النص المفهرس

صفحات 381-400

سنة ١٢
٣٨١
مُصَيَّخ بنى البَرْشاء:
قالوا : ولمَّا انتهى الخبرُ إلى خالد بمصاب أهلِ الخُصيد وهرب أهل
الخَنافس كتب إليهم ، ووعد القعقاعَ وأبا ليلى وأعبد وعروة ليلة وساعة
يجتمعون فيها إلى المصيَّخ - وهو بين حَوْران والقَلْت - وخرج خالد من
العين قاصدًا للمصَيَّخ على الإبل يجنّب الخيل، فنزل الجناب فالبردان ٢٠٧٠/١
فالحِنْى، واستقلّ من الحِنْى ؛ فلمَّا كان تلك الساعة من ليلة الموعد
اتفقوا جميعاً بالمَصَيَّخ، فأغاروا على الهُذَيَل ومَن معه ومن أوى إليه؛ وهم
نائمون من ثلاثة أوجه ، فقتلوهم. وأفلت الهُذَيَل فى أناس قليل؛ وامتلأ الفضاء
قَتْلى، فما شبَّهوا بهم إلاّ غنمًا مصرَّعة ؛ وقد كان حُرْقوص بن النّعمان
قد محضهم النّصح ، وأجاد الرأى ، فلم ينتفعوا بتحذيره ، وقال حرقوص بن
النّعمان قبل الغارة :
· ألا سَقّيانى قبلَ خيلٍ أبى بكر (١).
الأبيات . وكان حرقوص معرِّسًا بامرأة من بنى هلال تُدعى أمّ تغلب ،
فقتلت تلك الليلة، وعبادة بن البشر وامرؤ القيس بن بشر وقيس بن بشر؛
وهؤلاء بنو الثَّوريَّة من بنى هلال. وأصاب جرير بن عبد الله يوم المتَصَيَّخ
من النَّمِرِ عبدَ العزّى بن أبى رُهْم بن قِرْ واش أخا أوس مناة، من النَّمِرِ،
وكان معه ومع لبيد بن جرير كتاب من أبى بكر بإسلامهما ، وبلغ أبا بكر
قول عبد العزّى؛ وقد سماه ((عبد الله)) ليلة الغارة ، وقال:
( سبحانك اللهمَ ربَّ محمد.
فوداه وودی لبیدا ۔۔ و کانا أصيبا فى المعركة - وقال : أما إنّ ذلك ليس
علىَّ إذ نازلا أهل الحرب ؛ وأوصى بأولادهما ، وكان عمر يعتدّ على خالد
بقتلهما إلى قتل مالك - يعنى ابن نويرة - فيقول أبو بكر: كذلك يلقى من ٢٠٧١/١
ساكن أهل الحرب فی دیارهم . وقال عبد العُزّى :
أقول إذ طَرَقَ الصباحُ بِغارةٍ: سبحانك اللهمّ رَبَّ محمد
(١) ابن حبيش: ((فاسقيانى)).

٣٨٢
سنة ١٢
سبحان رَبِىَ لا إله غَيْرُه رَبِّ البلاد وربٍّ من يَتَوَرَّهُ(١)
كتب إلىّ السرىّ، عن شُعيب، عن سيف ، عن عطية ، عن عدى بن
حاتم ، قال : أغرنا على أهل المُصَيَّخ، وإذا رجلٌ يُدعى باسمه حُرْقوص
ابن النعمان، من النَّمِر(٢)، وإذا حوله بنوه وامرأته، وبينهم جَقْنة من خَمْر؛
وهم عليها عكوف يقولون له : ومن يشرب هذه الساعة وفى أعجاز الليل !
فقال : اشربوا شُرْب ودَاع ، فما أرى أن تشربوا خمرًا بعدها ، هذا خالد
بالعين وجنوده بحُصَيد ، وقد بلغه جمعُنا وليس بتاركنا ؛ ثم قال :
بُعَيْدَ انْتِفِاخ القومِ بالعكَرِ الدَّثْرِ
ألا فاشر بوا من قبل قاصمة الظهرِ
لِحِينٍ لَعَمْرِى لا يزِيدُ ولا يَخْرِى(٣)
وقبلَ مَنايانا المُصِيبَةِ باقَدْرِ
٢٠٧٢/١
فسبق إليه وهو فى ذلك فى بعض الخيل، فضرب رأسه، فإذا هو فی جفنته،
وأخذنا بناته وقتلنا بنيه .
...
الشَّيّ والزُّمَيْل
وقد نزل ربيعة بن بُجَير التغلبِىّ الشَّنىّ والبشر غضبًا لعقّة، وواعد
رُوُزْبه وزَرْمِهِر والهُديل . فلمَّا أَصاب خالد أهل المُصَيَّخ بما أصابتهم
به ، تقدّم إلى القعقاع وإلى أبى ليلى ، بأن يرتحلا أمامه، وواعدهما اللَّيلة
ليفترقوا فيها للغارة عليهم من ثلاثة أوجه ؛ كما فعل بأهل المُصَيَّخ . ثم خرج
خالد من المُصَّيَّخ، فنزل حَوْران، ثمّ الرّنْق، ثم الحَمَاة - وهى اليوم
لبنى جُنادة بن زهير من كلْب - ثم الزُّمَيَل؛ وهو البِشْر والثَّنِىّ معه -
وهما اليوم شرقىّ الرُّصافة - فبدأ بالثَّنِىّ، واجتمع هو وأصحابه ، فبيَّتَه من
ثلاثة أوجه بياناً ومن اجتمع له وإليه ، ومن تأشَّب لذلك من الشَّبان ؛ فجرّدُوا
فيهم السيوف ، فلم يُفْلِتْ من ذلك الجيش مخير ، واستَبِ الشَّرْخ،
وبعث بخُمْس اللّه إلى أبى بكر مع النُّعمان بن عوف بن النعمان الشيبانىّ ،
وقسّمَ النَّهْب والسّبَايا ، فاشترى علىّ بن أبى طالب عليه السلام بنتَ ربيعة
(١) س وابن حبيش: ((يتودد))، ب: ((يتمرد))، وفى البيت إقواء.
(٢) ابن كثير: ((المرى))، وفى ص ٤٠٧ ش ٣ من هذا الجزء: ((البهرانى)).
.(٣) يحرى: ينقص.

