النص المفهرس
صفحات 401-420
٤٠١ سنة ١٣ وعبادة ؛ قالا: أصبح خالد من تلك اللَّيْلة، وهو فى رِواق تذارِق، لمَّا دخل الخندق نزله وأحاطت به خيله ، وقاتل الناسُ حتى أصبحوا . كتب إلىّ السرىّ، عن شُعيب ، عن سيف ، عن أبى عثمان الغسَّانِىّ، عن أبيه، قال: قال عِكْرمة بن أبى جهل يومئذ: قاتلت رسولَ اللّه صلَّى اللّه عليه وسلَّم فى كلّ موطن ، وأفِرُّ منكم اليوم ! ثم نادى: مَن يبايع على الموت ؟ فبايعه الحارث بن هشام وضرار بن الأزْور فى أربعمائة من وجوه المسلمين وفرسانهم ؛ فقاتلوا قدّام فُسطاط خالد حتى أثبتوا جميعًا جرأحا ، وقُتلوا إلاّ من برأ، ومنهم ضرار بن الأزور. قال: وأتِىَ خالد بعد ما أصبحوا بعيكْرمة جريحًا فوضع رأسه على فخذه ، وبعمرو بن عِكْرمة فوضع رأسه على ساقه ، وجعل يمسح عن وجوههما، ويقطّر فى حلوقهما الماء ، ويقول : كلاّ، زعم ابن الحَنْتَمة(١) أنَّا لا نُستشهَدَ! كتب إلىَّ السرىُّ ، عن شعيب ، عن سيف ، عن أبى عُميس ، عن القاسم بن عبد الرحمن ، عن أبى أمامة - وكان شهد اليَرْموك هو وعبادة بن الصامت - أنّ النساء قاتلْنَ يوم اليرموك فى جَوْلة، فخرجت جُوَيْرِية ابنة أبى سفيان فى جولة، وكانت مع زوجها [ وأصيبت ](٢) بعد قتال شديد، ٢١٠١/١ وأصيبت يومئذ عينُ أبى سفيان ، فأخرج السهم من عينه أبو حثْمة . كتب إلىّ السرىُّ، عن شعيب، عن سيف، عن المُسْتَغير بن يزيد بن أرطاة ابن جُهَيْش ، قال : كان الأشتَرَ قد شهد اليَرْموك ولم يشهد القادسيّة ؛ فخرج يومئذ رجلٌ من الرّوم، فقال: مَنْ يبارز؟ فخرج إليه الأشتر ؛ فاختلفا ضربتيْن، فقال للرّومى: خُذْها وأنا الغلام الإيادىّ(٣)، فقال : الرومىّ: أكثر الله فى قومى مثلك! أما والله لو (٤) أنَّك من قومىُ لَآ زرْت (٥) الرُّومِ ، فأمَّا الآن فلا أعِينهم ! (١) حنتمة، بنت ذى الرمحمين هاشم بن المغيرة بن عبد الله بن عمر بن مخزوم المخزومية، أم عمر ابن الخطاب. (٢). من ز. (٣) كذا فى ط؛ والمعروف أن الأشتر نخعىّ من مذحج (٤) ط: ((لولا))، ولا يستقيم به النص. (٥) ط: ((لزرت))، وانظر التعليقات. ٤٠٢ سنة ١٣ كتب إلىّ السرىُّ ، عن شعيب ، عن سيف ، عن أبى عثمان وخالد : وكان ممَّن أصيب فى الثلاثة الآلاف الَّذين أصيبوا يوم اليَرْموك عكرمة ، وعمرو بن عِكْرمة، وسلمة بن هشام، وعمرو بن سعيد، وأبان بن سعيد - وأثبت (١) خالد بن سعيد فلا يُدرَى أين ماتَ بَعْد - وجُنْدَب بن عمرو ابن حُمَمَة الدَّوْسِيّ، والطّفَيْل بن عمرو، وضرار بن الأزور أثِبت فبقى وطُلَيْب بن عُمَر بن وَهْب من بنى عبد بن قُصىّ، وهَبَّر بن سُفْيان، وهشام بن العاصى . ٢١٠٢/١ كتب إلىّ السرىّ ، عن شعيب ، عن سَيْف ، عن عمرو بن ميمون ، عن أبيه ، قال : لقى خالداً مقدمه الشأم مغيثًا لأهل اليرموك رجلٌ من روم العرب ، فقال: يا خالد، إنّ الروم فى جمع كثير ؛ مائتى ألف أو يزيدون ؛ فإنْ رأيت أن ترجعَ عَلَى حاميتك فافعل ؛ فقال خالد : أبالرّومِ تخوّفنى! والله لودِدْتُ أنّ الأشقر بَرَاءٌ من تَوَجُّيه، وأنَّهم أضعفوا ضافتهم ، فهزمهم الله على يدْیه ! كتب إلىّ السرىّ ، عن شعيب ، عن سيف ، عن المستنير بن يزيد ، عن أرطاة بن جهيش، قال: قال خالد يومئذ: الحمدُ للّه الَّذِى قضى على أبى بكر بالموتِ وكان أحبَّ إلىَّ من عمر، والحمدُ لله الذى ولَّى عمر ، وكان أبعضَ إلىّ من أبى بكر ثم ألزمنى حُبَّه! كتب إلىّ السرىّ ، عن شعيب ، عن سيف ، عن محمد وطلحة وعمرو ابن ميمون ، قالوا : وقد كان هرقل حجّ قبل مهزم خالد بن سعيد ، فحجّ بيت المقدس ، فبينا هو مقيم به أتاه الخبر بقُرْب الجنود منه ، فجمع الرُّوم ، وقال: أرى من الرأى ألا تقاتِلُوا هؤلاء القوم ، وأن نُصالحوهم ؛ فوالله لأن تُعطوهم نصفَ ما أخرجت الشأم؛ وتأخذوا نصفًا وتقِرَّ لكم جبال الرُّوم ؛ خيرُ لكم من أن يبلغوكم على الشأم ، ويشاركوكم فى جبال الرّوم؛ فنخر أخوه ونخر خَتَنُه ؛ وتصدّع عنه مَن كان حوله ؛ فلمَّا رآهم يعصونه ويردّون عليه بعث أخاه، وأمَّر الأمراء ووجَّه إلى كلّ جند (١) أثبت ؛ أى جرح جرحاً عميقاً . ٤٠٣ سنة ١٣ ٢١٠٣/١ جندًا . فلما اجتمع المسلمون ، أمرهم بمنزل واحد واسع جامع حصين ، فنزلوا بالواقوصة ، وخرج فنزل حِمْص ، فلمَّا بلغه أن خالدًا قد طلع على سُوَى وانتسف أهله وأموالهم، وعَمَد إلى بُصْرَى وافتتحها وأباح عَذْراء ، قال لجلسائه: ألم أقل لكم لا تقاتلوهم! فإنَّه لا قوامَ لكم مع هؤلاء القوم ؛ إنّ دينهم دينٌ جديد يجدّد لهم ثِبارَهم(١)، فلا يقوم لهم أحد حتى يُبْلَى . فقالوا : قاتِل عن دينك ولا تُجبّن النَّاس، واقض الذى عليك ؛ قال : وأنَّ شىء أطلب إلاّ توفيرَ دينكم ! ولما نزلت جنود المسلمين اليَرْموك ، بعث إليهم المسلمون : إنَّا نريد كلامَ أميركم وملاقاته ؛ فدعُونا نأتِه ونكلّمه، فأبلغوه فأذن لهم. فأتاه أبو عبيدة ويزيد بن أبى سفيان كالرسول ، والحارث بن هشام وضرار بن الأزور وأبو جَنْدل بن سُهيل ؛ ومع أخى الملك يومئذ ثلاثون رواقا فى عسكره وثلاثون سُرادِ قاً، كلُّها من ديباج ؛ فلمَّا انتهوا إليها أبوْا أن