النص المفهرس
صفحات 461-480
٤٦١ سنة ١٣ فتوافوا إليه فى جمع عظيم ، وبلغ رستم والفَيْرُزان ذلك، وأنتهم العيون به وبما ينتظرون من الأمداد، واجتمعا على أن يبعثا مِهْران الهمذانىّ ؛ حتى يريا مِن رأيهما، فخرج مِهِْران فى الخيول وأمَرَاه بالحيرة ، وبلغ المثنَّى الخبر وهو معسكر بمرْج السُّخ بين القادسيَّة وخَفَّان فى الذين أمدّوه من العرب عن خبر بشير وكنانة(١) - وبشير يومئذ بالحيرة - فاستبطن فُرات بادَ قْلى، وأرسل إلى جرير ومَن معه : إنَّا جاءنا أمر لم نستطع معه المقام حتى تقدموا علينا ، فعجِلُوا اللّحاق بنا، وموعدكم البُوَيْب. وكان جرير مُمِدًّا له، وكتب إلى عِصْمة ومن معه، وكان ممدًّا له بمثل ذلك ، وإلى كل قائد أظلَّه بمثل ذلك ، وقال : خذوا على الجَوْف ، فسلكوا القادسيَّة والجَوْف، وسلك المثنَّى وسط السَّواد ، فطلع على النَّهريْن ثم على الخوَرْنَق، وطلع عصمة على النَّجَف، ومَن سلك معه طريقه ، وطلع جرير على الجَوْف ومَن سلك معه طريقه، فانتهوْا إلى المثنَّى، وهو على البُويب، وميهران من وراء الفرات بإزائه، فاجتمع عسكر المسلمين على البُويب ممَّا يلى موضع الكوفة اليوم ؛ وعليهم المثنّى وهم بإزاء مهران وعسكره . فقال المثنّى لرجل من أهل السواد: ما يقال للرُّفْعة للتى فيها مهران وعسكره؟ قال: بَسُوسْيا. ٢١٨٥/١ فقال : أُكْدَى مهران وهلك! نزل منزلا هو البسوس؛ وأقام بمكانه حثّى كاتبه مهران: إمّا أن تعبُرُوا إلينا، وإمّا أن نعبر إليكم؛ فقال المثنَّى: اعبُرُوا ؛ فعبر مِهْران ، فنزل على شاطىء الفرات معهم فى الملطاط، فقال المثنّى لذلك الرجل: ما يُقال لهذه الرقعة التى نزلها مهران وعسكره ؟ قال: شُوميا - وذلك فى رمضان - فنادى فى الناس: انهدوا لعدوّكم، فتناهدوا، وقد كان المثنّ عَبَّى جيشه ، فجعل على مجنَّبتيه مذعوراً والنُّسَير، وعلى المجرّدة عاصمًا، وعلى الطلائعِ عِصْمة، واصطفّ الفريقان ؛ وقام المثنَّى فيهم خطيبًا؛ فقال : إنكم صُوّام ؛ والصوم مَرَقَّة ومضعفة ؛ وإنى أرى من الرأى أن تُفطِرِوا ثم تقوَوْا بالطعام على قتال عدوّكم. قالوا: نعم، فأفطروا؛ فأبصر رجلا يستوفز ويستنتِل (٢) من الصّفّ، فقال: ما بال هذا؟ قالوا: هو ممَّنّ فرّ من (١) ابن حبيش: ((وكتابه)). (٢) استوفر : تهيأ . واستنتل: تقدم . . ٤٦٢ سنة ١٣ الزّحف يوم الجسر؛ وهو يريد أن يستقتل، فقرعه بالرّمح، وقال: لا أبالك! الزَمْ موقفَك ، فإذا أتاك قرنك فأغْنِه عن صاحبك ولا تستقتل ، قال : إنى بذلك لجدير، فاستقرّ ولزم الصّفة كتب إلىّ السرىّ، عن شعيب، عن سيف، عن أبى إسحاق الشيبانىّ بمثله. كتب إلىّ السرىّ، عن شُعيب، عن سَيْف، عن عطيّة . وعن ٢١٨٦/١ سفيان الأحمرىّ، عن المجالد، عن الشعبىّ، قالا: قال عمر حين استجمّ (١) جَمْعُ بجيلة: اتّخذونا طريقًا، فخرج سَرَوات بجيلة ووفدُهم نحوه ، وخلّفوا الجمهور ، فقال : أىّ الوجوه أحبّ إليكم ؟ قالوا : الشأم فإن أسلافنا بها، فقال: بل العراق؛ فإنّ الشأم (٢) فى كفاية؛ فلم يزل بهم، ويأبوْن عليه حتى عزم على ذلك؛ وجعل لهم ربع خُمس ما أفاء الله على المسلمين إلى نصيبهم من الفيء ، فاستعمل عَرْفجة على مَن كان مقيماً على جديلة من بَجِيلة ، وجريرا على مَن كان من بنى عامر وغيرهم ؛ وقد كان أبو بكر ولاّه قتالَ أهل عُمان فى نفر ، وأقفله حين غزا فى البحر ، فولاّه عمر عُظْم بسجيلة، وقال: اسمعوا لهذا، وقال للآخرين : اسمعوا الجرير، فقال جرير لبَجِيلة: تُقِرُّونَ بهذا - وقد كانت بتجيلة غضبت على عَرْفجة فى امرأة منهم - وقد أدخل علينا ما أدخل ! فاجتمعوا فأتوا عُمر ، فقالوا : أعْفِنا من عَرْفجة ، فقال: لا أعفيكم من أقدمكم هجرةً وإسلامًا، وأعظمكم بلاءً وإحسانًا ، قالوا : استعمل علينا رجلاً منّاً، ولا تستعمل علينا نزيعًا فينا، فظنّ عمر أنَّهم يَنفُونه من نسبه ، فقال: انظروا ما تقولون! قالوا : نقول ما تسمع ؛ فأرسل إلى عرفجة ، فقال: إن هؤلاء استعفوتى منك ، وزعموا أنَّك لست منهم ، فما عندك ؟ قال : صدقوا ، وما يسُرّنى أنى منهم . أنا امرؤ من الأزد ، ثم من بارق ، فى كَهْف لا يُحْصَى عدده، وحَسَبٍ غير مُؤْتَشَب (٣) . فقال عمر: نِعْمَ الحىُّ الأزد ! يأخذون نصيبتهم من الخير والشرّ. قال عرفجة: إنه كان من شأنى أنّ الشرّ تفاقم فينا، ودارُنا واحدة؛ (٢) ز: ((أهل الشام)). (١) ابن حبيش: ((استم)). (٣) غير مؤتشب ؛ أى مخلوط غير صريح فى نسبه. ٤٦٣ سنة ١٣ فأصبنا الدّماء، ووتر بعضنا بعضا، فاعتزلتهم لمَّا خِفتهم، فكنت فى ٢١٨٧/١ هؤلاء أسودُهم وأقودُ هم، فحفِظوا علىّ الأمر دار بينى وبين دهاقينهم ، فحسدونى وكفرونى. فقال: لا يضرّك فاعتزلهمْ إذْكرِهوك. واستعمل جريرًا مكانه ، وجمع له بجيلة ، وأرى جريرًا وبجيلة أنَّه يبعث عَرْفجة إلى الشأم ، فحبَّب ذلك إلى جرير العراق ، وخرج جرير فى قومه ممدًّا للمثنَّى ابن حارثة، حتى نزل ذا قار، ثم ارتفع حتى إذا كان بالجُلِّ والمثنّى بمرْج السِّباخ ، أتى المثنَّى الخبرُ عن حديث بشير وهو بالحيرة ؛ أنّ الأعاجم قد بعثوا مهران ، ونهض من المدائن شاخصاً نحو الحيرة . فأرسل المثنَّى إلى جرير وإلى عصمة بالحثّ، وقد كان عهد إليهم عمر ألاّ يعبروا بحرًا ولا جسرًا إلاّ بعد ظفَر، فاجتمعوا بالبُوَيَب ، فاجتمع العسكران على شاطىء الْبُوَيَب الشرقىّ، وكان البويب مَغيضًا للفرات أيام المدود ، أزمان" فارس، يصب فى الجوف ، والمشركون بموضع دار الرزق ، والمسلمون بموضع السَّكون . كتب إلىّ السرىّ بن يحيى، عن شُعيب بن إبراهيم ، عن سيف بن عمر، عن عطيّة والمجالد بإسنادهما ، قالا: وقدما على عُمر غُزاة بنى كنانة والازْد فى سبعمائة جميعًا ، فقال : أىّ الوجوه أحب إليكم ؟ قالوا : الشأم، أسلافنا أسلافنا! فقال: ذلك قد كُفيتموه؛ العراقَ العراق! ذَرُوا بلدة قد قَلَّل الله شوكتها وعددَها ، واستقبلوا جهاد قوم قد حوَوْا فنون العيش، لعلّ اللّه أن ١ يورثكم بقِسْطكم من ذلك فتعيشوا مع مَن عاش من الناس . فقال غالب بن عبد اللّه الليْىّ وعرفجة البارقيّ، كلّ واحد منهما لقومه، وقاما فيهم : يا عشيرتاه! أجيبوا أميرَ المؤمنين إلى ما يرى، وأمضوا له ما يُسكِنِكم . قالوا : إِنَّا قد أطعناك وأجبنا أميرَ المؤمنين إلى ما رأى وأراد . فدعا لهم عمر بخير وقاله لهم، وأمَّرَ على بنى كنانة غالب بن عبد اللّه وسرّحه، وأمَّر على الأزْد عَرْفَجَة بن هَرْئمة وعامَّتُهم من بارق، وفرحوا برجوع عَرْفجة إليهم . فخرج هذا فى قومه ، وهذا فى قومه ، حتى قدما على المثنّى . ٢١٨٨/١ كتب إلىّ السرىّ ، عن شُعيب، عن سيف ، عن محمد وعمرو (١) ط: ((فلان)). ٤٦٤ سنة ١٣ بإسنادهما ، قالا : وخرج هلال بن عُلَّفة التيمىّ فيمن اجتمع إليه من الرِّباب حتى أتى عمر ، فأمَّرَه عليهم وسرَّحه، فقدم على المثنَّى وخرج ابن المثنّى الجُشَمِىّ ؛ جُشَم سعد، حتى قدم عليه ، فوجَّهه وأمَّرَّه على بنى سعد، فقدم على المثنَّى . كتب إلىّ السرىّ، عن شعيب ، عن سيف ، عن المجالد ، عن الشعبىّ وعطية بإسنادهما ، قالا: وجاء عبد اللّه بن ذى السَّهْمَيْن فى أناس من خَشْعِم ، فأمَّرَه عليهم ووجَّهه إلى المثنَّى ، فخرج نحوه حتى قدم عليه . كتب إلىّ السرىّ، عن شُعيب، عن سَيْف، عن محمد وعمرو بإسنادهما ، قالا: وجاء رِبْعِىّ فى أنَاس من بنى حنظلة، فأمَّه عليهم ٢١٨٩/١ وسرّحهم، وخرجوا حتى قدم بهم على المثنَّى، فرأس بعده ابنه شَبَسَت بن رِبْعِىّ، وقدم عليه أناسٌ من بنى عمرو، فأمَّرَ عليهم رِبْعِىّ بن عامر بن خالد العَنُود ، وألحقه بالمثنّى ، وقدم عليه قومٌ من بنى ضبَّة ، فجعلهم فرقتيْن، فجعل على إحدى الفرقتين ابن الهَوْبَر ، وعلى الأخرى المنذر بن حسَّان ، وقدم عليه قُرْط بن جمَّاح فى عبد القيس ، فوجَّهه. وقالوا جميعًا : اجتمع الفيرزان ورستَم على أن يبعثًا مِهْران لقتال المثنَّى واستأذنا بُوران - وكانا إذا أرادَا شيئًا دنَوَا من حجابها حتى يكلّماها به - فقالا بالذى رأيا وأخبراها . بعدد الجيش - وكانت فارس لا تُكثِر (١) البعوث؛ حتى كان من أمر العرب ما كان - فلمَّا أخبراها بكثرة عدد الجيش ، قالت : ما بالُ أهلِ فارس لا يخرجون إلى العرب كما كانوا يخرجون قبل اليوم ؟ ومالكما لا تبعثَان كما كانت الملوك تبعث قبل اليوم! قالا : إنَّ الهيبة كانت مع عدوّنا يومئذ ، ٢١٩٠/١ وإنها فينا اليوم؛ فمالأتْهما وعرفت ما جاءاها به، فمضى مهران فى جنده حتى نزلَ من دون الفرات والمثنّى وجنده على شاطئ الفرات ؛ والفرات بينهما ؛ وقدم أنس بن هلال النَّمَرِىّ ممدًّا للمثنَّى فى أناس من النَّمِرِ نصارى وجلاّ ب جلبوا خيلا ، وقدم ابن مِرْدَى الفِهْرىّ التغلّبِىّ فى أناس من بنى تَغْلِب نصارى وجلاّب جلبوا خيلا - وهو عبد الله بن كُلَيب بن خالد - وقالوا حين رأوا نزولَ العرب بالعجم : نقاتل مع قومنا . وقال مهران: إمَّا أن تعبُروا (١) كذا فى س، وفى ط: ((لا يكثرون)). ٤٦٥ سنة ١٣ إلينا، وإمّا أن نعبُر إليكم ، فقال المسلمون : اعبُرُوا إلينا، فارتحلوا من بَسُوسْيا إلى شُومِيا، وهى موضع دار الرّزق. كتب إلىَّ الشّرىّ، عن شُعيب، عن سيف، عن عبيد الله بن مُحَفِّز، عن أبيه، أنّ العجم لمَّا أذن لهم فى العبور نزلوا شوميا موضع دار الرّزق، فتعبَّوْا هنالك ؛ فأقبلوا إلى المسلمين فى صُفُوف ثلاثة مع كلّصفّ قَيْل، ورَجْلُهم أمام فيلهم، وجاءوا ولهم زَجَل. فقال المثنَّى للمسلمين: إنّ الَّذى تسمعون فَشَلٌ، فالزموا الصَّمْت وائتمِرِوا هَمْسًا. فدنوا من المسلمين وجاءوهم من قبل نهر بنى سُليم نحو موضع نهر بنى سُليم، فلمّا دنوا زحفوا، وصُفّ المسلمون ٢١٩١/١ فيما بين نهر بنى سليم اليوم وما وراءها . كتب إلىَّ السرىّ ، عن شعيب، عن سيف ، عن محمَّد وطلحة ، قالا: وكان على مجنَّبَتَىِ المثنَّى بشير وبُسْربن أبى رُهْم، وعلى مجرَّدته المُعنَّى ، وعلى الرَّجْل مسعود، وعلى الطلائع قبل ذلك اليوم النُّسَيْر، وعلى الرّدءِ مذعور؛ وكان على مجنَّتِى مِهِران ابنُ الآزاذبه مرزُبان الحيرة ومَرْدانْشاه . ولمّا خرج المثنّى طاف فى صفوفه يعهد إليهم عهده ، وهو على فرسه الشَّمُوس - وكان يُدعَى الشَّموس من لين عريكته وطهارته ، فكان إذا ركبه قاتل، وكان لا يركبه إلاّ لقتال ويد عنه ما لم يكن قتال - فوقف على الرّايات رايةً رايةً يحضّضهم ، ويأمرهم بأمرِه ، ويهزّهم بأحسن ما فيهم ، تحضيضًا لهم، ولكلّهم يقول: إنّى لأرجو ألاّ تُؤتَى العرب اليوم من