سنة ١٢
٣٨٣
ابن بُجير التغلِىّ، فاتّخذها؛ فولدت له عمر ورُقيّة، وكان الهذيل حين نجا ٢٠٧٣/١
أوى إلى الزُّمَيْل ، إلى عتَّب بن فلان؛ وهو بالبِشْر فى عسكر ضخم ؛
فبيّتهم بمثلها غارةً شَعْواءَ من ثلاثة أوجه سبقت إليهم الخبر عن ربيعة ،
فقتل منهم مقتلة عظيمة لم يُقْتَلُوا قبلها مثلها ؛ وأصابوا منهم ما شاءوا، وكانت
على خالد يمين: ((ليبغَتَنّ تَغْلِبَ فى دارها))؛ وقسم خالد فيئَهُم فى الناس،
وبعث بالأخماس إلى أبی بکر مع الصباح بن فلان المزنى ، وكانت فی الأخماس
ابنة مُؤْذِن النَّمَرَىّ؛ وليلى بنت خالد، وريحانة بنت الهذيل بن هبيرة. ثم عطف
خالد من البِشْر إلى الرُّضاب؛ وبها هلال بنُ عَقَّة، وقد ارفضَّ عنه أصحابُه
حین سمعوا بدنوّ خالد ؛ وانقشع عنها هلال فلم یاق کیدًا بها .
٠ ٠
حديث الفِرَاض
ثم قصد خالدٌ بعد الرُّضاب وبغتتِه تغلب إلى الفراض - والفراض: تخوم.
الشأم والعراق والجزيرة - فأفطر بها رمضان فى تلك السّفْرة التى اتّصلت له
فيها الغزَوات والأيّام، ونُظمنَ نظمًا، أكثرَ فيهنّ الرُّجّاز إلى ما كان قبل
ذلك منهن .
٢٠٧٤/١
کتب إلى السرىّ، عن شعیب، عن سیف، عن محمد وطلحة - وشاركهما
عمرو بن محمد ؛ عن رجل من بنى سعد ، عن ظَفَرَ بن دهى - والمهلّب بن
عُقْة ، قالوا : فلمّا اجتمع المسلمون بالفراض ، حمِيَت الرّوم واغتاظت،
واستعانوا بِمَن يليهم من مَسالح أهلِ فارس، وقد حَمُوا واغتاظوا واستمدُّوا
تَغْلِب وإياد والنَّمِرِ ؛ فأمدُوهم ؛ ثم ناهدوا خالدًا؛ حتى إذا صار الفرات
بينهم ، قالوا: إما أن تعبرُوا إلينا وإمّا أن نعبُر إليكم . قال: خالد :
بل اعبروا إلينا، قالوا: فتنحَّوْا حتى نعبُر ؛ فقال خالد: لا نفعل ؛ ولكن
اعبُرُوا أسفَل منّا . وذلك للنّصْف من ذى القعدة سنة اثنى عشرة . فقالت
الرّوم وفارس بعضُهم لبعض : احتسبوا ملككم ؛ هذا رجل يقاتل على
دين ، وله عقل وعلم، ووالله ليُنْصَرَنَّ ولَنُخْذَلَنَّ. ثم لم ينتفعوا بذلك؛
فعبروا أسفلَ من خالد ؛ فلما تتامُوا قالت الروم : امتازوا حتى نعرِف
اليوم ما كان من حَسَنٍ أو قبيح ؛ من أيُّنا يجىء ! ففعلوا ، فاقتتلوا قتالاً .

٣٨٤
سنة ١٢
شديداً طويلاً. ثم إنّ اللّه عزّ وجلّ هزمهم، وقال خالد للمسلمين: ألحُوا
عليهم ولا تُرَفّهوا(١) عنهم ؛ فجعل صاحب الخيل يحشر منهم الزُّمْرة برماح
أصحابه ، فإذا جمعوهم قتلوهم ، فقتل يوم الفراض فى المعركة وفى الطلب
مائة ألف ، وأقام خالد على الفِرَاض بعد الوقعة عشرا ، ثم أذن فى القفْل إلى
٢٠٧٥/١ الحيرة لخمس بقين من ذى القعدة ؛ وأمر عاصم بن عمرو أن يسير بهم ؛
وأمر شجرة بن الأعزّ أن يسوقهم ، وأظهر خالد أنه فى السّاقة .
ححة خالد.
قال أبو جعفر : وخرج خالدٌ حاجًا من الفراض لخمس بقين من
ذى القعدة ، مكتتمًا بحجته، ومعه عدّةٌ من أصحابه؛ يعتسف (٢)البلاد
حتى أتى مكَّة بالسَّمْت (٣)، فتأتَّى له من ذلك مالم يتأتَّ لدليل ولا رئبال ،
فسار طريقًا من طُرق أهل الجزيرة، لم يُرَ طريقٌ أعجبُ منه ؛ ولا أشدّ
على صعوبته منه ، فكانت غيبته عن الجند يسيرة؛ فما تَوَافى إلى الحيرة آخرهم
حتى وافاهم (٤) مع صاحب السَّاقة الَّذى وضعه. فقدما معًا ؛ وخالد وأصحابه
مخلَّقون؛ لم يعلَم بحجّه إلا مَنْ أفضى إليه بذلك من السَّاقة ، ولم يعلم أبو بكر
رحمه الله بذلك إلاّ بعد ، فعتب عليه . وكانت عقوبته إيّاه أن صرفه إلى
الشأم . وكان مسيرُ خالد من القراض أن استعرض البلاد متعسفًا متسمّتًاً ،
٢٠٧٦/١ فقطع طريق الفراض ماءَ العنبرىّ، ثم مِثْقَبًا، ثم انتهى إلى ذات عِرْق،
فشرّق منها ، فأسلمه إلى عَرَفات من الفراض، وسُمَّىَ ذلك الطريق الصَّدّ؛
ووافاه كتاب من أبى بكر (٥) منصرفه من حجه بالحيرة يأمره بالشأم ؛ يقاربه
ويباعده
قال أبو جعفر : قالوا : فوافى خالدًا كتابُ أبى بكر بالحيرة ، منصرفه
من حجّه : أن سِرْ حتَّى تأتى جموعَ المسلمين باليرموك ، فإنهم قد شجُوا
(١) ز: ((ترفعوا))
(٢) اعتسف الطريق ؛ إذا قطعه دون صوب توخاه فأصابه
(٣) السمت : السير على الطريق بالظن
(٤) س: ((توافاهم)).
(٥) ز: ((كتاب أبى بكر
٤)

٣٨٥
سنة ١٢
وأشجوا؛ وإيّاك أن تعودَ لمثل ما فعلت؛ فإنَّه لم يُشْجِ الجموعَ من الناس
بعون الله شجاك، ولم يتزِع (١) الشجى من الناس نَزْعَك ؛ فليهنئك
أباسليمان النِّيّة (٢) والحُظْوة؛ فَأَتْمِمْ يتمم الله لك (٣)، ولا يدخلنَّك عُجْب
فتخسر وتخْذَل، وإيّاك أن تُدِلَ بعمل، فإنّ اللّه له المنّ، وهو ولىّ الجزاء.
كتب إلىّ السرىّ، عن شُعيب ، عن سيف؛ عن عبد الملك بن عطاء بن
البكائى، عن المقطّع بن الهيثم البكّائى، عن أبيه، قال: كان أهل الأيَّام من أهل
الكوفة يُوعدون معاوية عند بعض الَّذى يبلغهم ، ويقولون : ما شاء معاوية !
نحن أصحاب ذات السلاسل . ويُسمُّون ما بينها وبين الفراض ما يذكرون
ما كان بعدُ احتقارًا لما كان بعد فيما كان قبل .
وحدثنى عمر بن شبّة، قال : حدّثنا علىّ بن محمد بالإسناد الذى
قد مضى ذكرُه، أن خالد بن الوليد أتى الأنبارَ فصالحوه على الجلاء، ثم ٢٠٧٧/١
أعطوْه شيئًا رضى به ، وأنه أغار على سوق بغداد من رُسْتاق العال ، وأنه
وجَّه المثنَّى فأغار على سوق فيها جَمْع لقُضاعة وبكْر ، فأصاب ما فى
السُّوق، ثم سار(٤) إلى عين الثَّمر ، ففتحها عَنْوة ، فقتل وسَى ، وبعث
بالسَّبِى إلى أبى بكر ، فكان أوّلَ سبى قدم المدينة من العجم ؛ وسار إلى دُومة
الجندل ، فقتل أكيدر ، وسبى ابنة الجودّى ، ورجع فأقام بالحيرة .
هذا كلّه سنة اثنتى عشرة .
وفيها تزوّج عمر رحمه الله عاتكة بنت زيد .
وفيها مات أبو مرثَد الغنوىّ .
وفيها مات أبو العاصى بن الربيع فى ذى الحجة ؛ وأوصى إلى الزبير ،
وتزوج علىّ عليه السلام ابنته
وفيها اشترى عمر أسلم مولاه .
(١) س: ((ولن تزع)).
(٣) ز: ((فأتمم ينعم الله))
(٢) ابن حبيش: ((النعمة)).
(٤) ص: ((صار)).

