النص المفهرس

صفحات 421-440

سنة ١٣
٤٢١
ذكر الخبر عمن غسَّله والكفن الذى كفّن فيه أبو بكر ومن صلَّى عليه
والوقت الذى صلّى عليه فيه والوقت الذى توفّیفیه
حدّثنى الحارث ، عن ابن سعد ، قال : أخبرنا محمد بن عمر ، قال :
حدثنى مالك بن أبى الرّحَّال (١) ، عن أبيه، عن عائشة، قالت: توفّىَ
أبو بكر رحمه الله بين المغرب والعشاء.
حدّثنا ابنُ حُميد ، قال : حدثنا يحيى بن واضح ، عن محمد بن
عبد الله، عن عطاء وابن أبى مُلَيكة، أنّ أسماء بنت عُمَيَس، قالت :
قال لى أبو بكر : غَسُّلينى، قلت : لا أطيق ذلك، قال: يعينُك عبد الرحمن
ابن أبى بكر ، يصبّ الماء .
حدثنى الحارث ، عن محمد بن سعد ، قال : أخبرنا مُعاذ بن مُعاذ
ومحمد بن عبد الله الأنصارىّ ، قالا : حدثنا الأشعث ، عن عبد الواحد بن
صَبرة، عن القاسم بن محمد، أنّ أبا بكر الصّدّيق أوصى أن تغسله امرأته ٢١٣٠/١
أسماء ؛ فإن عجزت أعانها ابنُه محمد . قال ابن سعد : قال محمد بن عمر :
وهذا الحديث وَهِل؛ وإنما كان لمحمد يوم تُوُفِّى أبو بكر ثلاث سنين (٢).
حدّثنا ابنُ وكيع ، قال : حدّثنا ابن عيينة ، عن عمرو بن دينار ،
عن ابن أبى مليكه ، عن عائشة ، سألها أبو بكر ؛ فى كم كُفّن النبيّ صلَّى
الله عليه وسلَّم ؟ قالت : فى ثلاثة أثواب ، قال : اغسلوا ثوبَىَّ هذين-
وكانا ممشَّقَيْن (٣) - وابتاعوا لى ثوبًا آخر. قلت: يا أبَهْ، إنَّا
موسرون ، قال: أىْ بُنيَّة، الحىُّ أحقُّ بالجديد من الميّت ، وإنما هما
للمُهْلة (٤) والصَّديد .
حدّثّنى العبَّاس بن الوليد، قال: أخبرنا أبى قال : حدّثنا الأوزاعىّ ؛
(١) ط: ((عن أبى الرحال))، والصواب ما أثبته من طبقات ابن سعد ٣: ٢٠٩.
(٢) طبقات ابن سعد ٣: ٢٠٣. (٣) الثوب الممشق: المصبوغ بالمغرة.
(٤) المهلة مثلثة الميم: القيح والصديد الذى يذوب من الجسد. وانظر نهاية ابن الأثير.

٤٢٢
سنة ١٣
قال : حدّثنى عبد الرحمن بن القاسم؛ أنّ أبا بكر تُوُفِّىَ عشاءً بعد ما غابت
الشمس ليلة الثلاثاء ، ودفن ليلا ليلة الثلاثاء .
حدّثنا أبو كُرّيب، قال: حدثنا غَنَّام ، عن هشام ، عن أبيه ، أنّ
أبا بكر مات ليلة الثلاثاء ودُفن ليلاً .
حدثی أبو زيد ، عن على بن محمد بإسناده الذى قد مضی ذکرِیه،
أنّ أبا بكر حُمِلَ على السَّرِير الذى حُمِل عليه رسولُ الله صلَّى الله عليه
وسلّم، وصلَّى عليه عمر فى مسجد رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم،
ودخل قبره عمر ، وعثمان ؛ وطلحة ؛ وعبد الرحمن بن أبى بكر ؛ وأراد عبد الله
أن يدخلَ قَبره، فقال له عمر: كُفيت .
قال أبو جعفر: وكان أوصى - فيما حدثنى الحارثُ ، عن ابن سعد ،
قال : أخبرنا محمد بن عمر ، قال: حدثنا أبو بكر بن عبد الله بن أبى سَبْرة،
عن عمر بن عبد الله - يعنى ابن عروة - أنَّه سمع عُروة والقاسم بن محمد
٢١٣١/١ يقولان: أوصى أبو بكر عائشة أن يُدفن إلى جَنْب النبيّ صلَّى الله عليه وسلَّمَ،
فلَّما تُوُفِّىَ حُفِر له، وجعل رأسه عند كنَتِفِىْ رسول الله صلَّى اللّه عليه
وسلَّم، وألصقوا اللحدَ بِلَحدِ النبيِّ صلّى الله عليه وسلم فقبير هنالك(١).
قال الحارث : حدثنى ابنُ سعد ، قال: وأخبرنا محمد بن عمر ، قال :
حَدَّتِنى ابنُ عثمان، عن عامر بن عبد الله بن الزبير ، قال : جعل رأس
أبى بكر عند كتفى رسول الله صلَّى الله عليه وسلّم، ورأس عمر عند حَقْوىْ
أبى بكر (٢).
حدثنى علىّ بن مسلم الطوسىّ، قال: حدثنا ابنُ أبى فُدَّيَك ، قال:
أخبرنى عمرو بن عثمان بن هانئ ، عن القاسم بن محمد ، قال : دخلتُ على
عائشة رضى الله تعالى عنها، فقلت: يا أمَّهْ، اكشِفِى لى عن قبر النبيّ
صلَّى الله عليه وسلَّم وصاحبيْه؛ فكشفت لى عن ثلاثة قبور، لا مُشرِفَة
ولا لاطئة، مبطوحة ببطحاء العَرْصة الحمراء ؛ قال: فرأيتُ قبرَ النبيّ صلَّى
(١) طبقات ابن سعد ٣: ٢٠٩.
(٢) طبقات ابن سعد ٣ : ٢٠٩.

٤٢٣
سنة ١٣
الله عليه وسلَّم مقدَّمًا وقبر أبى بكر عند رأسه ، وعمر رأسه عند رِجْلٍ
النبيّ صلَّى الله عليه وسلَّم .
حدّثنى الحارثُ ، عن ابن سعد، قال : أخبرنا محمد بن عمر ، قال :
حدّثنا أبو بكر بن عبد الله بن أبى سَبْرة، عن عمرو بن أبى عمرو ،
عن المطَّب بن عبد الله بن حَنْطَب، قال : جُعل قبر أبى بكر مثل
قبرِ النبيّ صلَّى الله عليه وسلَّم مُستَطَّحًا؛ ورُشَّ عليه الماء ، وأقامت عليه
عائشة النَّوْحِ(١).
حدّثنى يونس ، قال : أخبرنا ابنُ وهب ، قال : أخبرنا يونس بن يزيد
عن ابن شهاب ؛ قال : حِدّثّى سعيد بن المسيّب، قال: لما تُوُفِّىَ
أبو بكر رحمه اللّه أقامت عليه عائشة النَّوْح، فأقبل عمر بن الخطّاب حتى
قام ببابها، فنهاهنّ عن البكاء على أبى بكر ، فأبيْن أن ينتهين ، فقال عمر ٢١٣٢/١
هشام بن الوليد : ادخل فأخرج إلىَّ ابنة أبى قُحافة؛ أخت أبى بكر،
فقالت عائشة لهشام حين سمعت ذلك من عمر : إنى أحرّج (٢) عليك
بيتِى . فقال عمر لهشام : ادخُل فقد أذنتُ لك، فدخل هشام فأخرج أمّ
فَرْوة أخت أبى بكر إلى عمر ، فعلاها بالدّرّة ، فضربها ضربات ، فتفرّق
النَّوْح حين سمعوا ذلك .
وتمثَّل فى مرضِه - فيما حدثنى أبو زيد ، عن علىّ ابن محمد بإسناده -
الذى توفى فيه :
وكلُّ ذى إبلٍ موروثُ وكُلُّ ذِى سَلَبٍ مسلوبُ(٣)
وكلّ ذى غيبةٍ يَئوبُ وغائبُ الموتِ لا يثوبُ
وكان آخر ما تكلم به، رَبّ ﴿تَوَنَّنِ مُثْلِمً والْحِقْنِ بِالصَّالِحِين).]
(١) طبقات ابن سعد ٣: ٢٠٩ .
(٢) أحرج عليك، أى أمنعك من دخول بيتى.
(٣) لعبيد بن الأبرص، ديوانه ١٣.