قبلكم ، والله ما يُسرَّفى اليوم لنفسى شىء إلاّ وهو يسرّنى لعامتكم ؛ فيجيبونه بمثل ذلك. وأنصفهم المثنَّى فى القول والفعل ، وخلط النَّاس فى المكروه والمحبوب؛ فلم يستطع أحدٌ منهم أن يعيب له قولا ولا عملا. ثم قال : إنِّى مكبّر ثلاثًا فتهيئوا ؛ ثم احملوا مع الرابعة ، فلمَّا كبَّر أوّل تكبيرة أعجلهم أهل فارس وعاجلوهم فخالطوهم مع أوّل تكبيرة؛ وركدت حَرْبُهم مَلِيًّاً، فرأى المثنَّى خللاً فى بعض صُفوفه، فأرسل إليهم رجلا، وقال: إنّ الأمير يقرأ عليكم السّلام ، ويقول : لا تفضحوا المسلمين اليوم ، فقالوا: نعم، واعتدلوا، ٢١٩٢/١ وجعلوا قبل ذلك يروْنه وهو يمدّلحيته لما يرى منهم ؛ فاعتنوْا بأمر لم يجئ به ٤٦٦ سنة ١٣ أحد من المسلمين يومئذ فرمقوه، فرأوه يضحك فَرَحًا والقوم بنو عِجْل(١). فلمَّا طال القتالُ واشتدّ، عمد المثنَّى إلى أنس بن هلال ، فقال : يا أنس ، إنَّك امر ؤ عربىّ ، وإن لم تكن على ديننا؛ فإذا رأيتنى قد حملت على مهران فاحمِل معى ، وقال لابن مِرْدَى الفِهْر مثلَ ذلك فأجابه . فحمل المثنّى على مهران ؛ فأزاله حتى دخل فى ميمنته ، ثم خالطوهم ، واجتمع القلبان وارتفع الغبار والمجنَّبَات تقتتل (٢) ، لا يستطيعون أن يفرغوا لنصر أميرهم، لا المشركون ولا المسلمون، وارتُثَّ مسعود يومئذ وقُوّاد من قُوّاد المسلمين ؛ وقد كان، قال لهم: إن رأيتمونا أصِبنا فلا تَدَعوا ما أنتم فيه ؛ فإنّ الجيش ينكشف ثم ينصرف ؛ الزموا مصافّكم، وأغْنُوا غناء مَن يليكم . وأوجع قلب المسلمين فى قلْب المشركين ، وقَتّلَ غلام من التغلبيّين نصرانىّ مهران" واستوى على فرسه ، فجعل المثنّى سلبه لصاحب خَيْلِه ؛ وكذلك إذا كان المشرك فى خيل رجل فقتل وسلب فهو الذى هو أمير على مَن قتل ؛ وكان له قائدان : أحدهما جَرير والآخر ابن الهوبر ؛ فاقتسما سلاحه . ٢١٩٣/١ كتب إلىّ السرىّ، عن شعيب ، عن سيف، عن عبيد الله بن محفِّز، عن أبيه محفّز بن ثعلبة ؛ قال: جلَب فتية من بنى تغلب أفراسًا ، فلمَّا التّى الزّحفان يوم البُوَيَب ، قالوا : نقاتل العجم مع العرب ، فأصاب أحدهم مهران يومئذ، ومِهران على فرس له وَرْد محفَّف بتِجْفاف أصفر، بين عينيه هلالٌ، وعلى ذَنَبَه أهِلَّة من شَبَه ، فاستوى على فرسه ، ثم انتمى : أنا الغلام التغلسَىّ ، أنا قتلتُ المرزبان! فأتاه جرير وابن الهوبر فى قومهما فأخذا برجله فأنزلاه . كتب إلىّ السرِىّ، عن شُعيب، عن سيف، عن سعيد بن المرزبان ، أن جريرًا والمنذر اشتركا فيه فاختصما فى سلاحه ، فتقاضيا إلى المثنَّى، فجعل سلاحه بينهما والمنطقة والسوارين بينهما ، وأفضَوا قلْبَ المشركين . كتب إلىّ السرىّ ، عن شعيب، عن سيف ، عن أبى رَوْق ، قال : (١) ز: ((بين عجل وما وراءها)). (٢) ز وابن الأثير: ((تقتل)). ٤٦٧ سنة ١٣ واللّه إنْ كنَّا لنأتى البُويب، فترى فيما بين موضع السَّكون وبنى سُلَيم عظامًا بيضًا تلولاً تلوح منهامهم وأوصالهم ؛ يُعتبر بها . قال: وحدّثَنِى بعض من شهدها أنھم کانوا یحزُرونها مائة ألف ، وما عُفىعليها حتى دفنها أدْفان البيوت . كتب إلىّ السرىّ ، عن شعيب ، عن سيف ، عن محمد وطلحة ؛ قالا : وقف المثنَّى عند ارتفاع الغُبار؛ حتى أسفر الغبار ، وقد فنِىَ قلب المشركين ، والمجنَّبات قد هزّ بعضها بعضاً، فلمَّا رأوه وقد أزال القلب، وأفنى أهله، ٢١٩٤/١ قويت المجنَّات - مجنَّبات المسلمين .ـ على المشركين، وجعلوا يردّون الأعاجم على أدبارهم ، وجعل المثنَّى والمسلمون فى القَلْب يدعُون لهم بالنَّصر ، ويرسل عليهم مَنْ يذمُرُهم، ويقول: إنّ المثنَّى يقول : عاداتكم فى أمثالهم ؛ انصروا الله ينصركم ؛ حتى هزموا القوم، فسابقهم المثنّى إلى الجسر فسبقهم وأخذ الأعاجم ، فافترقوا بشاطئ الفرات مصعدين ومصوّ بين ، واعتورتهم خيول المسلمين حتى قتلُوهم، ثمّ جعلوهم جُثًا (١)؛ فما كانت بين العرب والعجم وقعة كانت أبقى رِمَّةً منها. ولما ارتُكّ مسعود بن حارثة يومئذ - وكان صُرِع قبل الهزيمة ، فتضعضع من معه ، فرأى ذلك وهو دنِف - قال : يا معشر بكر بن وائل ، ارفعوا رايتكم ، رفعكم الله! لا يهولنَّكم مَصْرْعِىٍ، وقاتل أنس بن هلال النمرِىّ يومئذ حتى ارتُتّ ، ارتِثِّه للمثنَّى، وضمَّه وضمّ مسعودًا إليه. وقاتل قُرْط بن جَمَّاح العبدىّ يومئذ حتى دقَّ قنًا (٢)، وقطع أسيافًا. وقتِل شَهْر براز من دهاقين فارس وصاحب مجرّدة مهران. قال: ولما فرغوا جلس المثنَّى للناس من بعد الفراغ يحدّثهم ويحدّثونه، وكلّما جاء رجل فتحدّث قال له: أخبرْنى عنك؛ فقال له قُرْط بن جمّاح: قتلتُ رجلاً فوجدتُ منه رائحة المسك ، فقلتُ : مهران ، ورجوت أن یکون إيّاه ، فإذا هو صاحب الخيل شَهْر براز ، فوالله ما رأيتُه إذ لم يكن مهران شيئًا . فقال المثنَّى: قد قاتلت العرب والعجم فى الجاهليَّة والإسلام؛ واللّه لمائة من العجم فى الجاهليَّة كانوا أشدّ علىّ من ألف من العرب ، ولمائة اليومَ من العرب ٢١٩٥/١ (١) جثاً : أكواماً . (٢) القنا: الرماح، ودقها: كسرها. ١ ٤٦٨ ستة ١٣ أشدّ علىّ من ألف من العجم؛ إن اللّه أذهب مصدوقتَهم، ووهَّن كيدَهم ؛ فلا يروعنَّكم زُهّاءِ(١) تروْنه، ولا سَوَاد ولا قِسِيٌّ فُجٌّ(٢)، ولا نِبال طوال، فإنَّهم