يدخلوا عليه فيها ، وقالوا : لا نستحلّ الحرير فابْرُزْ لنا. فبرز إلى فُرُش ممهَّدة ؛ وبلغ ذلك هرقل ، فقال: ألم أقل لكم! هذا أوّلُ الذُّلّ ، أما الشأم فلا شأم؛ وويل للروم من المولود المشئوم! ولم يتأتّ بينهم وبين المسلمين صُلْح، فرجع أبو عبيدة وأصحابه واتَّعدوا، فكان القتال حتى جاء الفتح . كتب إلىّ السرىّ، عن شعيب، عن سيف، عن مُطَرح، عن القاسم، ٢١٠٤/١ عن أبى أمامة وأبى عثمان ، عن يزيد بن سنان ، عن رجال من أهل الشأم ومن أشياخهم ؛ قالوا: لمَّا كان اليوم الَّذِى تأمّر فيه خالد، هزم اللّه الرُّوم مع الليل، وصعد (٢) المسلمون العَقَبَة، وأصابوا ما فى العسكر، وقتل اللّه صناديدَهم ورءوسهم وفرسانهم، وقتل اللّه أخا هِرَقْل، وأخِذ التَّذارق، وانتهت الهزيمة إلى هرقل وهو دُون مدينةٍ حِمْص ، فارتحل فجعل حِمْص بينه وبينهم ، وأمَّر عليها أميرًا وخلَّفه فيها ، كما كان أمَّر على دمشق، وأتبع المسلمون الرُّوم حين هزموهم خيولاً يَشْفِنِونهم (٣). ولمَّاً صار إلَى (١) الثبار على الأمر: المواظبة عليه. (٢) كذا فى ز والنويرى. (٣) يثفنونهم: يطردونهم. ٤٠٤ سنة ١٣ ٢١٠٥/١ . أبى عبيدة الأمرُ بعد الهزيمة، نادى بالرّحيل، وارتحل المسلمون بزحْفهم حتى وضعوا عساكرَهم بمَرْج الصُّفَّر. قال أبو أمامة: فبُعثت طليعةً من مَرَج الصَّفَّر ، معى فارسان ؛ حتى دخلت الغُوطة فجُسْتها بين أبياتها وشجراتها ، فقال أحد صاحبَىّ : قد بلغتَ حيث أمرت فانصرف لاتهلكْنا ، فقلت : قِفْ مكانك حتى تصبح أو آتيك. فسِرْتُ حتى دفعت إلى باب المدينة ؛ وليس فى الأرض أحدٌ ظاهر، فنزعت لجام فرسِى وعلَّقت عليها مخلاتها ، وركزت(١) رمحى، ثم وضعت رأسى فلم أشعر إلاّ بالمفتاح يحرّك عند الباب ليُفتح ؛ فقمت فصلَّيت الغداة ، ثم ركبت فرسى ، فحملت عليه ، فطعنت البوّاب (٢) فقتلته، ثم انكفأت راجعًا ؛ وخرجوا يطلبوننى ، فجعلوا يكفّون عنّى مخافة أن يكون لى كمين ، فدفعت إلى صاحبى الأدْنى الَّذى أمرتُه أن يقف ، فلمَّا رأوْه قالوا : هذا كمين انتهى إلى كمينه . فانصرفوا وسرت أنا وصاحبى ، حتى دفعنا إلى صاحبنا الثانى ، فِسْرنا حتى انتهينا إلى المسلمين؛ وقد عزم أبو عبيدة ألاّ يبرح حتى يأتيه رأىُ عمر وأمْرُه ؛ فأتاه فرحلوا حتى نزلوا على دِمَشق، وخلّف باليَرْمُوك بشير بن كعب بن أبىّ الحميرىّ فى خَيْل. كتب إلىّ السرىّ عن شعيب ، عن سيف عن عبد الله بن سعيد عن أبى سعيد، قال : قال قَباث: كنت فى الوفْد بفتح اليَرْموك ، وقد أصبناً خيراً ونَفَلا كثيرًا، فمرَّ بنا الدّليل على ماء رجل قد كنت اتَّبعته فى الجاهليَّة حين أدركتُ وآنستُ من نفسى لأصيب منه؛ كنت دُلِلْتُ عليه ، فأتيته فأخبرته ، فقال : قد أصبتَ ، فإذا ريبال من ريابلة العرب قد كان يأكل فى اليوم عَجُزُ جَزور بأدْمها ومقدار ذلك من غير العجُزُ ما يفضل عنه إلاّ ما يقوتنى. وكان يُغيرُ على الحىّ ويَدَعُنِى قريباً، ويقول: إذا مرّ بك راجز يرتجز بكذا وكذا، فأنا ذلك؛ فَشُلَّ معى . فمكثت بذلك حتى أقطعنى قطيعًا من مال ، وأتيت به أهلى؛ فهو أوّلُ مال أصبته . ثم إنّى رأستُ قومى ؛ وبلغت مبلغ رجال العرب ، فلمَّا مرّ بنا على ذلك الماء ٢١٠٦/١ (١) ابن حبيش: ((وتركت)). (٢) س: ((فطعنته وطعنت)). ٤٠٥ سنة ١٣ عرفتُه ، فسألت عن بيته فلم يعرفوه ، وقالوا : هو حىٌّ ، فأتيت ببنين استفادهم بعدى ، فأخبرتهم خبرى، فقالوا : اغْدُ علينا غدًا، فإنه أقربُ ما يكون إلى ما تحبّ بالغداة ، فغادیتھم فأدخِلْت عليه، فأخرِ ج من خِدْره ؛ فأجلِس لى ، فلم أزل أذكُّره حتى ذكر ، وتسمّع وجعل يطرَب للحديث ويستطعمنيه ، وطال مجلسنا وثقُلنا على صبيانهم ؛ ففرّقوه ببعض ما كان يفرق منه ليدخل خِدْرُه ، فوافق ذلك عقله ، فقال : قد كنت وما أفزَّع ! فقلت : أجل، فأعطيته ولم أدعْ أحدًا من أهله إلا أصبتُه بمعروف ثم ارتحلت . كتب إلىّ السرىّ، عن سيف، عن أبى سعيد المَقْبُرىّ، قال : قال مروان بن الحكم لَقَبات: أأنت أكبر أم رسولُ الله صلَّى اللّه عليه وسلَّم؟ قال : رسول اللّه أكبر منّى، وأنا أقدم منه ، قال: فما أبعدُ ذكرك ؟ قال : خِثْى(١) الفيل لسنة. قال: وما أعجب ما رأيتَ ؟ قال: رجل من ١ /٢١٠٧ قُضاعة؛ إنى لما أدركتُ وآنَسْتُ من نفسى سألتُ عن رجل أكونُ معه وأصيب منه ، فدلِلْتُ عليه ... واقتصّ هذا الحديث. حدّثنا ابنُ حُميد ، قال : حدثنا سلّمة ، عن محمد بن إسحاق ، عن صالح بن كيسان ، أنّ أبا بكر رحمه اللّه حين سار القوم خرج مع يَزيد ابن أبى سفيان يُوصِيه، وأبو بكر يمشى ويزيد راكب، فلمَّا فرغ من وصيَّتَه قال: أقرتُك السلام، وأستودعك اللّه. ثم انصرف ومضى يزيد، فأخذ التَّبُوكِيَّة ثم تبعه شُرَحبيل بن حَسَنة ثم أبو عبيدة بن الجرّاح مددًاً لهما على رُبْع، فسلكوا ذلك الطريق ، وخرج عمرو بن العاص حتى نزل بغَمْر العَرَبَات، ونزلت الرُّوم بشَنِيَّة جِلَّق بأعلى فلسطين فى سبعين ألفًا، عليهم تَذَارِق أخو هِرَقْل لأبيه وأمَّه. فكتب عَمْرو بن العاص إلى أبى بكر، يذكر له أمرَ الرُّوم ويستمدُّه. وخرج خالد بن