٣٨٦
سنة ١٢
واختلف فيمن حجّ بالناس فى هذه السنة ، فقال بعضهم : حجّ بهم فيها
أبو بكر رحمه الله .
ذكر من قال ذلك :
حدّثنا ابنُ حُميد، قال: حدثنا سلمة ، عن ابن إسحاق ، عن
العلاء بن عبد الرحمن بن يعقوب، مولى الحُرقة، عن رجل من بنى سَهْم،
عن ابن ماجدة السَّهمىّ، أنه قال : حجّ أبو بكر فى خلافته سنة اثنتى
عشرة، وقد عارمتُ(١) غلامًا من أهلى، فعضّ بأذنى فقطع منها - أو عضضتُ"
بأذنه فقطعت منها - فرُفع شأننا إلى أبى بكر ، فقال : اذهبوا بهما إلى عمر
فلينظر، فإن كان الجارح قد بلغ فليُقِدْمنه. فلما انتهى بنا إلى عمر رضى
٢٠٧٨/١٠ اللّه عنه، قال: لَعَمْرِى لقد بلغ هذا! ادعوا لى حجَّاماً. قال: فلمّا
ذكر الحجام ، قال : أما إنّى قد سمعتُ النَّبِىّ صلى الله عليه وسلم يقول :
قد أعطيت خالتى غلامًا، وأنا أرجو أن يبارك اللّه لها فيه ، وقد نهيتُها أن
تجعله حجَّامًاً أو قصّابا أو صائغًا ؛ فاقتصّ منه .
وذ کر الواقدى ، عنعثمان بن محمد بن عبيد الله بن عبدالله بن عمر، عن
أبى وَجْزة يزيد بن عبيد، عن أبيه ، أنّ أبا بكر حجّ فى سنة اثنتى عشرة ،
واستخلف على المدينة عثمان بن عفان رحمه الله .
٠
٠
وقال بعضهم : حجّ بالناس سنة اثنتى عشرة عمر بن الخطاب .
* ذكر من قال ذلك :
حدّثنا ابنُ حُميد، قال : حدّثنا سلمة، عن ابن إسحاق ، قال :
بعضُ النَّاس يقول: لم يحجّ أبو بكر فى خلافته، وإنه بعَث سنة اثنتى عشرة
على الموسم عمر بن الخطاب ، أو عبد الرحمن بن عوف .
(١) عارمت؛ قال صاحب اللسان: ((أى خاصمت وفاتنت)).

ثم دخلت سنة ثلاث عشرة
ذكر الخبرعما كان فيها من الأحداث
ففيها وَجَّه أبو بكر رحمه الله الجيوشَ إلى الشأم بعد منصرفه من مكَّة إلى
المدينة .
حدّثنا ابنُ حميد ، قال : حدّثنا سلمة ، عن محمَّد بن إسحاق ، قال
لما قَفَل أبو بكر من الحجّ سنة اثنتى عشرة جهز الجيوش إلى الشأم، فبعث
عمرو بن العاص قِبَلَ فلسْطِين، فأخذ طريق المُعْرِقة على أبْلَة، ٢٠٧٩/١
وبعث يزيد بن أبى سفيان وأبا عبيدة بن الجرَّاح وشُرْحبيل بن حسنة
- وهو أحد الغَوْث - وأمرهم أن يسلكوا التَّبُوكيَّة على البلقاء من عَلْياء
الشأم .
وحدثنى عُمر بن شبَّة، عن على بن محمد بالإسناد الذى ذكرت قبلُ،
عن شيوخه الّذين مضى ذكرهم، قال: ثم وجَّه أبو بكر الجنودَ إلى الشَّام
أوّل سنة ثلاث عشرة ، فأوّل لواء عقده لواءُ خالد بن سعيد بن العاصى ،
ثم عزله قبل أن يسير ، وولَّى يزيدَ بن أبى سفيان ، فكان أوّل الأمراء الذين
خرجوا إلى الشأم ، وخرجوا فى سبعة آلاف .
قال أبو جعفر : وكان سببُ عزل أبى بكر خالد بن سعيد - فيما ذُكِر-
ما حدّثنا ابنُ حُميد، قال: حدثنا سلمة ، عن ابن إسحاق ، عن عبد الله
ابن أبى بكر ؛ أنّ خالدَ بن سعيدلمّا قَدم من اليمن بعد وفاة رسول الله صلَّى
الله عليه وسلَّ؛ تربَّص ببيعته شهريْن، يقول: قد أمَّرْنِى رسولُ الله صلّى الله
عليه وسلَّم ، ثم لم يعزلنى حتى قَبَضه الله. وقد لقى علىّ بن أبى طالب وعثمان
ابن عفان ؛ فقال : يا بنى عبد مناف ؛ لقد طيبتتم نفسًا عن أمركم يليه غير كم !
فأمّا أبو بكر فلم يحفِلْها(١) عليه، وأمَّا عمر فاضطغنها عليه. ثم بعث أبو بكر
(١) ابن الأثير: ((لم يحقدها)).
٣٨٧

٣٨٨
سنة ١٣
الجنود إلى الشأم ، وكان أوّل من استعمل على رُبْعِ منها خالد بن سعيد ،
فأخذ عمر يقول : أتؤمّره وقد صنع ما صنع وقال ما قال ! فلم يزل بأبى بكر
١/ ٢٠٨٠ حتى عزله، وأمَّر يزيد بن أبى سفيان ..
كتب إلىَّ السرىّ ، عن شعيب ، عن سيف، عن مبشر بن فُضَيل،
عن جُبَير بن صخر حارس النبيّ صلَّى الله عليه وسلم ؛ عن أبيه ، قال :
كان خالدُ بن سعيد بن العاصى باليمن زمنَ النبيّ صلَّى اللّه عليه وسلّم، وتوقّىَ
النبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم وهو بها ، وقدم بعد وفاته بشهر ، وعليه جُبّة ديباج
فلقِىَ عمر بن الخطاب وعلىّ بن أبى طالب، فصاح عمر بمن يليه: مَزَّقُوا
عليه جُبَّتَه! أيلبس الحرير وهو فى رجالنا فى السلم مهجور ! فمزّقُوا جُبَّته ،
فقال خالد : يا أبا الحسن ، يا بنى عبد مناف ، أغُلِبِتم عليها! فقال علىّ
عليه السلام : أمغالبة ترى أم خلافة ؟ قال : لا يغالب على هذا الأمر أوْلى
منكم يا بنى عبد مناف . وقال عمر لخالد: فضّ اللّه فاك! والله لا يزال كاذب
يخوض فيما قلت ثم لا يضرُّ إلا نفسه . فأبلغ عمر أبا بكر مقالته ؛ فلمّا
عقد أبو بكر الألوية لقتال أهل الرّدة عقد له فيمن عقد ، فنهاه عنه عمر
وقال : إنه لمخذول ، وإنه لضعيف التروثة ؛ ولقد كذب كذبة لا يفارق
الأرض مدْلِ بها وخائضٌ فيها، فلا تستنصر به(١). فلم يحتمل أبو بكر عليه،
وجعله ردءًا بتَيْماء ؛ أطاع عمرَ فى بعض أمره (٢) وعصاه فى بعض .
کتب إلىّ السرىّ، عن شعيب ، عن سيف،عن أبى إسحاقالشيبانى، عن
١/ ٢٠٨١ أبى صفيَّة التَّيمى؛ تَيْم بن شيبان ، وطلحة عن المغيرة ؛ ومحمد عن
أبى عثمان، قالوا: أمرَ أبو بكر خالدًا بأن ينزلَ تْيماء، ففصل ردءًا حتَّى
ينزل بَتَيْماءَ؛ وقد أمره أبو بكر ألاّ يبرَحها، وأنْ يدعُوَ مَن حَوْله
بالانضمام إليه ، وألاّ يقبل إلاّ مَّن لم يرتدّ، ولا يقاتل إلاّ من قاتله؛ حتى
يأتيه أمرُه. فأقام فاجتمع إليه جموع كثيرة ؛ وبلغ الرّوم عِظَمُ ذلك
العسكر ، فضربوا على الغرب الضَّاحية البعوث بالشأم إليهم ؛ فكتب خالد بن
(١) ز: ((تستنصرفه)).
(٢) ز: ((الآمر)).