إذا أعجِلوا عنها أو فقدوها ، كالبهائم أَيْنما وجَّهتموها اتَّجهت . وقال رِبْعِىّ وهو يحدّث المثنّى : لمّا رأيتُ ركود الحرب واحتدامها ، قلتُ: تترّسوا(٣) بالمجان"، فإنهم شادّون عليكم؛ فاصبروا لشدّتَيْن وأنا زعيم لكم بالظفر فى الثالثة ؛ فأجابونى واللّه؛ فوفَّى اللّهُ كفالتى. وقال ابن ذى السَّهمين محدّثًا: قلت لأصحابى : إنّ سمعت الأميرَ يقرأ ويذكر فى قراءته الرُّعْب (٤)؛ فما ذكره إلا لفضل عنده؛ اقتدوا برايتكم، وليسَحْمِ راجلتكم خيلُكم، ثم احملوا ، فما لقول الله من خُلْف؛ فأنجز الله لهم وعده ، وكان كما رجوت . وقال عَرْفجة محدّثًا : حُزْنا كتيبةً منهم إلى الفرات ، ورجوّت أن يكون اللّه تعالى قد أذن فى غَرَقِهم وسلَّى عنًّا بها مصيبة الجسر، فلمَّا دخلوا ٢١٩٦/١ فى حدّ الإحراج، كرّوا علينا، فقاتلناهم قتالا شديداً حتى قال بعض قومى: لو أخَّرَتَ رايَتَك! فقلت : علىّ إقدامُها ، وحملت بها على حاميتهم فقتلتُه ، فولّوْا نحو الفُرات ، فما بلغه منهم أحد فيه الرّوح . وقال رِبْعِىّ بن عامر بن خالد : كنت مع أبى يوم البُويب- قال وسُمَّ البُويب يوم الأعشار - أحصى مائة رجل، قَتَل كلّ رجل منهم عشرة فى المعركة يومئذ، وكان عُرْوة بن زيد الخيل من أصحاب التّسعة ، وغالِب فى بنى كنانة من أصحاب التسعة ، وعرفجة فى الأزْد من أصحاب التسعة . وقتل المشركون فيما بين السَّكون اليوم إلى شاطئ الفرات، ضفَّة البويب الشرقيّة؛ وذلك أنّ المثنّى بادرهم عند الهزيمة الجمبرَ، فأخذه عليهم، فأخذوا يَمْنة ويَسْرة، وتبعهم المسلمون إلى الليل، ومن الغد إلى اللَّيل ، وندم المثنّى على أخذه بالجسر ، وقال : لقد عجزتُ عجزة وَقَى اللّه شرّها بمسابقتى إيّاهِم إلى الجسر وقَطْعِهِ ؛ حتى أحرجتُهم ؛ فإنى غير عائد ؛ فلا تعودوا (١) الزهاء : العدد. (٢) يقال : قوس فجاء ومنفجة: بان وترها عن كبدها . (٤) ابن حبيش: ((الزحف)) (٣) تترس: تستر بالترس. ٤٦٩ سنة ١٣ ولا تقتدوا بى أيّها الناس ، فإنها كانت منّى زلّة لا ينبغى إحراج أحد إلاّ مَن لا يقوى على امتناع. ومات أناس من الجرحى من أعلام المسلمين، منهم خالد ابن هلال ومسعود بن حارثة ، فصلَّى عليهم المثنَّى ، وقدمهم على الأسنان والقرآن؛ وقال: والله إنَّه ليُهوِّن علىّ وجْدى أن شهدوا البُويب ، أقدَمُوا وصَبَرُوا ، ولم يجزَعوا ولم ينكلوا، وإن كان فى الشهادة كفَّارة لِتجوُّزُ الذنوب . ٢١٩٧/١ كتب إلىّ السرىّ ، عن شعيب، عن سيف ، عن محمد وطلحة وزياد ، قالوا : وقد كان المثنَّى وعصمة وجرير أصابُوا فى أيَّام البُويب على الظّهر نُزْل مِهْران غنمًا ودقيقًا وبقرًا، فبعثوا بها إلى عيالات مَن قدم من المدينة وقد خلَّفوهنّ بالقوادس ، وإلى عيالات أهل الأيَّام قبلتهم ؛ وهم بالحيرة . وكان دليل الذين ذهبوا بنصيب العيالات الَّذين بالقوادس عَمْرو بن عبد المسيح بن بُقيّلة ، فلمَّا رُفِعوا للنسوة فرأين الخيلَ ، تصايحن وحسبنها غارةً، فقمْنَ دون الصبيان بالحجارة والعُمُد ، فقال عمرو : هكذا ينبغى لنساء هذا الجيش! وبشّروهنّ بالفتح، وقالوا: هذا أوّله، وعلى الخيل التى أتتهم بالنُّزل الُّنسَيْر؛ وأقام فى خيله حاميةً لهم، ورجع عمرو بن عبد المسيح فبات بالحيرة . وقال المثنَّى يومئذ : من يتبع الناس حتَّى ينتهى إلى السِّيب ؟ فقام جرير بن عبد الله فى قومه ، فقال : يا معشر بجيلة ، إنَّكم وجميع مَن شهد هذا اليوم فى السابقة والفضيلة والبلاء سواء ، وليس لأحد منهم فى هذا الخُمس غدًا من النَّفَل مثل الذى لكم منه؛ ولكم رُبع خمسه نفَلا من أمير المؤمنين ؛ فلا يكوننَّ أحدٌ أسرعَ إلى هذا العدوّ ولا أشدّ عليه منكم للذى لكم منه، ونِيَّة إلى ما ترجون(١)؛ فإنما تنتظرون إحدى ٢١٩٨/١ الحُسنَيَيْن: الشهادة والجنَّة أو الغنيمة والجنَّة. ومال المثنَّى على الَّذين أرادوا أن يستقتلوا من مُنهزِمة يوم الجسر، ثم قال: أين المستبسل بالأمس وأصحابه! انتدبوا فى آثار هؤلاء القوم إلى السيب ، وابلغوا من عدوّكم ما تغيظونهم به، فهو خيرٌ لكم وأعْظَمُ أجرًاً؛ واستغفروا اللّه إنّ الله غفورٌ رحيم. ب (١) ز: ((يرجون)). ٤٧٠ سنة ١٣ كتب إلىّ السرىّ، عن شعيب، عن سيف ، عن حمزة بن علىّ بن محفّزِ، عن رجل من بَكْر بن وائل ، قال : كان أوّل الناس انتدب يومئذ للمثنّى واتَّبع آثارهم المستبسل وأصحابه ؛ وقد كان أراد الخروج بالأمس إلى العدوّ من صفِّ المسلمين واستوفر واستنتل (١)، فأمرَ المثنَّى أنْ يُعقد لهم الجمر؛ ثم أخرجهم فى آثارٍ للقوم، واتَّبعتهم بَجيلة وخيولٌ من المسلمين تُغِذٌ (٢) من كلّ فارس ، فانطلقوا فى طلبهم حتى بلغوا السِّيْب، ولم يبقَ فى العسكر جسرىّإلاَّ خرج فى الخيل، فأصابوا من البقر والسَّبِى وسائر الغنائم شيئًا كثيرًا فقسمه المثنَّى عليهم ، وفضّل أهل البلاء من جميع القبائل ، ونفَّل بجيلة يومئذ ربعَ الخمس بينهم بالسويَّة، وبعث بثلاثة أرباعه مع عكرمة ، وألقى اللّه الرُّعب فى قلوب أهلِ فارس. وكتب القُوّاد الذين قادوا النَّاس فى الطَّلب إلى المثنَّى، وكتب عاصم وعصمة وجرير: إنّ اللّه عزّ وجلّ قد سلَّم وكفى، ووجَّه لنا ما رأيت، وليس دون القوم شىء؛ فتأذن لنا فى الإقدام ! فأذن لهم، فأغاروا