٤٢٤
سنة ١٣
ذ کر الخبر عن صفة جسم أبی بکر رحمه الله
حدّثّنى الحارث ، عن ابن سعد ، قال : أخبرنا محمد بن عمر ، قال :
حدّثنا شُعَيب بن (١) طَلْحة بن عبد الله بن عبد الرحمن بن أبى بكر
الصديق ، عن أبيه ، عن عائشة، رضى اللّه تعالى عنها، أنها نظرتْ إلى رجلٍ
من العرب مرّ وهی فی ھودجها ، فقالت: ما رأيتُ رجلا أشبه بأبى بكر من
هذا ، فقلنا لها : صِفى أبا بكر ، فقالت : رجل أبيض نحيف خفيف
العارضين، أجْنًا (٢) لا يستمسك إزاره، يسترخى عن حقويه (٣)، معروق (٤)
الوجه ، غائر العينين، ناتئ الجبهة ، عارى الأشاجع(٥) .
وأما علىّ بن محمد؛ فإنه قال فى حديثه الذى ذكرت إسناده قَبْلُ :
٢١٣٣/١ إنَّه كان أبيضَ يخالطه صُفرة، حسنَ القامة، نحيفاً أجْنأ، رقيقًا عتيقاً،
أقنى ، معروق الوجه، غائر العينين، حَمْش (٦) الساقين، ممحوص الفخذيْنِ،
يخضب بالحنَّاء والكتَّم .
وكان أبو قحافة حين تُؤُفِّىَ حيًّاً بمكَّة، فلما نُعى إليه قال: رُزْءٌ
جليل !
٥
#
ذ کر نسب أبی بکر واسمه وما كان يُعرف به
حدّثنی أبو زيد ، قال : حدثنا على بن محمد بإسناده الذى قد مضى
ذكرُه، أنَّهم أجمعوا على أنَّ اسم أبى بكر عبد اللّه، وأنه إنما قيل له عتيق
عن عتقه (٧). قال: وقال بعضهم: قيل له ذلك؛ لأنّ النبيّ صلَّى اللّه
عليه وسلَّم ، قال له : أنت عَتِيقٌ من النار .
(١) ط. ((عن طلحة))، وانظر ص ٢٧٣ س ٦ (ليدن).
(٢) الأجنأ: الأحدب؛ وفى ط: ((أحنى))، وما أثبته من النويرى وطبقات ابن سعد.
(٤) المعروق : القليل اللحم .
(٣) الحقو : الخصر .
(٥) . الأشاجع: أصول الأصابع التى تتصل بعصب ظاهر الكف .. والخبر فى طبقات ابن سعد
(٧) عن هنا؛ بمعنى اللام، أى لعتقه.
(٦) حمش الساقين : دقيقهما .
٣ : ١٨٨ ٠

٤٢٥
سنة ١٣
حدثنى الحارثُ ، عن ابن سعد ، عن محمد بن عمر ، قال : حدثنا
إسحاق بن يحيى بن طلحة ، عن معاوية بن إسحاق ، عن أبيه ، عن عائشة ،
أنها سُئلت: لِمَ سُمَّىَ أبو بكر عتيقًا؟ فقالت: نظر إليه النبيّ صلَّى اللّه
عليه وسلَّم يومًا ، فقال: هذا عتيق اللّه من النار(١) .
واسم أبيه عثمان ، وكنيته أبو قُحافة، قال: فأبو بكر عبد الله بن عثمان
ابن عامر بن عمرو بن كعب بن سعد بن تَيْم بن مُرّة بن كعب بن لُؤَىّ
ابن غالب بن فهر بن مالك، وأمُّه أمّ الخَيْر بنت صَخْر بن عامر بن
كعب بن سَعْد بن تَيْم بن مُرّة .
وقال الواقدىّ: اسمه عبد الله بن أبى قُحافة - واسمه عثمان - بن عامر.
وأمّه أمّ الخير ، واسمها سَلْمَى بنت صَخْر بن عامر بن كعب بن سعد بن
تَيْم بن مُرّة .
وأمَّا هِشام، فإنه قال - فيما حُدَّثت عنه - إنّ اسم أبى بكر عَتَيق
ابن عثمان بن عامر .
٢١٣٤/١
وحدثنى يونس ، قال أخبرنا ابن وَهْب ، قال : أخبرنى ابن لهيعة ،
عن عمارة بن غزيّة ، قال : سألتُ عبد الرحمن بن القاسم عن اسم أبى بكر
الصديق ، فقال : عتيق ؛ وكانوا إخوةً ثلاثة بنى أبى قُحافة: عتيق ومُعْتَق
وعُشَيْق .
. .
ذ کر أسماء نساء أبى بكر الصدِّيق رحمه الله
حدّث على بن محمَّد ، عمّن حدثه ومن ذكرت مِنْ شيوخه ، قال :
تزوّج أبو بكر فى الجاهلية قُتَيْلة - ووافقه على ذلك الواقدىّ والكلبيّ - قالوا:
وهى قُتيلة ابنة عبد الْعُزَّى بن عبد بن أسعد بن جابر بن مالك بن حِسْل بن
عامر بن لؤىّ، فولدت له عبدَ الله وأسماء. وتزوّج أيضًا فى الجاهليَّة أم رُومان
(١) طبقات ابن سعد ٣ : ١٦٩، ١٧٠.

٤٢٦
سنة ١٣
بنت عامر بن عميرة بن ذُهْل بن دُهْمان بن الحارث بن غنّشْم بن مالك
ابن كنانة - وقال بعضهم: هى أمّ رُومان بنت عامر بن عُوَيْمِر بن عبد
شمس بن عَّاب بن أُذَينة بن سُبيع بن دُهْمان بن الحارث بن غَنْم بن
مالك بن كنانة - فولدت له عبد الرحمن وعائشة .
فكلّ هؤلاء الأربعة من أولاده ، وُلدوا من زوجتيْه اللتيْن سمّيناهما فى
الجاهليّة.
وتزوّج فى الإسلام أسماء بنت عميس ؛ وكانت قبله عند جعفر بن
٢١٣٥/١ أبى طالب؛ وهى أسماء بنت عميس بن مَعْد بن تَيْم بن الحارث بن كعب
ابن مالك بن قُحافة بن عامر بن ربيعة بن عامر بن مالك بن نَسْر بن وهب
اللّه بن شَهْران بن عِفْرِس بن حَلْف بن أفْتَل - وهو خَشْعم - فولدت
له محمد بن أبی بکر .
وتزوَّج أيضًا فى الإسلام حبيبة بنت خارجة بن زيد بن أبى زهیر ؛ من
بنى الحارث بن الخزرج؛ وكانت نَسْأ (١) حين تُوُفِّىَ أبو بكر ؛ فولدت له
بعد وفاته جاريةٌ سُمّيَتْ أمّ كلثوم .
..
ذكر أسماء قضاته وكتابه وعُمَّاله على الصدقات
حدّثنا محمد بن عبد الله المُخَرّمى، قال: حدثنا أبو الفتح نَصْر بن
المغيرة، قال: قال سفيان - وذكره غن مِسْعَر: لمَّا ولى أبو بكر ،
قال له أبو عبيدة: أنا، أكفيك المال-يعنى الجزاء - وقال عمر: أنا أكفيك
القضاء : فمكث عمر سنةً لا يأتيه رجلان .
وقال علىّ بن محمد عن الذين سمّيتُ : قال بعضهم : جعل أبو بكر
عمرَ قاضيًا فى خلافته ، فمكث سنة لم يخاصم إليه أحد .
قال : وقالوا : کان یکتب له زيد بن ثابت ، ویکتب له الأخبار عثمان
ابن عفان رضی الله عنه ، و کان یکتب له من° حضر .
(١) النسء: المرأة التى يظن بها الحمل، وقيل: التى ظهر حملها.