٣٨٩
سنة ١٣
سعيد إلى أبى بكر بذلك ، وبنزول من استنفرت الرّوم ؛ ونفر إليهم من بَهراء
وكلْب وسَلِيح وتَنُوخ ولَخْم وجُدام وغَسَّان من دون زِيزاءَ بثلاث ؛
فكتب إليه أبو بكر : أن أقدْم ولا تُحْجِم واستنصر اللّه ؛ فسار إليهم
خالد، فلمَّا دنا منهم تفرّقوا وأعَرْوا منزلهم ؛ فنزله ودخل عامة مَن كان
تجمّع له فى الإسلام ؛ و کتب خالد إلى أبى بكر بذلك ؛ فكتب إليه أبو بكر:
أقدِمٍ ولا تقتحمنّ حتى لا تُؤتَى مِن خلفك. فسار فيمن كان خرج معه
من تَيْماء وفيمَن لحق به من طَرَف الرمل ؛ حتى نزلوا فيما بين آبل وزِيزاء
والقسطل ؛ فسار إليه بِطْريقٌ من بطارقة الرُّوم، يُدعى بهان؛ فهزمه وقتل ١ /٢٠٨٢
جندَه ، وكتب بذلك إلى أبى بكر واستمدّه . وقد قدم على أبى بكر
أوائلُ مستتفَرِى اليمن ومَن بين مكَّة واليمن ؛ وفيهم ذو الكلاع ، وقدم
عليه عِكْرمة قافلا وغازياً فيمن كان معه من تهامة وعُمان والبحرين والسَّرْو.
فكتب لهم أبو بكر إلى أمراء الصدقات أن يبدّلوا من استبدل ؛ فكلّهم
استبدل؛ فسُمَّ ذلك الجيش جيش البدال . فقدموا على خالد بن سعيد ؛
وعند ذلك اهتاج أبو بكر للشأم ، وعناه أمرُه . وقد كان أبو بكر ردّ عمرو بن
العاص على عمالة "كان رسولُ الله صلَّى الله عليه وسلَّم ولا ها إيّاه من
صدقات سعد هُذَيْم، وعُدْرةٍ ومَنْ لَفَّها من جُدام ، وحَدَس قبل
ذهابه إلى عُمان . فخرج إلى عُمان وهو على عِدَةٍ من عمله؛ إذا هو
رجع . فأنجز له ذلك أبو بكر .
فكتب أبو بكر عند احتياجه للشأم إلى عمرو : إنى كنت قد رددتُك على
العمل الذى كان رسولُ اللّه صلَّى الله عليه وسلم ولا كه مرّة، وسمّاه لك أخرى؛
مبعثَك إلى عُمان إنجازًا لمواعيد رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم؛ فقد وليته ثم
وليتَه ؛ وقد أحببتُ - أبا عبد الله - أن أفرّغَك لما هو خير لك فى حياتك
ومعادك منه ؛ إلاّ أن یکون الذی أنت فيه أحبّ إليك . فكتب إليه عمرو: إنى
سهم من سهام الإسلام ، وأنت بعد الله الرامِى بها، والجامعُ لها، فانظر أشدّها
وأخشاها وأفضلها فارم به شيئًا إن جاءك من ناحية من النواحى. وكتب إلى ٢٠٨٣/١
الوليد بن عقبة بنحو ذلك ، فأجابه بإيثار الجهاد .

٣٩٠
سنة ١٣
كتب إلىّ السرىّ، عن شُعَيب، عن سيف ، عن سهل بن يوسف ،
عن القاسم بن محمد ، قال : كتبَ أبو بكر إلى عمرو ، وإلى الوليد بن عُقْبة ــ
وكان على النّصف من صدقات قُضاعة - وقد كان أبو بكر شيّعهما مبعثهما
على الصدقة ، وأوصى كلّ واحد منهما بوصيَّة واحدة: اتَّقِ اللّه فى السرّ
والعلانية ؛ فإنه من يتق الله يجعل له مخرجا، ويرزقه من حيث لا يحتسب؛
ومن يتَّقِ اللّه يكفِّرْ عنه سيِّئاته ويُعظِم له أجرًا. فإنّ تقوى الله خيرُ
ما تَوَاصَى به عباد الله؛ إنَّك فى سبيل من سبُل اللّه؛ لا يَستَعُك فيه
الإذهان(١) والتفريط والغفلة عمّا فيه قوام دينكم، وعصمة أمركم، فلا تَنِ
ولا تفتُر. وكتب إليهما: استخلفا على أعمالكما، واندُبًا مَنْ يليكما .
فولَّى عمرو على عُليا قضاعة عَمَرَوَ بن فلان العذرىّ، وولَّى الوليدُ
على ضاحية قضاعة مما يلى دُومة امرأ القيس، وندبا الناس ، فتتامّ إليهما بشر
كثير ، وانتظرا أمر أبى بكر.
وقام أبو بكر فى الناس خطيبًا، فحمد الله وأثنى عليه ، وصلَّى على رسوله،
٢٠٨٤/١ وقال: ألاَ إنّ لكلّ أمر جوامعَ، فمن بلغها فهى حسبُه؛ ومن عمل الله كفاه اللّه.
عليكم بالجدّ والقصد؛ فإنّ القصد أبلغ؛ ألا إنه لادين لأحد لا إيمان له، ولا
أجرَ لمن لاحِسْبة له، ولا عمل لمن لا نيَّة له. ألا وإنّ فى كتاب اللّه من الثواب
على الجهاد فى سبيل اللّه لما ينبغى للمسلم أن يحبّ أن يُخَصَّ به؛ هى التجارةالتى
دلّ اللّه عليها، ونجَّى بها من الخزى؛ وألحق بها الكرامة فى الدنيا والآخرة .
فأمدّ عمرًا ببعض من انتدب إلى من اجتمع إليه ، وأمَّره على فلسطين،
وأمَرَه بطريق سمَّاها له؛ وكتب إلى الوليد وأمَرَه بالأرْدُنّ، وأمدّه ببعضهم:
ودعا يزيد بن أبى سفيان ، فأمّره على جُند عظيم، هم جمهور من انتدب
له ، وفى جنده سُهيل بن عمرو وأشباهه من أهل مكَّة، وشيَّعه ماشيًا .
واستعمل أبا عبيدة بن الجرّاح علَى من اجتمع [إليه]، وأمَّه على حِمْص
وخرج معه وهما ماشيان والناس معهما وخلفهما ، وأوْصَى كلّ واحد منهما .
كتب إلىّ السرىّ، عن شعيب، عن سيف ، عن سهل، عن القاسم،
(١) يقال: ذهن عن الشىء؛ أنساه إياه وألهاه عنه، ومثله أذهنه.