سعيد بن العاصى؛ وهو بمرج الصَّفَّر من أرض الشأم فى يوم مَطير يستمطر فيه؛ فتعاوَى عليه (١) الخثى: ما يرميه الفيل من ذى بطنه . ٤٠٦ سنة ١٣ أعلاً جُ الروم ، فقتلوه ، وقد كان عمرو بن العاص کتب إلى أبی بکر یذ کر له أمر الروم ويستمدّه . ٢١٠٨/١ # ٠ قال أبو جعفر : وأمَّا أبو زيد، فحدّثَنِى عن علىّ بن محمد بالإسناد الذى قد ذكرت قبلُ ؛ أنّ أبا بكر رحمه اللّه وجَّه بعد خروج يزيد بن أبى سفيان موجّها إلى الشأم بأيام، شُرّحبيلَ بن حَسَنة - قال: وهو شُرَحْبيل ابن عبد الله بن المطاع بن عمرو ، من كِنْدة ، ويقال من الأزد - فسار فى سبعة آلاف ، ثم أبا عبيدة بن الجرّاح فى سبعة آلاف ، فنزل يزيد البَلْقَاء ، ونزل شرحبيل الأرْدُنّ- ويقال بُصْرَى- ونزل أبو عبيدة الجابِية، ثم أمدّهم بعمرو بن العاص، فنزل بغَمْر العربات ، ثم رغِب الناس فى الجهاد ؛ فكانوا يأتون المدينة فيوجههم أبو بكر إلى الشَّأم فمنهم من يصير مع أبى عبيدة ، ومنهم من يصير مع يزيد، يصير كلّ قوم مع من أحبّوا. قالوا : فأوّل صُلْح كان بالشأم صلح مَآبَ ؛ وهى فسطاط ليست بمدينة ، مرّ أبو عبيدة بهم فى طريقه ، وهى قرية من البَلْقاء ، فقاتلوه ، ثم سألوه الصُّلْح فصالحهم . واجتمع الرُّوم جمعًا بالعَرَبَة من أرضٍ فلسطين ؛ فوجَّه إليهم يزيدُ بن أبى سفيان أبا أمامة الباهلىّ ؛ ففضَّ ذلك الجمع . قالوا : فأوّل حرب كانت بالشأم بعد سريّة أسامة بالعَرَبة . ثم أتوا الدّائنة - ويقال الدّائن - فهزمهم أبو أمامة الباهلىُّ، وقتل بِطْريقًا منهم . ثم كانت مَرْج الصَّفّر ، استشهد فيها خالد بن سعيد بن العاصى، أتاهم أدْرُ نْجار فى أربعة آلاف وهم غارُّون، فاستُشهد خالد وعدّة من المسلمين. قال أبو جعفر : وقيل إنّ المقتول فى هذه الغزوة كان ابنًا لخالد بن سعيد، وإنّ خالداً انحاز حين قتل ابنه ، فوجَّه أبو بكر خالد بن الوليد أميرًا على الأمراء الذين بالشأم ، ضَمَّهم إليه ؛ فشخص خالد من الحيرة فى ربيع الآخر سنة ثلاث عشرة فى ثمانمائة - ويقال فى خَمْسمائة - واستخلف على عَمَلَهِ المثنَّى بن حارثة ، فلَقبَه عدوّ بَصَنْدَ وْدَاء، فظفر بهم، وخلّف بها ابن حرام الأنصارىّ؛ ولقىَ جمعًا بالمُصيّخ والحُصَيْد ، عليهم ٢١٠٩/١ ٤٠٧ سنة ١٣ ربيعة بن بُجِيْرِ التَّغْلِىّ، فهزمهم وسَبَ وغَنِم، وسار ففوز (١) من قُراقِر إلى سُوَى ؛ فأغار على أهل سُوَى ؛ واكتسح أموالَهم، وقتل حُرْقُوصَ ابن النُّعمان البَهرانىّ، ثم أتى أرَك فصالحوه، وأتى تَدْمُر فتحصّنوا، ثم صالحوه ؛ ثم أتى القريتيْن، فقاتلهم فظفِر بهم وغَنِم ، وأتى حُوَّارين ؛ فقاتلهم فهَزَمهم وقتلَ وسبى ، وأتى قُصَم فصالحه بنو مَشْجَعَة من قُضاعة ، وأتى مَرْج راهِط ، فآغار على غَسَّان فى يوم فِصْحهم ، فقتل وسَبَى، ووجَّه بُسْر بن أبى (٢) أرطاة وحبيب بن مَسْلَمة إلى الغوطة، فأتوْا كنيسة فسَبُوا الرّجال والنِّساء، وساقُوا العيال إلى خالد. قال: فوافى خالداً كتابُ أبى بكر بالحيرة منصرفه من حجّه: أن ٢١١٠/١ سِرْ حتَّى تأتىَ جموعَ المسلمين باليَرْموك، فإنهم قد شَجُوا وأشْجَوْا(٣)، وإيّاك أن تعود لمثل ما فعلت ، فإنه لم يُشْجِ (٤) الجموع من الناس بعون الله شجاك ، ولم ينزع الشجى من الناس نزعك . فليهنئك أبا سليمان النِّية والحُظوة(٥)؛ فأتمِمٍ يُتُمم اللّه لك، ولا يدخلنَّك عُجب فتخسَرَ وتُخْذَل؛ وإيّاك أن تُدِلّ بعمل، فإن الله عزّ وجلّ له المنّ، وهو ولىّ الجَزاء. كتب إلىّ السرىّ ، عن شعيب ، عن سيف ، عن عبد الملك بن عطاء ، عن الهيْثَم البكائىّ، قال : كان أهلُ الأيَّام من أهل الكوفة يُوعدون معاويةَ عند بعض الذى يبلُغهم ، ويقولون : ما شاء معاوية ! نحنُ أصحابُ ذات السلاسل، ويسمّون ما بينها وبين الفراض؛ ما يذكرون ما كان بعد؛ احتقارًا لما كان بعد فيما كان قبل . كتب إلىَّ السرىّ ، عن شعيب ، عن سيف ، عن عمرو بن محمد ، عن إسحاق بن إبراهيم، عن ظَفَر بن دهى، ومحمد بن عبد الله عن أبى عثمان، (١) فى اللسان: ((يقال: فوز الرجل بإبله؛ إذا ركب المفازة)). (٢) ساقطة من ط ، وانظر التصويبات . (٣) أشجاه قرنه : قهره حتى شجی به . (٤) أى لم يقهر الجموع قهرك . (٥) الحظوة : المكانة . ٤٠٨ سنة ١٣ وطلحة عن المغيرة ، والمهلَّب بن عقبة عن عبد الرحمن بن سياه الأحمرىّ ، قالوا : كان أبو بكر قد وجَّه خالد بن سعيد بن العاصى إلى الشأم حيث وجَّه خالد بن الوليد إلى العراق، وأوصاه بمثل الَّذى أوصى به خالداً. وإنّ خالد ابن سعيد سار حتى نزلَ على الشأم ولم يقتحم؛ واستجلب النَّاس فعزّ (١)، فهابته الرُّوم ، فأحجموا عنه ، فلم يصبر على أمر أبى بكر ولكن تورّدها فاستطردت له الرُّوم، حتى أوردوه الصُّفَّر، ثم تعطَّفُوا عليه بعد ما أمِن؛ فوافقوا ابنَه سعيد بن خالد مستمطرًا؛ فقتلوه هو ومن معه ، وأتى الخبرُ خالدًا ، فخرج هاربًا؛ حتى يأتى البرّ ، فينزل منزلا ، واجتمعت الرُّوم إلى اليَرْموك؛ فنزلوا به، وقالوا: والله لنشغلنّ أبا بكر فى نفسه (٢) عن تورّد بلادنا بخيوله . وکتب خالد بن سعید إلى أبى بكر بالَّذى كان ، فكتب أبو بكر إلى عمرو ابن العاص - وكان فى بلاد قُضاعة - بالسِّير إلى اليرموك ، ففعل ، وبعث أبا عبيدة بن الجراح ويزيد بن أبى سفيان ، وأمر كلّ واحد منهما بالغارة ، وألاَّ تُوغلوا حتى لا يكون وراءكم أحدٌ من عدوّكم. وقدم عليه شُرَحْبيل بن حَسَنة بفتح من فتوح خالد ، فسرّحه نحو الشأم فى جُنْد، وسمى لكلّ رجل من أمراء الأجناد كورةً من كور الشأم ؛ فتوافوا باليَرْ موك، فلمّا رأت الروم توافيهم ، ندموا على الَّذِى ظهر منهم ، ونَسُوا الذى كانوا يتوعَّدون به أبا بكر، واهتموا وهمَّتهم أنفسهم، وأشْجَوْهم وشجوا بهم، ثم نزلوا الواقوصة. وقال أبو بكر: واللّه لأنْسِيَنّ الرُّوم وساوس الشيطان بخالد بن الوليد، فكتب إليه بهذا الكتاب الَّذِى فوق هذا الحديث ، وأمره أن يستخلف المثنَّى بن حارثة على العراق فى نصف الناس ، ٢١١٢/١ فإذا فتح الله على المسلمين الشَّأَم، فارجع إلى عملك بالعراق . وبعث خالد بالأخماس إلاّ ما نفّل منها مع عُمَر بن سعد الأنصارىّ وبمسيره إلى الشأم . ودعا خالد الأدلّة، فارتحل من الحيرة سائراً إلى دُومة، ثم طعن فى البرّ إلى قراقر ، ثم قال : كيف لى بطريق أخرج فيه(٣) من وراء جموع الروم! (٣) ز: ((منه)). (٢) ز: ((بنفسه على)). (١) ز: ((وعز)). ٢١١١/١ سنة ١٣ ٤٠٩ فإنى إن استقبلتها حبستنى عن غياث المسلمين ، فكلّهم قال (١): لا نعرف إلاطريقًا لا يحمل الجيوش، يأخذه الفذّ(٢) الراكب، فإيَّاك أن تغرّر بالمسلمين. فعزم عليهم ولم يُجِبْه إلى ذلك إلاّ رافع بن عميرة على تهيُّبٍ شديد، فقام فيهم، فقال: لا يختلفنّ هَدْيُكم، ولا يضعفنّ يقينكم، واعلموا أنّ المعونة تأتى على قدر النيّة، والأجر على قدر الحِسْبة(٣)؛ وإنّ المسلم لا ينبغى له أن يكترث بشىء يقع فيه (٤) مع معونة الّله، فقالوا له: أنت رَجُلٌ" قد جمع اللّه لك الخير، فشأنك . فطابقوه ونووا واحتسبوا، واشتهوا مثل الذى اشتهى خالد ، فأمرهم خالد ، فتروَّوا للشَّفَة لخمس ، وأمر صاحب كلّ خيل بقدرما يسقيها ، فظمَّأْ كلُّ قائد من الإبل الشُُّفِ الجلال(٥) ما يكتفى به ، ثم سَقَوْها العَلَل بعد النَّهل (٦)؛ ثم صرُّوا آذان الإبل وكعموها، وخلّوا أدبارها ، ثم ركبوا من قراقر مفوّزين إلى سُوَى - وهى على جانبها الآخر ممّا يلى الشأم ـ فلما ساروا يومًاً افتظوا (٧) لكل عدّة من الخيل عشراً من تلك الإبل فزجوا ما فى كُروشها بما كان من الألبان ، ثم سَقَوا الخيلَ ، وشربوا للشفة جَرْعًا ، ففعلوا ذلك أربعة أيام . ١/ ٢١١٣ كتب إلىّ السرىُّ، عن شُعيب ، عن سَيْف، عن عبيد الله بن مُحفّز ابن ثعلبة ؛ عمنّ حدّثه من بكر بن وائل، أنّ مُحْرز بن حَرِيش المحاربىّ قال لخالد : اجعل كوكبَ الصبح على حاجبك الأيمن ، ثم أُمَّه تُفْضِ إلى سُوَى ؛ فكان أدلّهم . قال أبو جعفر الطبرىّ: وشاركهم محمَّد وطلحة ، قالوا: لما نزل بسُوَى وخشِيَ أن يفضحهم حرُّ الشمس ، نادى خالد رافعًا : ما عندك ؟ قال : (١) س: ((قالوا)). (٢) الفذّ: الفرد. (٣) ز، س: ((الحسنة)). (٤) ز: ((وقع فيه)). (٥) الظمء: حبس الإبل عن الماء إلى غاية الورد، والشارف: الناقة التى قد أسنت، وجمعه شرف . وجلة الإبل : مسانها . (٦) قال الأصمعى: إذا وردت الإبل الماء فالسقية الأولى النهل والثانية العلل. (٧) يقال: افتظ رجل كرش بعيره إذا نحره فاعتصر ماءه وصفاه. ٤١٠ سنة ١٣ خير، أدركتم الرِّىّ(١)، وأنتم على الماء! وشجَّعهم وهو متحيّر أرمد، وقال: أيُّهَا النَّاس، انظروا عَلَمَيْن كأنهما ثَدْيان. فأتوا عليهما وقالوا: عَلَمان، فقام عليهما فقال: اضربوا يمْنةً ويَسْرَةً - لعَوْسجة (٢) كقعدة الرجل - فوجدوا جِذْمُها ، فقالوا : جذمٌ ولا نرى شجرة ، فقال: احتفروا حيث شئْمْ، فاستثاروا أوشالاً وأحساءَ رَوَاءً ، فقال رافع: أيّها الأمير، واللّه ما وردتُ هذا الماء منذ ثلاثين سنة ، وما وردته إلاّ مرّة وأنا غلام مع أبى . ٢١١٤/١ فاستعدّوا ثم أغاروا والقوم لا يرون أنّ جيشًا يقطع إليهم. كتب إلىّ السرىُّ، عن شعيب ، عن سيف، عن عمرو بن محمد ، عن إسحاق بن إبراهيم ، عن ظفر بن دهى، قال : فأغار بنا خالد من سُوَى على مُصَيَّخ بَهْرَاءَ بِالقُصْوانَى -ماء من المياه- فصبَّح المُصَيَّخِ والنَّمِرِ؛ وإنهم الغارّون ، وإن رفقة لتشرب فى وجه الصُّبْح ، وساقيهم يغنّيهم، ويقول : • ألا صَبْحانى قَبْلَ جَيْشِ أبى بكرٍ » فضُربت عنُقُه ، فاختلط دمُه بخمره . كتب إلىّ السرىُّ، عن شعيب ، عن سيف، عن عمرو بن محمد بإسناده الذى تقدّم ذكره، قال : ولمّا بلغ غسّان خروج خالد على سُوى وانتسافتها، وغارتُه على مصَيَّخ بَهْراء وانتسافها ، فاجتمعوا بمرج راهط ، وبلغ ذلك خالدًا، وقد خلّف ثُغور الرُّوم وجنودها ممّا يلى العراق ، فصار بينهم وبين اليرموك، صمد لهم ؛ فخرج من سُوَى بعد ما رجع إليها بسبْ بَهْراء ، فنزل الرُّمّانَتَيْن- عَلَمَيْن على الطريق - ثم نزل الكَشَب؛ حتى صار إلى دمشق، ثم مَرْج الصُّهَّر، فلقِىَ عليه غَسّانَ وعليهم الحارث بن الأَيْهَمَ ، ٢١١٥/١ فانتسف عسكرهم وعيالاتِهم. ونزل بالمَرْج أيَّامًا، وبعث