٤٢٧
سنة ١٣
وقالوا : كان عامله على مكَّةٌ عَتَّاب بن أسيد، وعلى الطَّائف
عُثْمان بن أبى العاصى ، وعلى صَنْعاء المهاجر بن أبى أميّة، وعلى حَضْرموت ٢١٣٦/١
زياد بن لَبيد، وعلى خَوْلان يَعْلَى بن أميَّة ؛ وعلى زَبِيد ورِمَع
أبو موسى الأشعرىّ، وعلى الجَنّد معاذ بن جبل، وعلى البحرين العلاء
ابن الحضرمىّ. وبعث جرير بن عبد اللّه إلى نَجْران، وبعث بعبد الله بن ثَوْر؛
أحد بنى الغَوْث إلى ناحية جُرَش، وبعث عياض بن غَنْم الفِهِرىّ إلى
دُومة الجنْدَل ؛ وكان بالشأم أبو عبيدة وشُرَّحْبيل بن حَسَنَة، ويزيد بن
أبى سفيان ، وعمرو بن العاص ؛ كلّ رجل منهم على جند، وعليهم خالد
ابن الوليد .
*
قال أبو جعفر : وكان رضى الله عنه سخيًا ليَّاً، عالمًا بأنساب العرب؛
وفيه يقول خفاف بن نَدْبة - وذَدْبة أمُّه، وأبوه عمير بن الحارث - فى مرثيته
أبا بكر :
مُقَسَُّ المعروف رَحْبُ الفِناءِ(١)
أَبْلَجُ ذو عُرْفٍ وذو مُنكَرٍ
حَوْضُ رفيعٌ لم يَخُنْهُ الإِزاءُ
للمجْدِ فى منزلِهِ بادِياً
ذو مِئْزَرٍ حافٍ ولا ذو رِدَاءُ
واللهِ لا يُدْرِكُ أيَّامَهُ
يَخْتَدِ الشَّدَّ بأرضٍ فَضاءُ
مَنْ يَسْعَ كَىْ يُدْرِكَ أَيّامَهُ
وكان - فيما ذكر الحارث ، عن ابن سعد ، عن عمرو بن الهيثم
أبى قَطَن؛ قال : حدثنا الربيع عن حيَّان الصائغ، قال: كان نقش خاتم ٢١٣٧/١
أبى بكر رحمه الله: ((نعْم القادر اللّهُ)).
قالوا: ولم يعش أبو قُحافة بعد أبى بكر إلا ستَّة أشهر وأيامًا ؛ وتونِّىَ فى
المحرَّم سنة أربع عشرة بمكنَّة ؛ وهو ابن سبع وتسعين سنة .
(١) الأبيات فى الكامل للمبرد ٣ : ٧٦ - بشرح المرصفى؛ مع اختلاف فى الرواية.
1

٤٢٨
سنة ١٣
[ ذكر استخلافه عمر بن الخطاب ]
وعقد أبو بكر فى مَرْضته التى تُوُفِّىَ فيها لعمر بن الخطاب عَقْد
الخلافة من بعده .
وذُكر أنه لما أراد العَقْد له دَعَا عبد الرحمن بن عَوْف ؛ فيما ذكر
ابن سعد ، عن الواقدىّ ، عن ابن أبى سَبْرة ، عن عبد المجيد بن سهیل، عن
أبى سلمة بن عبد الرحمن ؛ قال : لمَّا نزل بأبى بكر رحمه اللّه الوفاةُ دعا
عبدَ الرحمن بن عَوْف، فقال : أخبرْنِى عن عمر ، فقال: يا خليفة
رسول اللّه، هو والله أفضلُ منْ رأيك فيه من رجل ؛ ولكن فيه غِلْظة .
فقال أبو بكر : ذلك لأنه يرانى رقيقًا ، ولو أفضى الأمر إليه لترك كثيراً ممّاً
هو عليه. ويا أبامحمد قد رمَّقْتُه، فرأيتُنى إذا غضبتُ على الرجل فى الشىء أرانى
الرّضا عنه، وإذا لنتُ له أرانى الشدّة عليه؛ لا تذكرْ يا أبا محمد مما قلت
لك شيئًا ، قال : نعم. ثم دعا عثمان بن عفان ، قال : يا أبا عبد الله،
أخبرْنِى عن عمر، قال: أنت أخبرُ به، فقال أبو بكر : علىَّ ذاك
یا أباعبد الله! قال : اللهم" علمیی به أنّ سريرته خيرٌ من علانیته؛وأن لیس
فينا مثله. قال أبو بكر رحمه الله: رحمك الله يا أبا عبد الله، لا تذكر
ممَّا ذكرتُ لك شيئًا ، قال: أفعل، فقال له أبو بكر: لو تركتُهُ ما عدوتُك،
٢١٣٨/١ وما أدرى لعلَّه تَارِكه، والخِيرَة له ألا يلى من أموركم شيئًا، ولود دتُ أنى
كنت خلْوًّا من أموركم ؛ وأنّى كنتُ فيمَن مضى من سلفِكم ؛
يا أبا عبد الله، لا تذكرَنّ مما قلتُ لك من أمر عمر، ولا ممّاً دعوتك له شيئً (١).
حدّثنا ابنُ حميد، قال : حدثنا يحيى بن واضح ، قال : حدّثنا
يونس بن عمرو، عن أبى السَّفَرَ، قال : أشرف أبو بكر على النَّاس من كنيفه
وأسماءُ ابنة عُميس ممسكتُه ، موشومة اليديْن، وهو يقول : أترضوْن بمن
أستخلف عليكم ؟ فإنّى واللهِ ما ألوْتُ من جَهْد الرّأى، ولا ولّيت ذا قرابة ،
وإنّى قد استخلفتُ عمر بن الخطاب ، فاسمعوا له وأطيعوا ، فقالوا : سمعنا وأطعنا .
(١) طبقات ابن سعد ٣ : ١٩٩، مع اختلاف فى الرواية.