حتى بلغوا ساباط ، وتحصّن أهلُ ساباط منهم واستباحوا القُرّيّات دونها؛ وراماهم أهل الحصن بساباط عن حصنهم، وكان أوّل مَن دخل حصنهم ثلاثة قُوّاد : عصمة ، وعاصم ، وجرير ؛ وقد تبعهم أوزاعٌ من الناس كلّهم. ثم انكفئوا (٣) راجعين إلى المثنَّى. كتبَ إلىّ السرىّ، عن شعيب ، عن سيف ، عن عطية بن الحارث ، قال : لمَّا أهلك الله مهران استمكن المسلمون من الغارة على السَّواد فيما بينهم وبين دجلة فَمَخروها، لا يخافون كيدًا، ولا يلقون فيها مانعًا، وانتقضت مسالح العجم ، فرجعت إليهم، واعتصموا بساباط، وسرّهم أن يتركوا ما وراء دجلة . وكانت وقعة البُويب فى رمضان سنة ثلاث عشرة ، قتل اللّه عليه مهْران وجيشه ، وأفعموا جنبتِى البُوَيب عظامًا، حتى استوى وما عفَى عليها إلاّ التراب أزمان الفتنة ، وما يثار هنالك شىء إلاّ وقعوا منها على شىء؛ وهو ما بين السَّكون ومُرْهِبة وبنى سُليم ؛ وكان مغيضًا الفرات أزمان الأكاسرة بصبّ فى الجَوْف . وقال الأعور العَبْدىّ الشَّىّ: (١) استنتل للأمر: استعد. (٢) ز: ((تعلو)). (٣) ز: ((انكفوا)). ١ / ٢١٩٩ ٤٧١ سنة ١٣ ١ / ٢٢٠٠ هاجَتْ لِأَعْوَرَ دارُ الحىِّ أَحْزَانَا وَاسْتَبْدَلَتْ بَعْدَ عبد القَيْسِ خَفّانا إذ بالُّخَيْلةِ قَتْلَى جُنْدِ مِهْرانا وقد أرانا بها والشّمْلُ مُجْتَمِعٌ فُقُتِّلَ الزَّحْفُ من فُرْسٍ وجِيلانا أزْمانَ سار الْمُنَّى بالخيول لَهُمْ حتى أبادَهُمُ مَثْنَى ووُحْدانا سما لِمِهْرَانَ والجيشِ الَّذِى معه قال أبو جعفر: وأمَّا ابن إسحاق ، فإنه قال فى أمر جرير وعرفجة والمثنَّ وقتال المثنَّى مهران غير ما قصّ سيف من أخبارهم ؛ والذى قال فى أمرِهِم ما حدّثنا محمد بن حُميد، قال : حدّثنا سَلَمة، عن ابن إسحاق ، قال : لمَّا انتهت إلى عمر بن الخطاب مصيبةُ أصحاب الجسر ، وقدم عليه فَلّهم؛ قدم عليه جرير بن عبد الله البجلىّ من اليمن فى ركب من بجيلة، وعَرْفجة بن هرثمة - وكان عرفجة يومئذ سيّد بجيلة، وكان حليفًا لهم من الأزْد - فكلّمهم عمر ، فقال لهم: إنَّكم قد علمتم ما كان من المصيبة فى إخوانكم بالعراق؛ فسيروا إليهم وأنا أخرج إليكم مَن كان منكم فى قبائل العرب فأجمعهم إليكم . قالوا: نفعل يا أمير المؤمنين ، فأخرج لهم قَيْسَ كُبَّةَ وسُحْمة وعُرَينة ؛ وكانوا فى قبائل بنى عامر بن صعصعة ، وأمَّرَ عليهم عرفجة بن هرثمة ، فغضب من ذلك جَرير بن عبد الله البَجَلِىّ، فقال لبَجيلة : كلّموا أميرَ المؤمنين ، فقالوا له : استعملت علينا رجلاً ليس منّاً ، فأرسل إلى عرفجة ، فقال : ما يقول هؤلاء ؟ قال : صدقوا يا أمير المؤمنين ، لستُ منهم، ولكنّى رجل من الأزْد ، كنّا أصبنا فى الجاهليّة دمًا فى قومنا، فلحقْنا بجيلة(١)، فبلغنا فيهم من السؤدد ما بلغك . فقال له عمر : فاثبت على منزلتِك، ودافعهم كما يدافعونك. قال : لستُ فاعلاً ولا سائرًا معهم ؛ فسار عرفجة إلى البَصْرة بعد أن نُزلت، وترك بجيلة، وأمَّرَ عمر على بَجِيلة جرير بن عبد الله، فسار بهم مكانه إلى الكوفة ، وضمّ إليه عمر قومه من بَجيلة ، فأقبل جرير حتى إذا مرَّ قريبًا من المثنَّى بن حارثة ، كتب إليه المثنَّى أن أقْبلْ إِلىَّ، فإنما أنت مَدَدٌ لى. فكتب إليه جرير: إنّى لست فاعلا إلاّ أن يأمرَنى بذلك أمير المؤمنين ؛ أنت أمير وأنا أمير. ١ / ٢٢٠١ (١) ابن حبيش: (( ببجيلة)). ٤٧٢ سنة ١٣ ثم سار جرير نحو الجسر ، فلقيه مهران بن باذان - وكان من عظماء فارس - عند النُّخَيْلة، قد قطع إليه الجسر، فاقتتلا قتالا شديداً، وشدّ المنذر بن حسَّان بن ضرار الصَّبِىّ على مهران فطعنه ، فوقع عن دابَّته ، فاقتحم عليه جرير فاحتزّ رأسَه، فاختصما فى سَلَبَه ، ثم اصطلحا فيه ؛ فأخذ جَرِير السِّلاح، وأخذ المنذر بن حسَّان منطقته . قال: وحُدَّثْتُ أنّ مهران لمّا لتى جريرًاً قال: إن تسألوا عنّى فإنى مِهِرانْ أَنا لِمَنْ أَنْكَرَنى ابنُ باذانْ قال : فأنكرتُ ذلك حتى حد ثنى من لا أتّهم من أهل العلم أنه كان عربيًّا نشأ مع أبيه باليمن إذ كان عاملا (١) لكسرى . قال : فلم أنكر ذلك حين بلغنى . ١ /٢٢٠٢ وكتب المثنّى إلى عمر يَمْخَل (٢) بجرير، فكتب عمر إلى المثنّى: إنّى لم أكن لأستعملك على رجل من أصحاب محمّدٍ صلَّى الله عليه وسلّم - يعنى جريراً. وقد وجه عمر سعد بن بى وقّاص إلى العراق فى ستة آلاف، أمّرّه عليهم ؛ وكتب إلى المثنَّى وجرير بن عبد الله أن يجتمعا إلى سعد بن أبى وقَّاص، وأمَّر سعدًا عليهما؛ فسارسعد حتى نزل شَرَاف، وسار المثنَّى وجرير حتى نزلا عليه، فشتا بها سعد، واجتمع إليه الناس ، ومات المثنَّى بن حارثة رحمه الله . ٠ خبر الخنافس رجع الحديث إلى حديث سيف . كتب إلى المرىُّ، عن شعيب، عن سيف، عن محمد وطلحة وزياد بإسنادهم، قالوا: ومخر المثنَّى السَّوَاد وخلّف بالحيرة بشيرَ بن الخصاصيَّة، وأرسل جريرًا إلى مَيْسان ، وهلال بن عُلَّفة التَّيْمىّ إلى دَسْت ميسان ، وأذكى المسالح بعصمة بن فلان الضبى (١) ز: ((غلاما)). (٢) يمحل به ، أى يعرض. سنة ١٣ ٤٧٣ ٢٢٠٣/١ وبالكلج الضّى وبعرفجة البارقىّ ؛ وأمثالهم فى قوّاد المسلمين ؛ فبدأ فنزل ألَّيْس - قرية من قرى الأنبار- وهذه الغزاة تُدعى غزاة الأنبار الآخرة؛ وغزاة ألَّيس الآخرة، وألزّ (١) رجلان بالمثنَّى: أحدهما أنبارىّ، والآخر حيرىّ(٢) يدلّه كلّ واحد منهما على سوق، فأما الأنبارى فدلَّه على الخَنَافس، وأمَّا الحيرىّ فدلَّه على بغداد. فقال المثنَّى : أيّتُهما قبل صاحبتها ؟ فقالوا : بينهما أيّام ، قال : أيّهما أعجل؟ قالوا: سوق الخنافس سوق يتوافى إليها الناس ، ويجتمع بها(٣) ربيعة وقضاعة يخفرونهم. فاستعدّ لها المثنَّى؛ حتى إذا ظنّ أنه مُوافيها يوم سوقِها ركب نحوهم ، فأغار على الخنافس يوم سُوقها ، وبها خَيْلان من ربيعة وقضاعة، وعلى قضاعة رُومانِس بن وَبَرَة، وعلى ربيعة السَّيل بن قيس وهم الخُفراء، فانتسف السّوق وما فيها ، وسَلَب الخفراء، ثم رجع عَوْدَه على بدئه حتى يطرق دهاقين الأنبار طروقًا فى أوّل النهاريومته، فتحصّنوا منه، فلمّا عرفوه نزلُوا إليه فأتوْه بالأعلاف والزاد؛ وأتوْه بالأدلاء على بغداد؛ فكان وجهُه إلى سوق بغْداد، فصبَّحهم والمسلمون يمخرون السَّواد والمثنَّى بالأنبار، ويَشنُّون الغارات فيما بين أسفل كَسْكر وأسفل الفرات وجسور مِثْقَب إلى عين التَّمر وما والاها من الأرض فى أرض الفلاليج والعال . كتب إلىّ السرىُّ، عن شعيب ، عن سيف ، عن عبيد الله بن محفّز، عن أبيه ، قال: قال رجلٌ من أهل الحيرة للمثنّى: ألا ندلّك على قرية يأتيها تجَّار مدائن كسرى والسَّواد، وتجتمع بها فى كلّ سنة مرّة ومعهم فيها الأموال ؛ كبيت المال ؛ وهذه أيام سوقهم ، فإن أنت قدرت أن تُغيرَ عليهم وهم لا يشعرون أصبتَ فيها مالاً (٤) يكونُ غناء للمسلمين؛ وقتووا به على عدوّهم دهرَهم؛ قال: وكم بين مدائن كسرى وبينها ؟ قال : بعض يوم أو عامَّةٌ يوم ، قال: فكيف لى بها ؟ قالوا: نأمرك إنْ أردتلها أن تأخذ طريق البرّ،. ٢٢٠٤/١ (١) ألزا به : لصقا . (٣) ابن حبيش: ((إليها)). (٢) ز: ((جسرى)). (٤) ابن حبيش: ((بها أموالا)). ٤٧٤ سنة ١٣ حتى تنتهىَ إلى الخنافس، فإنّ أهل الأنبار سيضربون إليها ، ويخبرون عنك فيأمنون ، ثم تعوج على أهل الأنبار فتأخذ الدّهاقين بالأدلاء ، فتسير سواد ليلتك من الأنبار حتى تأتِيَهم صُبحًا فتُصبّحهم غارةً" . فخرج من أليس حتى أتى الخَنَافس ، ثم عاج حتى رجع على الأنبار، فلمّا أحسَّه صاحبها تحصّن وهو لا يدرى من هو ؛ وذلك ليلا؛ فلمّا عرفه نزل إليه فأطمعه المثنَّى ، وخوّفه واستكتمه، وقال : إنّى أريدُ أن أغِيرَ فابعثْ معى الأدلاء إلى بغداد ، حتى أغير منها إلى المدائن . قال : أنا أجىء معك ، قال : لا أريد أن تجىء معى ، ولكن ابعث معى مَن هو أدلُّ منك ، فزوّدهم الأطعمة والأعلاف ، وبعث معهم الأدلّة ، فساروا حتى إذا كانوا بالنّصف ، قال لهم المثنَّى : كم بينى وبين هذه القرية ؟ قالوا : أربعة أو خمسة فراسخ. فقال لأصحابه : مَن ينتدب للحرس ؟ فانتدب له قومٌ فقال لهم: أذكُوا حرسكم ، ونزل ، وقال : أيُّها الناس ، أقيموا واطعموا وتوضّئُوا وَهِيّئوا. وبعث الطلائع فحبسوا النَّاس ليسبقوا الأخبار، فلمَّا فرغوا أسرى إليهم آخر الليل ، فعبر إليهم ، فصبّحهم فى أسواقهم ، فوضع فيهم السيف فقتل ، وأخذوا ما شاءوا، وقال المثنّى: لا تأخذوا إلاّ الذهب والفضة ، ولا تأخذوا من المتاع إلاّ ما يقدر الرجل منكم على حمله على دابَّته. وهرب أهلُ الأسواق ، وملأ المسلمون أيديهم من الصفراء والبيضاء والحُرّ من كلّ شيء، ثم خرج كارًا حتى نزل بنهر السَّيْلحين بالأنبار؛ فنزل وخطب الناس ، وقال: أيُّها الناس ، انزلوا وقتَضُّوا أوطاركم، وتأهَّبوا للسّير، واحمدوا الله وسلُوه العافية، ثم انكشفوا قبيضًا (١). ففعلوا، فسمع همسًا فيما بينهم : ما أسرع القومَ فى طلبنا ! فقال : تناجَوْا بالبرّ والتقوى ولا تتناجَوْا بالإثم والعدوان ، انظروا فى الأمور وقدّروها ثم تكلَّموا ؛ إنه لم يبلغ النذير مدينتهم بعد ؛ ولو بلغهم لحال الرُّعب بينهم وبين طلبكم . إن للغارات رَوْعات تنتشر عليها يومًا إلى الليل ، ولو طلبكم المحامون من رأى العين ما أدركوكم ؛ وأنتم على العراب (٢) حتى تنتهوا إلى ١/ ٢٢٠٥ (١) قبيضا، أى سريعاً. (٢) العراب : الخيل السليمة من الهجنة. ٤٧٥ سنة ١٣ عسكركم وجماعتكم ، ولو أدركوكم لقاتلتهم لاثنتين: التماس الأجر ورجاء النصر؛ فثِقُوا باللّه وأحسنوا به الظَّنّ، فقد نصركم الله فى مواطن كثيرة وهم أعدّ منكم؛ وسأخبركم عنّى وعن انكماشى والذى أُريد بذلك ؛ إن خليفة رسول الله صلى الله عليه وسلم أبا بكر أوصانا أن نقلِّل العُرْجة (١)، ونسرع الكرّة فى الغارات ، ونسرع فى غير ذلك الأوْبَة . وأقبل بهم ومعهم أدلاً ؤهم يقطعون بهم الصحارى والأنهار ؛ حتى انتهى بهم إلى الأنبار؛ فاستقبلهم دهاقين الأنبار بالكرامة ، واستبشروا بسلامته ، وكان موعده الإحسان إليهم إذا استقام لهم من أمرهم ما يحبّون . ٢٢٠٦/١ كتب إلىّ السرىّ ، عن شعيب ، عن سيف، عن محمد وطلحة وزياد ، قالوا: لمَّا رجع المثنَّى من بغداد إلى الأنبار سرّح المُضارِبَ العجلىّ وزيدا إلى الكتباث ، وعليه فارس العُناب التغلَىّ، ثمّ خرج فى آثارهم، فقدم الرّجلان الكتباث، وقد ارفضُّوا وأخلوا الكتباث، وكان أهله كلّهم من بنى تغلب، فركبوا آثارهم يتبعونهم، فأدركوا أخرياتهم وفارس العُناب يحميهم ، فحماهم