سنة ١٣
٣٩١
ومبشّر عن سالم، ويزيد بن أسيد الغسانىّ عن خالد، وعبادة ، قالوا: ولمَّا
قديم الوليد على خالد بن سعيد فسانده(١)، وقدمت جنود المسلمين الَّذِين
كان أبو بكر أمدّه بهم وسُمّوا جيش البدال، وبلغه عن الأمراء وتوجُّههم
إليه، اقتحم على الرّوم طلبَ الحُظْوة، وأعرى ظهره، وبادر الأمراء بقتال(٢)
الرّوم ، واستطرد له باهان فأرَزَهو ومَن معه إلى دمشق؛ واقتحم خالد فى ٢٠٨٥/١
الجيش ومعه ذو الكلاع وعِكْرمة والوليد حتى ينزل مَرْج الصُّفّر ؛ من بين
الواقوصة ود مشق ؛ فانطوت مسالح باهان عليه ، وأخذوا عليه الطرق (٣) ولا
يشعر، وزحف له باهان فوجد ابنه سعيد بن خالد يستمطر فى الناس ، فقتلوهم .
وأتى الخبرُ خالدًا، فخرج هاربًا فى جريدة ، فأفات متن أفلت من أصحابه
على ظهور الخيل والإبل ، وقد أجهِضوا عن عسكرهم؛ ولم تنته بخالد بن سعيد
الهزيمة عن ذى المروة ، وأقام عِكْرِمة فى الناس ردءًاً لهم، فردّ عنهم باهانَ
وجنوده أن يطلُبوه ، وأقام من الشأم على قريب ، وقد قدم شرحبيل بن حسنة
وافداً من عند خالد بن الوليد ، فندب معه النَّاس ، ثم استعمله أبو بكر على
عمل الوليد ، وخرج معه يوصيه ، فأتى شرحبيل على خالد ، ففصل بأصحابه
إلاّ القليل، واجتمع إلى أبى بكر أناسٌ ، فأمَّر عليهم معاوية ، وأمرَه باللحاق
بيزيد ، فخرج معاوية حتى لحق بيزيد ؛ فلما مرّ بخالد فصل ببقيّة أصحابه .
كتب إلىّ السرىّ، عن شعيب، عن سيف ، عن هشام بن عروة، عن
أبيه : أنّ عمر بن الخطاب لم يزلْ يكلم أبا بكر فى خالد بن الوليد وفى خالد
ابن سعيد؛ فأبى أن يعطيَه فى خالد بن الوليد، وقال: لاأشيم (٤) سيفاً سلَّ اللّه
على الكُفَّار ، وأطاعه فى خالد بن سعيد بعد ما فعل فَعْلته، فأخذ عمرو
طريق المُعْرِقة ، وسلك أبو عبيدة طريقه، وأخذ يزيد طريق التبوكيَّة ؛ ٢٠٨٦/١
وسلك شرحبيل طريقه ، وسمّى لهم أمصار الشأم ، وعرف أن الرُّوم ستشغلهم ؛
فأحبّ أن يصعّد المصوّب ويصوّب المصعِّد ؛ لئلا يتواكلوا ، فكان كما ظن
وصاروا إلى ما أحبّ .
(١) س: ((يسانده)).
(٣) ب وابن حبيش: ((بالطرق)).
(٢) ز وابن الأثير: ((لقتال)).
(٤) لا أشيمه : لا أُغمده .

٣٩٢
سنة ١٣
كتب إلىَّ السرىّ ، عن شعيب ، عن سيف ، عن عمرو ، عن الشعبىّ ،
قال : لما قدم خالد بن سعيد ذا المروة ، وأتى أبا بكر الخبرُ كتب إلى خالد :
أقمْ مكانك(١)، فلعمرى إنَّك مقدام محجام، نجَّاءٌ من الغمرات ،
لا تخوضها إلاّ إلى حقّ، ولا تصبر عليه. ولما كان بعد ؛ وأذن له فى
دخوله المدينة قال خالد: اعذرْنى، قال: أخَطَلٌ! أنت امرؤُ جُن لدى
الحرب . فلمّاخرج من عنده قال : كان عمر وعلىّ أعلمَ بخالد ؛ ولو
أطعتهما فيه اختشيته واتَّقيته !
كتب إلىّ السرىّ، عن شُعيب، عن سيف ، عن مبشّر وسهل
وأبى عثمان، عن خالد وعبادة وأبى حارثة، قالوا: وأوعَبَ القوّاد بالنَّاس نحو الشأم
وعكرمة ردءٌ للناس، وبلغ الرُّوم ذلك؛ فكتبوا إلى هِرَقل ؛ وخرج هرقل
حتى نزل بحِمْص ، فاعدّ لهم الجنودَ، وعبّى لهم العساكر؛ وأراد اشتغال (٢)
بعضهم عن بعض لكثرة جنده ، وفضول رجاله ؛ وأرسل إلى عمرو أخاه
تَذَارِق لأبيه وأمّه ، فخرج نحوهم فى تسعين ألفًا ، وبعث من يسوقهم ،
٢٠٨٧/١ حتَّى نزل صاحب الساقة ثنيَّة جِلَّق بأعلى فلسطين، وبعث جَرَجة بنتوذرا نحو
يزيد بن أبى سفيان ، فعسكر بإزائه ، وبعث الدُّراقص فاستقبل شرحبيل بن
حَسَنَة ، وبعث الفيقار بن نَسْطُوس فى ستّين ألفًا نحو أبى عبيدة ؛
فهابهم المسلمون وجميع فِرَق المسلمين واحد وعشرون ألفًا ؛ سوى عكرمة فى
ستَّة آلاف ؛ ففزعوا جميعًا بالكتُب وبالرّسل إلى عمرو: أن ما الرأى ؟
فكاتبهم وراسلهم : إنّ الرأى الاجتماع، وذلك أن مثلنا إذا اجتمع لم يغلَب
من قلَّة؛ وإذا نحن تفرّقْنا لم يبق الرّجل منا فى عدد يُقْرِن(٣) فيه لأحد ممن
استقبلنا وأعِدَّ لنا لكلّ طائفة منّا. فاتَّعَدوا اليَرْموك ليجتمعوا به ، وقد
کتب إلى أبی بکر بمثل ما كاتبوا به عمرا ؛ فطلع عليهم کتابه بمثل رأى عمرو ،
بأن اجتمعوا فتكونوا عسكرًا واحدًا، والقَوْا زحوف المشركين بزحف المسلمين،
(١) س: ((بمكانك)).
(٢) ابن حبيش وابن الأثير: ((إشغال)).
(٣) يقال : أقرن له : إذا غلب عليه .

سنة ١٣
٣٩٣
فإنكم أعوان الله؛ واللّه ناصرٌ مَن نصره، وخاذلٌ من كفره، ولن يؤتى
مثلُكم من قلّة؛،وإنما يؤتى العشرة آلاف والزيادة على العشرة آلاف إذا ١ /٢٠٨٨
أتُوا مِنْ تلقاء الذنوب ؛ فاحترسوا من الذّنوب ، واجتمعوا باليرموك متساندين
ولْيُصلّ كلّ رجل منكم بأصحابه.
وبلغ ذلك هرقل ، فكتب إلى بطارقته : أن اجتمعُوا لهم ، وانزلوا بالرَّوم
منزلا واسع العَطَن، واسع المطَّرَد، ضيّق المهرَب ؛ وعلى الناس التَّذارق
وعلى المقدمة جَرَجَة ، وعلى مجنّبتيْه باهان والدُّراقص ، وعلى الحرب الفيقار ؛
وأبشروا فإن باهان فى الأثر مدد" لكم . ففعلوا فنزلوا الواقوصة وهى على ضفَّةً
اليرموك، وصار الوادى خَنْدَقًا لهم؛ وهو لِهْبٌ (١) لا يدَرَك؛ وإنما أراد
باهان وأصحابهُ أن تستفيق (٢) الرُّوم ويأنسوا بالمسلمين ؛ وترجع إليهم
أفئلتهم عن طِيَرَتها .
وانتقل المسلمون عن عسكرِهم الذى اجتمعوا به ؛ فنزل عليهم بحذائهم
على طريقهم؛ وليس للرُّوم طريق إلاّ عليهم . فقال عمرو : أيّها الناس ،
أبشروا، حُصِرت واللّه الرُّوم، وقدَّمَا جاء محصور بخير ! فأقاموا بإزائهم
وعلى طريقهم؛ ومخرجهم صفر من سنة ثلاث عشرة وشهرَىْ ربيع، لا يقدرون
من الرّوم على شىء؛ ولا يخلصُون إليهم ؛ اللّهْبُ - وهو الواقوصة - من
ورائهم ، والخندق من أمامهم، ولا يخرجون خرجةً إلا أديل المسلمون منهم (٣)؛
حتى إذا سلخوا شهر ربيع الأول ؛ وقد استمدُّوا أبا بكر وأعلموه الشأن فى
٢٠٨٩/١
صفر ؛ فكتب إلى خالد ليلحق بهم ، وأمره أن يخلّف على العراق المثنّى؛
فوافاهم فى ربيع .
كتب إلىّ السرىّ، عن شُعيب ، عن سيف، عن محمَّد وطلحة وعمرو
والمهلَّب ، قالوا: ولما نزل المسلمون اليرمُوك، واستمدُّوا أبا بكر ، قال : خالد
لها . فبعث إليه وهو بالعراق، وعَزَم عليه واستحثَّه فى السَّير ، فنفذ خالد
لذلك؛ فطلع عليهم خالد، وطلع باهان على الرُّوم، وقدقدَّم قدّامَه الشَّمامِسةَ
والرّهبان والقسّيسين؛ يُغْرونهم ويحضّضونهم على القتال ، ووافق قدوم خالد
(٢) ز: ((يستثبت)).
(١) اللهب، بالكسر : الفرجة بين الجبلين.
(٣) فى اللسان: ((يقال: أديل لنا على أعدائنا، أى نصرنا عليهم، وكانت الدولة لنا)).