٤٢٩
سنة ١٣
حدّثّنى عثمان بن يحيى ، عن عثمان القرقسانىّ، قال : حدّثنا سفيان
ابن عُيَينة ، عن إسماعيل ، عن قيس ، قال : رأيتُ عمرَ بن الخطاب وهو
يجلس والنَّاس معه ، وبيده جَرِيدة ، وهو يقول: أيُّها الناس ، اسمعوا
وأطيعوا قولَ خليفة رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم؛ إنَّه يقول: إنّى لم آلُكم
نصْحاً. قال : ومعه مولى لأبى بكر يقال له : شديد ، معه الصحيفة التى
فيها استخلاف عمر .
قال أبو جعفر : وقال الواقدىّ : حدثنى إبراهيم بن أبى النّضر ، عن
محمد بن إبراهيم بن الحارث ، قال : دعا أبو بكر عمانَ خاليًا ، فقال:
اكتُب :
بسم الله الرحمن الرحيم . هذا ما عهد أبو بكر بن أبى قُحافة إلى المسلمين؛
أُمَّا بعد . قال: ثمّ أغمِىَ عليه، فذهب عنه ، فكتب عثمان : أمَّا بعد ؟
فإنى قد استخلفتُ عليكم عمر بن الخطاب، ولم آلكم خيراً منه، ثم أفاق ٢١٣٩/١
أبو بكر ، فقال: اقرأ علىّ، فقرأ عليه، فكبّر أبو بكر (١)، وقال: أراك
خِفْتَ أن يختلف الناس إن افتُلتتْ نفسى فى غشيتِى! قال: نعم ، قال :
جزاك الله خيراً عن الإسلام وأهله ، وأقرّها أبو بكر رضى الله عنه من هذا
.
الموضع
حدّثنا يونس بن عبد الأعلى ، قال : حَدّثنا يحيى بن عبد الله بن
بُكَيْر، قال : حدّثنا اللَّيْث بن سعد، قال : حَدّتنا عُلْوان ، عن
صالح بن كيسان ، عن عمر بن عبد الرحمن بن عوف ، عن أبيه ، أنَّه
دخل على أبى بكر الصّدّيق رضى الله تعالى عنه فى مَرَضِه الذى تُوُنِّىَ فيه ؛
فأصابه مهتمًّا ، فقال له عبد الرحمن : أصبحتَ والحمد لله بارئًا! فقال
أبو بكر رضى الله عنه: أتراه؟ قال: نعم، قال: إنَّى وَلَّيْتُ أمركم
خير كم فى نفسى ؛ فكلّكم وَرِمَ أنفُه من ذلك ، يريد أن يكون الأمر له
دونه ؛ ورأيتم الدنيا قد أقبلتْ ولمّا تقبِلْ، وهى مقبلة حتى تتَّخذوا ستور
(١) ز: ((فقال بعد ما كبر)).

٤٣٠
سنة ١٣
الحرير ونضائد (١) الديباج، وتألَمُوا (٢) الاضطجاع على الصوف الأذْرِىّ(٣)؛
كما يألمُ أحدُكم أن ينامَ على حَسَك (٤)؛ والله لأن يقدّم أحدكم فتُضرب
٢١٤٠/١ عنقُهُ فى غير حدّ خيرٌ له من أن يخوضَ فى غمرة الدنيا وأنتم أوّلُ
ضالٌ بالناس غدًا، فتصدونهم عن الطريق يمينًا وشمالا . يا هادى الطريق ،
إنَّما هو الفَجْر أو البَجْر (٥)، فقلت له : خفّض عليك رحمك الله؛ فإن
هذا يَهِيضك (٦) فى أمرك. إنَّما النَّاس فى أمرك بين رجليْن: إمَّا رجلٌ رأى
ما رأيتَ فهو معك، وإمَّا رجلٌ خالفك فهو مُشير عليك وصاحبُك كما
تحبّ؛ ولا نعلمك أردتَ إلا خيرًا، ولم تزل صالحًا مُصْلحًا، وأنك لا تأسى
على شىء من الدنيا(٧) .
قال أبو بكر رضى الله عنه: أجَلْ، إنى لا آسى على شىء من
الدنيا إلاّ على ثلاث فعلتُهنّ وددت أنى تركتهنّ، وثلاث تركتهنّ
وددتُ أنى فعلتهنّ؛ وثلاث وددت أنّى سألتُ عنهنّ رسولَ اللّه صلَّى اللّه
عليه وسلَّم . فأمَّا الثلاث اللاتى وددت أنّى تركتُهنّ ؛ فودِدْت أنّى لم
أُكشِفْ بيتَ فاطمة عن شىء . وإن كانوا قد غلَّقوه على الحرب ، ووددت
أنى لم أكن حَرَفْتُ الفُجاءَة السُّلَمىّ، وأنى كنت قتلته سريحًا أو خليته
نجيحاً . ووددت أنى يوم سقيفة بنى ساعدة كنتُ قذفت الأمرَ فى عنق أحد
الرجلين - يريد عمر وأبا عبيدة - فكان أحدُ هما أميرًا؛ وكنت وزيرًا. وأمّا
اللاتى تركتهنّ ؛ فوددت أنى يوم أتِيتُ بالأشعث بن قيس أسيرًا كنت
(١) قال أبو العباس المبرد: ((نضائد الديباج، واحدتها نضيدة؛ وهى الوسادة، وما ينضد
من المتاع)). (٢) الكامل: ((ولتألمن)). (٣) كذا وردت الرواية فى الطبرى، منسوب
إلى أذر بيجان؛ جريا على القياس؛ وفى رواية الكامل: ((الأذربى))؛ وقال فى شرحه: ((فهذا
(٤) فى الكامل: ((على حسك السعدان»؛
منسوب إلى أذر بيجان وكذلك تقول العرب . ))
والسعدان: نبت كثير الحسك تأكله الإبل فتسمن عليه. (٥) ط: ((البحر))؛ والرواية
الجيدة ما أثبتها من الكامل، والبجر: الأمر العظيم؛ قال أبو العباس: ((يقول : إن انتظرت
حتى يضىء لك الفجر الطريق أبصرت قصدك ، وإن خبطت الظلماء وركبت العشواء هجما بك
(٦) قال أبو العباس:
على المكروه ، وضرب ذلك مثلا لغمرات الدنيا وتحيير أهلها ».
(« وقوله : يبيضك ؛ مأخوذ من قولهم : هيض العظم ؛ إذا جبر ثم أصابه شىء فآذاه فكسره ثانية)».
(٧) الخبر إلى هنا فى الكامل ١: ٥٤، ٥٥ - بشرح المرصفى؛ فى رواية مخالفة .

٤٣١
سنة ١٣
ضربت عنقه ، فإنه تخيّل إلىّ أنه لا يرى شرًّا إلاّ أعان عليه . ووددت
أنى حين سيَّرتُ خالد بن الوليد إلى أهل الرّدّة؛ كنت أقمت بذى القَصّة؛
فإن ظَفرِ المسلمون ظفروا، وإن هُزموا كنت بصدد لقاء أو مددًا. ووددت ٢١٤١/١
أنى كنت إذ وجَّهت خالد بن الوليد إلى الشأم كنتُ وجهت عمر بن الخطاب
إلى العراق؛ فكنت قد بسطتُ يدىّ كلتيهما فى سبيل اللّه ــ ومدّ يديه -
وودِدْت أنى كنتُ سألتُ رسولَ اللّه صلَّى الله عليه وسلَّم: لمن هذا الأمر؟
فلا ينازَعه أحد ؛ ووددت أنى كنتُ سألته : هل للأنصار فى هذا الأمر
نصيب ؟ وودِدْتُ أنى كنتُ سألته عن ميراث ابنة الأخ والعَمَّة؛ فإنّ
فى نفسى منهما شيئًا .
قال لى يونس : قال لنا يحيى : ثم قدِمِ علينا عدْوان بعد وفاة اللَّيْث ،
فسألته عن هذا الحديث ، فحدّثنى به كما حدثنى الليث بن سعد حَرْفًا
حَرْفًا؛ وأخبرنى أنه هو حدَّث به الليث بن سعد ، وسألته عن اسم أبيه ،
فأخبرنى أنه علوان بن داود .
وحدثنى محمد بن إسماعيل المرادىّ، قال : حَدّثنا عبد الله بن صالح
المصرىّ ، قال حدّثّى اللَّيْث، عن علوان بن صالح، عن صالح بن کیْسان،
عن حُميد بن عبد الرحمن بن عوف ؛ أن أبا بكر الصديق رضى الله
عنه ، قال - ثم ذكر نحوه، ولم يقل فيه: ((عن أبيه)).
قال أبو جعفر : وكان أبو بكر قبل أن يشتغل بأمور المسلمين تاجرًا ،
وكان منزله بالسُّنْح ، ثم تحوّل إلى المدينة . فحدّثنى الحارث ، قال : حدثنا
ابن سعد ، قال : أخبرنا محمد بن عمر ، قال : حدثنا أبو بكر بن عبد الله بن
أبى سَبْرة ، عن مَرْوان بن أبى سعيد بن المعلَّى، قال : سمعتُ سعيد بن
المسيَّب. قال: وأخبرنا موسى بن محمَّد بن إبراهيم، عن أبيه ، عن ٢١٤٢/١
عبد الرحمن بن صبيحة التميمىّ ، عن أبيه ، قال . وأخبرنا عبيد الله بن عمر ،
عن نافع عن ابن عمر ، قال: وأخبرنا محمد بن عبد اللّه ، عن الزهرىّ ،
عن عُرْوة، عن عائشة ، قال : وأخبرنا أبو قُدامة عُثْمان بن محمد ، عن