إلى أبى بكر بالأخماس مع بلال بن الحارث المُزّنىّ ، ثم خرج من المرْج حتى ينزل قناة بُصْرَى؛ فكانت أوّلَ مدينة افتُتحت بالشأم على يدى خالد (١) ز: ((أدرككم الغى)). (٢) العوسج: ضرب من الشجر كثير الشرك، وله ثمر أحمر مدوّر كأنه العقيق. ٤١١ سنة ١٣ فيمن معه من جُنُود العراق ، وخرج منها ، فوافى المسلمين بالواقُوصة ، فنازلهم بها فى تسعة آلاف. كتب إلىّ السرىّ ، عن شعيب ، عن سيف ، عن محمد وطلحة والمهلّب، قالوا : ولما رجع خالدٌ من حجُّه وافاه كتاب أبى بكر بالخُروج فى شَطْر الناس ، وأن يخلف على الشَّطْر الباقى المثنَّى بن حارثة، وقال: لا تأخذنْ نجدًا إلاّ خلَّفت له نجدًا، فإذا فتح الله عليكم فاردُدْهم إلى العراق، وأنت معهم ، ثم أنت على عَمَلِك؛ وأحضر خالدٌ أصحاب رسول الله صلَّى اللّه عليه وسلَّم واستأثر بهم على المثنَّى ، وترك للمثنَّى أعدادهم من أهل القناعة ممنّ لم يكن له صحبة، ثم نظر فيمن بقىّ، فاختلج(١) مَن كان قدم على النبيّ صلَّى الله عليه وسلَّم وافدًا أو غير وافد، وترك للمثنَّى أعداد هم من أهل القناعة؛ ثم قسم الجند نصفيْن ، فقال المثنّى: والله لا أقيم إلاّ على إنفاذ أمر أبى بكر كلِّه فى استصحاب نصف الصحابة أو بعض النصف ؛ وبالله ما أرجو النَّصر إلاّ بهم، فأنَّى تُعرِيِنى منهم! فلما رأى ذلك خالد بعد ما تلكّاً عليه أعاضه منهم حتى رضىَ ، وكان فيمن أعاضه (٢) منهم فُرات بن حيَّان العجلىّ، وبشير بن الخَصَاصِيّة والحارث بن حسّان الذُّهليَّان، ومعبد بن أمّ معبد الأسلمىّ ، وعبد الله بن أبى أوفى الأسلمىّ؛ والحارث بن بلال المُزْنِىّ ، وعاصم بن عمرو التميمىّ؛ حتى إذا رضىَ المثنَّى وأخذ حاجَتَه، انجذب خالد فمضى لوجهه وشيَّعه المثنَّى إلى قُراقر ، ثم رجع إلى الحيرة فى المحرّم، فأقام فى سلطانه، ووضع فى المسلحة التى كان فيها على السَّيْب أخاه ، ومكان ضرار بن الخطاب عتيبةَ بن النّهاس، ومكان ضرار بن الأزور مسعوداً أخاه الآخر، وسدّ أماكن كلّ مَن خرج من الأمراء برجالٍ أمثالهم من أهل الغناء، ووضع مذعور بن عدىّ فى بعض تلك الأماكن، واستقام أهل فارس- على رأس سنة من مقدَم خالد الحيرة ؛ بعد خروج خالد بقليل ؛ وذلك فى سنة ثلاث عشرة - على شَهْرَ بَراز بن أردشير بن شهريار ممّن يُناسب (٣) إلى كسرى، ثم إلى سابور . فوجَّه إلى المثنَّى جندًا عظيمًا عليهم هُرْمُز جاذوَيْه ٢١١٦/١ (١) اختلجهم: طوح بهم وأطارهم. (٢) س: ((أعانه به)). (٣) ز: ((تنسب)). ٤١٢ ٢١١٧/١ سنة ١٣ فى عشرة آلاف، ومعه فيل، وكتبت المسالح إلى المثنَّى بإقباله، فخرج المثنّى من الحِيرة نحوه، وضمّ إليه المسالح، وجعل على مجنَّبَتَيْه المُعَنَّى ومسعودًا ابنَى حارثة، وأقام (١)له ببابل، وأقبلَ هُرمز جاذويه، وعلى مجنَّبَتَيْه الكوكبد والخرُ كْبذ . وكتب إلى المثنَّى: من شهر براز إلى المثنَّى؛ إنى قد بعثتُ إليك جندًا من وخش أهل فارس (٢)، إنما هم رُعاة الدّجاج والخنازير؛ ولست أقاتلك إلاّ بهم. فأجابه المثنَّى: من المثنَّى إلى شهر براز؛ إنما أنتَ أحدُ رجليْن: إما باغٍ فذلك شرٌّ لك وخيرٌ لنا، وإمَّا كاذب فأعظم الكذّابين عقوبةٌ وفضيحة عند اللّه فى الناس الملوك . وأمَّا الذى يدلّنا عليه الرأى؛ فإنَّكم إنما اضطررتم إليهم؛ فالحمد لله الذى ردّ كيدكم إلى رعاة الدّجاج والخنازير. فجزع أهلُ فارس من كتابه ، وقالوا : إنما أتِيّ شهر براز من شؤم مولده ولؤم منشئه - وكان يسكن ميسان - وبعض البلدان شَيْنٌ على مَنْ يسكنه. وقالوا له : جرّأت علينا عدوّنا بالَّذى كتبت به إليهم ؛ فإذا كاتبت أحدًا فاستِشْر . فالتقوْا ببابل ، فاقتتلوا بعُدْوة الصَّراة الدّنيا على الطريق الأوّل قتالا شديداً . ثم إن المثنّ وناسًا من المسلمين اعتورُوا الفيل- وقد كان يفرّق بين الصفوف ٢١١٨/١ والكراديس - فأصابوا مقتله، فقتلوه وهزموا أهلَ فارس، واتّبعهم المسلمون يقتلونهم ، حتى جازوا بهم مسالِحَهُمْ، فأقاموا فيها ، وتتبَّع الطلب الفالَّة ؛ حتى انتهوا إلى المدائن؛ وفى ذلك يقول عَبْدة بن الطبيب السعدىّ، وكان عَبْدة قد هاجر لمهاجرة حليلة له حتى شهد وقعة بابل ؛ فلما آيسته رجع إلى البادية ، فقال : - هلِ حَبْلُ خَولَة بَعْدَ البَيْنِ موصولُ أم أنت عنها بَعِيدُ الدارِ مشغولُ!(٣) وللقوى قبل يوم البين تأويل(٤) ولِلِأُحِبْة أيّامٌ تَذَ كَّرُها (١) س: ((وأقاما )). (٢) الوخش : رذال الناس. (٣) من قصيدة مفضلية؛ المفضليات ١٣٥ - ١٤٥ . (٤) تذكرها : تتذكرها أنت. تأويل: علامات تبين لك أن البين سيقع. ٤١٣ سنة ١٣ دُونَ المدائنِ فيها الدِّيكُ والفيلُ حَلَّتْ خُوَيَلةُ فى حَىّ عَهِدَتَهُمُ مِنْهُمْ فوارِسُ، لَا عُزْلٌ ولا مِيلُ(١) يُقارِ عون رءوسَ العُجْم صاحِيَةً القصيدة. وقال الفرزدق يعدّد بيوتات بكر بن وائل وذكر المثنّى وقَتْلَه ٢١١٩/١ الفيل : وَبَيْتُ الْمُثنّى قاتِلِ الفيلِ عَنْوةً بابلَ إذ فى فارِسٍ مُلكُ بَايِلِ(٣) ومات شهر براز منهزم هرمز جاذويه . واختلف أهل فارس ، وبقى ما دون دِجْلة وبُرْس من السَّواد فى يدى المثنّى