٣٩٤
سنة ١٣
قدومَ باهان ، فخرج بهم باهان كالمقتدر ؛ فولّ خالد قتالَه، وقاتل الأمراءُ
مَنْ بإزائهم ؛ فهزم باهان ، وتتابع الروم على الهزيمة ، فاقتحموا خندقَهم ؛
وتيمَنَّت الروم بباهان ؛ وفرح المسلمون بخالد وحَرِّد (١) المسلمون. وحَرَب (٢)
المشركون وهم أربعون ومائتا ألف ؛ منهم ثمانون ألف مقيَّد ، وأربعون ألفا
منهم مسلسل للموت ، وأربعون ألفًا مربّطُون بالعمائم ، وثمانون ألف فارس
وثمانون ألف راجل ، والمسلمون سبعة وعشرون ألفًا ممن كان مقيماً؛ إلى أن
قدم عليهم خالد فى تسعة آلاف ؛ فصاروا ستة وثلاثين ألفًا .
ومرض أبو بكر رحمه الله فى جمادى الأولى ، وتُوُفِی للنصف من جمادى
الآخرة ، قبل الفتح بعشر ليال .
٠
٠ ٠
٢٠٩٠/١
خبر اليَرْموك
قال أبو جعفر : وكان أبو بكر قد سمّى لكلّ أمير من أمراء الشام كُورَةً؛
فسمَّى لأبى عبيدة بن عبد الله بن الجرّاح حِمْص ، وليزيد بن أبى سفيان
دمَشق؛ ولشُرُحِبيل بن حَسَنَة الأردنَّ، ولعمرو بن العاصِ ولعلقمة بن
مُجَزّز فلسطين ، فلمّا فرغا منها نزل علقمة وسار إلى مِصْر. فلمّا
شارفوا الشأم، دهم كلَّ أمير منهم قومٌ كثير ، فأجمع رأيهم أن يجتمعوا
٨
يمكان واحد ، وأن يلقوا جمعَ المشركين بجمع المسلمين .
ولما رأى خالد أنّ المسلمين يقاتلون متساندين قال لهم : هل لكم يا معشر
الرؤساء فى أمْرِ يُعزّ اللّه به الدّين، ولا يدخل عليكم معه ولا منه نقيصة
ولا مکروه !
كتب إلىّ السرىّ ، عن شعيب ، عن سَيْف ، عن أبى عثمان يزيد بن
أسيد الغسَّانىْ، عن خالد وعبادة، قالا: توافى إليها مع الأمراء والجنود
الأربعة سبعةٌ وعشرون ألفًا وثلاثة آلاف من فُلاّل خالد بن سعيد، أمَّر
عليهم أبو بكر معاويةَ وشرحبيل، وعشرة آلاف من أمداد أهل العراق مع خالد
(١) الحرد : الجد والقصد إلى الأمر .
(٢) حرب المشركون : اشتد غضبهم.
٠

٣٩٥
سنة ١٣
ابن الوليد سوى ستَّة آلاف ثبتوا مع عكرمة ردءا بعد خالد بن سعيد ؛ ٢٠٩١/١
فكانوا ستّة وأربعين ألفًا، وكلّ قتالهم (١) كان على تساند، كلّ جند وأميره (٢)؛
لا يجمعهم أحدٌ ؛ حتَّى قدم عليهم خالد من العراق. وكان عسكر أبى عبيدة
باليرْموك مجاورًا لعسكر عمرو بن العاص، وعسكر شُرَحبيل مجاورًا لعسكر
يزيد بن أبى سفيان؛ فكان أبو عبيدة ربَّما صلَّى مع عمرو، وشرحبيل مع یزید.
فأما عمرو ويزيد فإنَّهما كانا لا يصلِّيان مع أبى عبيدة وشُرحبيل ، وقدم
خالد بن الوليد وهم على حالهم تلك؛ فعسكر على حِدّة؛ فصلَّى بأهلِ العراق،
ووافق خالد بن الوليد المسلمين وهم متضايقُون بمدَدِ الرّوم ؛ عليهم باهان ،
ووافق الرُّوم وهم نشاط بمددهم (٣)، فالتقوا، فهزمهم اللّه حتى ألجأهم وأمداد هم إلى
الخنادق - والواقوصة أحد حدوده - فلزموا خندقهم عامَّة شهر، يُحَضِّصُهم
القسّيسون والشَّمامسة والرّهبان وينعَوْن لهم النَّصرائَّية؛ حتى استبصروا.
فخرجوا للقتال الذى لم يكن بعده قتال مثله ، فى جمادى الآخرة .
فلما أحس المسلمون خروجهم ، وأرادوا الخروج متساندین ، سار فيهم
خالد بن الوليد ؛ فحمد الله وأثنى عليه ، وقال: إن هذا يومٌ من أيّام اللّه ،
لا ينبغى فيه الفخر ولا البغى . أخلصوا جهاد كم ، وأريدوا اللّه بعملكم ؛
فإن هذا يومٌ له ما بعده؛ ولا تقاتلوا قومًا على نظام وتعبية؛ على تساند (٤) ٢٠٩٢/١
وانتشار؛ فإن ذلك لا يحلّ ولا ينبغى. وإنّ من وراء كم لو يعلم علمكم
حال بينكم وبين هذا ؛ فاعملوا فيما لم تؤروا به بالذى تروْن أنَّه الرّأى
من واليكم ومحبَّته ، قالوا: فهات ، فما الرأى؟ قال: إنّ أبا بكر لم يبعثْنا
إلاّ وهو يرى أنا سنتياسر، ولو علم بالذى كان ويكون؛ لقد جمعكم(٥). إنّالذى
أنتم فيه أشدُّ على المسلمين ممَّا قد غشيهم ، وأنفعُ للمشركين من أمدادهم ؛
ولقد علمت أنّ الدنيا فرّقت بينكم، فاللهَ الله، فقد أفرد كلّ رجل منكم ببلد
من البلدان لا ينتقصه منه أن دان لأحد من أمراء الجنود ، ولا يزيده عليه أن
(١) ز: ((قتال)). (٢) ز: ((وأميرهم)). (٣) ب، س: ((لمددهم)).
(٤) فى اللسان ((يقال: خرج القوم متساندين، أى على رايات شتّى؛ إذا خرج كل بنى أب
على راية ولم يجتمعوا على راية واحدة تحت راية أمير واحد)). وفى ابن الأثير: ((وأنتم متساندون)).
(٥) ابن الأثير: ((لما جمعكم)).