٤٣٢
سنة ١٣
أبى وَجْزة، عن أبيه؛ قال . وغير هؤلاء أيضًا قد حدثنى ببعضِه (١)، فدخل
حديثُ بعضهم فى حديث بعض ، قالوا : قالت عائشةُ : كان منزل أبى
بالسُّنْح عند زوجته حبيبة ابنة خارجة بن زيد بن أبى زُهیر من بنى الحارث
ابن الخزرج، وكان قد حجَّر عليه حُجرة من سَعَف ؛ فما زادَ على ذلك
حتى تحوّل إلى منزله بالمدينة ؛ فأقام هنالك بالسُّنْح بعد ما بويع له ستَّة
أشهر، يغدُو على رجليْه إلى المدينة ، وربما ركب على فرس له ، وعليه
إزار ورِداء مشَّقَ، فيوافِى المدينةَ فيصلى الصََّوَاتِ بالنَّاس، فإذا صلَّى
العِشاء؛ رجع إلى أهله بالسُّنْح؛ فكان إذا حَضَر صلَّى بالناس وإذا لم
يحضر صلَّى بهم عمر بن الخطاب . قال : فكان يُقيم يوم الجمعة صدرَ
النّهار بالسُّنح يصبغ رأسه ولحيته ثم يروح لقَدَرَ (٢) الجمعة، فيُجمّعَ بالنَّاس.
وكان رجلا تاجرًاً ، فكان يغدُو كلّ يوم إلى السوق ، فيبيع ويبتاع ؛ وكانت
له قطعة غنم تروحُ عليه ؛ وربّما خرج هو بنفسه فيها ؛ وربما كُفِيَها
فرُعيت له، وكان يحلب للحىّ أغنامَهم ، فلمَّا بويع له بالخلافة قالتْ جارية
من الحىّ : الآن لا تُحْلبُ لنا منائحُ دارِنا، فسمعها أبو بكر ، فقال :
٢١٤٣/١ بلى لعمرى لأحلبنّها لكم؛ وإنى لأرجو ألا" يغيِّرنى ما دخلت فيه عن
خُلق كنت عليه . فكان يحلُب لهم ، فربما قال للجارية من الحىّ : يا جارية
أتحبّين أن أرعى لك، أو أصرَّح؟ فربما قالت : ارْعَ ، وربما قالت :
صرّح؛ فأىّ ذلك قالتْه فعل ؛ فمكث كذلك بالسُّنْح ستّة أشهر؛ ثم نزل
إلى المدينة ، فأقام بها، ونَظَرَ فِى أمرِه ، فقال: لا والله ، ما تصليح أمور
الناس التَّجارة، وما يصلِحُهم إلاّ التفرُّغ لهم والنَّظر فى شأنهم، ولا بدّ
لعيالى مما يُصلِحُهم . فترك التجارة واستنفق من مال المسلمين ما يُصلِحُه
ويُصْلِحِ عيالَه يومًا بيوم ، ويحجّ ويعتمِرِ . وكان الذى فرضوا له فى كلّ
سنة ستَّة آلاف درهم ؛ فلما حضرته الوفاة ، قال : رُدُّوا ما عندنا من مال
المسلمين ؛ فإنى لا أصيبُ من هذا المال شيئًا، وإنّ أرضى الَّتِى بمكان كذا
وكذا للمسلمين بما أصبت من أموالهم ؛ فدفع ذلك إلى عمر ، ولقوحًا وعبدًا
ـ
(١) ز: ((بعضه)).
(٢) س: ((بقدر)).

٤٣٣
سنة ١٣
صَيْقلا(١)، وقطيفة ما تُساوى خمسة دراهم ؛ فقال عمر: لقد أتعب
مَن بعده .
وقال علىّ بن محمد - فيما حدثنى أبو زيد عنه فى حديثه عن القوم
الذين ذكرتُ روايته عنهم - قال أبو بكر: انظروا كم أنفقت منذ وُلِّيتُ
من بيت المال فاقضوه عنّى ، فوجدوا مبلغه ثمانية آلاف درهم فى ولايته .
حدّثنا ابنُ حُميد، قال : حَدّثنا سلمة، عن ابن إسحاق ، عن
الزهرىّ ، عن القاسم بن محمد ، عن أسماءَ ابنة عُمَيَس ، قالت : دخل
طلحة بن عبيد اللّه على أبى بكر ، فقال : استخلفتَ على الناس عُمر ،
، وقد رأيتَ ما يلقى الناس منه وأنت معه ؛ فكيف به إذا خلا بهم ! وأنت
لاقٍ ربَّك فسائلك عن رعيَّك . فقال أبو بكر - وكان مضطجعًا :
أجلسونى، فأجلسوه، فقال لطلحة: أبالله تفرّقنى (٢) - أو أبالله تخوفنى - إذا
لقيتُ اللّه ربِّى فساءلنى قلت: استخلفتُ على أهلِكَ خيرَ أهلك .
٢١٤٤/١
حدّثنا ابنُ حميد، قال : حدّثنا سلّمة ، عن ابن إسحاق ، عن
محمَّد بن عبد الرحمن بن الحصين بمثل ذلك .
قال أبو جعفر: قد تقدّم ذكرنا وقت عقد أبى بكر لعمر بن الخطاب
الخلافة، ووقت وفاة أبى بكر، وأنّ عمَرَ صلَّى عليه، وأنه دفّن ليلة
وفاته قبل أن يُصْبح الناس ، فأصبح عمر صبيحةَ تلك الليلة ، فكان أوّل
ما عمل وقال - فيما ذُكِر - ما حدثنا أبو كُرّيب، قال: حدّثنا
أبو بكر بن عيّاش، عن الأعمش ، عن جامع بن شدّاد ، عن أبيه ؛ قال :
لمَّا استُخلِف عمر صعد المنبر، فقال: إنى قائل كلمات فأمُّنوا عليهنّ ،
فكان أوّل منطق نطق به حين استخلف- فيما حدثنى أبو السائب ، قال :
حدّثنا ابن فُضيل، عن ضرار (٣) ، عن حُصَّين المُرِىّ، قال: قال عمر:
إِنَّمَا مَثَلُ العربِ مثلُ جمل أنِفِ اتَّبع قائده، فلينظر قائدُه حيث
يقود ؛ وأمَّا أنَا فوربّ الكعبة لأحملنَّهم على الطريق .
(١) الصيقل: شحاذ السيوف وجلاؤها .
(٣) كذا فى ز .
(٢) تفرقتى : تخوفنى.

