم فندعوهم إلى الإنصاف ، فنحن ندعُوكم إلى ديننا، وهو دين حسَّن الحسَن وقبّح القبيح كلّه ، فإن أبيتم فأمرٌ من الشرّ هو أهون من آخرَ شرٌّ منه الجِزاء؛ فإن أبيتم فالمناجزة، فإن أجبتم إلى ديننا خَلَّفنا فيكم كتاب اللّه ، وأقمناكم علمه ، على أن تحكموا بأحكامه، ونرجع عنكم وشأنكم وبلادكم؛ وإن اتقيتمونا بالجزاء قَبَلْنا ومنعناكم ؛ وإلاّ قاتلناكم . قال : فتكلَّم يَزْدَ جرد، فقال: إنى لا أعلم فى الأرْض أمَّة كانت أشقى ولا أقلّ عدداً ولا أسوأ ذات بين منكم؛ قد كنّا نوكّل بكم قُرَى الضواحى فيكفونناكُم (١) . لا تغزون فارس ولا تطمعون أن تتَقُوموا لهم، فإن كان عددٌ لحق (٢) فلا يغرَّنَّكم منّا، وإن كان الجهد دعاكم فرضْنا لكم قوتًا إلى خِصْبكم ؛ وأكرْمنا وجوهكم وكسوناكم، وملّكنا عليكم ملكًا يرفُق بكم : ٢٢٤١/١ فأسكَت القوم . فقام المغيرة بن زرارة بن النبَّاش الأسَيْدىُّ ، فقال: أيُّها الملك ، إنَّ هؤلاء رءوس العرب ووجوهُهم ؛ وهم أشراف يستحيُون من الأشراف؛ وإنّما يكرم الأشرافَ الأشرافُ ، ويعظّم حقوق الأشراف الأشراف ، ويفخّم الأشرافَ الأشرافُ ؛ وليس كلّ ما أرسلوا به جمعوه لك ، ولا كلّ ما تكلّمتَ به أجابوك عليه ، وقد أحسنوا ولا يحسُن بمثلهم إلاّ ذلك؛ فجاوبتى لأكون الذى أبلغك، ويشهدون على ذلك ؛ إنَّك قد وصفتنا صفةً لم تكن بها عالما ، فأمَّا ما ذكرت من سُوء الحال ، فما كان أسوأ حالاً منَّاً، وأمَّا جوعنا فلم يكن يشبه الجوع ، كنّا نأكل الخنافس والجعلان والعقارب والحيَّات ؛ فنرى ذلك طعامنا. وأمَّ المنازل فإنما هى ظهر الأرض ، ولا نلبس إلاَّ ما غزلْنا من أوبار الإبل وأشعار الغنم ؛ (١) ابن الأثير والنويرى: ((فيكفونا أمركم)). (٢) ابن الأثير والنويرى: ((غرر))، وابن كثير: ((عددكم كثر)). ٥٠٠ سنة ١٤ دینُنا أن يقتل بعضنا بعضًا، ويُغيرَ بعضُنا على بعض،وإن كان أحدنا ليدفن ابنَتَه وهى حيَّة كراهيةَ أن تأكل من طعامنا ؛ فكانت حالنا قبل اليوم على ما ذكرت لك ؛ فبعث الله إلينا رجلاً معروفاً، نعرف نسبه ، ونعرف وجهه ومولِده ؛ فأرضُه خير أرضنا، وحَسبُه خير أحسابنا ، وبيته أعظم بيوتنا؛ وقبيلته خير قبائلنا (١)؛ وهو بنفسه کان خیر نا فى الحال التى كان فيها أصدقنا وأحلمنا (٢) ؛ فدعانا إلى أمر فلم يُجبه أحد قبل ترْبٍ كان له وكان ٢٢٤٢/١ الخليفةَ من بعده، فقال وقلنا، وصدق وكذبنا، وزاد ونقصنا، فلم يقل شيئًا إلاّ كان، فقذف الله فى قلوبنا التَّصديق له واتباعه ؛ فصار فيما بيننا وبين ربّ العالمين ؛ فما قال لنا فهو قول اللّه، وما أمرنا فهو أمرُ اللّه؛ فقال لنا: إنَّ ربّكم يقول: إنّ أنا اللّهُ وحدى لا شَريك لى، كنتُ إِذْ لم يكن شىء وكلّ شيء هالك إلاَّ وجهى، وأنا خلقتُ كلّ شيء، وإلىَّ يصير كلّ شيء، وإنَّ رحمتى أدركتْكم فبعثت إليكم هذا الرّجل لأدُنَّكُمْ عَلَى السَّبيل الّتى بها أنْجِيِكمْ بعد الموت من عذابى، ولأحِلَّكم دارى؛ دار السَّلام، فنشهد عليه أنه جاء بالحقّ من عند الحقّ، وقال: مَنْ تابعكم على هذا فله مالكم وعليه ما عليكم، ومَنْ أبَى فاعرِضوا عليه الجزية ، ثم امنعوه ممَّا تمنعون منه أنفسكم، ومَنْ أبى فقاتلوه ، فأنا الحكتم بينكم. فمن قُتل منكم أدخلته جنَّى، ومَنْ بفىَ منكم أعقبته النَّصر على مَنْ ناوأه؛ فاختر إن شئت الجزية عن يد وأنت صاغر؛ وإن شئت فالسيف، أو تُسلم فتُنجى نفسك . فقال : أتستقبلنى بمثل هذا ! فقال: ما استقبلتُ إلاّ مَنْ كلَّمنى، ولو كلّمنى غيرُك لم أستقبلك به. فقال: لولا أنَّ الرسل لا تُقْتَل لقتلتُكم؛ لا شىء لكم عندى، وقال (٣): اثتونى بوِقْر من تراب ، فقال : احملوه على أشرف هؤلاء ، ثم سوقوه حتى ٢٢٤٣/١ يخرج من باب المدائن؛ ارجعوا إلى صاحبكم فأعلموه أنى مرسل إليكم رستم (١) ط: ((قبيلتنا)). (٢) ابن حبيش: ((أجملنا)). (٣) كذا فى س، وفى ط: ((فقال)). : ٠٨٠٠