٣٩٦
سنة ١٣
دانوا له. إنّ(١) تأمير بعضكم لا ينقصكم(٢) عند الله ولا عند خليفة رسول الله
صلَّى اللّه عليه وسلم. هلمّوا فإنّ هؤلاء تَهَّوا، وهذا يوم له ما بعده، إِنْ
رددناهم إلى خندقهم اليوم لم نزل نردّ هم ، وإن هزمونا لم نُفلح بعدها. فهلمّوا
فلْنتعاور الإمارة ، فليكن عليها بعضُنا اليوم، والآخر غدًا، والآخر بعد غد ؛
حتى يتأمَّر كلكم، ودعونى ألِيكُ اليوم(٣).
فأمَّرُوه، وهم يرون أنها كخرجاتهم ، وأن الأمر أطولُ ممَّا صاروا إليه ؛
فخرجت الرُّوم فى تعبية لم يرَ الراءون مثلها قطّ ، وخرج خالد فى تعبية لم
تُعبَّها العرب قبل ذلك ؛ فخرج فى ستّة وثلاثين كُردوسًا(٤) إلى الأربعين ،
وقال: إنّ عدوّكم قد كثُر وَطَغَى، وليس من(٥) التعبية تعبية أكثر فى
٢٠٩٣/١ رأى العين من الكراديس. فجعل القلب كراديسَ، وأقام فيه (٦) أبا عبيدة،
وجعل الميمنة كراديس وعليها عمرو بن العاص وفيها شُرَحْبيل بن حَسَنة .
وجعل الميسرة كراديس وعليها يزيد بن أبى سفيان. وکان على گردوس
من كراديس أهل العراق القعقاع بن عمرو، وعلى گردوس مذعور بن عدىّ،
وعیاض بن غنم على كرّدوس، وهاشم بن عتبة علی کُرْدوس، وزياد بن
حنظلة على كُردوس ، وخالد فى (٧) كُردوس ؛ وعلى فالّة خالد بن سعيد(٨)
دحْيَة بن خليفة على كُردوس ، وامر ؤ القيس على كُرْدُوس ، ويزيد بن
يحنّس على كُردوس ، وأبو عبيدة على كُردوس ، وعِكْرمة على كُردوس ،
وسهيل على كُردوس ، وعبد الرحمن بن خالد على كُردوس - وهو يومئذ
ابن ثمانى عشرة سنة - وحبيب بن مسلمة على كُرْدوس ، وصفوان بن أميّة
على كُردوس، وسعيد بن خالد على كُرْدوس ، وأبو الأعور بن سفيان على
كُرْدوس، وابن ذى الخِمار على كُرْدُوس ؛ وفى الميمنة عمارة بن مُخْشّى
٢٠٩٤/١ ابن خُوَيْلِد على كُردوس، وشُرَحْبيل على كُردوس(٩) ومعه خالد بن
(٢) ز وابن الأثير: ((لا ينتقصكم)).
(١) ب وابن حبيش: ((وإن)).
(٣) ب، وابن حبيش: ((ألكم))؛ وهما فى العربية سواء.
(٤) الكردوس: القطعة العظيمة من الخيل، ويقال: كردس القائد خيله، أى جعلها كتيبة منه.
(٦) ب: ((عليه)).
(٥) س: ((فى التعبية)).
(٧) ب: ((على كردوس)).
(٩) ز: ((على كردوس آخر)).
(٨) س: ((سعيد بن خالد)).

٣٩٧
ـة ١٣
سعيد، وعبد الله بن قيس على كُرُدُوس؛ وعمرو بن عبسة على كُرْدوس،
والسُمط بن الأسود على كُردوس، وذو الكَلاَع على كُردوس ، ومعاوية بن
حُدَيْج على آخر؛ وجُنْدب بن عمرو بن حُمَمَة على كُردوس ، وعمرو بن
فلان على كردوس ؛ ولقيط بن عبد القيس بن بجرة حليف لبنى ظَفَرَ من
بنى فزارة على كُرْدوس، وفى المَيْسَرة يزيد بن أبى سفيان على كُرْدوس،
والزُّبَير على كُرْدوس، وحَوْشب ذو ظُلْيْم على كُرْدوس ، وقيس بن
عمرو بن زيد بن عوف بن مبذول بن مازن بن صعصعة من هوازن - حليف
لبنى النَّجَّار- على كُردوس، وعِصْمة بن عبد الله - حليف لبنى النجار من
بنى أسد - على كُردوس، وضرار بن الأزور على كُردوس ، ومسروق بن فلان
على كُرْدُوس، وعُشْبة بن ربيعة بن بھْز- حليف لبنى عِصْمة ــ على كردوس،
وجارية بن عبد الله الأشجعىّ - حليف لبنى سلمة - على كُردوس، وقبات
علی کردوس .
٢٠٩٥/١
وكان القاضى أبو الدرداء ، وكان القاصَ أبو سفيان بن حرب ، وكان
على الطَّلائع قَبَاث بن أشيم؛ وكان على الأقباض (١) عبد اللّه بن مسعود.
كتب إلىّ السرىُّ ، عن شعيب ، عن سيف، عن محمد وطلحة نحوًّا من
حديث أبى عثمان؛ وقالوا جميعًا: وكان القارىء المِقْداد. ومن السُّنَّة التى
سنَّ رسولُ اللّه صلَّى الله عليه وسلَّم بعد بدر أن تقرأ سورة الجهاد عند
اللَّماء ؛ وهى الأنفال ، ولم يزَلِ النَّاس بعد ذلك على ذلك .
كتب إلىّ السرىُّ، عن شعيب ، عن سيف ، عن أبى عثمان يزيد بن
أسيد الغَسَّانى، عن عبادة وخالد؛ قالا: شهد اليَرْموكَ ألفٌ من أصحاب
رسول الله صلى الله عليه وسلم، فيهم نحو من مائة من أهل بدر . قالا:
وكان أبو سفيان يسيرُ فيقِف على الكراديس، فيقول: اللّه اللّهَ ! إنكم
ذَادةُ العرب، وأنصارُ الإسلام، وإنهم ذَادة الرُّوم وأنصار الشرك !
اللهمّ إنّ هذا يومٌ من أيَّامك؛ اللهم أنزلْ نصرك على عبادك!
قالا : وقال رجل لخالد: ما أكثرَ الرومَ وأقلّ المسلمين ! فقال خالد :
(١) الأقباض : جمع قبض ، بفتحتين ؛ وهو ما جمع من الغنائم .

٣٩٨
سنة ١٣
ما أقلَّ الروم وأكثر المسلمين ! إنما تكثُر الجنود بالنَّصر وتقلّ بالخذلان ؛
لا بعدد(١) الرِّجال؛ والله لوددت أنّ الأشقر (٢) براء" من توجيه (٣)؛ وأنهم
٢٠٩٦/١ أضعفوا فى العدد - وكان فرسه قد حفِىَ فى مسيره - قالا: فأمر خالد عكرمة
والقَعْقاع، وكانا على مجنَتَى القَلْب، فأنشبا القتال ، وارتجز القعقاع
وقال :
ياليتنى ألقاك فى الطِّرَادِ قبلَ اعتِرام الجَحْفَلِ الوَرَّادِ
• وأنت فى حلبتك الوِرادِ .
وقال عِكْرمة :
قد عَلِمِتْ بَهْكَنةُ الجوارى(٤) أنِّى على مَكْرُمَةٍ أحامِى(٥)
فنشِب، القتال ، والتحمَ النَّاس ، وتطارد الفرسان ؛ فإنَّهم على ذلك إذ
قدم البريد من المدينة ؛ فأخذته الخيول ؛ وسألوه الخَبر ؛ فلم يخبرهم إلا
بسلامة ؛ وأخبرهم عن أمداد ؛ وإنما جاء بموت أبى بكر رحمه اللّه وتأمير
٢٠٩٧/١ أبى عبيدة؛ فأبلغوه خالدًا، فأخبره خبر أبى بكر؛ أسرّه إليه(٦)، وأخبره بالَّذى
أخبر به الجندَ . قال : أحسنتَ فقفْ، وأخذ الكتاب وجعله فى كنانته ؛
وخاف إن هو أظهر ذلك أن ينتشر له أمر الجند ؛ فوقف محمية بن زُنَيم مع
خالد؛ وهو الرسول ؛ وخرج جرّجة (٧)؛ حتى كان بين الصفّين،ونادى: ليخرجْ
إلىّ خالد، فخرج إليه خالد وأقام أبا عبيدة مكانه ، فوافقه بين الصّفّین ؛حتى
اختلفت أعناق دابَّتيهما (٨)، وقد أمَّن أحدُهما صاحبه، فقال جَرَجَة:
يا خالد أصدقنى ولا تكذبْنى فإنّ الحرّ لا يكذب ولا تخادعى فإنّالكريم
لا يخادع المسترسل بالله؛ هل أنزل اللّه على نبيكم سيفاً من السماء فأعطاكه،
(١) ز: ((تعدد)). (٢) الأشقر من الخيل: الأحمر فى مغرة حمرة؛ يحمر منها السبيب؛
ويطلق على عدة أفراس لأصحابها (٣) وجى الفرس وتوجى ؛ أى أصيب بالوجا ، وهو أن يشتكى
(٤) البهكنة : الجارية الخفيفة الروح الطيبة الرائحة المليحة الحلوة.
الفرس باطن حافره .
(٥) ز: ((أدارى)).
(٦) ز: ((فأسره وأخبره)).
(٧) جرجة، بفتحات، كذا ضبطه صاحب القاموس، وقال: ((اسم مقدم عسكر الروم
(٨) س والنويرى: ((دوابهما)).
يوم اليرموك)» .