٤٣٤
سنة ١٣
حدّثنا عمر ، قال : حدثنى علىّ ، عن عيسى بن يزيد ، عن صالح بن
کیسان ، قال: کان أوّل کتاب کتبه عمر حین وُلِیإلى أبى عبيدة یولِّه على جند
٢١٤٥/١ خالد: أوصيك بتقوى الله الذى يبقى ويفنى ما سواه ؛ الذى هدانا من
الضّلالة ، وأخرجتَنا من الظُّلمات إلى النور . وقد استعملتك على جُنْد خالد
ابن الوليد، فقهم بأمرهم الذى يحقّ عليك، لا تُقدَّم (١) المسلمين إلى هلكة رجاء
غنيمة ؛ ولا تُنزلهم (٢) منزلا قبل أن تستريده لهم؛ وتعلمَ كيف مأتاه؛
ولا تبعث سرّيّة إلا فى كَثْف(٢) من الناس؛ وإيّاك وإلقاء المسلمين فى
الهلكة، وقد أبلاك اللّه بى وأبلانى بك؛ فغمِّضْ بَصَرك عن الدنيا، وألْه
قلبك عنها ؛ وإيّاك أن تُهلِكَك كما أهلكتْ مَن كان قبلك، فقد رأيتَ
مصارعهم .
٠ ٥
[ ذكر غزوة فِحْل وفتح دمشق ]
حدّثنى عمر ، عن علىّ بن محمد ، بإسناده ، عن النّفر الذين ذ كرت
روايتهم عنهم فى أول ذكرى أمر أبى بكر ؛ أنَّهم قالوا : قدم بوفاة أبى بكر
إلى الشأم شدّاد بن أوْس بن ثابت الأنصارىّ ومَحْمِيّة بن جَزْء،
ويَرْفأ؛ فكتموا الخبرَ الناس حتى ظفر المسلمون - وكانوا بالياقوصة يقاتلون
عدوَّهم من الروم ؛ وذلك فى رجب - فأخبروا أبا عبيدة بوفاة أبى بكر وولايته
حَرْب الشأم، وضمّ عمر إليه الأمراءَ ، وعزلٍ خالد بن الوليد.
فحدّثنا ابنُ حميد، قال : حدثنا سَكتَمة ، عن ابن إسحاق ، قال :
لما فرغ المسلمون من أجنادين ساروا إلى فِحْل من أرض الأردن؛ وقد
اجتمعت فيها رافضة الروم ، والمسلمون على أمرائهم وخالد على مقدّمة الناس .
٢١٤٦/١ فلمَّا نزلت الروم بيْسان بثقوا أنهارها؛ وهى أرض سَبْخة، فكانت وحلاً،
ونزلوا فِحَلاً - وبيسانُ بين فلسطين وبين الأردن - فلما غشيتها المسلمون ولم
(١) ز: ((تقدمن)).
(٣) الكثف : الجماعة من الناس .
(٢) س: ((ولا تنزلتهم)).

٤٣٥
منه ١٣
يعلموا بما صنعت الروم، وَحِلت خيولُهم، ولقوا فيها عَنَاءً، ثم سلّمهم
الله - وسميت بَيْسان ذات الرَّدغة(١) لما لقى المسلمون فيها - ثم نهضوا إلى
الروم وهم بفِحْل؛ فاقتتلوا فهُزمت الروم ، ودخل المسلمون فِحْلاً ولحقت
رافضة الروم بدمشق ؛ فكانت فِحْل فى ذى القعدة سنة ثلاث عشرة ، على
ستّة أشهر من خلافة عمر . وأقام تلك الحجَّة للناس عبد الرحمن بن عوف.
ثم ساروا إلى دمشق وخالد على مقدّمة الناس ؛ وقد اجتمعت الروم إلى رجل
منهم يقال له باهان بدمشق - وقد كان عمر عزلَ خالد بن الوليد واستعمل
أبا عبيدة على جميع الناس - فالتقى المسلمون والروم فيما حول دمشق، فاقتتلوا
قتالا شديداً ، ثم هزم الله الرّومَ، وأصاب منهم المسلمون ، ودخلت الروم
دمشق ؛ فغلّقوا أبوابتها وجثم (٢) المسلمون عليها فرابطوها حتى فُتحت دمشق ،
وأعطوا الجزية، وقد قدم الكتاب على أبى عبيدة بإمارته وعزل خالد، فاستحيا
أبو عبيدة أن يقرئ خالدًا الكتاب حتى فتحت دمشق ؛ وجرى الصُّلْح على
بدئ خالد ؛ وکتب الكتاب باسمه . فلما صالحتدمشق لحِق باهان - صاحب
الروم الذى قاتل المسلمين - بهرقل. وكان فتح دمشق فى سنة أربع عشرة فى
رجب ، وأظهر أبو عبيدة إمارتَه وعَزْلَ خالد؛ وقد كان المسلمون، التقوا هم
والرّوم ببلد يقال له عيْن فِحْل بين فلسطين والأردن"، فاقتتلوا به قتالا ٢١٤٧/١
شديداً ، ثمّ لحقت الروم بدمشق .
وأما سيف - فيما ذكر السرىّ، عن شُعيب، عنه، عن أبى عثمان ، عن
خالد وعبادة - فإنه ذكر فى خبره أنّ البريد قدم على المسلمين من المدينة بموت
أبى بكر وتأمير أبى عبيدة؛ وهم باليرموك؛ وقد التحم القتال بينهم وبين الرُّوم .
وقصّ من خبر اليرموك وخبر دمشق غير الذى اقتصّه ابن إسحاق ؛ وأنا ذاكر
بعض الذى اقتصّ من ذلك :
كتب إلىّ السرىّ، عن شعيب، عن سيف، عن محمّد ، عن أبى عثمان ،
عن أبى سعيد، قال : لمَّا قام عمر رضى عن خالد بن سعيد والوليد بن عُقْبة
فأذنَ لهما بدخول المدينة ، وكان أبوبكر قد منعهما لفَرّتهما التى فرّاها وردّهما
(١) الردغة : الوحل الشديد.
(٢) س: ((وخيم)).