والمسلمين . * ثم إنّ أهل فارس اجتمعوا بعد شهر براز على دُخْت زنان ابنة كسرى ؛ فلم ينفذ لها أمرٌ فخُلعت . ومُلِّكَ سابور بن شهر براز . قالوا : ولما ملك سابور بن شهر براز قام بأمره الفَرُّخزاذ بن البِنْدَوان، فسأله أن يزوّجه آزَرْمِيدُخْت ابنة كِسْرى، ففعل، فغضبت من ذلك، وقالت: يا بن عمّ ، أتزوّجنى عبدى! قال : استحْيِى من هذا الكلام ولا تعيديه علىّ، فإنَّه زوجُك، فبعثت إلى سياوَخْش الرازىّ - وكان من فتَّاك الأعاجم - فشكَتْ إليه الَّذِى تخاف ، فقال لها : إن كنتِ كارهة لهذا فلا تعاود يه قيه ، وأرسلى إليه وقولى له : فليقل له فليأتك ؛ فأنا أكفيكه . ففعلت وفعل ؛ واستعد سياوَخْش ، فلمَّا كان ليلة العُرْس أقبل الفرُّخزاذ حتى دخلَ ، فثار به سياوَخْش فقتله ومَن معه، ثم نَهَدَ بها معه إلى سابور، فحضرته ثم دخلوا عليه فقتلوه. ومُلّكَتْ آزر ميدخت بنت كسرى ، وتشاغلوا بذلك ؛ وأبطأ خبر أبى بكر على المسلمين فخلّف المثنّى على المسلمين بشير بن الخصاصيَّة ، ووضع مكانه فى المسالح سعيدَ بن مُرّة العِجْلىّ؛ وخرج المثنَّى نحو أبى بكر ليخبره خبر المسلمين والمشركين ، وليستأذنه فى الاستعانة بِمَن قد ظهرت ٢١٢٠/١ (١) العزل: جمع أعزل؛ وهو الذى لا سلاح معه. والميل: جمع أميل؛ وهو السئ الركوب. (٢) ديوانه ٦٦٩ ٤١٤ سنة ١٣ توبتُهُ وندمُه من أهل الرّدة ممن يستطعمه الغزوَ(١)، وليخبره أنه لم يخلق أحدًاً أنشط إلى قتال فارس وحربها ومعونة المهاجرين منهم . فقدم المدينة وأبو بكر مريض، وقد كان مرض أبو بكر بعد مخرج خالد إلى الشأم - مَرْضَتَه التى مات فيها - بأشهر ؛ فقدم المثنَّى وقد أشفى ، وعقد لعمر، فأخبره الخبر ، فقال : علىّ بعمر ، فجاء فقال له : اسمع يا عمر ما أقول لك ، ثم اعمل به ؛ إنَّى لأرجو أن أموتَ من يومى هذا - وذلك يوم الاثنين - فإن أنامتّ فلا تمسينّ حتى تندُب الناس مع المثنَّى، وإن تأخّرتُ إلى الليل فلا تُصْبحنّ حتى تندب الناس مع المثنَّى، ولا تشغلنّكم مصيبة وإنّ عَظُمت عن أمر دينكم، ووصية ربّكم؛ وقد رأيتُنِى (٢) متوفَّى رسولِ اللّه صلَّى الله عليه وسلَّم وما صنعت ، ولم يصّب الخلق بمثله؛ وبالله لو أنَّى أنِى عن أمر رسوله خذلنا ولعاقبَنَا، فاضطرمت المدينة نارًا . وإن فتح اللّه على أمراء الشأم فاردُدْ أصحابَ خالد إلى العراق، فإنَّهم أهُله وولاة أمره وحدّه (٣) وأهل الضّراوة منهم (٤) والجراءة عليهم . ٢١٢١/١ ومات أبوبكر رحمه اللّه مع الليل، فدفنه عمرُ ليلاً، وصلى عليه فى المسجد ، وندب الناس مع المثنَّى بعد ما سُوِّىَ على أبى بكر ، وقال عمر : كان أبو بكر قد علم أنه يَسُوعنى أنْ أؤمّر خالدًا على حرب العراق ؛ حين أمرنى بصرف أصحابى ، وترك ذكره . قال أبو جعفر : وإلى آزر ميدخت انتهى شأن أبى بكر ، وأحدُ شِقَّى السَّوَاد فى سلطانه ، ثم مات وتشاغل أهلُ فارس فيما بينهم عن إزالة المسلمين عن السَّواد ، فيما بين ملك أبى بكر إلى قيام عمر ورجوع المثنَّى مع أبى عبيد إلى العراق ، والجمهور من جُنْد أهل العراق بالحيرة ، والمسالح بالسّيب، والغارات تنتهى بهم إلى شاطئ دِجْلة ، ودجلة حجاز بين العرب والعجم . فهذا حديث العراق فى إمارة أبى بكر من مبتدئه إلى منتهاه . * (١) ز: ((استعظمه العدو)). (٣) ز: ((وجده)). (٢) س: ((رأيتمونى)) . (٤) كذا فى ز، وفى ط: ((بهم)). ٤١٥ سنة ١٣ رجع الحديث إلى حديث ابن إسحاق (١). وكتب أبو بكر إلى خالد وهو بالحيرة ، يأمره أن يمدّ أهلَ الشأم بِمَن معه من أهل القوّة، ويخرج فيهم ، ويستخلف على ضَعَفَة النَّاس رجلا منهم ؛ فلمَّا أتى خالدًا كتابُ أبى بكر بذلك ، قال خالد: هذا عمل الأعيسر بن أمّ شَمْلَة - يعنى عمر ابن الخطاب - حسدنى أن يكون فتْح العراق على يدىّ. فسار خالد بأهل القوّة من الناس وردّ الضعفاء والنّساء إلى المدينة؛ مدينة رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وأمّر عليهم عُمير بن سعد الأنصارىّ ، واستخلف خالد على مَن أسلم بالعراق من ربيعة وغيرهم المثنَّى بن حارثة الشيبانيّ . ثم سار حتى نزل على عَيْن التَّمْر، فأغار على أهلها، فأصاب منهم ، ورابط حِصْنًا بها فيه مقاتلةٌ كان كسرى وضعهم فيه حتى استنزلهم ، فضرب أعناقهم، وسَبَى من عَيْن الشَّمْر ومن أبناء تلك المرابطة سبايا كثيرة، فبعث بها إلى أبى بكر ؛ فكان مِن تلك السَّبَايا أبو عَمْرة مولى شبّان؛ وهو أبو عبد الأعلى بن أبى عمرة ، وأبو عبيدة مولى المعلَى، من الأنصار من بنى زُريق ، وأبو عبد الله مولى زُهرة، وخَيْر مولى أبى داود الأنصارىّ ثم أحد بنى مازن بن النَّجار ، ويَسار وهو جدّ محمد بن إسحاق مولى قيس بن مَخْرمة بن المطَّب بن عبد مناف ، وأفلح مولى أبى أيوب الأنصارىّ ثم أحد بنى مالك بن النَّجار ، وحُمران ابن أبان مَوْلى عثمان بن عفان. وقَتَّل خالد بن الوليد هلال بن عَقّة ابن بشر النّمَرَىّ وصلَبه بعين التّمر، ثم أراد السَّر مفوّزًا من قُراقر - وهو ماء لكلب إلى سُوَى ، وهو ماء لبهراء بينهما خمس ليال فلم يهتدٍ خالد الطريق، فالتمس دليلا ، فدُلّ على رافع بن عميرة الطائيّ ؛ فقال له خالد : انطلق بالنَّاس ، فقال له رافع: إنَّك لن تطيق ذلك بالخيل والأثقال؛ والله إنّ الراكب المفرد ليخافُها على نفسه وما يسلكها إلا مغرّرًا؛ إنها لخمس ليال جياد لا يُصاب فيها ماء مع مَضَلَّتها ، فقال له خالد : ويحك! إنه واللّه إنْ لى بدٌّ من ذلك، إنه قد أتتنى من الأمير عَزْمة بذلك، فمرْ بأمرك(٢). قال: استكثروا من الماء؛ مَنِ استطاع منكم أن يصرّ أذن ناقته على ماء فليفعل؛ (١) انظر أول الحديث ص ٤٠٥. (٢) س: ((فمرنا أمرك)). ٢١٢٢/١ ٢١٢٣/١ ٤١٦ سنة ١٣ فإنها المهالك إلا ما دفع اللّه؛ ابْغنِى عشرين جَزوراً عظامًا سمانًا مَسانًّ.