٣٩٩
سنة ١٣
فلا تسلَّه على قوم(١) إلاّ هزمتهم؟ قال: لا، قال : فبمَ سُميت سيف
الله؟ قال: إن الله عزّ وجلّ بعث فينا نبيَّه صلَّى اللّه عليه وسلَّم، فدعانا
فنفرنا عنه(٢) ونأيْنا عنه جميعًا . ثم إنّ بعضنا صدّقه وتابعه ؛ وبعضنا
باعده وكذّبه ؛ فكنت فيمن كذّبه وباعده وقاتله. ثم إن الله أخذ بقلوبنا
ونواصينا؛ فهدانا به ، فتابعناه . فقال : أنت سيف من سيوف اللّه سلَّه
اللّه على المشركين! ودعا لى بالنّصر؛ فسُمَّيت سيف الله بذلك؛ فأنا من
أشدّ المسلمين(٣) على المشركين. قال صدقَتَى، ثم أعاد عليه جَرَجة :
يا خالد، أخبرنى إلامَ تدعونى؟ قال: إلى شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدًا
عبده ورسوله ، والإقرار بما جاء به من عند الله، قال: فَمنْ لم يُجبْكم؟
قال : فالجِزْيَة ونمنعهم ، قال : فإن لم يعطيها ، قال : نؤذنه بحرب ، ثم
نقاتله . قال : فما منزلةُ الَّذِى يدخل فيكم ويجيبكم إلى هذا الأمر اليوم ؟ ٢٠٩٨/١
قال : منزلتُنا واحدة فيما افترضَ الله علينا، شريفنا ووضيعنا، وأوّلنا وآخرنا.
ثم أعاد عليه جَرّجة: هل لمن دخل فيكم اليوم يا خالدُ مثل مالكم من الأجر
والذّخْر؟ قال : نعم ، وأفضل ؛ قال : : وكيف يساويكم وقد سبقتموه ؟
قال: إنَّا دخلْنا فى هذا الأمر، وبايَعْنا (٤) نبينا صلَّى الله عليه وسلَّم وهو
حىّ بين أظهرنا، تأتيه أخبار السماء(٥) ويخبرنا بالكتب ، ويرينا الآيات ،
وحقّ لمن رأى ما رأينا(٦)، وسمع ما سمعنا، أن يُسْلِم ويبايع (٧)؛ وإنكم أنتم
لم تروْا ما رأينا، ولم تسمعوا ما سمعنا من العجائب والحُجَج؛ فُمنْ دخل فى
هذا الأمر منكم بحقيقة ونيّة كان أفضل منَّاً. قال جرجة : بالله لقد صدقتنى
ولم تخادعتى ولم تألّفْنى ! قال: باللّه؛ لقد صدقتُك وما بى إليك ولا إلى
أحد منكم وحشة (٨)؛ وإنَّ اللّه لَولِىُّ ما سألت عنه. فقال: صدقَتْنى؛ وقلب
التّرس ومال مع خالد، وقال: عَلَمْتِى الإسلام، فمال به خالد إلى
فُسطاطه، فشنّ عليه قربَة من ماء، ثم صلَّى ركعتيْن؛ وحملت الرُّوم مع
(٢) ابن حبيش: ((منه)).
(١) س، وابن حبيش وابن كثير: ((أحد)).
(٤) ابن الأثير: ((اتبعنا))، وابن حبيش: ((تابعنا)).
(٣) ز: ((الناس)).
(٥) ز: ((يأتينا بأخبار السماء)).
(٦) س: ((مثل ما رأينا)).
(٧) س وابن حبيش: (ويتابع)).
(٨) ابن حبيش: ((حاجة)).

٤٠٠
سنة ١٣
انقلابه إلى خالد ؛ وهم يرون أنَّها منه حملة ، فأزالوا المسلمين عن مواقفهم إلا
المحامية ، عليهم عكرمة والحارث بن هشام . وركب خالدٌ ومعه جرَجة والرُّوم
خلالَ المسلمين ؛ فتنادَى الناس ، فثابوا ، وتراجعت الرُّوم إلى مواقفهم ،
فزحف بهم خالد حتى تصافحوا بالسُّيوف ، فضرب فيهم خالد وجَرَجَة
٢٠٩٩/١ من لدن ارتفاع (١) النهار إلى جُنُوح الشمس للغروب، ثم أصِيبَ جرجَة ولم
يصلّ صلاة سجد فيها إلا الرّكعتين اللَّتيْن أسلم عليهما، وصلَّى الناس
الأولى والعصر إيماءً ، وتضعضع الروم ، ونَهَد خالد بالقلب حتَّى كان بين
خيلهم ورجْلهم ، وكان مقاتَلهُم واسعَ المطَّرد، ضيق المهرب ؛ فلمَّا
وجدت خيلُهم مذهَبًا ذهبت وتركوا(٢) رَجْلهم فى مصافِّهم؛ وخرجت
خيلُهم تشتدّ بهم فى الصحراء ، وأخَّرِ النَّاس الصلاة حتى صلّوا بعد الفتح .
ولما رأى المسلمون خيلَ الروم توجَّهت للهَرَب ، أفرجوا لها ، ولم يحرّجوها ؛
فذهبت فتفرّقت فى البلاد ، وأقبل خالد والمسلمون على الرّجْل ففضّوهم؛
فكأنما هُدم بهم حائط؛ فاقتحموا فى خندقهم ، فاقتحمه عليهم فعمدوا إلى
الواقوصة، حتى هوى فيها المقترنون وغيرهم، فمَنْ صبر من المقترنين للقتال
هوى به من خَشَعَتْ(٣) نفسُهُ، فيهوِى (٤) الواحد بالعشرة لا يطيقونه (٥)؛ كلّما
هوى اثنان كانت البقيَّة أضعف (٦)، فتهافت (٧) فى الواقوصة عشرون ومائة ألف؛
ثمانون ألف مقترن (٨) وأربعون ألف مطلق؛ سوى مَنْ قُتِل فى المعركة من
الخيْل والرّجل؛ فكان سهم الفارس يومئذ ألفا وخمسمائة، وتجلّل الفيقار
وأشرافٌ من أشراف الرُّوم برانستهم ، ثم جلسوا وقالوا : لا نحب أن نرى يوم
١/ ٢١٠٠ السَّوء إذْ لم نستطع أن نرى يوم السرور، وإذ لم نستطع أن نمنع النصرانيَّة؛
فأصيبوا فى تزمّلهم .
كتب إلىَّ السرىُّ ، عن شعيب ، عن سيف ، عن أبى عثمان ، عن خالد
(١) ز: ((طلوع)).
(٣) ط: ((جشعتْ))، وما أثبته من س.
(٥) س: ((ولا يطيقونه)).
(٧) النويرى: ((فتهادت)).
(٢) ز: ((وتركت)).
(٤) س: ((فهوى)).
(٦) س: ((أضعف منها)).
(٨) ز، س: ((مقترنين)).