٤٣٦
سنة ١٣
إلى الشأم، وقال: ليبلغنى عنكما غناء (١) أبْلكما بلاءً؛ فانضمًا إلى أى
أمرائنا أحببتما ؛ فلحقا بالناس فأبليا وأغنيًا .
*
#
*
* خبر دمشق من رواية سيف :
كتب إلىَّ السرىُّ ، عن شعيب، عن سیف، عن أبىعثمان ، عن خالد
وعبادة ؛ قالا: لما هزم اللّه جُنْد اليَرْموك، وتهافت أهلُ الواقوصة وفُرغ
من المقاسم والأنفال(٢)"، وبُعيث بالأخماس وسُرّحت الوفود، استخلف
٢١٤٨/١ أبو عبيدة على اليَرْموك بشير بن كعب بن أبىّ الحِمْيَرَىّ كَيْلا يُغتال
بردّةٍ ؛ ولا تقطع الرُّوم على موادّه، وخرج أبو عبيدة حتى ينزل بالصُّفَّر ؛
وهو يريد إتباع الفالّة؛ ولا يدرى يجتمعون أو يفترقون(٣)؛ فأتاه الخبر بأنّهم
أرَزوا إلى فِحْل ، وأتاه الخبر بأن المدد قد أتى أهل دمشق من
حمص، فهو لا يدرى أبدمشق يبدأ أم بفِحْل من بلاد الأردن" . فكتب فى
ذلك إلى عمر ، وانتظر الجواب ، وأقام بالصّفَّر، فلمَّا جاء عمرَ فتحُ اليرموك
أقرّ الأمراء على ما كان استعملهم عليه أبو بكر إلاّ ما كان من عمرو بن
العاص وخالد بن الوليد ، فإنه ضمّ خالدًا إلى أبى عبيدة، وأمر عمرًاً بمعونة
الناس ؛ حتى يصير الحرب إلى فِلَسطين ، ثم يتولَّى حربها .
وأما ابن إسحاق ؛ فإنه قال فى أمْر خالد وعنَزْل عمر إياه ما حدّثنا
محمد بن حُميد، قال: حدثنا سَلَمة عنه ، قال: إنَّما نَزّع عمر خالدًاً فى
كلام كان خالد تكلّم به - فيما يزعمون - ولم يزل عمر عليه ساخطًا ولأمره
کارها فى زمان أبى بکر کله، لوقعته بابن نُويرة، وما كان يعمل به فى حربه؛
فلمّاً استُخلف عمر كان أوّل ما تكلّم به عزله ، فقال: لا يلِى لى عملاً أبدًا؛
فكتب عمر إلى أبى عبيدة : إنْ خالد أكذب نفسه فهو أمير على ماهو عليه ؛
وإن هو لم يُكذب نفسَه فأنتَ الأمير على ما هو عليه ؛ ثم انزع عمامته عن
(٢) ز: ((والأثقال)).
(١) ط: ((عناء)).
(٣) ابن حبيش ((أيجتمعون)).

سنة ١٣
١
٤٣٧
رأسه ، وقاسمه ماله نصفيْن. فلمّا ذكر أبو عبيدة ذلك لخالد، قال: أنظرْنى ٢١٤٩/١
أستِشرْ(١) أختى فى أمرى ، ففعل أبو عبيدة ؛ فدخل خالد على أخته فاطمة
بنت الوليد - وكانت عند الحارث بن هشام - فذكر لها ذلك ، فقالت :
والله لا يحبّك عمر أبدًا، وما يريد إلاّ أن تُكدب نفسك ثم ينزعك. فقبل
رأسها وقال: صدقتِ واللّه! فَمّ على أمره، وأبى أن يُكْذِيب نفسه . فقام
بلال مولتى أبى بكر إلى أبى عبيدة ، فقال : ما أمِرْتَ به فى خالد ؟ قال:
أمرت أن أنزع عمامته، وأقاسمه ماله . فقاسمه مالَه حتى بقيتْ نعلاه ،
فقال أبو عبيدة: إنّ هذا لا يصلُح إلاّ بهذا، فقال خالد: أجلْ، ما أنا
بالَّذِى أعصى أميرَ المؤمنين ؛ فاصنع ما بدا لك ! فأخذ نعلا وأعطاه نعلا .
ثم قدم خالد على عمر المدينة حين عزله .
حدّثنا ابنُ حُميد ، قال : حدّثنا سَلَمة ، عن محمد بن إسحاق ،
عن محمَّد بن عمر بن عطاء ، عن سُليمان بن يسار ، قال : كان عمر
كلَّما مرّ بخالد قال : يا خالد ، أخرج مالَ اللّه من تحتِ استك ، فيقول :
واللّه ما عندى من مال ؛ فلمَّا أكثرَ عليه عمر قال له خالد : يا أميرَ المؤمنين ،
ما قيمةُ ما أصبتُ فى سلطانكم ! أربعين ألف درهم ! فقال عمر: قد أخذتُ
ذلك منك بأربعين ألف درهم ، قال : هو لك ، قال : قد أخذته . ولم يكن
الخالد مال إلاّ عُدّة ورقيق ، فحُسِب ذلك، فبلغت قيمته ثمانين ألف درهم
فناصفة عمر ذلك، فأعطاه أربعين ألف درهم ، وأخذ المال . فقيل له :
يا أميرَ المؤمنين، لورددت على خالد ماله! فقال: إنَّما أنا تاجر للمسلمين، ٢١٥٠/١
والله لا أردّه عليه أبدًا. فكان عمر يُرَى أنه قد اشتفى من خالد حين صنع
به ذلك .
رجع الحديث إلى حديث سيف (٢) ، عن أبى عثمان ، عن خالد وعبادة ،
قالا : ولمَّا جاء عمر الکتاب عن أبى عبيدة بالذى ينبغى أنيبدأ به كتب إليه :
أَمَّا بعد ؛ فابدءوا بدمشق ، فانْهدوا لها ؛ فإنَّها حصن الشأم وبيت
(٢) أنظر أوله فى الصفحة السابقة .
(١) س: ((أستشرُ)).

٤٣٨
سنة ١٣
مملكتهم ، واشغلوا عنكم أهلَ فِحْل بخيلٍ تكون بإزائهم فى نحورهم وأهل
فلسطين وأهل حِمْص ؛ فإن فتحها اللّه قبل دمشق فذّاك الَّذى نحبّ،
وإن تأخّر فتحُها حتى يفتح الله دمشق فلينزل" بدمشق من يمسك (١) بها،
ودعوها ، وانطلق أنت وسائر الأمراء حتى تُغيروا على فِحْل؛ فإن فتح اللّه
عليكم فانصرف أنت وخالد إلى حِمْص ، ودَعْ شُرَحْبيل وعمرًاً وأخْلِهِما
بالأردن وفلسطين، وأميرُ كلّ بلد وجُنْد على الناس حتى يخرجوا من
إمارته . فسرّح أبو عبيدة إلى فِحْل عشرة قُوّاد : أبا الأعور السُّلَمِى ،
وعبدَ عمرو بن يزيد بن عامر الجُرَشِىّ، وعامرَ بن حَشْمة ، وعمرو بن
كُلِيب من يَخْصُب، وعُمَارة بن الصَّعِقِ بن كعب، وصَيْفِىَّ بن
عُلْبة بن شامل ، وعمرو بن الحبيب بن عمرو، ولبدة بن عامر بن خَشْعمة ،
وبشْرَ بن عصْمة، وعُمارة بن مُخشَ" قائد الناس ؛ ومع كلّ رجل خمسة
قوّاد ؛ وكانت الرُّنساء تكون من الصحابة حتى لا يجدوا مَن يحتمل ذلك
منهم، فساروا من الصَُّّر حتَّى نزلوا قريبًا من فيحْل ، فلمَّا رأت الرُّوم
أنّ الجنود تريدهم بثَقُوا المياه حوْلَ فِحْل، فأردِغِتْ(٢) الأرض، ثم
وحِلَت، واغتمّ المسلمون من ذلك ، فحبسوا عن المسلمين بها ثمانين ألف
فارس . وكان أوّلَّ محصور بالشأم أهل فِحْل ، ثم أهل دمشق . وبعث
أبو عبيدة ذا الكلاع حتَّى كان بين دمشق وحِمْص ردءًا. وبعث علقمة بن
حكيم ومَسْروقًا فكانا بين دمشق وفلسطين ، والأمير يزيد . ففصّل، وفصّل
بأبى عبيدة من المرْج ؛ وقدّم خالد بن الوليد ، وعلى مجنّبتيه عمرو وأبو عبيدة
وعلى الخيل عياض، وعلى الرَّجْل شُرَحبيل، فقدِموا على دمشق ، وعليهم.
نِسطاس بن نُسْطُورس (٣)؛ فحصَروا أهل دمشق ، ونزلوا حواليْها ، فكان
أبو عبيدة على ناحية، وعمرو على ناحية ، ویزید علی ناحية، وهر قل يومئذ
بحمْص، ومدينة حِمْص بينه وبينهم . فحاصروا أهل دمشق نحوًّاً من
سبعين ليلة حصارًا شديدًا بالزُّحوف والتّرامِى والمجانيق ؛ وهم معتصمون
٢١٥١/١
٢١٥٢/١
(١) س وابن حبيش: ((تمسك)).
(٢) أردغت الأرض: كثر رداغها، والرداغ: الوحل الشديد.
(٣) كذا فى ط، وانظرص ٤٤٣ س ٥ من هذا الجزء.