ساعة ثم هرب، وقتلوا فى أخرياتهم وأكثروا، ورجع المثنَّى إلى عسكره بالأنبار ، والخليفة عليهم فُرات بن حَيَّان. فلما رجع المثنَّى إلى الأنبار سرّح فُرات ابن حيَّان وعُنّبة بن النَّهاس وأمرهما بالغارة على أحياء من تغلب والنَّمِرِ بِصِفِّين، ثم اتَّبعهما وخلّف على الناس عمرو بن أبى سُلمى الهُجَيمىّ؛ فلمَّا دنوا من صِفّين ، افترق المثنّ وفُرات وعُتيبة ، وفرّ أهل صِفِّين وعبروا الفرات إلى الجزيرة ، وتحصّنوا، وأرمل (٢) المثنّى وأصحابه من الزاد، حتى أقبلوا على رواحلهم إلا مالا بدّ منه فأكلوها حتى أخفافها وعظامها وجلودها . ثم أدركوا عِيرًاً من أهل دياف وحوران، فقتلوا العلوج وأصابوا ثلاثة نفر من ٢٢٠٧/١ بنى تغلب خفراء ، وأخذوا العِير، وكان ظهرًا فاضلاً ، وقال لهم: دلّونى ، فقال أحدهم : آمنونى على أهلِى ومالى ، وأدلُّكم على حتىّ من تغلِب غدوت من عندهم اليوم ؛ فَآمَنه المتنّى وسارَ معه يومه ، حتى إذا كان العشبىّ هجم على القوم ، فإذا النَّعَم صادرة عن الماء ، وإذا القوم جُلوس بأفنية (١) العرجة: المقام .. (٢) أى قل زادهم ، أو افتقدوه . ٤٧٦ سنة ١٣ البيوت ، فبثّ غارته ، فقتلوا المقاتلة ، وسبوا الذرّية ؛ واستاقوا الأموال ، وإذا هم بنو ذى الرُّوَيْحلة ؛ فاشترى من كان بين المسلمين من ربيعة السََّايا بنصيبه من الفىء، وأعتقوا سبْيَهم؛ وكانت ربيعة لاتُسْبَى إِذالعرب يتسابَوْن فى جاهليتهم . وأخبر المثنّى أن جمهور مَنْ سلك البلاد قد انتجعوا الشَّطَ (١)؛ شاطئ دِجْلة، فخرج المثنَّى، وعلى مقدَّمته فى غزواته هذه بعد البُوَيَب كلّها حُذيفة بن محصن الغلفانىّ، وعلى مجنَّبتيه التُّعمان بن عوف بن النعمان ومطر الشيبانيان، فسرّح فى أدبارهم حُذيفة واتَّبعه؛ فأدركوهم بتكريت دُوينها من حيث طلبوهم يخوضون الماء ، فأصابوا ما شاءوا من النَّعَم ، حتى أصاب الرجل خمسًا من النَّعم ، وخمسًا من السَّبْى، وخُمس المال ؛ وجاء به حتى ينزل على النَّاس بالأنبار؛ وقد مضى فُرات وعتيبة فى وجوههما ؛ حتى أغاروا على صِفِّن وبها النَّمِرِ وتَغْلِب متسانديْن، فأغاروا عليهم(٢) حتى رموا ٢٢٠٨/١ بطائفة منهم فى الماء، فناشدوهم فلم يقلعوا عنهم ، وجعلوا ينادونهم : الغرق الغرق! وجعل عتيبة وفرات يذمرُون النَّاس ، وينادونهم : تغريق بتحريق - يذكّرونهم يومًا من أيّامهم فى الجاهليّة أحرقوا فيه قومًا من بكر بن وائل فى غَيْضة من الغياض - ثم انكفئوا راجعين إلى المثنَّى ، وقد غرّقوهم . ولما تراجع الناس إلى عسكرهم بالأنبار وتوافَى بها البعوث والسرايا ، انْحدرَ بهم المثنَّى إلى الحيرة ، فنزل بها. وكانت تكون لعمر رحمه اللّه العيون فى كلّ جيش، فكتب إلى عمر بما كان فى تلك الغزَاة ، وبلغه الذى قال عتيبة وفُرات يوم بنى تغليب والماء ؛ فبعث إليهما فسألهما ، فأخبراه أنهما قالا ذلك على وجه أنه مثَّلٌ ، وأنهما لم يفعلا ذلك على وجه طلب ذَحْل الجاهليَّة، فاستحلفهما، فحلفا أنَّهما ما أرادا بذلك إلاّ المثل وإعزاز الإسلام ، فصدّقهما وردّهما حتى قدما على المثنَّى. (١) ابن حبيش: ((الشاطئ")). (٢) بعدها فى ابن حبيش: ((وبغتوا بهم فعصبوهم)). ٤٧٧ سنة ١٣ ذكر الخبر عمّ هيج أمر القادسية كتب إلىّ السرىّ، عن شعيب، عن سيف ، عن محمد بن عبد الله بن سواد بن نويرة ، عن عزيز بن مِكنّف التميمىّ ثم الأسيْدىّ، وطلحة بن الأعلم الحنفىّ، عن المغيرة بن عتيبة بن النَّهاس العجلىّ، وزياد بن سرِجس الأحمرىّ، عن عبد الرحمن بن ساباط الأحمرىّ، قالوا جميعًا: قال أهلُ فارس لرُسْتم والفيرزان - وهما على أهل فارس : أين يذهب بكما ! لم يبرح بكما الاختلاف حتى وهَّنتما أهلَ فارس، وأطمعتما فيهم عدوّهم! وإنه لم يبلغ من خطر كما أن يقرّكما فارس على هذا الرأى ، وأن تعرّضاها للهلكة، ما بعد بغداد وساباط وتكريت إلا المدائن؛ والله لتجتمعان أو لنبدأن" بكما قبل أن يشمت بنا شامت . ١ / ٢٢٠٩ كتب إلىّ السرىّ، عن شعيب ، عن سيف، عن عبيد الله بن محفّز، عن أبيه ، قال: قال أهلُ فارس لرستم والمسلمون يمخرون السَّواد : ما تنتظرون واللّه إلاّ أن يُنزلَ بنا ونهلك! واللّه ما جرّ هذا الوَهَن علينا غيركم يا معاشر القوّاد! لقد فرّقتم بين أهل فارس وثبَّطَّتموهم عن عدوّهم. والله لولا أنّ فى قتلكم هلاكنا لعجَّلنا لكم القتل الساعة ، ولئن لم تنتهوا لنهلكنّكم ثم نهلك وقد اشتفينا منكم . كتب إلىّ السرىّ ، عن شعيب ، عن سيف ، عن محمد وطلحة وزياد ، قالوا : فقال الفيرزان ورستم لبُوران ابنة كسرى: اكتبى لنا نساءً كسرى وسراريَّه ونساءَ آل كسرى وسراريَّهم . ففعلت ، ثم أخرجت ذلك إليهم فى كتاب، فأرسلوا فى طلبهنّ فلم يبق منهنّ امرأة إلا أتوا بها، فأخذوهنّ بالرجال ووضعوا عليهنّ العذاب يستدلونهنّ على ذكرٍ من أبناء كسرى ، فلم يوجد عندهنّ منهم أحد، وقلن - أو من قال منهنّ: لم يبقَ إلاّ غلام يدعى يَزْدَ جِرْد من ولد شَهْريار بن كسرى ، وأمّه من أهل بادوريا . فأرسلوا إليها فأخذوها به ، وكانت قد أنزلته فى أيام شيرى حين جمعهنّ فى القصر ٢٢١٠/١ ٤٧٨ سنة ١٣ الأبيض ، فقتل الذّكور ، فواعدت أخواله ، ثم دلَّته إليهم فى زَبيل (١) فسألوها عنه وأخذوها به ، فدلتْهم عليه ، فأرسلوا إليه فجاءوا به فملّكوه وهو ابن إحدى وعشرين سنة ، واجتمعوا عليه ، واطمأنَّت فارس واستوثقوا وتبارى الرؤساء فى طاعته ومعونته فسمىّ الجنود لكلّ مسلحة كانت لكسرى أو موضع ثغر، فسمَّى جند الحيرة والأنبار والمسالح والأبُلَّة. وبلغ ذلك من أمرهم واجتماعهم على يَزْدجرد المثنَّى والمسلمين، فكتبوا إلى عمر بما ينتظرون ممّن بين ظهرانيهم، فلم يصل الكتاب إلى عمر حتى كَفَر أهل السََّاد، مَن كان له منهم عهد ومن لم يكن له منهم عهد . فخرج المثنّى على حاميته حتى نزل بذى قار ، وتنزّل الناس بالطّفّ فى عسكر واحد حتى جاءهم کتاب عمر : أما بعد ؛ فاخرجوا من بين ظهرى الأعاجم ، وتفرّقوا فى المياه التى تلِى الأعاجم على حدود أرضكم وأرضهم، ولا تَدّعُوا فى ربيعة أحداً ولا مُضَر ولا حلفائهم أحدًا من أهل النَّجدات ولا فارسًا إلا اجتلبتموه ؛ فإن جاء طائعًا وإلاّ حشرتوه، احملوا العرب على الجدّ إذ جدّ العجم؛ فلتلقوا جِدّهم بِجدّكم. ٢٢١١/١ فنزل المثنّى بذى قار، ونزل الناس بالجُلّ وشَرَاف إلى غُضَىّ - وغُضَىّ حيال البصرة - فكان جرير بن عبد الله بغُضَىّ وسَبْرةُ بن عمرو والعتَنْبَرَىّ ومن أخذ أخذهم فيمن معه إلى سلمان، فكانوا فى أمواه الطّف من أوّلها إلى آخرها مسالح بعضهم ينظر إلى بعض ؛ ويُغيث بعضهم بعضًا إن كان كون ، وذلك فى ذى القعدة سنة ثلاث عشرة . حدّثنا السرىّ، عن شعيب ، عن سَيْف ، عن محمد وطلحة وزياد بإسنادهم، قالوا : كان أوّل ما عمل به عمر حين بلغه أنّ فارس قد ملكوا يزدجرد، أن كتب إلى عُمَّال العَرب على الكُور والقبائل، وذلك فى ذى الحجبَّة سنة ثلاث عشرة مُخرجَه إلى الحجّ، وحجّ سنواته كلها: لا تَدّعَا (١) الزبيل كأمير : الجراب أو الوعاء. ٤٧٩ سنة ١٣ أحدًا له سلاح ، أو فرس ، أو نجدة ، أو رأى إلا انتخبتموه ، ثم وجّهتموه إلىّ، والعسجل العجل! فمضت الرُّسل إلى مَن أرسلهم إليهم مخرجه إلى الحجّ ، ووافاه أهلُ هذا الضّرب من القبائل التى طُرُقُها على مكّة والمدينة، فأمَّا مَن كان من أهل المدينة على النَّصف ما بينه وبين العراق ، فوافاه بالمدينة مرجعَه من الحجّ، وأمَا مَن كان أسفلَ من ذلك فانضموا إلى المثنَّى، فأمَّا مَنْ وافَى عمر فإنَّهم أخبروه عمَّن وراءهم بالحثّ . وقال أبو معشر ، فيما حدثنى الحارث، عن ابن سعد ، عنه . وقال ابن إسحاق - فيما حدثنا ابن حميد، قال: حدّثنا سلمة، عنه: الذى حجّ بالناس سنة ثلاث عشرة عبد الرحمن بن عوف . ١ / ٢٢١٢ وقد حدثنى المقدّمىّ(١)، عن إسحاق الفَرْوىّ، عن عبيد الله بن عمر، عن نافع ، عن ابن عمر ، قال : استعمل عمرُ على الحجّ عبد الرحمن بن عَوْف فى السنة التى ولِىَ فيها، فحجّ بالناس ، ثم حجّ سنيه كلّها بعد ذلك بنفسه . وكان عامل عمر فى هذه السنة - على ما ذكر - على مكَّة عتّاب بن أسيد ، وعلى الطائف عثمان بن أبى العاص ، وعلى اليمن يَعْلَى بن مُنْية، وعلى عُمان واليمامة حُذيفة بن مِحْصَن، وعلى البحرين العلاء بن الحضرمىّ، وعلى الشأم أبو عبيدة بن الجراح ، وعلى فرْج الكوفة وما فتح من أرضها المثنَّى. ابن حارثة . وكان على القضاء فيما ذُكرِ - علىّ بن أبى طالب. وقيل لم يكن لعمر فى أيامه قاضٍ . (١) ط: (المقدى))، وهو ابن المقدمى أبو عثمان، وانظر ص ١٨٠ س ٢ من هذا الجزء. ثم دخلت سنة أربع عشرة [ ذكر ابتداء أمر القادسية] ٢٢١٣/١ ففى أوّلِ يوم من المحرّم سنة أربع عشرةَ - فيما كتب إلىّ به السرىّ ، عن شعيب ، عن سيف ، عن محمد وطلحة وزياد بإسنادهم - خرج عمر حتى نزل على ماء يدعى صرارًا ، فعسكر به ولا يدرِى النَّاس ما يريد ؛ أيسيرُ أم يقيم . وكانوا إذا أرادوا أن يسألوه عن شىء رموه بعثمان أو بعبد الرحمن بن عوف ؛ وكان عثمان يُدعى فى إمارة عمر ردِيفًا - قالوا: والرّدِيف بلسان العرب [الرجل](١) الَّذى بعد الرّجُل، والعرب تقول ذلك للرجل الَّذى يرجونه بعد رئيسهم (٢) - وكانوا إذا لم يقدر هذان على علم شىء ممّا يريدون، ثلَّثوا بالعبّاس، فقال عثمان لعمر: ما بلغك؟ ما الذى تريدُ؟ فنادى: الصلاة جامعة . فاجتمع النَّاس إليه ، فأخبرهم الخبر . ثم نظر ما يقول النَّاس ، فقال العامَّة : سِرْ وسِرْ بنا معك ؛ فدخل معهم فى رأيهم ، وكره أن يَدَعهم حتى يُخرجهم منه فى رِفْق، فقال : استعدّوا وأعدّوا فإنّى سائر إلاّ أن يجىء رأى هو أمثل من ذلك(٣). ثم بعث إلى أهل الرأى، فاجتمع إليه وجوه أصحابِ النبيّ صلَّى اللّه عليه وسلَّم وأعلامُ العرب ، فقال: أحضِرونى الرّأىّ فإنى سائر . فاجتمعوا جميعًا، وأجمع مَلؤهم على أن يبعث رجلاً من أصحاب رسولِ الله صلّى الله عليه وسلَّم ويقيم ، ويرميه بالجنود ، فإن كان الَّذى يشتهى من الفتح، فهو الذى يريد ويريدون؛ وإلاّ أعادرجلا وند ب جندًا آخر؛ وفى ذلك ما يغيظ العدوّ ، ويرعوى المسلمون ، ويجىء نصر الله بإنجاز موعود الله. فنادى عمر: الصلاة جامعة ، فاجتمع النَّاس إليه، وأرسل إلى علىّ عليه السلام ، وقد استخلفه على المدينة ، فأتاه ، وإلى طلحة وقد بعثَه (٢) اللسان: ((أرداف الملوك هم الذين يخلفونهم فى القيام بأمر (١) من ز . المملكة؛ بمنزلة الوزراء فى الإسلام، واحدهم ردف؛ والاسم الردافة)). (٣) ز، وابن الأثير: ((هذا)). ٤٨٠