(١) فأتاه بهنّ خالد، فعمد إليهنّ رافع فظماً هن، حتى إذا أجهدهنّ عطشاً أوردهنّ فشربن حتى إذا تمَّلأن (٢) عمد إليهنّ، فقطع مشافرهنّ ، ثم كتَعمهنّ لئلا يجتررن، ثم أخلى أدبارهنّ. ثم قال الخالد: سر؛ فسار خالد معه مُغِذًا بالخيول والأثقال؛ فكُلَّمَا نزل منزلا افتظّ (٣) أربعا من تلك الشَّوارف؛ فأخذ ما فى أكراشها، فسقاه الخيل ؛ ثم شرب الناس مما حملوا معهم من الماء ؛ فلما خشىَ خالد على أصحابه فى آخر يوم من المفازة قال لرافع بن عميرة وهو أرمد : ويحك يا رافع ! ما عندك؟ قال أدركتَ الرِّىّ إن شاء اللّه؛ فلمَّا دنا من العلميْن، قال للناس: انظروا هل ترون شُجيرة من عَوْسج كقِعْدة الرجل ؟ قالوا: ما نراها. قال: إنَّا لله وإنا إليه راجعون! هلكتم واللّه إذاً وهلكتُ؛ لا أبالكم! انظروا، فطلبوا فوجدوها قدقطعت وبقيت منها بقيَّة، فلمَّا رآها المسلمون كبّروا وكبّر رافع بن عميرة ؛ ثم قال : احفروا فى أصلها ، فحفروا فاستخرجوا عينًا ، فشربوا حتى رَوِىَ النَّاس ، فاتّصلتْ بعد ذلك لخالد المنازل ، فقال رافع : والله ما وردتُ هذا الماءَ قط إلا مّرةً واحدة ، وردته مع أبى وأنا غلام ، فقال شاعر من المسلمين : ٢١٢٤/١ الله عَيْنا رافِعِ أَنّى اهْتَدَى(٤) فَوْزَ من ◌ُراقرٍ إلى سُوَى! خمساً إذا ما سارها الجيشُ بكى(٥) ما سارها قَبْلك إنسىّ يُرَى(٦) فلمَّاً انتهى خالد إِلى سُوَى، أغار على أهله - وهم بتَهْراء - قبيل الصُّبْح، وناس منهم يشربونَ خَمْرًا لهم فى جَفْنة قد اجتمعوا عليها ، ومغنیھم يقول : لعلّ منايانا قريب وما نَدْرِى ألا علّانی قبل جيش أبى بكرٍ (١) ز: ((مشارف)). (٢) ز: ((تملأت)). (٣) افتظها : عصر ماء كروشها . (٤) ياقوت ٥: ١٥٧، وروايته: ((اللّه در رافع)). (٥) ياقوت: ((سارها الجبس)). (٦) ياقوت: ((من قبلها إنس يرى)). ٤١٧ سنة ١٣ عَلَىَّ كُمَيْتَ اللونِ صافيةٌ تَجْرِى ألا علّلانى بالزّجاج وكرِّرا تُلِّى همومَ النفس من جِيِّدِ الحمرِ ألا علّلانى من سُلافة قهوةٍ ستطرُ قُكُمْ قبل الصََّاحِ مِن الْبِشْرِ(١) أظُنُّ خيول المسلمين وخالدًا وقبل خروج المعصراتِ من الخِذر (٣)! فهل لكُمُ فى السير قبل قتالهم ٢١٢٥/١ فيزعمون أن مغنّيَهم ذلك قتل تحت الغارة ، فسال دمُه فى تلك الجفنة . ثم سار خالدٌ على وجهه ذلك ، حتى أغار على غَسَّان بمرْج راهط ، ثم سار حتى نزلَ على قناة بُصْرَى ، وعليها أبو عبيدة بن الجراح وشُرَ حْبيل بن حَسَنَة ويزيد بن أبى سفيان ؛ فاجتمعوا عليها ، فرابطوها حتى صالحت بُصرى على الجِزْية، وفتحها اللّه على المسلمين، فكانتْ أوّلَ مدينة من مدائن الشأم فتحت فى خلافة أبى بكر . ثم ساروا جميعًا إلى فلسطين مددًا لعمرو بن العاص، وعمرو مقيم بالعرباتِ مِنْ غَوْر فلسطين ، وسمعت الرُّوم بهم، فانكشفوا عن جِلِّق إلى أجْنادين؛ وعليهم تَذَارق أخُو هِرَقْل لأبيه وأمَّه ــ وأجنادين بلد بين الرّمْلة وبيت جَبْرين من أرض فلسطين - وسار عمرو بن العاص حين سمع بأبى عبيدة بن الجرّاح وشُرَّحْبيل ابن حَسَنَة ويزيد بن أبى سفيان حتى لقيتَهم ، فاجتمعوا بأجنادين ؛ حتى عسكروا عليهم . حدّثنا ابنُ حُميد ، قال : حدّثنا سَلَمة ، عن محمد بن إسحاق ، عن محمد بن جعفر بن الزّبَير ، عن عروة بن الزبير ، أنَّه قال : كان على الرّوم رجل منهم يقال له القُبُقْلار ؛ وكان هِرَقل استخلفه على أمَرَاء الشأم حين سار إلى القسطنطينية، وإليه انصرف تذَارق بمنْ معه من الروم . فأمّا علماء الشأم فيزعمون أنّما كان على الرّوم تتذارِقٍ. والله أعلم . حدّثنا ابنُ حميد ، قال : حدّثنا سلمة ، عن محمّد بن إسحاق ، عن محمّد بن جعفر بن الزبير ، عن عروة ، قال : لما تدانى العسكران بعث (١) النويرى وابن الأثير: ((مع النسر)). (٤) المعصر: الجارية التى راهقت العشرين. ٤١٨ سنة ١٣ ٢١٢٦/١ القُبُقْلار رجلاً عربيًا - قال: فحدّثت أنّ ذلكَ الرجل رجلٌ من قضاعة، من تزيد بن حَيْدَان، يقال له ابن هزارف - فقال: ادْخُل فى هؤلاء القوم فأقم فيهم يومًا وليلة ، ثم اثنى بخبرهم. قال : فدخل فى النَّاس رجلٌ عربىّ لا ينكّر؛ فأقام فيهم يومًا وليلة ، ثم أتاه فقال له : ما وراءك ؟ قال : بالليل رهبان ، وبالنهار فرسان ، ولو سَرَق ابنُ ملكهم قطعوا (١) يده ، ولو زنی رُجِم؛ لإقامة الحقّ فيهم. فقال له القبقلار: لئن كنتَ صدقتِى لَبَطنُ الأرض خيْرٌ من لقاء هؤلاء على ظهرها(٢)، ولودِدْتُ أنّ حظى من اللّه أن يخلّىّ بينى وبينهم، فلا ينصرنى عليهم، ولا ينصرُهم علىّ. قال : ثم تزاحف النَّاس ، فاقتتلوا ، فلما رأى القُبُقْلار ما رأى من قتال المسلمين ؛ قال للروم : لفُّوا رأسى بثوب ، قالوا له : لِمَ؟ قال: يوم البئيس، لا أحبّ أن أراه! ما رأيت فى الدُّنيا يومًا أشدّ من هذا! قال: فاحتزَّ المسلمون رأسته ، وإنّه لملفَّف. وكانت [وقعة] (٣) أجنادين فى سنة ثلاث عشرة لليلتيْن بقِيتًا من جُمادى الأولى . وقتل يومئذ من المسلمين جماعةٌ ؛ منهم سلمة بن هشام ابن المغيرة ، وهّبار بن الأسود بن عبد الأسد، ونعيم بن عبد الله النحَام ، وهشام بن العاصى بن وائل، وجماعة أخَرَ من قُريش . قال : ولم يسم لنا من الأنصار أحدٌ أصيب بها . وفيها تُوُفِّىّ أبو بكر لثمانٍ ليالٍ بقينَ - أو سبع بقينَ -من جُمَادى الآخرة . ٢١٢٧/١ رجع الحديث إلى حديث أبى زيد ، عن على بن محمد بإسناده الذى قد مضى(٤) ذكره . قال: وأنّ خالدٌ دمشقَ فجمع له صاحِب بصرى ، فسار إليه هو وأبو عبيدة ؛ فلقيتهم أدرنجا ، فظفِر بهم . وهزمهم ؛ فدخلوا حصنتهم ؛ وطلبوا الصُّلْح، فصالحهم على كلّ رأس دينار فى كلِّ عام وجريب حنطة. ثم رجع العدوّ للمسلمين، فتوافَتْ جنود المسلمين والرُّوم (١) ز: ((قطعت)). (٣) من ز وابن كثير. (٢) ز: ((ظهورها)). ( ٤ ) انظر أول خبر أبى زيد ص ٤٠٦. ٤١٩ سنة ١٣ بأجنادين ، فالتقَوْا يوم السبت لليلتين بقيتا من جمادى الأولى سنة ثلاث عشرة ؛ فظهر المسلمون ، وهزم الله المشركين ، وقتل خليفة هِرَقل ، واستشهد رجالٌ من المسلمين ؛ ثم رجع هِرَقْل للمسلمين، فالتقوا بالواقوصة فقاتلوهم ؛ وقاتلهم العدوّ ، وجاءتهم وفاة أبى بكر وهم مصافُّون وولاية أبى عبيدة، وكانت هذه الوقعة فى رجب . [ ذكر «رض أبى بكر ووفاته ] حد ◌ّثنی أبو زيد؛ عن على بن محمد، بإسناده الذى قد مضی ذ کره ؛ قالوا: تُؤُفِّى أبو بكر وهو ابن ثلاث وستين سنة فى جمادى الآخرة يوم الاثنين لثمان بقين منه . قالوا : وكان سبب وفاته أنّ اليهود سَمَّتْه فى أرُزّة، ويقال فى جذيذة ، وتناول معه الحارث بن كلدة منها ، ثم كَفّ وقال لأبى بكر : أكلتَ طعامًا مسمومًا سمّ سنة . فمات بعد سنة، ومرض خمسة عشر يومًا ، فقيل له : لو أرسلت إلى الطبيب ! فقال : قد رآنى ، قالوا : فما قال لك ؟ قال : إنّى أفعل ما أشاء . ٢١٢٨/١ قال أبو جعفر : ومات عتّاب بن أسيد بمكّة فى اليوم الذى مات فيه أبو بكر - وكانا سُمّاً جميعًا - ثم ماتَ عَتَّاب بمكة . وقال غیر من ذكرت فى سبب مرض أبى بكر الذى توفى فيه ، ما حد ◌ّثنی الحارثُ ، قال : حدّثَنَا ابنُ سعد، قال : أخبرنا محمد بن عمر، قال : حدّثنى أسامة بن زيد الليْىّ ، عن محمد بن حمزة ، عن عمرو ، عن أبيه ، قال. وأخبرنا محمَّد بن عبد اللّه، عن الزُّهرىّ، عن عروة، عن عائشة ، قال. وأخبرنا عمر بن عمران بن عبد الله بن عبد الرحمن بن أبى بكر الصديق ، عن عمر بن الحسين مولى آل مظعون ، عن طلحة بن عبد الله بن عبد الرحمن ابن أبى بكر ، قالوا : كان أوّل ما بدأ مرضُ أبى بكر به أنَّه اغتسلَ يوم الاثنين لسبع خَلَوْن من جمادى الآخرة، وكان يومًا باردًا فَحُمّ خمسة عشر يومًا لا يخرج إلى الصلاة ؛ وكان يأمر عمر بن الخطاب أن يُصَلِّى بالنَّاس ؛ ويدخل الناس يعودونه ؛ وهو يَشْقل كلّ يوم ، وهو نازل فى داره ٤٢٠ سنة ١٣ التى قطع له رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم وِجَاه (١) دار عثمان بن عفان اليوم ، وكان عثمان ألزمهم له فى مرضه ؛ وتوفى أبو بكر مُسْىَ ليلة الثلاثاء؛ لثمان ليال بقين من جمادى الآخرة سنة ثلاث عشرة من الهجرة . وكانت خلافتُهُ سنتَيْن وثلاثة أشهر وعشر ليال . قال : وكان أبو مَعْشَر يقول : كانت خلافته سنتين وأربعة أشهر إلا أربع ليال ، فتُوُفِّىَ ، وهو ابن ثلاث وستين سنة ؛ مجتمعٌ على ذلك فى الروّايات كلِّها، استوفى سنّ النبى صلى الله عليه وسلم ، وكان أبو بكر وُلد بعد الفيل بثلاث سنين (٢). حدّثنا ابنُ حميد ، قال حدّثنا جرير ، عن يحيى بن سعيد ، قال : قال سعيد بن المسيّب: استكمل أبو بكر بخلافته سنَّ رسول اللّه صلَّى اللّه عليه وسلَّم ، فتوفِّىَ وهو بسنّ النبى صلى اللّه عليه وسلم . ٢١٢٩/١ حدّثنا أبو كُرَيب ، قال : حدثنا أبو نُعيم ، عن يونس بن إسحاق ، عن أبى السَّفَر، عن عامر ، عن جرير ، قال : كنت عند معاوية فقال: تُوفِّىَ النَّبِىّ صلَّى الله عليه وسلّم وهو ابنُ ثلاث وستين سنة، وتوفّىَ أبو بكر وهو ابن ثلاث وستين سنة ، وقتل عمر وهو ابن ثلاث وستين سنة . وحد ثنا أبو الأحوص ، عن أبى إسحاق ، عن عامر بن سعد(٣) ، عن جرير، قال : قال معاوية: قُبِض رسولُ الله صلَّى الله عليه وسلَّم وهو ابن ثلاث وستين ، وقُتِل عمر وهو ابن ثلاث وستين، وتُوُفِّىَ أبو بكر وهو ابن ثلاث وستين . وقال علىّ بن محمد فى خبره الذى ذكرت عنه : كانت ولاية أبى بكر سنتين وثلاثة أشهر وعشرين يومًا ، ويقال : عشرة أيام . L # : (٢) طبقات ابن سعد . ٣ : ٢٠٢ (١) وجاه ، أى تجاه. (٣) ط: ((سعيد))، وانظر التصويبات.