٤٣٩
سنة ١٣
بالمدينة يرجون الغياث ، وهر قل منهم قريب وقد استمدّوه . وذو الكلاع بين
المسلمين وبين حِمْص على رأس ليلة من دمشق؛ كأنه يريد حِمْص ،
وجاءت خيولُ هِرقل مغيثةً لأهل دمشق ، فأشجتْها الخيول الَّتِى مع ذى
الكتلاع، وشغلتها عن النَّاس، فأرَزوا ونَزّلوا بإزائه، وأهلُ دمشق على حالهم .
فلَّما أيقن أهلُ دمشق أنَّ الأمداد لا تصلُ إليهم فشِلوا ووهنوا وأبلِسوا(١)
وازداد المسلمون طمعًا فيهم ؛ وقد كانوا يرون أنَّها كالغارات قبل ذلك؛
إذا هجم البرد قفَل الناس ، فسقطْ النَّجم والقوم مقيمون ؛ فعند ذلك انقطع
رجاؤهم، وند موا على دخول دمشق، ووُلِد للبطريق (٢) الَّذِى دخل على أهل
دمشق مولودٌ ؛ فصنع (٣) عليه، فأكل القوم وشربوا، وغفلوا عن
مواقفهم ؛ ولا يشعر بذلك أحدٌ من المسلمين إلا ما كان من خالد ؛ فإنه
كان لا ينام ولا يُنيم ، ولا يخفى عليه من أمورهم شىء؛ عيونُه ذاكية وهو
معنىٌّ بما يليه، قد اتَّخذ حبالا كهيئة السلاليم وأوْ هاقًا (٤) فلمَّا أمسى من
ذلك اليوم نَهَد(٥) ومَنْ معه من جنده الذين قدم بهم عليهم، وتقدّمهم
هو والقعقاع بن عمرو ، ومذعور بن عدى، وأمثاله من أصحابه فى أول يومه ،
وقالوا : إذا سمعتم تكبيرنا على السّور فارقَوا إلينا، وانْهدوا للباب، فلما
انتهى إلى الباب الذى يليه هو وأصحابه المتقدّمون رَمَوْا بالحبال الشُّرَف
وعلى ظهورهم القِرّب التى قطعوا بها خندقهم، فلمَّاً ثبت لهم وَهَقان تسلَّق
فيهما القعقاع ومذعور، ثم لم يدعا أحبولةَ إلا" أثبتها ـ والأوْهاق بالشُّرَف ـ- ٢١٥٣/١
وكان المكان الذى اقتحموا منه أحصن مكان يحيط بدمشق، أكثره ماءً، وأشدّه
مدخلا ، وتوافوا لذلك، فلم يبق ممن دخل معه أحدٌ إلا رقی أو دنا من الباب؛
حتى إذا استَوْا على السُّور حَدَرَ عامَّةَ أصحابه، وانحدر معهم؛ وخلّف
(١) أبلسوا: تحيروا.
(٢) البطريق، بكسر الباء؛ قال صاحب القاموس: ((هو القائد من قواد الروم))،
وفى المعرب: ((ولما سمعت العرب أن البطارقة أهل رياسة صاروا يصفون الرئيس بالبطريق)).
(٣) صنع ، يريد أولم .
(٤) الأوهاق: جمع وهق ، بالتحريك: الحبل فى طرفيه أنشوطة يطرح فى عنق الدابة أو الإنسان
حتی یؤخذ .
(٥) نهد الرجل: نهض ومضى على كل حال ؛ بخلاف النهوض فإنه يكون عن قعود.

٤٤٠
سنة ١٣
مَنْ يحمى(١) ذلك المكان لمن يرتقى، وأمرهم بالتَّكبير، فكبّر الذين على
وأس السور ، فنهَد المسلمون إلى الباب، ومال إلى الحبال بشَرٌ كثير،
فوتَبُوا فيها، وانتهى خالد إلى أوّل مَن يليه فأنامهم ، وانحدر إلى الباب ،
فقتل البوّابين ، وثار أهلُ المدينة ، وفزٍ ع سائر الناس ؛ فأخذوا مواقفتهم،
ولا يدرون ما الشأن ! وتشاغل أهلُ كلّ ناحية بما يليهم ، وقطع خالد بن الوليد
ومن معه أغلاق الباب بالسيوف ، وفتحوا للمسلمين ، فأقبلوا عليهم مِن
داخل، حتَّى ما بقِىَ ممّا يلى باب خالد مقاتل إلا أنيم . ولما شدّ خالد على
مَن يليه ؛ وبلغ منهم الذى أراد عَنْوة أرَزّ من أفلت إلى أهل الأبواب التى
تَلِى غيرَه؛ وقد كان المسلمون دَعَوْهم إلى المشاطرة(٢) فأبوْا وأبعدوا(٣)،
قلم يفجأهم إلاّ وهم يَبُوحون لهم بالصُّلح ، فأجابوهم وقبلوا منهم ، وفتحوا
لهم الأبواب ، وقالوا : ادخلوا وامنعونًا من أهلِ ذلك الباب . فدخل أهلُ
كُلّ باب بصلح ممَّا يليهم، ودخل خالد مما يليه عَنْوة، فالتّى خالد والقوّاد
فى وسطها؛ هذا استعراضًا وانتهاباً، وهذا صلحاً وتسكيناً؛ فأجْرَوا ناحية خالد
مُجْرَى الصّلح ، فصار صُلْحًا، وكان صلح دمشق على المقاسمة ،الدينار
والعقار ، ودينارٌ عن كلّ رأس، فاقتسموا الأسلاب ؛ فكان أصحابُ خالد
فيها كأصحاب سائر القوّاد، وجَرَى على الديار ومَنْ بقى فى الصّلح جريب(٤)
من كلّ جَريب أرض؛ ووقف ما كان للملوك ومتن صوّب معهم فَيْئاً،
وقسموا لذى الكلاغ ومن معه، ولأبى الأعور ومَن معه، وليشير ومن
معه ، وبعثوا بالبشارة إلى عمر ، وقدم على أبى عبيدة كتاب عمر ؛ بأن
اصرف جند العراق إلى العراق، وأمرهم بالحثّ إلى سعد بن مالك، فأمَّر
على جُنْد العراق هاشم بن عُتْبة ، وعلى مقدّمته القعقاع بن عمرو ، وعلى
مجنّبَتَيْه عمرو بن مالك الزُّهرىّ ورِبْعىّ بن عامر ، وضربوا بعد دمشق نحو
سعد، فخرج هاشم نحو العراق فى جُنْد العراق ؛ وخرج القوّاد نحو فِحْل
٢١٥٤/١
(١) س: ((حمى)).
(٣) ز: ((واتعدوا)).
(٢) ز: ((المناظرة)).
(٤) الجريب: مقدار من الأرض ؛ ونقل عن قدامة: إنه ثلاثة آلاف وستمائة ذراع.